← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 38740

شرح طيبة النشر للنويري

النويري، محب الدين

Полный текст (1 292 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

«فكلّ ما وافق وجه نحو ... » إلخ. وأدرج هذه الأوصاف فى حد القرآن، وحاصل كلامه: (١) القرآن كل كلام وافق وجها ما من أوجه النحو، ووافق الرسم ولو احتمالا، وصح سنده. وفى هذا التعريف نظر؛ لأن موافقة الرسم والعربية لم يقل أحد بأنها جزء للحد، بل منهم من قال: هى لازمة للتواتر؛ فلا حاجة لذكرها، وهم المحققون، ومنهم من قال: هى شروط لا بد من ذكرها، وأيضا فإن الوصف الأعظم فى ثبوت القرآن هو التواتر (٢). والناظم تركه واعتبر صحة سنده فقط، وهذا قول شاذ، وسيأتى كل ذلك. وإذا اجتمعت الأركان [الثلاثة فى قراءة] (٣)، فلا يحل إنكارها، بل هى من الأحرف السبعة [التى] (٤) نزل بها القرآن (٥)، ووجب على الناس قبولها، سواء نقلت عن السبعة أو العشرة (٦) أو غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الثلاثة أطلق عليها: ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أو عن أكثر منهم، هكذا قال الحافظ أبو عمرو الدانى (٧)، والإمام أبو محمد مكى (٨)، وأبو العباس المهدوى (٩)، وأبو شامة، وهو

стр. 107

مذهب السلف الذى لا يعرف عن أحد منهم خلافه. قال أبو شامة: فلا ينبغى أن يغتر بكل قراءة [تعزى لأحد السبعة ويطلق] (١) عليها لفظ الصحة إلا إن دخلت فى الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم (٢)، بل إن نقلت عن غير السبعة فذلك لا يخرجها عن الصحة؛ فإن الاعتماد على تلك الأوصاف لا على من تنسب إليه، فإن القراءات المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم، وكثرة الصحيح المجتمع (٣) عليه فى قراءتهم (٤)، تركن النفس لما نقل عنهم أكثر من غيرهم (٥). وقول (٦) الناظم- رضى الله عنه-: «وافق وجه نحو ... » يريد أن القراءة الصحيحة هى التى توافق وجها ما من وجوه النحو، سواء كان أفصح أو (٧) فصيحا، مجمعا (٨) عليه أو مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله، وهذا هو المختار عند المحققين من ركن موافقة العربية، فكم من قراءة أنكرها بعض النحاة أو كثير منهم ولم يعتبر إنكارهم، بل أجمع قدوة السلف على قبولها، كإسكان بارِئِكُمْ [البقرة: ٥٤] ونحوه، وسَبَإٍ ويا بُنَيَّ [لقمان: ١٣]، وَمَكْرَ السَّيِّئِ [فاطر: ٤٣] ونُنْجِي (٩) الْمُؤْمِنِينَ بالأنبياء [٨٨]. وجمع البزى (١٠) بين ساكنين فى تاءاته ومد أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ [إبراهيم: ٣٧].

стр. 108

قال الدانى بعد حكايته لإنكار سيبويه إسكان «بارئكم»: والإسكان أصح فى النقل وأكثر فى الأداء، وأئمة القراءة لا تعمل فى شىء من حروف القراءات على الأفشى فى اللغة والأقيس فى العربية، بل [على] (١) الأثبت فى الأثر، والأصح فى النقل والرواية إذا ثبتت (٢) عنهم، لا يردها قياس عربية، ولا فشو لغة؛ لأن القراءة (٣) سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها. وقوله: «وكان للرسم ... » إلخ، لا بد لهذا الشرط من مقدمة فأقول: [اعلم] (٤) أن الرسم [هو] (٥) تصوير الكلمة بحروف (٦) هجائها بتقدير الابتداء بها والوقف عليها، والعثمانى هو الذى رسم فى المصاحف العثمانية، وينقسم إلى قياسي: وهو ما وافق اللفظ، وهو معنى قولهم: «تحقيقا»، وإلى اصطلاحى: وهو ما خالف اللفظ، وهو معنى قولهم: «تقديرا»، وإلى احتمالى وسيأتى. ومخالفة الرسم للفظ محصورة فى خمسة أقسام، وهى: ١ - الدلالة على البدل: نحو الصِّراطَ [الفاتحة: ٦]. ٢ - وعلى الزيادة: نحو مالِكِ [الفاتحة: ٤]. ٣ - وعلى الحذف: نحو لكِنَّا هُوَ [الكهف: ٣٨]. ٤ - وعلى الفصل: نحو فَمالِ هؤُلاءِ [النساء: ٧٨]. ٥ - وعلى أن [الأصل] (٧) الوصل، [نحو] (٨) أَلَّا يَسْجُدُوا [النمل: ٢٥]. فقراءة الصاد، والحذف والإثبات، والفصل والوصل، خمستها وافقها الرسم تحقيقا، وغيرها تقديرا؛ لأن السين تبدل صادا قبل أربعة أحرف منها الطاء كما سيأتى، وألف مالِكِ (٩) [الفاتحة: ٤] عند [المثبت] (١٠) زائدة، وأصل لكِنَّا [الكهف: ٣٨] الإثبات، وأصل فَما لِ الفصل، وأصل أَلَّا يَسْجُدُوا [النمل: ٢٥] الوصل، وكل من الأقسام الخمسة فى حكم صاحبه، فالبدل فى حكم المبدل منه وكذا الباقى، وذلك ليتحقق الوفاق التقديرى؛ لأن اختلاف القراءتين إن كان يتغاير دون تضاد ولا تناقض فهو فى حكم

стр. 109

الموافق، وإن كان [بتضاد أو تناقض] (١) ففي حكم المخالف، والواقع: الأول فقط، وهو الذى لا يلزم من صحة أحد الوجهين [فيه] بطلان الآخر، وتحقيقه أن اللفظ تارة يكون (٢) له جهة واحدة فيرسم على وفقها، فالرسم هنا (٣) حصر (٤) جهة اللفظ بمخالفة مناقض، وتارة يكون له جهات (٥) فيرسم على أحدها (٦) فلا يحصر (٧) جهة اللفظ، واللافظ به موافق تحقيقا، وبغيره (٨) تقديرا؛ لأن البدل فى حكم المبدل منه، وكذا بقية (٩) [الخمسة] (١٠) والله أعلم. والقسم الثالث: ما وافق الرسم احتمالا، ويندرج فيه ما وقع الاختلاف فيه (١١) بالحركة والسكون؛ نحو الْقُدُسِ [البقرة: ٨٧] وبالتخفيف والتشديد؛ نحو ينشركم (١٢) بيونس [٢٢] وبالقطع والوصل عنه بالشكل (١٣) نحو أَدْخِلُوا بغافر [٤٠] وباختلاف الإعجام (١٤) نحو «يعملون» (١٥) و «يفتح» (١٦)، وبالإعجام [والإهمال] (١٧) نحو نُنْشِزُها [البقرة: ٢٥٩]، وكذا المختلف فى كيفية لفظها، كالمدغم والمسهّل [والممال] (١٨) والمرقق والممدود، فإن المصاحف العثمانية تحتمل هذه كلها؛ لتجردها عن أوصافها، فقول الناظم: «وكان للرسم احتمالا ... » دخل فيه ما وافق الرسم تحقيقا بطريق الأولى، وسواء وافق كل المصاحف أو بعضها، كقراءة ابن عامر: قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] وبالزبر والكتاب [آل عمران: ١٨٤] فإنه ثابت فى الشامى، وكابن كثير فى جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا بالتوبة [١٠٠]: فإنه ثابت فى المكى، إلى غير ذلك. وقوله: «احتمالا» يحتمل أن يكون جعله مقابلا للتحقيق؛ فتكون القسمة عنده ثنائية، [وهو] (١٩) التحقيق الاحتمالى (٢٠)، ويكون قد أدخل التقديرى فى الاحتمالى، وهو الذى فعله فى «نشره». ويحتمل أن يكون قد ثلّث القسمة ويكون حكم الأوّلين ثابتا بالأولوية، ولولا تقدير

стр. 110

موافقة الرسم للزم الكل مخالفة الكل فى نحو: «السموت» و «الصلحات» و «الليل». ثم إن بعض الألفاظ يقع فيه موافقة إحدى القراءتين أو القراءات تحقيقا والأخرى تقديرا، نحو ملك [الفاتحة: ٤]، وبعضها يقع (١) فيه موافقة القراءتين أو القراءات تحقيقا، نحو أَنْصارَ اللَّهِ [الصف: ١٤] وفَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: ٣٩]، وَيَغْفِرْ لَكُمْ [آل عمران: ٣١]، وهَيْتَ لَكَ [يوسف: ٢٣]. واعلم أن مخالف (٢) صريح الرسم فى حرف مدغم أو مبدل (٣) أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك، لا يعد مخالفا إذا أثبتت القراءة به ووردت مشهورة. ألا ترى أنهم لا يعدون إثبات ياءات الزوائد وحذف ياء تَسْئَلْنِي بالكهف [٧٠]، وقراءة وأكون من الصالحين [المنافقون: ١٠] ونحو ذلك من مخالفة (٤) الرسم المعهود؛ لرجوعه لمعنى واحد، وتمشية صحة القراءة وشهرتها بخلاف زيادة كلمة أو نقصانها وتقديمها وتأخيرها، حتى ولو كانت حرف معنى، فإن له حكم الكلمة، لا يسوغ مخالفة الرسم فيه، وهذا هو الحد الفاصل فى حقيقة اتباع الرسم ومخالفته (٥). وقوله: «وصح إسنادا» ظاهره أن (٦) القرآن يكتفى فى ثبوته (٧) مع الشرطين المتقدمين بصحة السند فقط، ولا يحتاج إلى تواتر، وهذا قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدّثين وغيرهم، كما ستراه إن شاء الله تعالى. ولقد ضل بسبب هذا القول قوم فصاروا يقرءون أحرفا لا يصح لها سند أصلا، ويقولون: التواتر ليس بشرط (٨)، وإذا طولبوا بسند صحيح لا يستطيعون ذلك، ولا بد لهذه المسألة من (٩) بعض بسط فأقول (١٠):

стр. 111

[إن] (١) القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة- منهم الغزالى (٢) وصدر الشريعة (٣) وموفق الدين المقدسى (٤) وابن مفلح (٥) والطوفى (٦) -: هو ما نقل بين دفتى

стр. 112

المصحف نقلا متواترا. وقال غيرهم: هو الكلام المنزل على رسول الله ﷺ للإعجاز بسورة (١) منه. وكل من قال بهذا الحد اشترط التواتر، كما قال ابن الحاجب رحمه الله تعالى، للقطع بأن العادة تقضى بالتواتر فى تفاصيل مثله. والقائلون بالأول لم يحتاجوا للعادة؛ لأن التواتر عندهم جزء من الحد؛ فلا يتصور (٢) ماهية القرآن إلا به، وحينئذ فلا بد من حصول التواتر عند أئمة المذاهب الأربعة، ولم يخالف منهم أحد فيما علمت بعد الفحص الزائد، وصرح به جماعات (٣) لا يحصون: كابن عبد البر (٤) وابن عطية (٥) وابن تيمية (٦) والتونسى فى تفسيره والنووى

стр. 113

والسبكى (١) والإسنوى والأذرعى (٢) والزركشى (٣) والدميرى (٤) والشيخ خليل (٥)

стр. 114

وابن الحاجب وابن عرفة (١) وغيرهم، ﵏. وأما القراء فأجمعوا فى أول الزمان على ذلك، وكذلك (٢) فى آخره، ولم يخالف من المتأخرين إلا أبو محمد مكى، وتبعه بعض المتأخرين وهذا كلامهم: قال الإمام [العالم] (٣) العلامة برهان الدين الجعبرى فى «شرح الشاطبية»: ضابط كل قراءة تواتر نقلها، ووافقت (٤) العربية مطلقا، ورسم المصحف ولو تقديرا، فهى من الأحرف السبعة، وما لا تجتمع (٥) فيه فشاذ. وقال فى قول الشاطبى (٦): ومهما تصلها مع أواخر سورة ... ... ... ... وإذا تواترت القراءة علم كونها (٧) من الأحرف السبعة. وقال أبو القاسم الصفراوى (٨) فى نهاية «الإعلان»: اعلم أن هذه السبعة أحرف (٩)

стр. 115

والقراءات المشهورة نقلت تواترا، وهى التى جمعها عثمان فى المصاحف وبعث (١) بها إلى الأمصار، وأسقط ما لم يقع الاتفاق على نقله ولم ينقل تواترا، وكان ذلك بإجماع من الصحابة (٢). ثم قال: فهذه أصول وقواعد تستقل (٣) بالبرهان على إثبات القراءات السبعة، والاعتماد

стр. 116

عليها والأخذ بها، وطرح (١) ما سواها. وقال الدانى- ﵀: وإن القراء السبعة ونظائرهم من الأئمة متّبعون فى [جميع] (٢) قراءاتهم الثابتة عنهم التى لا شذوذ فيها، ومعنى «لا شذوذ فيها» ما قاله (٣) الهذلى: ألا يخالف الإجماع. وقال [الإمام أبو الحسن] (٤) السخاوى- ﵀[إن] (٥) الشاذ مأخوذ من قولهم: شذ الرجل يشذ، ويشذ، شذوذا، إذا انفرد عن القوم واعتزل عن جماعتهم، وكفى بهذه التسمية تنبيها على انفراد الشاذ وخروجه عما عليه الجمهور، والذى لم يزل (٦) عليه الأئمة الكبار [و] (٧) القدوة فى جميع الأمصار من الفقهاء والمحدّثين وأئمة العربية: توقير القرآن، واتباع القراءة المشهورة، ولزوم الطرق المعروفة فى الصلاة وغيرها، واجتناب الشواذ (٨)؛ لخروجها (٩) عن إجماع المسلمين، وعن الوجه الذى ثبت (١٠) به القرآن وهو التواتر. وقال ابن مهدى (١١): لا يكون إماما فى العلم من أخذ بالشاذ. وقال خلاد بن يزيد الباهلى (١٢): قلت ليحيى بن عبد الله بن أبى مليكة (١٣): إن نافعا حدثنى عن أبيك عن عائشة (١٤) - رضى الله عنها- أنها كانت تقرأ تَلَقَّوْنَهُ [النور: ١٥]

стр. 117

وتقول: إنما هو ولق الكذب، فقال يحيى: ما يضرك ألا تكون سمعته (١) من عائشة، نافع ثقة على أبى، وأبى ثقة على عائشة، وما يسرنى أنى قرأتها هكذا (٢) ولي كذا وكذا. قلت: ولم وأنت تزعم (٣) أنها قالت؟ قال: لأنه (٤) غير قراءة الناس، ونحن لو وجدنا رجلا يقرأ بما ليس بين اللوحين ما كان (٥) بيننا وبينه إلا التوبة أو نضرب عنقه، نجيء (٦) به عن الأئمة عن الأمة عن النبى ﷺ عن جبريل عن الله وتقولون [أنتم] (٧): حدثنا فلان الأعرج (٨) عن فلان الأعمى، ما أدرى ماذا؟ وقال (٩) هارون: ذكرت ذلك لأبى عمرو- يعنى القراءة المعزوة إلى عائشة- فقال: قد سمعت قبل أن تولد، ولكنا لا نأخذ به (١٠). وقال محمد بن صالح (١١): سمعت رجلا يقول لأبى عمرو: كيف تقرأ: لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٥، ٢٦]؟ قال: لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ. فقال (١٢) الرجل: كيف وقد جاء عن النبى ﷺ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ فقال [له] (١٣) أبو عمرو: ولو سمعت الرجل الذى قال: سمعت النبى ﷺ ، ما أخذته (١٤) عنه، وتدرى لم ذلك (١٥)؟ لأنى أتهم الواحد الشاذ إذا كان على خلاف ما جاءت به الأمة. فانظر هذا الإنكار العظيم من أبى عمرو شيخ وقته فى القراءة (١٦) والأدب، مع أن القراءة (١٧) ثابتة أيضا بالتواتر، وقد يتواتر الخبر [أيضا] (١٨) عند قوم دون قوم، وإنما أنكرها أبو عمرو؛ لأنها لم تبلغه على وجه التواتر. وقال أبو حاتم (١٩) السجستانى (٢٠): أول من تتبع بالبصرة وجوه القرآن وألفها، وتتبع

стр. 118

الشواذ (١) منها [فبحث] (٢) عن إسنادها (٣)، هارون بن موسى الأعور، وكان من القراء، فكره الناس ذلك وقالوا: قد أساء (٤) حين ألفها؛ وذلك أن القراءة إنما يأخذها قرون وأمة [عن أفواه أمة] (٥)، ولا يلتفت منها إلى ما جاء من وراء ذلك (٦). وقال الأصمعى (٧) عن هارون المذكور: كان ثقة مأمونا. فانظر يا أخى- رحمك الله تعالى- حرص المتقدمين على كتاب الله تعالى والتزام نقل الأمة، حتى يقول أبو عمرو: لو (٨) سمعت الرجل الذى يقول: سمعت رسول الله ﷺ ، ما أخذته (٩). وكان إجماعهم منعقدا على هذا حتى أنكروا كلهم [على] (١٠) من ألفه مع اشتهار ثقته وعدالته، وأحبوا أن يضرب على ذلك، مع أنه جائز عند المتأخرين اتفاقا. وأما أبو شامة فقال فى «شرحه للشاطبية»: «وذكر المحققون من أهل العلم [بالقراءة] (١١) ضابطا حسنا فى تمييز ما يعتمد عليه من القراءات وما يطرح، فقالوا: كل قراءة ساعدها خطّ المصحف، مع صحة النقل فيها، ومجيئها على الفصيح من لغة العرب، فهى قراءة صحيحة معتبرة (١٢)، فإن اختل أحد هذه الأركان الثلاثة أطلق على تلك القراءة أنها شاذة ضعيفة (١٣)، وأشار إلى ذلك الأئمة المتقدمون، ونص على ذلك أبو محمد مكى فى تصنيف له مرارا، وهو الحق الذى لا محيد عنه، على تفصيل فيه (١٤) قد ذكرناه فى موضع غير هذا». انتهى. وكلامه صريح كما ترى فى أنه لم يجد نصّا بذلك لغير أبى محمد مكى، وحينئذ يجوز أن يكون الإجماع انعقد قبله، بل هو الراجح؛ لما تقدم من اشتراط الأئمة ذلك كأبى عمرو

стр. 119

ابن العلاء وأعلى منه، بل [هو] (١) الحق الذى لا محيد عنه، وكلام الأئمة المتقدم ليس فيه إشارة إلى شىء من ذلك، إنما فيه (٢) التشديد العظيم؛ مثل قولهم: إنما هو والله ضرب العنق أو التوبة (٣). ولو سلم عدم انعقاد (٤) الإجماع فلا يدل على الاكتفاء بثقة [عن] (٥) ثقة فقط، بل كل من تبعه قيد (٦) كلامه بأنه لا بد مع ذلك أن (٧) تكون مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له، غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ به بعضهم، فعلى هذا لا يثبت القرآن (٨) [بمجرد صحة السند؛ لأنه مخالف لإجماع المتقدمين والمتأخرين] (٩). فصل: إذا تقرر ما تقدم (١٠) علم أن الشاذ عند الجمهور: هو ما ليس بمتواتر، وعند مكى (١١) ومن وافقه: هو (١٢) ما خالف (١٣) الرسم أو العربية (١٤)، ونقل ولو بثقة عن ثقة، أو وافقهما (١٥) ونقل (١٦) بغير ثقة، أو بثقة لكن لم يشتهر. وأجمع الأصوليون والفقهاء والقراء وغيرهم على القطع بأن الشاذ ليس بقرآن؛ لعدم صدق حد القرآن عليه بشرطه (١٧): وهو التواتر، صرح بذلك الغزالى، وابن الحاجب فى كتابيه (١٨)، والقاضى عضد الدين (١٩) وابن الساعاتى (٢٠) والنووى، [وغيره ممن لا فائدة

стр. 120

فى عده (١) لكثرته، وكذلك] (٢) السخاوى فى «جمال القراء». فصل فى حصر المتواتر (٣) [فى العشر] (٤) أجمع (٥) الأصوليون والفقهاء على أنه لم يتواتر شىء مما زاد على القراءات العشرة، وكذلك (٦) أجمع عليه القراء أيضا إلا من لا يعتد بخلافه. قال الإمام [العلامة] (٧) شمس الدين بن الجزرى- ﵀ فى آخر الباب الثانى من «منجده»: فالذى (٨) وصل إلينا متواترا (٩) صحيحا (١٠) [أو] (١١) مقطوعا به قراءة الأئمة العشرة ورواتهم المشهورين، هذا الذى تحرر من أقوال العلماء، وعليه الناس اليوم بالشام والعراق ومصر. وقال فى أوله أيضا بعد أن قرر شروط القراءة: والذى جمع فى زماننا الأركان الثلاثة هو قراءة الأئمة (١٢) العشرة، التى (١٣) أجمع الناس على تلقيها. ثم عدّدهم (١٤)، ثم قال: وقول من قال: إن القراءات المتواترة لا حد لها، إن أراد فى زماننا فغير صحيح؛ لأنه لم يوجد اليوم قراءة متواترة وراء العشر (١٥)، وإن أراد فى الصدر الأول فيحتمل إن شاء الله تعالى. وقال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح (١٦): فما لم يوجد فيه ذلك كما عدا السبع (١٧) أو

стр. 121

كما عدا العشر (١)، يشير (٢) إلى التواتر (٣) وما معه. وقال العلامة تاج الدين السبكى- رحمه الله تعالى-: والصحيح أن الشاذ: ما وراء العشر (٤)، ومقابله أنه: ما وراء السبع، وهذا- أعنى حصر (٥) المتواتر (٦) فى السبع- هو الذى [عليه] (٧) أكثر الشافعية، صرح بذلك النواوى فى «فتاويه» [وغيرها] (٨)، وهو الذى اختاره (٩) [الشيخ] (١٠) سراج الدين البلقينى (١١) وولده (١٢) جلال الدين، وهو الذى أفتى (١٣) علماء العصر الحنفية [به] (١٤)، وهو ظاهر (١٥) كلام ابن عطية والقرطبى (١٦)، فإنهما قالا: ومضت الأعصار والأمصار على قراءة السبع، وبها يصلى؛ لأنها ثبتت

стр. 122

بالإجماع، وأما شاذ القراءة فلا يصلى به؛ وذلك لأنه لم يجمع الناس عليه والله أعلم. وقال [الإمام] (١) أبو شامة: واعلم أن القراءات الصحيحة المعتبرة المجمع عليها قد انتهت إلى القراء السبع، واشتهر نقلها عنهم؛ لتصديهم لذلك، وإجماع الناس عليهم، فاشتهروا بها كما اشتهر [فى كل علم] (٢) من الحديث والفقه والعربية أئمة اقتدى بهم وعول فيها عليهم، والله أعلم. فصل فى تحريم القراءة بالشواذ اعلم أن الذى استقرت عليه المذاهب وآراء العلماء أنه إن قرأ بها غير معتقد أنها قرآن، ولا موهم (٣) أحدا ذلك، بل لما فيها (٤) من الأحكام الشرعية عند من يحتج بها أو [الأحكام] (٥) الأدبية (٦) - فلا كلام فى جواز قراءتها (٧)، [وعلى هذا يحمل] (٨) حال كل (٩) من [قرأ بها] (١٠) من المتقدمين، وكذلك [أيضا] (١١) يجوز تدوينها فى الكتب والتكلم على ما فيها. وإن قرأها باعتقاد (١٢) قرآنيّتها [أو بإيهام قرآنيتها] (١٣) حرم ذلك. ونقل ابن عبد البر فى «تمهيده» إجماع المسلمين عليه. وقال الشيخ محيى الدين النووى- ﵀: ولا تجوز القراءة فى الصلاة ولا غيرها بالقراءات (١٤) الشاذة؛ لأنها ليست قراءة (١٥)؛ لأن القرآن لا يثبت (١٦) إلا بالتواتر [وكل (١٧) واحدة ثابتة بالتواتر] (١٨)، هذا هو الصواب الذى لا معدل (١٩) عنه، ومن قال غيره فغالط (٢٠) أو جاهل. وأما الشاذة (٢١) فليست (٢٢) متواترة، فلو (٢٣) خالف وقرأ بالشاذ (٢٤) أنكر عليه، سواء

стр. 123

[قرأ بها] (١) فى الصلاة (٢) أو غيرها، وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشاذ. ونقل ابن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ، وأنه لا يصلّى (٣) خلف من يقرأ (٤) بها، [وكذلك قال فى «الفتاوى» و «التبيان»] (٥). [قال] (٦): وقال العلماء: من قرأ بها: إن كان جاهلا بالتحريم عرّف، فإن عاد عزر تعزيرا بليغا إلى (٧) أن ينتهى عن [ذلك] (٨)، ويجب على كل مسلم قادر على الإنكار أن ينكر عليه. وقال الإمام فخر الدين (٩) فى [تفسيره] (١٠): اتفقوا على أنه لا يجوز فى الصلاة القراءة بالوجوه الشاذة. وقال [أبو عمرو] (١١) بن الصلاح فى «فتاويه»: وهو ممنوع من القراءة بما زاد على العشر منع تحريم لا منع كراهة (١٢)، فى الصلاة وخارجها، عرف المعنى أم لا، ويجب على كل أحد إنكاره، ومن أصر عليه وجب منعه وتأثيمه وتعزيره بالحبس وغيره، وعلى المتمكن من ذلك ألا يهمله (١٣). وقال السبكى فى «جمع الجوامع»: وتحرم القراءة بالشاذ، والصحيح (١٤) أنه: ما وراء العشرة، وكذلك صرح بالتحريم النشائى (١٥) فى «جامع المختصرات» والإسنوى،

стр. 124

والأذرعى، والزركشى، والدميرى، وغيرهم- رضى الله تعالى عنهم أجمعين- وكذلك الشيخ أبو عمر بن الحاجب قال فى جواب فتوى وردت عليه من بلاد العجم: لا يجوز أن يقرأ بالشاذ فى صلاة ولا غيرها، عالما كان (١) بالعربية أو جاهلا، وإذا قرأ بها قارئ [فإن كان] (٢) جاهلا بالتحريم عرّف به وأمر بتركها، وإن كان عالما أدّب بشرطه، وإن أصر (٣) على ذلك أدب على إصراره وحبس إلى أن يرتدع (٤) عن ذلك. وقال التونسى فى «تفسيره»: اتفقوا على منع القراءة بالشواذ. وقال ابن عبد البر فى أحرف من الشواذ: روى عن بعض المتقدمين القراءة بها، وذلك محمول عند أهل العلم اليوم على القراءة فى غير الصلاة على وجه التعليم، والوقوف على ما روى من علم الخاصة، والله أعلم. [وكذلك أفتى علماء العصر من الحنفية بتحريم ما زاد على السبع وتعزير قارئها والله أعلم] (٥). فصل: فى صحة الصلاة بها أما الحنفية: فالذى أفتى به علماؤهم بطلان الصلاة إن غيّر المعنى، وصحتها إن لم يغير (٦). وقال السرخسى (٧) فى «أصوله»، بعد أن قرر أن القرآن لا بد من تواتره: ولهذا قال الأئمة (٨): لو صلى بكلمات تفرد (٩) بها ابن مسعود لم تجز صلاته؛ لأنه لم يوجد فيه النقل المتواتر، وبأن (١٠) القرآن (١١) باب يقين (١٢) وإحاطة؛ فلا يثبت بدون النقل المتواتر (١٣) كونه قرآنا، وما لم يثبت أنه قرآن فتلاوته فى الصلاة كتلاوة خبر؛ فيكون مفسدا للصلاة.

стр. 125

وأما المالكية: فقال ابن عبد البر فى «تمهيده»: قال مالك: من قرأ بقراءة ابن مسعود أو غيره من الصحابة، مما يخالف (١) المصحف، لم يصلّ وراءه، وعلماء المسلمين مجمعون على ذلك، وقال مالك فى «المدونة»: من صلى بقراءة ابن مسعود أعاد أبدا. قال (٢) الشيخ أبو بكر الأبهرى (٣): لأنها نقلت نقل آحاد، [ونقل الآحاد] (٤) غير مقطوع به، والقرآن إنما يؤخذ بالنقل المقطوع، وعلى هذا فكل (٥) قراءة نقلت نقل آحاد تبطل بها الصلاة، ومثله قول ابن شاس (٦): ومن قرأ بالقراءة (٧) الشاذة لم يجزه (٨)، ومن ائتم به أعاد أبدا، وقال ابن الحاجب: ولا يجزئ (٩) بالشاذ ويعيد أبدا. وأما الشافعية: فقال النووى فى «الروضة»: وتصح بالقراءة الشاذة إن (١٠) لم يكن فيها تغيير معنى ولا زيادة حرف ولا نقصانه، وهذا هو المعتمد (١١) وبه الفتوى. وكذا ذكر (١٢) فى «التحقيق» حيث قال: تجوز القراءة بالسبع دون الشواذ، فإن قرأ بالشاذ صحت صلاته إن لم يغير معنى ولا زاد حرفا ولا نقص. وكذا قال (١٣) الرويانى (١٤) فى «بحره»: إن لم يكن فيها تغيير معنى لم تبطل، وإن كان

стр. 126

فيها زيادة كلمة أو تغيير معنى فتلك القراءة تجرى مجرى أثر عن الصحابة أو خبر عن النبى ﷺ ، فإن كان عمدا بطلت صلاته، أو سهوا سجد للسهو. قال الزركشى: وينبغى أن يكون هذا التفصيل فى غير الفاتحة؛ ولهذا قال الجزرى فى «فتاويه»: إن كان فى الفاتحة فلا تجزئ؛ لأنا نقطع بأنها ليست من القرآن، والواجب قراءة الفاتحة لا غيرها، بخلاف السورة. والله أعلم. فصل: لا بأس بذكر أجوبة بعض علماء العصر فى هذه المسألة (١): أجاب الإمام العلامة [حافظ العصر (٢) شهاب الدين] (٣) بن حجر (٤): [الحمد لله، اللهم اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك] (٥) نعم تحرم القراءة بالشواذ، وفى الصلاة أشد، ولا نعرف خلافا عن (٦) أئمة الشافعية فى تفسير الشاذ: أنه (٧) ما زاد على العشر، بل منهم من ضيق فقال: ما زاد على السبع. وهو إطلاق الأكثر منهم، ولا ينبغى للحاكم- خصوصا إذا كان قاضى الشرع- أن يترك من يجعل ذلك ديدنه، بل يمنعه بما يليق به، فإن أصر فبما هو أشد من ذلك، كما

стр. 127

فعل السلف بالإمام أبى بكر بن شنبوذ (١) مع جلالته؛ فإن الاسترسال فى ذلك غير مرضى ويثاب (٢) أولياء الأمور [أيدهم الله تعالى] (٣) على ذلك صيانة لكتاب الله . والله أعلم. [و] (٤) كتبه أحمد بن على بن حجر، عفا الله تعالى عنه، آمين. [ثم استفتى ثانيا بعد وقوع خبط كثير من أهل عصره؛ فكتب: الحمد لله، اللهم اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك. الذى أختاره فى ذلك ما قاله الشيخ تقى الدين السبكى؛ فإنه حقق المسألة وجمع بين كلام الأئمة، وأما ما قاله الشيخ تقى الدين بن تيمية فى ذلك فليس على إطلاقه، بل يعارضه نقل ابن عبد البر وغيره الإجماع على مقابله، وكلاهما إطلاق غير مرض، وقد أطبق أئمة الفقه والأصول فى كتبهم عند ذكر الشواذ بأن فسروها بما زاد على القراءة السبع، وقليل من حذاق متأخريهم ضبطها بما زاد على العشر، والسبب فى قصرهم ذلك عليها: أنها لا توجد فيما رواها إلا النادر فاغتفر ذلك رعاية للضبط وحذرا من الدعوى، ومن اقتصر من الشروط على ما يوافق رسم المصحف فقط فهو مخطئ؛ لأن الشرط الثانى وهو أن يوافق فصيحا فى العربية لا بد منه؛ لأن القرآن وإن كان لا يشترط فى كل فرد منه أفصح فلا بد من اشتراط الفصيح. والشرط الثالث لا بد منه وهو أن يثبت النقل بذلك عن إمام من الأئمة الذين انتهت إليهم المعرفة بالقراءة، وإلا كان كل من سمع حرفا يقرأ به ويسميه قرآنا، وفى هذا اتساع غير مرض، وهذا وارد على إطلاق الهذلى (٥): ما من قراءة ... إلى آخر كلامه، لكنه قيد كلامه بقيد حسن، وهو ألّا يخالف الإجماع وهذا لا بد منه، والنقل موجود عن الأئمة للرجوع إليهم فى ذلك بالذى قلته، فمنه ما قال أبو طالب-

стр. 128

هو عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبى هاشم (١) صاحب ابن مجاهد- فى أول كتابه «البيان عن اختلاف القراءة» وقد تبع تابع فى عصرنا فزعم أن كل من صح عنده وجه فى العربية بحرف من القراءات يوافق خط المصحف، فقراءته به جائزة فى الصلاة وغيرها، فابتدع بدعة ضل بها ... إلى أن قال: وقد قام أبو بكر بن مجاهد على أبى بكر بن مقسم (٢) وأشهد عليه بترك ما ارتكبه واستوهب ذنبه من السلطان عند توبته. انتهى ملخصا. وأشار بذلك إلى النحوى أبى بكر محمد بن الحسن بن مقسم؛ فإن قضيته بذلك مع ابن مجاهد مشهورة وظن بعض المتأخرين أنه عنى بذلك أبا الحسن بن شنبوذ، وهو خطأ؛ فإن بن شنبوذ كان فيما أنكروه عليه من المخالفة قراءته بأشياء تخالف المصحف مثل (فامضوا) بدل فَاسْعَوْا [الجمعة: ٩]، وأما ابن مقسم فشرط موافقة رسم المصحف، لكن استجاز القراءة بما لم ينقل عمن تقدمه إذا جمع الأمرين اللذين ذكرهما فأخل ببعض الشروط فنسب إلى البدعة، والشرط الذى أخل به يحتوى على شرطين، وهما: النقل المذكور، وأن يكون ثابتا إلى إمام مشهور بالقراءة. فإذا تقرر هذا فالقراءة المنسوبة إلى الحسن البصرى مثلا إذا وجد فيها ما يوافق رسم المصحف والفصيح من العربية، لا بد من صحة النقل عنه، ولا يكفى وجود نسبتها إليه فى كتاب ما على لسان شيخ ما، وكل ما كان من هذا القبيل فى حكم المنقطع؛ فلا يجوز أن يسمى قرآنا. وقد اشتهر فى عصرنا الإقراء برواية منسوبة إلى الحسن البصرى، كان شيخنا فخر الدين

стр. 129

البلبيسى (١) إمام الجامع الأزهر- نضر الله وجهه- يسندها عن شيخه المجد الكفتى (٢) عن ابن نمير السراج (٣) بسنده إلى الحسن البصرى، مع أن فى إسناده المذكور الأهوازى (٤) وهو أبو على الحسن بن على الدمشقى أحد القراء المشهورين المكثرين لكنه متهم فى نقله عن جماعة عن الشيخ، وقد ذكر له ابن عساكر الحافظ فى تاريخه ترجمة كبيرة ونقل تكذيبه فيها عن جماعة، ومن كان بهذه المثابة لا يحتج بما تفرد به، فضلا عن أنه يدعى أن مقطوع به، ومن ادعى طريقا غير هذه إلى الحسن فليبرزها؛ فإن التجريح والتعديل مرجعه إلى أئمة النقل لا إلى غيرهم. وقد وجد فيما نقل من هذه الطرق عن الحسن عدة أحرف أنكرها بعض من تقدم ممن جمع الحروف، كأبى عبيد والطبرى.

стр. 130

وبهذا التفصيل تبين عذر الأئمة فى عدهم الشاذ ما زاد على العشرة؛ لندور أن يكون فى الزائد عليها ما يجمع الشروط، ولا سيما إذا روعى قول الهذلى: ألا يخالف الإجماع، أى: لا يوجد عند أحد إلا عند ذلك القارئ. وانظر قول الشيخ تقى الدين بن تيمية المبدّأ به حيث قيد جواز القراءة بقراءة الأعمش مثلا: أن تثبت عند القارئ كما تثبت عنده قراءة حمزة والكسائى، فإن هذا الشرط الذى أشار إليه متعذر الوفاء؛ لأن قراءة حمزة والكسائى قد رويتا من طرق متعددة إليهما لا تدانيهما فى ذلك القراءة المنسوبة إلى الأعمش، لا من حيث كثرة الطرق إليهما، ولا من حيث ما حصل لقراءتهما من التلقى بالقبول من بعد عصر الأئمة المجتهدين من أول القرن الرابع، وهلم جرّا. وانظر تقييد الدانى بقوله: التى لا شذوذ فيها، فإنه ينبغى تفسيره بما أشار إليه الهذلى من مراعاة الإجماع، والعمدة فيما ذكرته إطباق أئمة الفقه والأصول على أن الشاذ لا يجوز تسميته قرآنا، والشاذ ما وراء العشرة على المختار، فهذا هو المعتمد؛ لأن الرجوع فى الجواز وعدم الجواز إنما هو حق لأئمة الفقه الذين يفتون فى الحلال والحرام، ثم اقتضى التحقيق اعتبار الشروط فى المنقول عن العشرة بل وعن السبعة، وإلى ذلك يشير قول الشيخ تقى الدين السبكى فى آخر كلامه؛ فلذلك اخترت الاعتماد عليه، وقد ذكر الشيخ أبو شامة فى كتابه «المرشد» - وهو ممن كان اجتمع له التقدم فى الفقه والحديث والقراءات- فصلا فى ذلك مبسوطا فى شرح ما ذكرته وما ذكره الشيخ تقى الدين السبكى، وهذا نصه: فصل: واعلم أن القراءات الصحيحة المعتبرة المجمع عليها قد انتهت إلى القراء السبعة المتقدم ذكرهم، واشتهر نقلها عنهم؛ لتصديهم لذلك وإجماع الناس عليهم، فاشتهروا بها كما اشتهر فى كل علم من الحديث والفقه والعربية أئمة اقتدى بهم وعول فيه عليهم، ونحن وإن قلنا: إن القراءات الصحيحة إليهم نسبت وعنهم نقلت، فلسنا ممن يقول: إن جميع ما روى عنهم يكون بهذه الصفة به، بل قد روى عنهم ما يطلق عليه أنه ضعيف؛ لخروجه عن الضابط باختلال بعض الأركان الثلاثة، ولا ينبغى أن يغترّ بكل قراءة نقلت تعزى إلى واحد من هؤلاء ويطلق عليها لفظ الصحة، إلا إذا دخلت فى ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره. والحاصل أن القراءات المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه فى قراءاتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما تركن إلى ما ينقل عن غيرهم.

стр. 131

ثم ختم كلامه، بأن قال: والمأمور باجتنابه من ذلك، ما خالف الإجماع لا ما خالف شيئا من الكتب المشهورة، ثم نقل عن الشيخ أبى الحسن السخاوى أنه قال: لا تجوز القراءة بشيء مما خرج عن الإجماع، ولو كان موافقا للعربية وخط المصحف وإن كانت نقلته ثقات؛ لأنه جاء من طريق الآحاد، وتلك الطريق لا يثبت بها القرآن، وأما إن نقله من لا يعتد بنقله ولا يوثق بخبره، فهو مردود ولا يقبل، ولو وافق العربية. فهذا كلام أئمة الفقه والقراءات لا يخالف بعضه بعضا، فمن خالف ما استقر عليه رأيهم منع وردع بما يليق به والله أعلم] (١). وكتب (٢) الشيخ العلامة [المحقق] (٣) سعد الدين [بن] (٤) الديرى (٥): الحمد لله الهادى للحق: لا يجوز اعتقاد القرآنية فى الشواذ التى لم تنقل بالشهرة والتواتر، ويحرم إيهام السامعين قرآنيتها لا سيما [إذا كان ذلك] (٦) فى الصلاة، وإنما يقرأ بالشواذ حيث لا يوهم أنها من القرآن، ولو قرأ [بها] (٧) [فى الصلاة] (٨) بما (٩) يوجب تغيير المعنى أوجب فساد الصلاة، وما زاد على السبع فهو فى حكم الشاذ [فى هذا الحكم] (١٠)، وإن تفاوتت طرق نقله واختلف حكمه من وجه آخر، وإذا (١١) نهى عن أدائها مع إيهام أنها من القرآن فلم (١٢) ينته وجب الإنكار عليه (١٣) ومقابلته بما فيه له الازدجار. وأطال فى ذلك، وكلامه وكلام غيره [من] (١٤) العلماء مذكور فى كتابى [المسمى ب «القول الجاذ لمن قرأ بالشواذ» هذا تنبيه جليل لا يحققه إلا القليل] (١٥).

стр. 132

تنبيه: لا يقال: فعلى اعتبار شرط التواتر تمتنع القراءة بالقياس؛ لأنا نقول: لما كان اعتماد القراء على نقل القراءة خاصة أجمعوا على منعها بالقياس المطلق: وهو الذى ليس له أصل فى القراءة يرجع إليه ولا ركن وثيق فى الأداء يعتمد عليه، كما روى عن عمر، وزيد، وابن المنكدر (١)، وعروة (٢)، وابن عبد العزيز، وعامر الشعبى أنهم قالوا: القراءة سنة متبعة فاقرءوا كما علّمتموه. وإن كان على إجماع (٣) انعقد أو أصل (٤) يعتمد، فيصار (٥) إليه عند عدم النص وغموض وجه الأداء؛ فإنه مما يسوغ (٦) قبوله ولا ينبغى رده، لا سيما إذا دعت الضرورة ومست الحاجة إليه (٧) [مما يقوى وجه الترجيح ويعين على وجه التصحيح] (٨)، [بل] (٩) لا يسمى ما كان كذلك قياسا على الوجه الاصطلاحى، [بل هو فى التحقيق] (١٠) نسبة جزئى إلى كلى، [كمثل ما اختير] (١١) فى تخفيف (١٢) بعض الهمزات [وإثبات البسملة وعدمها] (١٣) ونقل كِتابِيَهْ إِنِّي [الحاقة: ١٩ - ٢٠]، وقياس إدغام قالَ رَجُلانِ [المائدة: ٢٣] وقالَ رَجُلٌ [غافر: ٢٨] على قُلْ رَبِّ [المؤمنون: ٩٣] كما ذكره الدانى وغيره، وإليه (١٤) أشار مكى فى «التبصرة» حيث قال: فجميع (١٥) ما ذكرنا ينقسم ثلاثة أقسام:

стр. 133

قسم قرأت به ونقلته، وهو منصوص (١) فى الكتب. وقسم قرأت به وأخذته لفظا أو سماعا، وهو غير موجود فى الكتب. وقسم لا قرأت به ولا وجدته فى الكتب، ولكن (٢) قسمته على ما قرأت به إذ لا يمكن فيه إلا ذلك عند عدم الرواية، وهو الأقل، [قال الجعبرى عند قول الشاطبى: وما لقياس فى القراءة مدخل فى باب «مذاهبهم فى الراءات»، مع قوله فى الإمالة: «واقتس لتنضلا» أى: لتغلب، يقال: ناضلهم فنضلهم: إذا رماهم فغلبهم فى الرمى؛ فأمر به ونهى عنه، قال فى الجواب عنه: هذا من قبيل المأمور به المنهى عنه، ومعناه: إذا عدم النص على عينه فيحمل على نظيره الممثل به فانظره. قلت (٣): وكذا الأوجه التى يقرأ بها بين السور وغيرها؛ فإنه قياس رجع الإجماع إليه حتى عاد أصلا يعتمد عليه، وهى موافقة للرسم وللوجه العربى ونقلت عن المتقدمين. والله أعلم] (٤). قال المصنف: وقد زل بسبب ذلك قوم (٥) فأطلقوا قياس ما لا يروى على ما روى، وما له (٦) وجه ضعيف على [الوجه] (٧) القوى، كأخذ بعض الأغبياء بإظهار الميم المقلوبة من النون والتنوين (٨). ولا يسع (٩) هذا التعليق أكثر من هذا. وبالله التوفيق [والهداية] (١٠). ثم عطف فقال: ص: فكن على نهج سبيل السّلف ... فى مجمع عليه أو مختلف ش: الفاء سببية، و (على) ومتعلّقه (١١) خبر (كان)، و (سبيل السلف): طريقهم، و (النهج): الطريق المستقيم، وإضافته للسبيل من إضافة الخاص للعام، و (فى مجمع) متعلق (١٢) ب (نهج)، و (عليه) يتعلق ب (مجمع)، و (مختلف) عطف [على (مجمع)] (١٣)،

стр. 134

أى: بسبب ما تقدم كن أيها القارئ على طريق (١) السلف فى كل مقروء، سواء كان مجمعا عليه أو مختلفا فيه، واعتقد ذلك ولا تخرج عنه تصادف رشدا. ثم شرع فى سبب اختلاف القراء فى القراءة، فقال: ص: وأصل الاختلاف أنّ ربّنا ... أنزله بسبعة مهوّنا ش: الواو للاستئناف و (أصل) مبتدأ، و (الاختلاف) مضاف إليه، والخبر (أنّ) ومعمولاها، و (بسبعة) يتعلق ب (أنزل)، و (مهونا) حال من فاعل (أنزل) أو مفعوله. أى: وأصل اختلاف القراء (٢) فى ألفاظ القرآن إنزال الله تعالى له على سبعة أحرف؛ طلبا للتخفيف والتهوين على الأمة، وهو المراد بقوله ﷺ : «إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف» كما سيأتى، ثم ذكر ما المراد بالأحرف فقال: وفى لفظ الترمذى عن أنس قال: لقى جبريل ﵇ رسول الله ﷺ عند أحجار المراء (٣)، فقال رسول الله ﷺ لجبريل: «إنّى بعثت إلى أمة أمّيين فيهم الشّيخ الفانى، والعجوز (٤) الكبيرة، والغلام. قال: فمرهم فليقرءوا (٥) القرآن على سبعة أحرف» (٦)، وفى لفظ لأبى بكرة (٧): «كلّ شاف، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب، وهو كقولك: هلم وتعال، وأقبل وأسرع، واذهب واعجل» (٨). وفى لفظ لعمرو بن العاص (٩): «وأىّ ذلك قرأتم فقد أصبتم، ولا

стр. 135

تماروا فيه؛ فإنّ المراء فيه كفر» (١). ص: وقيل فى المراد منها أوجه ... وكونه اختلاف لفظ أوجه ش: (قيل): [فعل] (٢) مبنى للمفعول، والنائب: (أوجه)، و (كونه) مبتدأ مضاف إلى الاسم، والخبر: (اختلاف لفظ)، وخبر المبتدأ: (أوجه). اعلم- وفقنى الله وإياك- أن المصنف ذكر هنا (٣) الحديث الذى هو سبب اختلاف القراء، وهو حديث عظيم وحق له ذلك؛ لما يترتب عليه ويحتاج إلى ذكره، والكلام عليه على وجه مختصر لأنه مقصودنا، فنقول: قال رسول الله ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف» (٤) وهو متفق عليه، وهذا لفظ البخارى، وفى [لفظ] (٥) مسلم عن أبىّ أن النبى ﷺ كان عند أضاة بنى غفار، فأتاه جبريل- ﵇ فقال: «إنّ الله يأمرك أن تقرئ أمّتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومعونته، وإنّ أمتّى لا تطيق ذلك، ثمّ أتاه الثّانية على حرفين، فقال له مثل ذلك، ثمّ أتاه الثّالثة مثل ذلك، فقال له مثل ذلك، ثمّ أتاه الرّابعة فقال: إنّ الله يأمرك أن تقرئ أمّتك القرآن على سبعة أحرف، فأيّما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا» (٦). وقد نص الإمام الكبير أبو عبيد القاسم بن سلام (٧) على أن هذا الحديث متواتر عن النبى ﷺ ،

стр. 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 138

وقد رواه عمر وهشام (١) وعبد الرحمن بن عوف (٢) وأبى بن كعب وابن

стр. 139

مسعود (١) ومعاذ بن جبل (٢) وأبو هريرة (٣) وابن عباس (٤) وأبو سعيد الخدرى (٥) وحذيفة (٦) وأبو بكرة (٧) وعمرو بن العاص (٨) وزيد بن أرقم (٩) وأنس (١٠)

стр. 140

وسمرة (١) وعمر بن أبى سلمة (٢) وأبو جهيم (٣) وأبو طلحة الأنصارى (٤) وأم أيوب الأنصارية (٥). وروى أبو يعلى الموصلى أن عثمان قال يوما على المنبر: أذكر بأن رجلا سمع النبى ﷺ قال: «إنّ القرآن نزل ... » (٦) الحديث، فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا أنه قاله، فقال عثمان: وأنا أشهد معكم. والكلام عليه من عشرة أوجه: الأول- فى سبب وروده على سبعة [أحرف] (٧): وهو التخفيف على هذه الأمة، وإرادة [الله] (٨) اليسر بها، وإجابة لمقصد (٩) نبيها ﷺ

стр. 141

حيث قال: «أسأل الله معافاته» كما تقدم. وفى الصحيح أيضا: «إنّ ربّى أرسل إلىّ أن اقرءوا (١) القرآن على حرف، فرددت عليه أن هوّن على أمّتى. ولم (٢) يزل يردد (٣) حتّى بلغ سبعة أحرف». كما ثبت أن القرآن أنزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف، وأن الكتاب الذى (٤) قبله كان ينزل (٥) من باب واحد على حرف واحد؛ وذلك أن الأنبياء- ﵈ كانوا يبعثون إلى قومهم والنبى ﷺ بعث إلى جميع الخلق، وكانت لغة العرب الذين (٦) نزل القرآن بلغتهم مختلفة، ويعسر على أحدهم الانتقال من لغته إلى غيرها، بل من حرف إلى آخر ولو بالتعليم والعلاج، لا سيما الشيخ والمرأة ومن لم يقرأ كتابا كما فى الحديث المتقدم. ولذلك اختلفوا فى جواز القراءة بغير لغة العرب على أقوال، ثالثها: إن عجز عن العربى جاز وإلا فلا. قال ابن قتيبة (٧): من تيسير الله تعالى أن أمر نبيه ﷺ بأن يقرئ (٨) كل أمة بلغتهم؛ فالهذلى يقرأ: عتى حين [المؤمنون: ٢٥]، والأسدي تِعلمون وتِعلم/ وأ لم إعهد [يس: ٦٠] [والتميمى] (٩) يهمز، والقرشى لا يهمز، والآخر [يقرأ] (١٠) قِيلَ لَهُمْ [البقرة: ١١]، وَغِيضَ الْماءُ [هود: ٤٤] بإشمام الكسر وما لَكَ لا تَأْمَنَّا [يوسف: ١١] بإشمام الضم. انتهى. [ومنهم من] (١١) يقرأ عليهمُ بالصلة، وغيره بالضم، وهذا ينقل، وهذا يميل، وهذا يلطّف، إلى غير ذلك، ولو أراد كل فريق أن ينتقل عما جرت عادته به (١٢) لشق ذلك عليه؛

стр. 142

فأراد الله تعالى برحمته التوسعة لهم فى اللغات كتيسيره عليهم فى الدين. الثانى (١) فى معنى الأحرف: قال أهل اللغة: حرف كل شىء: طرفه، ووجهه، وحافته، وحده، وناحيته، والقطعة منه. والحرف أيضا: واحد حروف التهجى. قال الدانى: تحتمل (٢) الأحرف هنا وجهين: أحدهما: أن القرآن أنزل على سبعة أوجه (٣) من اللغات؛ لأن الحرف يراد به الوجه؛ كقوله تعالى: مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ [الحج: ١١] أى: وجه مخصوص: وهو النعمة والخير وغيرهما، فإذا استقامت له اطمأن وعبد الله، وإذا تغيرت عليه ترك العبادة. والثانى: أنه سمى القراءات (٤) أحرفا على طريق السعة (٥)، كعادة العرب فى تسميتهم الشيء باسم ما هو منه وما قاربه وجاوره (٦)، فسمى القراءة (٧) حرفا، وإن كان كلاما (٨) كثيرا؛ من أجل [أن منها] (٩) حرفا قد غير نظمه، أو كسر، أو قلب إلى غيره، أو أميل (١٠)، أو زيد، أو نقص منه، على ما جاء فى المختلف فيه من القراءة، فسمى القراءة إذا كان ذلك الحرف منها حرفا. قال الناظم: والأول يحتمل (١١) احتمالا قويّا فى قوله ﷺ : «سبعة أحرف» أى: [سبعة] (١٢) أوجه وأنحاء. والثانى يحتمل (١٣) [احتمالا] (١٤) قويّا فى قول عمر: سمعت هشاما يقرأ سورة الفرقان على حروف كثيرة، [أى على قراءات كثيرة] (١٥)، وكذا قوله فى الرواية الأخرى: سمعته يقرأ فيها أحرفا (١٦).

стр. 143

الثالث: ما المقصود بهذه السبعة ؟ فأقول: أجمعوا أولا على أن المقصود ليس هو أن يقرأ الحرف الواحد على سبعة أوجه (١)؛ إذ لا يوجد ذلك إلا فى كلمات يسيرة نحو أُفٍّ [الإسراء: ٢٣] ولِجِبْرِيلَ [البقرة: ٩٧] وهَيْهاتَ [المؤمنون: ٣٦] وهَيْتَ [يوسف: ٢٣] وعلى أنه ليس المراد بالسبعة: هؤلاء المشهورين؛ لعدم وجودهم فى ذلك الوقت. ثم اختلفوا فقال أكثرهم: هى لغات، ثم اختلفوا فى تعيينها: فقال أبو عبيد: (قريش) و (هذيل) و (ثقيف) و (هوازن) و (كنانة) و (تميم) و (اليمن). وقال غيره: خمس لغات فى أكناف هوازن: (سعد) و (ثقيف) و (كنانة) و (هذيل) و (قريش)، ولغتان على جميع ألسنة العرب.

стр. 144

وقال الهروى: سبع لغات من لغات العرب، أى: أنها متفرقة فى القرآن، فبعضه بلغة (قريش)، وبعضه بلغة (هذيل)، وبعضه بلغة (هوازن)، وبعضه بلغة (اليمن). وفى هذه الأقوال كلها نظر؛ فإن عمر وهشاما اختلفا فى سورة الفرقان، وكلاهما قرشيان من لغة واحدة. وقيل: المراد بها: معانى الأحكام كالحلال، والحرام، والمحكم والمتشابه، والأمثال، والإنشاء، والإخبار. وقيل: الناسخ، والمنسوخ، والخاص والعام، والمجمل، والمبين، والمفسر. وقيل: الأمر، والنهى، والطلب، والدعاء والخبر، والاستخبار، والزجر (١). وقيل: الوعد، والوعيد، والمطلق والمقيد، والتفسير (٢)، والإعراب، والتأويل. وفى هذه الأقوال أيضا نظر؛ فإن سببه- وهو اختلاف عمر وهشام- لم يكن إلا فى قراءة حروفه، لا فى تفسيره ولا أحكامه. فإن قلت (٣): فما تقول فيما رواه الطبرانى (٤) من حديث عمر بن أبى سلمة (٥) المخزومى أن النبى ﷺ قال لابن مسعود: «إنّ الكتب كانت تنزل من السّماء من باب واحد (٦)، وإنّ القرآن أنزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف: حلال، وحرام، ومتشابه، وضرب أمثال، وأمر، وزجر (٧) ... » الحديث (٨). فالجواب: إما بأن هذه السبعة غير السبعة التى فى تلك الأحاديث؛ لأنه فسرها، وقال فيه: فأحل حلاله، وحرم حرامه، ثم أكده بالأمر فقال فيه: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [آل عمران: ٧]. أو بأن السبعة فيهما متحدان، ويكون قوله: «حلال وحرام» تفسيرا للسبعة الأبواب، أو بأن قوله: «حلال وحرام ... » إلخ، لا تعلق له بالسبعة، بل إخبار عن القرآن، أى: هو كذا وكذا، واتفق كونه بصفات سبع كذلك (٩).

стр. 145

_________ وقيل: ناسخ ومنسوخ وخاص وعام ومجمل ومبين ومفسر. وقيل: أمر ونهى وطلب ودعاء وخبر واستخبار وزجر. وقيل: وعد ووعيد ومطلق ومقيد وتفسير وإعراب وتأويل. وهذه الأقوال الأربعة الأخيرة حكاها ابن الجزرى فى النشر. وقيل: المطلق والمقيد، والعام والخاص، والنص والمؤول، والناسخ والمنسوخ، والمجمل والمفصل، والاستثناء، والأقسام. حكاه شيذلة عن الفقهاء. وقيل: الحذف والصلة والتقديم والتأخير، والاستعارة والتكرار والكناية والحقيقة والمجاز، والمجمل والمفصل، والظاهر والغريب. حكاه شيذلة عن أهل اللغة. وقيل: التذكير والتأنيث، والشرط والجزاء، والتصريف والإعراب، والأقسام وجوابها، والجمع والإفراد، والتصغير والتعظيم، واختلاف الأدوات. حكاه عن النحاة. وقيل: سبعة أنواع من المعاملات: الزهد والقناعة مع اليقين والجزم، والخدمة مع الحياء، والكرم والفتوة مع الفقر، والمجاهدة والمراقبة مع الخوف والرجاء، والتذرع والاستغفار مع الرضا، والشكر والصبر مع المحاسبة، والمحبة والشوق مع المشاهدة. حكاه عن الصوفية. وقيل: سبعة علوم: علم الإنشاء والإيجاد، وعلم التوحيد والتنزيه، وعلم صفات الذات، وعلم صفات الفعل، وعلم صفات العفو والعذاب، وعلم الحشر والحساب، وعلم النبوات. وحكى ابن حبان أقوالا ونقلها عنه السيوطى فى الإتقان ما يلى: قيل: حلال وحرام وأمر ونهى وزجر وخبر ما هو كائن بعده وأمثال. وقيل: وعد ووعيد وحلال وحرام ومواعظ وأمثال واحتجاج. وقيل: أمر ونهى وبشارة ونذارة وأخبار وأمثال. وقيل: محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخصوص وعموم وقصص. وقيل: أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل. وقيل: أمر ونهى وحد وعلم وسر وظهر وبطن. وقيل: ناسخ ومنسوخ ووعد ووعيد ورغم وتأديب وإنذار. وقيل: حلال وحرام وافتتاح وأخبار وفضائل وعقوبات. وقيل: أوامر وزواجر وأمثال وأنباء وعتب ووعظ وقصص. وقيل: حلال وحرام وأمثال ومنصوص وقصص وإباحات. وقيل: ظهر وبطن وفرض وندب وخصوص وعموم وأمثال. وقيل: أمر ونهى ووعد ووعيد وإباحة وإرشاد واعتبار. وقيل: مقدم ومؤخر وفرائض وحدود ومواعظ ومتشابه وأمثال. وقيل: مقيس ومجمل ومقضى وندب وحتم وأمثال. وقيل: أمر حتم، وأمر ندب ونهى حتم ونهى ندب وأخبار وإباحات. وقيل: أمر فرض ونهى حتم وأمر ندب ونهى مرشد ووعد ووعيد وقصص. وقيل: سبع جهات لا يتعداها الكلام: لفظ خاص أريد به الخاص ولفظ عام أريد به العام، ولفظ عام أريد به الخاص، ولفظ خاص أريد به العام، ولفظ يستغنى بتنزيله عن تأويله، ولفظ لا يعلم فقهه إلا العلماء، ولفظ لا يعلم معناه إلا الراسخون. وقيل: إظهار الربوبية وإثبات الوحدانية وتعظيم الألوهية والتعبد لله ومجانبة الإشراك والترغيب فى الثواب والترهيب من العقاب.
следующие страницы →