← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 38740

شرح طيبة النشر للنويري

النويري، محب الدين

Полный текст (1 292 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حيث قال: «أسأل الله معافاته» كما تقدم. وفى الصحيح أيضا: «إنّ ربّى أرسل إلىّ أن اقرءوا (١) القرآن على حرف، فرددت عليه أن هوّن على أمّتى. ولم (٢) يزل يردد (٣) حتّى بلغ سبعة أحرف». كما ثبت أن القرآن أنزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف، وأن الكتاب الذى (٤) قبله كان ينزل (٥) من باب واحد على حرف واحد؛ وذلك أن الأنبياء- ﵈ كانوا يبعثون إلى قومهم والنبى ﷺ بعث إلى جميع الخلق، وكانت لغة العرب الذين (٦) نزل القرآن بلغتهم مختلفة، ويعسر على أحدهم الانتقال من لغته إلى غيرها، بل من حرف إلى آخر ولو بالتعليم والعلاج، لا سيما الشيخ والمرأة ومن لم يقرأ كتابا كما فى الحديث المتقدم. ولذلك اختلفوا فى جواز القراءة بغير لغة العرب على أقوال، ثالثها: إن عجز عن العربى جاز وإلا فلا. قال ابن قتيبة (٧): من تيسير الله تعالى أن أمر نبيه ﷺ بأن يقرئ (٨) كل أمة بلغتهم؛ فالهذلى يقرأ: عتى حين [المؤمنون: ٢٥]، والأسدي تِعلمون وتِعلم/ وأ لم إعهد [يس: ٦٠] [والتميمى] (٩) يهمز، والقرشى لا يهمز، والآخر [يقرأ] (١٠) قِيلَ لَهُمْ [البقرة: ١١]، وَغِيضَ الْماءُ [هود: ٤٤] بإشمام الكسر وما لَكَ لا تَأْمَنَّا [يوسف: ١١] بإشمام الضم. انتهى. [ومنهم من] (١١) يقرأ عليهمُ بالصلة، وغيره بالضم، وهذا ينقل، وهذا يميل، وهذا يلطّف، إلى غير ذلك، ولو أراد كل فريق أن ينتقل عما جرت عادته به (١٢) لشق ذلك عليه؛

стр. 142

فأراد الله تعالى برحمته التوسعة لهم فى اللغات كتيسيره عليهم فى الدين. الثانى (١) فى معنى الأحرف: قال أهل اللغة: حرف كل شىء: طرفه، ووجهه، وحافته، وحده، وناحيته، والقطعة منه. والحرف أيضا: واحد حروف التهجى. قال الدانى: تحتمل (٢) الأحرف هنا وجهين: أحدهما: أن القرآن أنزل على سبعة أوجه (٣) من اللغات؛ لأن الحرف يراد به الوجه؛ كقوله تعالى: مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ [الحج: ١١] أى: وجه مخصوص: وهو النعمة والخير وغيرهما، فإذا استقامت له اطمأن وعبد الله، وإذا تغيرت عليه ترك العبادة. والثانى: أنه سمى القراءات (٤) أحرفا على طريق السعة (٥)، كعادة العرب فى تسميتهم الشيء باسم ما هو منه وما قاربه وجاوره (٦)، فسمى القراءة (٧) حرفا، وإن كان كلاما (٨) كثيرا؛ من أجل [أن منها] (٩) حرفا قد غير نظمه، أو كسر، أو قلب إلى غيره، أو أميل (١٠)، أو زيد، أو نقص منه، على ما جاء فى المختلف فيه من القراءة، فسمى القراءة إذا كان ذلك الحرف منها حرفا. قال الناظم: والأول يحتمل (١١) احتمالا قويّا فى قوله ﷺ : «سبعة أحرف» أى: [سبعة] (١٢) أوجه وأنحاء. والثانى يحتمل (١٣) [احتمالا] (١٤) قويّا فى قول عمر: سمعت هشاما يقرأ سورة الفرقان على حروف كثيرة، [أى على قراءات كثيرة] (١٥)، وكذا قوله فى الرواية الأخرى: سمعته يقرأ فيها أحرفا (١٦).

стр. 143

الثالث: ما المقصود بهذه السبعة ؟ فأقول: أجمعوا أولا على أن المقصود ليس هو أن يقرأ الحرف الواحد على سبعة أوجه (١)؛ إذ لا يوجد ذلك إلا فى كلمات يسيرة نحو أُفٍّ [الإسراء: ٢٣] ولِجِبْرِيلَ [البقرة: ٩٧] وهَيْهاتَ [المؤمنون: ٣٦] وهَيْتَ [يوسف: ٢٣] وعلى أنه ليس المراد بالسبعة: هؤلاء المشهورين؛ لعدم وجودهم فى ذلك الوقت. ثم اختلفوا فقال أكثرهم: هى لغات، ثم اختلفوا فى تعيينها: فقال أبو عبيد: (قريش) و (هذيل) و (ثقيف) و (هوازن) و (كنانة) و (تميم) و (اليمن). وقال غيره: خمس لغات فى أكناف هوازن: (سعد) و (ثقيف) و (كنانة) و (هذيل) و (قريش)، ولغتان على جميع ألسنة العرب.

стр. 144

وقال الهروى: سبع لغات من لغات العرب، أى: أنها متفرقة فى القرآن، فبعضه بلغة (قريش)، وبعضه بلغة (هذيل)، وبعضه بلغة (هوازن)، وبعضه بلغة (اليمن). وفى هذه الأقوال كلها نظر؛ فإن عمر وهشاما اختلفا فى سورة الفرقان، وكلاهما قرشيان من لغة واحدة. وقيل: المراد بها: معانى الأحكام كالحلال، والحرام، والمحكم والمتشابه، والأمثال، والإنشاء، والإخبار. وقيل: الناسخ، والمنسوخ، والخاص والعام، والمجمل، والمبين، والمفسر. وقيل: الأمر، والنهى، والطلب، والدعاء والخبر، والاستخبار، والزجر (١). وقيل: الوعد، والوعيد، والمطلق والمقيد، والتفسير (٢)، والإعراب، والتأويل. وفى هذه الأقوال أيضا نظر؛ فإن سببه- وهو اختلاف عمر وهشام- لم يكن إلا فى قراءة حروفه، لا فى تفسيره ولا أحكامه. فإن قلت (٣): فما تقول فيما رواه الطبرانى (٤) من حديث عمر بن أبى سلمة (٥) المخزومى أن النبى ﷺ قال لابن مسعود: «إنّ الكتب كانت تنزل من السّماء من باب واحد (٦)، وإنّ القرآن أنزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف: حلال، وحرام، ومتشابه، وضرب أمثال، وأمر، وزجر (٧) ... » الحديث (٨). فالجواب: إما بأن هذه السبعة غير السبعة التى فى تلك الأحاديث؛ لأنه فسرها، وقال فيه: فأحل حلاله، وحرم حرامه، ثم أكده بالأمر فقال فيه: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [آل عمران: ٧]. أو بأن السبعة فيهما متحدان، ويكون قوله: «حلال وحرام» تفسيرا للسبعة الأبواب، أو بأن قوله: «حلال وحرام ... » إلخ، لا تعلق له بالسبعة، بل إخبار عن القرآن، أى: هو كذا وكذا، واتفق كونه بصفات سبع كذلك (٩).

стр. 145

_________ وقيل: ناسخ ومنسوخ وخاص وعام ومجمل ومبين ومفسر. وقيل: أمر ونهى وطلب ودعاء وخبر واستخبار وزجر. وقيل: وعد ووعيد ومطلق ومقيد وتفسير وإعراب وتأويل. وهذه الأقوال الأربعة الأخيرة حكاها ابن الجزرى فى النشر. وقيل: المطلق والمقيد، والعام والخاص، والنص والمؤول، والناسخ والمنسوخ، والمجمل والمفصل، والاستثناء، والأقسام. حكاه شيذلة عن الفقهاء. وقيل: الحذف والصلة والتقديم والتأخير، والاستعارة والتكرار والكناية والحقيقة والمجاز، والمجمل والمفصل، والظاهر والغريب. حكاه شيذلة عن أهل اللغة. وقيل: التذكير والتأنيث، والشرط والجزاء، والتصريف والإعراب، والأقسام وجوابها، والجمع والإفراد، والتصغير والتعظيم، واختلاف الأدوات. حكاه عن النحاة. وقيل: سبعة أنواع من المعاملات: الزهد والقناعة مع اليقين والجزم، والخدمة مع الحياء، والكرم والفتوة مع الفقر، والمجاهدة والمراقبة مع الخوف والرجاء، والتذرع والاستغفار مع الرضا، والشكر والصبر مع المحاسبة، والمحبة والشوق مع المشاهدة. حكاه عن الصوفية. وقيل: سبعة علوم: علم الإنشاء والإيجاد، وعلم التوحيد والتنزيه، وعلم صفات الذات، وعلم صفات الفعل، وعلم صفات العفو والعذاب، وعلم الحشر والحساب، وعلم النبوات. وحكى ابن حبان أقوالا ونقلها عنه السيوطى فى الإتقان ما يلى: قيل: حلال وحرام وأمر ونهى وزجر وخبر ما هو كائن بعده وأمثال. وقيل: وعد ووعيد وحلال وحرام ومواعظ وأمثال واحتجاج. وقيل: أمر ونهى وبشارة ونذارة وأخبار وأمثال. وقيل: محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخصوص وعموم وقصص. وقيل: أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل. وقيل: أمر ونهى وحد وعلم وسر وظهر وبطن. وقيل: ناسخ ومنسوخ ووعد ووعيد ورغم وتأديب وإنذار. وقيل: حلال وحرام وافتتاح وأخبار وفضائل وعقوبات. وقيل: أوامر وزواجر وأمثال وأنباء وعتب ووعظ وقصص. وقيل: حلال وحرام وأمثال ومنصوص وقصص وإباحات. وقيل: ظهر وبطن وفرض وندب وخصوص وعموم وأمثال. وقيل: أمر ونهى ووعد ووعيد وإباحة وإرشاد واعتبار. وقيل: مقدم ومؤخر وفرائض وحدود ومواعظ ومتشابه وأمثال. وقيل: مقيس ومجمل ومقضى وندب وحتم وأمثال. وقيل: أمر حتم، وأمر ندب ونهى حتم ونهى ندب وأخبار وإباحات. وقيل: أمر فرض ونهى حتم وأمر ندب ونهى مرشد ووعد ووعيد وقصص. وقيل: سبع جهات لا يتعداها الكلام: لفظ خاص أريد به الخاص ولفظ عام أريد به العام، ولفظ عام أريد به الخاص، ولفظ خاص أريد به العام، ولفظ يستغنى بتنزيله عن تأويله، ولفظ لا يعلم فقهه إلا العلماء، ولفظ لا يعلم معناه إلا الراسخون. وقيل: إظهار الربوبية وإثبات الوحدانية وتعظيم الألوهية والتعبد لله ومجانبة الإشراك والترغيب فى الثواب والترهيب من العقاب.

стр. 146

_________ وقيل: تصريف ومصادر وعروض وغريب وسجع ولغات مختلفة كلها فى شىء واحد. وقيل: هى آية فى صفات الذات، وآية تفسيرها فى آية أخرى، وآية بيانها فى السنة الصحيحة، وآية فى قصة الأنبياء والرسل، وآية فى خلق الأشياء، وآية فى وصف الجنة، وآية فى وصف النار وقيل: آية فى وصف الصانع، وآية فى إثبات الوحدانية له، وآية فى إثبات صفاته، وآية فى إثبات رسله، وآية فى إثبات كتبه، وآية فى إثبات الإسلام، وآية فى نفى الكفر. وقيل: سبع جهات من صفات الذات التى لا يقع عليها التكييف. وقيل: الإيمان بالله، ومجانبة الشرك وإثبات الأوامر ومجانبة الزواجر والثبات على الإيمان وتحريم ما حرم الله وطاعة رسوله. ثم هذه الأقوال كلها، لم تنسب لأحد من أهل العلم معين، ولم يذكر لها مستند إلا القول الأول منها فقد استدل قائلوه بما أخرجه الحاكم والبيهقى وغيرهما عن ابن مسعود عن النبى ﷺ قال: «كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد وعلى حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال ... » الحديث. وبما أخرجه الطبرانى من حديث عمر بن أبى سلمة المخزومى أن النبى ﷺ قال لابن مسعود: «إن الكتب كانت تنزل من السماء من باب واحد وإن القرآن أنزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف حلال وحرام ومحكم ومتشابه وضرب أمثال وآمر وزاجر ... » الحديث. ويناقش هذا الاستدلال بأنه معارض بالأحاديث الصحيحة الكثيرة التى يدل سياقها على أن المراد بالأحرف أن الكلمة تقرأ على وجهين وثلاثة إلى سبعة تيسيرا وتهوينا. والشيء الواحد لا يكون حلالا حراما فى آية واحدة. قال ابن أبى عمران: تأويل الأحرف بالأصناف عندى فاسد لأن الحرف الذى أمر جبريل النبى ﷺ أن يقرأ عليه محال أن يكون حراما لا ما سواه. أو يكون حلالا لا ما سواه لأنه لا يحتمل أن يقرأ القرآن على أنه حرام كله ولا أنه حلال كله. اه. وقال ابن عطية: هذا القول ضعيف لأن الإجماع على أن التوسعة لم تقع فى تحريم حلال ولا تحليل حرام، ولا فى تغيير شىء من المعانى المذكورة. اه. وقال الماوردى: هذا القول خطأ لأنه ﷺ أشار إلى جواز القراءة بكل واحد من الحروف، وإبدال حرف بحرف، وقد أجمع المسلمون على تحريم إبدال آية أمثال بآية أحكام. اه. وقال ابن جرير: معلوم أن تماريهم- يعنى الصحابة- فيما تماروا فيه لو كان تماريا واختلافا فيما دلت عليه تلاواتهم من التحليل والتحريم والوعد والوعيد وما أشبه ذلك لكان مستحيلا أن يصوب جميعهم ﷺ ، ويأمر كل قارئ منهم أن يلزم قراءته فى ذلك على النحو الذى هو عليه، لأن ذلك لو جاز أن يكون صحيحا وجب أن يكون الله جل ثناؤه قد أمر بفعل شىء بعينه وفرضه فى تلاوة من دلت تلاوته على فرضه، ونهى عن فعل ذلك الشيء بعينه وزجر عنه فى تلاوة الذى دلت تلاوته على النهى والزجر عنه، وأباح وأطلق فعل ذلك الشيء بعينه وجعل لمن شاء من عباده أن يفعله- فعله، ولمن شاء منهم أن يتركه- تركه؛ فى تلاوة من دلت تلاوته على التخيير، وذلك من قائله- إن قاله- إثبات ما قد نفى الله جل ثناؤه عن تنزيله وحكم كتابه، فقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢] وفى نفى الله جل ثناؤه ذلك عن حكم كتابه أوضح الدليل على أنه لم ينزل كتابه على لسان محمد ﷺ إلا بحكم واحد متفق فى جميع خلقه، لا بأحكام فيهم مختلفة؛ وفى صحة كون ذلك كذلك ما يبطل دعوى من ادعى أن الأحرف هى المعانى فى تأويل قول النبى ﷺ أنزل القرآن على سبعة أحرف للذين تخاصموا إليه عند اختلافهم فى قراءتهم لأنه ﷺ قد أمر جميعهم بالثبوت على قراءته، ورضى قراءة كل قارئ منهم على خلافها

стр. 147

_________ قراءة خصومه ومنازعيه فيها، وصوبها، ولو كان ذلك منه تصويبا فيما اختلفت فيه المعانى، وكان قوله ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف» إعلاما منه لهم أنه نزل بسبعة أوجه مختلفة وسبعة معان مفترقة، كان ذلك إثباتا لما قد نفى الله عن كتابه من الاختلاف، ونفيا لما قد أوجب لهم من الائتلاف؛ مع أن فى قيام الحجة بأن النبى ﷺ لم يقض فى شىء واحد فى وقت واحد بحكمين مختلفين؛ ولا أذن بذلك لأمته- ما يغنى عن الإكثار فى الدلالة على أن ذلك منفى عن كتاب الله. اه. وبهذا يعلم أن الحديث المذكور مردود إن لم يمكن الجمع بينه وبين الأحاديث الكثيرة الصحيحة. وقد جمع بينهما العلماء بأوجه فقال البيهقى: المراد بالسبعة الأحرف هنا الأنواع التى نزل عليها والمراد بها فى تلك الأحاديث اللغات التى يقرأ بها. اه. وقال القاضى ابن الطيب: ليست هذه هى التى أجاز لهم القراءة بها وإنما الحرف فى هذه بمعنى الجهة والطريقة؛ ومنه قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ [الحج: ١١] فكذلك معنى هذا الحديث على سبع طرائق من تحليل وتحريم وغير ذلك. اه. وقال أبو على الأهوازى، وأبو العلاء الهمدانى: قوله فى الحديث: «زاجر وآمر .. » إلخ استئناف كلام آخر: أى هو زاجر أى القرآن ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة؛ وإنما توهم ذلك من توهمه من جهة الاتفاق فى العدد؛ ويؤيده أنه جاء فى بعض طرقه: زاجرا وآمرا ... إلخ. بالنصب: أى نزل على هذه الصفة من الأبواب السبعة. اه. وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون التفسير المذكور للأبواب لا للأحرف أى هى سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه، وأنزله الله على هذه الأصناف لم يقتصر منها على صنف واحد كغيره من الكتب. اه. وقال ابن جرير: وأما معنى قوله ﷺ : إن الكتاب الأول نزل من باب واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب فإنه ﷺ عنى بقوله: «نزل الكتاب الأول من باب واحد» والله أعلم: ما نزل من كتب الله على من أنزله من أنبيائه خاليا من الحدود والأحكام والحلال والحرام، كزبور داود الذى إنما هو تذكير ومواعظ، وإنجيل عيسى الذى هو تمجيد ومحامد وحض على الصفح والإعراض دون غيرها من الأحكام والشرائع، وما أشبه ذلك من الكتب التى نزلت ببعض المعانى السبعة التى يحوى جميعها كتابنا الذى خص الله به نبينا محمدا ﷺ وأمته. فلم يكن المتعبدون بإقامته يجدون لرضا الله- تعالى ذكره- مطلبا ينالون به الجنة ويستوجبون منه القربة إلا من الوجه الواحد الذى أنزل به كتابهم وذلك هو الباب الواحد من أبواب الجنة الذى نزل منه ذلك الكتاب وخص الله نبينا محمدا ﷺ وأمته بأن أنزل عليهم كتابه على أوجه سبعة، من الوجوه التى ينالون بها رضوان الله، ويدركون بها الفوز بالجنة إذا أقاموها، فلكل وجه من أوجهه السبعة باب من أبواب الجنة الذى نزل منه القرآن، لأن العامل بكل وجه من أوجهه السبعة، عامل فى باب من أبواب الجنة، وطالب من قبله الفوز بها، والعمل بما أمر الله- جل ذكره- فى كتابه، باب من أبواب الجنة، وترك ما نهى الله عنه فيه، باب آخر ثان من أبوابها، وتحليل ما أحل الله فيه، باب ثالث من أبوابها، وتحريم ما حرم الله فيه؛ باب رابع من أبوابها، والإيمان بحكمه المبين؛ باب خامس من أبوابها، والتسليم لمتشابهه الذى استأثر الله بعلمه وحجب علمه عن خلقه والإقرار بأن كل ذلك من عند ربه؛ باب سادس من أبوابها، والاعتبار بأمثاله والاتعاظ بعظاته، باب سابع من أبوابها. فجميع ما فى القرآن من حروفه السبعة، وأبوابه السبعة التى نزل منها، جعله الله لعباده إلى رضوانه هاديا، ولهم إلى الجنة قائدا، فذلك معنى قوله ﷺ : «نزل القرآن من سبعة أبواب الجنة». اه.

стр. 148

الرابع- فى تحديدها بسبعة دون غيرها: فقال (١) الأكثرون: إن قبائل العرب تنتهى إلى سبعة، أو إن اللغات الفصحى سبعة، وفيهما نظر. وقيل: ليس المراد حقيقة السبعة، بل عبر بها عن مطلق التيسير والسعة، وأنه لا حرج عليهم فى قراءته بما هو من لغات العرب، من حيث إن الله تعالى (٢) أذن لهم فى ذلك، والعرب يطلقون السبع (٣) والسبعين والسبعمائة، [ويريدون] (٤) به الكثرة والمبالغة من غير حصر. وهذا جيد لولا أن الحديث يأباه؛ فإنه ثبت (٥) فى الحديث من غير وجه: «أنّه لمّا أتاه

стр. 149

جبريل بحرف واحد قال [له] (١) ميكائيل: استزده. وأنه سأل الله تعالى التهوين على أمته، فأتاه على حرفين، وأمره (٢) ميكائيل بالاستزادة، [وأنه] (٣) سأل الله تعالى التخفيف فأتاه بثلاثة ولم يزل كذلك حتى (٤) بلغ سبعة أحرف». وفى حديث أبى بكرة: «فنظرت إلى ميكائيل فسكت فعلمت أنّه قد انتهت العدّة) فدل (٥) على إرادة حقيقة العدد وانحصاره. قال المصنف: ولى نيف وثلاثون سنة أمعن النظر فى هذا الحديث، حتى فتح الله على بشيء أرجو أن يكون هو الصواب (٦)، وذلك أنى تتبعت القراءات كلها، فإذا اختلافها يرجع إلى سبعة أوجه خاصة: إما فى الحركات بلا تغير فى المعنى والصورة، نحو (البخل) بأربعة (٧) و (يحسب) بوجهين. أو (بتغير) (٨) فى المعنى فقط، نحو: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [البقرة: ٣٧]. وإما فى الحروف [بتغير] (٩) فى المعنى لا [فى] (١٠) الصورة، نحو تَبْلُوا [يونس: ٣٠] تَتْلُوا [البقرة: ١٠٢]. أو عكسه (١١) نحو الصِّراطَ والسراط [الفاتحة: ٦]. أو بتغييرهما نحو: أَشَدَّ مِنْكُمْ ومِنْهُمْ [غافر: ٢١]. وإما فى التقديم والتأخير، نحو فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة: ١١١]. أو فى الزيادة والنقصان، نحو: وَوَصَّى وأوصى (١٢) [البقرة: ١٣٢]، والذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى [النجم: ٢١]. وأما نحو اختلاف الإظهار، والروم، والتفخيم (١٣)، والمد، والإمالة، والإبدال، والتحقيق: والنقل، وأضدادها، مما (١٤) يعبر عنه بالأصول- فليس من الخلاف الذى يتنوع فيه اللفظ أو المعنى؛ لأن هذه الصفات المتنوعة فى أدائه لا تخرجه عن أن يكون لفظا واحدا.

стр. 150

ثم رأيت الإمام أبا الفضل الرازى (١) حاول ما ذكرته، وكذلك ابن قتيبة، والله تعالى أعلم. الخامس فى أن (٢) اختلاف (٣) هذه السبعة على أى وجه يتوجه؟ وهو يتوجه على أنحاء ووجوه مع السلامة من التضاد والتناقض: فمنها (٤) ما يكون لبيان حكم مجمع عليه، كقراءة: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ من أم [النساء: ١٢]، فإنها تثبت (٥) أن الأخوة للأمومة (٦)، وهو مجمع عليه. ومنها ما يكون مرجحا لحكم اختلف فيه، كقراءة: أو تحرير رقبة مؤمنة [المائدة: ٨٩] فى كفارة اليمين ففيها (٧) ترجيح غير مذهب أبى حنيفة عليه. ومنها ما يكون للجمع بين حكمين مختلفين، كقراءتى (٨): يَطْهُرْنَ [البقرة: ٢٢٢]، فيجمع بينهما بأن الحائض لا يقربها زوجها حتى تطهر بانقطاع حيضها وتطّهّر بالاغتسال. ومنها ما يكون لاختلاف حكمين كقراءتى: وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة: ٦] فجمع بينهما النبى ﷺ بأن المسح فرض لابس الخف، والغسل لغيره. ومنها ما يكون حجة لقول أو مرجحا إلى غير ذلك. السادس فى هذه الأحرف على كم معنى تشتمل : وهى راجعة إلى معنيين: أحدهما: ما اختلف لفظه، واتفق معناه؛ نحو: أرشدنا واهْدِنَا* وكَالْعِهْنِ* والصوف. والثانى: ما اختلفا معا؛ نحو: قالَ رَبِّي [الأنبياء: ٤] وقُلْ رَبِّ*. وبقى ما اتحد لفظه ومعناه مما يتنوع (٩) صفة النطق به، كالمدات،

стр. 151

وتخفيف (١) الهمزات، وغيرهما من الأصول، فهذا لا يتنوع به اللفظ ولا المعنى؛ لأن لفظه متحد وكذا معناه. وهذا ما أشار إليه ابن الحاجب بقوله: السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء. وهو واهم فى: تفرقته بين حالتى نقله، وقطعه بتواتر الاختلاف اللفظى دون الأدائى، بل هما فى نقلهما واحد، وإذا ثبت ذلك فتواتر هذا أولى؛ إذ اللفظ لا يقوم إلا به، ونص على تواتر ذلك [كله] (٢) الباقلانى وغيره من الأصوليين، ولم يسبق ابن الحاجب بذلك. السابع فى أن هذه السبعة (٣) متفرقة فى القرآن: ولا شك فى ذلك، بل وفى كل رواية، باعتبار ما اختاره المصنف فى وجه كونها سبعة أحرف، فمن قرأ [ولو] (٤) بعض القرآن (٥) بقراءة معينة (٦) اشتملت على الأوجه المذكورة؛ فإنه [يكون قد] (٧) قرأ بالأوجه (٨) السبعة، دون أن يكون قرأ بكل الأحرف السبعة. وأما قول الدانى: «إن القارئ لرواية إنما قرأ ببعض السبعة» فمبنى (٩) على قوله: «إن الأحرف هى (١٠) اللغات المختلفة»، ولا شك أن [كل] (١١) قارئ رواية لا يحرك (١٢) الأحرف ويسكنه أو يرفعه أو ينصبه (١٣) أو يقدمه أو يؤخره (١٤) [لقارئ] (١٥). الثامن- فى أن المصاحف العثمانية اشتملت على جميع الأحرف السبعة: وهذه مسألة عظيمة (١٦)، فذهب إلى ذلك جماعة من الفقهاء والقراء والمتكلمين، قالوا: لأن الأمة يحرم عليها إهمال شىء من السبعة. [وذهب الجمهور إلى أنها مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة] (١٧). فقط، جامعة للعرضة الأخيرة، لم تترك منها حرفا (١٨)، وهو الظاهر؛ لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المستفيضة تدل (١٩) عليه.

стр. 152

وأجاب الطبرى عن الأول بأن قراءة الأحرف السبعة غير واجبة على الأمة، وقد جعل لهم الخيار فى أى حرف (١) قرءوا به، كما فى الأحاديث الصحيحة، [والمقصود الاختصار] (٢). التاسع- فى أن القراءات التى يقرأ بها [اليوم] (٣) فى كل الأمصار جميع الأحرف السبعة أو بعضها: وهذا ينبنى (٤) على ما تقدم، فعلى أنه (٥) [لا يجوز] (٦) للأمة ترك شىء [مما تقدم] (٧) من السبعة يدعى (٨) استمرارها بالتواتر إلى اليوم، وإلا فكل الأمة عصاة مخطئون، وأنت (٩) ترى ما فى هذا القول؛ فإن القراءات المشهورة اليوم عن السبعة، والعشرة، أو الثلاثة عشر، بالنسبة لما (١٠) كان مشهورا فى الأعصار الأول، كنقطة فى بحر؛ وذلك أن القراء الذين أخذوا عن (١١) الأئمة المتقدمين لا يحصون والذين أخذوا عنهم أيضا أكثر، وهلم جرّا. فلما كانت المائة الثالثة، اتسع الخرق وقل الضبط، فتصدى بعضهم لضبط ما رواه من القراءات (١٢)، فأول من جمع القراءات (١٣) فى كتاب: القاسم بن سلام، وجعلهم خمسة وعشرين قارئا مع هؤلاء السبعة، وتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين، وكان بعده أحمد ابن جبير (١٤): جمع كتابا فى قراءة الخمسة من كل مصر واحد، وتوفى سنة ثمان وخمسين ومائتين، وكان بعده القاضى إسماعيل المالكى (١٥) صاحب قالون، جمع فى كتابه عشرين

стр. 153

قارئا منهم هؤلاء السبعة، وتوفى سنة اثنتين وثمانين، وكان بعده أبو جعفر بن جرير الطبرى، جمع فى كتابه نيفا وعشرين قراءة، وتوفى سنة عشر وثلاثمائة، وكان بعده الداجونى (١)، جمع كتابا فى القراءات وأدخل معهم أبا جعفر أحد العشرة، وتوفى (٢) سنة أربع وعشرين (٣) أى: بعد ثلاثمائة، وكان بعده ابن مجاهد أول من اقتصر على هؤلاء السبعة، وألف الناس فى زمانه وبعده كثيرا. كل ذلك ولم يكن بالمغرب شىء من هذه القراءات إلى أواخر المائة الرابعة، رحل منها جماعة، وفى الخمسمائة رحل الحافظ أبو عمرو الدانى، وتوفى سنة أربع وأربعين وأربعمائة، وهذا «جامع البيان» له فيه أكثر من خمسمائة رواية وطريق، وفى هذه الحدود رحل من المغرب ابن جبارة الهذلى إلى المشرق، وطاف البلاد حتى انتهى إلى ما وراء النهر، وألف كتابه: «الكامل» جمع فيه خمسين قراءة وألفا وأربعمائة وتسعا وخمسين رواية وطريقا، قال فيه: «فجملة من لقيت فى هذا العلم ثلاثمائة وخمسة وستون شيخا، من آخر المغرب إلى باب فرغانة يمينا وشمالا وجبلا وبحرا»، وتوفى سنة خمس وستين وأربعمائة.

стр. 154

وفى هذا العصر كان أبو معشر الطبرى بمكة مؤلف «التلخيص فى [القراءات] (١) الثمان» و «سوق العروس» فيه ألف وخمسمائة وخمسون رواية وطريقا، وتوفى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. ولم يجمع أحد أكثر من هذين، إلا أبو القاسم الإسكندرانى (٢)؛ فإنه جمع فى كتابه «الجامع الأكبر والبحر الأزخر» سبعة آلاف رواية وطريقا، وتوفى سنة تسع وعشرين وستمائة. ولم ينكر أحد على هؤلاء المصنفين، ولا زعم أنهم مخالفون لشىء من الأحرف السبعة، بل ما زالت علماء الأمة يكتبون خطوطهم وشهاداتهم فى الإجازات بمثل هذه الكتب والقراءات. وقد ادعى بعض من لا علم عنده أن الأحرف السبعة هى قراءة (٣) هؤلاء [السبعة] (٤)، بل غلب على كثير من الجهال أن القراءات الصحيحة هى التى فى «الشاطبية» و «التيسير»، وأنها (٥) هى المشار إليها فى الحديث، وكثير منهم يسمى ما عدا ما فى الكتابين شاذّا وربما كان كثير مما فى غيرهما عن (٦) غير هؤلاء السبعة أصح [من كثير مما فيهما] (٧) وسبب الاشتباه عليهم: اتفاق (٨) الكتابين مع الحديث على لفظ السبعة؛ ولذلك (٩) كره كثير اقتصار ابن مجاهد على سبعة، وقالوا: ليته زاد أو نقص؛ ليخلص من لا يعلم من هذه الشبهة. قال أبو العباس المهدوى: ولقد فعل مسبع هؤلاء (١٠) السبعة ما لا ينبغى له أن يفعل، وأشكل على العامة حتى جهلوا ما لم يسعهم جهله.

стр. 155

قال الإمام أبو محمد مكى: وقد ذكر الناس من الأئمة فى كتبهم أكثر من سبعين، [ممن هو أعلى] (١) رتبة وأجل قدرا من هؤلاء السبعة، فترك (٢) أبو حاتم [ذكر] (٣) حمزة والكسائى، وابن عامر، وزاد نحو عشرين رجلا ممن [هو] (٤) فوق السبعة، وزاد الطبرى عليها نحو خمسة [عشر] (٥)، وكذلك إسماعيل القاضى، فكيف يظن عاقل أن قراءة كل من هذه السبعة أحد الحروف السبعة؟ هذا تخلف عظيم، أكان ذلك يغض من الشارع أم كيف كان؟ وكيف ذلك والكسائى إنما ألحق بالسبعة فى زمن المأمون (٦) وكان السابع يعقوب، فأثبتوا الكسائى عوضه. قال الدانى: وإن القراء السبعة ونظائرهم متّبعون فى جميع قراءتهم الثابتة عنهم التى لا شذوذ فيها. وقال الهذلى: وليس لأحد أن يقول: لا تكثروا من الروايات، ويسمى ما لم يتصل إليه من القراءات شاذّا لأنه (٧) ما من قراءة قرئت ولا رواية إلا وهى صحيحة إذا وافقت رسم الإمام، ولم تخالف الإجماع. وقال الإمام أبو بكر بن العربى (٨) فى «قبسه»: وليست هذه الروايات بأصل

стр. 156

التعيين (١) بل ربما خرج عنها ما هو مثلها أو فوقها، كحرف أبى جعفر المدنى. وقال ابن حزم فى آخر «السيرة» كذلك، وقال البغوى (٢): فما يوافق (٣) الخط مما قرأ به القراء المعروفون الذين خلفوا الصحابة والتابعين. ثم عدّد (٤) العشرة إلا خلفا. وقال: قد (٥) كثرت قراءة هؤلاء؛ للاتفاق على جواز القراءة (٦) بها. وقال الإمام أبو العلاء الهمذانى (٧) فى أول «تذكرته»: أما بعد، فهذه تذكرة فى اختلاف القراء العشرة الذين اقتدى الناس بقراءاتهم، وتمسكوا فيها بمذاهبهم. وقال [إمام عصره] (٨) ابن تيمية: لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن الأحرف السبعة ليست قراءة (٩) السبعة، ولذلك (١٠) لم يتنازع (١١) العلماء فى أنه [لا] (١٢) يتعين أن يقرأ بهذه القراءات (١٣) المعينة، بل من ثبت عنده قراءة الأعمش أو يعقوب (١٤) ونحوهما فله أن يقرأ بها بلا نزاع، بل أكثر العلماء الذين أدركوا قراءة حمزة- كسفيان بن عيينة (١٥)، وأحمد

стр. 157

ابن حنبل، وبشر بن الحارث (١) وغيرهم- يختارون قراءة أبى جعفر، وشيبة بن نصاح (٢)، وقراءة شيوخ يعقوب على قراءة حمزة. ثم أطال فى ذلك. وقال أبو حيان الأندلسى: وهل هذه المختصرات، ك «التيسير» و «الشاطبية» و «العنوان» وغيرها، بالنسبة لما اشتهر من قراءات الأئمة السبعة إلا نزر من كثر، وقطرة من قطر؟ وأطال جدّا. وقال الحافظ الذهبى (٣): وما رأينا أحدا أنكر الإقراء بمثل قراءة يعقوب وأبى جعفر. وقال الحافظ أبو عمرو: سمعت طاهر بن غلبون (٤) يقول: إمام جامع البصرة لا يقرأ إلا

стр. 158

ليعقوب. وقال الكواشى (١) فى تفسيره: ما اجتمعت فيه الشروط الثلاثة فهو من الأحرف السبعة، سواء وردت عن سبعة أو سبعة آلاف. وقال المصنف: كتبت للإمام العلامة السبكى استفتاء وصورته: ما (٢) تقول السادة العلماء أئمة الدين وعلماء المسلمين فى القراءات العشر (٣) التى يقرأ بها اليوم، هل هى متواترة أم غير متواترة؟ وهل كل ما انفرد به واحد من العشرة بحرف من الحروف متواتر أم لا؟ وإذا كانت متواترة فما يجب على من جحدها أو حرّفها (٤)؟ فأجابنى: الحمد لله، القراءات السبع التى اقتصر عليها الشاطبى، والثلاثة (٥) التى هى قراءة أبى جعفر، [ويعقوب، وخلف] (٦)، متواترة معلومة من الدين بالضرورة، وكل حرف انفرد به واحد من العشرة معلوم من الدين بالضرورة أنه منزل على رسول الله ﷺ لا يكابر فى شىء من ذلك إلا جاهل، وليس تواتر شىء منها مقصورا على من قرأ بالروايات، بل هى متواترة عند كل مسلم يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله» ولو كان مع ذلك عاميّا (٧) جلفا لا يحفظ من القرآن حرفا، ولهذا تقرير طويل وبرهان عريض لا يسع (٨) هذه الورقة شرحه. وحظ كل مسلم وحقه أن يدين الله، ويجزم نفسه بأن ما ذكرناه متواتر معلوم باليقين، لا تتطرق الظنون [إليه] (٩) ولا الارتياب إلى شىء منه، والله تعالى أعلم. [وهنا نمسك

стр. 159

العنان، فقد خرجنا عن الإيجاز] (١). العاشر فى حقيقة اختلاف هذه السبعة المذكورة فى (٢) الحديث وفائدته (٣): فأما (٤) الاختلاف: فلا نزاع أنه اختلاف تنوع (٥) وتغاير، لا اختلاف تضاد وتناقض؛ فإنه محال فى كتاب (٦) الله تعالى، وقد استقرئ فوجد لا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: اختلاف اللفظ دون المعنى، كالاختلاف فى «الصراط» و «عليهم» و «القدس» و «يحسب» ونحوه مما هو لغات. ثانيها: اختلافهما مع جواز اجتماعهما، نحو: مالِكِ وملك (٧) [الفاتحة: ٤]؛ لأن المراد هو الله ؛ لأنه مالك وملك (٨). ثالثها: اختلافهما مع امتناع اجتماعهما فى شىء واحد، بل يتفقان من وجه آخر لا يقتضى التضاد، نحو: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا [يوسف: ١١٠]، وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ [إبراهيم: ٤٦]، ومِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا [النحل: ١١٠]. فالمعنى على التشديد: وتيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم، وعلى التخفيف: وتوهم المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به، فالظن (٩) فى الأولى تيقن، والضمائر الثلاثة للرسل، وفى الثانية شك، والثلاثة للمرسل إليهم. والمعنى على رفع «لتزول» أن «إن» مخففة (١٠) من الثقيلة، أى: وإن مكرهم كان من الشدة بحيث تقتلع (١١) منه الجبال الراسيات من مواضعها، وعلى نصبه (١٢) جعلها نافية، أى: ما كان مكرهم وإن تعاظم ليزول (١٣) منه أمر محمد ﷺ ودين الإسلام. ففي الأولى (١٤) [الجبال] (١٥) حقيقة، وفى الثانية مجاز (١٦).

стр. 160

وعلى بناء «فتنوا» للمفعول، يعود الضمير للذين هاجروا، وفى الثانية (١) إلى الأخسرين. وأما فائدة اختلاف القراءات فكثير غير ما تقدم: منها ما فى ذلك من نهاية البلاغة، وكمال الإعجاز، وغاية الاختصار؛ إذ كل قراءة بمنزلة آية، إذ كان تنوع اللفظ بكلمة يقوم (٢) مقام آيات، ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدتها لم يخف ما كان فى ذلك من التطويل. ومنها ما فى ذلك من عظيم البرهان وواضح (٣) الدلالة؛ إذ هو مع كثرة [هذا الاختلاف] (٤) لم يتطرق إليه تضاد ولا تناقض، بل كله (٥) يصدق بعضه بعضا، ويبينه ويشهد له.

стр. 161

ومنها سهولة حفظه وتيسير نقله؛ فإن حفظ كلمة ذات أوجه أسهل وأقرب من حفظ كلمات (١) تؤدى معانى (٢) تلك القراءات، لا سيما ما اتفق خطه (٣) فإنه أسهل حفظا وأيسر لفظا. ومنها غير ذلك (٤)، وليس هذا محل التطويل، وبالله التوفيق (٥). ص: قام بها أئمّة القرآن ... ومحرزو التّحقيق والإتقان ش: (قام أئمة القرآن) فعلية لا محل لها، و (بها) يتعلق ب (قام) و (محرزو) عطف على (أئمة)، و (التحقيق) مضاف إليه، (والإتقان) عطف [على (التحقيق)] (٦). أى: قام بالقراءات والروايات وغيرها، أو قام بالقراءة أئمة القرآن الضابطون (٧) له، والذين أحرزوا- أى: ضموا وجمعوا (٨) - تحقيق هذا العلم وإتقانه، والذين نقل عنهم وجوه القراءات كثير فى كل عصر، لا يكادون يحصون: فمنهم من الصحابة المهاجرين: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وطلحة (٩)، وسعد (١٠)، وابن مسعود، وحذيفة، وسالم مولى أبى حذيفة (١١)، وأبو هريرة، وابن عمر،

стр. 162

وابن عباس، وعمرو بن العاص وابنه عبد الله، ومعاذ، وابن الزبير، وعبد الله ابن السائب (١)، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة. ومن الأنصار: أبى بن كعب (٢)، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء (٣)، وأبو زيد (٤)، ومجمّع بن حارثة (٥)، وأنس بن مالك. فهؤلاء كلهم جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ . ومن التابعين بمكة: عبيد بن عمير (٦)، وعطاء (٧)، وطاوس (٨)،

стр. 163

ومجاهد (١)، وعكرمة (٢)، وابن أبى مليكة (٣). وبالمدينة: ابن المسيب (٤)، وعروة، وسالم (٥)، وعمر بن عبد العزيز، وسليمان (٦)، وعطاء بن يسار (٧)، ومعاذ

стр. 164

القارئ (١)، وعبد الرحمن بن هرمز (٢)، وابن شهاب، ومسلم بن جندب (٣)، وزيد ابن أسلم (٤). وبالكوفة: علقمة (٥)، والأسود (٦)، ومسروق (٧): وعبيدة (٨)، وابن شرحبيل، والحارث

стр. 165

ابن قيس (١)، والربيع بن خثيم (٢)، وعمرو بن ميمون (٣)، وأبو عبد الرحمن، وزر بن حبيش (٤)،

стр. 166

وعبيد بن نضلة (١)، وأبو زرعة بن [أبى] عمرو (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، والنخعى، والشعبى. وبالبصرة: عامر بن قيس، وأبو العالية (٤)، وأبو رجاء (٥)، ونصر بن عاصم (٦)، ويحيى ابن يعمر (٧)، وجابر بن زيد (٨)، والحسن، وابن سيرين، وقتادة (٩). وبالشام: المغيرة

стр. 167

ابن أبى شهاب المخزومى (١) وغيره. ثم تجرد بعد هؤلاء قوم للقراءة واشتهروا بها فاقتدى الناس بهم: ف «بمكة»: ابن كثير، وحميد بن قيس الأعرج (٢) ومحمد بن محيصن (٣). وبالمدينة: أبو جعفر ثم شيبة بن نصاح ثم نافع بن أبى نعيم. وب «الكوفة»: يحيى بن وثاب (٤)، وعاصم بن بهدلة، وسليمان الأعمش، ثم حمزة، ثم الكسائى. وب «البصرة»: عبيد الله بن أبى إسحاق، وعيسى بن عمر، وأبو عمرو بن العلاء، ثم عاصم الجحدرى، ثم يعقوب الحضرمى. وب «الشام»: ابن عامر، ويحيى بن الحارث الذمارى (٥)، وخليد بن أسعد، وعطية ابن قيس (٦)، وإسماعيل بن عبد الله، ثم خلفهم خلق كثير. فإن قلت: إذا كان من تقدم من الصحابة كلهم جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، فكيف الجمع بين هذا وبين قول أنس: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة- وفى

стр. 168

رواية عنه: لم يجمعه إلا أربعة-: أبى، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، وفى أخرى: أبو الدرداء (١)؟ قلت: الرواية الأولى لا تنافيه؛ لعدم الحصر، وأما الثانية فلا يصح حملها على ظاهرها؛ لانتفائها (٢) بمن (٣) ذكر؛ فلا بد من تأويلها بأنه لم يجمعه بوجوه قراءاته، أو لم يجمعه تلقيا من (٤) رسول الله ﷺ ، أو لم (٥) يجمعه (٦) عنده شيئا بعد شىء [كلما] (٧) نزل حتى تكامل نزوله- إلا هؤلاء [الأربعة] (٨). وهذا البيت توطئة للأئمة المذكورين فى هذا الكتاب، وقدم على التصريح بهم استعارات شوقت [إليهم] (٩) فقال: ص: ومنهمو عشر شموس ظهرا ... ضياؤهم وفى الأنام انتشرا ش: (عشر شموس) مبتدأ، و (ظهر ضياؤهم) صفته، و (منهم) خبر مقدم، و (فى الأنام) يتعلق (١٠) ب (انتشر)، وهو معطوف على (ظهر). أى: من هؤلاء الأئمة الذين حازوا قصب السبق فى تجويد القرآن، وإتقانه، وتحقيقه، عشرة رجال قد شاع فضلهم وعلمهم شرقا وغربا، حتى صاروا كنور الشمس الذى لا يخفى على كل من له بصر، ولا يخص مكانا دون آخر، بل عم المشارق والمغارب. وفى تشبيههم بالشمس إشارة إلى أن فضلهم (١١) يعرفه من عنده آلة يعرف بها العالم من غيره، ومن (١٢) لا عنده آلة هو العامى، كما أن الشمس يعرفها من له بصر ومن لا بصر له (١٣) فإنه (١٤) يحس بحرّها [فيعرفها] (١٥). والمصنف- رحمه الله تعالى- ذكر أولا الذين نقلوا القرآن [مطلقا] (١٦) من الصحابة والتابعين وغيرهم، وثانيا القراء العشرة، ثم ثلّث (١٧) بروايتهم، وربّع (١٨) بطرقهم، فقال (١٩):

стр. 169

ص: حتّى استمدّ نور كلّ بدر ... منهم وعنهم كلّ نجم درّى ش: (حتى) للغاية هنا بمعنى: إلى أن استمد، و (نور كل بدر) فاعل (استمد)، و (منهم) يتعلق ب (استمد)، و (عنهم) يتعلق ب «أخذ» مقدرا، أى: وأخذ عنه كل نجم [وهو فاعله، و (درى) صفة (نجم)] (١). أى: ظهر ضياء الشموس وانتشر فى سائر الآفاق والأقطار، إلى أن استمد منهم- أى من نورهم- نور كل بدر، وهو القمر ليلة تمامه، ومن شدة هذا النور الذى حصل للبدور وصل (٢) عنهم، حتى أخذ عن هؤلاء أيضا- أى عن نورهم- نور كل نجم درى. أشار بالأول إلى رواة القراءة، وبالأخير (٣) إلى طرقها، وأجاد فى تشبيهه القراء بالشموس، والرواة بالبدور؛ لأن ضوء (٤) البدر من ضوء الشمس، وأصحاب الطرق بالأنجم. وذكر عن كل قارئ راويين (٥) [فقال] (٦): ص: وها هم يذكرهم بيانى ... كلّ إمام عنه راويان ش: الواو استئنافية، و (ها) حرف تنبيه، و (هم) مبتدأ، و (يذكرهم بيانى (٧)) فعلية خبر، و (كل إمام) مبتدأ، و (عنه راويان) خبره، وهى إما اسمية مقدمة الخبر أو فعلية، ف (راويان) (٨) فاعل ب (عنه) (٩)؛ لاعتماده على مبتدأ، وسيأتى ذكر الطرق. ثم شرع فى ذكر القراء [واحدا بعد واحد، وذكر مع كل قارئ راوييه فى بيت واحد، وبدأ بنافع»] (١٠) فقال: ص: فنافع بطيبة قد حظيا ... فعنه قالون وورش رويا ش: (فنافع) مبتدأ، و (قد حظى) [فعلية خبر] (١١)، و (بطيبة) يتعلق به، و (قالون) مبتدأ، و (ورش) معطوف [عليه، و (رويا)] (١٢) خبره، و (عنه) يتعلق به. بدأ الناظم- رحمه الله تعالى- بنافع تبعا لابن مجاهد والمختصرين، وهو نافع ابن عبد الرحمن بن أبى نعيم الليثى، مولاهم المدنى، واختلف فى كنيته، فقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو رويم، وقيل: أبو الحسن.

стр. 170

كان- رحمه الله تعالى- رجلا أسود اللون، عالما بوجوه القراءات والعربية، متمسكا بالآثار، فصيحا ورعا ناسكا، إمام الناس فى القراءة (١) بالمدينة، انتهت إليه رئاسة الإقراء بها، وأجمع الناس عليه بعد التابعين (٢)، أقرأ [بها] (٣) أكثر من سبعين. قال سعيد بن منصور: سمعت مالك بن أنس يقول: قراءة أهل المدينة سنة. قيل له: قراءة نافع؟ قال: نعم. وقال عبد الله بن حنبل: سألت أبى: أى القراءة أحب إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة. وكان نافع إذا تكلم يشمّ من فيه رائحة المسك. فقيل (٤) له: أتتطيب (٥)؟ قال: لا، ولكن رأيت فيما يرى النائم النبى ﷺ وهو يقرأ فى فىّ، فمن ذلك اليوم أشم من فىّ هذه الرائحة. وقال ابن المسيبى (٦): قلت لنافع: ما أصبح وجهك وأحسن خلقك؟ قال: كيف لا وقد صافحنى رسول الله ﷺ ؟! قرأ على سبعين من التابعين، منهم أبو جعفر، وعبد الرحمن (٧) بن هرمز الأعرج، ومسلم (٨) بن جندب، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهرى، وصالح بن خوات (٩)، وشيبة ابن نصاح، ويزيد بن رومان (١٠): [فأبو جعفر سيأتى سنده] (١١). وقرأ الأعرج على ابن عباس، وأبى هريرة، وعبد الله بن عياش بن أبى ربيعة

стр. 171

المخزومى (١)، وقرأ مسلم وشيبة وابن رومان على عبد الله بن أبى ربيعة أيضا، وسمع شيبة القرآن من عمر بن الخطاب. وقرأ صالح على أبى هريرة. وقرأ الزهرى على سعيد بن المسيب. وقرأ سعيد على ابن عباس وأبى هريرة. وقرأ ابن عباس وأبو هريرة على أبى بن كعب. وقرأ ابن عباس أيضا على زيد بن ثابت. وقرأ أبى وعمر وزيد على رسول الله ﷺ وتلقاه رسول الله ﷺ من الأمين جبريل، وجبريل من رب العزة (٢) جل وعلا، أو من (٣) اللوح المحفوظ. وأول راويى نافع: أبو موسى (٤) عيسى قالون- وهو بالرومية: جيد، لقبه [به] (٥) نافع وذلك لجودة قراءته- ابن مينا (٦) المدنى النحوى الزرقى (٧)، مولى الزهريين (٨)، قرأ على نافع سنة خمسين (٩)، واختص به كثيرا، وكان إمام المدينة ونحويها، وكان أصم لا يسمع البوق، وإذا قرئ عليه القرآن يسمعه، وقال: قرأت على نافع قراءته غير مرة وكتبتها (١٠) عنه. وقال: قال (١١) نافع: لم (١٢) تقرأ على؟! اجلس إلى (١٣) أسطوانة (١٤) حتى أرسل إليك من يقرأ (١٥) عليك. وثانيهما (١٦): أبو سعيد عثمان بن سعيد، ولقبه نافع «ورش»؛ لشدة بياضه أو قلة أكله، القبطى (١٧) المصرى، [كان أول أمره] (١٨) راسا، ثم رحل إلى المدينة؛ ليقرأ على نافع،

стр. 172

فقرأ عليه أربع ختمات فى شهر (١) سنة خمس وخمسين ومائة (٢)، ورجع إلى مصر وانتهت إليه رئاسة الإقراء بها، فلم ينازعه فيها منازع، مع براعته فى العربية ومعرفته بالتجويد (٣)، وكان حسن الصوت. قال يونس بن عبد الأعلى (٤): كان ورش جيد القراءة حسن الصوت، [إذا قرأ] (٥) يهمز ويمد ويشد ويبين الإعراب، لا يمل سامعه. توفى نافع سنة تسع وستين ومائة (٦) على الصحيح، ومولده سنة سبع (٧). وتوفى قالون سنة مائتين وعشرين على الصواب، ومولده سنة مائة وعشرين. وتوفى ورش بمصر سنة سبع وتسعين ومائة، وولد بها سنة مائة وعشرة. وأشار المصنف بقوله «رويا» إلى أنه لا واسطة بينهما وبينه. ثم انتقل إلى ابن كثير فقال: ص: وابن كثير مكّة له بلد ... بزّى (٨) وقنبل له على سند ش: الواو للعطف، و (ابن كثير) مبتدأ، و (مكة) [مبتدأ] (٩) ثان، و (له بلد) اسمية خبر (مكة)، والجملة خبر (ابن كثير) ويحتمل رفع (بلد) على الفاعلية (١٠)؛ لاعتماده على المبتدأ. و (بزى) (١١) مبتدأ، و (قنبل) عطف عليه، و (له) يتعلق (١٢) بمحذوف تقديره: رويا له، خبر، و (على سند) محله النصب على الحال. ثنى (١٣) بابن كثير: وهو أبو معبد (١٤) أو محمد (١٥) أو عباد أو المطلب أو أبو بكر، عبد الله بن كثير الدارى، نسبته إلى العطر، أو إلى «دارين» (١٦) موضع بالبحرين [يجلب

стр. 173

منه الطيب] (١)، أو إلى بنى الدار، أو إلى تميم الدارى، تابعى مولى فارس بن علقمة الكنانى. وكان إمام الناس ب «مكة»، لم ينازعه فيها منازع؛ ولذلك (٢) نقل عنه أبو عمرو، والخليل بن أحمد، والشافعى. وكان فصيحا بليغا جسيما، أبيض اللحية (٣)، طويلا، [أسمر] (٤)، أشهل، يخضب بالحناء، عليه السكينة والوقار. وقيل: من أراد التمام فليقرأ بقراءة ابن كثير. وسأله الناس أن يجلس للإقراء بعد شيخه، فأنشد فى ذم نفسه [شعرا] (٥): بنىّ كثير أكول نئوم ... وليس كذلك من خاف ربّه بنى كثير يعلم علما ... لقد أعوز الصوف من جزّ كلبه بنى كثير كثير الذنوب ... ففي الحل والبل من كان سبّه بنى كثير دهته اثنتان ... رياء وعجب يخالطن قلبه (٦) لقى من الصحابة: عبد الله بن الزبير، وأبا أيوب الأنصارى، وأنس بن مالك، وقرأ على: أبى السائب عبد الله بن السائب المخزومى، وعلى أبى الحجاج مجاهد المكى، وعلى درباس (٧) مولى ابن عباس، وقرأ درباس على مولاه ابن عباس، وقرأ ابن عباس على أبى، وزيد بن ثابت، وقرأ عمر (٨)، وزيد، وأبى على رسول الله ﷺ . وأول راوييه البزى: وهو أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع ابن أبى بزة، وإليه نسب، مولى بنى مخزوم، [المكى، مؤذن المسجد الحرام وإمامه، قرأ

стр. 174

على] (١) عكرمة [و] على إسماعيل بن عبد الله القسط (٢)، وعلى شبل بن عباد (٣) على ابن كثير. وثانيهما: قنبل، وهو الشديد الغليظ، أو من القنابلة بيت ب «مكة»، فالقياس (٤) قنبلى مخفف: أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن سعيد (٥) المكى المخزومى، ولى الشرطة بمكة. قرأ على أبى الحسن أحمد القواس على أبى الإخريط (٦) على إسماعيل على شبل، ومعروف بن مشكان (٧) على ابن كثير.

стр. 175

وتوفى ابن كثير سنة عشرين ومائة، ومولده سنة خمس وأربعين. وتوفى البزى سنة مائتين وخمسين، ومولده سنة مائة وسبعين. وتوفى قنبل سنة إحدى وتسعين ومائتين، ومولده سنة خمس وتسعين ومائة. ثم انتقل إلى أبى عمرو فقال: ص: ثمّ أبو عمرو فيحيى عنه ... ونقل الدّورى وسوس منه ش: (ثم) حرف عطف، و (أبو عمرو) مبتدأ خبره محذوف تقديره (ثالثهم) ونحوه، (فيحيى) مبتدأ وخبره «نقل عنه»، أو فاعل، و (نقل الدورى) فعلية، و (سوسى) عطف عليه، و «منه» يتعلق ب (نقل). ثلث بأبى عمرو باعتبار مولده، واسمه زبان أو يحيى أو محبوب أو محمد أو عيينة- قال الفرزدق (١): سألته عن اسمه فقال: أبو عمرو، فلم أراجعه لهيبته-[ابن العلاء] (٢) [ابن] (٣) عمار، مازنى الأصل، أسمر طوال (٤)، ثقة عدل زاهد، من أئمة القراءة (٥)، والنحو، وأعرف الناس بالشعر، ولما قدم المدينة هرعت (٦) الناس إليه، وكانوا لا يعدون من لم (٧) يقرأ عليه قارئا. قال (٨) سفيان: رأيت النبى ﷺ [ف] قلت: يا رسول الله قد اختلفت على القراءات فبقراءة من تأمرنى؟ قال: «اقرأ بقراءة أبى عمرو». ومر الحسن به، وحلقته متوافرة (٩) والناس عكوف [عليه] (١٠)، فقال: لا إله إلا الله، لقد كادت العلماء أن يكونوا أربابا، كل عز لم يوطد (١١) بعلم فإلى ذل يئول. قرأ على أبى جعفر، ويزيد (١٢) بن رومان، وشيبة بن نصاح، وعبيد الله بن كثير، ومجاهد، والحسن البصرى، وأبى العالية، وحميد بن قيس، وعبد الله الحضرمى،

стр. 176

وعبد الله بن أبى رباح، وعكرمة بن خالد، وعكرمة مولى ابن عباس، ومحمد ابن عبد الرحمن بن محيصن، وعاصم بن أبى النجود، ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر. وسيأتى سند أبى جعفر، وتقدم سند يزيد وشيبة فى قراءة نافع، وسند مجاهد فى قراءة ابن كثير. وقرأ الحسن على حطان (١) بن عبد الله الرقاشى، وأبى العالية الرياحى. وقرأ حطان على أبى موسى الأشعرى (٢). وقرأ أبو العالية على عمر بن الخطاب، وأبى بن كعب، وزيد بن ثابت، وابن عباس. وقرأ حميد على مجاهد، وتقدم سنده. وقرأ عبد الله الحضرمى على يحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم، وقرأ عطاء على أبى هريرة، [وتقدم سنده] (٣). وقرأ عكرمة بن خالد على أصحاب ابن عباس، وتقدم سنده، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس على ابن عباس. وقرأ ابن محيصن على مجاهد، ودرباس، وتقدم سندهما. وسيأتى سند عاصم. [وقرأ نصر بن عاصم] (٤)، ويحيى بن يعمر على أبى الأسود. وقرأ أبو الأسود على عثمان، وعلى. وقرأ أبو موسى الأشعرى، وعمر، وأبو زيد، وعثمان، [وعلىّ] (٥) على رسول الله ﷺ . وصرح المصنف- ﵀ بالواسطة، وهو [يحيى، أى قرأ أبو محمد] (٦) يحيى بن المبارك العدوى البصرى الزيدى صاحب يزيد على أبى عمرو، وكان أمثل أصحابه؛

стр. 177

كان يأتيه الخليل ويناظره (١) الكسائى، قام بالقراءة كثيرا بعد أبى عمرو. وقيل: أملى عشرة آلاف ورقة من صدره عن أبى عمرو خاصة، غير ما أخذه عن الخليل وغيره. وأخذ عنه القراءة أبو عمر (٢) حفص بن عمر بن صهبان الأزدى النحوى الدورى- مواضع بقرب بغداد ولد به- وأبو شعيب صالح بن زياد بن عبد الله السوسى، موضع ب «الأهواز». وتوفى أبو عمر فى (٣) قول الأكثر سنة مائة وأربع وخمسين. وقيل (٤): سبع. ومولده سنة ثمان وستين، وقيل: سبع. وتوفى اليزيدى سنة اثنتين ومائتين. وتوفى الدورى فى شوال سنة مائتين وست وعشرين على الصواب. وتوفى السوسى [أول] (٥) سنة مائتين وإحدى وستين وقد قارب التسعين. ص: ثمّ ابن عامر الدّمشقى بسند ... عنه هشام وابن ذكوان ورد ش: (ابن عامر) مبتدأ، (الدمشقى) صفته، و (ورد عنه هشام وابن ذكوان (٦)) فعلية خبر، و (عنه) يتعلق ب (ورد) و (بسند) (٧) يتعلق به، أى: مصاحبين لسند (٨). ربّع بابن عامر، وهو أبو عمران، أو نعيم، أو عثمان، أو عليم، عبد الله بن عامر ابن يزيد بن تميم بن ربيعة الدمشقى اليحصبى. كان إماما كبيرا، وتابعيّا جليلا، وعالما شهيرا، أم المسلمين ب «الجامع الأموى» سنين كثيرة فى أيام عمر بن عبد العزيز وقبله وبعده، فكان يؤمه (٩) وهو أمير المؤمنين، وناهيك

стр. 178

بذلك منقبة، وجمع له بين الإمامة والقضاء ومشيخة الإقراء (١) ب «دمشق»، وهى حينئذ دار الخلافة. قرأ على المغيرة بن أبى شهاب عبد الله بن عمرو بن المغيرة المخزومى بلا خلاف، وعلى أبى الدرداء عويمر بن زيد (٢) بن قيس، فيما قطع به الدانى. وقرأ المغيرة على عثمان بن عفان. وقرأ عثمان وأبو الدرداء على رسول الله ﷺ ورضى الله عنهما. وراوياه: أبو الوليد هشام بن عمار السلمى (٣)، وأبو عمرو عبد الله بن أحمد بن بشر ابن ذكوان القرشى الفهرى الدمشقى. [قرأ على أبى سليمان أيوب بن تميم الدمشقى (٤)] (٥). وقرأ هشام أيضا على أبى الضحاك (٦) عراك بن يزيد بن خالد، وعلى أبى محمد سويد ابن عبد العزيز الواسطى (٧)، وعلى أبى العباس صدقة.

стр. 179

وقرأ أيوب وعراك وسويد وصدقة على أبى عمرو يحيى بن الحارث الذمارى. [وقرأ الذمارى] (١) على ابن عامر. توفى ابن عامر بدمشق (٢) يوم عاشوراء سنة مائة وسبع عشرة، ومولده سنة إحدى (٣) وعشرين من الهجرة أو ثمان وعشرين (٤). وتوفى هشام سنة مائتين وخمس وأربعين، ومولده سنة مائة وثلاث وخمسين. وتوفى ابن ذكوان [فى شوال] (٥) سنة اثنتين ومائتين على الصواب، ومولده يوم عاشوراء سنة مائة وثلاث وسبعين. [ثم انتقل إلى الخامس فقال] (٦): ص: ثلاثة من كوفة فعاصم ... فعنه شعبة وحفص قائم ش: (ثلاثة من كوفة) اسمية (فعاصم) مبتدأ، و (شعبة) ثان، و (حفص) عطف عليه، و (قائم) خبر أحدهما مقدر مثله فى الآخر، والجملة خبر الأول، ويجوز جعل خبر «عاصم» محذوفا، أى: ثالثهم (٧). وقوله: (فعنه) جواب شرط تقديره: فأما عاصم فروى عنه شعبة، أى من الكوفة ثلاثة من الأئمة المشهورة (٨) [السبعة] (٩)، وإلا فهم أكثر من ثلاثة. وأولهم (١٠): عاصم بن أبى النجود- من [نجد الثياب: نضدها] (١١) - ابن بهدلة الأسدي مولاهم الكوفى. انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد أبى عبد الرحمن السلمى، [خرج و] (١٢) جلس موضعه، ورحل إليه الناس للقراءة، وكان قد جمع من (١٣) الفصاحة والإتقان والتحرير والتجويد (١٤) حظّا وافرا، وكان أحسن الناس صوتا بالقرآن. قال أبو بكر بن عياش (١٥): لا

стр. 180

أحصى ما سمعت أبا إسحاق السّبيعى (١) يقول: ما رأيت أحدا أقرأ للقرآن من عاصم. وقال عبد الله (٢) بن أحمد [بن حنبل] (٣): سألت أبى عن عاصم فقال: رجل صالح خيّر (٤) ثقة. قرأ على أبى عبد الرحمن السلمى الضرير، وعلى زر بن حبيش الأسدي (٥)، وعلى أبى عمرو وسعد (٦) بن إياس الشيبانى (٧). وقرأ هؤلاء الثلاثة على عبد الله بن مسعود. وقرأ السلمى وزر أيضا على عثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب. وقرأ السلمى أيضا على أبى بن كعب، وزيد بن ثابت. وقرأ زيد، وابن مسعود، وعثمان، وعلى، وأبى [بن كعب] (٨) على رسول الله ﷺ وأول راوييه: أبو بكر، وقدم لعلمه، واسمه شعبة أو يحيى أو محمد أو مطرف، أو كنيته. تعلم القرآن من عاصم خمسا خمسا كما يتعلم الصبى من المعلم. قال وكيع (٩): هو العالم الذى أحيا الله به [قرآنه] (١٠)، وخرج من صدره نور ظن أنه يرجى حتى عرف، ولما حضرته الوفاة بكت أخته، فقال لها: ما يبكيك؟ انظرى إلى تلك الزاوية فقد ختمت بها [ثمانية عشر ألف] (١١) ختمة.
следующие страницы →