← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 38726

موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (776 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أما التقاليد: فهي جملة العادات التي هي لمجتمع معين وهي إما تقاليد خيرة طيبة وإما تقاليد سيئة باطلة ولا تعرف التفرقة بين هذين المسلكين إلا بعرضهما على الشرع الشريف، فما كان موافقا للشرع فهو الحق وهو المطلوب، وما كان مخالفا للشرع فهي تقاليد جاهلية يجب الحذر منها وما أشد معركة التقاليد وما أوسع انتشارها تموت تقاليد وتحيا أخرى على تعاقب الأجيال ومر الدهور وعلى المسلم أن يكون متزنا في تقبل مختلف التقاليد فكم من تقليد قضى على نور العلم والمعرفة وأفسد الأخلاق والعقائد وكم من حق سمي خرافة، كما أنه يجب عليه الانتباه إلى ما يلقيه أعداء الإسلام من الهجوم على الشريعة الإسلامية تحت ما يسمونه محاربة التقاليد البالية تنفيرا للناس عنها كما أنه يجب على المسلم أن يعلم أنه لا مكان في الإسلام للخرافات ولا للتقاليد السيئة الباطلة إذ أن الإسلام إنما جاء لمحاربة كل أنواع الجاهليات والخرافات والتقاليد الباطلة الضارة. ٤ - الحرية والكبت الحرية هي الإنطلاق في الرأي والاعتقاد في القول وفي الفعل في حدود طاقة الإنسان (١). والكبت: هو الحد من الإنطلاق في الرأي والاعتقاد والقول والفعل والاتصال بالغير. حقيقتهما عند الماديين وأما عند أصحاب المادية فالحرية يراد بها الإنطلاق من كل قيود القيم والمثل والمبادئ التي دعى إليها الدين وهي عودة إلى الحياة البهيمية من أوسع الأبواب ولكن تحت تسمية التطور والتجديد وكذلك الكبت عندهم إنما يراد به تحطيم كل أنظمة الشريعة والانفلات عن الآداب والأخلاق التي دعا إليها الدين أما موقف الدين منهما فمما لا ريب فيه أن جميع الأديان – وخصوصا الإسلام – قد دعت إلى الحرية وحرمت الذلة والخضوع وإحناء الجباه إلا لمن خلقها وأوجدها، وفي كتاب الله تعالى تأكيد شديد على كرامة الإنسان وأن جميع ما في هذا الكون إنما خلق له ومن أجله قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء:٧٠]. أما الحرية في الإسلام: فلا يجوز لأحد أن يجهل أن الإسلام بخصوصه دعا إلى الحرية وجعل إليها منافذ عديدة ورغب في تحقيقها بما جعل الله من الأجر الجزيل لمن حققها ونهى عن الكبت الذي يكون سببه طغيان القوي ضد الضعيف وتسلط الطغاة على المستضعفين دون وجه شرعي. إن الحرية لها مفهومها الخاص ومجالها الخاص بها في الإسلام كما أن للجاهليات مفهومها ومجالها الخاص بها، وبين المفهومين مسافات مديدة وفروق عديدة.

стр. 667

فالحرية في الإسلام هي أن تتصرف في كل أمر مشروع لك وليس فيه تعد على حقوق الآخرين ويكون داخلا ضمن عبوديتك لربك وامتثالك لأمره ونهيه، ومادام الإنسان لم يخرج عن إطار الشريعة الربانية فهو يعيش الحرية بتمامها سواء أكانت تلك الحرية فيما يتعلق بنفسه أو جسمه أو ماله أو عرضه يتصرف فيها في حدود ما شرعه الله له أو كانت فيما يتعلق بغيره في معاملاته الدنيوية: من بيع، وشراء، ونصيحة، ونقد وتوجيه، وأمر ونهي. أو الدينية: من تعليم، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر .. وغير ذلك. أو كانت فيما يتعلق بعقل الإنسان وتفكيره حيث جعل الله للعقل مطلق الحرية في الارتفاع بصاحبه عن الخضوع والذل لغيرربه وفي وجوب إعمال الفكر فيما يحتوي عليه هذا الكون من بدائع وعجائب. فالإسلام يمنحه مطلق الحرية في تنظيم بديع فيه سعادة الإنسان أولا، ثم سعادة المجتمع الذي يعيش فيه ثانيا سواء أكان ذكرا أم أنثى. والذي خلق الإنسان وسائر الأنعام جعل لكل منها حرية تخصه فإن الأنعام لها مطلق الحرية دون تمييز بين الضار والنافع، ولكن الإنسان الذي كلفه الله وميزه بالعقل له حرية إذا تجاوزها صار كالأنعام فإذا تجاوزها أيضا صار أضل من الأنعام كما قال تعالى: أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:١٧٩]. الحرية في مفهوم الجاهليات أما الحرية في مفهوم الجاهليات قديما وحديثا فهي الظلم في القديم كما قال الشاعر: والظلم من شيم النفوس ... فإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم والجنس كما هو حال الأمم التي أعرضت عن الدين، وكما عبر عنه الصينيون في تظاهراتهم المشهورة حينما قالوا: " إنه لا حرية عندنا إلا في الجنس ". ولقد فهم الكثير من الذين ينادون بشعار الحرية أنها هي أن يعمل الإنسان ما يشاء، وأن يرتكب من المنكرات ما يلذ له، وأن يقول كل ما يريد قوله، وأن لا يكون للمجتمع أي تأثير عليه. إنه يفهمها على أنها الانفلات من كل القيود ثم الفوضى وإشاعة الفساد والوصول إلى الإلحاد تحت هذه التسمية ولقد ظهرت جحافل من دعاة الحرية خدعوا الناس وأوهموهم أنهم يجب أن يكونوا أحرارا لا قيود عليهم من دين أو مثل أو عرف بل هي الانطلاق التام. دون أن يفطن هؤلاء المخدوعون بأنها مصيدة يهودية ماسونية أوحوا بها إلى الدهماء من الجوييم كما يسمونهم ليملئوا بها فراغا في أذهانهم بينما هم يعلمون تماما أن لا حرية حقيقة سيصل إليها الجوييم وجاء دعاة الإباحية والوجودية والشيوعية بما زاد الطين بلة والنار اشتعالا وملؤوا أذهان الشباب والشابات بطنين الحرية الشخصية والحرية الجنسية والحرية الكلامية .. الخ، فإذا بتلك الحريات كلها تصب في مصب واحد هو القضاء على الأديان والعفة والشريعة الإسلامية وفتح الباب على مصراعيه لدعاة الفجور والفحش باسم الحرية، ومنع المصلحين من الإصلاح بدعوى عدم التدخل في شؤون الغير أو كبت حريتهم. جاء في كتاب (الحرية في الدول الاشتراكية) أنه لو قام مجتمع من النساء الحريصات على استقلال جنسهن بتكوين جماعة تدعوا أو تمارس بين النساء أنفسهن نظرية التناسل بدون رباط زواج فليس من حق الدولة أن تتدخل في أعمال تلك الجماعة " (١).

стр. 668

وأي مصلح ينادي بالكف عن المنكرات والإقصار عنها صاحوا به: إنه يريد كبت حريات الناس، إنه متزمت ومتشدد، وما إلى ذلك من الدعايات الباطلة ضده. وحينما تعرف الحريات بأنها الإنطلاق في الرأي استغل دعاة الحرية اللادينية هذا المفهوم ونادوا بما يسمونه باحترام الرأي والرأي الآخر. وهم يريدون الانطلاق في الرأي الذي يؤدي في النهاية إلى انتكاسة البشرية وفرض آرائهم العلمانية والعقلانية والشعوبية والقومية وكل النعرات الجاهلية، وكذا تعريف الحرية بأنها الانطلاق في الاعتقاد في القول وفي الفعل. فإن دعاة تلك الحرية الباطلة لا كابح لجماحهم انطلقوا في الاعتقاد في القول والفعل إلى الرذائل والآراء السقيمة والنظريات السخيفة بحكم حرية الاعتقاد في القول فملؤوا إذاعاتهم وصحفهم ونشراتهم بما يستحي صاحب العقل والذوق أن يقوله أو يفعله دون أي حياء لديهم أو وازع من ضمير، وصدق عليهم قول المصطفى ﷺ : ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) (١). ولن يجد الإنسان الحرية الصحيحة إلا في عبادة ربه والخضوع له وحده لا شريك له كما أنه لا حرية مع عدم طاعة الله تعالى فإن من لم يذل لله أذله الله لغيره. أسماء الإلحاد ومن الجدير بالذكر أن للملاحدة أسماء كثيرة اخترعوها من واقع عقيدة كل مجموعة مع الأخذ في الاعتبار أن الملاحدة كلهم متفقون على اعتقاد الإلحاد ولكنهم يختلفون بعد ذلك حسب الآراء والأهواء فتأتي التسمية من ذلك الواقع. فالماديون: أخذت تسميتهم من اعتقادهم أن وجود جميع هذا الكون إنما هو تابع لوجود المادة التي ليس وراء وجودها أي وجود مؤثر في الإيجاد. وقسم منهم يسمون " الطبيعيون " بسبب اعتقادهم بأن التغيرات التي تحصل على المادة إنما تحصل بأسباب ذاتية يرجع إلى طبيعة المادة. وبعضهم يعتقد أن تلك التغيرات إنما تحصل بالآلية في حركة ذرات المادة فقيل لهم أصحاب المذهب الآلي. وبعضهم يعتقد أن المادة ترجع إلى ذرات صغيرة جدا متجانسة، والتغيير إنما يرجع فيها إلى شكل التأليف والتركيب بينها، فسموا أصحاب المذهب الذري. وبعضهم لم يعتقد إلا بما يحسه فقط فقيل لهم "حسيون". وبعضهم يردد كلمة الواقع المدرك بالحس، أو الواقع المدرك، أو الواقع الملموس، وأشباه هذه العبارات فقيل لهم "الواقعيون". وبعضهم اتخذ اسم " الوضعية ". وبعضهم زعم أن الأشياء توجد أولا ثم تصنع الأفكار ماهيتها فسموا بالوجوديين (٢). وهكذا تعددت الأسماء، والهدف النهائي واحد هو الإلحاد ويبقى الاختلاف بينهم لفظيا لتسهيل مغالطاتهم الناس من وراء كثرة تلك الأسماء ليحتدم الخلاف حولها بين الناس وإشغالهم بها فقبحهم الله ما أكثر أسماءهم وما أقل نفعهم. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١١٨٢

стр. 669

ثالثا: نبذة عن تاريخ الشيوعية عموماً (١) الشيوعية فكرة قديمة، ظهرت في التاريخ أكثر من مرة؛ فقد جاء في كتاب (الجمهورية) لأفلاطون الأثيني الإغريقي (٤٢٧ - ٣٤٧) ق. م. ما يدل على نشأة هذا المذهب، حيث أقام في كتابه نظاماً يقوم - بالنسبة للحكام - على شيوعية المال، والنساء، وشرع لهذا منهجاً مفصلاً؛ فهناك أمثلة خيالية، ولمحات عن الاشتراكية أثبتها أفلاطون في كتابه، تصور حقيقة أن القرن الخامس قبل الميلاد - وهو الذي وجد فيه أفلاطون- كان فيه مبادئ اشتراكية لم تزل في مهدها. يقول أفلاطون في كتابه الآنف الذكر ما فحواه: يجب أن يشتمل النظام على اشتراكية النساء والأولاد، فليس لأحد حق بإنشاء أسرة مستقلة، كما ليس له الحق بتربية الأولاد؛ لأن الجميع ملك الدولة، وهي وحدها تشرف على تنشئة العضو الصالح كما تشرف على إنجاب النسل المختار (٢). هذا وقد قسم أفلاطون المجتمع إلى ثلاثة أقسام: ١ - الحكام. ٢ - رجال الحرب. ٣ - الخدم والعمال. وقال: إنه يجب أن تكون الزوجات والأموال، والمآكل مشاعة بين أفراد الفئة الأولى والثانية، أما الثالثة فإنها تعيش على النظام الأسري المعهود. وكذلك قال بالشيوعية أكزينوف (٤٢٥ - ٣٥٢ ق. م) من فلاسفة الإغريق (٣).وقال بها - أيضاً - مزدك عام (٤٨٧م)، حيث دعا إلى الشيوعية واشتراك الناس في الأموال، والأعراض، وتسمى حركته بالمزدكية، وظهرت هذه الحركة في بلاد فارس (٤). كما دعا إلى الشيوعية كثير من أرباب النزعات الإباحية، كالباطنية المتأثرين بالمزدكية، ومنهم حمدان قرمط وقومه، ومنهم علي بن الفضل الذي صور مذهبهم بقوله: خذي الدفَّ يا هذه واضربي ... وغني هزاريك ثم اطربي تولى نبي بني هاشم (٥) ... وهذا نبي بني يعرب لكل نبيٍّ مضى شرعة ... وهذي شريعة هذا النبي فقد حط عنا فروض الصلاة ... وفرض الصيام فلم نتعب أباح البنات مع الأمهات ... كذاك أباح نكاح الصبي إذا الناس صلوا فلا تنهضي ... وإن صوَّموا فكلي واشربي ولا تطلبي الحج عند الصفا ... ولا زورة القبر في يثرب ولا تمنعي نفسك المعرسين ... من الأقربين أو الأجنبي بماذا حللت لهذا الغريب ... وصرت محرمة للأب أليس الغراس لمن ربَّه ... وغذَّاه في الزمن المجدب وما الخمر إلا كماء السماء ... أبيحت فقدِّست من مذهب (٦) ثم توالت بعد ذلك الدعوات إلى الشيوعية على يد عدد من الأشخاص، منهم توماس مور -١٤٧٨ - ١٥٣٥م- حيث وضع نظاماً لمدينته الفاضلة الخيالية ضمن شيوعية مالية. ثم جاء بعده كامبانيلا الإيطالي -١٥٦٨ ٠ ١٦٣٩م- في كتابه مدينة الشمس، حيث ضمنه نظاماً اشتراكياً لمدينته هذه أغفل فيه الملكية الفردية والزواج. ومن الذين دعوا إليها فرنسيس بيكون -١٦٢٦م-وهاريخ تون -١٦٧٧م- وجان جاك روسو -١٧٨٧م ٠ والكاتب الفرنسي مورللي -١٨١٧م- وباييف الذي أعدم أمام الناس عام -١٧٩٧م- هذه نبذة عن تاريخ الشيوعية عموماً. وبعد هذه الدعوات ظهرت الشيوعية الماركسية الحديثة على يد كارل ماركس، وزميله فريدريك إنجلز المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد - ص ٣٥٦

стр. 670

رابعا: نشأة الشيوعية الماركسية (١) ظهرت الشيوعية الماركسية الحديثة في القرن التاسع عشر الميلادي، فقد خرج كارل ماركس (١٨١٨ - ١٨٨٣م) بآرائه التي تعد حجر الزاوية في المبادئ الشيوعية، وقد بسطها في كتابه (رأس المال). وقد شاركه في صياغة أفكاره ونظرياته وتابع ذلك من بعده - صديقه الألماني فريدريك إنجلز. وقد اندفع الرجلان بقوة ومن ورائهما ثقل الكيد اليهودي يعملان في نشر الشيوعية. ثم جاء من بعد ماركس أتباع له يدعون بدعوته أهمهم وأوضحهم أثراً لينين، فعلى يده قامت الشيوعية عملاً واقعياً ماثلاً للعيان بعد أن كانت أشبه بنظرية على ورق؛ ففي عهد لينين زادت الشيوعية، وامتدت، واشتهرت. وفي مطالع القرن العشرين أضاف لينين إلى آراء ماركس تعاليم جديدة، وجمع حوله شباب الروس والعمال الفقراء مكوناً منهم الحزب الشيوعي الروسي. ومن بعد ذلك ثارت روسيا سنة ١٩١٧م على الحكم القيصري، واستولى البلاشفة - الأكثرية - بزعامة لينين على الحكم، وأعدموا القيصر وآله وأعوانه، وأزالوا جميع النظم القائمة وأحلوا محلها النظام الشيوعي الذي أصبحت روسيا بعد ذلك مصدره ومورده. وبعدما مات لينين خلفه ستالين، وبعده جاء خروتشوف، ومن بعده بريجينف، ومن بعده أندربوف، ومن بعده جورباتشوف، وعلى يده انهارت الشيوعية، حيث انفرط عقدها، وسُلَّ نظامها. هذه باختصار هي قصة نشأة الشيوعية الماركسية الحديثة. وإذا أمعنت النظر في نشأة الشيوعية وجدت أنها لم تنشأ من فراغ؛ فهناك إرهاصات مهدت لقيامها. وإذا أردت معرفة الخيوط التي كانت نواةً لقيام الشيوعية وجدت أنها نشأت في حِجْرِ الماسونية اليهودية. فالذين كتبوا عن الماسونية في مرحلتها الثالثة حددوا أنها بدأت عام ١٧٧٠م وأن بَدْأها كان إرهاصاً قوياً لقيام الشيوعية الماركسية. يقول وليم كار صاحب كتاب (الدنيا لعبة إسرائيل): كان آدم وايزهاويت أحد رجال الدين المسيحي أستاذاً لعلم اللاهوت في جامعة (انغولت شتات) الألمانية بيد أنه ارتد عن المسيحية ليعتنق الإلحاد، وتقمصت فيه روح الشر الإلحادي بشكل خبيث. وفي عام ١٧٧٠م اتصل به رجال الماسونية في ألمانيا، وقد وجدوا فيه بغيتهم، فكلفوه بمراجعة (بروتوكولات حكماء صهيون) القديمة وإعادة تنظيمها على أسس حديثة. (٢). والهدف من وراء ذلك في هذه المرة ليس محاربة الديانة المسيحية، ووضع أيديهم على اقتصاديات ومقدرات العالم كما حدث سابقاً. إن الأمر في هذه المرة أكبر من ذلك، وهو وضع خطة للتمهيد للسيطرة على العالم، وعن طريق فرض عقيدة الإلحاد والشر على البشر جميعاً. (٣). يقول وليم كار: وقد أنهى وايزهاويت مهمته خلال عام ١٧٧٦م، ويقوم المخطط الذي رسمه على ما يلي: ١ - الهدف الأول: تدمير جميع الحكومات الشرعية، وتدمير وتقويض جميع الأديان السماوية. ٢ - تقسيم (الجوييم) (٤) إلى معسكرات متنابذة تتصارع فيما بينها بشكل دائم حول عدد من المشاكل تتولى المؤامرة توليدها وإثارتها باستمرار ملبسة إياها ثوباً اقتصادياً، أو اجتماعياً، أو سياسياً، أو عنصرياً. ٣ - تسليح هذه المعسكرات بعد خلقها، ثم تدبير حادث في كل مرة يكون من نتيجته أن ينقض كل معسكر على الآخر.

стр. 671

٤ - بث سموم الشقاق والنزاع داخل البلد الواحد وتمزيقه إلى فئات متناحرة، وإشاعة عقلية الحقد والبغضاء فيه، حتى تتقوض كل دعاماته الأخلاقية، والدينية، والمادية. ٥ - الوصول شيئاً فشيئاً إلى النتيجة بعد ذلك، وهي تحطيم الحكومات الشرعية، والأنظمة الاجتماعية السليمة، وتهديم المبادئ الدينية الأخلاقية، والفكرية والكيانات القائمة عليها؛ تمهيداً لنشر الفوضى والإرهاب، والإلحاد (١). هذا هو المخطط الذي وصفه وايزهاويت، والذي يهدف الماسونيون من خلاله إلى تحقيق ما يريدون. والمتتبع لأحوال العالم يشاهد آثار ذلك التخطيط. ولما انتهى وايزهاويت من وضع مخططه السابق كُلِّف - أيضاً - بتنظيم المحفل (النوراني) نسبة إلى الشيطان الذي كان مخلوقاً نورانياً - كما يقولون - وسمي ذلك المحفل بهذا الاسم؛ تذكيراً بالرابطة التي تربط جماعة الماسون والشيطان. وهكذا استمرت المحافل في أداء رسالتها الشيطانية في جميع البلاد التي تحل بها، بل واستطاعت أن تغزو بعض البلاد الإسلامية عن طريق شعاراتها البراقة: الحرية، والإخاء، والمساواة، فخدعت الكثير من الناس بهذه الشعارات. وفي عام ١٨٣٠م فوجئت المحافل الماسونية بوفاة آدم وايزهاويت الرأس المفكر عندهم، والمخطط لأعمالهم بعد حياة طويلة سخر خلالها عبقريته الشريرة لخدمة أتباع الشيطان. حينئذٍ فترت أعمال المحافل، وخمدت أنشطتها، وأوشكت أن تشل حركتها بالكامل بعد أن علمت بعض الحكومات بما تدبره وتعمل له، وبعد أن أحاطت بآراء تلك المحافل وأهدافها البعيدة، لكن الاجتماع المفاجئ الذي دعت له المحافل عام ١٨٣٤م والذي تقرر فيه اختيار الزعيم الإيطالي (مازيني) خلفاً لآدم وايزهاويت - مكَّن هذه المحافل من تنفيذ برامجها في إثارة الفوضى والتخريب في ربوع العالم. وفي عام ١٨٤٠م استطاع المحفل الماسوني العالمي النوراني أن يضم إلى عضويته شخصية جديدة هو الجنرال الأمريكي (ألبرت بايك) الذي سُرِّح من الجيش الأمريكي ومعه قواته من الجنود الحمر؛ لارتكابهم فظائع وحشية تحت ستار الأعمال الحربية. ونجحت الماسونية في استغلال حقده، وغضبه لما حل به من جراء تسريحه لخدمتها ولم تمض إلا فترة وجيزة على انضمام هذا الرجل للمحفل حتى أصبح المشرف الأول، والمخطط لهم في تنفيذ برامجهم. لقد عمد النورانيون إلى بايك بالناحية التخطيطية، واختاروا له مقراً للعمل في بلدة صغيرة هادئة في الولايات المتحدة الأمريكية في (ليتل روك). وفي هذه البلدة استقر (بايك) في قصر هادئ واعتكف فيه من عام ١٨٥٩ - ١٨٧١م وفي خلال هذه الأعوام قام بدراسة مستفيضة لمخططات (وايزهاويت) ثم وضع مخططاته الجديدة على ضوئها (٢). والذي يعنينا في هذا الصدد أن بايك أقرَّ ونظم تبني النورانيين لحركات التخريب العالمية الثلاث المبنية على الإلحاد وهي: ١ - الشيوعية. ٢ - الفاشستية (٣).٣ - الصهيونية (٤). فالأولى: وهي الشيوعية للإطاحة بالحكم الملكي في روسيا، وبعد الإطاحة بالحكم تجعل هذه المنطقة من العالم هي العقل المركزي للحركة الشيوعية الإلحادية، تم تأتي بعد ذلك مرحلة الانطلاق بالشيوعية إلى كل أرجاء العالم، بغية تدمير المعتقدات الدينية والأخلاقية.

стр. 672

والثانية: وهي الفاشستية تُؤَمِّن الحرب العالمية الثانية واجتياح الحركة الشيوعية العالمية لنصف العالم مما يمهد للمرحلة القادمة هى إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين. والثالثة: وهي الصهيونية تتصدى للزعماء الإسلاميين، وتشن حرباً على الإسلام الذي يعد القوة الأخيرة التي تجابه القوة الخفية - الماسونية -حتى تتوصل إلى تدمير العالم وعقيدته (١). والذي يعنينا من هذه الحركاتِ الشيوعيةُ، فلقد اختارت المؤامرة العالمية روسيا لتكون مقراً لقيام الشيوعية؛ لكثرة أقطاب اليهود القاطنين فيها. ففي القرن التاسع عشر وفي الوقت الذي كانت فيه روسيا تحكم بالقيصرية - بلغ يهود روسيا ذروة السيطرة المالية والمهنية، وكان اتجاه القياصرة الروس أن يصهروا اليهود في المجتمع الروسي؛ حتى لا يكون لهم انفصال متميز. إلا أن اليهود كانوا يرفضون ذلك بدافع عرقي وديني. ثم كانت محاولة اغتيال اسكندر الثاني، فَبَدَّل هذا سياسته تجاه اليهود بعد أن كانت سياسة انفتاح وتسامح شديد. عندئذٍ نقم اليهود على القيصر، وأسسوا جمعية سرية إرهابية هي جمعية (نارود نايافوليا) أي إرادة الشعب، وظلوا يأتمرون بالقيصر؛ ليقتلوه، حتى نجحت مؤامرة اغتياله في آذار سنة ١٨٨١م، وكان رؤوس المؤامرة جميعهم من اليهود، وفي مقدمتهم اليهودية (هيسيا هيلفمان). وكان لاغتيال اسكندر الثاني رد فعل روسي معادٍ لليهود، وعندئذٍ نشطت الحركتان الشيوعية والصهيونية نشاطاً كبيراً في صفوف اليهود. واتجهت الخطة اليهودية لتقويض القيصرية، وإقامة النظام الشيوعي في أوروبا الشرقية، فأخذ اليهود يدبرون المكائد، ويحيكون الدسائس، وينظمون الجمعيات السرية اليهودية لذلك الشأن، فكان من تلك المنظمات فرقة أطلق عليها (فرقة تحرير العمل). وكانت مهمتها نشر أفكار كارل ماركس وآرائه وذلك عام ١٨٨٣م. وقد حققت تلك الفرقة -بما توفر لديها من عون- التنظيمات اليهودية في داخل روسيا - بعض مهمتها، واعتبر لينين وستالين أن ما حققته هذه الفرقة الماركسية كان النواة الأولى، وأنها أدت مهمة خطيرة جداً. كما قامت المنظمات الأخرى كمنظمة (اتحاد العمال اليهود) بنشاطات واسعة في تأجيج الثورة ضد القيصرية، وببث النظرية الشيوعية الماركسية، وبالاتصال بكبار أصحاب الأموال الضخمة في العالم من الرأسماليين لتمويل حركتهم الشيوعية اليهودية. وفي عام ١٨٩٣م ذهب لينين إلى (بطرسبرغ) فأقام فيها، وأنشأ حلقة ماركسية انضم إليها عدد واسع من اليهود، ثم قام بمهمة توحيد الحلقات الماركسية في المدينة، وكان يزيد عددها على العشرين، فجمعها في (اتحاد النضال لتحرير الطبقة العاملة). وظل الاتحاد يعمل بقيادة لينين في اتجاه آرائه حتى اعتقل عام ١٨٩٥م. ثم تابع اليهود في الولايات الغربية من روسيا مسيرة لينين، فأنشأوا حزب (البوند) أي الاتحاد العام للحزب الاشتراكي اليهودي، ولم يحضر لينين هذا المؤتمر بسبب نفيه إلى سيبيريا. وفي عام ١٩٠٣م انعقد في بروكسل عاصمة بلجيكا مؤتمر التوحيد بهدف جمع الحركات الماركسية كلها تحت حزب العمال الاشتراكي، وكان برنامج الحزب الذي وضعه لينين هو الثورة الاشتراكية وقلب سلطة الرأسمالية وإقامة ديكتاتورية البروليتاريا (٢).

стр. 673

ثم عاشت روسيا فترة طويلة من الاضطرابات التي كان لها أكبر الأثر على الإنتاج العام الذي منيت به البلاد، والذي ظهر أثره عندما دخلت روسيا الحرب ضد ألمانيا؛ فمع بداية القرن العشرين الميلادي كانت روسيا مسرحاً لنشاط ثوري أسسه اليهود، واستطاعت تنظيماتهم السرية اغتيال عدد من الزعماء الروس. وفي عام ١٩٠٥م قامت في روسيا أول ثورة شيوعية نظمها اليهود إلا أنها أخفقت ولم يتمكن اليهود من فرض الماركسية في روسيا. وفي كانون الثاني من عام ١٩١٧م بدأت الاضطرابات في موسكو ضد نظام الحكم القيصري؛ نتيجة ضعفه، وكثرة المؤامرات ضده، والحرب التي يخوضها على الجبهة الألمانية. وظلت هذه الاضطرابات تستفحل وتنتشر حتى بلغت حد الثورة التي استطاعت أن تسقط نظام الحكم القيصري في شباط سنة ١٩١٧م. وكانت الثورة في بدايتها ديمقراطية ذات اتجاه إصلاحي ولم تكن شيوعية، ولم يظهر الشيوعيون على الساحة، وقامت الحكومة المؤقتة برئاسة الأمير لفوف، واتخذت هذه الحكومة المؤقتة بعض التدابير الأولية للتهدئة؛ ظناً منها أن ذلك لمصلحة روسيا، فأصدرت قراراً بإعادة جميع المنفيين في سيبيريا والسماح لمن كان يقيم في الخارج أن يعود إلى البلاد. وفي نيسان عام ١٩١٧م عاد إلى موسكو قادة المنظمات اليهودية الماركسية؛ فعاد لينين من سويسرا، وعاد ستالين من سيبيريا، وعاد تروتسكي من نيويورك مع مئات الشيوعيين اليهود الحمر. وفي شهر نيسان نفسه من عام ١٩١٧م اجتمع البلشفيك برئاسة لينين، ووضعوا مخططاً لتحويل الثورة لمصلحتهم، ومصادتها بأية وسيلة. وفي تشرين من عام ١٩١٧م استطاع البلشفيك الاستيلاء على السلطة المؤقتة، فصارت بأيدي الشيوعيين: لينين وأتباعه. وبعد ذلك اتحدت المنظمات الماركسية، وخضعت لجهاز مركزي واحد، وفرض على روسيا حكم شديد العنف والصرامة مستخدماً كل وسائل القمع بالحديد والنار. وبهذا يتبين لنا كيف قامت الشيوعية، ومدى العلاقة بينها وبين اليهودية العالمية (١). بل لقد كشفت اليهودية عن عملها ومخططها في نجاح الثورة، حيث صرح جاكوب شيف المليونير اليهودي بأن الثورة الروسية نجحت بفضل دعمه المالي. وقال: إنه عمل على التحضير لها مع رفيقه تروتسكي. (٢).وفي استكهولم كان اليهودي (ماكس واربورج) ينفق بسخاء على هدم النظام القيصري، ثم انضم إلى هذه المجموعة من أصحاب الملايين اليهود - (والف اشبورغ) (وجيفولوفسكي) الذي تزوج ابنة (تروتسكي) (٣). وتقول إحدى الصحف الفرنسية القديمة الصادرة في عددها ١١٥ عام ١٩١٩م: المعروف أن الحركة البلشفية ليست سوى حركة يهودية سرية يربطها ويوجهها التمويل اليهودي، فضلاً عن القيادات اليهودية فكراً وتنظيماً (٤). ونتساءل كيف يتفق أصحاب رؤوس الأموال في العالم مع دعوة (البروليتاريا) أصحاب الطبقة الفقيرة أيكون هذا دعاية من الدعايات التي تطلقها الدول الرأسمالية ضد النظام الشيوعي وأتباعه؟ إن الصحيفة الفرنسية تحسم هذه التكهنات والتناقضات عندما تكشف شيئاً من مخطط اليهود بقولها: إن الهدف من تمويل الثورة الشيوعية من قبل الرأسمالية اليهودية هو إقامة دولة إسرائيل في فلسطين (٥). يؤيد ما قالته الصحيفة الفرنسية أن من أول القرارات التي أصدرها لينين عقب توليه السلطة: هو قراره المعروف بتأييد إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. والعجيب في الأمر أن قرار لينين هذا تزامن مع وعد بلفور الإنجليزي لهذا الغرض. وهكذا التقت الشيوعية مع الرأسمالية عام ١٩١٧م (٦). المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٣٦١

стр. 674

خامسا: التأسيس وأبرز الشخصيات أولاً: مؤسس الشيوعية الحديثة - كارل ماركس (١) ١٨١٨ - ١٨٨٣م -: مؤسس الشيوعية الحديثة، والرجل الأول فيها هو كارل هنريك ماركس، فالعالم يعرفه بأنه أبو الشيوعية، وأنها إليه تنسب، فيقال: الشيوعية الماركسية. وتلامذة ماركس يغالون في حبه، ويعدونه رجل الثورة والحرية؛ فهو - بزعمهم - ذلك الرجل الرقيق الذي يحمل قلباً مليئاً بالعطف والحنان، وأنه ذلك الرجل الذي يكره الاستبداد، ويتدسس في مخازن الأغنياء، فيفتح صناديقهم المليئة بحثاً عن لقمة عيش يسد بها جوعة فقير أو مسكين، أو يتيم أو شيخ كبير، أو عامل كادح. هذه هي الصورة الخادعة والدعاية البراقة عن كارل ماركس. أما الحقيقة والوثائق فتقول غير ذلك، فتقول: إنه حبر يهودي، إنه ذلك الألماني المولود عام ١٨١٨م، فهو يهودي ابن يهودي، وجده هو الحاخام اليهودي الكبير (مردخاي)، بل إن أجداده من جهة أمه يهود، كما أنه ولد في حي اليهود المسمى (غيثو). ولقب أسرته الحقيقي (لاوي) أو (ليفي) واللاويون من بني إسرائيل ينتسبون إلى لاوي بن يعقوب ﵇؛ فماركس - إذاً - يهودي الوجه واليد واللسان. أما عن تعليمه فقد وجهه والده إلى الفكر الفلسفي، كما درس له شيئاً من الأدب الكلاسيكي، ثم دخل ماركس جامعة بون، ثم جامعة برلين. وكان أبوه يريد أن يدرس ابنه القانون، ولكنه بعد فصلين دراسيين تحول إلى دراسة الفلسفة، ثم تركها ليدرس الاقتصاد. وكانت حالة أبيه متدهورة ولكن كارل ماركس لم يقدر ذلك، فساءت العلاقات بينهما، فلم يكن باراً بأبيه حتى بعد موته؛ فحين نعي إليه أبوه وهو في السنة النهائية من دراسته الجامعية - لم يذهب إلى بلدته؛ ليواسي أمه وإخوته، وما كان منه إلا أن بعث إلى أمه يطلب نصيبه من ميراث أبيه، ثم ظل بعد استيفاء ميراث أبيه يرهق أمه بمطالب مالية، غير مبال بحاجة إخوانه وضعفهم. ومما يذكر عنه أنه لم يكن حميد السيرة لما كان في الجامعة، فكان على مستوى عالٍ من الفساد الخلقي، وشرب المسكرات، واستعمال المخدرات، وكان يسترسل في سهراته مع غواة العربدة واللهو، وكان يترك بلدة بون لما كان في جامعتها، ويذهب إلى بلدة كولون يبتغي ما فيها من ملاهي السهر مما لم يكن ميسوراً له تحت الرقابة الجامعية. ولما كان في برلين ضبط أكثر من مرة وهو سكران. وكان جباناً رعديداً يخاف من الشرطة خوفاً شديداً، فكان يذهب إلى قرية قريبة من برلين؛ ليشرب فيها كما يريد، ولقد كان ذا طبيعة ميالة إلى الهدم والتدمير، كما وصفه بذلك والده. ومما يذكر في سيرة ماركس أنه كان مُنَفِّراً لمن حوله، مفرطاً في أنانيته وسوء خلقه، وبذاءة لسانه. وكان معجباً بنفسه متعالياً على غيره، ولا يتحرج من قذف المخالفين له بالشتائم القذرة، وألفاظ الازدراء والسخرية ولو كان المخالف ممن يقول بفكرته، وينادي بما ينادي به. ومما يذكر عنه أنه كان قذراً يهمل نظافة جسمه، وترجيل شعره، والعناية بملابسه ومظهره. وكان منظر القروح التي تملأ وجهه وما ظهر من جلده يزيده قذارة إلى قذارته. ومما ذكر عنه أنه كان كثير الاستدانة من معارفه، حتى لقد مَلُّوا من كثرة طلباته، وعدم وفائه. ثم إن هذا الرجل الذي يحارب الملكية الفردية ويعدها سرقة أخبث من سرقة اللصوص وقطاع الطريق - رد خطيب ابنته (لورا) ريثما يتحقق من صحة ميراثه، ومن كفاية ذلك الميراث؛ للتعويل عليه في طلباته. كما أنه كان معروفاً باستخدام الغش، والمكر والخداع، وسرقة الكتب والمقالات وغيرها.

стр. 675

ومما مَرَّ بماركس في حياته من أحداث - موت ابنتيه منتحرتين، فالأولى (النيورا) انتحرت بعد أن عاشت في الحرام مع عشيق لها ثم اكتشفت سبق زواجه، والثانية (لورا) وقد انتحرت؛ خوفاً من أن تدركها الشيخوخة، مما كان له أثر في نفسه. هذه لُمَعٌ من سيرة هذا الرجل، وإذا كان هناك من شيء يدعو للعجب فهو حال أتباعه ومريديه، ومحبيه، فكيف يكون له أتباع ومريدون ومحبون وهو بهذه الحال الغريبة المنفرة؟! ولكن إذا عرف السبب بطل العجب؛ فالأرواح جنود مجندة، والطيور على أشكالها تقع، و: إذا لم يكن للمرء عين صحيحة ... فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر ثم إن أصابع اليهود من وراء ذلك - كما مر - فاليهودية هي حاضنة الشذاذ، وفاتحة المجال أمام المجرمين المفسدين. على أن في حياة ماركس زاوية لم يلق عليها الضوء إلا مؤخراً؛ ذلك أن ماركس قد اتصل عام ١٨٦٢م بفيلسوف الصهيونية الأول، وواضع أساسها النظري (موشيه هيس) وعن هذا أخذ هرتزل (١).وقد بلغ من إعجاب ماركس وتأثره بـ (هيس) أن كتب فيما بعد يقول: لقد اتخذت هذا العبقري لي مثالاً وقدوة؛ لما يتحلى به من دقة التفكير، واتفاق آرائه مع عقيدتي وما أؤمن به، إنه رجل نضالي الفكر والسلوك (٢).و (موشيه هيس) هذا هو صاحب كتاب (الدولة اليهوية) ولم يزد هرتزل على أفكار هيس سوى أن بسطها، وأقام لها تنظيمها السياسي، فيما يعرف بالحركة الصهيونية تماماً كما كان لينين من ماركس، فماركس صاحب النظرية، ولينين منفذها، وموضح عويصها بالإضافة إلى ما زاد عليها (٣). ثانياً: أشهر شخصيات الشيوعية الماركسية: هناك شخصيات مهمة وذات أثر في نشأة الشيوعية والتمكين لها، وأشهر هذه الشخصيات لينين، وتروتسكي، وستالين. وفيما يلي نبذة عن هذه الشخصيات (٤): ١ - لينين: اسمه الحقيقي فلاديمير ألتيش بوليانوف، وهو قائد الثورة البلشفية الدامية، ودكتاتورها المرهوب، فهو الذي قاد الثورة على القيصرية الروسية عام ١٩١٧م وتولى زمام الحكم الشيوعي إلى أن مات عام ١٩٢٤م. وهناك دراسات تقول بأنه يهودي الأصل وأنه كان يحمل اسماً يهودياً ثم تسمى باسمه الذي عرف به، وربما كان من سلالة التتار الوافدين على روسيا. وأما أمه (ماريا الكسندر) فيقال: إنها ألمانية الأصل من سلالة يهودية، ولم يطلع لينين على الأفكار الشيوعية إلا في العشرين من عمره، وقد اتصل بالثوريين فقبض عليه عام ١٨٩٧م وظل في السجن مدة عام، ثم نفي إلى سيبيريا، وفي منفاه عكف على التأليف. وفي سنة ١٩٠٠م سُمِح له بالعودة فهاجر إلى سويسرا وهناك أسس أهم صحيفة ثورية (القبس) ثم انتقل إلى لندن؛ ليتصل بالاشتراكيين هناك، ومكث فترة ثم استطاع بعدها أن يدخل روسيا سراً سنة ١٩٠٥م. وفي عام ١٩١٧م تولى قيادة الثورة ضد القيصرية، واستطاع القبض على زمامها لصالح الحزب البلشفي كما مر عند الحديث عن نشأة الشيوعية. وهكذا تبوأ لينين مقعد الرئاسة منفذاً ما كان يريد لا ما كانت الثورة تريد. ولئن كان ماركس هو المؤسس الأول للشيوعية بأفكاره النظرية - فإن لينين هو المنفذ لهذه الأفكار؛ فهو الذي وضع الشيوعية موضع التنفيذ.

стр. 676

ومما ذكر عن لينين أنه كان مُعَقَّداً عنيفاً قاسي القلب مستبداً بالرأي، حاقداً على البشرية. ومن صفاته أنه كان كالح الوجه، دائم العبوس، سيء الظن بكل من حوله، يفترض أن العداوة كامنة في كل نفس؛ فمن كلامه للأديب الروسي مكسيم جورجكي: ينبغي أن يحذر الإنسان من التربيت بيده على رؤوس الناس؛ لأنها قد تصادف هناك عضة تستأصلها (١). وكان ذا شخصية شاذة، فله شذوذات كثيرة، منها أنه لا يقبل أن يكون في مكتبه مقعد مريح للجلوس عليه. وكان خطيباً بارعاً، وقد اتخذه الروس صنما معبوداً وأضفوا عليه ألقاباً كثيرة، فيصفونه بأنه سلس منقاد، بسيط كالحق، رقيق كالنسيم. وهي في الحقيقة - صفات أملاها الرعب، ولم يملها الحقائق والواقع؛ ذلك أن الشعب يبغضه بشدة، والدليل على ذلك كثرة المؤامرات التي دبرت لقتله، غير أنه لم يمت إلا في يناير عام ١٩٢٤م. أما الريبة التي أحاطت بموته فهي حقيقة تناولها الناس بعد مدة من وفاته؛ فقد ألزمه المرض فراشه في أواخر أيامه، وكان الفالج يعاوده بالإلحاح بين الفينة والأخرى. وفي تلك الأثناء تغير رأيه في ستالين وكان إذ ذاك سكرتير الحزب، وكان قد أفضى إلى بعض رفاقه أنه لا يطمئن إليه، وأن في عزمه أن يخلعه من سكرتارية الحزب. ويقال إن ذلك نما إلى علم ستالين، فدس له سماً قضى عليه (٢).٢ - تروتسكي (٣): وهو من الشخصيات البارزة في الحزب الشيوعي بروسيا، وكانت مكانته تلي مكانة لينين، فلقد كان تروتسكي من المصطفين والموثوق بهم لدى لينين. وقد ولد سنة ١٨٧٩م واغتيل سنة ١٩٤٠م في المكسيك. وليس هذا هو اسمه الحقيقي، بل اسمه بروستالين، وهو ابن لرجل يهودي من الطبقة المتوسطة. وفي عام ١٨٩٨م كان له نشاط ثوري فقبض عليه وحكم عليه بالسجن أربعة أعوام ونصف، ثم رحل منفياً إلى شرق سيبيريا، ولكنه في عام ١٩٠٢م تمكن من الهرب إلى إنجلترا باستعمال جواز سفر مزيف، وكان صاحب الجواز يدعى تروتسكي، فاستولى على الجواز والاسم جميعاً، وظل ينادى بذلك الاسم طيلة حياته. وأقام عقب هربه في لندن، وهناك اتصل بالحزب الديمقراطي الاشتراكي؛ وكان حينئذ في الثالثة والعشرين من عمره. ورغم حداثة سنه أصبح عضواً بارزاً، وكان من رفاقه في هذا المجتمع لينين، وليمنانوف. وقد شارك في تحرير جريدة لينين (القبس) التي تعد أشهر صحيفة اشتراكية، وعاد إلى روسيا سنة ١٩٠٥م وأجري انتخابٌ لاختيار مندوبين عن العمال في مدينة (بطرسبرج) عقب عودته، فاختير عضواً، ثم اختير رئيساً. وفي إحدى الجلسات هجم عليهم رجال الشرطة فاعتقلوا جميعاً، ونفي تروتسكي مرة ثانية إلى سيبيريا. ومرة ثانية تمكن من الهرب عقب وصوله مباشرة، فاتخذ طريقه هذه المرة إلى النمسا، ثم ظل يراسل ويكتب للصحف الروسية. وفي سنة ١٩١٣م عمل مراسلاً حربياً، وتنقل في العواصم بين باريس وزيورخ، وبذل نشاطاً مع الثوار الاشتراكيين، وأخرج في هذا الوقت كتاباً عن أسباب الحرب العالمية الأولى، ثم حكم عليه بالسجن ثمانية شهور وكان ذلك -أيضاً- بسبب نشاطه الثوري وخطورته أيام الحرب.

стр. 677

وفي سنة ١٩١٦م والحرب قريبة من نهايتها طردته الحكومة الفرنسية من بلادها، فسمح له بالذهاب إلى بلاده، ووصل إلى بطرس جراد بعد وصول لينين إليها بيومين، واستفاد من معرفته السابقة بلينين، ولهذا اختير في يوليو سنة ١٩١٧م عضواً في الحزب، ولأسباب غامضة قبض عليه واعتقل. وفي معاهدة الصلح التي أجريت بين روسيا وألمانيا وهي معاهدة (بريست ليتوفسك) كان تروتسكي أبرز مندوبي روسيا فيها. وفي عام ١٩٢٠م نظم فرقاً من جماعات العمال، وهو صاحب فكرة التجنيد الإجباري في المصانع، وفي الحرب الروسية البولندية كان تروتسكي يعارض بشدة دخول الجيش الروسي وارسو، وكان دخوله يتصف بالقوة والعنف وتحطيم كل ما يقابله، ولكن لينين أصر على رأيه، ولم يكن أحد يجرؤ على معارضته. وفي سنة ١٩٢٣م تعرض لهجوم عنيف من حملة الشيوعية القدامى وتزعم الحركة ضده ستالين، وعندما مات لينين كان تروتسكي مريضاً فأرسل إلى القوقاز، للاستشفاء وليخلو الجو لستالين. وظلت الحملة ضده مدة، وانتهت بتجريده من منصبه كرئيس للقوى الحربية، وعندما عاد من القوقاز أسند إليه عمل أقل أهمية، إذ عين رئيساً لفرقة تعمل لتنمية القوى الكهربائية. وفي سنة ١٩٢٥م استقال أو أقيل من هذا المنصب، وعين رئيساً لإحدى اللجان المركزية ولم يظل في المنصب طويلاً. وفي نوفمبر سنة ١٩٢٧م فصل من الحزب الشيوعي متهماً بنشاط وأعمال ضد الحزب وفي سنة ١٩٢٨م نفي إلى تركستان، وفي سنة ١٩٢٩م ذهب إلى القسطنطينية، فأمضى بها مدة أطول. وفي سنة ١٩٣٦م اتخذ النرويج مقاماً له، وفي سنة ١٩٣٧ رأى أن يذهب إلى المكسيك، ليقيم هناك، فاتخذ له بيتاً في العاصمة. وفي سنة ١٩٤٠م وبينما هو آمن في بيته بالمكسيك فوجئ بشخص يهجم عليه؛ ليغتاله، فضربه ضربة مميتة وهرب القاتل، ومات تروتسكي في اليوم التالي، وكان القاتل أحد أصدقائه. وأَصَرَّ المنتمون إليه في منفاه أن القاتل مندوب من ستالين، ولا يوجد من يعارض هذا القول. الجدير بالذكر أن هناك حدثاً مهما، وانقلاباً كبيراً في حياة تروتسكي قلما يذكره من يتحدث عنه ألا وهو خبر اعتناقه للإسلام، فقد جاء في جريدة الأهرام في عددها،١٩الصادر في إبريل سنة ١٩٢٩م، ونقلته عنها مجلة الهداية الإسلامية في الجزء السابع من المجلد الأول - ما يلي: تروتسكي يعتنق الإسلام في بيئة تجهل على الإسلام وتحت هذا العنوان قالت مجلة الهداية الإسلامية نقلاً عن الأهرام ما يلي: "نقلت الصحف خبر اعتناق تروتسكي الزعيم البلشفي للإسلام وهو منفي في تركيا، وجاء في حديث إسلامه: أنه على إثر شفائه من مرضه في الأستانة دعا مفتي الأستانة، فأجاب دعوته، وشهد اجتماعهما مندوب جريدة وقت التركية، فقال تروتسكي: كنت يهودياً غير أن مبادئي لم ترق لبعض الحاخامين، فحرموني من ديانتي، ولكني لم أعر حرماني هذا اهتماماً كثيراً؛ لأن مبادئ الدين الإسرائيلي لم تكن لتروقني، فلم أَحْتَجَّ ولم أعارض. وأما الآن وأنا أتقدم في السن فإني أشعر كغيري من الناس بأني في حاجة إلى إيمان ودين سماوي، ففكرت في وقت ما أن أصبح مسيحياً غير أني عدلت عن ذلك؛ لكرهي اعتناق دين القياصرة، والمستبدين، وراسبوتين (١) الراهب الشرير، فلم يبق أمامي غير الدين الإسلامي الذي دققت النظر في البحث في شرائعه فوجدت فيه مزايا حسنة، منها أنه يحض على المناقشة، والمباحثة في أصوله، ولذا سأعتنق الإسلام. وسيتناول فضيلة المفتي العشاء معي، ثم يبدأ بتلقيني الشرائع الإسلامية (٢).

стр. 678

٣ - ستالين (١٨٧٩ - ١٩٥٤م): هو أحد أساطين الشيوعية، وأكابر مجرميها، واسمه الحقيقي جوزيف فاديونوفش زوجاشفلي، وهو سكرتير الحزب الشيوعي ورئيسه بعد لينين. اشتهر بالقسوة، والجبروت، والطغيان والاستبداد، وشدة الإصرار على رأيه، وكان يعتمد في تصفية خصومه على القتل والنفي، وكان بمناوراته وألاعيبه شيطاناً مريداً. فمن أجل أن يحقق أهدافه في التصفية كان يبدأ بالخلاف مع بعض العناصر، ثم يوجه أنصاره للقيام بأشرس الحملات الدعائية ضده مع تظاهره هو بمظهر الاعتدال والحياد. وبعد ذلك يدفع خصمه حتى يتورط بعمل ما، ثم يقوم بتصفيته بأي وسيلة، وكان أشدها المحاكمات الصورية التي كان يجريها. ولقد كان يجمع حوله أنصاراً ثم يرفعهم إلى مراكز عالية في الحزب والقيادة، لكنه يختار من لا يملك القدرة على أن يبصر إلا ما يمليه عليه الزعيم الأوحد (ستالين). وكان مستعداً لأن يضحي بالشعب كله، وبأي أحد في سبيل شخصه، وقد ناقشته زوجته مرة فقتلها (١). وكان بارعاً في تلفيق الاتهامات فيمن يريد تصفيتهم ولو كانوا أقرب الأقربين إليه. وكانت وسائل التحقيق في وقته مقرونة بالتعذيب الذي لا يحتمل، بحيث تجعل المعذب يعترف على نفسه بأي شيء؛ ليتخلص من آلام التعذيب، الذي ينزل به على أيدي المحققين وجلاديهم. وكان من وسائل انتزاع الاعترفات الإكراهية - التحقيقات المتواصلة ليلاً ونهاراً؛ حيث تكرر الأسئلة دون سأم؛ حتى تتحطم إرادة المتهم. ومما يمهد للاستجواب من قبل رجال المباحث - تعريض المنكوب لسلسلة من الإرهاب النفسي والتعذيب مع الإرهاق الجسدي الطويل، مع ما يصحب ذلك من امتهان الكرامة، وإثارة الحمية التي تحركها المبادئ والمعتقدات؛ حتى يجد المنكوب نفسه أمام عذاب لا قبل له بتحمله. ومن الصور التي تتم بها عمليات الإرهاق في سجون ستالين الحجز الطويل في غرفة صغيرة حارة توقد فيها المدافئ في الصيف، أو في غرفة شديدة البرودة كأنها الثلج في الشتاء البارد، أو حمام أرضه ماء ولا شيء يمكن الجلوس عليه إلا الماء والأرض الرطبة الباردة. ومنها الوقوف على رؤوس الأصابع إلى جانب جدار عدة ساعات والمنع من النوم، والإيقاظ السريع بعد النوم، كل ذلك من غير ما جريمة أو بيِّنة. وبمواصلة هذه الأساليب يعترف المنكوب على نفسه، ولو كان كاذباً (٢). المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٣٧١

стр. 679

سادسا: أسباب قيام الشيوعية لقد قامت الشيوعية الحديثة، ونشرت مذهبها الإلحادي، فامتد رواقه إلى كثير من بلدان العالم، وذلك يعود لأسباب عديدة، منها ما يتعلق بالمجتمع الذي نشأت فيه، ومنها ما يتعلق بشخصية مؤسسيها ومنفذيها، ومنها أسباب خارجة عن ذلك. وفيما يلي تفصيل لتلك الأسباب التي أدت إلى قيام الشيوعية (١). ١ - الطغيان الكنسي: الذي حارب العلم والعقل ومكن للجهل والخرافة، وأعان الحكام الظلمة، وفرض على الناس الضرائب والعشور وما إلى ذلك مما قامت به الكنيسة الأوروبية فكان أن قامت الشيوعية كردة فعل لذلك الطغيان. ٢ - مظالم النظام الرأسمالي: حيث طغى الرأسماليون وأفسدوا واستبدوا؛ فقام الشيوعيون - بزعمهم - بمحاولة الإصلاح. ٣ - غياب المنهج الصحيح عن أوروبا: فلما قصَّر المسلمون في أداء رسالتهم، في تبليغ الدعوة وقوامة البشرية - غاب الإسلام عن ساحة أوروبا، فمكن ذلك لنشأة الشيوعية وغيرها من الاتجاهات والنظريات والمبادئ. ٤ - الخواء الروحي: إذ الكنيسة لا تقدم منهجاً يزكي النفس، ويجلب السعادة والطمأنينة للأفراد والمجتمعات، مما جعل النفوس تهفو إلى ما ينقذها مما هي فيه من القلق والاضطراب والحيرة. ٥ - الاستعمار وما خلفه من دمار: فلذلك أثره الواضح في انحطاط الشعوب المُسْتَعْمَرة، وذلك عن طريق الكبت وقفل باب الحرية، مما أفسح المجال لنشر الشيوعية. ٦ - المكر اليهودي: فاليهود يتآمرون على العالم ويخططون لإفساده؛ تمهيداً للسيطرة عليه، ومما يقومون به في ذلك السبيل استغلال المذاهب الهدامة والتمكين لها. ٧ - الجهل بدين الإسلام: فهذا من أكبر أسباب الإلحاد، وإلا فمن عرف ما جاء به الإسلام - ولو معرفة يسيرة - استحال أن يقع منه الإلحاد؛ فإن الدين بطبيعته وما اشتمل عليه من البراهين يضطر صاحبه إلى الاعتراف بوحدانية الله، وبطلان ما ناقض ذلك؛ فلا تجد ملحداً إلا وهو معرض، أو مكابر، أو معاند (٢). ٨ - الهالة الإعلامية والدعاية القوية: فمما ساعد على قيام الشيوعية ما قام به أربابها من دعاية وهالة لتحسين ضلالتهم، وترويج مذهبهم، فإذا سمع الجاهل عن ذلك هاله الأمر، واغتر بالشيوعية، وظن صدقها مع أن كل عاقل منصف يعلم بطلانها وزيفها. فالشيوعيون زعموا أن ما جاؤوا به هو الرقي والتقدم والتجديد وما أشبه ذلك من العبارات الفضفاضة. ولولا أن باطلهم زُخْرِفَ ورُوِّجَ له من قبل الدعايات المضللة، والدول المنحرفة - لم يقبله، ولم يصغ إليه أحد؛ لأن حججهم أوهن من حبل القمر ومن بيت العنكبوت. ٩ - الانقلاب الصناعي: فما يقوم به الشيوعيون من بحث علمي جاد مستند على أدلة مغرية صار سبباً لاغترار كثير من الخلق بهم؛ حيث ظنوا - بجهلهم - أن الترقي الدنيوي دليل على أن أهله على حق وصواب في كل شيء. فإذا رأى الجاهل حال المسلمين وما هم عليه من الضعف والهوان، ورأى حال الكفار وما هم عليه من القوة والتفنن في الصناعة، ورأى أمم الأرض تذعن وتسلم لهم - صار ذلك فتنة له، فظن أن الكفار على حق، وأن المسلمين على ضلال.

стр. 680

ولقد جهل هؤلاء، بل لقد ضلوا ضلالاً مبيناً بذلك الزعم؛ لأنه لا تلازم بين التقدم الصناعي وصحة المعتقد والمبدأ؛ فقد يكون الإنسان من أمهر الناس في أمور الطبيعة وهو أجهل من حمار أهله في الدين والأخلاق، والأمور النافعة في العاجل والآجل؛ فمسألة التقدم المادي مسألة همة ودأب، وجد ليس إلا. ولهذا لما خلت بحوثهم ومخترعاتهم من روح الدين وحكمته صارت نكبة عليهم، وعلى البشرية جمعاء؛ بسبب ما ترتب عليها من الحروب التي لم يشهد لها نظير. ولقد عجز ساستها ونُظَّارها أن ينظموا للبشر حياة مستقرة عادلة طيبة. ١٠ - ملذات الحياة ومباهج الحضارة: فلقد فتح العالم المادي أبواباً عظيمة من أبواب الرفاهية والترف؛ فالمراكب الفخمة الفارهة؛ من سيارات، وقطارات، وبواخر، وطائرات. وكذلك الملابس والمطاعم، ووسائل التسلية والترفيه، كل ذلك مكَّن للغفلة، وجعلها تستحكم على النفوس، ولا تشعر بالعاقبة، مما فتح المجال لترويج أي مبدأ. ١١ - شذوذ مؤسِّسيها وانحرافهم: فهذا كارل ماركس مؤسس الشيوعية كان حبراً يهودياً، وكان مخفقاً في شؤونه الخاصة، وكان ذا طبيعة ميَّالة للهدم والفساد، كما كان على مستوى عال من الفساد الخلقي والسلوكي. أضف إلى ذلك موت ابنتيه منتحرتين. كل هذه العوامل وغيرها تحركت في نفس هذا المجرم، فأخرجت أكلها النتن النكد. وقل مثل ذلك في شأن بقية زعماء الشيوعية ومنفذيها كلينين، وستالين، وغيرهم. وبالجملة فأقل ما يقال عن الشيوعية أنها عقوبة إلهية للبشرية بسبب تماديها في الغواية والضلال. المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٣٨٣

стр. 681

سابعا: رد زعم الملاحدة أن البشرية قامت على الشيوعية الأولى مما يجب التسليم به أن ما زعمه الملاحدة من أن المجتمع قام على الشيوعية في بدايته ما هو إلا افتراض وظنون لا يملكون على صحتها أي دليل صحيح، بل كل شيء يكذبهم كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا [الكهف:٥].

стр. 682

فقد تصوروا في أخيلتهم أن البشر البدائيين أقاموا فيما بينهم شراكة في كل شيء قبل أن يتطوروا ويعرفوا الملكية الفردية رادين بهذا كل ما جاءت بذكره الشرائع وخصوصا الإسلام وما شهد به التاريخ وما تواتر نقله في كل الأجيال وما شهد به الواقع على مر السنين من أن الله تعالى هو الذي رتب حياة الإنسان وطريقة تعامله منذ أن أهبطه الله إلى الأرض وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وأن ما من أمة إلا خلا فيها نذير، وأن الإنسان هو الإنسان من بدايته إلى نهايته لم يتغير لا في هيئته ولا في طبيعته ولا في حبه للملكية الفردية منذ وجوده على الأرض وما تصوره الملاحدة من انعدام الملكية الفردية وذوبان الشخص في القبيلة إنما كان يصدق على بعض عهود الجاهلية من التعصب الشديد للقبيلة لكن في غير الملكية الفردية مع أن تصور عدم ميل كل شخص إلى الملكية الفردية افتراضي بعيد الوقوع ومحال، نعم وجد بين أفراد القبيلة الواحدة تعاون قوي وتعاضد وشراكة في السراء والضراء وتلاحم بين كل أفراد القبيلة إلى حد أن الفرد لا يتصور وجوده وكيانه وانتماءه وما يأخذه وما يتركه إلا من خلال قبيلته يفعل كل ما تفعله قبيلته ويترك كل ما تتركه دون أن يكون له أي رأي في مخالفة عرف القبيلة ولكن هذا الحال لا يصلح أن يكون دليلا للملاحدة على شيوعية البشر على الطريقة التي قررها ماركس وأتباعه بل إن اعتقاد أن البشر كانوا بمنزلة البهائم في بدايتهم هو الظلم بعينه والكذب على البشرية بعينه ورد صريح لكل ما يثبت في الأديان السماوية من تكريم الله للبشر ورفعهم عن منزلة الحيوانات البهيمية التي تصورها الملاحدة في تفسيرهم لنشأة البشر وقيام أمورهم على الناحية الاقتصادية والقبلية فقط كما زعموا ثم على فرض المستحيل أن بعض المكتشفين وجدوا قبائل تعيش على الفوضى في كل شيء بما فيها الجنس ألا يصح أن يوصف هؤلاء بأنهم شواذ لا قيمة لهم فاسدي الفطرة وأن وصف البشرية كلهم بتلك الوصمة الشنيعة لأجل ما وجدوه هؤلاء عند تلك القبائل الهمجية يعتبر تطاولا على تاريخ البشر؟ هذا إن صح أنهم وجدوا بشرا بتلك الحال مع أن كذبهم وافتراءهم وارد ذلك أن ما من إنسان يرضى بالفوضى الجنسية في أهله بل إنها حالة لا ترضى بها حتى الحيوانات البهيمية فضلا عن الإنسان، فقد أخبر الله عن فطرة الإنسان وعن الغيرة الموجودة فيه منذ أن وجد أبناء آدم على هذه الأرض وقتل أحد ابني آدم أخاه. وليت شعري لماذا يحرص الشيوعية على إشاعة الجنس أكثر من غيره فإن الشيوعية يحرصون أشد الحرص على إشاعة الجنس بالطريقة المشتركة لعله ترغيبا لمن يتوق إلى ذلك من الشباب والشابات الساقطين ولظنهم أن الشيوعية ستبني وتنهض بسبب هذه الدعايات الرخيصة ولكنهم فوجئوا باستحقار الناس لهم واستهجانهم لهذا السلوك الشائن فعادوا وزعموا أن شيوعية النساء ليست قاصرة على المذهب الشيوعي وإنما هي قضية شائعة بين كل الطبقات خصوصا الأغنياء بصور مختلفة، ولكن هذا الدليل هو واه كبيت العنكبوت لم يخرجهم أيضا من استحقار الناس لهم في مناداتهم بالفوضى الجنسية العارمة لأن الباطل لا يستدل له بالباطل وذلك أن استدلالهم بالمنحرفين لا يعطيهم المبرر لدعواهم فهو تبرير باطل بباطل ويكفي أن يقال عن الجميع أنها أوضاع فاسدة جاهلية يجب أن تصحح ولا تستحق أن تكون قدوة أو دليلا يظلمون به فطر الناس ويخدشون كرامتهم سواء كانوا من الأغنياء أو من الفقراء فهو عمل لا تقره حتى الحيوانات.

стр. 683

وأما زعم الملاحدة أن الناس في الشيوعية الأولى كانوا يعيشون عيشة متساوية لا فرق بينهم فهو افتراض ينقصه الدليل فمن أين لهم أنهم ما كانوا يشعرون بالفوارق فيما بينهم وأقل ما فيها فوارق في الذكاء، فوارق في إتقان العمل، فوارق في القوة الجسدية والنفسية، وفوارق في الشجاعة، وفوارق في المال .. إلى آخر الفوارق التي لا يجهلها أي إنسان سليم العقل وحتى الملاحدة لا يجهلونها لولا أنهم يريدون تحبيب الشيوعية إلى الناس وخصوصا الناس الذين يشعرون بانتقاص المجتمع لحقوقهم أو أنهم مغلوبون على أمرهم ويتمنون أي فرصة لإثبات وجودهم الذي يحلمون به فانتهز الملاحدة وجود هذه الفوارق الحتمية بين الناس للمناداة بالقضاء عليها وأنى لهم أن يطبقوا ذلك فعلا وهو مخالف لما أراده الله تعالى في سنته ذلك أن الله تعالى هو الذي أراد للناس أن يكونوا بهذه الحال منهم الذكي ومنهم البليد ومنهم الغني ومنهم الفقير إلى آخر الصفات المعلومة بالضرورة من أحوال البشر فكيف يقضون على ما أراد الله بقاءه والحاصل أنه لا دليل لهم على كل ما زعموه من تلك المساواة المكذوبة وكذلك زعمهم أن الناس كانوا يعيشون حياة ملائكية في منتهى السعادة إن هو إلا خيال فارغ تكذبه طبيعة البشر منذ وجودهم إلى اليوم إضافة إلى أنه لا دليل لهم إلا محض أخيلتهم المنكوسة وإلا فأي زمن خلا عن الحرب والتنافس بين القبائل على أمور كثيرة أقلها المرعى والحمى والغنائم وما إلى ذلك من الأمور التي لابد من وقوعها ضرورة في كل أجيال البشر. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١٠٧٢

стр. 684

ثامنا: الأسس التي قامت عليها النظرية الشيوعية قامت الشيوعية الماركسية من أول أمرها لمناهضة الأديان والأخلاق والثقافات والمعاملات وسائر ما يتصل بالجوييم وإقامة دولة شيوعية عالمية تحت زعامة أقطاب الشيوعية ومن ورائهم الأطماع اليهودية في إقامة الدولة اليهودية الكبرى التي يرتقبها اليهود بفارغ الصبر ممثلة في إعادة بناء هيكل سليمان وتتويج ملكهم الذي يحلمون بأنه سيحكم جميع البشر من اليهود ومن سائر الجوييم. وما الشيوعية إلا حلقة من جملة الحلقات التي يحيكها اليهود للوصول إلى ما خططه حكماؤهم من تدمير العالم دينيا وثقافيا واقتصاديا .. الخ، ولقد أسهمت الشيوعية في كل تلك المؤامرات وكان لها حظ الأسد في تحطيم الجوييم في تصفيات جسدية لم يشهد لها التاريخ مثيلا وفي إشاعة الفواحش وسائر المفاسد والشرور حيث فاقوا فيها الشيطان وأراحوه مهمة تحقيق كل تلك الرزايا التي حلت بسائر الأمم في دينهم وفي دنياهم على أيدي الملاحدة ومظاهر الشيوعية الماركسية كثيرة من أبرزها: أولا: المادية المادية نسبة إلى المادة، قيل في تعريفها أنها هي الموجود الذي يدرك بإحدى الحواس مما يخضع لتجربة الإنسان وملاحظاته، وقد ادعت المادية أنها صنو الواقعية نسبة إلى الواقع الذي لا ينكر ولا يكذب (١).

стр. 685

لقد أصبحت عبادة المادة هي الأساس المشترك لجميع الملاحدة على اختلاف مذاهبهم ابتداء من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين إبان قيام التيارات الفكرية الجامحة في أوربا ضد الكنيسة وضد القائمين عليها واستبدالها بالمادة المهيمنة على كل شيء إذ يزعمون أن الكون وما فيه إنما وجد من أصل المادة وبنوا عليها إلحادهم في إنكار وجود الله تعالى فخرجوا بذلك عن مفهوم هذا التعريف للمادة وتجاوزوه فإن الأمور الغيبية وأمور الدين لا تخضع لتجربة الإنسان ولا تدركها حواسه كما بنوا عليها تفسيرهم التاريخي لحياة الإنسان وتطوراته. وكان الماديون الشيوعيون قد أقاموا هذه الفكرة في مضادة أي شيء يتعلق بعالم الروح والغيب حيث لا يؤمنون بوجود الروح لأنها تباين المادة التي إذا وجدت في شيء أعطته الحياة ضرورة فالمادة هي كل شيء وجعلوها البديل عن الله بزعم أن معاملهم أعطتهم الدليل المادي على ذلك ولقد كذبوا وتناقضوا وظهر جهلهم وتخبطهم في نظرياتهم المتضاربة المتناقضة، فالطبيعة عندهم هي قبل كل شيء ولا نهاية لها ومنها انبثق كل مخلوق على وجه الأرض وأنها موجودة بذاتها قبل كل ذات وهي الخالق لكل شيء بقوانينها " وأن العالم في حركة تغير مستمر، وأن هذا التغير يأتي عن طريق تناقض الأضداد وكل فكرة تؤدي إلى نقيضها والفكرة ونقيضها تؤديان إلى نتيجة جديدة (١) " كلها ناتجة عن ترابط الأشياء بعضها ببعض ولا يمكن أن يكون أي حادث منفصلا بنفسه عن البيئة المحيطة به في حركة دائبة يسمونها " الحركة في الطبيعة " أي أن كل موجود إنما هو نتيجة لحركة المادة وتطورها بدءا وانتهاءً تنشأ ثم تضمحل أبد الدهر في تطوير يسمونه أيضا " التطور في الطبيعة " ويتم هذا في حركات سريعة ضرورية وأحيانا تحصل فجأة تنتقل معها الأشياء من البسيط إلى المركب ومن الأدنى إلى الأعلى في تطور متلاحق طول الوقت مما ينتج عنه ما يسمونه " التناقض في الطبيعة " وهذا التناقض هو الذي ينتج عن تطور الحوادث وتفاعلها فيما بينها لينتج من التناقض بين القديم والجديد وبين ما يموت وما يولد وبين ما يفنى وما يتطور مصادر تطورية جديدة مختلفة بمعنى أنه يحدث الشيء حتما ثم يحدث ما يضاده لتأتي النتيجة الحتمية الصحيحة ومن هنا تؤيد الشيوعية التصادم والتضاد بين الأمور لتصل إلى النتيجة من وراء كل تضارب وتصادم (٢). وكل ذلك إنما هوس فكري وتخبط مقيت وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور:٣٩]، وكلها افتراضات يريدون من وراءها أن تحل المادة محل الإله سبحانه وتصريفه الأمور حسب مشيئته وقدرته وتلك التعليلات العقيمة لوجود الأمور بعد أن لم تكن إنما هو لصرف الذهن عن قدرة الخالق على الإنشاء والإيجاد وإلا فأي منطق يقتنع بأن الأمور تتطور لمصلحة الإنسان أو لمضرته من تلقاء نفسها لتنتج أمورا لابد منها بزعمهم لتستقيم الحياة ويبقى الكون. لقد حاول الماديون وهم ينكرون موجد هذا الكون أن يلفقوا شبهات كثيرة ليدللوا بها على إلحادهم ولكن ما من شبهة من شبههم إلا وهي تصفع وجوههم وتكسر قلوبهم وتقول لهم معاذ الله أن أكون دليلا على عدم وجود الذي أوجدني فما إن يجدوا أدنى شبهة يكتشفونها إلا وطاروا فرحا وزعموا أن كل ما اكتشفوه يدل على عدم وجود موجد حقيقي غير المادة وطبيعة المادة الحتمية بزعمهم.

стр. 686

وكم حملوا هذه المادة التي تعادل في تصرفاتها عند الملاحدة تصرفات خالق الكون عند المؤمنين وكم ظهرت لهم من حقائق حيرتهم في دقة موجدها ولكن قلوبهم التي أشربت حب الكفر والتمرد على طريقة أستاذهم إبليس أبت أن ترجع إلى الحق فمثلا قانون الجاذبية الذي أوجده الله وثبت به هذا الكون العلوي والسفلي هو أكبر من السماء وما فيها من مختلف الأجرام وهو أكبر من الأرض وما عليها حين اكتشفوه قالوا عرفنا الآن أنه لا خالق ولا ممسك لهذا الكون إلا الجاذبية وحين فاجئهم المؤمنون بالله بهذا السؤال ومن خلق هذه الجاذبية؟ هل خلقتها السماء لحاجتها إليها لتمسك بأجرامها أن تقع على الأرض؟ أم أن الأرض خلقتها لحاجتها إليها ليستقر عليها من فوقها؟ أم أنها هي بنفسها أدركت حاجة السماء والأرض إليها فأوجدت نفسها؟ سبحان الله عما يفترون. وحينما أنكروا وجود الله تعالى قيل لهم هذا الكون العجيب المتناسق المحكم الذي لا يطغى بعضه على بعض لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: ٤٠] من هو هذا القوي القهار الذي جعله بهذه الصفة قالوا المادة وكأنهم هربوا من ذكر اسم الله تعالى إلى اسم يوافق هواهم فإذا كانت هذه المادة هي التي أحكمت هذا الكون فهي الإله الحق فلا يبقى أمامهم إلا النطق باسم الله الكريم ويتركوا روغان الثعالب والتكلفات الباهتة. فكل ما قالوه من شبهات تافهة مهما اختلفت أسماؤها فإنما تدل على انقطاعهم وأنهم مثل الغريق الذي يمسك بكل شيء يقع في يده لينجو من الغرق. وكم خسارة الملاحدة الشيوعيون حينما أنكروا خالق هذا الكون في مقابل التعصب لآراء ذلك اليهودي "ماركس" الثائر النفس الحاد المزاج المتعصب لقومه اليهود والذي سعى إلى الانتقام من العالم كله بسبب مواقفهم من اليهود الحاقدين على الله تعالى وعلى كل البشر لأنهم لم يجعلوهم سادة العالم وحكامه كما وعدهم الله بذلك حسب افتراءات واضعي التوراة فآلوا على أنفسهم أن يقفوا جنبا إلى جنب مع الشيطان لإغواء البشر وتحطيم دياناتهم وإفساد أخلاقهم ليتمكنوا من استحمارهم جميعا في النهاية ولن يتم الله بحوله وقوته لهم ذلك والله تعالى غيور على دينه فليموتوا بغيظهم وحقدهم وسيزيلهم الله هم والمادة التي عبدوها من دونه . ثانيا: الجدلية " الديالكيتك " لقد أصبحت المادة عند الشيوعيين هي كل شيء وليس وراءها شيء وأنها تتطور صعودا وفق قانون " الجدلية الديالكيتك " والتاريخ نفسه يسير حسب هذا القانون حتما بزعمهم. وتكون هذه المادة وفق ما تقترن به فتسمى المادية الجدلية في الكون إذا كانت تتعلق بتغيرات الكون وأحداثه وإذا كانت تتعلق بسلوك الناس سموها المادية الجدلية في التاريخ. فالجدلية: في المذهب الماركسي تعتبر بمثابة ركن من أركانه وأنها هي قانون حركة الوجود كله، ويعود أساس فكرة الجدلية عند "ماركس" إلى تأثره بالفيلسوف " هيجل "، واسمه جورج ولهلم فريدريك هيجل "، وهو ألماني كان يؤمن بوجود إله يصفه بأنه غير متناه أو هو الوجود المطلق أو العقل المطلق ومنه ظهرت الطبيعة، وقد خالفه " ماركس " في مفهوم هذه الجدلية فعكس الأمر تماما حتى تبجح "ماركس" بأنه قد أوقف آراء " هيجل " على قدميها بعد أن كانت واقفة على رأسها بزعمه بسبب أن " هيجل " كان يرى في جدليته أنها منطلقة من الله إلى كل الأكوان وأن الفكرة هي الأصل والمادة ناتجة عنها بخلاف جدلية " ماركس " التي تقول أن الله تعالى هو من اختراع الفكر الإنساني وخيالاته وليس عن حقيقة. وأن الأساس هي المادة والفكر ناتج عنها (١).

стр. 687

وهذه الجدلية تلاحظ دائما أن هذا الكون دائم التغير والتطور في فعل ورد فعل أشبه ما يكون بحركة المتجادلين وقد أرجع "ماركس" هذا التجادل إلى المادة وتأثيراتها بينما كان "هيجل" يرى أن تلك التغيرات هي للقوة الغيبية المؤثر الحقيقي فيها كما عرفت مما تقدم. جدلية هيجل: وقد تصور هيجل – حسب خياله – أن تلك الحركة في التغيير والتطور في الكون تسير وفق دورات لولبية صاعدة دائما وكل دورة قسمها إلى ثلاث مراحل هي: - المرحلة الأولى: سماها الطريحة أو أطروحة أو الدعوة – أي الأمر. - المرحلة الثانية: سماها الجمعية أو نفي النفي أو جامع الدعوى – أي النتيجة. فمثلا: البرعم يسميه الطريحة ونقيضه الزهرة ثم تأتي الجمعية التي هي الثمرة وهي أرقى من البرعم والزهرة في تطور متصاعد دائما وبعضهم يسمي هذه المراحل "الوضع ونقيضه" ومؤتلف الوضع ونفيه وكلها افتراضات خيالية تصورها "هيجل" في تضاد دائم بين الشيء ونقيضه والنتيجة النهائية لهذا النقيض الذي يمشي صاعدا في تطور هو نهاية كل نقيضين. وغاب عنه أنه لا يمكن اجتماع النقيضين في وقت واحد وعلى شيء واحد لأنه مستحيل إلا في خيال الفلاسفة الفارغين. وما زعمه "هيجل" من أن الأشياء كلها في تطور متصاعد فكر غير صحيح في كل الأمور فإذا صح في بعض الحالات فإنه غير صحيح في كلها. فمثلا الإنسان وهو حي يسمى حسب نظريته طريحة ثم يأتيه الموت فيسمى نقيضة ثم يتحول إلى تراب فيمسى جميعة فأين التطور التصاعدي في هذا حسب نظرية "هيجل"؟ أو مثل الغريزة الجنسية هي الطريحة والكبت هو النقيضة والتسامي هو الجميعة أي المحصلة النهائية الحتمية الوقوع لكل من الطريحة والنقيضة ولكن لنفرض أن الأمور لم تسر إلى نهايتها وهي الجميعة بأن حصل معوق للشخص بعد ظهور النقيضة بأن مات أو جن أو حصل له أي أمر خطير وانتهى فأين التصاعد في هذا وغيره من الأمثلة التي تكذب حتمية التطور التصاعدي في كل شيء (١). وهذه الجدلية عند " ماركس " أو ما يظهر منها عدم إيمانه بالله تعالى وإيمانه بدلا عنه بالمادية الجدلية وتطورها وأنها هي التي أنشأت الدين والسياسة والقانون والأخلاق، بل والإنسان نفسه إنما هو من نتاج تلك المادة وفكره أيضا كذلك بل وجود الله تعالى إنما هو من صنع الإنسان المادي وفكره في عقيدة " ماركس " وهو بهذا قد قلب جدلية " هيجل " التي قامت على الإيمان بالغيب الإلهي إلى المادة وحدها عند " ماركس " ويصح أن نقول أن " ماركس " قد قلب نظرية " هيجل " على رأسها بعد أن كانت على رجليها المعوجتين هي الأخرى. فحينما تسأل ماركسيا عن سر وجود هذا الكون تجده يجيبك بجواب سخيف تافه فيقول أن الكون قد تطور بنفسه إلى أن أصبح على ما هو عليه اليوم في هذا التناسق البديع. ويجيب عن سريان الحياة في الكون بأنه بعد أن اكتمل وجود الكون تطور تلقائيا إلى أن وجدت الحياة على ظهر الأرض ومن ضمنها حياة الإنسان الذي وجد ضمن حركة التطور الديالكتيكي دون أن يكون لها أي مؤثر خارج عن نطاقها غير التناقضات والتضاد الكامن في المادة، كما أنه قد احتدم الخلاف جدا بينهم في قضية العقل والفكر والمادة أيهما السابق والمؤثر في الآخر فالمثاليين منهم – أي المؤمنون بالإله الغيبي – ومنهم "هيجل" يرون أن العقل هو الأساس والمتقدم على المادة وما ينتج عنها بينما الماديون – منكروا الخالق – "ماركس" وأتباعه يرون أن لا شيء في الإيجاد سوى المادة وهي المتقدمة والمنشئة حتى للإنسان وأفكاره. - ويتلخص الجدل الماركسي في ثلاثة قوانين:

стр. 688

١ - قانون التغيير من الكم إلى الكيف وهو ما يحدث بطريق المفاجأة كتحول الماء الساخن إلى بخار بزيادة النار عليه. قانون صراع الأضداد الذي يأتي من داخل الأشياء من بذرة النقيض التي توجد في داخل كل شيء وليس من الخارج. قانون نفي النفي أي كل مرحلة تحدث تنفي سابقتها ثم تنفيها مرحلة تالية وهكذا (١)، وهما المراحل المشار إليها سابقا. تعقيب: لقد جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، لقد انجلت الغمة عن الناس وظهر الحق لذي عينين فإذا بالماركسية في العراء في أقبح صورة وأتعس حال وإذا بأكاذيبها وخزعبلاتها تداس بالأرجل، لقد راهن الملاحدة أن نظريتهم الإلحادية ستعم الأرض كلها وسيصبح البشر كلهم ملاحدة كافرين بالذي خلقهم من تراب ثم من نطفة ثم سواهم أشخاصا في غاية الخصومة لربهم وقاهرهم متنكبين الحق متعالين على الناس محتقرين كل نواميس هذا الكون ومحتقرين كل الشرائع والكتب المنزلة والأنبياء الكرام في جدال بالباطل لا يملكون على كل نظرياتهم أي دليل حقيقي إلا ما زخرفوه من شبهات باطلة ونظريات زائفة لا تثبت أمام الحقائق حتى وإن صوروها على أنها حقائق لا تقبل الجدال وأن كل ما عداها محل شك مستندين إلى ما تم لهم من اكتشافات تجريبية كلها تصرح بعظمة الباري جل وعلا ولكنهم قلبوا الحقائق وجعلوها أدلة على إلحادهم وكل ما هو لله جعلوه للطبيعة التي عبدوها من دون الله وزعموا أنها تُسيّر الكون في تناسق عجيب محكم وترابط متشابك وكان هذا يكفي دليلا على وجوب الإيمان بوجود خالق مهيمن على كل ذرة في هذا الكون يسيره على نسق واحد دون اختلاف حسب سننه في الكون ولكن الشيطان حال بينهم وبين التفكير الصحيح فقلبوا هذه الحقيقة وزعموا أن هذا التناسق إنما هو من شأن الطبيعة والمادة التي وصفوها بأنها لا بداية لها ولا نهاية لها حتى لكأن الخلاف بينهم وبين المؤمنين بالله تعالى خلافا لفظيا المؤمنون يسمون هذه الطبيعة إلها وهم يسمونها مادية. قال تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور:٣٥] وكان يجب أن يسميهم الناس مجانين حينما زعموا أن الكون وجد بدون موجد وحدث بعد أن لم يكن حادثا دون محدث له غير ما توهموه من تجمع ذرات هذا الكون وتطورها إلى أن أحدثت هذا العالم والكون وما فيه من أجرام علوية وسفلية وكلها عن طريق الصدفة والارتقاء ولو قلت لأحدهم: إن عمودا كهربائيا وجد بذاته وأصبح ينير للناس الطريق لضحكوا من قائله ونسبوه إلى الجنون بينما هذه الشمس وهذا القمر وهذه الكواكب وهذه الثمار في الأرض والأنهار والجبال كلها وجدت بدون خالق؟! إن الملاحدة يعترفون بعجزهم التام عن معرفة سر وجود الحياة لأي كائن مهما كان صغر حجمه أو كبر وأنهم لا يستطيعون إرجاع الروح لصاحبها إذا بلغت الحلقوم فأين المادة التي يتشدقون بأنها هي الموجدة لهذا الكون ولماذا لا يتوسلون إليها لإرجاع الروح بعد أن يصبح الجسد مادة هامدة؟

стр. 689

أما ما يرددونه من أن كل الأشياء تحوي تناقضات داخلية مجتمعة في وحدة يسمونها وحدة الأضداد أو وحدة المتناقضات تتصارع فيما بينها ثم ينتج عن ذلك الصراع تطور في صعود دائم لا ينتهي فهو افتراض سخيف إذ لا يوجد إلا في الذهن والذهن قد يتصور أن المستحيلات ممكنة أحيانا ذلك أن اجتماع النقيضين أمر غير ممكن إلا إذا صدقنا بأن الحرارة والبرودة تجتمع في النار أو الحياة والموت يجتمع في الشخص في وقت واحد وليس من هذا ارتفاع الضدين في وقت واحد فإنه ممكن كقول الناس: هذا لا هو أبيض ولا هو أسود، أي على لون غير هذين اللونين أصفر أو أحمر، أما أن يقال هذا أبيض وأسود أو ساكن ومتحرك في وقت واحد فهو مستحيل. لقد غلا الشيوعيون في تقديس المادة وعتوا عتوا كبيرا إلى حد أنه تنطبق عليهم المقالة المشهورة " إذا حدث الشخص بما لا يعقل فصدق فلا عقل له " فأي عقل سليم وأي فطرة سليمة تصدق أن المادة الصماء هي الخالقة وهي الرازقة وهي المدبرة لجميع أمور هذا الكون علوية وسفلية، ظاهرة وخفية مع اعترافهم هم أيضا بأن تلك المادة لا حياة لها ولا فكر ولا تدبير في البدايات الأولى لها غير ما تخيلوه أنها بعد ذلك تطورت حتى أوصلت هذا الكون على ما هو عليه الآن ثم يقولون هي أزلية لا بداية لها ولكنهم يتوقفون حينما يقال لهم أنها حادثة ولا يستطيعون الجواب لأنهم متناقضون وإذا أفحمهم العقلاء عن سر وجود هذا الكون قالوا بأن الكون وجد من العدم ولا يبالون بسخف واستحالة هذا القول، والقول الآخر بأن المادة هي التي تسير العقل وتوجد الفكر لا أن العقل هو الذي يوجد المادة ويكيفها كما يريد مكابرة منهم وجهلا شنيعا حيث صار المصنوع صانعا على حسب مفهومهم فالطائرة هي التي كونت فكرة الإنسان لصناعتها وما الذي يمنعهم من هذا وقد زعموا أن الحياة كلها ظهرت صدفة دون مدبر عليم نتيجة تفاعلات المادة الناتجة عن حركتها الذاتية المستمرة لا أن هناك ربا خالقا لها وهي مكابرات لعلهم أول من استيقن بطلانها لولا العناد والاستكبار وتنفيذ خطط ماكرة (١) أملتها الأحقاد اليهودية على مر السنين. ثالثا: التطورهذه الكلمة تتردد على ألسنة كثير من الناس بعضهم يدرك المدلول والمغزى الأساسي لها وبعضهم يعرفها بصورة مجملة ويرددها على هذا المفهوم، وهي في ظاهرها كلمة جميلة توحي بالتجديد والنشاط والحيوية المطلوبة إلا أنه ينبغي أن ندرك أن كثيرا من أصحاب الأفكار الهدامة قد استغلوها استغلالا فاحشا وبنوا عليها آراءهم التي يهدفون من ورائها إلى تغيير المفاهيم السليمة والمعتقدات المستقيمة والحياة الاقتصادية تغييرا جذريا يتفق مع ما بينوه لقلب الحياة الاجتماعية. وسيتضح ذلك من خلال دراستنا لهذه المادة وحسبنا هنا أن نذكر مفهوم التطور بصورة موجزة وهل التطور الذي يريده الشيوعيون هو تطور حقيق أم خرافات وهمية تخيلوها لتأييد ما يهدفون إليه من الإلحاد؟ والتطور بحد ذاته يراد به كما عرفه بعضهم بقوله هو: " الانتقال من مرحلة إلى مرحلة والتغيير من حال إلى حال" (٢). والواقع أنه إما يكون التطور في خلق الإنسان وتركيبه، وإما أن يكون في أصل نشأة الكون وما فيه.

стр. 690

١ - فأما التطور بالمفهوم الأول: فهو حق، وهو ما جاء ذكره في كتاب الله تعالى في بيانه لخلق الإنسان والمراحل التي يمر به في قوله تعالى: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [نوح:١٤]، أي أوجدكم طورا بعد طور وهو ما فسره الله تعالى بقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ [المؤمنون: ١ - ١٦]. هذه هي أهم الأطوار التي يمر بها الإنسان في حياته الجسمية وهي خاصة ببني آدم، أما آدم فإن هذه التطورات لا تشمله، فقد خلقه الله بيده من تراب الأرض ثم نفخ فيه الروح فكان بشرا سويا. ٢ - أما التطور بالمفهوم الثاني فإنه ينقسم إلى قسمين: قسم نشأة هذا الكون والمراحل التي مر بها في تطوره إلى أن وصل إلى ما هو عليه. والقسم الثاني يتعلق بمعرفة أصل نشأة الكائنات الحية والمراحل التي مرت بها في تطورها، وفي أولها الإنسان وكيف نشأ وكيف تطور في وجوده وفي تفكيره وفي معيشته وفي عبادته حسب تفكير أصحاب نظرية التطور وفي أولهم "أراسموس دارون"، وحفيده "جارلس روبرت دارون"، ومن جاء بعدهما على هذه الفكرة الباطلة الخرافية التي أصبح دعوى التطور فيها من أهم خصائص المذهب الشيوعي حيث يقصدون بالتطور أن كل أمر في هذا الوجود يتطور ويتقدم إلى الأمام في خطوات متتابعة إلى ما لا نهاية بزعمهم ويستدلون على ذلك بما قرره من أن الإنسان كان مائيا ثم برمائيا ثم بريا ثم عرف الرق ثم الإقطاع ثم الرأسمالية إلى أن عرف الشيوعية الماركسية وسيتطور فيما بعد – ولا يغيب عن القارئ - وضع الشيوعية اليوم حيث أقر الله عيون أهل الإيمان بموتها في عقر دارها وهذا من الأدلة الدالة على كذب أحلام الملاحدة فيما تصوروه عن التطور المزعوم وأبديته وانتشار المذهب الشيوعي تلقائيا، كما أن هذا المفهوم الذي قرره الملاحدة لتطور الأشياء لم يكن صحيحا فإن تطور الإنسان لم يقم على المادة – كما يريده الملاحدة – بل قام الإنسان نفسه وعلى حسب ما تمليه عليه حاجته إلى الأمور أما المادة الصماء فإنها عاجزة عن تطور نفسها فكيف تعمل لتطوير غيرها. فوجود المادة لا يطور أحدا وليس وجودها كافيا لتطور الإنسان ومعلوم أن الماديين – وهم جاهدون وجادون - في محو كل القيم الإنسانية أو أي شيء يؤدي إلى احترام إنسانية الإنسان، معلوم أنهم يعرفون تلك الحقيقة ولكنهم يتحاشون البوح بها لئلا يؤدي ذلك إلى احترام القيم والمثل والتهذيب الديني للإنسان يجعل كل الفضائل للمادة خير من جعلها للإنسان في ميزان الملاحدة إذ المادة لا خطر من ورائها ولا يؤدي احترامها إلى فرض القيم الدينية التي يخافونها والتي تذكرهم استبداد الدين النصراني المحرف.

стр. 691

إن تطور الإنسان في حياته المادية في معيشته وفي طريقة سكنه وملبسه ومركبه أمر واقع فقد كان الناس يركبون الحمير والجمال والبغال والخيل واليوم أصبحوا يركبون السيارات والطائرات والسفن وغير ذلك من الوسائل التي تطور فيها الناس وهذا التطور بهذا المفهوم أمر حقيقي لا يجهله أحد إلا أنه لم يكن نتيجة لتصادم الحاجات كما أن وجود القيم الإنسانية والأخلاق والدين وسائر الفضائل التي امتاز بها الإنسان عن الحيوانات البهيمية لم تنشأ عن صراع وتناقض ولم يكن فيها الإنسان كالحيوان في المعايير والقيم والسلوك كما قرره الملاحدة حسب ما استخلصوه من نظرية "دارون"، و "فرويد". التفسير المادي للتاريخ والأطوار المزعومة له والرد عليها ومثل وجود هذا الكون وما فيه عن طريق تطور المادة في مفاهيم الملاحدة كذلك أوجدت هذه المادة تاريخ الإنسان على طريقة الجدل المادي الديالكتيكي في تاريخ الإنسان على أساس أن قانون المادية الجدلية هي التي تصنع تاريخ الإنسان دون أي تدخل من الإنسان، بل إن حياة أي مجتمع هو ثمرة واقعهم المادي وحياتهم العقلية هي إنعكاس هذا الواقع وليست الحياة الاجتماعية ثمرة أفكار سابقة، بل الحياة الاجتماعية للناس هي التي تحدد إدراكهم فالمادة سابقة للفكر ومسيرة له بزعم الملاحدة وتاريخ الناس كذلك تصنعه المادة المتطورة بغير إرادة جماعية منهم لأن طلب كل فرد تحقيق غايته وما ينشأ أثر ذلك من تباين الإرادات وتأثير تلك الإرادات على العالم الخارجي هو بالضبط ما يشكل التاريخ لكل المجتمعات التي تنشأ وفق أحوالهم المادية والتاريخ ذاته يمر بمراحل هي في مذهب الملاحدة الماركسيين تتمثل فيما يلي: المشاعية البدائية. الرق. الإقطاع. الرأسمالية. الاشتراكية الممهدة للشيوعية. الشيوعية الأخيرة (١). وهي التي تلغي فيها الطبقات كلها كما يدعون وقد ذكر الباحثون أنه من الصعوبة تصور الفضل للمادية الجدلية عن المادية التاريخية ذلك لأنهم أقاموا دراسة تاريخ البشرية على الأسس المادية وقد استقر في مفاهيم الملاحدة كما عرفت أن المادة هي أساس كل المخلوقات والتي منها الإنسان والفكر وأنها هي التي تحكم أيضا حياة البشر الاجتماعية وتكيف حياتهم وسلوكهم وجميع معاملاتهم ومشاعرهم. وهي في تطور دائم وما ينتج عنها من سلوك البشر هو أيضا في تطور دائم تبعا للأصل وهو الوضع الاقتصادي في تطور دون أن يكون للإنسان فيه أي قدرة. وحينما ظهر " دارون" بنظريته حول تاريخ الإنسان وأصل نشأته قرر أن تاريخ الإنسان إنما هو امتداد للكائنات الحية السابقة لوجوده وأنه نتيجة عمل الطبيعة الهوجاء التي تعمل ما تعمل عن خبط عشواء لا عن تخطيط ودقة لتلقي بالإنسان بعد ذلك إلى مصيره عن طريق المادة التي تكيف الإنسان وحياته وتطوره وكل ما يتصل بسلوكه وتاريخه فيها. والملاحظ أن التفسير المادي للتاريخ لا ينفي القيم والأخلاق التي تصدر عن البشر إلا أنه ينفي أن تكون لتلك القيم أو الأخلاق أو سائر السلوك وجود قبل وجود المادة والأوضاع الاقتصادية أو أن تكون تلك القيم والأخلاق لها ثبات دائم أو أنها من الله تعالى بل إن تطور تاريخ المجتمعات البشرية هو قبل كل شيء مرهون بتطور الإنتاج البشري المادي وتاريخ البشر يرتكز أساسا على المصالح المادية التي تربط الناس بعضهم ببعض لا على أساس ديني أو سياسي أو أخلاقي ثابت إذ القيم كلها في مفهومهم سراب لا قيمة لها والغايات تبرر الوسائل على امتداد تاريخ البشر حسب تفسيرهم. مدى صحة الأطوار التي تزعمها الشيوعية

стр. 692

ما زعمه ماركس من أن تاريخ البشر وما يمرون به في حياتهم من أمور مختلفة إنما هو نتيجة لطريقتهم في الإنتاج إن هو إلا كذب محض فإن حياة الناس ومعايشهم والتغييرات التي يمرون بها لا تتوقف فقط على الإنتاج والواقع خير شاهد على أن الذي يغير المجتمعات قد يكون أشياء كثيرة غير وفرة الإنتاج أو قلته، فالفرق المختلفة وأصحاب المذاهب الوضعية واستعمار الناس بعضهم بعضا والحروب التي تشتعل بينهم والغنى والفقر الذي يمرون به وغير ذلك كلها من العوامل التي تحدث التغيير في المجتمعات ولا سبيل إلى إنكار هذا مما يدل على أن قضية الإنتاج إنما هي جزء من الأجزاء الكثيرة التي تحدث التغيير في المجتمعات وليس المال فقط كما قرره الملاحدة وكذلك ما زعمه الماركسيون من أن تاريخ البشر مر بالمراحل السابقة إلى أن وصل إلى الشيوعية هي في الحقيقة كلها مزاعم فارغة كاذبة وقد ظهر كذبها فإن " ماركس " زعم أن العالم الغربي المتطور سيترك الرأسمالية ويتحول حتما إلى الاشتراكية الشيوعية فكان العكس هو الصحيح إذ رفض العالم المتطور فكرة الشيوعية وتقبلتها الدول المتخلفة نسبيا كروسيا والصين وقد بدأت تظهر في تلك البلدان العودة إلى الرأسمالية رويدا رويدا خصوصا بعد أن بدأت الشيوعية تحتضر كما أن ما يتنبؤون به من أحداث ستحصل في المستقبل يدل على تناقضهم لأنهم لا يؤمنون بأي شيء في المستقبل يدل عليه العقل بل يؤمنون بما يدل عليه الواقع المشاهد الذي تفرزه الطبيعة فقط إلى أن ماتت الشيوعية دون أن ينتقل الناس إلى الشيوعية الأخيرة التي زعموا أنها ستقضي على جميع الطبقات فتبين كذب الشيوعية جملة وتفصيلا. ١ - المشاعية البدائية أما بالنسبة للمشاعية البدائية التي زعم الملاحدة أن الإنسان نشأ بدائيا كقطيع من الحيوانات ثم أخذ يتطور إلى أن استطاع إنتاج أدوات العمل في تطوره التدريجي البطيء وأنه اكتمل بفضل التعاون الذي قام بين أفراد البشر وأنهم استطاعوا انتزاع حياتهم من الطبيعة التي كانت تغالبهم ويغالبونها ثم أضافوا إلى هذا الافتراء افتراءا آخر وهو أن ذلك التطور قد اكتمل في الناس من غير إرادتهم ووعيهم وأنهم انتصروا على الطبيعة بفضل تعاونهم المشاعي في الزراعة والصناعة وغيرهما إلا أنه حينما انصرف بعض أفراد البشر إلى الإنتاج الفردي لا المشاعي ظهر التناقض بين الملكية الاجتماعية والطابع الفردي لعملية الإنتاج فاصطدم هذا الوضع وتناقض مع الرغبة في الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ونتج عن ذلك القضاء على النظام البدائي المشاعي كحتمية طبيعية للتطور المستمر في الحياة قاطعة بذلك خطر سيره، ثم نشأ بعد ذلك الصراع الطبقي على المصالح المادية فبدأ من هنا تاريخ الصراع الطبقي في المجتمعات نتيجة للتطورات المتلاحقة وحياة الإنسان فاصطدمت بالنظام الرأسمالي الذي يمثل سيادة أصحاب رؤوس الأموال على الفقراء وعلى الأفكار عموما. ثم نتج عن ذلك أيضا قيام قضية الرق الآتية. ٢ - الرق

стр. 693

زعم الملاحدة أن قضية الرق نشأت إثر صراع طبقي بين المنتصرين في الحرب والمهزومين من جهة، وبين أصحاب الأموال الدائنين وبين الفقراء المدينين من جهة أخرى ولأسباب مادية أيضا انهار أمر الرق تدريجيا لأنه لم يعد تجارة رابحة وأيضا فإن أولئك المنهزمين والفقراء حينما أحسوا في فترة من فترات تاريخهم للرق والعبودية التي يعانونها أرادوا أن يثأروا لأنفسهم كما هو الحال في بقية الحيوانات الأخرى التي شاركتهم في النشأة الأولى وحصل الصراع الطبقي العنيف بين الفقراء المعوزين والأغنياء انتصر فيها الفقراء وجعلوا الأغنياء في النهاية عبيدا ليبدأ الصراع أيضا على أشده كأنهم قطعان الثيران المتصارعين وهنا تدخل الدين ليكون أداة روحية لاستعباد الجماهير وإقامة كل الأشكال الراهنة للوضع الاجتماعي بما يعدهم به أن صبروا على ما هم فيه من البلاء والذل؟! وازداد النظام الاستعبادي ضراوة وصراعا فنشأ الإقطاع، هكذا تعليلهم لنشأة الرق وظهور التدين ونهاية الرق وهذه كلها كما يلاحظ القارئ اللبيب افتراضات خرقاء وليس لهم أي دليل إلا آراؤهم التي تخيلوها في نشأة الرق والإقطاع وغيرها من التقسيمات التي أحدثوها بأفكارهم الإلحادية، ولأنهم لا يعلمون أن حكمة الله تعالى اقتضت أن لا يكون الأنبياء من أصحاب الثروة أو الجاه فظنوا والظن أكذب الحديث أن الأنبياء إنما أتوا بما أتوا به محافظة منهم على حفظ أموالهم وتجاراتهم وليبقى الكادحون أرقاء لهم دائما إن هم صبروا على ما هم فيه، وأنت تعلم أيها القارئ أن هذه الخدعة لا مكان لها إلا رأس إبليس ومن اتبعه من الملاحدة أصحاب الخيالات السقيمة. ٣ - الإقطاع علل الملاحدة لظهورالإقطاع بأن العالم كانوا على طبقتين هما طبقة كبار الملاك، وطبقة رجال الدين. وبقية الناس مسخرين مستعبدين لهاتين الطبقتين وحينما ظهرت أدوات الإنتاج المتطورة كالمحراث الحديدي وغيره من الأدوات الجديدة ظهر الإقطاع بشكل قوي وصار المستعبدون تحت رحمة الملاك وأصحاب الجاه يعملون لحسابهم ولا ينالون إلا ما تجود به أيدي أولئك الأثرياء في الوقت الذي كان فيه الأثرياء ورجال الدين قد تمالأوا على إبقاء تلك الطبقة الفقيرة في معزل عن التفكير السليم لحالهم ولكن بعد وقت أفاق الفلاحون ورأوا ما حل بهم من الغبن فثاروا ضد تلك الطبقات الثرية والدينية لرفع الظلم الفاحش عنهم ولكن ثورتهم كانت أضعف من إزاحة تلك الطبقات الثرية والدينية لما يأتي: أولا: لأنها ثورة غير منظمة. وثانيا: لحاجة الفقراء الشديدة. وثالثا: للقوة المتينة التي كان يتحصن بها الأثرياء وأصحاب الدين. إلا أن تطور الأمور الاقتصادية أخذت تحط من كبرياء أصحاب الثروة من الإقطاعيين لتحل الرأسمالية بدل الإقطاع في حركات تطورية متلاحقة تتمشى مع خيالات واضعي الماركسية، وبغض النظر عن صحة هذا التعليل أو عدم صحته فإن الإسلام يعتبر تلك الأوضاع كلها باطلة وجاهلية بغيضة ما أنزل الله بها من سلطان، على افتراض وجود تلك الأحوال على الصورة التي تخيلها " ماركس " وأتباعه، فلا يجوز رد الحق بالخطأ والتخمين. الرأسمالية " البرجوازية ": لقد ظهرت الرأسمالية – أو البرجوازية كما يسميها الشيوعيون – لعدة عوامل من أهمها: - استحواذهم في الأساس على مصادر المال واستقراره في أيديهم. - اختراع الآلات الحديثة التي حلت محل الأيدي العاملة من طبقات الإقطاع والرق لعدم إنتاجهم بالكثرة التي تنتجها تلك الآلات فصارت حالة الرق متناقضة مع حالة الإقطاع فألغت بدورها حالة الإقطاع التي كانت قائمة على استعباد الكادحين للعمل للإقطاعيين النبلاء وبحث الجميع عن رأس المال. - ازدياد حجم التجارة في أوروبا بدلا عن الزراعة.

стр. 694

والملاحظ أن أولئك الذين كانوا يطلبون العمل بأيديهم لم يكن دورهم كافيا لملأ ما تحتاج إليه الحركة الصناعية القوية كما هو الحال بالنسبة للآلات الحديثة، وهذا أحدث بدوره رد فعل لدى العمال لتحطيم الإقطاع المستند إلى الآلات الحديثة بسبب التناقض مع القوى المنتجة النامية من جهة وحاجة العمل من جهة أخرى إلى العمل والكسب وهذا بدوره قد هيأ الجو لتصاعد قوة الرأسمالية التي تسعى دائما لزيادة الإنتاج والمكاسب الوفيرة وما نشأ بين أفرادها من تعاون مثمر في شتى المجالات وقد جعلوا استغلال طبقة من الناس لطبقة أخرى هو أساس الحضارة لكي يحصل التناقض الذي يوصل طبقة إلى الاستعلاء على طبقة أخرى فما من شر لطبقة أخرى إلا وهو خير لطبقة أخرى وهكذا صراع دائم من أجل البقاء، كما أن تجمع الشعوب واتحادها إنما يعود حسب تفسيرهم إلى المصالح الاقتصادية التي قامت عليها الرأسمالية غير أن الرأسمالية أصبحت مناقضة لمصالح طبقة البروليتاريا – أي طبقة العمال – فكان لزاما على هؤلاء العمال أن يصارعوا طبقة الرأسمالية وأن يطيحوا بها بالطرق الثورية وأن يستبدلوها بالنظام الشيوعي الذي يستوعب تلك التناقضات ويصفيها في مجتمع ليس فيه طبقات يستغل بعضهم بعضا، وإنما فيه طبقة واحدة يكون الإنتاج فيها ملكا مشتركا بين الدولة – خدعة شيوعية بارعة – ولكن هذا الصراع لا ينقل الناس مباشرة من الرأسمالية إلى الاشتراكية بل يمر بمراحل تدريجية قبل انتقالهم من الرأسمالية إلى الاشتراكية ثم إلى الشيوعية التي تحقق لهم مبدأ "من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته" والتي تتم بجهود ضخمة من العمل المتواصل لزيادة الإنتاج لتتحقق تلك القاعدة "من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته". وهكذا يتضح بجلاء أن التعليلات الشيوعية كلها قائمة على مجرد خيالات وتصورات ليس لها ما يسندها، بل هي ضد العقل والمصالح كلها دينية، ودنيوية، وأن ما تصوروه عن بداية المجتمع المشاعي وظهور الرق والإقطاع والرأسمالية ثم الاشتراكية الممهدة للشيوعية كل هذه الحلقات افتراضات وتخمينا وأول ما يدل على كذبهم فيها أنهم لا يستطيعون أن يحددوا بداية كل مرحلة وظهور التي تليها تحديدا دقيقا مع أنه حتى ولو حددوها لا يقبل منهم لعدم وجود أدلة على ذلك يقبلها العقل. وقد سلسلوا تلك الأحداث ليصلوا إلى النتيجة التي يهدفون إليها وهي إظهار الشيوعية بمثابة الثمار الشهية اليانعة التي نضجت بعد الجد والاجتهاد وتطور الأحوال من حال إلى حال ولإظهارها كذلك بمظهر المنقذ لتعاسة الإنسانية على مدى تاريخ الحياة البشرية على وجه الأرض، وكم علت تلك الأصوات، وكم أخذت في طريقها من ضحايا قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة في أيام "جورباتشوف" الذي تولى رئاسة الإتحاد السوفيتي بعد "يوري أندروبوف"، و"بريجنيف" وللباطل صولة ثم يضمحل وقد مزق الله الإتحاد السوفيتي كل ممزق ويتلوه إن شاء الله الرأسمالية الأمريكية وغيرها من مذاهب الكفر والضلال. فلا يوجد عند العقلاء أدنى شك في أن تفسير الملاحدة لتاريخ البشر هو ضلالة كبرى من ضلالات الشيوعية وهضم واضح لتاريخ البشرية وطمس للوجه المشرق من تاريخهم في مختلف الأزمنة حينما لا يعترف هذا التفسير بأية قيمة خلقية، أو دينية، أو ثقافية، أو اجتماعية قبل ظهور عبادة المادة الصماء فهو قائم على النظرة الاقتصادية البحتة فلا قيمة لأي شيء إلا من خلال هذه النظرة الضيقة الباطلة التي لا يعرفون سواها.

стр. 695

إن تاريخ البشر مملوء بالأحداث المختلفة على مر الليالي والأيام بعضها تكون أحداث كبيرة، وبعضها صغيرة، وبعضها يكون للمادة تدخل ما فيه، وبعضها لا تمت إليه المادة بأدنى سبب. ولقد سجل التاريخ أعظم حدث في هذا الوجود في فترة زمنية قصيرة ولا تزال آثارها واضحة قوية وستبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فما هو هذا الحدث؟ إنه الإسلام بتعاليمه السامية ونظمه العادلة، فكيف نشأ وما هي الأسباب التي أدت إلى تغييره للمفاهيم التي قبله رأسا على عقب وأي حالة اقتصادية اقتضت ظهوره على تلك الحال؟ والجواب عند المؤمنين بالله تعالى لا يحتاج إلى إعمال الفكر ولا إلى الاجتهاد فإن الجواب يأتي تلقائيا أن الله هو الذي أنشأه وأظهره في الوقت الذي اقتضته حكمته دون أي صراع مادي، ولهذا فإن التفسير الإسلامي لتاريخ الإنسان ونشأته في هذا الكون من البدهي أن يختلف اختلافا جذريا عن التفسير المادي له عند الملاحدة ذلك أن الإسلام يقرر أن للإنسان مفهومه الخاص به وأنه متميز عن بقية المخلوقات التي تساكنه في هذه الدنيا فهو مفكر وله عقل وتمييز يدبر الأمور ويصرفها وفق مصالحه وإرادته وهو الذي يسير المادة وليس المادة هي التي تسيره وتتصرف فيه – كما في المفهوم الشيوعي – ففي الإسلام ينبع تاريخ الإنسان من حياته وتفكيره وعمله وتوجهاته وما يتلقاه من التعاليم الإلهية على أيدي رسل الله عليهم الصلاة والسلام وليس من المادة. يبدأ تاريخ الإنسان في الإسلام من خلق الله له من طين الأرض، ثم نفخ الروح فيه، ثم إهباطه إلى الأرض واستخلافه فيها وقيامه أو عدم قيامه بأوامر الله ونواهيه وسلوكه الخير والشر، وما يسطره الإنسان في صفحات كتابه الذي سيقرؤه يوم القيامة، وما يتبع ذلك من الحساب والثواب والعقاب. ولا شك أن هذه المفاهيم بعيدة كل البعد عن تاريخه المادي في مفهوم الشيوعية التي تهبط بالإنسان إلى الحضيض ولا تعترف له بتلك المنزلة العالية التي يشابه فيها الملائكة في علو روحه إن أطاع الله تعالى واتقاه، هذا الجانب أغفلته الشيوعية ولم تنظر إليه إلا على أنه حيوان بهيمي لا هم له إلا بطنه وفرجه، ولا ذكر لروحه ومزاياه العديدة، وليس فيها أن الله كون الإنسان من جسد وروح وأن كلا منهما يطالب بحقه وغذائه المادي والروحي مطالبة حثيثة، وليس فيها أنه لا يجوز أن يغلب جانب منهما على آخر إلى حد الإهمال كما قررته الشيوعية فهذا التوازن لا يوجد إلا في الإسلام لكي يتم التوازن الحقيقي بينهما، فإن الإسلام لا يقدس الجسد وشهواته الحسية فقط ولا يقدس الروح إلى حد الغلو فيها وإنما الإسلام يوازن بينهما ويجعلهما شريكين متماسكين لا متصارعين كما هو حال الأنظمة الجاهلية المادية. ويمكننا القول بأنه إذا كان ظهور الشيوعية كنتيجة مادية قامت بالعنف والجبروت فقد رأينا نهايتها المخزية، بينما الإسلام وقد قام على العقيدة الصحيحة والعدل التام انتصر وتأثر به الناس وأحبوه وأحدث في أنفسهم قوة جبارة كانت كامنة ففجرها الإسلام وأثار الأرض كلها ولم يقم على العنف ولا الصراع المادي والطبقي لاستناده إلى عناية الله تعالى به لأنه حق والحق دائما هو الباقي وأما الزبد فيذهب جفاء، فلو أن الإسلام كان ظهوره بسبب عوامل مادية لانتهى بانتهاء تلك الحال أو لوجب أن تنشأ قوة مثله كلما تكررت تلك الحال التي افترضها الملاحدة لظهور الأنبياء والمرسلين والشرائع التي أتوا بها وهم لا يقولون بذلك ولا يقرونه فظهر تناقضهم واضحا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ [النور:٤٠]. التفسير المادي للإنسان

стр. 696

لقد أفادت النظرية الداروينية الكاذبة أن الإنسان حيوان يعود إلى نسل القردة ثم تطور بفعل المادة إلى أن أصبح إنسانا وجاء الملاحدة فأكملوا خيوط هذه المؤامرة النظرية وزخرفوا فيها القول لإثبات تشويه صورة الإنسان الذي كرمه الله تعالى وجعل فيه النبوة والعقل وشرفه بالتكليف فصوره على أنه حيوان تطور عن جماعة القردة لا فرق بينه وبين بقية المخلوقات ليسهل لليهود في النهاية استحمار البشرية وسوقهم إلى حظيرة اليهود الذين يعتبرون – كل الجوييم – حيوانات خلقت على صور اليهود لتسهيل خدمة أسيادهم اليهود شعب الله المختار بزعمهم. ويذكر الباحثون أن دارون وإن كان قد أرجع أصل الإنسان إلى القردة لكنه لم يرجعه إلى المادة الصماء كما قرره الملاحدة من بعده فإن الإنسان عند دارون أرفع رتبة منه من رتبته عند الملاحدة الماركسيين وقد جعل مجال الحديث عن الإنسان وسائر الكائنات الحية هو علم الحياة الذي يختلف اختلافا بينا عن علم المادة. ومع هذا الهبوط بالإنسان في نظرية دارون إلا أن الملاحدة لم يكتفوا بذلك بل أضافوا له دفعات إلى الأسفل في الهبوط فاعتبروا فكر الإنسان الذي يميزه عن سائر الحيوانات جعلوه ناتجا عن المادة المحضة لا قيمة له عن الجسم المادي نعم إن الله أوجد الإنسان من مادة هذا الكون ولكن حصل له تشريف عظيم أخرجه تماما عن صفته المادية وهذا التشريف هو نفخ الله فيه الروح فصار عظيما مشرفا بهذا ولم يبق على مادته الترابية هنا يظهر تناقض الملاحدة إذ يزعمون أن الإنسان أفضل المخلوقات بينما يثبتون أنه من المادة فكيف ساغ لهم أن يفاضلوا بين مادة ومادة دون مبرر؟ وكيف ساغ لهم أن يقولوا أن الإنسان سيد هذا الكون ما دام الإنسان مخلوقا منه بفعل المادة لقد تضاربت أفكار الملاحدة دون أي اكتراث منهم بذلك. ويظهر أن القصد الأخير لهم هو الدفع بالجوييم إلى القناعة بحقارة أصلهم وبالتالي فلا يحق لأحد منهم أن يفخر بأنه إنسان مكرم بينما اليهود لا يدخلون في تسمية "إنسان" لأن عنصرهم من عنصر الله وأنهم شعبه المختار إلخ أوصاف التلمود لهم ولقد أراد الملاحدة طمس إنسانية الإنسان وإلحاقه بالجمادات أو الحيوانات الدنيا إلا أنهم واجهتهم حقائق تكذبهم علنا وتعلن بوضوح أن الإنسان كائن أسمى مما تصوروه لا فرق بين إنسان وإنسان في المزايا الآتية: ١ - الإنسان مفكر بينما لا توجد هذه الصفة في أي مخلوق آخر من الحيوانات. ٢ - الإنسان يتكلم ويفصح عما في ضميره بكل فصاحة وهذه الصفة لا توجد إلا في الإنسان. ٣ - الإنسان له تقاليد وعادات لا توجد إلا فيه وحده تقاليد وعادات في العشرة وفي سائر السلوك في الكرم والشجاعة والإيثار والحزن والفرح وغير ذلك. ٤ - الإنسان ينتج بأفعاله مختلف الأشياء فهو يبني ويهدم ويصنع ويحرث ويتفنن في كل أموره حسب تفكيره واختياره. ٥ - الإنسان يتطور ويستفيد من أخطائه ومن تجاربه فيحذر الوقوع في نفس الخطأ الذي وقع فيه ويقارن بين الأمور. ٦ - الإنسان هو سيد كل الحيوانات التي تعايشه في الأرض وقد استخدمها وانتفع بها بكل مهارة وريضها على فعل كل ما يريده بطريقة توحي بأن الإنسان كائن متميز عجيب فمن الظلم إلحاقه بما تصوره عنه الملاحدة من أنه من فصيلة القردة ثم تطور. ٧ - الإنسان له قدرة عجيبة على كبح جماح نفسه وتهذيب طباعه وكبت غرائزه بصورة لا تقبل أي شك في تميزه. ٨ - الإنسان له قدرة على التعلم والتعليم والقراءة والكتابة وهي صفات لا توجد في أي مخلوق في الأرض سواء اللهم إلا أن يكون الجن.

стр. 697

٩ - الإنسان يستحسن أشياء كثيرة ويستقبح أشياء كثيرة ويسن لنفسه ولغيره قوانين وأنظمة يسير بموجبها وهي صفات خاصة به تدل على سموه وشرفه. ١٠ - للإنسان خيال واسع وإدراك قوي يخطط للحاضر وللمستقبل وهذا الخيال الخصب لديه ميزة خاصة به يختار أمورا ويترك أخرى وينظم مساراته للمستقبل وفق ما يريده وكأنه على معرفة مسبقة به (١). إن كل هذه الصفات وغيرها مما تحلى به الإنسان لهي صفعة في وجوه الملاحدة الذين سلبوه صفاته التي ميزه الله بها وشرفه بالتكليف والعمل لدنياه ولآخرته وجعله مستخلفا في الأرض لإحيائها فهل يصح أن يقال بعد ذلك أن الإنسان مادة مجردة عن أي اعتبار أو أنه حيوان تطور بفعل مرور الزمن أو غير ذلك من نظرياتهم الفاسدة وأنى لمادة صماء أن تخلق إنسانا تتوفر فيه تلك الصفات العالية والفضائل الرفيعة والتركيب العجيب، وأنى لفاقد الشيء أن يعطيه فهل يفيق الملاحدة وهل يتركون استهتارهم بهذا الكائن العظيم؟ ويحترمون روحه وفكره وأصله الذي شرفه الله تعالى بخلقه بيده تشريفا وتكريما له وأسجد له ملائكته المسبحة بقدسه؟ التفسير المادي للقيم الإنسانية وحينما قرر الملاحدة أن الإنسان مادة أصبح مفهوم القيم من الأمور التي لا قيمة لها إذ المادة لا تتصف بأي قيمة روحية أو نفسية أو خلقية وهذا هو الواقع الذي قرروه وأن القيم كلها ليس لها صفة ثابتة وإنما هي إنعكاس للأحوال الاقتصادية فلا حقيقة لها إطلاقا إلا أنه لم يكن بإمكان الملاحدة أن يتجاهلوا وجود هذه القيمة التي يتمثلها الناس قديما وحديثا في حياتهم وفي تعاملهم في أمور ظاهرة فاخترع الملاحدة لها تفسيرا يشوهها ويهون من مكانتها المرموقة، بل ويقضي عليها في النهاية قضاء تاما. وهذا التفسير المادي للقيم يتمثل في الأمور الآتية: ١ - تضخيم العامل المادي والاقتصادي وجعله أساس كل شيء في حياة الإنسانية وجعلوا الأخلاق والقيم كلها تابعة لحالة الإنسان الاقتصادية، وتبادله المنافع مع الآخرين وأن الوضع الاقتصادي هو الذي يحدد مشاعر الناس وأفكارهم وعقائدهم وكل قيمهم. ٢ - زعموا أن كل القيم لا ثبات لها أي لم تنشأ عن دين أو توجيه إلهي وإنما هي تابعة لتطور الإنسان في المادة هبوطا وارتفاعا، خيرا وشرا، وأن كل القيم المعنوية إنما هي انعكاس للوضع الاقتصادي لكل أمة. ٣ - جعلوا الدين هو المصدر الفياض للأخلاق والقيم جعلوه محل سخرية واستهزاء وإن كل تلك القيم إنما نشأت عن عوامل اقتصادية لا عن الدين الذي تذكره الكتب السماوية والذي يصورونه كعدو لدود للقيم الإنسانية. ٤ - ونشأ عن ذلك الاستهزاء بالحق والعدل الإلهي الذي أكدت عليه جميع الشرائع الإلهية فزعموا أن ذلك لا حقيقة له إلهية وإنما هو تابع للأحوال الاقتصادية التي أوجدته وهي التي تمليه على الناس في أحوالهم المختلفة من فقر وغنى وكثرة وقلة وحب وكراهية. لقد أرجع الملاحدة الشيوعيون كل القيم إلى حال الناس بالنسبة للمادة فقسموا المجتمع إلى قسمين: ١ - المجتمع الزراعي. ٢ - المجتمع الصناعي.

стр. 698

ثم زعموا أن الأخلاق والقيم والإيمان بالقدرة الغيبية وتماسك الأسرة والحفاظ على العادات القبلية وما إلى ذلك إنما سادت في المجتمع الزراعي لما يشعرون به من حاجة إلى قوة عليا تنبت لهم البذور في الأرض أو لبعضهم بعضا خصوصا وهم يشاهدون الأخطار الطبيعية من حولهم كالصواعق والبراكين وهيجان البحار ونحو ذلك فاحتاجوا إلى التعلق بإله قوي يحميهم وينفعهم. بينما تلك الأمور كلها لا مكان لها في المجتمع الصناعي، وذلك أن المجتمع الزراعي البدائي في الشيوعية الأول كان بينهم تعاون وفيهم استقرار وهدوء وسعادة بسبب عدم وجود الملكية الفردية التي ظهرت بعد ذلك بفعل التطور الاقتصادي وزعموا أن الأولاد في هذه المرحلة كانوا يتبعون الأمهات – أي كالحيوانات تماما – ثم تحول نظام التبعية من الأم إلى الأب باستيلاء الأب على كل السلطة بفعل ظهور الملكية وظهور التحسن في الجوانب الزراعية وتعاون الأسرة جميعا في القيام بها تابعين لأبيهم الذي سيورث لهم كل ما يملكه بعد موته فتمت الطاعة للأب وعمل الجميع تحت أمره واعتبار تلك الأمور من باب الاحترام الواجب للأب فلم يكن لذلك سبب إلا الرغبة في امتلاك ما تحت يده بعد موته والاستفادة منه في حياته – انظر إلى هذا العقوق – وتناسي العاطفة والحنان المتبادل بين الأسرة. ثم نتج عن ذلك بفعل التطور نظام الرق الذي سببه في الدرجة الأولى التحسن في الزراعة واكتشاف نزعة الملكية الفردية فمالت الجهات القوية على الضعيفة تستعبدها وتسخرها في العمل لزيادة الإنتاج للأغنياء وسد حاجة الفقراء الضرورية فقط ثم نتج عن ذلك الوضع – حسب التطور – نظام جديد هو نظام الإقطاع، الذي سببه اكتشاف الآلات التي تفيدهم في حراثة الأرض كالمحراث وغيره فاحتاج الأغنياء إلى الفقراء ليقوموا بحراثة الأرض وجباية محاصيلها لهم فنشأ عن ذلك خلق حب الاستعباد والقهر للغير وحب السيطرة الذي أنتج بدوره نظاما جديدا وهو ما بدا ظاهرا في النظام الرأسمالي الجشع الذي حول الملكية من ملكية زراعية إلى ملكية رأسمالية جعلت الفقراء عبيدا وذللتهم للأغنياء ونشأ عن ذلك حب الذلة والمسكنة والاستهانة بالنفس بسبب قوة المادة الاقتصادية عند كبار الأغنياء واستحواذهم على مصادر العمل والكسب وهذا لا شك أنه أمر يغضب طبقة الفقراء ويوجد فيهم حب الرغبة في الانتصاف ورفع الظلم وثورة كامنة في نفوسهم كمون النار في عود الكبريت. ثم نتج عن ذلك صراع مرير فيما بعد لينبثق عنه بعد ذلك العودة إلى الشيوعية إثر الصراع بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال على ملكية الإنتاج وانتصار العمال بقضائهم على طبقة الرأسمالية لتعود الملكية جماعية كما كانت في البداية هذا حسب تعليل زعماء الشيوعية وقد سبق أن أشرت إلى أن هذه الأفكار كلها خيالات كاذبة تفتقر إلى الدليل وإلى العقل الذي يصدق بها، إنها افتراضات تدل على مدى النفسية الخبيثة لـ "كارل ماركس" وما كان يعاني من ضيق الخلق والأنانية الشريرة ومحاربته لكل الفضائل والسمو الأخلاقي والرغبة في تدمير الأغنياء وليت شعري هل الأولاد لا يحبون أباهم إلا ليرثوه فقط؟ وهل المال والحصول على المادة كافية لسمو الأخلاق؟!! أليس الإنسان يطغى أن رآه استغنى إلا من وفقه الله تعالى، بل أليس من التناقض أن يقال إن المجتمعات الزراعية القديمة كانوا يعيشون في وئام تام وهدوء وأخلاق عالية بينما يصف المتأخرون اليوم أنفسهم بأنهم في تقدم شامخ ووعي كامل وحضارة راقية وهم يحملون في صدورهم قلوبا حاقدة عدوانية ولا يلوي أحد على أحد فكان يجب أن يعكس الأمر تماما على حسب ما قرره في هذه التناقضات. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ١٠٨١

стр. 699

تاسعا: أهداف قيام الشيوعية (١) مرَّ بنا أن اليهودية العالمية هي التي صنعت الشيوعية الماركسية، وأنها جعلتها وسيلة لتحقيق أهدافها للسيطرة على العالم، وتسخير المواد والمنتجات لخدمة أغراضها الدنيئة، وأهوائها المنحطة. ثم إن دراسات ماركس ليست وليدة بحث علمي أو تفكير منطقي يهدف إلى إصلاح العالم، بل كان البحث الذي قام به في هذا الصدد بمثابة الدفاع أو التسويغ لتلك النظرية التي اعتنقها من قبل؛ لكي تلبس لبوس العلم والبحث. وكان من الأهداف التي ترمي إليها الشيوعية ما يلي: ١ - بث الأحقاد والفرقة والعداوة بين المجتمع العالمي عن طريق التآمر والصراع بين الطبقات. ٢ - معارضة الدين، والملكية الفردية، وحرية الرأي. ٣ - نشر الإلحاد، والفساد والإباحية. ٤ - القضاء على الأديان الموجودة عدا اليهودية. ٥ - القضاء على الحياة الأسرية، وجعل الولاء مقصوراً على السلطة الحاكمة، مع تخويل السلطة الحاكمة بألاَّ تحكم وفق قوانين ثابتة، وإنما تتغير القوانين حسب مصالح الحاكم الخاصة، وأهوائه الذاتية المتقلبة من وقت لآخر. ٦ - وبالجملة فأهداف الشيوعية تتفق كثيراً مع أهداف اليهودية العالمية التي مضى ذكر لبعضها ضمناً عند الحديث عن أسباب قيام الشيوعية وعن معتقداتها، وأخلاقها. المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٤٠٠

стр. 700

عاشرا: الوسائل التي توصل بها الشيوعيون إلى تحقيق أهدافهم لقد دأب الشيوعيون وساروا سيراً حثيثاً في سبيل تحقيق أهدافهم والوصول إلى مآربهم، وقد سلكوا في ذلك السبيل طرقاً شتى، ومن ذلك ما يلي (١): ١ - إقامة المنظمات الشيوعية في مختلف بلدان العالم وفق أرقى التنظيمات الحزبية، معتمدة في ذلك على إرضاء الشهوات، وإثارة الأحقاد، وسلخ جذور الدين والأخلاق من أعماق النفوس. ٢ - اعتماد وسيلة الثورات الدموية العنيفة لقلب أنظمة الحكم، واستيلاء الشيوعيين عليه. ٣ - بعد الوصول للحكم يتجه الشيوعيون لتصفية كل العناصر المضادة، ثم العناصر ذات الولاء المشوب، ثم العناصر التي يمكن أن تنافس أو تضاد في المستقبل. ٤ - محاربة جميع الأديان لاسيما الإسلام - باستثناء اليهودية - فإن لليهود في معظم أنظمة الحكم الشيوعي تمكيناً سرياً، ومعاملة خاصة، وحماية وحصانة، وتركاً لقضاياهم الدينية الخاصة. ٥ - القضاء على علماء الدين والدعاة إليه، ولاسيما المسلمين منهم ومحاربتهم بالتشريد، والنفي، وتشويه السمعة؛ حتى يتسنى للشيوعيين تحقيق ما يريدون دون أن ينتبه أحد لخطرهم وخططهم. ٦ - فرض الضرائب الباهظة على أفراد الشعب؛ لإذلالهم، وإرهاقهم كي يقبلوا الشيوعية طوعاً، أو كرهاً. ٧ - القضاء على الملكية الفردية، وجعل الزراعة تحت إدارة الحكومات الشيوعية. ٨ - امتلاك المصانع، وجعلها تحت سيطرة الدولة. ٩ - الاستيلاء التام على التجارة. ١٠ - القضاء المبرم على الأخلاق الفاضلة، وفتح الأبواب للفساد، وإقامة الأخلاق الحزبية التي تخدم مصالح الحزب، وتتوجه أين توجهت ركائبه. ١١ - إشاعة الإباحية الجنسية، ودفع المرأة للتحلل التام من ضوابط العفة، ومبادئ الشرف، مع نزع النخوة والغيرة من نفوس الرجال. ١٢ - تقسيم الشعب إلى طبقتين: أ - طبقة السادة: وهم الشيوعيون، ومن تابعهم وخضع لهم. ب - طبقة المنبوذين: وهم الذين لم ينتظموا في الحزب ولم يقبلوا نظام حكمه، أو لم يخضعوا له، ولم يعلنوا له ولاءهم التام. ١٣ - السيطرة التامة على التعليم؛ فلا يسمح لأي شيء إلا عن طريقهم، ووفق خططهم، ومناهجهم، ويمنع بذلك التعليم الديني تماماً حتى في البيوت والكتاتيب. ١٤ - إحكام السيطرة على الإعلام - فلا ينشر في وسائل الإعلام إلا ما يمليه الحزب، وما يوافق هواه. ١٥ - القضاء على المعابد الدينية قضاءاً شبه كلي إلا قليلاً منها يترك للدعاية الخارجية، بل لم يكتفوا بهدم المعابد، وإنما حولوها إلى مباءات فسق، ومنتديات خناً وفجور. ١٦ - إقامة السياسة الدكتاتورية المستبدة بكل شيء، وبهذه السياسة تصادر جميع الحريات، الفردية والجماعية، باستثناء الحرية الشخصية الضيقة، والتي منها الحرية الجنسية. ١٧ - إقامة شبكة تجسس واسعة النطاق، وتكليف كل فرد - قانوناً - بأن يبلِّغ عن كل ما يراه مخالفاً لقانون الدولة وسياستها، حتى ولو كان المخالف ابنه أو أمه أو أباه، أو أخاه، أو قريبه، أو صديقه أو زوجه. وإلا عُدَّ مجرماً بجرم السكوت عن التبليغ، ويستحق بذلك الجزاء والعقاب بالسجن فما فوقه، وقد يكون بمثابة شريك في الجرم. ١٨ - نشر الشيوعية بمختلف وسائل الترغيب والترهيب بين أفراد الشعب، وفي الشعوب غير الخاضعة للحكم الشيوعي. ١٩ - العمل على تحويل العالم إلى دولة شيوعية واحدة خاضعة للأيدي القابضة على الأنظمة الشيوعية من وراء الستار. المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٤٠٠

стр. 701

حادي عشر: أسباب انتشار الشيوعية في العالم الإسلامي لقد دخلت الشيوعية الماركسية كثيراً من بلاد المسلمين، وما كان ذلك ليتم لها؛ لأن مسوغات انتشارها في أوربا وروسيا كثيرة؛ وأبرزها غياب المنهج الصحيح وهو الإسلام. أما بلاد المسلمين فإنها تنعم بالدين الحق، فما حاجتها - إذاً - للشيوعية؟!. وكيف تسمح لمثل هذه المذاهب الباطلة أن تنخر في جسم الأمة وقد أغناها الله بوحي السماء عن زبالة أفكار أهل الأرض؟! والجواب عن ذلك أن الشيوعية دخلت بلاد الإسلام لأسباب عديدة منها (١): ١ - انحراف كثير من المسلمين، وجهلهم بعقيدتهم: فما كان للشيوعية أن تنتشر في بلاد المسلمين إلا عندما انحرف كثير من المسلمين عن دينهم، وجهلوا عقيدتهم، ونسوا حظاً مما ذكروا به. وإلا لما كانت العقيدة سليمة، والإيمان قوياً راسخاً، والتمسك بأمر الله قائماً - لم يجد الأعداء منفذاً ينفذون من خلاله، وإن وجدوا منفذاً فلن يجدوا مكاناً يؤثرون فيه، وإن وجدوا مكاناً ففي أندر الأحوال يقع ذلك، ثم سرعان ما يقاوم ويعالج. ٢ - الهزيمة النفسية الداخلية: فلما انحرف المسلمون عن دينهم أصابهم الوهن، وداخلتهم الهزيمة، ففقدوا العزة، وتدثروا الذلة، فسهل دخول المذاهب الهدامة ومنها الشيوعية. وإلا فالأمة العزيزة هي التي تعرف مقدار ما تأخذ، ومقدار ما تعطي، ونوع ما تأخذ، ونوع ما تعطي، وهي التي تعد نفسها بكل ما أوتيت من قوة حتى تحمي رأيها، فيما تأخذ وما تدع، وما تعطي وما تمنع؛ فالأمة التي تُشْرَب في نفوسها العزة يشتد فيها الحرص على أن تكون مستقلة بشؤونها، غنية عن أمم من غيرها، وتبالغ في الحذر في أن تقع في يد من يطعن في نحر كرامتها، ولا يستحيي الإنسانية أن تراه مهتضماً لحق من حقوقها. ٣ - هزيمة العالم الإسلامي أمام الهجمة الأوربية: فما كاد الأوربيون يمتلكون القوة المادية، ويستخدمون الآلة، ويعملون المصانع - حتى اتجهوا إلى دول العالم الثالث؛ بحثاً عن الأسواق؛ لبيع منتجاتهم الصناعية، وجلباً للمواد الخام اللازمة للصناعة. ولما كانت هذه الدول تطمع في الحصول على ما تريد بأبخس الأثمان، أو بلا ثمن أصلاً - فإنها استخدمت قوتها العسكرية. ولما كان العالم الإسلامي في غاية التخلف عسكرياً، وسياسياً، وصناعياً - لم يصمد أمام تلك الهجمة، وكان للهزيمة العسكرية أثرها في زعزعة العقيدة والشعور بالنقص، وتقليد الغالب، والتشبه بأخلاقه؛ ظناً منهم - لفرط جهلهم - أن أوربا لم تتطور إلا عندما اعتنقت الإلحاد، ورفضت الدين. ٤ - الاستعمار وما خلَّفه من دمار: فلقد عانى المسلمون من الاستعمار، وويلاته، حيث امتص المستعمرون دماء المسلمين، وخيراتهم، وأوطانهم، كما فرضوا عليهم أفكارهم ومذاهبهم الباطلة. ٥ - حال المسلمين المتردية: فَتَفَرُّق المسلمين، وتخلُّفهم، وتشتت كلمتهم - صار فتنة للكفار والمنافقين، والجهال؛ حيث استدلوا بذلك على بطلان الدين، كما سيأتي في الفقرة الآتية. ٦ - جعل واقع المسلمين في العصور المتأخرة هو الصورة التي تمثل الإسلام: فيروج الشيوعيون، وأذنابهم من الزنادقة المنتسبين للإسلام أن دين الإسلام دين تخلف، وانحطاط، وتأخر عن مواكبة الأحداث، ويستدلون على ذلك بواقع المسلمين في العصور المتأخرة، ويوهمون الناس بأنه لو كان ديناً حقاً لما انحدر المسلمون، وصاروا في ذيل الركب.

стр. 702

٧ - انتشار الخرافات والبدع: حيث شاعت في بلاد الإسلام بدع، وضلالات، وخرافات تروج لها المذاهب الباطلة والطرق الصوفية التي تقوم على الدجل، وعبادة القبور، والمبالغة في قصص الكرامات. كل ذلك اغتنمه الشيوعيون، وسددوا من خلاله سهامهم نحو الدين؛ ليروجوا أن الدين خرافة ودجل. ٨ - سقوط الخلافة الإسلامية: فلقد كانت تجمع المسلمين وترهب أعداء الله، مع ما كانت عليه في أواخر عهدها من انتشار البدع، ونخرها في جسد الخلافة. ٩ - التقصير في الدعوة إلى الله: ذلك أن كثيراً من المنتسبين إلى علوم الشريعة - فرطوا في جانب الغيرة على الحق، بل ربما كان منهم من يواد الملاحدة، ويتملقهم بالإطراء، ويغض الطرف عن إلحادهم، بل ربما شهدوا لهم بالإخلاص للدين. يفعلون ذلك رجاء متاع الحياة الدنيا، أو خشية أن يوصفوا بالتشدد والانغلاق أو رغبة بأن يوصفوا بالانفتاح وسعة الأفق، وهم يعلمون أنهم إنما يوالون طائفة تفسد على الأمة دينها وأخلاقها. ومن العلماء من أخلدوا إلى الأرض، فلا ينكرون على الناس شركهم بالله، وطوافهم حول الأضرحة، ولا يبينون الحق، ولا ينصحون للأمة، وربما زينوا للطواغيت باطلهم، وسوغوا لهم أعمالهم الإجرامية. ١٠ - ترك الجهاد في سبيل الله: حيث ركن أكثر المسلمين إلى ملذات الحياة الدنيا، فدبت إلى الجفون غفوة، فلم تكد الأمة تستفيق منها إلا ويد أجنبية تقبض على زمامها، وتديرها كما تشاء. ١١ - تركيز الغرب على إفساد التعليم والإعلام والمرأة: فشوه الإعلام صورة الإسلام وعلمائه، وروج للعري والإباحية والفوضى الجنسية، فغرق كثير من الشباب في هذا المستنقع الآسن، والشيوعية لا تُفَرِّخ إلا بمثل ذلك الجو. ثم إن الطعنة النجلاء، والخنجر المسموم - هو فساد التعليم، ومناهجه الدراسية، حيث قطعت صلة الطلاب برب الأرباب، وأصبحت مناهج الدين في زاوية ضيقة محدودة، فانفتح المجال على مصراعيه للشيوعية؛ حيث زاحمت علومها علوم الدين، بل أقصتها جانباً، ونَحَّتْها عن مجال التأثير؛ فشاع الجهل بالدين، وسهل دخول الأفكار المضللة إلى العقول. ١٢ - الابتعاث وما فيه من مفاسد: حيث يبتعث إلى بلاد الكفر مَنْ هو خالي الوفاض - في الغالب - فلا علم لديه، ولا ورع يزمُّه، ولا تقوى تردعه ولا عزة تمنعه، فيعيش في تلك البلاد فترة من الزمان، فيتأثر بما فيها من انحلال، وفساد، وكفر، وربما رجع بشهادة الدكتوراه بعد أن يفقد شهادة أن لا إله إلا الله، فيصبح بذلك معول هدم لأمته، وربما تولى زمام التأثير في المجالات المهمة؛ فيفرغ فيها كُثبة من سمومه، وفساده. ١٣ - خيانات العملاء والمنافقين: فلهؤلاء دور كبير في نشر الشيوعية، والتمكين لها، ولا أدل على ذلك من خيانة الأحزاب الشيوعية العربية للقضايا العربية والإسلامية؛ فذلك أمر تؤيده الحقائق المشهورة؛ فحيثما وُجِدَتْ مصلحة الاتحاد السوفييتي أو مصلحة إسرائيل فإن تلك الأحزاب تنحاز إلى تلك المصالح ضد المصالح الإسلامية والعربية. وأوامر الحزب الشيوعي اليهودي أوامر مقدسة عند الأحزاب الشيوعية العربية، حيث تنفذها دونما اعتراض. وحركات التحرر التي قامت ضد فرنسا، وبريطانيا تعد - في نظر الأحزاب الشيوعية العربية - حركات بورجوازية انتهازية لا تستحق الدعم والتأييد، بل تستحق المعارضة، والكفاح. وكل وجهة نظر سوفياتية تتعلق بالقضايا العربية أو الإسلامية هي الوجهة التي لا يجوز العدول عنها عند تلك الأحزاب. ١٤ - سوء التربية: وذلك بأن ينشأ الشخص في بيت خالٍ من آداب الإسلام ومبادئ هدايته، فلا يرى فيمن يقوم على أمر تربيته من نحو أب، أو أم، أو أخ - استقامةً، ولا يتلقى ما يَطْبَعُه على حب الدين، ويجعله على بصيرة من حكمته؛ فأقل شبهة تمس ذهن هذا الناشئ تنحدر به في هاوية الضلال. ١٥ - مصاحبة الملاحدة: فمن أسباب اعتناق الإلحاد أن يتصل الفتى الضعيف النفس بملحد يكون أقوى منه نفساً، وأبرع لساناً، فيأخذه ببراعته إلى سوء العقيدة، ويفسد عليه أمر دينه. ١٦ - قراءة الناشئ مؤلفات الملاحدة: فالملاحدة يدسون سموماً من الشبه تحت ألفاظ منمقة، فيصغى إليها فؤاد الناشئ، وتضعف نفسه أمام هذه الألفاظ المنمقة، والشبه المبهرجة، فلا يلبث أن يدخل في زمرة الملاحدة الألدَّاء. ١٧ - غلبة الشهوات: فقد تغلب الشهوات على نفس الرجل، فتريه أن المصلحة في إباحتها، وأن تحريم الشارع لها خالٍ من كل حكمة، فيخرج من هذا الباب إلى إباحية وجحود. هذه بعض الأسباب لانتشار الشيوعية في العالم الإسلامي سواء على مستوى أفراده، أو شعوبه، أو دوله. ثم إن بعض أسباب نشأة الشيوعية الحديثة تشترك مع أسباب دخولها في بلاد الإسلام. المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٤٢٣

стр. 703

ثاني عشر: أخلاق الشيوعية (١) لا ريب أن عقيدة الإنسان ترسم له طريقه، وتحدد له معالم سلوكه ومعاملاته فالناس توجههم عقائدهم وأفكارهم، والانحراف في السلوك إنما هو ناتج عن خلل في الاعتقاد. ولهذا فلا غرو أن تفسد أخلاق الشيوعيين؛ لأن الأصل لديها منهار، وإذا انهار الأصل تداعت الأركان والفروع. بل إن عقائدهم أحط العقائد، فلا تسل - إذاً - عن فساد أخلاقهم، وما يتبع ذلك من انحطاط سلوكهم. فالشيوعيون على أتم الاستعداد لعمل أي شيء مناف للأخلاق، من غش وكذب، وخداع، في سبيل تحقيق مكاسبهم، والوصول إلى غاياتهم؛ فهم يأخذون بالمبدأ الميكافيلي: الغاية تسوغ الوسيلة. يقول إنجلز: إذا لم يكن المناضل الشيوعي قادراً على أن يغير أخلاقه وسلوكه وفقاً للظروف مهما تطلب منه ذلك من كذب، وتضليل، وخداع - فإنه لن يكون مناضلاً ثورياً حقيقياً. ولهذا فالشيوعيون لا يحجمون عن أي عمل مهما كانت بشاعته في سبيل غايتهم، وهي أن يصبح العالم شيوعياً تحت سيطرتهم. يقول لينين في رسالة بعث بها إلى الأديب الروسي مكسيم جوركي: إن هلاك ثلاثة أرباع العالم ليس بشيء، إنما الشيء المهم هو أن يصبح الربع الباقي شيوعياً (٢). ولقد طبقوا هذه القاعدة في روسيا أيام الثورة، وكذلك في الصين، حيث أبيدت ملايين من البشر، كما أن اكتساحهم للجمهوريات الإسلامية كبخارى وغيرها، واكتساحهم لأفغانستان - ينضوي تحت هذه القاعدة. ومما تؤمن به الشيوعية من أخلاق - العنف، والسعيُ في إثارة الحقد والضغينة في نفوس العمال. ومن ذلك القسوة المتناهية؛ فلا يَتَصوَّر الفكر، ولا يتوهم الخيال لوناً من ألوان التعذيب الهمجي، والقمع الإجرامي، والإبادة الجماعية للمجموعات البشرية دون أية عاطفة إنسانية مع التفنن العجيب في وسائل التعذيب - إلا ويمارسه الشيوعيون بأقبح صوره، وأبشع مستوياته. بل لم يتورع القادة الشيوعيون - عن الاعتراف بتلك الأفاعيل ضد كل من خالفهم ولو كانوا رفقاء العمل الثوري، ومن حملة الفكرة الشيوعية. بل ربما كان هؤلاء أحق بأن يعاقبوا بأشد أنواع العذاب؛ فكأن الرحمة نزعت تماماً من قلوب هؤلاء القساة العساة العتاة. ومما تؤمن به الشيوعية وتدعو إليه من أخلاق - أنها تشجع على الفساد، والانحلال الخلقي، من شرب للخمور إلى ممارسة البغاء وسائر الفواحش إلى غير ذلك من طرق الفساد. ولقد صرح الرئيس اليوغسلافي الهالك - تيتو - في إحدى خطبه للشعب قائلاً: لقد تركنا لكم الخمر والنساء فخذوها، واتركوا لنا السياسة. (٣). ولهذا أصبحت المرأة في المجتمع الشيوعي أرخص سلعة في البلاد، فكانت ترمي بنفسها على الرجل ولاسيما الغريب، وقصارى ما تطلبه منه أن يتزوجها ولو مؤقتاً؛ لتفر خارج البلاد من جحيم الشيوعية. وصفوة المقال أن المجتمع الشيوعي هو أحط المجتمعات البشرية المعاصرة، سواء من الناحية الأخلاقية أو العقيدية، أو من ناحية الطمأنينة النفسية، والسعادة الاجتماعية؛ فهو مجتمع منحل، مذعور يخيم عليه كابوس الشقاء المطبق، إلى حد أن الإنسان في ذلك الوضع لا يكاد يفكر في أمل حقيقي للخلاص. المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٣٩٧

стр. 704

ثالث عشر: القضاء على الأسر يزعم الملاحدة أن نظام الأسرة إنما هو ناشئ عن أوضاع اقتصادية مثله مثل سائر القيم والأخلاق، وليس هناك نظام إلهي بشأنه، ولهذا فهو قابل للتطور حسب الأحوال الاقتصادية لأن الأسرة في النظام الشيوعي حسب تصوراتهم إنما نشأت عن تطورات متلاحقة حسب تفسيرهم المادي للحياة كانت بدايتها على الأقسام الآتية (١): ١ - أسرة الجيل. ٢ - أسرة الشركاء. ٣ - الأسرة الزوجية. ٤ - الأسرة الوحدانية. ١ - أما أسرة الجيل – كما تصوروها – فيزعمون أن العلاقات الجنسية كانت مباحة بين أبناء الجيل الواحد بين الإخوة والأخوات ومحرمة فيما دون ذلك أي أن بين جيل الآباء وجيل الأبناء، واستمر في هذه المرحلة تصنيف المجموعات الزوجية تبعا للأجيال؛ الأبناء جيل والآباء جيل والأجداد جيل والأحفاد جيل، كل جيل لا يتزوج إلا من جيله ولا يصح التبادل بين الأجيال. ثم حدث تطور جديد فحرمت فيه العلاقة الجنسية بين الإخوة والأخوات بطريقة تدريجية أي كان التحريم أولا بين الإخوة والأخوات من الأم الواحدة ثم شمل التحريم بعد ذلك جميع الإخوة والأخوات الأباعد ثم زعموا أن أسرة الجيل هذه قد انقرضت. ٢ - أما أسرة الشركاء فقد كانت العلاقات الجنسية فيها مباحة للجميع في شراكة تامة بحيث أصبح الولد لا يعرف له أبا أكيدا. ومن هذه الأسرة انبثقت أسرة العشيرة. ٣ - أما الأسرة الزوجية فقد عرفت بمباشرة الرجل لزوجة واحدة في رباط زوجي ولكن تعدد الزوجات والخيانة الزوجية ظلتا من امتياز الرجل وأما المرأة فتطالب أن تكون على إخلاص تام للزوج فإذا زنت عوقبت عقابا شديدا وعند اختلاف الزوجين يرجع الأولاد إلى أبيهم كما كان الحال في السابق. ٤ - أما الأسرة الوحدانية فهي الأسرة التي تقوم على سيطرة الرجل لإنتاج أولاد لا يشك في صحة أبوتهم لكي يحصلوا على إرث مال أبيهم بعد وفاته، وفي هذه الأسرة يكون تسريح الزوجة أو عدمه بيد الرجل فقط وليس برضى الطرفين كما في رباط الزوجية السابق. وكانت الزيجة الوحدانية تقدما تاريخيا عظيما وزعموا أن الأسرة الوحدانية لم تقم على الأحوال الطبيعية التي كانت الأحوال الجنسية مشاعة بين الجميع، بل قامت على الأحوال الاقتصادية وانتصار الملكية الخاصة على الملكية العامة المشاعة. ولا شك أن القارئ يدرك تماما أن هذا التقسيم وهذا التنظيم إن هو إلا محض خيال وافتراء ومن العجيب أنهم يعترفون أن الناس في ذلك الزمن ما كانوا يعرفون الحضارة ولا التقدم ولا القراءة ولا الكتابة فمن أين لهم هذه السجلات التي استقوا منها هذه المعلومات الموغلة في القدم. ومن يصدق مثل هذه الترهات قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:١١١]. والإنسان في مفهومهم مرة يجعلونه بدائيا تافها بل حشرة من الحشرات ومرة يجعلونه أساس التطور حينما كان يعيش على نظام كل شيء مشاع ولهذا فهم يريدون أن يرجعوا الناس إلى تلك الحال التي يعبرون عنها بالحال السعيدة للمجتمع البشري والباطل لابد وأن يتناقض أهله فيه. فالأسرة في ظل الشيوعية كما عبر عنها "إنجلز" لا تسعد إلا في حال إلغاء الملكية الخاصة وذوبان الأفراد وكل مصالحهم في المجتمع العام وظهور شيوعية الجميع في الأموال والنساء والأطفال الذين تنتقل العناية بهم من الآباء والأمهات إلى المجتمع كله متمثلا في الدولة – أي إذا سادت الحياة البهيمية -.

стр. 705

يقول "إنجلز":"إن العلاقات بين الجنسين ستصبح مسألة خاصة لا تعني إلا الأشخاص المعنيين والمجتمع لن يتدخل فيها وهذا سيكون ممكنا بفضل إلغاء الملكية الخاصة وبفضل تربية الأولاد على نفقة المجتمع ونتيجة ذلك يكون أساسا الزواج الراهنان قد ألغيا فالمرأة لن تعود تابعة لزوجها، ولا الأولاد لأهلهم هذه التبعية التي ما تزال موجودة بفضل الملكية الخاصة". وقال أيضا:"فبانتقال وسائل الإنتاج إلى ملكية عامة لا تبقى الأسرة الفردية هي الوحدة الاقتصادية للمجتمع وينقلب الاقتصاد البيتي الخاص إلى صناعة اجتماعية وتصبح العناية بالأطفال وتربيتهم من الشؤون العامة فيعني المجتمع عناية متساوية بجميع الأطفال سواء أكانوا شرعيين أم طبيعيين وبذلك يختفي القلق الذي يستحوذ على قلب الفتاة من جراء العواقب التي هي في زماننا أهم حافز اجتماعي – اقتصادي وخلقي – يعوقها عن تقديم نفسها بلا حرج لمن تحب أفلن يكون هذا سببا كافيا لازدياد حرية الوصال الجنسي شيئا فشيئا ومن ثم لنشوء رأي عام أكثر تساهلا فيما يتعلق بشرف العذارى وعار النساء" (١). فانظر هذا الكلام الساقط كيف أراد أن يضحي بكل شيء في تغيير حياة البشر ويقلبها رأسا على عقب في سبيل أن يمحي من الأذهان شرف العذارى وعار النساء هذا هو الحل الذي اقترحه المجرم "إنجلز" في قضائه على الشرف والحياة والحشمة عند المرأة وهذا هو مبلغه وأشباهه من العلم وكأن الحياة كلها متوقفة على وجود حرية الاتصال الجنسي شيئا فشيئا إلى أن يتحول إلى رأي عام أكثر تساهلا فيه وعندها تتم السعادة ويمحى شيء اسمه العار أو الحياء أو الحشمة؟! وإذا كان يحصل هذا في المجتمع المتحرر عن الملكية الفردية فلا يرد عليه - في مفاهيم – المجتمع الزراعي وتعاون أهله فيما بينهم للضرورة إلى هذا الترابط الأسري لأن ترابط الأسرة في المجتمع الزراعي أمر بدهي يتطلبه الرغبة في إتقان العمل وزيادة الإنتاج الذي يحتاج بدوره إلى تكاتف الأيدي العاملة فهذا يحرث وذاك يحصد وهذا يقوم بعملية الري وذاك بتحسين المزروعات وآخر بتخزينها وهكذا تفرض عليهم هذه الحالة تكاتفا أسريا قويا ولكن حينما جاء المجتمع الصناعي تفكك أمر الأسرة وذلك لعدم الحاجة إلى ذلك التكاتف الذي نشأ في العهد الزراعي. فإن العمل في الصناعة يقوم على الفردية واستقلال كل شخص بعمله دون اشتراط وجود آخرين إلى جانبه فعمله خاص به وهو مسؤول عنه وحده ويأخذ أجره على العمل وحده كذلك، وهذا يشمل أيضا المرأة حينما تعمل.
следующие страницы →