وإذا كان مؤتمر المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة حاول أن يناقش البعد الثقافي للقضية, وخطورة "العولمة" على الثقافة العربية إلا أن الوجوه التي دعيت للمؤتمر وقدمت أبحاثا كانت من المؤيدين لـ "العولمة" لأنها "انفتاح على ثقافة الغير".
وانصب اهتمام المؤتمر في الأساس على "العولمة والهوية الثقافية" أما ندوة "العولمة والاتجاهات المجتمعية في الوطن العربي" المنعقدة في القاهرة فقد انصب اهتمامها في الأساس على البعدين الاقتصادي والاجتماعي واهتمت كما جاء في الدراسة التي أعدها المفكر الاقتصادي سمير أمين على "تحليل العولمة وتأثيراتها وآلياتها" وناقش المسألة من منظور أيديولوجي, وقدمت الندوة رؤية لمناخ العصر ... وإن كانت انصبت على محاكمة النظام العالمي الجديد, والقوة المهيمنة على العالم وتمركز الحضارة الرأسمالية حول أفكار اقتصادية.
الأمر الذي انعكس - بالطبع- على الهيمنة الرأسمالية على الجوانب السياسية والثقافية والاجتماعية ولكن المؤتمر أغفل الجوانب الاجتماعية للعولمة وآثارها على حياة الشعوب وقيمها وسلوكياتها.
وبغض النظر عن دفاع البعض المستميت عن "العولمة" وتحفظ البعض اللامحدود عليها فإن لـ "العولمة" أبعادها السياسية التي ستنعكس حتما على العالم الإسلامي.
فالعولمة في الأساس نتاج انهيار نظام عالمي كان يقوم "القطبية الثنائية" بانهيار أحد أقطاب النظام - وهو الاتحاد السوفيتي – بل وزواله تماما بانتهاء الحرب الباردة وسيادة قطب واحد أخذ يسيطر على هذا العالم سياسيا وعسكرياً, الأمر الذي أحدث هوة عميقة وخللاً كبيراً في المنظومة السياسية العالمية, وفي ظل عدم التكافؤ في القوة والإمكانات بدأ الخلل يظهر, ولمعالجة هذا الخلل وجدنا من يبشر بقيام نظام عالمي جديد قوامه "سيادة حقوق الإنسان" و"الحرية الديمقراطية" و"دور أكبر ومؤثر للأمم المتحدة في حل المنازعات سلميا" وظهرت آثار هذا النظام في إنهاء التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا ونهاية حكم الأقلية البيضاء وبداية حكم الأغلبية السوداء, وبدأ يذوب الجليد بين واشنطن وبكين بعد عداوة طويلة, وأخذت واشنطن تلعب الدور الأكبر في صنع السياسة الروسية, ونجحت في "تطويع" الكرملين بتنصيب يلتسين رئيسا ودعمه وتأييده بلا حدود.
وأخذت معالم النظام العالمي الجديد تتضح أكثر وتأخذ أبعادا متناقضة, فالشرعية الدولية تتدخل لتفرض قوانين وقرارات الأمم المتحدة في مكان وتتغاضى عن تنفيذ هذه القوانين في مكان آخر, فتحكمت "المصالح الدولية" في تسيير دفة هذا النظام, وتحكمت الشركات متعددة الجنسيات في صنع القرار السياسي, فهناك أكثر من (٢٠٠) شركة متعددة الجنسيات هي التي تصنع اليوم القرار السياسي. وظهرت سياسة "الكيل بمكيالين" حيث يكيل النظام العالمي الجديد بمكيالين حيث يطبق قرارات الأمم المتحدة بحذافيرها في مكان, ويتجاهل تماما القرارات الدولية في مكان آخر, الأمر الذي دفع د. كلوفيس مقصود مدير مركز عالم الجنوب في الجامعة الأمريكية في واشنطن إلى وصف "هذا النظام الجديد بالفوضى" وقال: "لا هو نظام عالمي ... ولا هو جديد ... بل هو فوضى متميزة بنزاعات إقليمية تعيد إلى الواجهة تيارات فكرية كنا اعتقدنا أنها مر عليها الزمن" (١).
стр. 632
فالذي نشاهده اليوم في ظل هذا النظام الجديد, والتبشير بـ "العولمة" دولا تفككت كما يحدث الآن في أفغانستان والصومال والكونغو الديمقراطية ومذابح ضد الإنسان ارتكبت دون تحقيق دولي كما حدث في البوسنة والهرسك – في قلب أوروبا – ويحدث اليوم في كوسوفو, وحدث في رواندا حيث أبيد أكثر من نصف مليون مواطن دون أن تحرك القوى المهيمنة ساكنا, بل إن تدخلات الشرعية الدولية في بعض المناطق أدت إلى نتائج عكسية, ففي البوسنة سقطت سربنيتشا وأباد الصرب أكثر من أربعة آلاف مسلم وهي تحت الحماية الدولية ورجال القبعات الزرقاء, وفي الصومال تدخلت الأمم المتحدة فكانت الكارثة, زادت الصراعات وزاد القتال, حتى المحاكمات لمجرمي الحرب التي صدرت بها قرارات من مجلس الأمن الدولي لم تنفذ سواء ضد مجرمي الحرب في البوسنة أو في رواندا, وحتى المواثيق والمعاهدات الدولية لم تحترم ولم تنفذ, مما جعل المنبهرين بالنظام العالمي الجديد وبإفرازاته السياسية والاقتصادية والثقافية يتضجرون من هذا النظام وتناقضاته.
فالنظام الجديد الذي حاول - سياسيا- عولمة "ديمقراطية" ومنظوره الخاص لـ "حقوق الإنسان" وفهمه لـ "الحرية" تجاهل تماماً وضعية الشعوب الأخرى وظروفها ومتطلباتها, وكان النتاج عولمة الفقر إضافة إلى عولمة السوق, واستقطاب جديد من الشمال الغني المسيطر للجنوب الفقير, وتبني القوى الدولية للقضايا التي تريد ما دامت مصلحتها تقتضي ذلك, وتتجاهل قضايا أساسية لعدم وجود مصلحة لها.
وإذا كان النظام العالمي الجديد والسياسات التي تحكمت في تسيير دفة العالم والهيمنة عليه هي التي أفرزت ظاهرة "العولمة" فإن هذا النظام وآلياته يسير من قبل دول ومؤسسات وهيئات دولية تتحكم في النظام الاقتصادي في العالم, فآلية النظام الاقتصادية مكنت الدول الغربية القوية مادياً وتكنولوجياً من الضغط على دول العالم الثالث, لتفتح اقتصادياتها أمام رأس المال والمنتجات الغربية كما مكنتها في الأساس من "خلخلة" العوائق القانونية والمالية التي تضعها الدول - في الجنوب - أمام منتجات الشمال ... الأمر الذي جعل الدول الغنية تقوض الأسس التي تقوم عليها أركان الدول في العالم الثالث الفقير, وجاءت اتفاقيات الجات في ١٩٩٤م لتتحكم منظمة التجارة العالمية, في الاقتصاد العالمي, بتحكمها في ٠٩% من حركة التجارة العالمية, والدول في العالم الثالث ملزمة بالدخول في اتفاقيات الجات والتسليم بها, وفتح أسواقها أمام منتجات وسلع الدول الغنية, الأمر الذي يحطم اقتصاديات هذه الدول.
فالنظام العالمي الجديد يسعى بكل قوة لتنفيذ مصالح القوة العالمية الدولية ومصالح الشركات متعددة الجنسيات. وإن أي سعي في ظل "العولمة الاقتصادية" لتحقيق التنمية الذاتية أو المعتمدة على النفس تواجه بعراقيل من صنع ووضع القوى وعوامل خارجية وهي بالقطع ستكون معادية لأي جهد وطني, فبلدان "المركز" التي تدير "عولمة الاقتصاد" تجني المكاسب الطائلة بفضل تبعية "بلدان التخوم" لها سياسياً واقتصادياً وإعلامياً بل ثقافياً (١).
المصدر: العولمة لسليمان الخراشي
١ - العولمة الاقتصادية
الأسئلة التي سبق طرحها يعاد طرحها مرة أخرى لفهم المشكلة الاقتصادية، فطالما أن الأعراق متنوعة، والثقافات متعددة، والأديان مختلفة، والأهواء متباينة، فمن يحكم هذه الصبغة الواحدة؟ من يضع ضوابطها ويحدد قوانينها؟
ولأن هذا نذر يسير من الأسئلة والإشكالات، فلا عجب أن تشهد (براغ) عنفاً لم تشهد مثله منذ قرون! فقد انقلبت العاصمة التشيكية في سبتمبر من عام ألفين رأساً على عقب، ففي اليوم السادس والعشرين تلقى عشرات الآلاف، بل مئات الآلاف من خلال شبكة الإنترنت رسالة تحدد موعداً للقيام بتحرك في مدينة (براغ) التشيكية، وتطالب الرسالة أولئك الذين تلقوها، بالحضور في الموعد المحدد من أجل المساهمة في التظاهر ضد العولمة والرأسمالية العالمية. للاحتجاج على الشركات والمؤسسات الكبرى التي أصبحت تتحكم بمصائر العالم من خلال تزايد نفوذها أكثر فأكثر وما يتبع ذلك من آثار مأساوية على العديد من شعوب العالم وخاصة الفقيرة منها المستثناة عملياً من دورة المناقصة التجارية.
وقد تم اختيار الموعد على ضوء انعقاد المؤتمر السنوي لصندوق النقد والبنك الدوليين في مدينة (براغ) نفسها، ومما يلفت النظر أن الدعوة وجهت خطاباً خاصاً لمن سبق له التظاهر ضد العولمة في (سياتل) و (ملبورن) و (لندن).
ويرى بعض الغربيين: أن العولمة الرأسمالية والحركات النقابية والعمالية والاجتماعية المضادة لها سيكون بينهما صراع كبير في القرن الحادي والعشرين، وقد ابتدأ بالفعل هذا الصراع في مطلع القرن الحادي والعشرين في مدينة (سياتل) بأمريكا -معقل فكرة العولمة- عام (١٩٩٩). فمؤتمر (سياتل) الذي اجتمعت فيه معظم الحركات والمنظمات المضادة للعولمة استطاع أن يكشف مؤتمر التجارة العالمية الذي يضم قادة العالم الرأسمالي (١).
إذاً فمناهضة العولمة حركة عالمية لا تخضع لأيديولوجية معينة بمعنى أنها ليست محصورة في إيديولوجيا كالماركسية مثلاً وهذا ما كان يحصل للحركات النقابية العمالية سابقاً، بل هي حركة تتجاوز القوميات والأقطار وتعمل لصالح العمال والفلاحين والمضطهدين في شتى أنحاء العالم، كما يزعم أنصارها.
فإذا كانت المعارضة للعولمة حدت بطرح هذا التساؤل، وهذه الآراء في الدول الغربية لكون الفارض والمسيطر دولة أخرى، فإن ما يسمى بدول العالم الثالث أشد معارضة لهذا النظام، والإسلامية والعربية منها على وجه الخصوص، فكيف تخضع هذه الأمم لغير الشرائع الإلهية أو الأحكام الدينية، ثم إن الدراسات الاقتصادية أو التجارية والإحصائية والاجتماعية المبنية على مصلحة مجتمع ما، ليس من العدالة فرضها على المجتمعات الأخرى.
المصدر: رسالة المسلم في حقبة العولمة لناصر بن سليمان العمر ص١٨
стр. 635
٢ - العولمة الثقافية
• أ- العلاقة بين الثقافة الإسلامية والعولمة.
• ب- آثار العولمة الثقافية.
стр. 636
أ- العلاقة بين الثقافة الإسلامية والعولمة
إن الله هو رب العالمين، والدين الذي ارتضاه للعالم هو الإسلام وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:٨٥]، وقد بعث الله محمداً ﷺ رحمة للعالمين، فأدى الرسول الكريم رسالة ربه، فخاطب العرب والعجم، بل دعا الثقلين، ثم أخبر من لا ينطق عن الهوى بأن دين هذه الأمة ظاهر، وأنه أكثر الأنبياء تبعاً. فأمة الإسلام مبعوثة لتنقل ركناً ركيناً من أركان الثقافة إلى البشرية بل إلى العالم، فقد قال الله تعالى عن نبيه محمداً ﷺ : وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس:٧٠ - ٧١] ومما قيل في معناها: "لينذر بهذا القرآن المبين كل حي على وجه الأرض" (١).
وقال سبحانه: قل ما أسألكم عليه من أجر قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ [ص:٨٧]، وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ [يوسف:١٠٤]، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء:١٠٧]، وقال سبحانه: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:١]، وما أرسلناك وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [سبأ:٢٨].وفي حديث الصحيحين: ((أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي، قال ﷺ : كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة)) (٢).
فاستجاب نبينا ﷺ لأمر ربه وبدأ بدعوة قومه، فاستجاب له قلة وجمع من الضعفاء على استخفاء، أما الأقوياء والكبراء فقد فرحوا بما عندهم من العلم، وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [سبأ:٣٥] فجاهروا بصريح العداء، وزعموا أن ما جاء به محمد ﷺ معتقدات (راديكالية) بالية، لها جذور قديمة، لا أساس لها من الصحة إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ [الشعراء:١٣٧]، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا [الفرقان:٥].
ولكن سنة الله في الأمم تمضي فما هي إلاّ سنوات قلائل حتى تغيرت الحال، ومما امتن الله به على عباده المؤمنين: وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال:٢٦].
وتنفيذاً لأمر الله لم يكتف ﷺ ، بدعوة من بدأ بهم من عشيرته الأقربين، فدعا قومه ثم سائر العرب، بل خاطب الأمم والشعوب ممثلة في عظمائها، وكان من ثمرات ذلك إسلام بعضهم كالنجاشي بأرض الحبشة، وإقامة جسور للدعوة بأرض مصر عن طريق الاتصال بمقوقسها، أما كسرى فمزق رسالة محمد ﷺ فمزق الله ملكه، وعظيم الروم آثر اتباع الهوى من بعد ما تبين له الحق.
стр. 637
ولأنه ﷺ رحمة للعالمين لم يكتف بدعوة البشر بل دعا ﷺ الجن أيضاً فانقسموا وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا [الجن:١٤]، قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن:١ - ٢]، وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [الأحقاف:٢٩ - ٣٢].
إن هذا الانتشار الواسع لأمة جاءت في ختام الأمم، لدليل يبين أن لديها من الخصائص والمميزات ما لا يوجد في سواها.
كما أن لسيادتها وظهورها في عصرها الأول عندما قام أهلها بها حق القيام، لدليل على صدق الوعد بظهورها في الآخرين على سائر الملل.
فإذا سرنا على نفس الطريق تحقق الوعد الإلهي بظهور هذه الدعوة وقبولها على نطاق واسع، وإذا تأخرنا تأخر، وبشائر الحاضر بحمد الله حاضرة شاهدة، فعجلة الدعوة رغم النكوص والعراقيل والحواجز والسدود لم تتوقف وإن تباطأت، فدعوة الإسلام -بحمد الله- في اطراد مستمر، والناس يدخلون في دين الله يوماً بعد يوم، رغم ضعف الآلة الإعلامية والمقومات المادية الأخرى.
ومتى رجع المسلمون لسابق عهدهم وترسموا خطى سلفهم، ازدادت قوة دعوتهم، وانتشرت ثقافتهم واكتسحت، كما ظهر الصدر الأول وعلا في سنوات قلائل.
ومن البشائر أيضاً أنه ليس ثمة مكان -بحمد الله- في أرض الله يخلو من مسلم، وهذا يدل على مواءمة دعوة الإسلام وثقافته لكافة المجتمعات، وعلاجها لظروف أي زمان ومكان، وليس هذا تنظيراً علمياً بل هو واقع عملي.
وليس معنى هذا أن دعوة الإسلام خاضعة للتشكل كالطين أو العجين، يلعب به الصبيان فيصورونه كيف شاءوا، ولكن المراد بيان أن في شريعة الله علاجاً لكافة أوضاع البشر أين كانوا وأيان وجدوا، وأن من تمسك بها فهو موعود بالحياة الطيبة، وكل المطلوب ممن أرادها هو أن ينهل من المعين الصافي الذي نهل منه الصدر الأول، دون أن يحاول تغيير مجراه، أو تحسين محتواه، فالذي وضعه عليم خبير، والذي أداه حريص أمين.
فالواجب أن نؤدي ما علينا من تبليغ دعوة الله، فنأخذ بالأسباب المادية ونضع الخطط والبرامج الاستراتيجية، والله قد كفل القبول والعالمية.
المصدر: رسالة المسلم في حقبة العولمة لناصر بن سليمان العمر ص٤٠
стр. 638
ب- آثار العولمة الثقافية
أولاً الآثار العقدية:
١ - خلخلة عقيدة المسلمين، والتشكيك فيها، وذلك عبر وسائل وأساليب متعددة، مباشرة وغير مباشرة. وإذا ضاعت العقيدة، وفقد المسلم ركناً ركيناً يجنح إليه إذا تشعبت الأمور، فكيف تكون حاله؟ إن في ما نشهده من نسبة ارتفاع وفيات الانتحار في العالم الغربي مقارنة بالعالم الإسلامي، جواباً على هذا السؤال.
وقف الكون حائرا أين يمضي ... ولماذا وكيف لو تشاء يمضي
عبث ضائع وجهد غبين ... ومصير مقنع ليس يرضي
٢ - إضعاف عقيدة الولاء والبراء، والحب والبغض في الله
إن استمرار مشاهدة الحياة الغربية، وإبراز زعماء الشرق والغرب داخل بيوتنا، والاستمرار في عرض التمثيليات والمسلسلات، والاستماع إلى الإذاعات، والأشكال الأخرى لاستيراد الثقافات سيخفف ويضعف من البغض لأعداء الله، ويكسر الحاجز الشعوري، فمع كثرة الإمساس يقل الإحساس. والله جل وعلا يقول: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:٢٢].
٣ - تقليد النصارى في عقيدتهم وذلك باكتساب كثير من عاداتهم المحرمة التي تقدح في عقيدة المسلم، كالانحناء، ولبس القلائد والصلبان، وإقامة الأعياد العامة والخاصة، وقد رأينا القصات العالمية، وأشهر (الموضات)، إلى غير ذلك من صنوف التشبه المحرمة (ومن تشبه بقوم فهو منهم) (١).
٤ - نشر الكفر، والإلحاد، حيث إن كثيراً من شعوب تلك الدول لا يؤمنون بدين، ولا يعترفون بعقيدة سماوية. فلا حرج عندهم إذا نشروا أفلاماً تدعو بطريقة أو بأخرى لتعلم السحر، ومن أمثلتها أفلام السحر التي يقحمونها ببعض الألعاب القتالية، وهي منتشرة.
٥ - ومن أخطر الآثار العقدية الدعوة إلى النصرانية فالعولمة الغربية تتيح للتيارات الفكرية الموجودة بها نشر أفكارها، عن طريق الاستفادة من تقنياتها، فبينما تطحن العولمة الاقتصادية الشعوب الفقيرة يوجد أسطول طائرات يضم أكثر من ٣٦٠ طائرة في أمريكا وحدها توزع بها الكنائس الإعانات على الفقراء، ومع الدعوة للانفتاح الإعلامي وبينما لا يتجاوز عدد الإذاعات الإسلامية أصابع اليدين يربو عدد الإذاعات والتلفزيونات التنصيرية عن ٤٠٥٠ إذاعة، وهذا أيضاً في أمريكا وحدها وفقاً لإحصائيات (دافيد بار) خبير العمل الإحصائي في الولايات المتحدة، ووفقاً لإحصائيات عام ١٩٩٢ فيوجد بالعالم ٢٤٩٠٠ مجلة تنصيرية، وعلى الصعيد السياسي يجد المتأمل أن التيارات الأصولية لها أثرها البين على السياسة الأمريكية وبالأخص اليمين المسيحي، والذي من أبرز رجالاته (بات روبرتسون)، و (جيري فلويل)، و (جيري فيناز)، و (فرانكلين جرهام) صاحب الحملة (الإغاثية!) إبان غزو العراق. وقديماً استرعى الانتباه المشروع التنصيري الذي يستعد الفاتيكان فيه لبناء محطة تلفزيونية كبيرة، للبث في كافة أنحاء العالم للتبشير بتعاليم الإنجيل بواسطة ثلاثة أقمار اصطناعية تسمى بمشروع نومين (٢)(٢٠٠٠) مع العلم أن القمر الواحد يغطي ثلث مساحة الكرة الارضية. كما عقد قديماً في هولندا اجتماع عالمي للتنصير حضره (٨١٩٤) منصر، من أكثر من مائة دولة، وكلف (٢١) مليون دولار، برئاسة المنصر جراهام، وقد تحمل نفقات هذا المؤتمر منظمة سامرتيان برس، وهدف المؤتمر دراسة كيفية الإفادة من البث المباشر في التنصير (٣).ويقول الدكتور: عمر المالكي: "والأمر الملفت للنظر وجود شبكة للبرامج الدينية التي تشرف عليها الكنائس، مثل شبكة البث المسيحي (٤) NBN وشبكة CBN والشبكة الأخرى يصل بثها إلى أكثر من سبعة عشر مليون عائلة عن طريق الكابلي VATC وبرامجها على مدار الساعة تقدم عن طريق القمر الصناعي SATC ٣ وتوجد عدة قنوات للبث الديني، واحدة منها للبث الديني اليهودي، ومن المقرر بنهاية ١٩٩٠ م أن يصل عدد الكنائس الموصلة بشبكات البث الخاص عن طريق الأقمار الصناعية إلى عدة آلاف" (٥)
هذه بعض آثار وأخطار العولمة الثقافية على عقيدة المسلمين ودينهم، وقد لا تبدو تلك الآثار سريعة، ولكن مع الزمن والتكرار يحدث الأثر.
المصدر: رسالة المسلم في حقبة العولمة لناصر بن سليمان العمر ص٤٨
стр. 639
٣ - العولمة الإعلامية
إن العولمة منظومة متكاملة يرتبط فيها الجانب السياسيُّ بالجانب الاِقتصادي، والجانبان معاً يتكاملان مع الجانب الاجتماعي والثقافي، ولا يكاد يستقل جانبٌ بذاته، ولكن آلة ذلك كله التي لا تنفصل البتة عن أي شكل من أشكال العولمة هو الإعلام بوسائله المتعدد، فمهما رأيت صوراً لعولمة ثقافية أو اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية، فاقطع بأنها جاءت محمولة عبر آلية إعلامية.
فنجاح مروجي ثقافاتهم واقتصادياتهم وسياساتهم بل وحروبهم، كان من أعظم أسبابه نجاحهم في عولمة إعلامهم.
وإذا كان حافظ إبراهيم قال منذ عشرات السنين:
لكل زمان مضى آية وآية هذا الزمان الصحف
فاليوم لم تعد الصحف هي الوسيلة الإعلامية الوحيدة بل تعددت قنوات ووسائل الاتصال حتى حار الإنسان فيها، واتخذت أشكالاً عدة أبرزها ما يلي:
١ - الإذاعات: وهي أوسع القنوات الإعلامية انتشاراً للأسباب التالية:
(أ) أنه يشترك فيها المتعلم، والعامي، والصغير والكبير، والرجل والمرأة.
(ب) قلة تكلفتها المادية، بخلاف كثير من وسائل الإعلام الأخرى، فما على المرء إلا أن يشتري جهاز راديو حسب إمكاناته المادية، حتى لو لم يملك إلا دريهمات معدودة. فسيجد ما يلائمه منها، مما يحوي عدة موجات.
(جـ) سهولة الاستعمال، فيستطيع الإنسان أن يستمع إلى الراديو في أي مكان كان ما لم يوجد حاجز طبيعي.
(د) طول مدة الإرسال، وكثرة الإذاعات؛ فالإرسال الإذاعي يستمر ساعات طويلة في أغلب الإذاعات، وهناك إذاعات يستمر إرسالها (٢٤) ساعة متصلة.
(هـ) عدم وجود رقابة على الإذاعات، ويستطيع المستمع أن ينتقل من إذاعة إلى أخرى دون حسيب، أو رقيب من البشر.
ولهذا فقد لعبت الإذاعات دوراً مهما في حياة الناس، ولا تزال مع التقدم الهائل في الوسائل الإعلامية الأخرى تحتل مكانة بارزة، وتؤثر تأثيراً واضحاً.
ويكفي أن أشير إلى أن هناك عدداً من الإذاعات العالمية استحوذت على أغلب المستمعين، وعلى رأسها ثلاث إذاعات، وهي:
١ - إذاعة لندن.
٢ - صوت أمريكا.
٣ - مونت كارلو. وقد كشفت الأحداث المختلفة تأثير تلك الإذاعات، وتسابق الناس للاستماع إليها، ومازالت الدول المصدرة للثقافة تطلق إذاعاتها الموجهة للعالم العربي، وقد أطلقت الولايات المتحدة قبل أشهر محطة إذاعة جديدة باللغة العربية باسم (إذاعة سوا)، تشرف عليها (صوت أمريكا) موجهة للعالم العربي، وذكر مسئولون أمريكيون أنهم بصدد مغازلة الشباب العربي الغاضب والقلق والشباب المسلم بشكل عام، وتبث على مدار ٢٤ الساعة، وقد كانت الحكومة الأمريكية قد بدأت التخطيط للمحطة منذ ستة أشهر، حيث أطلق عليها اسم الشيفرة (مبادرة ٩١١)، وتم رصد ٣٠ مليون دولار كنفقات لمدة ستة أشهر لشبكة إذاعية جديدة تستهدف الشباب العربي .. وفي الوقت نفسه بذلت لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب الأمريكي جهوداً مكثفة لمضاعفة نفقات البث الإذاعي الأمريكي؛ التي تبلغ ٤٧٩ مليون دولار لتغطية كل العالم الإسلامي من نيجيريا إلى إندونيسيا. وفي هذا الإطار دفعت لجنة المخصصات في مجلس النواب الأمريكي الأموال الطائلة بزيادة قدرها ١٩ مليون دولار؛ لإحياء محطات إذاعية منفصلة خاصة بأفغانستان (١).
٢ - الصحف، والمجلات، والدوريات، والنشرات:
وقد تربعت الصحافة على عرش التأثير زمنا طويلا، حتى أصبحت في فترة من الفترات تسمى السلطة الرابعة.
стр. 640
واليوم تبوأت الصحافة مكانة أسمى، وتأثيرا أقوى، حتى أصبح الملوك، والرؤساء يخطبون ود رؤساء التحرير، ويتقربون منهم، ويغدقون عليهم العطايا، والهبات رجاء وخوفا، بل تعدى الأمر إلى صغار المحررين، والمبتدئين من المراسلين، وأصبح كثير من الناس لا يستطيع أن يستغني عن مطالعة الصحف، والمجلات يومياً، بل الكثير منهم لا يتناول فطوره إلا بعد الاطلاع على صحف اليوم.
٣ - التلفزيون والفيديو:
على الرغم مما تقوم به الوسائل الإعلامية الأخرى، فإن تأثيرها -رغم قوته- لا يتعدى ٣٠% من قوة تأثير التلفزيون والفيديو، وقد أثبتت الدراسات، والبحوث العلمية التي أجريت حول مدى تأثير التلفزيون والفيديو أن تأثيرهما لا تقاربه أي وسيلة أخرى، وستتضح هذه الحقيقة من خلال هذا الكتاب، وذلك للأسباب التالية:
(أ) انتشار هذا الجهاز حتى أنه قل أن يخلو منه بيت، أو يسلم من مشاهدته إنسان. (ب) عدد الساعات التي يقضيها المرء عند التلفزيون والفيديو، فقد ذكر الدكتور حمود البدر (١) أن الدراسات، والأبحاث أثبتت أن بعض الطلاب عندما يتخرج من المرحلة الثانوية يكون قد أمضى أمام جهاز التلفزيون قرابة (١٥) ألف ساعة، بينما لا يكون أمضى في حجرات الدراسة أكثر من (١٠٨٠٠) ساعة على أقصى تقدير (٢) أي في حالة كونه مواظبا على الدراسة محدود الغياب.
ومعدل حضور بعض الطلاب في الجامعة (٦٠٠) ساعة سنويا، بينما متوسط جلوسه عند التلفزيون (١٠٠٠) ساعة سنويا.
(جـ) طول مدة البث يوميا، واستمراره جميع أيام الأسبوع دون عطلة، أو إجازة.
(د) الحالة النفسية للمتلقي، حيث أن المشاهد للتلفزيون، أو الفيديو يكون في حالة نفسية جيدة راغبا للمشاهدة مستعدا للتلقي، متلذذا بما يرى، بخلاف الطالب في المدرسة، ومهما كانت حالة الطالب من الارتياح لأستاذ من الأساتذة، أو مادة من المواد، فإنها لا تصل إلى حالة مشاهد يرى فيلما غريزيا، أو حلقة من حلقات المصارعة، أو مباراة من مباريات كرة القدم.
(د) إن أسلوب عرض البرامج، والتمثيليات بلغ الذروة في الإخراج، واستخدام التقنية مع التشويق، والإغراء وحسن العرض مما يجعل المشاهد أسيراً لها مع قوة التأثير.
(هـ) إن الراديو يدرك بحاسة السمع، والصحافة تدرك بحاسة البصر، أما التلفزيون فتشترك فيه حاستان هما السمع والبصر، مما يجعل تأثيره أكثر. ولقد تطور التلفزيون تطورا مذهلا، ووصل إلى تقنية عالية الجودة.
ولقد كان المشاهد أسير قناة واحدة، أو قناتين، وعلى كل الأحول لا تتعدى القنوات التي تبث من بلده، أو من الدول المجاورة إن كان بثها قويا خمس قنوات.
ثم جاء الفيديو، وأتاح للمشاهد فرصة الاستمرار في مشاهدة ما يرغب من أفلام دون أن يكون أسير ما يبث في التلفاز ضمن إطار ضيق.
أما الآن فقد بدأ البث التلفزيوني العالمي، مما يفتح الباب على مصراعيه، ويجعل تأثير التلفزيون فيما مضى محدوداً إذا قورن بالمرحلة المقبلة، والانفتاح المذهل.
٤ - الإنترنت: " أعلنت وزارة الاتصالات اليابانية أن نسبة انتشار الإنترنت في أوساط الأسر اليابانية لم تكن تتعدى ٦% قبل ثلاث سنوات. وأضافت أن عدد اليابانيين المتصلين بالإنترنت عبر الخطوط الثابتة والهواتف المحمولة ارتفع في ديسمبر الماضي إلى ٤٣ مليون شخص مقارنة بـ ٢٦.٣ مليون قبل ستة أشهر" (٣)، وهذا مؤشر يبين مدى سرعة تزايد الإقبال على الإنترنت في العالم، وفي عالمنا العربي نجد أنه على الرغم من تأخر دخول الإنترنت فإن نسبة مستخدميها في دولة الإمارات العربية بلغت ٢٨% وقد أصبحت بعض الدول العربية تقدم خدمة الإنترنت مجاناً، وكل هذه مؤشرات تدل على أن الإنترنت في السنوات القليلة المقبلة، قد تشهد انتشاراً واسعاً في عالمنا العربي، ربما زاحم التلفاز التقليدي
المصدر: رسالة المسلم في حقبة العولمة لناصر بن سليمان العمر ص ٦٠
стр. 641
ثالثا: موقف العلمانيين
يبدي العلمانيون ترحيبا ظاهرا بالعولمة، ويرتقبونها بفارغ الصبر، ويبشرون بالخير العميم الذي سيهب علينا من العولمة، ليخرجنا من التخلف إلى الحداثة .. ولا يخفي بعضهم فرحته بأنها هي التي ستزيل من حياتنا بقايا " القرون الوسطى " التي ما تزال عالقة بنا ..
بعبارة أخرى تزيل لهم الإسلام!!
هكذا يفكرون .. وهكذا يحلمون ..
ويعجب الإنسان لهذا المسخ الشائه الذي يقرأ تاريخه بعيون غيره، ويزن نفسه بميزان غيره، ويتلاشى هو حتى يصير كأنه غيره!
لقد كانت القرون الوسطى في أوربا هي قرون الظلام .. وقُرِنَ هذا الظلام - بجهالة - بالدين، من حيث هو دين! فقيل إن أوربا كانت تعيش في الظلام لأنها كانت تعيش في ظل الدين، وحين نبذت الدين تقدمت وارتقت وخرجت من الظلام إلى النور ..
ونحن نعلم جيدا أن عصر التدين في أوربا كان عصر الظلام، وأن أوربا تقدمت حين نبذت دينها. ولكنا جديرون أن تكون لنا رؤيتنا الواضحة لهذا الأمر، بما نملك من المعايير التي لا تملكها أوربا، وبكوننا ونحن خارج الدائرة - أو خارج الأزمة - أقدر على الرؤية الشاملة التي قد لا يقدر عليها الموجودون في داخلها، المتأثرون بأفعالها وردود أفعالها، الواقعون تحت ضغوطها وانفعالاتها، التي قد تغشي النظرة وتفسد الرؤية.
إن أوربا لم تعرف في تجربتها - قط - دين الله المنزل! إنما عرفت دينا صنعته تصورات بشرية ضالة، أفسدت منه ما أفسدت، ثم أفسدت به ما أفسدت!
وعرفت كيانا كهنوتيا مبتدعا ما أنزل الله به من سلطان، طغى وتجبر حين واتته الفرصة، ففرض على الناس طغيانا روحيا، وطغيانا ماليا، وطغيانا عقليا، وطغيانا سياسيا، وطغيانا علميا، حَوّل الحياة إلى جحيم لا يطاق، ومع ذلك أطاقته أوربا ما يقرب من عشرة قرون، ولم تدرك ما فيه من الزيف، وما فيه من الإجحاف بكيان الإنسان إلا بعد أن احتكت بالإسلام والمسلمين
وعندئذ انقلبت أوربا مائة وثمانين درجة كاملة .. فألّهت الإنسان بدلا من الله، وانكبت على الحياة الدنيا بدلا من التوجه إلى الآخرة، وحكّمت العقل في الأمور كلها بدلا من مقولات الدين، أي المقولات التي كانت تقولها الكنيسة باسم الدين ..
وأوربا حرة تفعل بدينها ما تشاء!
ولكن الرؤية المستقيمة، غير المتأثرة بانفعالات المعركة .. الرؤية " العقلانية " الصحيحة .. والرؤية "العلمية" المتثبتة، كان ينبغي أن تدرس وتحلل وتنظر في الأسباب والنتائج، فتكشف حقائق الأمر، التي قد يغيبها الانفعال الثائر، أو رغبة الثأر والانتقام من طغيان الكنيسة.
ففي الفترة ذاتها التي عاشتها أوربا في ظلماتها، كان هناك نور ساطع مشرق متألق، منبثق من الدين .. ولكن من الدين الصحيح الذي لم تفسده التصورات الباطلة، والذي ليس له كهنوت ولا رجال دين يفرضون على الناس ما يفرضون، ويحرقونهم أحياء حين يرفضون!
ومن الحق أن نذكر - كما ذكرنا من قبل - أن أوربا كانت قد أوشكت أن تدخل في هذا الدين، لولا عنف الكنيسة في محاربته، ومحاربة تأثيراته في نفوس الأوربيين وأفكارهم.
ولكن الحصيلة النهائية على أي حال كانت نبذ الدين جملة وإقصاءه عن الهيمنة على واقع الحياة، أو - في أحسن الأحوال - تحجيمه حتى يصبح علاقة خاصة بين العبد والرب، مكانها القلب، ولا صلة لها بواقع الحياة السياسي أو الاقتصادي أو العلمي أو الأخلاقي أو الفكري أو الاجتماعي ... إلخ.
مرة أخرى نقول إن أوربا حرة تفعل بدينها ما تشاء!
أما العلمانيون الذين يحملون أسماء إسلامية فما الذي دهاهم حتى صاروا يتصايحون بما صاحت به أوربا من قبل، ويفرون من الدين، ويدعون إلى الفرار منه كما فرت أوربا من قبل، ودينهم غير ذلك الدين، وظروفهم غير تلك الظروف؟!
стр. 642
إنسان يعرج لأن في قدمه شوكة تؤلمه إذا اتكأ عليها، فيأتي إنسان سليم القدمين فيقول: أريد أن أعرج مثل هذا الرجل، لأن عرجته تعجبني!!
ما علينا!
إنما نتحدث هنا عن الفرحة الغامرة التي يتحدث بها العلمانيون عن العولمة، والترحيب الحار الذي يستقبلون به أنباءها، والبُشْرَيات التي يبثونها بالخير الذي سوف يغمرنا من جرائها!
وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر: ٤٥]
من أشد ما يستبشرون به - كما صرح متحدثون منهم - القضاء على الدين!
ولو قالوا إن الواقع الذي تعيشه الأمة اليوم واقع سيئ غاية السوء، في جميع المجالات، وإنه لا بد من إصلاحه، لاتفقنا معهم بلا نزاع، فنحن لا نفتأ نردد هذه الحقيقة في كل مناسبة ..
أما موضع الخلاف الجذري بيننا وبينهم فهو نظرتهم إلى السبب في هذه الحال، وبالتالي نظرتهم إلى طريقة العلاج. فهم يقولون إن "الدين" هو السبب في البلاء كله، وإن العلاج هو نبذ الدين أو تحجيمه - كما فعلت أوربا - ونحن نقول إن البعد عن حقيقة الدين هو السبب في البلاء كله، ومن ثم فالعلاج هو العودة الصادقة إلى هذا الدين.
ونحن هنا لا نناقشهم في آرائهم .. إنما نناقش فرحتهم واستبشارهم .. هل هي قائمة على أساس حقيقي؟ أم هم يحلمون؟ أم هم يتمنون ثم يصدقون أمانيهم؟!
المصدر: المسلمون والعولمة لمحمد قطب
стр. 643
رابعا: هل ستقضي العولمة حقيقة على المد الإسلامي ؟!
نرى نحن على العكس، أنها ستكون سببا قويا من أسباب انتشار الصحوة الإسلامية في كل الأرجاء!
يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف: ٩] من زمن بعيد، في أوائل الخمسينيات من هذا القرن، ألقى "توينبي" المؤرخ البريطاني الشهير محاضرة بعنوان "الإسلام والمستقبل" قال فيها: إن الإسلام الآن نائم نومة أهل الكهف. ولكن النائم قد يستيقظ إذا وجدت دواعي اليقظة. وقد أثبت الإسلام وجوده القوي مرتين تاريخيتين من قبل، الأولى حين اكتسح نصف الإمبراطورية الرومانية في سنوات قلائل، والثانية حين تغلب على الصليبيين في القرون الوسطى. واليوم توجد شعوب بروليتارية (يقصد الشعوب المستذلة الخانعة للإذلال، التي لا تثور ضده، ويقصد بها شعوب "العالم الثالث") يستغلها الغرب ويضغط عليها، فإذا اشتد الضغط فسوف تتحرك هذه الشعوب لتسترد كيانها المسلوب، وعندئذ قد يجد الإسلام الفرصة لتزعّم هذه الحركة، وقيادة هذه الشعوب في صراعها مع الغرب .. وفي الأخير قال: ونرجو ألا يحدث ذلك!!
ولكن الذي كان يخشاه توينبي، ويرجو ألا يحدث، قد حدث بالفعل، وقامت الصحوة الإسلامية على الرغم من كل الحرب المصبوبة عليها، أو ربما بسبب هذه الحرب!
واليوم تأتي العولمة لتشعل الموقف!
إن العولمة هي أسوأ صورة من صور الاستعمار عرفتها الأرض حتى اليوم .. صورة عاتية غاشمة لا تريد فقط سلب أقوات الشعوب واستغلالها، إنما تريد محو شخصيتها، وتحويلها إلى أتباع وعبيد.
ورد الفعل المتوقع - ولو بعد فترة من الوقت - هو ثورة هذه الشعوب لكيانها المسلوب، وتحركها لاسترداد ما سلب منها من خامات وأموال، وكرامات وعقول وقلوب ..
وسيكون الإسلام هو قائد حركة التحرير!
ولا شك في أن العلمانيين سيضحكون ملء أفواههم، وسيقولون لنا: إنكم تحلمون، ثم تصدقون أحلامكم، فقد جاءتكم الكاسحة الماسحة التي لا تبقي ولا تذر، ولا طاقة أمامها لأحد من البشر! فضلا عن الضعاف المهازيل، الرجعيين المتخلفين، الذين يعيشون بعقلية القرون الوسطى في عصر التنوير!
ونقول نحن إنا واقعيون جدا، بصرف النظر عما تتمناه النفوس، فالنفوس دائما تتمنى ما ترغب، ولكن بعض الناس يتمنون وهم يحلمون، وآخرين يتمنون وهم واقعيون، يعرفون مواقع أقدامهم، ويدركون عقبات الطريق.
ولنأخذ واقعة معينة، ولنستخرج منها دلالتها ..
تلك الواقعة هي رواية "وليمة لأعشاب البحر" ..
لقد كانت أمنية الذين قاموا بإعادة نشرها، أن يصل المجتمع إلى الحالة التي يُسَبّ فيها الله ورسوله، ويُهزأ بدينه، ويُسخر من مفاهيمه ثم لا يتحرك!
ولكنهم - بحماقة - تجاوزوا الخطوط الحمراء!
وعندئذ وقعت الواقعة التي لم تدر بخلد أحد، ولم تخطر على البال، فانفجر المكبوت الديني كله، وتحرك من لم يكن يُتَوقع أن يتحرك، واستنكر حتى من لم يكن يُتوقع أن يستنكر!
تلك الواقعة لها دلالتها ..
فقد أوغل العلمانيون في مهاجمة الدين زمنا، والناس ساكتون. وأغراهم سكوت الناس فزادوا إيغالا، مستندين إلى القوى التي تقدم لهم الحماية وهم يهاجمون الدين ..
ولكنهم كانوا - في أبراجهم العاجية - يعالجون " قضايا " يختلط فيها الحق والباطل، وينفعل بها ولا لها إلا فريق محدود من الناس، وإن كانت في عمومها تثير اشمئزاز الناس واستنكارهم.
أما حين مس الأمر ما هو "معلوم من الدين بالضرورة" من تقديس لله ، وتوقير للرسول ﷺ ، واحترام للدين المنزل من عند الله .. فعندئذ انفجر المخزون كله، رغم كل المخاطر التي كانت تحيط بالانفجار!
والعولمة ترتكب ذات الحماقة ..
تتجاوز الخطوط الحمراء!
وفي المؤتمرات الداعرة التي تدعو إلى الفوضى الحيوانية، وتدعو إلى إعطاء الشرعية للفسق والفجور والشذوذ والانحراف .. يتجاوز "المتآمرون" الخطوط الحمراء، ويمسون ما هو "معلوم من الفطرة بالضرورة" فينفجر المخزون!
وذلك فضلا عن الضغط الاقتصادي والضغط السياسي الذي يصاحب العولمة، ويؤدي في النهاية إلى الانفجار ..
إن العولمة - سواء كانت أمريكية بحتة، أو يهودية بحتة، أو خليطا متجانسا متعاونا من الأمريكية واليهودية - تعمل - بحماقة - ضد مصالحها في نهاية المطاف!
المصدر: المسلمون والعولمة لمحمد قطب
стр. 644
خامسا: مستقبل العولمة
الغيب لله .. قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ [النمل: ٦٥]
ولكن هناك سننا ربانية تجري في حياة البشر، وهي سنن لا تتخلف ولا تتبدل، وهناك وعد ووعيد من عند الله، لا يتخلفان كذلك، وهناك واقع مشهود، يمكن رؤيته وتقدير احتمالاته على ضوء تلك السنن، وذلك الوعد والوعيد ..
وكلها تقول إن هذه العولمة، سواء كانت - كما قلنا في نهاية الفصل السابق - أمريكية بحتة، أو يهودية بحتة، أو خليطا متجانسا متعاونا من الأمريكية واليهودية، لن تعيش طويلا كما يتمنى أصحابها!
إنها بادئ ذي بدء مخالفة لقدر مسبق من أقدار الله، ألا يكون الناس أمة واحدة على الإيمان أو على الكفر: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٨]. .. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ .. [المائدة: ٤٨]
فكل محاولة لصبغ الناس كلهم صبغة واحدة، تفرضها القوة الغاشمة، هي محاولة فاشلة منذ البدء، وإن قدّر لها شيء من النجاح في بعض أرجاء الأرض لفترة محدودة من الزمان.
فاشلة لأنها مخالفة لإرادة ربانية أزلية، والله هو الذي يقدر المقادير، وليس البشر، وإن ظنوا في لحظات غرورهم وتألههم أنهم قادرون!
فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت: ١٦] .. أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ [الأنبياء:٤٤]. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد:٤١]
وهي فاشلة ثانيا لأنها مخالفة لسنة أخرى من سنن الله، وهي مداولة الأيام بين الناس (بمعنى النصر والهزيمة، والتمكين والزوال).
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: ١٤٠] ثم إنها - في الواقع المشهود الآن - تجد مجابهة ومعارضة في أكثر من مكان! ففرنسا وألمانيا في أوربا تستنكفان أن تصوغ لهما أمريكا طريقة حياتهما، وتقفان بشدة أمام كل محاولة لمحو شخصيتهما، وطبعهما بطابع غير طابعهما الذاتي، سواء في عالم اللغة أو الفكر أو الثقافة أو السلوك اليومي، فضلا عن السياسة والاقتصاد.
وفي آسيا توجد الصين واليابان، وكلتاهما قوة راسخة في الأرض، لا يسهل محوها، ولا إخضاعها، ولا طمس معالمها، ولا إذابة شخصيتها كما تشتهي العولمة.
وذلك فضلا عن الحركة الإسلامية، المكبوتة الآن بكل وسائل الكبت، ولكنها حية تستعصي على كل محاولة لوأدها، أو منعها من الانتشار.
وعلى فرض أن العولمة أمريكية، فأمريكا ذاتها مهددة - من داخلها - بالانهيار! ولسنا نحن الذين نقول ذلك إنما تقوله صحفهم وكتابهم ومفكروهم.
стр. 645
حقا إن القوة المادية لأمريكا من الضخامة بحيث يصعب حتى على القوى العالمية الأخرى مجاراتها أو التصدي لها، ولكن القوة المادية ليست هي في النهاية التي تقرر مصاير الأمم، أو على الأقل ليست وحدها التي تقرر مصايرهم .. وحين يتفشى الترف، ويتفشى الترهل (مما نبه إليه كلنتون ذاته في كلمات وجهها إلى شعبه) وحين تتفشى الفوضى الجنسية والشذوذ والانحراف، ويتعالن الشواذ بشذوذهم ويطلبون من دستورهم وبرلمانهم أن يقر بشرعيتهم وشرعية سلوكهم المنحرف .. وحين تتفشى الخمر والمخدرات والجريمة .. فكل ذلك من عوارض الدمار، مهما كانت القوة المادية ..
ولسنا نقول إن أمريكا ستنهار غدا صباحا! فإن ما لديها من عوامل القوة الإيجابية يمكن أن يمد لها فترة من الزمن بحسب سنة الله. ولكنا نقول - فقط - إن هذا الأمر لا يتوقع كثيرا أن يطول.
وأما إن كانت العولمة يهودية، تعمل من خلال أمريكا، وهو الأرجح في نظرنا، فلليهود في كتاب الله وعد ووعيد: وَقَضَيْنَا إلى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ... [الإسراء:٦]
ويستوي - كما أشرنا من قبل - أن تكون المرتان المذكورتان تاريخيتين، أو تكون إحداهما تاريخية والثانية هي الواقعة اليوم .. فقوله تعالى: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا فيه الفيصل فيما نحن بصدده. فالآيات تقول إنه كلما علا اليهود في الأرض وأفسدوا - سواء مرة أو مرات - جاء العقاب الرباني فأنزلهم من علوهم وأجرى عليهم وعيده: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ [الأعراف: ١٦٧]
وهم اليوم في قمة العلو .. ولم يسبق لهم في تاريخهم كله أن علوا وسيطروا بمقدار ما لهم اليوم من العلو والسيطرة في أرجاء الأرض.
والله هو الذي يقدر، وله حكمته في تقديره سواء عرفنا نحن الحكمة أم لم نعرفها.
وله حكمة ولا شك في الإملاء لليهود وتمكينهم في الأرض: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ .. [آل عمران:١١٢]
فهم ممكنون بحبل من الله ابتداء، أي بتقدير من الله وإمداد، ثم بحبل من الناس الذين يعينونهم على تنفيذ مخططاتهم.
أما الحكمة في ذلك فلا نعرفها، لأنها ليست مذكورة في كتاب الله ولا في حديث الرسول ﷺ ، ولكن ربما كان الله يعاقب البشرية التي كفرت اليوم كفرا لم تكفره من قبل، فأنكرت وجود الله (في جزء غير قليل منها) وشردت عن هديه (في الجزء الأكبر منها) ويعاقب الأمة الإسلامية بالذات على تفريطها وتقاعسها .. يعاقب الجميع بتسليط اليهود عليهم تحقيقا لقوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام:٦٥]
وأيًّا تكن الحكمة فالذي يهمنا هنا أن هذا العلو والإفساد في الأرض محدود بزمن معين يقدره الله، وليس طويل الأمد، لأنه استثناء من القاعدة، وليس هو القاعدة، وإن تكن القاعدة من تقدير الله، والاستثناء كذلك من تقدير الله ..
وليس معنى هذا كله أن العولمة أمر هين ولا خطر منه، ولا يستأهل منا اهتماما ولا حركة ..
إنه عاصفة جائحة هوجاء .. والعاصفة تهدأ بعد حين، ولكنها تكون قد دمرت ما دمرت، وخربت ما خربت، مما قد يحتاج في إصلاحه إلى عشرات السنين .. وإنما نقول للناس في العالم الإسلامي تحصنوا قدر الطاقة من العاصفة الهوجاء. تحصنوا أولا بالتمسك بدينكم وأخلاقكم وثوابتكم، ثم تحصنوا ثانيا ببذل أقصى الجهد في تحصيل العلم والتقنية وزيادة الإنتاج، لعلكم بذلك تقللون آثار الدمار الذي تخلفه العاصفة.
ثم نقول لهم كما قال موسى ﵇ لقومه وهم في أتون الابتلاء: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨].
المصدر: المسلمون والعولمة لمحمد قطب
стр. 646
سادسا: الموقف الشرعي من العولمة يرفض قطاع عريض من البشر العولمة كما سلف، ولكن رفضه من قبل المسلمين أشد، وليس ذلك للتصور الذي يحاول أن يرسمه بعض الغربيين، فبعض مثقفيهم نمى إلى علمه أن الله هو الذي يشرع لعباده في نظر المسلمين فقرر متوهماً أنه "لا توجد، بالنسبة إلى المسلم سلطة تشريعية بشرية، اللَّه هو الوحيد مصدر القانون" (١)، وردّد قوله هذا (لوي غارديه) فقال: "اللَّه هو الشارع بامتياز" (٢).ولاشك أن المسلمين يؤمنون بأن التشريع من خصائص الربوبية أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:٥٤] أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى:٢١]، وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف:٢٦]، قال العلامة الشنقيطي ﵀: "ولما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أم كونية قدرية، من خصائص الربوبية .. كان كل من اتبع تشريعاً غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع رباً، وأشركه مع الله" (٣).ولكن ما يغفل عنه هؤلاء هو أن المقصود بهذا كل تشريع يتعبد به الناس، ولهذا قال (من الدين)، فكل ما شرعه الله ديناً لا تجوز مخالفته، وكل تشريع في الدين بغير دليل باطل يرد ولا يقبل ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (٤)، ولا يعني هذا المنع من وضع قوانين تنظم الأمور الدنيوية والحياتية وتحكم الوسائل وفقاً للشرع فيما سُكت عن النص عليه، فضلاً عن عد ذلك مصادماً لتشريع الله كما قالت الكنيسة! ولكن يجب أن تكون تلك القوانين والنظم تحت إطار تلك التشريعات الربانية والموجهات العامة والخاصة، وهذا ما فهمه من أنزل عليهم الوحي، وخاطبهم النبي ﷺ ، وكانوا أشد هذه الأمة تمسكاً بما جاء به، ففي تاريخنا نجد أن أول من دون الدواوين، وجعلها على الطريقة الفارسية, لإحصاء الأعطيات وتوزيع المرتبات لأصحابها حسب سابقتهم في الإسلام، وأول من استحدث التأريخ الهجري، وأول من وضع وزارة للمالية (بيتاً للمال)، هو الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁. فالشارع الحكيم وضع أحكاماً عامة وخاصة في كثير من الأمور الحياتية الدنيوية، وأوكل مهمة سن الآليات التنفيذية والقضايا التنظيمية إلى البشر، بحسب ما يتوفر لهم من وسائل قادتهم إليها مبتكرات عصرهم، ما لم تخالف الشرع، وفي صحيح مسلم عن عائشة وأنس ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم)) (٥).
فلم يمنع الإسلام فيما يتعلق بأمور الدنيا وتنظيم المعاش من سن تشريعات ليست من الدين ولكنها تنظم أمر المعاش، شريطة أن تكون خاضعة للتشريعات الإلهية العامة والخاصة لا تناقضها، تقود إلى العمل بها لا تعارضها.
стр. 647
وبناء على هذا، فالإسلام يرفض العولمة لكونها غير خاضعة لتشريعاته السمحة، التي جاءت لهداية البشرية وإرشادها للطريق الأقوم، وهذا يعني أن رفض الإسلام للعولمة معللاً لاعتقاد المسلمين أن تشريع الخالق العليم أحكم، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:١٤]، وليس هذا الرفض رفضاً مجرداً عن التعليل أو تقديم البديل، ولكنه رفض مع تبين الطريق الأرشد، كما أنه ليس رفضاً مطلقاً لكافة تفاصيل العولمة وآلياتها، ولكن لما خالفت فيه التشريعات الربانية، بحجة تحصيل المصلحة الشخصية أو المحدودة على حساب مصلحة الأمم والمجتمعات.
والحقيقة التي لابد من الاعتراف بها، أن للعولمة قوانينها ونظمها، وهذه القوانين والنظم لابد لها من يحكمها، فمن يكون؟
لسان حال دعاة العولمة يقول: يحكمها الأقوى وفقاً للمصالح التي يراها، فيجيز ما أراد ويمنع ما أراد، ويقترح السبل والوسائل التنظيمية التي أراد.
وهذا ما يرفضه قطاع عريض، وتيارات متباينة من البشر، فليست مصلحة الأقوى أولى، وليست شريعة الغاب، دستوراً يُرضى.
أما المسلمون فيقولون: يحكمها الأصلح للبشرية جمعاء، وهذا له شقين، شق نزل من السماء، وأهل الإسلام يؤمنون بأنه الأصلح، فعلى الأقل ليس لغيرهم أن يلزمهم بسواه، ولهم أن يدعوا الناس لهداه، وشق آخر لا يعارض ما جاء به الأنبياء، فهو محل نظر وتقييم ولكل رأيه الذي من حقه أن يبديه، ولكل نظامه الذي يرتئيه.
الفرق بين رفض العولمة والتعامل معها بسياسة الرفض:
إن رفض العولمة، لا يعني الانزواء في ركن قصي، مع المبالغة في إغماض العينيين، فهذا أمر لا يليق بأمة الرسالة، التي بعثها الله لتخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
ومن الملحوظ على هذه الأمة في عصورها المتأخرة، مواقف السلب وعدم الإيجابية، فقد رضيت أن تكون في صفوف المتفرجين، وعلى هامش الحياة، فإذا ما وقع حدث ما أو كاد أن يقع، هبت تصرخ وتولول، وتنادي بالويل والثبور وعواقب الأمور.
إن أمر هذه الأمة أمر عجب، فلم يكن هذا دأبها فيما مضى، وليست هذه سِمَتها، ولم يكن كذلك سَمْتها، بل كانت هي الأمة الرائدة، الأمة القائدة، فهل عقمت؟ أم ماذا حل بها؟ وما سر تغير حالها وتبدل شأنها؟
تأملت هذا الواقع فأزعجني ما أرى، وأقض مضجعي ما أشاهد، ثم ازددت يقينا أن سر قوة هذه الأمة، ومكمن عزها، ومنبع مجدها، هو في دينها وعقيدتها، ومدى التزامها بمبادئها. ولا يعود هذا إلى أصلها ونسبها ولغتها، كما تصور الواهمون ونادى المضللون.
لذا فإننا سنظل عالة على الأمم، كالأيتام على موائد اللئام، والخدم في قصور الأسياد، ما لم نعد إلى ديننا، ونعرف حقيقة عزنا ومجدنا وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:٨].
وهناك لن نقف مكتوفي الأيدي أمام مكائد الشرق ومؤامرات الغرب، بل سيهرع الشرق والغرب والشمال والجنوب يخطب ودنا، ويستجدي رضانا، ويتسول ما يفيض به كرمنا، مع أننا سنكون أكرم من أن ننتظر السائل حتى يسأل والمحتاج حتى يطلب، وسنجود بمهجنا وأرواحنا -فضلا عن أموالنا- في سبيل نشر عقيدتنا، وترسيخ مبادئنا، إذا أصر الظالمون إلا على الحيلولة بيننا وبين نشر الخيرية التي منحنا الله إياها.
إن هذه الأمة لم تعقم، ولن تعقم بإذن الله، والطريق أمامنا مفتوح، والسبيل سالك والمنهج واضح، فعلينا أن ننبذ الكسل والخمول:
لا تصحب الكسلان في حالاته ... كم صالح بفساد آخر يفسد
عدوى البليد إلى الجليد سريعة ... كالجمر يوضع في الرماد فيخمد
ولكن علينا أن ندرك أنه لا بد من تحمل الصعاب وبذل المهج والأرواح وإلا:
стр. 648
فمن يتهيب صعود الجبال ... يعش أبد الدهر بين الحفر
وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
وبذلك يكون يصدق فينا قول الله :
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران:١١٠].
وحتى يتحقق هذا الأمل الموعود لابد من العمل على محاور ثلاثة:
المحور الأول: تطوير النظم الإسلامية وآليات تفعيلها، ثم تطبيقها في المجتمعات الإسلامية، ومن ثم إخراجها للناس، ودعوتهم إليها.
المحور الثاني: بيان ما في العولمة الوافدة من مثالب، وبيان الحلول الشرعية، والبرامج الإسلامية التي يمكن أن تحل محلها، مع توضيح الوجه الذي جعلها تفضل غيرها.
المحور الثالث: تحصين المجتمع المسلم من مثالب العولمة، وما فيها من أخطاء.
وجماع هذا كله، بناء المجتمع المسلم، المؤهل في كافة المجالات، وعلى أكتاف هذا المجتمع تقوم الدول التي إن قالت سمع لها. وقد شاركت في ندوة بجامعة أم القرى حول البث المباشر (١) وبعد انتهاء الندوة قام الأستاذ أحمد محمد جمال (٢) فعلق على الندوة بكلام جيد، وكان مما قال:
"إن الحل أو المواجهة ليست بأيدي الشعوب المستضعفة، كما لا يمكن ولا يجوز الانتظار حتى نصلح شأننا، ونقوم إعوجاجنا، ولكن الحل أو المواجهة بأيدي ولاة أمور المسلمين -على مد أقطارهم- فهم أصحاب السلطة المادية والسياسية والتنفيذية، وهم القادرون على التجمع والاتفاق على خطة للمواجهة الجماعية. ولاة أمور المسلمين هم القادرون على المواجهة بالأسلوب الذي يتفقون عليه، سواء أكان .... ، أم بمقاطعة دبلوماسية واقتصادية وسياسية للدول صاحبة هذه الأقمار المعادية، أو انسحاب جماعي من المنظمات الدولية، أم بأية وسيلة حاسمة يتفقون عليها، ويبادرون بتنفيذه دون إبطاء ولا استثناء" (٣).
المصدر: رسالة المسلم في حقبة العولمة لناصر بن سليمان العمر ص٨٧
стр. 649
تمهيد
قامت الاشتراكية في القرن التاسع عشر الميلادي في البداية بسبب النزاع المرير بين العمال وأصحاب العمل في طلب العمال زيادة أجورهم وامتناع أصحاب العمل في الوقت الذي كان أصحاب العمل يستغلون العمال أسوأ استغلال دون رحمة بهم ثم ظهرت الآلات الصناعية الحديثة فإذا بأصحاب العمل يفضلونها على الأيدي العاملة لوفرة إنتاجها وقلة ما تحتاج إليه من العمال لتشغيلها فاستغنى أصحاب العمل عن كثير من العمال فنشأت البطالة ومشاكلها العديدة ومن هنا نشأت فكرة التوجه بالمطالبة بإصلاح هذه الأحوال الاقتصادية المضطربة والحد من التنافس بين الناس في الاستئثار بالمال وجمعه الذي يسبب الصراع بينهم وكان هذا في الوقت الذي أفلس فيه الدين النصراني عن حل أي مشكلة من هذا النوع بل كان عاملا قويا في ظهور اللادينية والمذاهب المنحرفة المختلفة التي قامت من أول يوم على محاربة كل الأوضاع السيئة التي كانت قائمة واستبدالها بأنظمة جديدة تكفل للناس حقوقهم وحرية معيشتهم وكان من بين تلك الأفكار ظاهرة القول بالاشتراكية ومحاربة الملكية الفردية وما جاء بعدها من أهوال الشيوعية.
والواقع أن الاشتراكية أقبح مذهب عرفته البشرية وأشدها شرا على الإطلاق فقد ذهب ضحية تطبيقها مئات الملايين قتلا وجوعا وتشريدا في أوروبا البعيدة عن أراضي المسلمين وعن عقائدهم وتاريخ حضارتهم أيدتها اليهودية العالمية وبذلت كل ما استطاعته لتأييدها وتقوية نفوذ أتباعها لما عرفوه من عواقبها الوخيمة على الجوييم وتم لهم ذلك وانتشر هذا الفكر الذي يجعل الخراب والدمار وظل سنوات عديدة في أوج قوته إلى أن أذن الله في إذلاله وإذلال أتباعه فخرج عنه الكثير ممن أنعم الله عليهم بالعقل والتفكير السليم وداسوه بأقدامهم وتنفسوا الصعداء وهالهم ما كانوا فيه من الغبن الفاحش أيام جثومه على صدورهم وتيقنوا أنه مذهب جهنمي صاغه شياطين الإنس والجن بمباركة إبليس اللعين لهم على يد انجز وكارل ماركس ومن جاء بعدهما مثل لينين وستالين إلى أن بدأ عهد جورباتشوف برئاسة ما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي ومن الغريب والعجيب والهول الشديد أن بعض البشر ممن هم أشباه القردة والخنازير لا يزالون ينادون به ويتبجحون بأنهم فرسان الاشتراكية لعنها الله ولعنهم وأركسهم في جهنم جميعا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:١٧٩].
وإذا كان لأهل أوروبا ظروفهم التي أنتجت الدعوة إلى الاشتراكية في القرن التاسع عشر الميلادي وما بعده فما بال الدول والشعوب التي تدعي الإسلام وأنه دستورهم، ما بالهم دخلوا تحت هذا اللواء الأحمر الذي يشير دائما إلى سفك الدماء وما هي الظروف التي ألجأتهم إلى المناداة بالاشتراكية الماركسية ألم يجدوا في الإسلام ما يسعدهم؟ بلى ولكنهم ما طبقوه إن لم نقل ما عرفوه أساسا. ويطول عتاب هؤلاء وخصامهم ولكن لا يمكن إغفال فريتهم الكبيرة التي تدل على مدى خبثهم وجهلهم، تلك الفرية التي ظهرت تنادي بأن الاشتراكية أساسها إسلامي وأنها تسير جنبا إلى جنب مع التعاليم الإسلامية بل وإن واضع أساسها في الإسلام – ليس هو كارل ماركس اليهودي الحاقد – بل إنه أبو ذر الغفاري وأم المؤمنين خديجة بنت خويلد التي سميت عندهم " أم الاشتراكية" (١).بل وفي خطاب ألقاه جمال عبد الناصر زعم فيه بكل وقاحة أن النبي محمد ﷺ هو إمام الاشتراكيين (٢). سبحان الله ما أعظم حلمه فأين الرسول ﷺ وأين أم المؤمنين خديجة وأين أبو ذر الغفاري وأين الاشتراكية؟ إنها كذبة تكاد تهد الجبال وخدعة مكشوفة قبيحة أراد أصحابها تحبيب الوجه الكالح للاشتراكية إلى قلوب المسلمين لأنهم أرادوا وقد وقعوا فيها واصطلوا بنارها أن يجروا غيرهم إليها.
وما أشبه حالهم بحال الثعلب الذي قطع ذيله فجاء إلى بقية الثعالب يحبب إليهم أن يقطعوا ذيولهم لينعموا بالخفة والرشاقة!!
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١٠٢٢
стр. 650
أولا: معنى الاشتراكية
اختلف دعاة الاشتراكية فيما بينهم وافترقوا إلى أحزاب في مفهومهم للاشتراكية وفي المقصود بها، إلى حد أنه بلغت معانيها المائتين في بريطانيا وحدها (١). وهذا يذكرنا بقول الأعرابي حينما سمع أسماء القط الكثيرة فقال: "قبحه الله ما أقل نفعه وما أكثر أسمائه" وأقول لك قبل أن أذكر أهم التعريفات لها لا يهولنك كثرة تلك الاختلافات فإن مصبها في النهاية واحد هو الإلحاد والتشريع للبشر من دون الله تعالى " تعددت الأسباب والموت واحد "، وإذا رجعنا بمعنى الاشتراكية إلى ما قبل " كارل ماركس " فإننا نجدها قد ظهرت في أماكن مختلفة في دعوات إلى إلغاء الملكية الفردية وإلى نبذ التقاليد والأعراف وشيوعية الأموال والنساء بين الجميع ويطلق على هذه الاشتراكية اسم الاشتراكية القديمة قبل مرحلة ظهور النظام الرأسمالي الذي يناقض الاشتراكية تماما في تقديس الملكية الفردية والأنانيات الأخرى التي تميز بها، بل وقبل ظهور الإسلام بمئات السنين على عهد "أفلاطون" ... فإطلاق الاشتراكية على الإسلام أوعلى العرب حين يقال الاشتراكية الإسلامية أو الاشتراكية العربية كذب محض، لأن الإسلام لم يقر الاشتراكية مع أنها كانت موجودة في صور شتى قبل الإسلام ومع ذلك لم يختر الله أن تكون ضمن تعاليم الإسلام لأنها تعاليم جاهلية والإسلام بريء من الجاهلية وأفكارها سواء ظهرت قبله أم بعده. وكذلك قولهم الاشتراكية العربية إن هو إلا كذب محض على العربية وعلى العرب الذين ما كانوا يعرفونها أو يتحدثون عنها لا في شعرهم ولا في نثرهم ومفاهيمها كلها غير مفاهيم الاشتراكية ونشأتها ليست في بلادهم فبأي حق تنسب إليهم؟ لولا إرادة الخداع والتضليل. وكذلك نسبتها إلى العلم هي نسبة زور وافتراء فقد قامت على التخمينات الماركسية وعلى التنبؤ بأمور كثيرة ظهر أنها كذب ولم تتحقق فنسبتها إلى العلم ظلم للعلم وأي ظلم؟ والإسلام والعرب والعلم والعقول السليمة كلها لا تعارض البيع والشراء والربح والملكية الفردية التي تحاربها الاشتراكية على أساس أن الربح ينتج عن الملكية الفردية وهي ممنوعة في الاشتراكية فمتى نادى الإسلام أو العرب أو العلم بذلك؟! وقد أحل الله البيع وحرم الربا.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١٠٢٥
стр. 651
ثانيا: أقسام الاشتراكية
الاشتراكية كلمة بغيضة مهما قسمها زعماؤها ومهما تفننوا في خداع الناس في مفاهيمها المختلفة فهي على كل حال مذهب غريب على الناس وعلى أديانهم نشأ في أوروبا إثر أوضاع مختلفة وقد قسم بعض الباحثين الاشتراكية إلى قسمين:
- الاشتراكية الماركسية.
- الاشتراكية الفابية.
والذي نحن بصدد دراسته هو مذهب الاشتراكية الماركسية التي تنتسب إلى "كارل ماركس" والتي هي المقدمة الأولى للشيوعية الحمراء، أما الفرق بين الاشتراكيتين فيظهر من خلال ما يلي:
- الاشتراكية الماركسية نسبة إلى "كارل ماركس" بينما الاشتراكية الفابية نسبة إلى أحد قواد الرومان واسمه "فابيوس".
- الاشتراكية الماركسية تميل إلى العنف والثورة، بينما الاشتراكية الفابية تميل إلى الإصلاح وإلى سعادة الناس كما يزعمون وإلى التدرج في التطور ولو أدى ذلك إلى تأخر تطبيق الاشتراكية زمنا طويلا.
- إن الاشتراكية الماركسية تبطل الملكية الفردية وتحاربها، بينما الاشتراكية الفابية تعترف بالملكية العامة ولا تجيز تأميم الأرض دون مقابل وأن الملكية الخاصة يمكن تحويلها إلى ملكية الدولة بالطرق المشروعة. - خالف الفابيون آراء ماركس في نظرته إلى المجتمعات من أنها قائمة على الصراع الطبقي وقالوا بأن الصراع الطبقي ليس حتميا ولا ضرورة إليه لقيام حكومة العمال كما هو مذهب ماركس بل إن الدولة عند الفابيين ليس المقصود بها تسلط فئة على أخرى – كما يرى ماركس – وإنما الدولة عندهم هي قوة في صالح الجميع وأن التغيير الثوري العنيف الذي يراه ماركس فاشل في تحقيق السعادة للشعوب (١).
стр. 652
ثالثا: متى ظهرت الاشتراكية ؟ ذهب بعض الباحثين إلى أن التوجه نحو فكرة الاشتراكية مر بأطوار وفلسفات كثيرة قبل ظهور الدكتور "مردخاي كارل هزيك ماركس" وأنه لا يعرف على وجه التحديد أول من استعمل لفظ الاشتراكية إلا أنها ظهرت مطبوعة في سنة ١٨٠٣م في إيطاليا ولكن مدلولها يخالف مدلولها الحالي إذ كان يراد بها في ذلك التاريخ الأفكار التي كانت تدور حول المشاكل الاجتماعية ثم ظهرت التسمية في عام ١٨٣٢م في مجلة تسمى مجلة التعاون (١).ثم جاء بعد ذلك " ماركس " وعمق فكرة الاشتراكية وجادل من أجلها وأظهرها قوية فلم يكن هو المؤسس الحقيقي للفكر المادي وإنما كان لهذا الفكر مقدمات سبقت ظهور ماركس بقرون عديدة (٢).
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١٠٢٩
стр. 653
رابعا: هل الاشتراكية هي الشيوعية ؟
اختلفت وجهات نظر الباحثين - فيما يظهر من كتاباتهم – حول العلاقة بين الاشتراكية والشيوعية وفيما يلي أذكر بين يدي القارئ حاصل ما قيل حول هذه العلاقة. ١ - لا فرق بين الاشتراكية والشيوعية بل هما اسمان لمسمى واحد وعن تعليل التسمية بالاشتراكية بدلا عن التسمية بالشيوعية يقال: إن الشيوعية من بعد ماركس اشتهرت بأنها شيوعية "مزدك" (١)، فنفر منها الناس، ومن هنا صارت كلمة الاشتراكية أقل استنكارا لهذا جعلت البذرة الأولى لشجرة الشيوعية الخالصة وإلا فالشيوعية والاشتراكية اسمان لمسمى واحد" (٢).٢ - إن الاشتراكية ترمي في النهاية إلى الشيوع وأن الفرق بينهما يكمن في الناحية العلمية، فالشيوعية ترى أن جميع الثروات الاجتماعية مجموع يستهلك الفرد منه بقدر ما يسد جميع حاجاته وليس فقط بقدر ما يناسب خدماته، على أن هذا الحق في الاستهلاك يتوقف عند الشيوعيين على واجب الإنتاج والعمل فمن لا يعمل لا يأكل على حد قولهم، وهي ما يعبر عنها بقولهم "من كل طبقا لكفايته ولكل طبقا لحاجته" أما الاشتراكية فتتفق مع الشيوعية في وجوب إنشاء المجموع العام من الثروات ولكنها تخالفها في طريقة التوزيع فتسمح لكل فرد من الثمرات العامة بما يناسب عمله وجهوده لا بما يناسب حاجته " ولهذا يذهب بعض الباحثين إلى أنه لا فرق بين الشيوعية والاشتراكية، "من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته" (٣).
٣ - إن بين الاشتراكية والشيوعية من جهة وبين الفاشستية من جهة أخرى شبها قويا من حيث أن الاشتراكية والشيوعية ترميان كلتاهما إلى تقوية قبضة الدولة في توجيه الإنتاج والقضاء على حرية الفرد وكذا النظام الفاشستي وكلها صور من صور الديكتاتورية. ٤ - اعتبر " لينين " الاشتراكية هي المرحلة التي تسبق الشيوعية مباشرة فهي مقدمة أو تمهيد لها معتبرا أن الاشتراكية مرحلة أولى بينما الشيوعية هي المرحلة الأخيرة العليا (٤).٥ - إن الاشتراكية تختلف عن الشيوعية (٥)، ولكن ما معنى هذا التفريق إذا عرفنا أن "ماركس" هو الذي أنشأها وسماها أيضا الاشتراكية العلمية حتى تتميز عن الاشتراكية الخيالية التي أنشاها " سان سيمون "، و "لويس" ورفاقهما والتي لم يرتضيها "ماركس" حيث اعتبر اشتراكيته مرحلة حتمية لا تقبل الرفض لأنها نتيجة مضادة للرأسمالية التي تنبأ بأنها ستنتهي وتحل اشتراكيته محلها وأن الدول الكثيرة مثل بريطانيا وغيرها ستعود حتما إلى الأخذ باشتراكيته وستموت الأنظمة الرأسمالية فيها فكانت النتيجة على حد قول الشاعر:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا أبشر بطول سلامة يا مربع
فقد احتضرت الاشتراكية في الشرق في الوقت الذي انتعشت فيه الرأسمالية في الغرب، وكذلك ظن "ماركس" ورفاقه الأغبياء.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١٠٣٠
стр. 654
خامسا: مزاعم الاشتراكيين ودعاياتهم
للاشتراكيين على اختلاف مفاهيمهم للاشتراكية قاسم مشترك يتفقون عليه في مغالطاتهم وخدعهم للناس وتحبيب الاشتراكية إليهم وقد تبدو الأمور التي يدعون إليها أنها فرصة ثمينة لإسعاد البشرية ولكنها سحابة صيف أو فقاقيع منفوخة بالهواء لقد انكشف زيفها واضمحل بريقها بعد التجارب المريرة التي مرت بالبشرية منذ تأسيسها إذ نقلتهم من سيء إلى أسوأ ومن طبقات متآلفة إلى طبقات متصارعة ومن فقر وغنى إلى فقر مدقع، وخلاصة تلك المزاعم تتمثل فيما يلي:
١ - المساواة الاقتصادية بين جميع الأفراد بلا تمييز بينهم في القومية أو الجنس أو السن.
٢ - محو استغلال الفرد أو الجماعة أو الدولة للفرد.
٣ - إلغاء الملكية الفردية للأرض بما عليها وما فيها من كنوز وثروات وجعلها بيد الدولة فقط يسمح بتحقيق العدالة في التوزيع بين الجميع.
٤ - منح الحق لكل إنسان أن يستخدم كل وسائل الإنتاج علمية أو فنية. ٥ - قيام الدولة الاشتراكية ذاتها لتتحول إدارة الجهود والإنتاج الفردية إلى إدارة موحدة وتصبح الدولة هي المالكة الوحيدة لجميع الثروات ووسائل الإنتاج وجميع المرافق الاقتصادية الأخرى وتتولى استثمارها (١)، وبالتالي تحصل السعادة المنشودة.
تلك هي أهم الأمور التي تدور حول مفاهيم الاشتراكية وتحبيبها إلى الناس.
أما المساواة الاقتصادية بين جميع الأفراد فقد حققها الاشتراكيون ولكن على الجانب الآخر فقد استطاعوا أن يساووا بين الناس في الفقر ولكنهم لم يستطيعوا أن يساووا بينهم في الغنى لأن الهدم دائما أسهل من البناء وحال الشعوب السوفياتية بعد انجلاء غمة الاشتراكية عنهم أقوى شاهد على ذلك.
أما محو استغلال الفرد من قبل الأفراد الآخرين أو الجماعة أو الدولة فهي كذبة واضحة حيث أن الدولة استغلت الأفراد من اللحم إلى العظم حتى أصبح الفرد مثله مثل أي قطعة استهلاكية وأي استغلال أقوى من أن الفرد لا يأكل أي وجبة إلا ببطاقة ولا يملك سكنا ولا غيره إلا مع الجماعة بل وقد يقتل بكل بساطة أمام زملائه إذا اتضح قصوره في العمل.
وكذا إلغاء الملكية الفردية للأرض نعم حققتها الاشتراكية حتى أصبح الناس كلهم لا يملكون شيئا وأصبحت الأرض ومن عليها من شجر وبشر ملكا للدولة وهو ما كان عليه الحال زمن الإقطاع تماما.
وأما منح الحق لكل إنسان أن يستخدم كل وسائل الانتاج علمية أو فنية فنعم ولكن عمله ليس له إنما هو يعمل كما تعمل الآلة بلا كلل ولا ملل لحساب الدولة التي أممت كل شيء وسدت كل باب للملكية الفردية، وما دام المصب واحد فلا يضر اختلاف المجاري أو على حد ما قاله الخليفة العباسي للسحابة: "أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك".
٦ - ومن أكبر مزاعمهم قولهم أن الاشتراكية إنما قامت في رد فعل ضد الرأسمالية إثر ظهور الثورة الصناعية التي أسهمت في شقاء العمال والكادحين حيث أدت إلى زيادة ساعات العمل وانخفاض الأجور مما تسبب في إلحاق كوارث بالعمال وخيمة وأنه لم يكن لهم مخرج من تلك الأوضاع ولا منقذ غير الانضواء تحت راية الاشتراكية الماركسية ونبذ النظام الرأسمالي الذي لا يرحم الفقراء ولا يعترف بحقوقهم ولكن وضع دعاة الاشتراكية هذا يصدق عليهم المثل القائل " إذا كان بيتك من زجاج لا تراجم الناس " إذ بإمكان أي رأسمالي أن يقول للاشتراكيين ألم تروا حال العمال والكادحين لديكم ومدى البؤس والشقاء الذي حل بهم؟ إضافة إلى أنكم حولتم العامل من إنسانيته إلى أن جعلتموه قطعة من أدوات الإنتاج لا قيمة له إلا من خلال سلوكه وعمله مع المجموعة.
فظهر أن النظامين معا جائرين ظالمين لا خير فيهما ولا رحمة حقيقية فيهما على الفقراء.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١٠٣٣
стр. 655
سادسا: قوانين الاشتراكية
قامت الاشتراكية على مبادئ جاهلية من تصورات الحقد اليهودي لتجعل من قادتها آلهة من دون الله تعالى ومن البشر عبيدا لهم ينفذون أحكامهم ويتبعون تشريعاتهم ومن خالف فالحديد والنار على رأسه لا رحمة لديهم ولا إنسانية ومن أهم تلك المبادئ الجاهلية:
١ - إظهار الإلحاد وإنكار وجود الخالق .
٢ - إنكار الأديان وكل ما جاءت به من تشريع.
٣ - إشعال الثورات والصراع الطبقي المرير بين جميع الفئات من البشر.
٤ - إلغاء الملكية الفردية تماما وإحلال ملكية الدولة محلها.
٥ - محاربة الأسرة وإحلال الإباحية محلها لتفتيت أوصال المجتمعات.
٦ - محاربة الحريات الفردية.
٧ - الالتزام بنظام التأميم.
٨ - قيمة السلعة من قيمة العمل.
٩ - فائض القيمة.
١٠ - قانون تكدس رأس المال.
ومن الملاحظ أن الاشتراكيين قد تراجعوا بالنسبة للملكية الفردية نوعا ما فقد أخذت بالحافز الفردي بعد انهيار الإنتاج المؤمم، إما بملكية جزء من إنتاج الفرد لنفسه أو مكافآت خصوصا في المجالات الزراعية التي يصعب على الدولة مراقبتها بدقة لأن منع الملكية الفردية أمر يتنافى مع فطرة الإنسان وطموحه فقتلها مستحيل.
والمقصود "بقيمة السلعة من قيمة العمل" أن العمل لا يبذل إلا في شيء له نفع اجتماعي يحدد قيمة تلك السلعة بمعنى أن قيمة العمل والجهد الذي يأخذه هو الذي يحدد قيمة السلعة هبوطا وارتفاعا.
ولكن فاتهم أن العمل ليس هو العنصر الوحيد لقيمة السلع إذ أن ندرة الشيء تجعله غاليا كالذهب والماس وكذا الماء حين تشتد الحاجة إليه وغير ذلك من الضروريات التي قد يتضاءل العلم في قيمتها كما أنه قد يبذل العمل القليل في صناعة شيء يفوق في القيمة أضعاف ما يبذل في العمل الكبير.
وأما فائض القيمة فيراد به "الفصل بين الأجر المستحق عن العمل المبذول وبين ما يحصل عليه العامل من الأجر أو هو الزيادة التي يبتزها صاحب العمل من العامل نتيجة إعطائه أجرا لا يساوي جهده المبذول فإن معدل ما يقدمه العامل من جهد هو أكبر مما يناله من الأجر"، أو المقصود بها الشيء الزائد عن قيمة السلعة الحقيقة التي هي حق للعامل بينما يأخذها الرأسمالي كجزء من القيمة وفائضها يذهب له لا للعامل ولكن نظرة ماركس هنا قاصرة وينقصها ما وقع بعد عصره من تشغيل الآلات التي لا يساوي عمل الفرد شيئا إلى جانبها، وهل عمل المهندس الفني الذي يدير مجموعة آلات يتساوى مع عامل فلاح بحيث يتساويان في الأجرة أو في قيمة الناتج؟!! ففائض القيمة اليوم هو حق الآلة التي تعمل ذاتيا أو أتوماتيكيا وليس حق العامل " وإذا كانت الماركسية تدافع عن فائض القيمة التي يبتزها الرأسمالي صاحب العمل فإن هذا الفائض في المذهب الاشتراكي يذهب تماما إلى الدولة التي أممت كل شيء فلم يحصل العامل على حقه الفائض لا في الرأسمالية ولا في الاشتراكية غير أن الاشتراكية تخدعه وتنميه بالكذب فالعامل فيها يكدح ويعمل طويلا في مقابل ما تعطيه الدولة من المأكل والمشرب والملبس والسكن المتواضع جدا وهو أقل مما يبذله من العمل.
وأما قانون تكدس رأس المال فإنه يريد به حماية العامل في حال إقامة المصانع والمشاريع الكبيرة وسيطرة أصحابه على السوق بحيث تبقى المصانع الصغيرة أو المشاريع الصغيرة غير قادرة على منافسة الكبيرة وبالتالي يخسرها أصحابها فتتكدس الأموال بين فئة الأغنياء من جراء ملكيتهم لهذه المصانع وملكيتهم لفائض القيمة ويرد على هذه الفكرة أن المشاريع الصغيرة قد تصل إلى الأماكن النائية التي لا تستطيع المشاريع الكبيرة الوصول إليها ومنافستها فيها.
стр. 656
كما أن الأعمال الصغيرة قد تأخذ شهرة أكثر من الكبيرة من حيث الإتقان والجمال، ولهذا تجد العمل اليدوي في مجالات كثيرة لا يزال ذا قيمة أكبر في المجتمعات وفي أثمان السلع. كما أن المشروعات الكبيرة - في أغلبيتها – تأخذ شكل شركات مساهمة قد يسهم فيها مئات بل آلاف ومن ثم يتوزع رأس المال ولا يتكدس (١). وفوق ذلك كله يقال لهم إن الله تعالى – وإن لم يؤمنوا به – هو الذي قسم الأرزاق أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:٣٢]، ولهذا تجد أن الفقير والغني كلاهما يأكلان من فضل الله وصدق المتنبي حيث قال:
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجى ... هلكن إذا من جهلهن البهائم
هل كان ماركس يهدف إلى الرحمة بالفقراء؟ كلا. إنما يهدف إلى تطبيق مبدئه الجهنمي في إثارة الأحقاد والصراع الطبقي والانتقام المتبادل بين فئات الناس والفتك ببعضهم بعضا.
خداع الاشتراكيين في زعمهم أن الاشتراكية لا تتعارض مع الإسلاميتظاهر كثير من المخادعين الاشتراكيين بأنهم إنما يؤيدون الاشتراكية لأنها تحمل الرحمة للفقراء وكبت الأغنياء ولأنها فوق كل اعتبار لا تتعارض مع الإسلام ولا مع الأديان ولذلك فهي تلتقي مع الإسلام في مبادئ كثيرة "مثل اشتراك الناس في الماء العام وفي الهواء وفي الكلأ النابت في الأراضي العامة ويسمى الكلأ المباح عند الفقهاء ومثل النفقة الواجبة في نظام الأسرة الإسلامي ومثل الزكاة المفروضة في الشريعة الإسلامية لصالح الفقراء والمساكين وبقية الأصناف الثمانية المذكورة في آية الزكاة إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:٦٠]، ومثل تدخل الدولة لحماية العمال والكادحين في حصولهم على الأجور العادلة دون ظلم ولا شطط ومثل تهيئة فرص العمل لكل قادر عليه ونحو ذلك " (٢).
ونقول بأنه وبغض النظر عن صحة هذه الدعاوى أو كذبها فإن مجرد التوافق في التسمية لا يكون توافقا في الحقيقة وإلا لكانت كل الاختلافات لا قيمة لها لأنه ما من مختلفين في قضية من القضايا إلا وتجد بينهم توافقا ما. فإقرار الإسلام لتلك الأمور هو غير إقرار الاشتراكية لها وترتيبه لها غير ترتيب الاشتراكية لها ومفهومه غير مفهوم الاشتراكية واشتراك الناس في تلك الأمور في الإسلام هو اشتراك مودة ورحمة وإخاء وتسامح بينما هو في الاشتراكية حق واحد للسبع الكبير – الدولة – تأخذ منها شبعها ثم تسمح بالباقي للآخرين في مقابل " من لم يحترف لم يعتلف " وفوق كل ما تقدم نقول لمخادعي الاشتراكية من أين جاء مصدر الإسلام ومن أين جاء مصدر الاشتراكية وهل يلتقي التشريع الإلهي والتشريع البشري على حد سواء.
إن الإسلام لا يعترف بأي نظام جاهلي وضعي فكيف يقال إنه يعضده ويوافقه سواء أكان اشتراكيا أو رأسماليا أو شيوعيا إنه من الكذب والافتراء الفاحش القول بتوافق الإسلام مع هذه الأنظمة الجاهلية وغيرها.
стр. 657
وإذا سلمنا جدلا بتوافق الإسلام مع تلك الأنظمة فما هو السبب في قتل الاشتراكيين الشيوعيين للمسلمين في الاتحاد السوفيتي قتلا لا يتصور العقل أهواله ودمارا لا حد له لقد حاربوا الإسلام حربا شعواء وهدموا المساجد وحاربوا وجود أي كتاب إسلامي على امتداد البلاد السوفيتية وأصبحت تهمة الشخص بأنه مسلم كافية لإباحة دمه وتدمير منزله حتى تناقص أعداد المسلمين وعدد مدارسهم وعدد مساجدهم تناقصا مذهلا فما هو جواب هؤلاء البهائم – بل هم أضل – ما هو جواب الاشتراكيين عن هذا السلوك ألم تنكشف خدعهم للعالم أجمع وتظهر الحقيقة لكل ذي رأي وعين أن العداوة بين الحق والباطل دائما على أشدها؟ ومن الأدلة الواضحة على بعد الاشتراكية عن الإسلام ما نراه من الفشل الذريع الذي منيت به في ديار المسلمين رغم ما يبذله أقطابها من مغريات جمة لإنعاشها بين المسلمين ذلك أن الإسلام والمسلمين ينفرون منها ويرفضونها جملة وتفصيلا، وثانيا أنها لم تنجح إلا في أوساط المتخلفين اقتصاديا وثقافيا ودينيا، أو متسلط متزلف إلى أقطاب الاشتراكية، أو كافر حاقد، أو إباحي مجرم، أو جاهل بحقيقة الاشتراكية (١).
وما نسمعه من نجاحها في بعض البلدان العربية فإنما هي دعايات وزوبعات مؤقتة وراءها الحديد والنار ثم انجلت الغمة عن تلك البلدان فإذا بالاشتراكية وأقطابها في المزابل ولنا في دخولها البلدان ونهايتها فيها وفي دخول الإسلام البلدان المفتوحة وبقائه فيها خير شاهد على مدى الفرق الهائل بينهما.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١٠٣٦
стр. 658
سابعا: كيف غزت الاشتراكية بلدان المسلمين ؟
من المعروف أن الأفكار تنتقل وتتسرب من شخص لآخر ومن أمة لأمة دون أن تحدها حدود. فهي تتغلغل وتنتقل في الوقت الذي يتهيأ لها وكما يقال "لكل صائح صدى" مهما كان قبح صوت ذلك الصائح فقد وجدت الاشتراكية القبيحة طريقا إلى أذان بعض من تقبلها تحت أسباب متعددة وذرائع مختلفة وإغراءات براقة، والذين تقبلوها إما طلاب دنيا لهم أغراض في الوصول إلى الزعامة أو الثراء، أو أصحاب حقد شديد على الأغنياء يريدون النيل منهم، أو جهال ينعقون بما لا يفقهون ويصفقون لما لا يدركون حقيقته، أو إباحيون لا يريدون أن يحدهم دين أو شرع عن الوصول إلى شهواتهم. وهؤلاء العملاء قد يكونون تحت مسمى الإسلام ومن العرب أو من غيرهم ولكنهم أشد أعداء الإسلام والمسلمين باعوا دينهم وضمائرهم لأقطاب الاشتراكية الماركسية وكونوا من أنفسهم طابورا سريا وفي الصف الأول في الهجوم على الدين ومن يمثله من أبناء جلدتهم وبالإضافة إلى أن هؤلاء جواسيس على أمتهم ودينهم فهم كذلك دعاة ترغيب وتحسين لوجه الاشتراكية الكالح يرددون الشعارات تلو الشعارات والمدائح تلو المدائح إما تصريحا وإما تلميحا تحت دعاوى كثيرة باطلة. إما دعوى إنصاف الفقراء والمظلومين، وإما دعوى التحرر، وإما دعوى التقدم ونبذ الرجعية والجمود والتخلف ولحوق ركب الحضارة الغربية أو الشرقية وما غير ذلك من الشعارات البراقة والخطب الرنانة الفارغة بكل ما لديهم من قوة صاحب السلطة بسلطته وصاحب القلم والرأي بقلمه ورأيه وصاحب نشر الفحشاء والسوء بأسلوبه فكم ألصقوا من التهم الشنيعة بشرفاء هم أنظف من الزجاجة وشوهوا سمعتهم بما اختلقوه من التهم والألقاب المنفرة ضدهم، وكم قرب الاشتراكيون من صعاليك سفهاء وكم أبعدوا من أولي الحجى حتى صارت كلمة السفهاء وأصحاب الخنى هي المسموعة في وسائل إعلامهم المختلفة من مرئية ومسموعة ومكتوبة وأبعدت الكلمة الصالحة وجعلوا دون نشرها حجبا كثيرة وأبوابا مغلقة لئلا تفتح القلوب وتزيل غشاوة أبصار من افتتنوا بها.
أما بالنسبة لغزو الاشتراكية البلاد العربية فقد بدأ ظهورها في مصر وسوريا ولبنان في صورة ليست قوية إلى أن تبناها رئيس مصر جمال عبد الناصر الذي طغى وبغى في وقته وتبنى الاشتراكية الماركسية ونشرها بأساليب شيطانية وأحيط بها له من التغطية حيث كاد أن يدعي ما ليس له بحق لولا أن الله عاجله بالعقوبة بهزيمته على يد اليهود أولا وموتة الفجاءة ثانيا بعد أن علا اسمه وصار يلقب بأبي الأحرار ورائد الأمة وما إلى ذلك من الأسماء المكذوبة وكان بعضهم يصرح بقوله لن نهزم وناصر بيننا فهزمهم الله في حرب سنة ١٩٦٧م شر هزيمة عرفت في التاريخ الحديث.
انتعشت الاشتراكية العلمية التي اختارها جمال عبد الناصر طريقا وقام الكتاب المتزلفون وأطروها مدحا وجاؤوا بخدع لا نظير لها لتحبيبها إلى قلوب المسلمين ومن الملفت للنظر أن دعاة الاشتراكية العربية تناقضوا مع أنفسهم تناقضا فاحشا فبينما هم ينادون بالاشتراكية العلمية إذا بهم يقولون إنها ليست الاشتراكية الماركسية وهل هناك اشتراكية غير اشتراكية ماركس التي سماها – كذبا وزورا – علمية.
стр. 659
وهؤلاء المغالطون يزعمون أن اشتراكيتهم علمية لكنها ليست هي الماركسية فأي اشتراكية علمية هذه التي ينادون بها؟ ولو على سبيل الافتراض قبلنا زعمهم أن اشتراكيتهم علمية ولكنها ليست ماركسية أليست هذه الاشتراكية أيضا التي ينادون بها هي نفسها مبادئ الاشتراكية الماركسية لا تختلف عنها اللهم إلا في اختيار بعض الألفاظ ليغالطوا بها الناس السذج (١).
وأما كذبتهم الكبيرة التي يزعمون فيها أن اشتراكيتهم هي نفسها مبادئ الإسلام كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا [الكهف:٥]، فأين الإسلام وأين مبادئ ماركس وهل يمكن أن يجتمع الليل والنهار في وقت واحد؟
وما تماسكوا به من أن مبادئ الاشتراكية الماركسية تتوافق مع كثير من مبادئ الإسلام فهو من باب تمسك الغريق أو حجة من لا حجة له، فما أكثر التشابه بين الآراء المتضادة ومع ذلك لا يصح القول إن هذا التشابه يجعلها متفقة غير مختلفة كما تقدم. وأن أول ما يكذبهم فيما زعموه هو أن الاشتراكية الماركسية تدعو إلى الثورات المتلاحقة والصراع الطبقي بكل شدة بينما الإسلام لا يدعو إلى شيء من ذلك بل يدعو إلى الهدوء والمحبة والعطف والبر والإحسان والصدقات فأين وجه الشبه بينهما؟
كما يكذبهم كذلك اعتقادهم أن الملكية الخاصة يجب أن لا يبقى لها أي مكان وإنما هي الملكية العامة التي تكون بيد الدولة فقط فالإسلام يحترم الملكية الخاصة والملكية العامة وينظم الجميع تحت لا ضرر ولا ضرار فأين وجه الشبه بينهما؟
كما أن الاشتراكية الماركسية تسلب حريات الناس وتكمم أفواههم وتفرض تعاليمها فرضا بالحديد والنار بينما الإسلام يحث على الحرية وعلى الجهر بالحق في حدود الشرع والمصلحة العامة فأين وجه الشبه بينهما؟
وإنك لتندهش حقا وتعجب أشد العجب من عملاء الماركسية حينما يزعمون أن الاشتراكية متوافقة مع الإسلام ومع فطرة كل شخص وأن الشعوب رضيت بها واعتنقتها ورأت فيها ضالتها المنشودة. قبح الله هؤلاء الكذابين الأفاكين أليست الشعوب التي يزعمون أنها تقبلتها تلعنهم ليلا ونهارا وأي شخص ارتاح إليها وهو يعلم أنها ستسلبه أرضه ومسكنه ويعيش على بطاقة تصرفها له الدولة يتغدى بها ويتعشى بها ثم يكون عودا ضمن الحطب، ما أشد جرأة هؤلاء الكذابين الذين يكذبون على الناس علانية دون حياء أو خجل فلو لم يكن للشعوب إلا تمسكهم بالإسلام لكان كافيا في ردها ولعنها كيف وقد انضاف إليهم الفقر الذي يتهدد معتنقيها بين عشية وضحاها؟
ولهذا تجد تلك الشعوب المسلمة تقول بكل حزم وعزم حينما تسمع أحد عملاء الاشتراكية الماركسية يقول إن الإسلام يؤيد الاشتراكية والاشتراكية تؤيده يقولون له: كذبت وافتريت أيها المخادع.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١٠٤٣
стр. 660
ثامنا: بعض أساليب الدعوة إلى الاشتراكية
بيان بعض أساليبهم في الدعوة إلى الاشتراكية.
١ - إذا وجدت مرحلة كان الاشتراكيون فيها أقل عدد من أهل الدين وكانت القوة للدين فلا حرج على الاشتراكي أن يتظاهر بكلمات التدين مع بقائه على العداء الشديد للدين وأهله وقد أوصاهم بذلك كبار رؤسائهم.
٢ - أن تتركز جهود دعاة الاشتراكية على محاربة كل الروابط الدينية وخصوصا الجوانب الروحية والتقليل من شأنها وأن الحياة الصحيحة هي المادة التي أمامك لاغير.
٣ - أن يعاد تفسير كل ما قاله الدين بتفسير اشتراكي سواء ما يتعلق منها بالقصص أو المواعظ أو الأحداث بل وتفسير كل شيء في الاشتراكية الماركسية بأنه من الدين أو لا يتعارض مع الدين.
٤ - تجنيد بعض رجال الدين أو كلهم وجعلهم في مقدمة دعاة الاشتراكية إذا أمكن ذلك لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أغصانها وهؤلاء يجب أن يكونوا على اقتناع بالاشتراكية الشيوعية ولا حرج عليهم أن يجاهروا بعد ذلك بالتدين لأن النفاق فضيلة إذا أريد به تقوية الاشتراكية الماركسية؟!
٥ - استمرار النداءات بأن الاشتراكية هي التحرر وهي رفع معيشة الشعوب وهي نصرة الفقراء والمظلومين، وهي النور الذي لا يستغني عنه أحد .. إلى آخر هذه الدعايات الرنانة الجوفاء في حقيقتها.
٦ - شدة مراقبة أهل الدين وتسجيل كل ما يتفوهون به في المدارس أوفي المساجد أوفي اجتماعاتهم وتخويفهم من عاقبة أي خطأ يرتكبونه ضد الاشتراكية العلمية وأن عليهم إذا أرادوا الحياة أن يسايروا الركب.
٧ - التهجم على الأثرياء وأنهم طبقة مستعبدة وأن الإسلام لا يجيز للشخص أن يمتلك الأموال الكثيرة وغيره جياع والغرض من هذا تصحيح ما تقوم به الاشتراكية من تأميم الأموال دون وجه شرعي، ومعلوم أن الإسلام لا يمنع أن يكون بعض الناس أثرياء مهما بلغ ثراؤهم ما داموا يؤدون حق الله فيه فالفقر والغنى كله بتقدير الله تعالى.
٨ - يجب على الجميع أن يأتوا بالتبريكات وبالتبريرات لأي عمل تقوم به الدولة الاشتراكية وأن كل ماتفعله هو الحق والخير وكل ما تعاديه هو الشر والضرر.
٩ - ترديد الشعارات التي تخدم الاشتراكية في كل مناسبة وبالتالي ترديد الذم لكل من يخالفها وإلقاء النعوت المنفرة لمخالفيها كالرجعية والجمود والتخلف وإرادة إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء إلى غير ذلك من الأكاذيب التي يجيدها خدم الاشتراكية.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١٠٤٩
стр. 661
أولا: التعريف
الشيوعية مذهب فكري يقوم على الإلحاد وأن المادة هي أساس كل شيء ويفسر التاريخ بصراع الطبقات وبالعامل الاقتصادي. ظهرت في ألمانيا على يد ماركس وإنجلز، وتجسدت في الثورة البلشفية التي ظهرت في روسيا سنة ١٩١٧م بتخطيط من اليهود، وتوسعت على حساب غيرها بالحديد والنار. وقد تضرر المسلمون منها كثيراً، وهناك شعوب محيت بسببها من التاريخ، ولكن الشيوعية أصبحت الآن في ذمة التاريخ، بعد أن تخلى عنها الاتحاد السوفيتي، الذي تفكك بدوره إلى دول مستقلة، تخلت كلها عن الماركسية، واعتبرتها نظرية غير قابلة للتطبيق. وقد ذكر في الموسوعة العربية الميسرة (١): "أن الشيوعية مصطلح يصعب تحديد معناه "، وبعد أن ذكرت تلك الموسوعة أن الشيوعية نظام اجتماعي تكون فيه الملكية في يد المجتمع قالت: "والشيوعية بهذا المعنى قديمة قدم المجتمع نفسه (٢) ".وهذا كذب محض فإن هذا التعبير من الدسائس التي احتوت عليها هذه الموسوعة متأثرة بما لفقه زعماء الشيوعية من أن المجتمعات في القديم كانت بدائية وكانت الملكية فيها مشاعة بين الجميع في شكل اكتفاء ذاتي يتقاسم أفراده السلع والخدمات نظرا لظروفهم الخاصة القاسية التي تحتم عليهم ذلك كما هو الحال على الخصوص في المجتمعات التي تعيش على قنص الحيوان، بزعمهم. (٣)
لقد قامت الشيوعية الماركسية كالمارد الجبار تريد أن تقيم مجدا زائفا على أنقاض الديانات الإلهية كلها وإحلال الديانات الوضعية البشرية مكانها شعارهم "لا إله والحياة مادة" هدفهم هدم الأديان وإعلاء اليهودية، ومع أن شعارهم " لا إله " فهو شعار كاذب فقد أحل طغاة الشيوعية أنفسهم محل الإله العظيم وأحلوا تعاليمهم الإلحادية محل الدين وقوانينهم محل الشريعة فقد احتوت الشيوعية على جميع نواحي الحياة من ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية بل وكل ناحية في حياة البشر بدلا عن الإله وعن الأديان وكافة النظم البشرية.
وإذا كانت السمة الظاهرة للناس أن الشيوعية لا شأن لها بأية ناحية غير الناحية الاقتصادية وأن مهمتها خدمة الشعوب لكي تعيش في جنة عالية قطوفها دانية إذا طبقوا التعاليم الماركسية الجهنمية التي زعم أقطابها أن البشر سيعيشونها في يوم ما وسيحكمون أنفسهم بأنفسهم، لا عداوة، ولا فقر، ولا جهل .. إلخ فإن هذه السمة الظاهرة هي ترهات الشيوعية وخدعها التي نجحت على كثير من البشر فأصبحوا ضحايا خاسرة للشيوعية ومبادئها الجوفاء.
стр. 662
ولقد تظاهرت الشيوعية بذلك لتعمل في الخفاء وبعيدا عن الأنظار لما قامت من أجله من تحقيق أحلام اليهود وليس تحقيق أحلام الفقراء فزعموا للناس أنهم ركبوا كل صعب وذلول للاهتمام بالنواحي الاقتصادية أولا وأخيرا وأن كل ما يصدر عن هذا الفكر من سلوك وتقنين إنما هو تابع لتحقيق هذا الجانب لا غيره وسيتبين إن شاء الله أثناء الرد عليهم أن هذا الزعم أصبح سرابا كاذبا وهباء في مهب الريح ويعبرون عن هذه الظاهرة بالمادة، التي صارت هي المعبود والنظام والتاريخ وأقطاب الشيوعية كما هو معروف كانوا نصارى في الأساس وأغلبهم يهود وقد وصفوا نظريتهم الإلحادية " بالمادية " وجعلوها محور كل شيء في الوجود والتاريخ أقاموه على " التفسير المادي للتاريخ " فكل مظاهرهم إنما هي تابعة لتصورهم المادي كما أن مظاهر الفرويدية كلها متوجهة نحو الجنس وكلتا النظريتين موجهتين بدقة من قبل الماسونية اليهودية للقضاء على كل ما عند الجوييم – كما يسميهم اليهود – ليصبحوا حميرا لشعب الله المختار كما تمنيهم بذلك تعاليم التوراة المحرفة والتلمود الجهنمي المملوء حقدا على جميع البشر ما عدا اليهود.
وكان "ماركس" قد تضلع من دراسة الحضارة الإغريقية الرومانية في الوقت الذي كانت فيه تعاليم المسيحية المحرفة تتهاوى إلى الحضيض وتداس تحت أقدام أولئك الذين خرجوا عن طغيانها الذي لا حد له وعن صلاحيات البابوات ورجال الدين التي لا نهاية لها وفي الوقت الذي نشط فيه دهاة الماسونية ومنهم كارل ماركس لتحطيم كل حضارات العالم وإقامة هيكل سليمان الذي هو نصب أعين اليهود كلهم.
ظهرت الماركسية لتجعل الإنسان هو مصدر كل سلوك ومعرفة هو الإله المشرع وهو الخالق المبدع وهو كل شيء وليس وراءه أي شيء فلا وجود للإله الذي مارس طغاة الكنيسة كل جبروتهم باسمه ولا أديان تضطهد اليهودية واليهود ولا حياة أخرى هي مصدر الخلاص إذا كان الشخص يملك صك غفران عن البابا، بل الإنسان هو الإله والدنيا هي غاية الإنسان عليها ليسعد أو يشقى ولا عبرة بما قالته الأديان الإلهية من وجود قوة أخرى غير الإنسان أو حياة أخرى غير هذه الحياة، بل إن ما وراء الطبيعة من المغيبات إن هو إلا سراب يجب أن يختفي أمام الحضارة اللادينية العاتية عالم المحسوسات التي لا تؤمن الشيوعية الملحدة إلا به وحده معللة لوجود هذا الكون ونشأته. ونشأة التدين عند الإنسان بخرافات كاذبة خيالية لا يسندها عقل ولا منطق، الكون تجمع من ذرات والإنسان أصله قرد .. الخ.
ومن العجيب أنهم يسمون هذه التخيلات المفتراة على البشرية التي تنافي ما أكرمهم به الله من حفظ ورعاية ومعرفة بأمور دينهم ودنياهم العجيبة، أنهم يسمونها حقائق ويدافعون عنها كأنهم عايشوها من أول يوم عرفت فيه البشرية ومن كذبهم في هذا فإن نبزه بالرجعية والتخلف أمر جاهز في قواميسهم التي لا تتورع عن هدر أعراض الناس ودماءهم أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف:١٩].
وهو رجم بالغيب وظلم للبشرية وتصديق لأقوال الكذابين أمثال "ماركس"، و "دارون"، و "فرويد" وغيرهم من أشرار البشر الحاقدين.
стр. 663
وقد ساعد على تعميق الإلحاد الشيوعي تلك النظريات الكثيرة والشبه التي سموها حقائق لمعرفة هذا الكون وقيامه على القوانين التي عرفت أخيرا مثل قانون الجاذبية الذي أرسى كل شيء في الوجود في مكانه وقانون تجمع أجزاء المادة التي انفجر عنها هذا الكون وغير ذلك مما زعموه مؤيدا لنظريتهم الملحدة فحجبت تلك المفاهيم – الخاطئة للشيوعية والنصرانية – العقل عن التعلق بموجد لهذا الكون، وأن مجرد التفكير فيه يعد رجعية ولهذا – كما سمعنا – أن الروس قتلوا العائدين من سطح القمر في أول رحلة فضائية لأنهم أيقنوا أن لهذا الكون موجدا وما إن أطل القرن التاسع عشر الميلادي إلا وقد ظهر قرن الشيطان وساد القول بسيادة الطبيعة على الدين والعقل فهي الحاكم المطلق والإله الذي لا ينازع وقد تولى كبرها "أوجست كونت "، و "فرباخ"، و "ماركس"، و "انجلا" بدافع قوي من الحقد الشديد على رجال الدين الكنسي الذي يمثل حسب تعليلهم قوة ما وراء الطبيعة من الأمور المغيبة والروحية التي اعتبروها وهما وخداعا لا حقيقة له لعدم اندراجها تحت قوة الإحساس والإدراك المباشر وأن الالتجاء إلى ذلك الغيب إنما نتج عن الوراثة والبيئة والحياة الاجتماعية في تلك الأزمان المختلفة بزعم دعاة الإلحاد.
ولقد ظلت الشيوعية قرابة سبعين عاما في صولة وجولة قوية مزبدة يحسب لها حسابها إلى أن أذن الله بزوال قوتها بقدرته وحده إذ ما كان أحد يفكر في النيل منها، فإذا بها يأتيها حتفها بظلفها على يد آخر زعيم لما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي وهو " ميخائيل جورباتشوف " وأفل نجمها وجبروتها وثارت الشعوب واقتصوا من كل الظالمين.
والآن وبعد أن تبين المصير النهائي للماركسية الشيوعية أقول: إنه من الغريب جدا أن تموت الشيوعية في عقر دارها – الاتحاد السوفيتي سابقا – وأن تكشف الشعوب أن هذا المذهب فاشل باطل لا يجر إلى خير، بل إلى الخراب والدمار وإثارة البغضاء وانتشار البطالة والفواحش، وأن الجنة الأرضية التي وعد بها " كارل ماركس " إن هي إلا سراب خادع وآمال كاذبة وأن تعاليمه إن هي إلا جحيم لا يطاق وتعاسة وشقاء. وأن الشعوب كانوا يساقون إلى الموت وهم ينظرون طائعين أو مكرهين وإن في التخلص من هذا المذهب راحة لا تعدلها راحة وفوزا لا يعدله فوز فهبت تلك الشعوب المظلومة لتنفض عنها غبار تلك السنين العجاف ثم داسوا مبادئ " ماركس " ونظرياته تحت نعالهم ويتنفسوا الصعداء وبعضهم قام بشنق تمثال بعض طغاة الشيوعية القدماء وبعض الحكماء الحاليين وقالوا: لا رجعة للشيوعية هنا (١).
أقول من الغريب أن يحصل هذا وأكثر منه في تلك البلدان التي ذاقت مرارة التعاليم الشيوعية وفرحت بانقشاعها عنها ثم تقوم بعض الأحزاب في البلدان العربية الإسلامية بالمناداة باعتمادها كحزب شيوعي شرعي وأين الشرع من تعاليم " ماركس " ثم تقوم بعض الحكومات باعتماد تلك الأحزاب والترخيص لهم بدخول المجالس النيابية والبرلمانية وما إلى ذلك كما سمعته من دولة إسلامية عربية في إذاعتهم المسموعة. إن الأمر يدعو إلى العجب – قبح الله تلك الأحزاب وقبح الله من يسمح لهم - أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:١٧٩].
ولقد قيل في المثل: العاقل من اتعظ بغيره "، فلماذا لا يتعظ هؤلاء بمن قد ذاق الحياة الشيوعية البائسة وضاق بها ذرعا أليس لهؤلاء قلوب يعقلون بها وأعين ينظرون بها وآذان يسمعون بها فيكفون عن التعلق بالشيوعية الحمراء وبتقديس زعمائها الذين لا يساوون قيمة نعالهم.
إن الأمر واضح وجلي ولولا أن مؤامرة جديدة أيضا تهدد العالم في ثوب جديد وبأسلوب جديد قد يشعر الناس به وقد لا يشعرون. وما أكثر النكبات التي يدبرها شياطين الإنس والجن للمغلوبين على أمرهم تحت مختلف الشعارات البراقة الخادعة من دعاة الماسونية اليهودية العالمية الحاقدة على الجوييم وما يمتلكونه من حضارات وقيم ومرور الأيام والليالي كفيلة بإيضاح كل ما يبيتون والله لهم بالمرصاد.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 664
ثانيا: تعريفات إلحادية
١ - الإنسان التقدمي الإنسان التقدمي أو المتطور قيل في تعريفه إنه هو الإنسان المهذب في سلوكه، والواقعي في حكمه، والصادق في التعبير عنه (١).
وإذا كان هذا التعريف صحيحا فإنه لم يقف تفسير التقدمي عند هذا المفهوم فقد أصبح يطلق على نواح مختلفة عند الناس هي أبعد ما تكون عن هذا المفهوم ففي جانب العقائد يطلقون التقدمية على الإنسان الذي ينبذ التدين والتقاليد وانفلت من كل ارتباط بالفضائل الدينية واتخذ الإلحاد مذهبا مثل الأحزاب التي أطلقت على نفسها صفة التقدمية في البلاد العربية وفي غيرها وفي جانب المظاهر صاروا يطلقون على الشخص أنه متقدم حينما يهتم بمظهره الشخصي خصوصا حينما يقلد الإفرنج في لباسهم وسلوكهم وصار عند الكثير من المغفلين أن البنطلون الضيق، ورباط العنق "الكرفتة " كما يسمونها وجمع المرأة لأنواع المكياجات ولباسها إلى نصف الفخذين وكشفها الرأس وترديد بعض عبارات الغربيين يعتبر تقدما، وهي من الأمور التي انعكست الحقائق فيها وقد نجح الغربيون في الإيحاء إلى الرجل والمرأة أنه ليس بينهم وبين التقدم إلا ركوب تلك المسالك، وليت شعري أي تطور أو تقدم في هذه المظاهر المنفرة القائمة على الفجور وتقليد أعداء الدين ولهذا صارت هذه التسمية – تقدمي – عند العقلاء منفرة لما علق بها من هذه المفاهيم الخاطئة فأي تقدم في أنواع القصات وجميع أنواع المكياجات ومحاكاة الساقطين في الحضارة الغربية ونبذ الحياء والحشمة ومحاربة الله ودينه.
٢ - الرجعية والجمود
أما الرجعية فقد قيل في تعريفها: إنها هي الميل في السير إلى الوراء والعزوف عن متابعة الحركة نحو اليقظة التي يتم عندها تكامل استعدادات الإنسان الطبيعية. وأما الجمود: فهو الوقوف في الحركة عند مرحلة من مراحل تطور الإنسان في كماله وتمام نمو طاقاته البشرية (٢).
هكذا قيل في تعريفهما ولكن ماذا كان يقصد بها أعداء الأديان؟
стр. 665
لقد اتخذ الملاحدة ومن تبعهم هذا المصطلح نقطة إنطلاق في سبهم للإسلام والمسلمين ولقد قالوا منكرا من القول وزورا فالإسلام والمسلمون بريئان من هذا الوصف بل أعداء الإسلام أحق به وسلوكهم وأفكارهم هي عين الرجعية والجمود فإن المتتبع لأقوالهم عن نشأة الإنسان وتطوره لو قارنها بأقوالهم اليوم عن تمدحهم بالتطور لرأى العجب في تناقضهم وكذلك ما يرمون به المسلمين من الرجعية والجمود يكذبهم حال المسلمين الذين يطبقون الإسلام قولا وعملا كيف كانت سعادتهم وسعادة شعوبهم في تطبيقهم لأحكام الشريعة الغراء التي أنزلها الله كاملة شاملة صالحة إلى يوم القيامة لا تحتاج إلى أحد ينقص منها أو يزيد فيها وفي العقوبات المقدرة كحد السرقة والزنا والقتل والقذف وغير ذلك خير شاهد على أن الإسلام شريعة كاملة شاملة متطورة يمتد ظلها إلى يوم القيامة. وحينما كان الملك فيصل – ﵀ – ينادي بالتضامن الإسلامي (١)، وعودة المسلمين إلى تحكيم شرع الله والتمسك بسنته رماه أعداء الإسلام عن قوس واحدة بالسب والشتم بالرجعية والتخلف فكان يقول في خطبه المؤثرة: " إن كان التمسك بالإسلام رجعية فنحن نفتخر بأننا رجعيون " ولقد اتضح ولله الحمد بعد أن انجلت الحقيقة عن زيف الشيوعية والدعوة إلى القومية أو الوطنية أو سائر النعرات الجاهلية أن الإسلام هو الذي سيبقى على امتداد تاريخ البشر، وأن الميل في السير إلى الوراء والعزوف عن متابعة الحركة التي توصلهم إلى تكامل استعداداتهم الطبيعية هو أخص صفات المذاهب الفكرية الضالة الجامدة بخلاف الإسلام فإنه دين شامل ومتطور بين كل ما يتعلق بوجود الإنسان منذ أن أوجد الله آدم إلى خلق ذريته وما يمرون به من المراحل المتطورة في حياتهم منذ استقرار أحدهم نطفة في بطن أمه إلى خروجه إلى الدنيا ثم انتقاله منها إلى أن يصل إلى الجنة أو النار مع بيان كل ما يحتاج إليه في صلاح دينه ودنياه وتعامله مع نفسه ومع الآخرين في أدق تنظيم وأعدله.
٣ - الخرافة والتقاليد الخرافة هي الاعتقاد بما لا ينفع ولا يضر ولا يلتئم مع المنطق السليم والواقع الصحيح (٢).
ولكن أصحاب المادة يريدون بالخرافة المعاني الروحية ومبادئ الدين وتعاليمه خلف ظهورهم قال أحدهم:
أبعث ثم حشر ثم نشر ... حديث خرافة يا أم عمرو
وظنوا أن ما هم فيه من الإلحاد هو الطريق الصحيح بينما الدين في نظرهم المعكوس من الخرافة وسموا خرافاتهم في خلق الإنسان وفي وجود هذا الكون علما مع أنها نظريات أثبت الواقع بطلانها ولا ينكر أحد أنه يوجد خرافات كثيرة في العالم وأن على العاقل أن يميز فيها بين الخرافات الفعلية والدعايات المغرضة المضللة.
стр. 666
أما التقاليد: فهي جملة العادات التي هي لمجتمع معين وهي إما تقاليد خيرة طيبة وإما تقاليد سيئة باطلة ولا تعرف التفرقة بين هذين المسلكين إلا بعرضهما على الشرع الشريف، فما كان موافقا للشرع فهو الحق وهو المطلوب، وما كان مخالفا للشرع فهي تقاليد جاهلية يجب الحذر منها وما أشد معركة التقاليد وما أوسع انتشارها تموت تقاليد وتحيا أخرى على تعاقب الأجيال ومر الدهور وعلى المسلم أن يكون متزنا في تقبل مختلف التقاليد فكم من تقليد قضى على نور العلم والمعرفة وأفسد الأخلاق والعقائد وكم من حق سمي خرافة، كما أنه يجب عليه الانتباه إلى ما يلقيه أعداء الإسلام من الهجوم على الشريعة الإسلامية تحت ما يسمونه محاربة التقاليد البالية تنفيرا للناس عنها كما أنه يجب على المسلم أن يعلم أنه لا مكان في الإسلام للخرافات ولا للتقاليد السيئة الباطلة إذ أن الإسلام إنما جاء لمحاربة كل أنواع الجاهليات والخرافات والتقاليد الباطلة الضارة.
٤ - الحرية والكبت الحرية هي الإنطلاق في الرأي والاعتقاد في القول وفي الفعل في حدود طاقة الإنسان (١).
والكبت: هو الحد من الإنطلاق في الرأي والاعتقاد والقول والفعل والاتصال بالغير.
حقيقتهما عند الماديين
وأما عند أصحاب المادية فالحرية يراد بها الإنطلاق من كل قيود القيم والمثل والمبادئ التي دعى إليها الدين وهي عودة إلى الحياة البهيمية من أوسع الأبواب ولكن تحت تسمية التطور والتجديد وكذلك الكبت عندهم إنما يراد به تحطيم كل أنظمة الشريعة والانفلات عن الآداب والأخلاق التي دعا إليها الدين أما موقف الدين منهما فمما لا ريب فيه أن جميع الأديان – وخصوصا الإسلام – قد دعت إلى الحرية وحرمت الذلة والخضوع وإحناء الجباه إلا لمن خلقها وأوجدها، وفي كتاب الله تعالى تأكيد شديد على كرامة الإنسان وأن جميع ما في هذا الكون إنما خلق له ومن أجله قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء:٧٠].
أما الحرية في الإسلام: فلا يجوز لأحد أن يجهل أن الإسلام بخصوصه دعا إلى الحرية وجعل إليها منافذ عديدة ورغب في تحقيقها بما جعل الله من الأجر الجزيل لمن حققها ونهى عن الكبت الذي يكون سببه طغيان القوي ضد الضعيف وتسلط الطغاة على المستضعفين دون وجه شرعي.
إن الحرية لها مفهومها الخاص ومجالها الخاص بها في الإسلام كما أن للجاهليات مفهومها ومجالها الخاص بها، وبين المفهومين مسافات مديدة وفروق عديدة.
стр. 667
فالحرية في الإسلام هي أن تتصرف في كل أمر مشروع لك وليس فيه تعد على حقوق الآخرين ويكون داخلا ضمن عبوديتك لربك وامتثالك لأمره ونهيه، ومادام الإنسان لم يخرج عن إطار الشريعة الربانية فهو يعيش الحرية بتمامها سواء أكانت تلك الحرية فيما يتعلق بنفسه أو جسمه أو ماله أو عرضه يتصرف فيها في حدود ما شرعه الله له أو كانت فيما يتعلق بغيره في معاملاته الدنيوية: من بيع، وشراء، ونصيحة، ونقد وتوجيه، وأمر ونهي. أو الدينية: من تعليم، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر .. وغير ذلك. أو كانت فيما يتعلق بعقل الإنسان وتفكيره حيث جعل الله للعقل مطلق الحرية في الارتفاع بصاحبه عن الخضوع والذل لغيرربه وفي وجوب إعمال الفكر فيما يحتوي عليه هذا الكون من بدائع وعجائب. فالإسلام يمنحه مطلق الحرية في تنظيم بديع فيه سعادة الإنسان أولا، ثم سعادة المجتمع الذي يعيش فيه ثانيا سواء أكان ذكرا أم أنثى. والذي خلق الإنسان وسائر الأنعام جعل لكل منها حرية تخصه فإن الأنعام لها مطلق الحرية دون تمييز بين الضار والنافع، ولكن الإنسان الذي كلفه الله وميزه بالعقل له حرية إذا تجاوزها صار كالأنعام فإذا تجاوزها أيضا صار أضل من الأنعام كما قال تعالى: أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:١٧٩].
الحرية في مفهوم الجاهليات
أما الحرية في مفهوم الجاهليات قديما وحديثا فهي الظلم في القديم كما قال الشاعر:
والظلم من شيم النفوس ... فإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم
والجنس كما هو حال الأمم التي أعرضت عن الدين، وكما عبر عنه الصينيون في تظاهراتهم المشهورة حينما قالوا: " إنه لا حرية عندنا إلا في الجنس ".
ولقد فهم الكثير من الذين ينادون بشعار الحرية أنها هي أن يعمل الإنسان ما يشاء، وأن يرتكب من المنكرات ما يلذ له، وأن يقول كل ما يريد قوله، وأن لا يكون للمجتمع أي تأثير عليه. إنه يفهمها على أنها الانفلات من كل القيود ثم الفوضى وإشاعة الفساد والوصول إلى الإلحاد تحت هذه التسمية ولقد ظهرت جحافل من دعاة الحرية خدعوا الناس وأوهموهم أنهم يجب أن يكونوا أحرارا لا قيود عليهم من دين أو مثل أو عرف بل هي الانطلاق التام. دون أن يفطن هؤلاء المخدوعون بأنها مصيدة يهودية ماسونية أوحوا بها إلى الدهماء من الجوييم كما يسمونهم ليملئوا بها فراغا في أذهانهم بينما هم يعلمون تماما أن لا حرية حقيقة سيصل إليها الجوييم وجاء دعاة الإباحية والوجودية والشيوعية بما زاد الطين بلة والنار اشتعالا وملؤوا أذهان الشباب والشابات بطنين الحرية الشخصية والحرية الجنسية والحرية الكلامية .. الخ، فإذا بتلك الحريات كلها تصب في مصب واحد هو القضاء على الأديان والعفة والشريعة الإسلامية وفتح الباب على مصراعيه لدعاة الفجور والفحش باسم الحرية، ومنع المصلحين من الإصلاح بدعوى عدم التدخل في شؤون الغير أو كبت حريتهم. جاء في كتاب (الحرية في الدول الاشتراكية) أنه لو قام مجتمع من النساء الحريصات على استقلال جنسهن بتكوين جماعة تدعوا أو تمارس بين النساء أنفسهن نظرية التناسل بدون رباط زواج فليس من حق الدولة أن تتدخل في أعمال تلك الجماعة " (١).
стр. 668
وأي مصلح ينادي بالكف عن المنكرات والإقصار عنها صاحوا به: إنه يريد كبت حريات الناس، إنه متزمت ومتشدد، وما إلى ذلك من الدعايات الباطلة ضده. وحينما تعرف الحريات بأنها الإنطلاق في الرأي استغل دعاة الحرية اللادينية هذا المفهوم ونادوا بما يسمونه باحترام الرأي والرأي الآخر. وهم يريدون الانطلاق في الرأي الذي يؤدي في النهاية إلى انتكاسة البشرية وفرض آرائهم العلمانية والعقلانية والشعوبية والقومية وكل النعرات الجاهلية، وكذا تعريف الحرية بأنها الانطلاق في الاعتقاد في القول وفي الفعل. فإن دعاة تلك الحرية الباطلة لا كابح لجماحهم انطلقوا في الاعتقاد في القول والفعل إلى الرذائل والآراء السقيمة والنظريات السخيفة بحكم حرية الاعتقاد في القول فملؤوا إذاعاتهم وصحفهم ونشراتهم بما يستحي صاحب العقل والذوق أن يقوله أو يفعله دون أي حياء لديهم أو وازع من ضمير، وصدق عليهم قول المصطفى ﷺ : ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) (١).
ولن يجد الإنسان الحرية الصحيحة إلا في عبادة ربه والخضوع له وحده لا شريك له كما أنه لا حرية مع عدم طاعة الله تعالى فإن من لم يذل لله أذله الله لغيره.
أسماء الإلحاد
ومن الجدير بالذكر أن للملاحدة أسماء كثيرة اخترعوها من واقع عقيدة كل مجموعة مع الأخذ في الاعتبار أن الملاحدة كلهم متفقون على اعتقاد الإلحاد ولكنهم يختلفون بعد ذلك حسب الآراء والأهواء فتأتي التسمية من ذلك الواقع.
فالماديون: أخذت تسميتهم من اعتقادهم أن وجود جميع هذا الكون إنما هو تابع لوجود المادة التي ليس وراء وجودها أي وجود مؤثر في الإيجاد.
وقسم منهم يسمون " الطبيعيون " بسبب اعتقادهم بأن التغيرات التي تحصل على المادة إنما تحصل بأسباب ذاتية يرجع إلى طبيعة المادة.
وبعضهم يعتقد أن تلك التغيرات إنما تحصل بالآلية في حركة ذرات المادة فقيل لهم أصحاب المذهب الآلي.
وبعضهم يعتقد أن المادة ترجع إلى ذرات صغيرة جدا متجانسة، والتغيير إنما يرجع فيها إلى شكل التأليف والتركيب بينها، فسموا أصحاب المذهب الذري.
وبعضهم لم يعتقد إلا بما يحسه فقط فقيل لهم "حسيون".
وبعضهم يردد كلمة الواقع المدرك بالحس، أو الواقع المدرك، أو الواقع الملموس، وأشباه هذه العبارات فقيل لهم "الواقعيون".
وبعضهم اتخذ اسم " الوضعية ". وبعضهم زعم أن الأشياء توجد أولا ثم تصنع الأفكار ماهيتها فسموا بالوجوديين (٢).
وهكذا تعددت الأسماء، والهدف النهائي واحد هو الإلحاد ويبقى الاختلاف بينهم لفظيا لتسهيل مغالطاتهم الناس من وراء كثرة تلك الأسماء ليحتدم الخلاف حولها بين الناس وإشغالهم بها فقبحهم الله ما أكثر أسماءهم وما أقل نفعهم.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١١٨٢
стр. 669
ثالثا: نبذة عن تاريخ الشيوعية عموماً (١)
الشيوعية فكرة قديمة، ظهرت في التاريخ أكثر من مرة؛ فقد جاء في كتاب (الجمهورية) لأفلاطون الأثيني الإغريقي (٤٢٧ - ٣٤٧) ق. م. ما يدل على نشأة هذا المذهب، حيث أقام في كتابه نظاماً يقوم - بالنسبة للحكام - على شيوعية المال، والنساء، وشرع لهذا منهجاً مفصلاً؛ فهناك أمثلة خيالية، ولمحات عن الاشتراكية أثبتها أفلاطون في كتابه، تصور حقيقة أن القرن الخامس قبل الميلاد - وهو الذي وجد فيه أفلاطون- كان فيه مبادئ اشتراكية لم تزل في مهدها. يقول أفلاطون في كتابه الآنف الذكر ما فحواه: يجب أن يشتمل النظام على اشتراكية النساء والأولاد، فليس لأحد حق بإنشاء أسرة مستقلة، كما ليس له الحق بتربية الأولاد؛ لأن الجميع ملك الدولة، وهي وحدها تشرف على تنشئة العضو الصالح كما تشرف على إنجاب النسل المختار (٢).
هذا وقد قسم أفلاطون المجتمع إلى ثلاثة أقسام:
١ - الحكام.
٢ - رجال الحرب.
٣ - الخدم والعمال.
وقال: إنه يجب أن تكون الزوجات والأموال، والمآكل مشاعة بين أفراد الفئة الأولى والثانية، أما الثالثة فإنها تعيش على النظام الأسري المعهود. وكذلك قال بالشيوعية أكزينوف (٤٢٥ - ٣٥٢ ق. م) من فلاسفة الإغريق (٣).وقال بها - أيضاً - مزدك عام (٤٨٧م)، حيث دعا إلى الشيوعية واشتراك الناس في الأموال، والأعراض، وتسمى حركته بالمزدكية، وظهرت هذه الحركة في بلاد فارس (٤).
كما دعا إلى الشيوعية كثير من أرباب النزعات الإباحية، كالباطنية المتأثرين بالمزدكية، ومنهم حمدان قرمط وقومه، ومنهم علي بن الفضل الذي صور مذهبهم بقوله:
خذي الدفَّ يا هذه واضربي ... وغني هزاريك ثم اطربي
تولى نبي بني هاشم (٥) ... وهذا نبي بني يعرب
لكل نبيٍّ مضى شرعة ... وهذي شريعة هذا النبي
فقد حط عنا فروض الصلاة ... وفرض الصيام فلم نتعب
أباح البنات مع الأمهات ... كذاك أباح نكاح الصبي
إذا الناس صلوا فلا تنهضي ... وإن صوَّموا فكلي واشربي
ولا تطلبي الحج عند الصفا ... ولا زورة القبر في يثرب
ولا تمنعي نفسك المعرسين ... من الأقربين أو الأجنبي
بماذا حللت لهذا الغريب ... وصرت محرمة للأب
أليس الغراس لمن ربَّه ... وغذَّاه في الزمن المجدب
وما الخمر إلا كماء السماء ... أبيحت فقدِّست من مذهب (٦)
ثم توالت بعد ذلك الدعوات إلى الشيوعية على يد عدد من الأشخاص، منهم توماس مور -١٤٧٨ - ١٥٣٥م- حيث وضع نظاماً لمدينته الفاضلة الخيالية ضمن شيوعية مالية.
ثم جاء بعده كامبانيلا الإيطالي -١٥٦٨ ٠ ١٦٣٩م- في كتابه مدينة الشمس، حيث ضمنه نظاماً اشتراكياً لمدينته هذه أغفل فيه الملكية الفردية والزواج.
ومن الذين دعوا إليها فرنسيس بيكون -١٦٢٦م-وهاريخ تون -١٦٧٧م- وجان جاك روسو -١٧٨٧م ٠ والكاتب الفرنسي مورللي -١٨١٧م- وباييف الذي أعدم أمام الناس عام -١٧٩٧م-
هذه نبذة عن تاريخ الشيوعية عموماً.
وبعد هذه الدعوات ظهرت الشيوعية الماركسية الحديثة على يد كارل ماركس، وزميله فريدريك إنجلز
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد - ص ٣٥٦
стр. 670
رابعا: نشأة الشيوعية الماركسية (١)
ظهرت الشيوعية الماركسية الحديثة في القرن التاسع عشر الميلادي، فقد خرج كارل ماركس (١٨١٨ - ١٨٨٣م) بآرائه التي تعد حجر الزاوية في المبادئ الشيوعية، وقد بسطها في كتابه (رأس المال).
وقد شاركه في صياغة أفكاره ونظرياته وتابع ذلك من بعده - صديقه الألماني فريدريك إنجلز.
وقد اندفع الرجلان بقوة ومن ورائهما ثقل الكيد اليهودي يعملان في نشر الشيوعية.
ثم جاء من بعد ماركس أتباع له يدعون بدعوته أهمهم وأوضحهم أثراً لينين، فعلى يده قامت الشيوعية عملاً واقعياً ماثلاً للعيان بعد أن كانت أشبه بنظرية على ورق؛ ففي عهد لينين زادت الشيوعية، وامتدت، واشتهرت.
وفي مطالع القرن العشرين أضاف لينين إلى آراء ماركس تعاليم جديدة، وجمع حوله شباب الروس والعمال الفقراء مكوناً منهم الحزب الشيوعي الروسي.
ومن بعد ذلك ثارت روسيا سنة ١٩١٧م على الحكم القيصري، واستولى البلاشفة - الأكثرية - بزعامة لينين على الحكم، وأعدموا القيصر وآله وأعوانه، وأزالوا جميع النظم القائمة وأحلوا محلها النظام الشيوعي الذي أصبحت روسيا بعد ذلك مصدره ومورده.
وبعدما مات لينين خلفه ستالين، وبعده جاء خروتشوف، ومن بعده بريجينف، ومن بعده أندربوف، ومن بعده جورباتشوف، وعلى يده انهارت الشيوعية، حيث انفرط عقدها، وسُلَّ نظامها.
هذه باختصار هي قصة نشأة الشيوعية الماركسية الحديثة.
وإذا أمعنت النظر في نشأة الشيوعية وجدت أنها لم تنشأ من فراغ؛ فهناك إرهاصات مهدت لقيامها.
وإذا أردت معرفة الخيوط التي كانت نواةً لقيام الشيوعية وجدت أنها نشأت في حِجْرِ الماسونية اليهودية.
فالذين كتبوا عن الماسونية في مرحلتها الثالثة حددوا أنها بدأت عام ١٧٧٠م وأن بَدْأها كان إرهاصاً قوياً لقيام الشيوعية الماركسية.
يقول وليم كار صاحب كتاب (الدنيا لعبة إسرائيل): كان آدم وايزهاويت أحد رجال الدين المسيحي أستاذاً لعلم اللاهوت في جامعة (انغولت شتات) الألمانية بيد أنه ارتد عن المسيحية ليعتنق الإلحاد، وتقمصت فيه روح الشر الإلحادي بشكل خبيث. وفي عام ١٧٧٠م اتصل به رجال الماسونية في ألمانيا، وقد وجدوا فيه بغيتهم، فكلفوه بمراجعة (بروتوكولات حكماء صهيون) القديمة وإعادة تنظيمها على أسس حديثة. (٢).
والهدف من وراء ذلك في هذه المرة ليس محاربة الديانة المسيحية، ووضع أيديهم على اقتصاديات ومقدرات العالم كما حدث سابقاً. إن الأمر في هذه المرة أكبر من ذلك، وهو وضع خطة للتمهيد للسيطرة على العالم، وعن طريق فرض عقيدة الإلحاد والشر على البشر جميعاً. (٣).
يقول وليم كار: وقد أنهى وايزهاويت مهمته خلال عام ١٧٧٦م، ويقوم المخطط الذي رسمه على ما يلي:
١ - الهدف الأول: تدمير جميع الحكومات الشرعية، وتدمير وتقويض جميع الأديان السماوية. ٢ - تقسيم (الجوييم) (٤) إلى معسكرات متنابذة تتصارع فيما بينها بشكل دائم حول عدد من المشاكل تتولى المؤامرة توليدها وإثارتها باستمرار ملبسة إياها ثوباً اقتصادياً، أو اجتماعياً، أو سياسياً، أو عنصرياً.
٣ - تسليح هذه المعسكرات بعد خلقها، ثم تدبير حادث في كل مرة يكون من نتيجته أن ينقض كل معسكر على الآخر.