← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 38740

شرح طيبة النشر للنويري

النويري، محب الدين

Полный текст (1 292 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فى صفاته فلا يمتاز (١) عنه إلا بالمخرج: كالهمزة والهاء اشتركا مخرجا وانفتاحا واستفالا [وانفردت الهمزة بالجهر والشدة. والعين والحاء اشتركا مخرجا واستفالا وانفتاحا] (٢)، وانفردت الحاء بالهمس والرخاوة الخالصة، فإذا أحكم القارئ النطق بكل حرف على حدته فليعمل نفسه بأحكامه حالة التركيب؛ لأنه ينشأ عن التركيب ما لم يكن حالة الإفراد، فكم ممن يحسن الحروف مفردة ولا يحسنها مركبة، بحسب ما يجاورها من مجانس ومقارب، وقوى وضعيف، ومفخّم ومرقّق، ونحو ذلك، فيجذب القوى الضعيف، ويغلب المفخم المرقق؛ فيصعب على اللسان النطق بذلك على حقه، إلا بالرياضة [الشديدة] (٣) حالة (٤) التركيب. وحينئذ فيجب (٥) ترقيق الحروف المستفلة كلها ولا يجوز تفخيم شىء منها إلا اللام (٦) من اسم الله تعالى بعد فتحة أو ضمة إجماعا، وإلا الراء المضمومة أو المفتوحة مطلقا فى أكثر الروايات، والساكنة فى بعض الأحوال، كما سيأتى فى بابه (٧). ويجب (٨) تفخيم الحروف المستعلية كلها، وأما الألف فالصحيح أنها لا توصف بترقيق ولا تفخيم، بل بحسب ما تقدمها فإنها تتبعه (٩) ترقيقا وتفخيما، وما وقع فى كلام بعضهم من إطلاق ترقيقها فإنما يريدون التحذير مما يفعله بعض العجم (١٠) من التفخيم فى لفظها إلى أن يصيّروها كالواو، ويريدون التنبيه على ما هى مرققة فيه. وأما نص بعض المتأخرين على ترقيقها بعد الحروف المفخمة فشىء وهم فيه ولم يسبقه [إليه] (١١) أحد، ورد عليه محققو زمانه وألف فيه (١٢) العلامة أبو عبد الله بن بضحان (١٣) كتابا قال فيه: اعلم أيها القارئ أن من أنكر تفخيم الألف فإنكاره صادر عن جهله، أو غلظ طباعه، أو عدم اطلاعه. قال: والدليل على جهله: أنه يدعى (١٤) أن الألف فى قراءة ورش

стр. 247

طالَ [الأنبياء: ٤٤] وفِصالًا [البقرة: ٢٣٣] وشبههما مرققة، وهو غير ممكن؛ لوقوعها بين حرفين مغلظين. والدليل على غلظ طبعه: أنه لا يفرق فى لفظه (١) بين ألف «قال» وألف «طال» (٢) والدليل على عدم اطلاعه: أن أكثر النحاة نصوا فى كتبهم على تفخيم الألف، ثم ساق النصوص وأوقف (٣) عليه الأستاذ أبا حيان فكتب إليه (٤): طالعته فوجدته [قد] (٥) حاز إلى صحة النقل كمال الدراية وبلغ (٦) فى الغاية. ثم مثل المستفل فقال: ص: كهمز الحمد أعوذ اهدنا ... الله ثمّ لام لله لنا ش: (كهمز) خبر مبتدأ محذوف، وما بعده مضاف، وحرف العطف محذوف، و (لام) عطف على (همز)، وعاطف (لنا) محذوف، أى: مثال الذى يجب ترقيقه الهمزة فيجب على القارئ إذا ابتدأ بها من كلمة أن يلفظ بها سلسة فى النطق سهلة فى الذوق وليتحفظ من تغليظ النطق بها كهمز الْحَمْدُ [الفاتحة: ٢]، الَّذِينَ [الفاتحة: ٧]، أَأَنْذَرْتَهُمْ [البقرة: ٦] لا سيما إذا أتى بعدها ألف نحو أَتى [النحل: ١]، فإن جاء بعدها حرف مغلظ تأكد ذلك، نحو: اللَّهُمَّ [آل عمران: ٢٦]، فإن كان مجانسا أو مقاربا كان التحفظ لسهولتها أشد، وترقيقها (٧) آكد (٨)، نحو: اهْدِنَا [الفاتحة: ٦]، أَعُوذُ [البقرة: ٦٧]، أَحَطْتُ [النمل: ٢٢]، أَحَقُّ [البقرة: ٢٢٨] فكثير من الناس ينطق بها كالمتهوّع. ويجب (٩) ترقيق اللام لا سيما إذا جاورت حرف تفخيم؛ نحو: وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: ٧]، وَعَلَى اللَّهِ [النحل: ٩]، اللَّطِيفُ [الأنعام: ١٠٣]، وَلْيَتَلَطَّفْ (١٠) [الكهف: ١٩]، وإذا سكنت وأتى بعدها نون فليحرص (١١) على إظهارها (١٢) مع رعاية السكون؛ نحو: جَعَلْنَا [البقرة: ١٢٥]، وَأَنْزَلْنا [البقرة: ٥٧]، وَظَلَّلْنا [البقرة: ٥٧]، قُلْ نَعَمْ [الصافات: ١٨]، ومثل ذلك: فَقُلْ تَعالَوْا [آل عمران: ٦١]، وأما قُلْ رَبِّ [المؤمنون: ٩٣]، فلا خلاف فى إدغامه- كما سيأتى-[ثم كمل فقال] (١٣): وليتلطّف وعلى الله ولا الض ... والميم من مخمصة ومن مرض

стр. 248

و (ليتلطف [عطف على لنا] (١) وعلى الله ولا الضالين) [كذلك] (٢) عطف على (الله) و (الميم) عطف على (همز) و (من مخمصة) [و] حال، (من مرض) عطف عليه (٣). أوائل البيت تقدم، وأما الميم فحرف أغن، وتظهر غنته من الخيشوم إذا كان مدغما أو مخفيّا، فإن أتى محركا (٤) فليحذر من تفخيمه لا سيما قبل حرف مفخم؛ نحو: مَخْمَصَةٍ [المائدة: ٣]، ومَرَضٌ [البقرة: ١٠]، ويا مَرْيَمُ [آل عمران: ٤٣]، فإن (٥) كان قبل ألف (٦) تأكد التفخيم (٧)، فكثيرا (٨) ما يجرى ذلك على الألسنة خصوصا الأعاجم؛ نحو: مالِكِ [الفاتحة، ٤]، وسنذكر بقية حكمها. ص: وباء بسم باطل وبرق ... وحاء حصحص أحطت الحقّ ش: (وباء) عطف [على] همز (٩) و (بسم) مضاف إليه، وعاطف تاليها محذوف وهما مرفوعان على الحكاية، و (حاء حصحص) معطوف على (همز) وعاطف تاليتها محذوف. أى: ويجب ترقيق الباء إذا أتى بعدها حرف مفخم، نحو: وَبَطَلَ [الأعراف: ١١٨] ووَ بَصَلِها [البقرة: ٦١]، فإن حال (١٠) بينهما ألف كان التحفظ بترقيقها أبلغ نحو بِالْباطِلِ [البقرة: ٤٢]، وباغٍ [البقرة: ١٧٣]، ووَ الْأَسْباطِ [البقرة: ١٣٦]، ومن [باب] (١١) أولى إذا وليها حرفان مفخمان نحو: وَبَرْقٌ [البقرة: ١٩]، والْبَقَرَ [البقرة: ٧٠]، [و] بَلْ طَبَعَ [النساء: ١٥٥] عند المدغم. وليحذر فى ترقيقها من ذهاب شدتها، لا سيما إن كان [مقابله على أصله] (١٢) حرفا خفيّا (١٣) نحو: بِهِمْ* وَبِهِ* بالِغَ [المائدة: ٩٥] وبِباسِطٍ [المائدة: ٢٨] أو ضعيفا نحو: ثَلاثَةِ [البقرة: ١٩٦]، وبِساحَتِهِمْ [الصافات: ١٧٧]. وإذا سكنت كان التحفظ بما فيه من الشدة والجهر أشد، نحو بِرَبْوَةٍ [البقرة: ٢٦٥]، والْخَبْءَ [النمل: ٢٥]، وقَبْلُ [البقرة: ٢٥]، وبِالصَّبْرِ* (١٤)، [و] فَارْغَبْ [الشرح: ٨]، وكذا [حكم] (١٥) سائر حروف القلقلة لاجتماع الشدة والجهر فيها، نحو: يَجْعَلُونَ [البقرة: ١٩]، يَدْرَؤُنَ (١٦) [الرعد: ٢٢]، [و] قَدْ نَرى [البقرة: ١٤٤]،

стр. 249

والْبَطْشَةَ [الدخان: ١٦]، ووِقْراً [الذاريات: ٢]، ويَسْرِقْ [يوسف: ٧٧] ويجب ترقيق الحاء إذا جاورها حرف استعلاء، نحو: أَحَطْتُ [النمل: ٢٢] والْحَقُّ [البقرة: ٢٦] فإن اكتنفها حرفان كان ذلك أوجب (١) نحو: حَصْحَصَ [يوسف: ٥١]. ص: وبيّن الإطباق من أحطت مع ... بسطت والخلف بنخلقكم وقع ش: (بين) جملة طلبية، و (الإطباق) مفعول (بين)، و (من أحطت مع بسطت) حال، [و] (الخلف وقع فى نخلقكم) اسمية. أى: أن الطاء أقوى الحروف تفخيما، فلتوف (٢) حقها، لا سيما إذا كانت مشددة، نحو اطَّيَّرْنا [النمل: ٤٧]، وأَنْ يَطَّوَّفَ [البقرة: ١٥٨] وإذا سكنت وأتى بعدها تاء وجب إدغامها غير كامل، بل تبقى (٣) معه صفة الإطباق والاستعلاء؛ لقوة الطاء وضعف التاء، ولولا التجانس لم يسغ (٤) الإدغام لذلك (٥)، نحو: بَسَطْتَ [المائدة: ٢٨]، [و] أَحَطْتُ [النمل: ٢٢]، وفَرَّطْتُ [الزمر: ٥٦] وأما نَخْلُقْكُمْ (٦) [المرسلات: ٢٠] فالمراد (٧) به القاف الساكنة عند الكاف، فلا خلاف فى إدغامه، وإنما الخلاف فى صفة الاستعلاء مع ذلك: فذهب مكى وغيره إلى أنها باقية مع الإدغام كهى فى (أحطت) و (بسطت). وذهب الدانى وغيره إلى إدغامه إدغاما محضا، وهو أصح؛ قياسا على ما أجمعوا [عليه] (٨) فى باب الحركة (٩) للمدغم من خَلَقَكُمْ*، والفرق بينه وبين باب أَحَطْتُ أن الطاء زادت بالإطباق. وانفرد الهذلى عن ابن ذكوان بإظهاره، وكذلك (١٠) حكى عن أحمد بن صالح عن قالون، ولعل مرادهم إظهار صفة الاستعلاء. وقال الدانى: وروى ابن حبش (١١) عن أحمد بن حرب عن الحسن بن مالك عن أحمد ابن صالح عن قالون الإظهار (١٢)، قال: وهو خطأ وغلط، والإجماع على الإدغام. انتهى. وفيه نظر؛ لأنه إن حمل (١٣) الإظهار على إظهار الصوت فقد نص على إظهاره غير

стр. 250

واحد، قال ابن مهران: قال ابن مجاهد فى جواب مسائل رفعت إليه: لا يدغمه إلا أبو عمرو، وقال ابن مهران: هذا (١) منه (٢) غلط كبير (٣)، وقال أبو بكر (٤) الهاشمى: هى فى جميع القراءات بالإدغام، إلا عند أبى بكر النقاش فإنه كان يأخذ لنافع وعاصم بالإظهار، ولم يوافقه أحد [عليه] (٥) إلا البخارى المقرئ، فإنه ذكر فيه الإظهار عن نافع برواية ورش. ثم قال ابن مهران: قرأناه بين الإظهار والإدغام. قال: وهو الحق، والصواب الإدغام، فأما إظهار بيّن (٦) فقبيح، وأجمعوا على منعه. انتهى. ولا شك من أراد بإظهاره الإظهار المحض فإنه ممتنع إجماعا، وأما الصفة فليس بغلط ولا قبيح، فقد صح نصّا وأداء، ولم يذكر فى «الرعاية» غيره، إلا أن الإدغام الخالص أصح رواية وأوجه قياسا، بل لا ينبغى أن يجوز فى قراءة أبى عمرو فى وجه الإدغام الكبير غيره، لأنه يدغم (٧) المتحرك من ذلك إدغاما محضا، فالساكن أولى، ولعله مراد ابن مجاهد. ص: وأظهر الغنّة من نون ومن ... ميم إذا ما شدّدا وأخفين ش: (وأظهر) طلبية، و (الغنة) مفعول، و (من نون) حال، و (من ميم) معطوف، و (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان، و (ما شدد) مضاف إليه. أى: أن النون والميم حرفان أغنّان، والنون (٨) آصل فى الغنة من الميم؛ لقربه من الخيشوم، ويجب إظهار الغنة منهما إذا ما شددا (٩). ثم كمل فقال: ص: الميم إن تسكن بغنّة لدا ... باء على المختار من أهل الأدا ش: (الميم) مفعول (أخفين)، وهو دليل جواب (إن) على الأصح، و (تسكن) فعل الشرط، و (بغنة) يتعلق ب (تسكن)، و (لدى) ظرف (تسكن) و (على المختار) يتعلق ب (أخفين)، و (من أهل (١٠) الأداء) يتعلق ب (المختار). أى يجب إخفاء الميم الساكنة إذا كان بعدها باء، نحو يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ (١١) [آل عمران: ١٠١] وهو الذى اختاره الدانى وغيره من المحققين، وهو مذهب ابن مجاهد وغيره، وعليه أهل الأداء بمصر والشام والأندلس وسائر البلاد العربية (١٢)، فتظهر (١٣) الغنة فيها

стр. 251

إذ ذاك إظهارها بعد القلب، نحو: مِنْ بَعْدِ [البقرة: ٢٧]. وذهب جماعة كابن (١) المنادى وغيره (٢)، وهو الذى عليه أهل الأداء بالعراق وسائر البلاد الشرقية (٣) -[إلى ترك الغنة] (٤)، والوجهان صحيحان. ثم كمل حكم الميم فقال: ص: وأظهرنها عند باقى الأحرف ... واحذر لدى واو وفا أن تختفى ش: (وأظهرنها) فعل مؤكد بالخفيفة، والضمير (٥) مفعوله، و (عند باقى الأحرف) يتعلق به، و (احذر) فعل أمر، و (لدى) ظرف (٦)، (وفا) معطوف قصره ضرورة (٧)، و (أن تختفى)، أى: خفاؤها (٨)، مفعول (احذر) أى: يجب إظهار الميم الساكنة عند باقى حروف الهجاء نحو الْحَمْدُ (٩) [الفاتحة: ٢]، وأَنْعَمْتَ [الفاتحة: ٧]، وهُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: ٤]، ووَ لَهُمْ عَذابٌ [البقرة: ٧] ولا سيما إذا أتى بعدها فاء أو واو، فليعن (١٠) بإظهارها؛ لئلا يسبق اللسان إلى الإخفاء لقرب المخرجين، نحو: هُمْ فِيها [البقرة: ٨٢]، وَيَمُدُّهُمْ فِي [البقرة: ١٥] عَلَيْهِمْ وَلَا [الفاتحة: ٧] إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما (١١) [البقرة: ٩] وإذا أظهرت (١٢) [حينئذ] (١٣) فليتحفظ بإسكانها (١٤)، وليحترز (١٥) من تحريكها، وإنما نبّه على هذين الحرفين بعد دخولهما فى عموم باقى الأحرف؛ لقرب مخرجهما من مخرج الميم، وهذا العموم مخصص بقوله: ص: وأوّلى مثل وجنس إن سكن ... أدغم كقل ربّ وبل لا وأبن ش: (أولى مثل) مفعول (أدغم)، و (جنس) معطوف على (مثل)، و (إن سكن) شرط، و (أدغم) جوابه، أو دليل الجواب، و (كقل رب) خبر مبتدأ محذوف و (بل لا) عطف على (قل رب). ثم كمل فقال: ص: سبّحه فاصفح عنهم قالوا وهم ... فى يوم لا تزغ قلوب قل نعم ش: (سبحه) مفعول (أبن): [أى:] أظهر، والخمسة بعده مقدر عاطفها، ويتعين هنا

стр. 252

كسر عين (نعم)؛ لئلا يلزمه (١) سناد التوجيه المجمع عليه، وهو مقابلة الضمة بالفتحة، وأما مقابلتها بالكسرة ففيه خلف كما تقدم. أى: أن كل حرفين التقيا وكانا مثلين أو جنسين وسكن أولهما، وجب إدغامه فى الثانى لغة وقراءة نحو: وَقُلْ لَهُمْ [النساء: ٦٣]، رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: ١٦]، وَقَدْ دَخَلُوا [المائدة: ٦١]، يُدْرِكْكُمُ [النساء: ٧٨]، ونحو: وَقالَتْ طائِفَةٌ [آل عمران: ٧٢]، أَثْقَلَتْ دَعَوَا [الأعراف: ١٨٩]، قَدْ تَبَيَّنَ [البقرة: ٢٥٦]، إِذْ ظَلَمْتُمْ [الزخرف: ٣٩]، وَقُلْ رَبِّ [الإسراء: ٢٤]، بَلْ رانَ [المطففين: ١٤]، هل رأيتم. ويستثنى من هذه القاعدة ما إذا كان أول الجنسين حرف حلق، سواء كانا من كلمتين نحو: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ [الزخرف: ٨٩] أو من كلمة نحو: فَسَبِّحْهُ [ق: ٤٠] وسواء كان الذى بعد حرف الحلق مجانسا كالأول أو مقاربا كالثانى، فلا يجوز الإدغام حينئذ، بل يتعين الإظهار، ويجب الاحتراز فى ذلك، فكثيرا ما يقلبونها فى الأول عينا ويدغمونها، وفى الثانى يقلبون الهاء حاء؛ لضعف الهاء وقوة الحاء، فينطقون بحاء مشددة، وكل ذلك ممتنع إجماعا. ويستثنى من حروف الحلق أيضا: الغين إذا وقع بعدها مقارب، كالقاف فى لا تُزِغْ قُلُوبَنا [آل عمران: ٨] والغين فى أَفْرِغْ عَلَيْنا [البقرة: ٢٥٠]، فيجب الاعتناء بإظهارها وسكونها لشدة القرب مخرجا وصفة. ويستثنى أيضا من المتقاربين: اللام إذا جاء بعدها نون، فيجب إظهارها مع مراعاة السكون، ويجب الاحتراز عما يفعله بعض الأعاجم من قلقلتها حرصا على الإظهار، فإنه ممنوع لم يرد به نص ولا أداء، وذلك نحو جَعَلْنَا [البقرة: ١٢٥]، ووَ أَنْزَلْنا [البقرة: ٥٧]، ووَ ظَلَّلْنا [البقرة: ٥٧]، وقُلْ نَعَمْ [الصافات: ١٨]، وقُلْ تَعالَوْا [الأنعام: ١٥١] فإن قلت: العين مع الحاء شملها المتجانسان؛ فساغ استثناؤها، وأما الحاء مع الهاء [فليسا متجانسين] (٢) بل متقاربين، فكيف ساغ استثناؤها، وكذلك الغين مع القاف؟ قلت (٣): مراده بالمتجانسين ضد المتماثلين لكونه قابله به، فشمل (٤) الجنسين

стр. 253

والمتقاربين، ولهذا مثل بالمتقاربين فى قوله: قالَ رَبِّ [المؤمنون: ٣٩]؛ وكذلك (١) يستثنى أيضا من المتماثلين ما إذا كان الأول حرف مد، سواء كان واوا ك قالُوا وَهُمْ أو ياء ك فِي يَوْمٍ [السجدة: ٥]، فيجب حينئذ إظهارهما وتمكينهما بحسب ما فيهما من المد. ويجب فى الواو والياء المشددتين أن يحترز من لوكهما ومطّهما نحو إِيَّاكَ [الفاتحة: ٥]، وبِتَحِيَّةٍ [النساء: ٨٦]، ووَ أُفَوِّضُ [غافر: ٤٤]، وعَتَوْا [الفرقان: ٢١] فكثيرا ما يتهاون (٢) فى تشديدهما [فيلفظ بهما ليّنتين] (٣)، فيجب أن ينبو اللسان بهما نبوة واحدة وحركة واحدة. وجه وجوب الإدغام: زيادة ثقل المثلين والمشتركين، وإنما أدغم القاف فى الكاف؛ لفرط تدانى مخرجهما، ووجه إظهار حرف (٤) المد: زيادة صوته والمحافظة عليه. تنبيه: [شملت قاعدة] (٥) حرفى (٦) اللين نحو اتَّقَوْا وَآمَنُوا [المائدة: ٩٣]، فتدغم (٧) إجماعا، إلا ما انفرد به ابن شنبوذ عن قالون من إظهاره وهو شاذ، وشملت أيضا مالِيَهْ هَلَكَ بالحاقة [الآيتان: ٢٨، ٢٩] فتدغم (٨)، قال الجعبرى: وبه قرأت. وبه قطع المالكى (٩)، ونقل فيه الإظهار لكونه هاء سكت، كما حكى عدم النقل فى كِتابِيَهْ إِنِّي [الحاقة: ١٩ - ٢٠] وقال مكى (١٠): يلزم من ألغى (١١) الحركة فى هذا أن يدغم (١٢) هنا؛ لأنه قد أجراها مجرى الوصل حين ألغاها (١٣)، قال: وبالإظهار قرأت، وعليه العمل، وهو الصواب. قال أبو شامة: يريد بالإظهار أن تقف (١٤) على مالِيَهْ وقفة لطيفة، وأما إن [كان] (١٥) وصل فلا يمكن غير الإدغام أو التحريك. قال: وإن خلا اللفظ من أحدهما كان القارئ واقفا وهو لا يدرى لسرعة الوقف. وقال السخاوى: وفى قوله مالِيَهْ هَلَكَ خلف، والمختار أن يقف عليه؛ لأن الهاء موقوف (١٦) عليها فى النية، لأنها سيقت للوقف، والثانية منفصلة عنها (١٧). قال

стр. 254

المصنف: وقول أبى شامة أقرب للتحقيق، وسبقه للنص عليه الدانى فقال فى «جامعه»: فمن روى التحقيق يعنى فى كِتابِيَهْ إِنِّي [الحاقة: ١٩ - ٢٠] لزمه أن يقف على الهاء فى قوله مالِيَهْ هَلَكَ وقفة لطيفة فى حال الوصل من غير قطع (١) لا بنية (٢) الوقف؛ فيمتنع بذلك من أن يدغم فى الهاء للتى بعدها؛ لأنها عندهم كالحرف اللازم الأصلى. والله تعالى أعلم. ثم انتقل إلى الوقف فقال: ص: وبعد ما تحسن أن تجوّدا ... لا بدّ أن تعرف وقفا وابتدأ ش: (بعد) ظرف مضاف معمول ل (تعرف)، و (ما) مصدرية، و (تحسن) صلتها، و (أن تجود) مفعول (٣) (تحسن)، والباقى واضح. أى: الواجب على القارئ بعد أن يحسن صناعة التجويد معرفة الوقف والابتداء، وقد حض الأئمة على تعلمه ومعرفته (٤)، كما قال على- رضى الله عنه-: الترتيل معرفة الوقوف وتجويد الحروف. وقال ابن عمر: لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على النبى ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزجرها (٥)، وما ينبغى أن يوقف عليه منها. ففي كلام (٦) [علىّ] (٧) دليل على وجوب تعلمه ومعرفته، وفى كلام ابن عمر (٨) برهان (٩) على أن تعلمه إجماع من الصحابة، وصح بل تواتر تعلمه والاعتناء به من السلف الصالح: كأبى جعفر ونافع وأبى عمرو ويعقوب وعاصم وغيرهم من الأئمة، وكلامهم فى ذلك معروف، ومن ثم اشترط كثير من الأئمة على المجيز ألا (١٠) يجيز أحدا إلا بعد معرفته (١١) الوقف والابتداء، وكان (١٢) أئمتنا يوقفونا عند كل حرف ويشيرون إلينا فيه بالأصابع؛ سنّة أخذوها كذلك عن شيوخهم (١٣) الأولين. وقد اصطلح الأئمة لأنواع الوقف على أسماء، وأحسن ما قيل فيه: أن الوقف ينقسم إلى اختيارى واضطرارى؛ لأن الكلام إن تم كان اختياريّا وإلا فاضطرارى (١٤)، والتام لا يخلو من ثلاثة أحوال ذكرها المصنف فقال:

стр. 255

ص: فاللفظ إن تمّ ولا تعلّقا ... تامّ وكاف إن بمعنى علّقا ش: (فاللفظ) مبتدأ، والجملة الشرطية مع جوابها خبره، و (لا تعلقا) معطوف على (تم)، و (تام) (١) جواب الشرط، و (كاف) دليل الجواب الذى يستحقه (إن بمعنى علقا) (٢)، والباء متعلقة ب (علق)، وعلى القول الثانى [فهو جواب مقدم] (٣)، يعنى الوقف ينقسم إلى: تام، وكاف، وحسن، وقبيح. فالتام: هو الذى لا تعلق [لما بعده] (٤) بما قبله [من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى، فيوقف عليه ويبتدأ بما بعده ويسمى المطلق. والكافى: هو الذى لما بعده بما قبله] (٥) تعلق من جهة المعنى فقط، وسمى كافيا للاكتفاء به واستغنائه عما بعده، واستغناء ما بعده عنه، وهو كالتام (٦) فى جواز الوقف عليه والابتداء بما بعده. والوقف التام أكثر ما يكون فى رءوس الآى وانقضاء القصص؛ نحو الوقف على بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ١]، وعلى مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤]، وعلى نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]، وعلى هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ٥]، وعلى إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٠] وعلى وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٩]، وعلى وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: ٤٦]. والابتداء بما بعد ذلك كله، وقد يكون قبل انقضاء الفاصلة؛ نحو: وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً [النمل: ٣٤] لأن هذا انقضاء حكاية كلام بلقيس: ثم قال الله تعالى: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل: ٣٤]، وهو رأس الآية. وقد يكون وسط الآية نحو لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي [الفرقان: ٢٩] هو تمام حكاية قول الظالم، والباقى (٧) من كلام الله تعالى. وقد يكون بعد الآية بكلمة؛ نحو: لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً [الكهف: ٩٠] آخر الآية، وتمام الكلام كَذلِكَ [الكهف: ٩١]، أى: أمر [ذى القرنين] (٨) كذلك، أى كذا وضعه الله تعظيما لأمره، أو كذلك (٩) كان خبرهم. ونحو: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، أى: مصبحين

стр. 256

ومليّلين، ونحو عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ وَزُخْرُفاً [الزخرف: ٣٤، ٣٥]. وقد يكون الوقف تامّا على تفسير أو إعراب غير تام على غيره؛ نحو: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٧]، تام على أن ما بعده مستأنف، وقاله ابن عباس وعائشة وابن مسعود وغيرهم، [وأبو حنيفة وأكثر المحدثين، ونافع والكسائى ويعقوب والفراء والأخفش وأبو حاتم وغيرهم] (١) من أئمة العربية- وغير تام عند آخرين، والتام عندهم وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران: ٧] واختاره ابن الحاجب وغيره، وكذلك الم [البقرة: ١] ونحوه من حروف الهجاء، الوقف عليها تام على أنها (٢) المبتدأ أو الخبر (٣) والآخر محذوف، أى: «هذا آلم»، أو: «الم هذا»، أو على إضمار فعل، أى: «قل الم» على استئناف ما بعدها، وغير تام على أن ما بعدها هو الخبر. وقد يكون الوقف تامّا على قراءة دون أخرى، نحو: مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [البقرة: ١٢٥] فإنه [تام عند من كسر الخاء من وَاتَّخِذُوا [البقرة: ١٢٥] وكاف عند من فتحها، ونحو: إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [سبأ: ٦] فإنه تام على قراءة من رفع الاسم الجليل بعدها، وحسن] (٤) عند من كسر (٥). وقد يتفاضل المقام (٦) فى التمام (٧) نحو: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤]، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥] كلاهما تام، إلا أن الأول أتم [من الثانى] (٨)؛ لاشتراك الثانى مع ما بعده فى معنى الخطاب بخلاف الأول. والوقف الكافى يكثر فى الفواصل وغيرها، نحو الوقف على وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: ٣]، وعلى مِنْ قَبْلِكَ [البقرة: ٤] وعلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: ٥]، وعلى يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٩] وعلى أَنْفُسَهُمْ (٩) [البقرة: ٩] وعلى مُصْلِحُونَ [البقرة: ١١]. وقد يتفاضل [فى الكفاية كتفاضل] (١٠) [التام] (١١) فى نحو فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة: ١٠] كاف فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [البقرة: ١٠]، أكفى منه. وأكثر ما يكون التفاضل فى رءوس الآى؛ نحو: هُمُ السُّفَهاءُ [البقرة: ١٣] كاف وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٣] أكفى، ونحو الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [البقرة: ٩٣] كاف

стр. 257

ومُؤْمِنِينَ البقرة: [٩٣] أكفى منه. وقد يكون الوقف كافيا على تفسير أو إعراب غير كاف على غيره؛ نحو: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ [البقرة: ١٠٢] كاف على أن ما نافية، حسن على أنها موصولة، ونحو وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: ٤] [كاف على أن أُولئِكَ [البقرة: ٥] مبتدأ، حسن على أنها] (١) خبر الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [٣]. وقد يكون كافيا على قراء غير كاف على غيرها، نحو: يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٤]، كاف على رفع فَيَغْفِرُ [٢٨٤] حسن على جزمه. ثم كمل فقال: ص: قف وابتدئ وإن بلفظ فحسن ... فقف ولا تبدأ سوى الآى يسن ش: (قف) طلبية، و (ابتدئ) معطوفة عليها، والمفعول محذوف، أى: قف على التام والكافى وابتدئ بما بعدهما، و (إن) شرط، وفعله (٢) تعلق (٣) ب (لفظ)، وجوابه (فحسن)، وفاء (فقف) سببية، وهى طلبية، و (لا تبدا (٤)) معطوفة عليها، أى: قف عليه ولا تبدأ بما بعده، و (سوى الآى) مستثنى من الابتداء، و (يسن) (٥) خبر [لمبتدإ محذوف] (٦)، أى: هو يسن. أى: قف على الوقف التام والكافى وابتدئ بما بعدهما. والوقف الحسن: هو الذى يتعلق ما بعده بما قبله فى اللفظ؛ فيجوز الوقف عليه دون الابتداء بما بعده للتعلق اللفظى، إلا أن يكون رأس آية فإنه يجوز فى اختيار أكثر أهل الأداء؛ لمجيئه (٧) عن النبى ﷺ ، ففي حديث أم سلمة «أن النبى ﷺ كان [إذا قرأ قرأ آية آية] (٨) يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ١] ثم [يقف] (٩)، ثم يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة: ٢] ثم يقف، ثم يقول: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ٣] ثم يقف». رواه أبو داود ساكتا عليه والترمذى وأحمد (١٠)، وأبو عبيد وغيرهم، وسنده صحيح، لذلك عد بعضهم (١١) الوقف على رءوس الآى [فى ذلك سنة (١٢)، وتبعه المصنف، وقال أبو عمرو: وهو أحب [إلى] (١٣)، واختاره البيهقى (١٤) وغيره وقالوا: الأفضل الوقف على رءوس

стр. 258

الآى] (١) وإن تعلقت [بما بعدها] (٢)، قالوا (٣): واتباع هدى رسول الله ﷺ وسنته أولى. ومثال الحسن بِسْمِ اللَّهِ [الفاتحة: ١]، والْحَمْدُ لِلَّهِ [٢] رَبِّ الْعالَمِينَ [٢]، والرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [٣]، والصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [٦]، وأَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [٧]، فالوقف على ذلك كله حسن؛ لفهم (٤) المراد منه، والابتداء [بما بعدها] (٥) لا يحسن؛ لتعلقه لفظا إلا ما كان منه رأس آية، وتقدم. وقد يكون الوقف [حسنا وكافيا وتامّا] (٦) بحسب الإعراب؛ نحو هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢] فإنه تام على جعل الَّذِينَ [البقرة: ٣] مبتدأ خبره أُولئِكَ [البقرة: ٥]، كاف على جعلها صفة على القطع برافع أو ناصب، أى: هم، أو: أعنى الذين، [و] (٧) حسن على أنه صفة تابعة، وكذلك وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [البقرة: ٢٦]، ونحوه. ثم انتقل إلى القبيح فقال: ص: وغير ما تمّ قبيح وله ... يوقف مضطرّا ويبدا قبله ش: (وغير ما تم قبيح) اسمية، و (له) أى: وعنده، ونائب (٨) (يوقف) ضمير القارئ، وأصله: أوقفت القارئ عند كذا (٩) و (مضطرّا) نصب على الحال، و (يبدا) فعلية معطوفة على (يوقف)، و (قبله) ظرف (يبدا). أى: الوقف (١٠) القبيح ما لم يتم الكلام عنده، وهو الاضطرارى، ولا يجوز تعمد الوقف عليه إلا لضرورة من انقطاع نفس ونحوه؛ لعدم الفائدة أو لفساد المعنى، نحو الوقف على بِسْمِ [الفاتحة: ١]، وعلى الْحَمْدُ [٢]، ومالِكِ [٤]، ويَوْمِ [٤]، وإِيَّاكَ [٥]، وصِراطَ الَّذِينَ [٧]، وغَيْرِ الْمَغْضُوبِ [٧]، فكل هذا لا يتم عليه كلام (١١) ولا يفهم منه معنى. وقد يكون بعضه أقبح من بعض، كالوقف على [ما يخل بالمعنى] (١٢)؛ نحو وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ [النساء: ١١] وكذلك إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى [الأنعام: ٣٦]، وأقبح من هذا ما يخل بالمعنى (١٣) ويؤدى إلى ما لا يليق: نحو الوقف على إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي [البقرة: ٢٦]، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي [البقرة: ٢٥٨]، لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ

стр. 259

مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ [النحل: ٦٠]، فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ [الماعون: ٤] فالوقف على ذلك كله لا يجوز إلا اضطرارا؛ لانقطاع النفس [ونحو ذلك] (١) من عارض لا يمكنه الوصل معه. تتمة: الابتداء لا يكون إلا اختياريّا؛ لأنه ليس كالوقف تدعو إليه الضرورة (٢)؛ فلا يجوز إلا بمستقل بالمعنى موف بالمقصود، وهو فى أقسامه كالوقف، ويتفاوت تماما، وكفاية، وحسنا، وقبحا (٣)؛ بحسب التمام وعدمه، وفساد المعنى وإحالته، نحو الوقف على: وَمِنَ النَّاسِ [البقرة: ٨] فإن الابتداء بالناس قبيح، فلو وقف على مَنْ يَقُولُ [البقرة: ٨] كان الابتداء ب يَقُولُ أحسن من الابتداء ب مِنَ، وكذا الوقف على خَتَمَ اللَّهُ [البقرة: ٧] قبيح، والابتداء ب اللَّهُ أشد منعا، وب خَتَمَ أقبح منهما. والوقف على بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ [البقرة: ١٢٠] ضرورة، والابتداء بما بعده (٤) قبيح وكذا بما قبله، بل من أول الكلام. [و] قد يكون الوقف حسنا والابتداء به قبيحا، نحو: يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ [الممتحنة: ١] الوقف عليه (٥) حسن لتمام الكلام، والابتداء ب وَإِيَّاكُمْ قبيح لفساد المعنى، وقد يكون الوقف قبيحا والابتداء به جيد، نحو: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا [يس: ٥٢] للفصل (٦) فى الوقف بين (٧) المبتدأ وخبره والابتداء بها (٨) كاف أو تام؛ لأنه وما بعده جملة مستأنفة [رد] (٩) بها قولهم. والله أعلم. ص: وليس فى القرآن من وقف يجب ... ولا حرام غير ما له سبب ش: (فى القرآن) (١٠) خبر مقدم، و (وقف) اسم (ليس) و (من) زائدة للتوكيد و (يجب) صفة (وقف)، و (لا حرام) بالجر عطفا (١١) على محل (يجب) (١٢)؛ لأنه فى تقدير: ليس فى القرآن من وقف واجب ولا حرام، مثل قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ [الأنعام: ٩٥]، و (غير) يجوز نصب رائها على الاستثناء وجرها على الإتباع، و (ما) يجوز أن تكون نكرة موصوفة و (له سبب) صفتها، و [يجوز أن تكون] موصولة فصلتها. أى: ليس فى القرآن وقف واجب ولا حرام إلا ما حصل فيه سبب يوجب تحريمه كما

стр. 260

لو وقف على قالُوا، وابتدأ: إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة: ٧٣] واعتقد ظاهره؛ فإن هذا الوقف حرام بسبب الاعتقاد، وأشار بهذا إلى ما اصطلح (١) السجاوندى (٢) على تسميته (٣) لازما، وعبر عنه بعضهم بالواجب، وليس معناه عنده أنه لو تركه أثم، وكذلك (٤) أكثر السجاوندى من قوله: لا، أى: لا تقف، فتوهم (٥) [بعض الناس أنه قبيح محرم الوقف عليه والابتداء بما بعده، وليس كذلك، بل هو من الحسن بحيث يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده، فصار متبعو السجاوندى] (٦) إذا اضطرهم النفس يتركون الوقف على الحسن الجائز ويعتمدون (٧) القبيح الممنوع، والصواب: أن الأول يتأكد استحباب الوقف عليه لبيان المعنى المقصود؛ لأنه لو وصل طرفاه لأوهم معنى غير مراد (٨)، ويجيء هذا فى التام والكافى، وربما يجيء فى الحسن. فمن التام الوقف على قوله: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ [يونس: ٦٥]، والابتداء إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ [يونس: ٦٥] ومنه وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٧] عند الجمهور وعلى وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران: ٧] عند الآخرين. وقوله: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ [الزمر: ٣٢] والابتداء وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ [الزمر: ٣٣] لئلا يوهم العطف وقوله: أَصْحابُ النَّارِ بغافر [الآية: ٦] [والابتداء: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ [غافر: ٧]؛ لئلا يوهم النعت] (٩) وقوله: إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ [إبراهيم: ٣٨] [والابتداء: وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [إبراهيم: ٣٨]؛ لئلا يوهم وصل ما وعطفها] (١٠). ومن الكافى الوقف على نحو: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨] والابتداء يُخادِعُونَ اللَّهَ [٩] لئلا يوهم أن يُخادِعُونَ حال، ونحو: وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢١٢] والابتداء وَالَّذِينَ اتَّقَوْا [البقرة: ٢١٢] لئلا يوهم الظرفية ل وَيَسْخَرُونَ، ونحو: تِلْكَ

стр. 261

الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [البقرة: ٢٥٣] [والابتداء: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ] (١) [البقرة: ٢٥٣]؛ لئلا يوهم التنقيص للمفضل عليهم، ونحو: ثالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة: ٧٣]؛ لئلا يوهم أن ما بعده من قولهم، ونحو: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً [الأعراف: ٣٤] والابتداء وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف: ٣٤] لئلا يوهم العطف على جواب الشرط، ونحو: خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر: ٣] والابتداء تَنَزَّلُ [القدر: ٤] لئلا يوهم الوصفية. ومن الحسن: الوقف على نحو: مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى [البقرة: ٢٤٦]، والابتداء إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ [البقرة: ٢٤٦]؛ لئلا يوهم أن العامل فيه أَلَمْ تَرَ [البقرة: ٢٤٦]، ونحو: ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ [المائدة: ٢٧]، والابتداء إِذْ قَرَّبا [المائدة: ٢٧]، ونحو: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ [يونس: ٧١]، والابتداء إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ [يونس: ٧١] كل ذلك ألزم السجاوندى الوقف عليه؛ لئلا يوهم أن العامل فى إِذْ الفعل المتقدم، ونحو: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٩] والابتداء وَتُسَبِّحُوهُ [الفتح: ٩] فإن ضمير الأولين عائد إلى النبى ﷺ والثالث إلى الله تعالى. وأما الذى منعه السجاوندى، وهو القسم الثانى، فكثير منه (٢) يجوز الابتداء بما بعده، وأكثره يجوز الوقف عليه، وتوهم بعض تابعى السجاوندى أن منعه من الوقف على ذلك يقتضى أنه قبيح، أى: لا يحسن الوقف عليه ولا الابتداء بما بعده؛ وليس كذلك، بل هو من الحسن، بحيث يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده؛ فصاروا لضرورة النفس يتركون الجائز ويتعمدون القبيح الممنوع، فيقفون على أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ [الفاتحة: ٧]، وعلى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ [البقرة: ٢، ٣] وهو قبيح إجماعا، ويتركون عَلَيْهِمْ، ولِلْمُتَّقِينَ وحجتهم قول السجاوندى: لا. فليت شعرى لما منع الوقف عليهما؟! هل أجازه على غَيْرِ وعلى الَّذِينَ؟ وفهم كلام السجاوندى على هذا فى غاية السقوط نقلا وعقلا، بل مراده بقوله: أى لا يوقف عليه على أن يبتدأ بما بعده كغيره من الأوقاف. ومن المواضع التى منع السجاوندى الوقف عليها: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢] وقد تقدم فيه جواز الثلاثة، ومنها يُنْفِقُونَ [البقرة: ٣] وجوازه ظاهر، وقد روى عن ابن عباس أنه صلى الصبح فقرأ فى الأولى الفاتحة والم [البقرة: ١] إلى لِلْمُتَّقِينَ [٢] وفى الثانية (٣) إلى يُنْفِقُونَ [٣]، وناهيك بالاقتداء بحبر القرآن. ومنها فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة: ١٠] قال: لأن الفاء للجزاء (٤)، ولو جعله من اللازم لكان ظاهرا

стр. 262

على أن الجملة دعاء عليهم بزيادة المرض. وقال جماعة من المفسرين والمقرئين ومنها فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة: ١٨] قال: للعطف ب أَوْ [البقرة: ١٩]، وهى للتخيير ويزول (١) بالفصل (٢)، وفيه نظر لأنها لا تكون للتخيير إلا فى الأمر وما فى معناه لا فى الخبر، وجعله الدانى وغيره كافيا أو تامّا، وأَوْ للتفصيل أى: من الناظرين من يشبههم بحال (٣) ذوى (٤) صيب. ومنها إِلَّا الْفاسِقِينَ [البقرة: ٢٦] وجوزوا فيه الثلاثة، ومثل ذلك (٥) كثير (٦) فلا يغتر بكل ما فيه، بل يتبع (٧) الأصوب ويختار منه الأقرب. والله أعلم. تنبيهات: الأول: قولهم: لا يجوز الوقف على المضاف، ولا على الفعل، ولا على [الفاعل] (٨) ولا على المبتدأ، ولا على اسم «كان» [وأخواتها] (٩) [وإن] (١٠) وأخواتها، ولا على النعت، ولا على المعطوف عليه، ولا على القسم دون ما بعد الجميع، ولا على حرف دون ما دخل عليه إلى آخر ما ذكروه وبسطوه- إنما يريدون به الجواز الأدائى (١١)، وهو الذى يحسن فى القراءة ويروق فى التلاوة، ولم يريدوا أنه حرام ولا مكروه، ويوقف عليه للاضطرار إجماعا، ثم (١٢) يعتمد فى الابتداء ما تقدم من العود إلى ما قبل فيبتدأ به (١٣)، اللهم إلا من يقصد بذلك تحريف المعنى عن مواضعه، وخلاف المعنى الذى أراد الله تعالى؛ فإنه يحرم [عليه] (١٤) ذلك. الثانى: ليس كل ما يتعسفه (١٥) بعض القراء ويتناوله بعض أهل الأهواء مما يقتضى (١٦) وقفا أو ابتداء ينبغى أن يعتمد (١٧) الوقف [عليه] (١٨)، بل ينبغى تحرى (١٩) المعنى الأتم والوقف الأوجه، وذلك نحو الوقف على وَارْحَمْنا أَنْتَ [البقرة: ٢٨٦]، والابتداء مَوْلانا [٢٨٦]، ونحو: ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ [النساء: ٦٢] والابتداء بِاللَّهِ [٦٢]، ونحو: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ [لقمان: ١٣]، والابتداء بِاللَّهِ [١٣]، ونحو: فَمَنْ حَجَ

стр. 263

الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ [البقرة: ١٥٨] [والابتداء عَلَيْهِ [٥٨]]، ونحو: فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا [والابتداء عَلَيْنا] [الروم: ٤٧]، ومن ذلك قول بعضهم: الوقف على عَيْناً فِيها تُسَمَّى [الإنسان: ١٨] أى عينا مسماة معروفة، والابتداء سَلْسَبِيلًا [١٨] جملة طلبية، أى: اسأل طريقا موصلة (١) إليها، وهذا مع ما فيه من التحريف يبطله إجماع المصاحف على أنه كلمة واحدة. ومن ذلك الوقف على لا رَيْبَ [البقرة: ٢] والابتداء فِيهِ هُدىً [٢] ويرده قوله تعالى فى سورة السجدة لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [٢]. الثالث: يغتفر فى طول الفواصل والجمل والقصص المعترضة ونحو ذلك، وفى حال جمع القراءات وقراءة التحقيق والترتيل- ما لا يغتفر فى غير ذلك، وربما أجيز الوقف والابتداء ببعض ما ذكر ولو كان لغير ذلك لم يبح. وهذا الذى يسميه السجاوندى المرخص ضرورة، ومثله بقوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها (٢) [الذاريات: ٤٧]، والأولى تمثيله بنحو قوله [تعالى] (٣): قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة: ١٧٧]، ونحو: وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ [البقرة: ١٧٧]، ونحو: عاهَدُوا [البقرة: ١٠٠]، ونحو كل من: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ... الآية [النساء: ٢٣]، ونحو كل من فواصل: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: ١] إلى آخر القصة، ونحو: هُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة: ٢٥]، ونحو: كل من فواصل: وَالشَّمْسِ إلى (٤) مَنْ زَكَّاها [الشمس: ١ - ٩]، ونحو: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ [الكافرون: ٢] دون قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [١]. ونحو: اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص: ٢] دون أَحَدٌ [١] وأن كل [ذلك] (٥) معمول (٦) قُلْ [١] ومن ثم كان المحققون يقدرون إعادة العامل أو عاملا آخر فيما طال. الرابع: كما اغتفر الوقف لما ذكرنا قد لا يغتفر ولا يحسن فيما قصر من الجمل نحو: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [البقرة: ٨٧]، وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ [٨٧]؛ لقرب الوقف على بِالرُّسُلِ [٨٧]، وعلى الْقُدُسِ (٧) [٨٧] ونحو: مالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران: ٢٦]؛ لقرب (٨) مَنْ تَشاءُ [٢٦] الأولى، وأكثرهم لا يذكرها لقربها من الثانية، وكذلك (٩) لم يغتفر كثير الوقف على تَشاءُ [٢٦] الثالثة لقربها من الرابعة ولم يرضه بعضهم لقربه من بِيَدِكَ الْخَيْرُ [٢٦].

стр. 264

الخامس: قد يجيز بعض الوقف على حرف (١) وبعض الوقف على آخر، ويكون بين الوقفين مراقبة على التضاد، فإذا وقف على أحدهما امتنع الوقف على الآخر، كمن أجاز الوقف على لا رَيْبَ [البقرة: ٢] فإنه لا يجيزه على فِيهِ [٢]، وكذا العكس، وكذا (٢) الوقف على مَثَلًا [٢٦] مع ما [٢٦] وعلى أَنْ يَكْتُبَ [٢٨٢] مع عَلَّمَهُ اللَّهُ [٢٨٢] وك وَقُودُ النَّارِ [آل عمران: ١٠] مع كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ [١١]، وكذا وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٧] مع فِي الْعِلْمِ [٧]، وكذا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ [المائدة: ٢٦]، مع سَنَةً [المائدة: ٢٦]، وكذا النَّادِمِينَ [٣٢] مع مِنْ أَجْلِ ذلِكَ [٣١] وأول من نبه على المراقبة الإمام أبو الفضل الرازى، أخذه من المراقبة فى العروض. السادس: اختار الإمام نصر ومن تبعه أنه ربما يراعى فى الوقف الازدواج، فيوصل ما يجوز الوقف على نظيره لوجود شرط الوقف، لكنه يوصل من أجل ازدواجه، نحو: لَها ما كَسَبَتْ [البقرة: ١٣٤] مع وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ [١٣٤]، ونحو: فَمَنْ تَعَجَّلَ ... الآية [٢٠٣]، ونحو: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ [الحج: ٦١]، ونحو: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ ... الآية [فصلت: ٤٦]. السابع: لا بد من معرفة أصول مذاهب القراء فى الوقف والابتداء ليسلك القارئ لكل مذهبه، فروى عن نافع أنه كان يراعى محاسن الوقف والابتداء بحسب المعنى، وعن ابن كثير أنه كان يقول: إذا وقفت فى القرآن على قوله: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٧] وعلى قوله: وَما يُشْعِرُكُمْ [الأنعام: ١٠٩] وعلى إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: ١٠٣] لم أبال بعدها وقفت أم لم أقف. وفيه دليل على أنه كان يقف حيث ينقطع نفسه، وروى عنه الرازى أنه كان يراعى الوقف على رءوس الآى مطلقا ولا يتعمد فى أوساط الآى وقفا سوى الثلاثة المتقدمة، وعن أبى عمرو أنه كان يتعمد [الوقف على] رءوس الآى ويقول: هو أحب إلى، وذكر عنه الخزاعى أنه كان يطلب حسن الابتداء، وذكر الخزاعى أن عاصما والكسائى كانا يطلقان الوقف من حيث يتم الكلام، واتفقت الرواة عن حمزة أنه كان يقف عند انقطاع النفس، فقيل: لأن قراءته التحقيق والمد الطويل فلا يبلغ نفس القارئ التام ولا الكافى (٣). والأولى (٤)؛ لأن القرآن عنده كالسورة الواحدة فلم يتعمد (٥) وقفا معينا؛ ولذلك (٦) آثر (٧)

стр. 265

وصل السورتين، فلو كان للتحقيق لآثر القطع. وباقى القراء كانوا يراعون حسن الحالتين وقفا وابتداء، حكاه عنهم الرازى والخزاعى وغيرهما. والله أعلم. ص: وفيهما رعاية الرّسم اشترط ... والقطع كالوقف وبالآى شرط ش: (رعاية الرسم) مبتدأ، (واشترط) خبره، ولم يؤنث (١) على حد قوله: إنارة العقل مكسوف بطوع هوى .... (وفيهما) يتعلق ب (اشترط)، و (القطع كالوقف) اسمية، و (بالآى شرط) خبر لمبتدإ مقدر، أى والقطع شرط بالآى. وهذا شروع فى الفرق بين الوقف والقطع (٢) والسكت، وقد كانت الثلاثة عند كثير من المتقدمين يريدون بها الوقف غالبا، وأما عند المتأخرين وغيرهم من المحققين، فالقطع عندهم عبارة عن قطع القراءة رأسا، فهو كالانتهاء، [فالقارئ به كالمعرض] (٣) عن القراءة والمنتقل منها إلى غير القراءة، كالذى يقطع على حزب أو ورد أو عشر أو فى ركعة ثم يركع، أو نحو ذلك مما يؤذن بانقضاء القراءة والانتقال منها إلى حالة أخرى، ولا يكون إلا على رأس آية (٤)؛ لأن رءوس الآى فى نفسها مقاطع، قال أبو عبد الله بن أبى الهذيل التابعى الكبير: «إذ افتتح أحدكم آية يقرؤها فلا يقطعها حتى يتمها» وفى رواية عنه: «كانوا يكرهون أن يقرءوا بعض الآية ويدعوا (٥) بعضها» وقوله: «كانوا» يدل على أن الصحابة كانوا يكرهون ذلك. والوقف: قطع الصوت على آخر الكلمة زمنا يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة، إما (٦) بما يلى الحرف الموقوف عليه أو بما قبله كما تقدم، لا بنية الإعراض، وينبغى البسملة معه فى فواتح السور كما سيأتى، ويقع فى رءوس الآى وأوساطها، ولا يقع فى وسط كلمة (٧)، ولا فيما اتصل رسما، ولا بد من التنفس (٨) معه؛ فحصل بين الوقف والقطع اشتراك فى قطع الصوت زمنا يتنفس فيه؛ فلهذا قال: (والقطع كالوقف)، ويفترقان فى أن القطع لا يكون إلا على رءوس الآى [بنية قطع القراءة عما بعدها] (٩) بخلاف الوقف؛ فلذا قال: (وبالآى شرط).

стр. 266

ثم ذكر السكت فقال: ص: والسّكت من دون تنفّس وخص ... بذى اتّصال وانفصال حيث نص ش: (والسكت) حاصل (من دون تنفس) اسمية، و (خص) فعل مجهول الفاعل (١)، ونائبه ضمير (٢) (السكت)، و (بذى) يتعلق ب (خص)، وحيث ظرف معمول ل (خص)، و (نص) جملة مضاف إليها. أى: السكت عبارة عن قطع الصوت زمنا هو دون زمن الوقف عادة من غير تنفس. وقد اختلفت ألفاظ الأئمة فى التعبير عنه مما يدل على طول السكت وقصره: فقال أصحاب سليم عنه عن حمزة فى السكت على الساكن قبل الهمز: سكتة يسيرة، وقال ابن سليم عن خلاد: لم يكن يسكت على السواكن كثيرا، وقال الأشنانى: قصيرة، وقال قتيبة عن الكسائى: مختلسة بلا إشباع (٣)، وعن الأعشى: تسكت (٤) حتى تظن أنك قد نسيت ما بعد الحرف. وقال ابن غلبون: يسيرة، وقال مكى: خفيفة، وقال ابن شريح: رقيقة، وقال أبو العلاء: من غير قطع نفس، وقال الشاطبى: سكتا مقللا، وقال الدانى: لطيفة من غير قطع، وهذا لفظه أيضا فى السكت بين السورتين فى «جامع البيان»، وقال [فيه] (٥) ابن شريح [وابن الفحام] (٦): سكتة خفيفة، [وقال أبو العز: يسيرة] (٧)، وقال أبو محمد فى «المبهج» (٨): وقفة تؤذن بإسرارها، أى بإسرار البسملة، وهذا يدل على المهلة، وقال الشاطبى: دون تنفس. فقد اجتمعت ألفاظهم على أن السكت زمنه دون زمن الوقف عادة، ولهم فى مقداره بحسب مذاهبهم فى التحقيق، والحدر (٩)، [والتوسط] (١٠). واختلفت (١١) آراء المتأخرين أيضا [فى المراد بكونه] (١٢) دون تنفس: فقال أبو شامة: المراد عدم الإطالة المؤذنة بالإعراض عن القراءة، وقال الجعبرى: المراد قطع الصوت زمنا قليلا أقصر من إخراج (١٣) النفس [لأنه إن طال صار وقفا يوجب البسملة، وقال ابن بضحان: أى دون مهلة وليس المراد بالتنفس هنا إخراج النفس] (١٤) بدليل أن القارئ إذا أخرج (١٥) نفسه مع السكت بدون مهلة لم يمنع من ذلك؛ فدل على أن

стр. 267

التنفس (١) هنا بمعنى المهلة، وقال ابن جبارة: يحتمل معنيين: أحدهما: سكوت يقصد به الفصل بين السورتين لا السكوت الذى يقصد به القارئ التنفس. الثانى (٢): سكوت دون السكوت لأجل التنفس، أى أقصر منه، أى دونه فى المنزلة والقصر. [قال] (٣): [لكن لا يحتاج إذا حمل الكلام على هذا المعنى أن يعلم مقدار السكوت لأجل التنفس حتى يجعل هذا دونه فى القصر قال] (٤) ويعلم ذلك بالعادة وعرف القراء. قال الناظم: والصواب حمل «دون» على معنى «غير» كما دلت عليه نصوص المتقدمين من (٥) أن السكت لا يكون إلا مع [عدم] (٦) التنفس، سواء قل (٧) زمنه أم (٨) كثر، وإن حمله على معنى «قل» خطأ. [قال] (٩): وإنما كان هذا صوابا لوجوه (١٠): أحدها: ما تقدم [عن الأعشى] (١١): حتى تظن أنك نسيت، وهذا صريح فى أن زمنه أكثر من زمن إخراج النفس. ثانيها: قول صاحب «المبهج» (١٢): سكتة تؤذن بإسرار (١٣) البسملة، وهو أكثر من إخراج النفس. ثالثها: أن التنفس على الساكن [فى نحو: «الأرض»] (١٤) و «قرأت» ممنوع اتفاقا، كما لا يجوز فى نحو: «الخالق» و «البارئ» لامتناع التنفس (١٥) وسط الكلمة إجماعا. وأما استدلال الجعبرى (١٦) بأن القارئ إذا أخرج نفسه مع السكت بدون مهلة لم يمنع (١٧) من ذلك، فليس مطلقا؛ لأنه إن أراد السكت منع إجماعا؛ إذ [لا يجوز وسط] (١٨) الكلمة إجماعا كما تقدم، أو بين السورتين؛ لأن كلامه فيه جاز باعتبار أن أواخر

стр. 268

السورة فى نفسها تمام، يجوز القطع عليها والوقف؛ فلا محذور من التنفس عليها (١)، نعم، لا يخرج وجه السكت مع التنفس، فلو تنفس القارئ آخر سورة لصاحب السكت أو على عِوَجاً [الكهف: ١] ومَرْقَدِنا [يس: ٥٢] لحفص بلا مهلة لم يكن ساكتا ولا واقفا؛ إذ السكت لا يكون معه تنفس، والوقف يشترط فيه التنفس مع المهلة. والله أعلم. وقوله: (وخص بذى اتصال) يعنى: أن السكت (٢) مقيد بالسماع والنقل، سواء كان الساكن المسكوت عليه متصلا بما بعده- أى فى كلمة- أم منفصلا، أى فى كلمتين، نحو: «قرآن»، و «من آمن» ومنه أواخر السور، فلا يجوز إلا فيما صحت الرواية به بمعنى (٣) مقصود لذاته، [وهذا هو الصحيح] (٤)، وحكى ابن سعدان (٥) عن أبى عمرو، والرازى (٦) عن ابن مجاهد (٧) أنه جائز فى رءوس الآى مطلقا حالة الوصل لقصد البيان. وحمل بعضهم الحديث الوارد عن أم سلمة (٨) كان النبى ﷺ يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ١] ثم يقف ... » الحديث (٩) على ذلك [وإذا صح حمل ذلك جاز فلهذا جزم أولا بقوله: «وخص بذى اتصال» وقيد الانفصال بموضع النص] (١٠). والله أعلم. ص: والآن حين الأخذ فى المراد ... والله حسبى وهو اعتمادى ش: (الآن) اسم للزمن الحاضر مبتدأ، و (حين الأخذ) خبره) و (فى المراد) يتعلق ب (الأخذ)، و (الله حسبى) (١١) اسمية، و (هو اعتمادى) كذلك، وهى معطوفة على الأولى، ويجوز عطفها على (حسبى) فلا محل لها على الأول، ومحلها رفع على الثانى. أى: وهذا الوقت وقت الشروع فى المقصود من هذه القصيدة؛ لأن ما توقّف عليه المقصود قد [ذكرته وفرغت] (١٢) منه؛ فلم يبق إلا الشروع فى المقصود، والله تعالى كاف عن (١٣) جميع الأمور لا أحتاج معه إلى غيره، وهو اعتمادى لا أعتمد على غيره فى جميع أمورى، فهو الذى بيده اليسر والعسر، عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 269

باب الاستعاذة الباب: ما يتوصل للشيء منه (١)، وهو خبر مبتدأ محذوف (٢) أى: هذا باب الاستعاذة، وعليه كان المتقدمون. والإضافة إما بمعنى [«فى»، أو] (٣) اللام التى للاستحقاق؛ كقولهم: (جلّ الفرس)، وكذا فى كل باب، وحذف المتوسطون المبتدأ، والمتأخرون بين حذف المضاف [وحذف] (٤) المضاف إليه. والاستعاذة: طلب العوذ، مصدر استعاذ بالله: طلب عصمته، من: عاذ [يعوذ] (٥) عوذا [وعياذا] (٦) وعياذة (٧)، وقدمها وضعا؛ لتقدمها حكما.

стр. 270

ص: وقل أعوذ إن أردت تقرا ... كالنّحل جهرا لجميع القرّا ش: الواو للاستئناف، و (قل) فعل أمر، وهو مبنى على ما يجزم به مضارعه، و (أعوذ) مضارع (١) مرفوع إما لتجرده من الناصب والجازم، وهو مذهب الكوفيين [وهو] (٢) الصحيح، أو لحلوله محل الاسم، وهو (٣) مذهب البصريين. ولا فاعل له هنا؛ لأن المراد منه لفظه وهو مفعول (قل)، والجملة إما جواب [(إن)] (٤)، أو دليله [أى: إذا أردت قراءة القرآن وقتا ما فاقرأ قبل القراءة الاستعاذة لجميع القراء واجهر بها أو أى شىء قرأت من ابتداء سورة أو آية أو بعضهما] (٥) على خلاف، وعليهما فلا محل لها؛ لعدم اقترانها بالفاء، أو ب «إذا» على الأول، ولاستئنافها على الثانى. (وأردت): قصدت، فعل الشرط، و (تقرا) مفعوله؛ فيلزم تقدير (إن)، ويجوز نصبه؛ كقول طرفة: ألا أيهذا الزاجرى أحضر الوغى ... .. .. ... (٦)

стр. 271

و (كالنحل) إما حال فاعل (قل) فيتعلق بواجب الحذف، أى: قل هذا اللفظ حال كونك مكملا له كلفظ النحل، أو من (أعوذ)، أو صفة مصدر حذف. وجهرا: [مصدر «جهر»] (١) أى: قل هذا اللفظ قولا ذا جهر، أو حال فاعل (قل) وحذف مفعول «تقرأ» (٢)؛ لأنه لم يتعلق بذكره غرض؛ إذ المراد: تقرأ آية أو سورة [أو أعم] (٣)، وليس من استعمال المشترك فى مفهوميه. ونبه ب (إن) أردت (٤) تقرأ على تقديم (٥) الاستعاذة على القراءة، أى: قل: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، لجميع القراء جهرا إن أردت قراءة ما (٦).

стр. 272

وقد ذكر فى هذا [البيت] (١) حكم الاستعاذة، والكلام عليها من وجوه: الأول: فى محلها . وهو قبل القراءة اتفاقا. وأما قول الهذلى فى (كامله): قال حمزة فى رواية [ابن] (٢) قلوقا: «إنما يتعوذ بعد الفراغ»، وبه قال [أبو] (٣) حاتم، فلا دليل فيه؛ لأن رواية ابن قلوقا عن حمزة منقطعة فى «الكامل» لا يصح إسنادها، وكل من ذكر هذه الرواية [عنه] (٤) كالدانى والهمذانى، وابن سوار، وغيرهم لم يذكروا ذلك؛ ولذا (٥) لم يذكر أحد عن أبى حاتم ما ذكره الهذلى، ولا دليل لهم فى الآية (٦)؛ لجريانها (٧) على ألسنة العرب وعرفهم (٨)؛ لأن تقديرها: إذا أردت القراءة؛ كقوله: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: ٦]؛ وكالحديث: «من أتى الجمعة فليغتسل» (٩)، وأيضا فالمعنى الذى شرعت له يقتضى تقدمها، وهو الالتجاء إلى الله تعالى

стр. 273

والاعتصام بجانبه من خطل أو خلل يطرأ فى القراءة أو غيرها، والإقرار (١) له بالمعذرة، واعتراف (٢) العبد بالضعف والعجز عن هذا العدو الذى لا يقدر على دفعه إلا الله تعالى. الثانى: فى صفتها . والمختار لجميع القراء: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، بل حكى الأستاذ أبو طاهر ابن سوار وأبو العز وغيرهما الاتفاق على ذلك، بل قال السخاوى: هو الذى عليه إجماع الأمة. وفى دعواهما (٣) نظر، ولعلهما أرادا المختار؛ فقد ورد غير ذلك (٤). أما (أعوذ) فنقل عن حمزة: «أعوذ» و «نستعيذ» و «استعذت» ولا يصح؛ لما سيأتى (٥)، واختاره

стр. 274

صاحب «الهداية» من الحنفية. قال: لمطابقة لفظ القرآن، يعنى فَاسْتَعِذْ [النحل: ٩٨]. ويؤخذ من هذا التعليل: أنه لا يجزئ عنده إلا «أستعيذ» وفيه نظر، بل لا يجزئ «أستعيذ». والدليل عليه أن السين والتاء شأنهما الدلالة على الطلب إيذانا بطلب التعوذ؛ فمعنى «استعذ بالله»: اطلب من الله أن يعيذك. فامتثال الأمر [قولك] (١): «أعوذ»؛ لأن قائله متعوذ ومستعيذ، قد عاذ والتجأ، وقائل: «أستعيذ» طالب العياذ لا متعوذ، ك «أستخير» [الله] (٢)، أى: أطلب خيرته، وكذلك [أستغفره] (٣) وأستقيله، فدخلت [استعذ] (٤) على الأمر إيذانا بطلب هذا المعنى من المعاذ به، فإذا قال المأمور: (أعوذ) فقد امتثل ما طلب منه؛ فإن المطلوب منه نفس الاعتصام، وفرق بينه وبين طلب الاعتصام، فلما كان المستعيذ هاربا ملتجئا معتصما بالله أتى بالفعل الدال على ذلك (٥)، فتأمله. فإن قلت: فما تقول فى الحديث الذى رواه أبو جعفر الطبرى بسنده إلى ابن عباس (٦) قال: أول ما نزل جبريل على النبى ﷺ قال: «يا محمّد استعذ» (٧). قال: «أستعيذ بالسّميع العليم من الشّيطان الرّجيم (٨)». فالجواب: أن التمسك به يتوقف على صحته، وقد قال الحافظ أبو الفداء (٩) إسماعيل ابن كثير: «فى إسناده ضعف وانقطاع». انتهى. ومع ذلك فإن الدانى (١٠) رواه على الصواب عن ابن عباس: أن جبريل قال: «يا محمّد قل: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم». والحاصل أن المروى عن النبى ﷺ فى جميع تعوذاته: أعوذ، وهو الذى أمره الله به وعلمه له فقال: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ [المؤمنون: ٩٧]، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس: ١]، وقال تعالى عن موسى: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [البقرة: ٦٧]، وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ [الدخان: ٢٠]، وقال سيد البشر: «إذا تشهّد أحدكم

стр. 275

فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهمّ إنّى أعوذ بك ... الحديث (١)». ولم يقل: أستعيذ، ولا أصرح فى بيان الآية من هذا. وأما «بالله» فجاء عن ابن سيرين [أعوذ] (٢) بالسميع العليم. قيل: وعن حمزة. وأما «الرجيم» ففي «كامل (٣) الهذلى» «أعوذ بالله القادر من الشيطان الغادر». وعن أبى السمال (٤): «أعوذ بالله القوى من الشيطان الغوى». الثالث: فى الجهر (٥) بها والإخفاء (٦). والمختار: الجهر بها عند جميع القراء، إلا ما سنذكر (٧) عن حمزة، وفى كل حال من أحوال القراءة. قال (٨) الدانى: لا أعلم خلافا فى الجهر بالاستعاذة عند افتتاح القرآن، وعند ابتداء كل قارئ لعرض (٩) أو تدريس أو تلقين، وفى جميع القرآن، إلا ما جاء (١٠) عن حمزة ونافع.

стр. 276

ثم روى عن ابن المسيبى (١) أنه قال: ما كنا نستعيذ البتة. وروى عن نافع (٢) أنه كان يجهر بالتسمية، ويخفى الاستعاذة عند افتتاح السور ورءوس الآى (٣). [ثم] (٤) قال المصنف: وقد صح إخفاء (٥) التعوذ من رواية المسيبى. وسيأتى عن حمزة (٦). واعلم أن فى البيت (٧) أربع مسائل: حكم الاستعاذة، وابتداؤها ب «أعوذ»، وكونها كالنحل، [وجهرا] (٨). فقوله (٩): (لجميع القراء) إما حال من (أعوذ)، أى: قل هذا اللفظ لجميع القراء؛ لقول المصنف فى «نشره»: نقل عن حمزة: أستعيذ، ولا يصح؛ فيكون إجماعا، أو متعلق ب «جهرا» ثم استثنى حمزة، وهو صريح كلام الدانى، ولما (١٠) صح عنده [إخفاء] (١١) الاستعاذة عن نافع لم يستثنه، أو ب (كالنحل) تبعا للسخاوى وغيره، وهو أبعدها؛ لتجويزه [الزيادة] (١٢) والتغيير، والأولى أن يكون المراد: قل التعوذ ابتداء لجميع القراء؛ لأنه طعن فيما روى عن حمزة وأبى حاتم. تنبيه: أطلقوا الجهر، وقيده أبو شامة بحضرة سامع، قال: لأنه [من فوائدها أن السامع] (١٣) راح ينصت للقراءة من أولها فلا يفوته شىء، وعند الإخفاء لم يعلم السامع إلا بعد فوات جزء، وهذا الفارق بين الصلاة وغيرها؛ [فإن المختار فيها] (١٤) الإخفاء. انتهى. وهو كلام حسن لا بد منه. وقال الجعبرى- ﵀: «هى على سنن القراءة، إن جهرا فجهر، وإن سرّا فسر». قلت: وفيه نظر؛ لأن المأتى بها لأجله يحصل بالجهر والسر (١٥). وأيضا فالإجماع على أنها دعاء لا قرآن، فينبغى السر بها جريا على سنن الدعاء، وفرقا بين القرآن وغيره [كأن] دعت الضرورة إلى الجهر بها بحضرة سامع، ومحل الضرورة [فى مثله] (١٦) لا يتجاوز.

стр. 277

ص: وإن تغيّر أو تزد لفظا فلا ... تعد الّذى قد صحّ ممّا نقلا ش: (إن) حرف شرط، و (تغير) فعله (١)، و (تزد) (٢) عطف عليه، و (لفظا) مفعول (تغير)، ومقدر (٣) مثله فى الثانى، وهو: الأولى، أو العكس، وأطلق (لفظا)؛ ليصدق على كل لفظ سواء كان تنزيها أو ذمّا للشيطان، والفاء للجواب، و (لا) ناهية، و (تعد) مجزوم [بالحذف للنهى] (٤)، والموصول مفعوله، [(ومن) تتعلق (٥) ب (تعد)، (وما) موصول، و (نقل) صلته] (٦)، وعبر بالموصول ليعم المنقول عن النبى ﷺ وعن أئمة القراء (٧). أى: وإن ترد أن تغير الاستعاذة عن النظم الوارد فى سورة النحل أو تزد لربك تنزيها، أو للشيطان ذمّا بأى لفظ شئت، فلا تتجاوز عن (٨) المنقول اللفظ الذى قد صح منه. وذكر الناظم- أثابه الله تعالى- فى هذا (٩) حكم التغيير والزيادة: أما التغيير فروى ابن ماجة بإسناد صحيح عنه ﷺ : «اللهمّ إنّى أعوذ بك من الشّيطان الرّجيم» (١٠). ورواه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن أبى ليلى عن معاذ بن جبل وهذا لفظه، والترمذى لكن بمعناه وقال: مرسل (١١)، واختاره بعض القراء، وروى غير هذا. وأما الزيادة فوردت بألفاظ، منها ما يتعلق بتنزيه الله- تعالى- ومنها ما يتعلق بذم الشيطان، فالأول ورد على أنواع: الأول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» (١٢).

стр. 278

قال الدانى: وعليه عامة أهل الأداء من أهل الحرمين والشام والعراقين، ورواه الخزاعى عن أبى عدى عن ورش (١)، والأهوازى عن حمزة، ورواه أصحاب السنن الأربعة وأحمد عن أبى سعيد بإسناد جيد. قال الترمذى: وهو أصح حديث فى الباب. فإن قلت: هذا الحديث معارض بما رواه ابن مسعود من قوله ﷺ حين قرأ عليه فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: «قل يا ابن أمّ [عبد] (٢): «أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم» (٣). قلت: يكفى فى ترجيح الأول قول الترمذى: هو أصح حديث فى الباب. الثانى: «أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم». قال الدانى: وعليه أهل مصر وسائر بلاد المغرب، وروى عن قنبل، وورش وأهل الشام. الثالث: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم». ذكره أبو معشر عن أهل مصر، والمغرب، [وروى عن أبى جعفر وشيبة ونافع، فى غير رواية أبى عدى عن ورش، وابن عامر، والكسائى، وحمزة فى أحد وجوهه (٤)] (٥). الرابع: «أعوذ بالله السميع العليم [من الشيطان الرجيم]» (٦). رواه الزينبى عن قنبل، وأبو عدى عن ورش. [الخامس:] (٧) «أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم». رواه الزينبى عن ابن كثير. السادس: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم». ذكره الأهوازى عن جماعة. السابع: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأستفتح الله وهو خير الفاتحين».

стр. 279

رواه إدريس عن حمزة. الثامن: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه (١) القديم من الشيطان الرجيم». رواه أبو داود فى دخول المسجد عن عمرو بن العاص عن النبى ﷺ وقال: إذا قال ذلك قال الشيطان: «عصم منّى سائر اليوم» (٢) وإسناده جيد، وهو حديث حسن. وأما ما يتعلق بشتم الشيطان فخرج الطبرانى من حديث أبى بكر قال: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهمّ إنّى أعوذ بك من الرّجس النّجس الخبيث المخبّث الشّيطان الرّجيم، ونفخه» (٣) رواه ابن ماجة، وهذا لفظه، وأبو داود، والحاكم، وابن حبان فى صحيحيهما. وأما النقص فأهمله أكثرهم؛ ولذا لم يذكره [لا] (٤) لضعفه، [فقد] (٥) قال الناظم فى «نشره»: والصحيح جوازه، فقد قال الحلوانى فى جامعه: من شاء زاد أو نقص- يعنى بحسب الرواية- وفى سنن أبى داود وغيره من حديث [جبير] (٦) بن مطعم: «أعوذ بالله من الشيطان» (٧) فقط. ص: وقيل يخفى حمزة حيث تلا ... وقيل لا فاتحة وعلّلا ش: (قيل) مبنى للمفعول، و (يخفى حمزة) فعلية، و (حيث) من الظروف الملازمة للإضافة إلى الجمل، وهى مبنية على الضم الصحيح لقطعها عن الإضافة، وفيها ست لغات: تثليث الثاء مع الياء والواو، وهى مضافة إلى جملة (تلا)، وجملة (يخفى) نائب عن فاعل (قيل)، أى: وقيل هذا اللفظ، ولا (فاتحة) نائب فاعل (قيل)، ولا بد من تقدير محذوف، أى: وقيل لا فاتحة فلا يخفى فيها، (وعللا) فعلية مستأنفة، أى: وقيل: يخفى حمزة الاستعاذة فى كل مكان تلاه من القرآن سواء كان فاتحة أو غيرها، وهذه طريقة المهدوى والخزاعى، وقيل: يخفى فى جميع (القرآن) (٨) إلا [فى] (٩) الفاتحة فيجهر

стр. 280

بالتعوذ فى أولها، وهى (١) طريقة «المبهج» عن سليم، وذكر الصفراوى الوجهين عن حمزة. تنبيه: لا بد فى الإخفاء من إسماع القارئ نفسه، ولا يكفى (٢) التصور ولا فعل (٣) القارئ دون صوت عند الجمهور، وقال كثير: هو الكتمان، فيكفى ذكره بالنفس بلا لفظ، وحمل أكثرهم كلام الشاطبى عليه. قوله: (وعللا) أى: ضعّف، يحتمل ألفه التثنية (٤) وهو الأولى؛ لاجتماعهما فى علة التضعيف (٥)، وهو فوات السامع شيئا، والإطلاق؛ لأن القول الثانى بأن فعلها فى الفاتحة (٦) دون غيرها تحكّم؛ فهو ظاهر الضعف. ص: وقف لهم عليه أو صل واستحب ... تعوّذ وقال بعضهم يجب ش: [الواو لعطف جملة طلبية على مثلها، و] (٧) الجاران متعلقان ب (قف)، وضمير (عليه) للتعوذ، و (أو صل) التعوذ بما بعده، كذلك، ولا محل لهما، والباقى [واضح] (٨). أى: قف للقراء على الاستعاذة، قال [الدانى] (٩): وهو تام. أو صلهما بما بعدها من البسملة، قال الدانى: وهو أتم من الأول، أو من السورة، فيتصور أربع صور، ورجح ابن الباذش الوقف لمن مذهبه الترتيل. قال: فأما من لم يسم- يعنى مع (١٠) الاستعاذة- فالأشبه عندى أن يسكت، أى: يقف عليها ولا يصلها بشيء من القرآن، وعلى الوصل لو التقى مع الميم مثلها، نحو «الرجيم ما ننسخ» أدغم لمن مذهبه الإدغام. وقوله: (واستحب تعوذ) إما من عطف الخبر على الإنشاء عند من جوّزه، أو جملة مستأنفة عند من منعه، وجملة: (قال بعضهم) معطوفة على (واستحب) فلا محل لهما مطلقا، وجملة: (يجب التعوذ) محكية بالقول، فمحلها (١١) نصب. أى: يستحب التعوذ عند القراءة مطلقا [فى الصلاة] (١٢) وخارجها عند الجمهور.

стр. 281

وقال داود وأصحابه: يجب؛ إبقاء لصيغة «افعل» على أصلها، وجنح له الإمام فخر الدين الرازى وحكاه عن [ابن] (١) أبى رباح. فائدتان: [الأولى] (٢): إذا قطع القارئ القراءة لعارض (٣) من سؤال أو كلام يتعلق بالقراءة لم يعد الاستعاذة، بخلاف الكلام الأجنبى فيعيدها، ولو رد السلام، وكذا [لو كان القطع] (٤) إعراضا عن القراءة. وقيل: يستعيذ. الثانية: لو قرأ جماعة هل يجزئ تعوذ أحدهم؟ لا نص فيها، والظاهر عدمه؛ لأن المقصود [الاعتصام] (٥) والالتجاء؛ فلا بد من تعوذ كل قارئ. قاله (٦) المصنف.

стр. 282

باب البسملة هى مصدر «بسمل»، إذا قال: بسم الله، ك «حوقل» إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، و «حمدل» إذا قال: الحمد لله، وهو شبيه بباب النسب، أى أنهم يأخذون اسمين فيركبون منهما اسما واحدا فينسبون إليه، كقولهم: حضرمى، وعبشمى، وعبقسى، نسبة إلى: حضر موت، وعبد شمس، وعبد القيس، لا جرم أن بعضهم قال فى «بسمل» و «هلل»: إنها لغة مولدة. قال الماوردى: يقال لمن بسمل مبسمل، وهى لغة مولدة (١)، ونقلها غيره كثعلب، والمطرز، ولم يقل: إنها مولدة. [وذكرها بعد التعوذ؛ لوقوعها بعده فى التلاوة] (٢). ص: بسمل بين السّورتين (ب) ى (ن) صف ... (د) م (ث) ق (ر) جا وصل (٣) (ف) شا وعن خلف فاسكت فصل والخلف (ك) م (حما) (ج) لا ... ... ... ... ش: (بين السورتين) ظرف [بسمل] (٤) و (بى) فاعله، إما باعتبار أنه صار عند القراء اسما للقارئ، فحيث قالوا: بسمل (بى)، فكأنهم قالوا: بسمل قالون، وإما على حذف

стр. 283

مضاف، وكأنهم قالوا: بسمل ذو باء (بى)، وهكذا جميع رموز (١) الكتاب تجعل كأنها أسماء مستقلة (٢)، سواء كانت الكلمة فى صورة الاسم أو الفعل أو الجار والمجرور، فيحكم على تلك الكلمة بالفاعلية والابتدائية، والخبرية والمفعولية، سواء كان مفعولا صريحا، أو بنزع الخافض أو بالإضافة (٣) إليها، وحاصله أنه لا ينظر إلى صورته أصلا، وكذلك إذا جمع الناظم بين كلمات رمز بلا عاطف (٤) فتجعل معطوفات (٥) بحذف العاطف، فقوله: (بى) فاعل) والأربعة بعده معطوفات بمحذوف، (وصل) أمر متعد ل (فشا) بلام مقدرة، فهو (٦) فى محل نصب، و (فاسكت) جواب شرط مقدر، أى: وأما عن خلف، و «صل» معطوف على (اسكت)، و (الخلف) مبتدأ، وخبره كائن عن (كم). و (حمى وجلا) معطوفان (٧) على (كم)، ومحلها نصب، أى: بسمل (٨) بين السورتين باتفاق ذو باء (بى) قالون (٩)، ونون (نصف) عاصم، ودال (دم) ابن كثير وثاء (ثق) (أبو جعفر) وراء (رجا) (الكسائى)، ووصل بينهما باتفاق ذو فاء (فشا) [حمزة] (١٠). واختلف عن (خلف) فى اختياره فى الوصل والسكت، وعن ذى كاف (كم) ابن عامر، وحما (البصريّين)، وجيم جلا (ورش) من طريق الأزرق. أما خلف: فنص له على الوصل أكثر المتقدمين، وهو الذى فى «المستنير» (١١) و «المبهج» و «كفاية سبط الخياط» و «غاية أبى العلاء»، وعلى السكت أكثر المتأخرين. وأما ابن عامر: فقطع له بالوصل صاحب «الهداية»، وبالسكت صاحب «التلخيص» و «التبصرة»، وابن غلبون، واختاره الدانى، وبه قرأ على أبى الحسن، ولا يؤخذ من

стр. 284

«التيسير» بسواه، وبالبسملة صاحب «العنوان» و «التجريد» وجمهور العراقيين. وبه قرأ الدانى على الفارسى، وأبى الفتح. وأما أبو عمرو فقطع له بالوصل صاحب «العنوان» و «الوجيز». وبه قرأ على الفارسى عن (١) أبى طاهر. وبه قرأ صاحب «التجريد» على عبد الباقى، وبالسكت صاحب «التبصرة» و «تلخيص العبارات» و «المستنير» و «الروضة» وسائر كتب العراقيين، وبالبسملة صاحب «الهادى»، واختاره صاحب «الكافى»، وهو الذى رواه ابن حبش (٢) عن السوسى والثلاثة فى «الهداية». وقال الخزاعى والأهوازى، ومكى، وابن سفيان، والهذلى: والتسمية بين السورتين مذهب البصريين عن أبى عمرو. وأما يعقوب فقطع له بالوصل صاحب «غاية الاختصار»، وبالسكت صاحب «المستنير» و «الإرشاد» و «الكفاية» وسائر العراقيين، وبالبسملة صاحب «التذكرة» و «الكافى» و «الوجيز» و «الكامل» وابن الفحام. وأما الأزرق فقطع له بالوصل صاحب «الهداية» و «العنوان» و «المفيد» وجماعة، وبالسكت ابنا غلبون وجماعة، وهو الذى فى «التيسير». وبه قرأ الدانى على جميع شيوخه، وبالبسملة صاحب «التبصرة» من (٣) قراءته على أبى عدى، وهو الذى اختاره صاحب «الكافى». وبه كان يأخذ أبو حاتم وأبو بكر الأدفوي وغيرهما عن الأزرق والثلاثة فى «الشاطبية». وجه إثباتها بين السور: ما روى [عن] (٤) سعيد بن جبير قال: «كان النّبىّ ﷺ لا يعلم انقضاء السّورة حتّى تنزل بسم الله الرّحمن الرّحيم» (٥). ولثبوتها فى المصحف بين السور عدا «براءة». ووجه تركها: قول ابن مسعود: كنا نكتب (باسمك اللهم)، فلما نزل بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها [هود: ٤١] كتبنا (بسم الله)، فلما نزل قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: ١١٠] كتبنا (بسم الله الرحمن)، فلما نزل إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ ... الآية [النمل: ٣٠] كتبناها (٦).

стр. 285

فهذا دليل على أنها لم تنزل أول كل سورة. ووجه الوصل: أنه جائز بين كل اثنتين، وكان حمزة يقول: القرآن كله عندى كالسورة، فإذا بسملت فى الفاتحة أجزأنى ولم أحتج لها. وحينئذ فلا حاجة للسكت؛ لأنه بدل منها. ووجه السكت: أنهما اثنتان وسورتان وفيه إشعار بالانفصال، والله أعلم. ص: ... ... ... ... واختير للسّاكت فى (ويل) ولا بسملة والسّكت عمّن وصلا ... .. ... ... ش: (واختير) مبنى للمفعول، ولام (للساكت) و (فى) متعلقان ب (اختير)، والمجرور لفظ (ويل) و (لا) معطوف عليه، وأطلقهما ليعما جميع مواقعهما، وكل منهما فى موضعين وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] ووَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: ١] ولا أُقْسِمُ [القيامة: ١] أول القيامة، والبلد، و (بسملة) نائب عن الفاعل، أى: واختير فى هذا اللفظ بسملة، و (السكت) عطف على «بسملة». أى: واختير عمن وصل السكت: أى: اختار كثير من الآخذين بالسكت لمن ذكر من ورش والبصريين، وابن عامر، وخلف، كابنى غلبون وصاحب «الهداية»، ومكى. وبه قرأ الدانى على أبى الحسن، وابن خاقان البسملة بين «المدثر» ولا أُقْسِمُ وبين «الانفطار» ووَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ وبين «الفجر» ولا أُقْسِمُ وبين «العصر» ووَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ للإتيان ب «لا» بعد [«المغفرة»] (١) و «جنتى» وب «ويل» بعد اسم الله- تعالى- و «الصبر» والكراهة فى التلاصق؛ ولهذا ذمّ الخطيب الواصل «من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما». قال المصنف: والظاهر أنه إنما قال له النبى ﷺ : «بئس خطيب القوم أنت» (٢)؛ لأنه زاد حدّا فى تقصير الخطبة، وهو الذى يقتضيه سياق مسلم للحديث؛ لأنه فى مقام تعليم ورشد وبيان ونصح، فلا يناسب غاية الإيجاز، وهذا هو الصحيح فى سبب الذم. وقيل: لجمعه بين الله ورسوله فى كلمة. وليس بشيء. وفيما عدل إليه القراء؛ لأنهم فروا من قبيح إلى أقبح؛ لأن من وجوه البسملة الوصل
следующие страницы →