رواه البخاري ومسلم في "الصحيح" عن قتيبة (١).
٣٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا أبو الجَوّاب، حدثنا عمار بن رُزَيق، عن الأعمش، عن سهل، عن بكير (٢) الجزري، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: "الأئمة من قريش" (٣).
٣٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو زكريا ابن أبي إسحاق، وأبو بكر ابن الحسن، قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع ابن سليمان، حدثنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تجدون
стр. 107
الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية، خيارهم في الإسلام إذا فقُهوا" (١).
٣٥ - قال الإمام أحمد (٢): قال أبو عبد الله الحافظ: في هذا الخبر علامة بينة في الشافعي، وذلك أن أهل المعرفة بالأنساب قد شهدوا لآبائه في الجاهلية بأنهم كانوا أئمةَ العرب وأشرفَها نسبًا وبيتًا، ثم محلُّه في الإسلام من الفقه المحلُّ الذي لا يخفى.
٣٦ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان ببغداد، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن دُرُسْتُوَيه، حدثنا يعقوب بن سفيان (٣)، حدثنا عبيد الله - هو ابن موسى -، عن شيبان، عن الأعمش، عن سهل يكنى أبا أسد.
ح, وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا أبو الجَوّاب، أخبرنا عمار بن رُزيق، عن الأعمش، عن سهل، عن بكير الجزري، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "الأئمة من قريش".
стр. 108
٣٧ - وأخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق، وأبو بكر ابن الحسن، وأبو سعيد ابن أبي عمرو، قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، حدثنا الشافعي، حدثني ابن أبي فُدَيك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب: أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: "قدِّموا قريشًا ولا تَقَدَّموها، وتَعلَّموا منها ولا تَعَالموها" أو "تُعلِّموها" شك ابن أبي فديك (١).
ورواه شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة، عن النبي ﷺ ، وهو مرسل جيد.
٣٨ - أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، أخبرنا أبو سهل ابن زياد القطان، حدثنا عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: كان أبو بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة (٢) - وكان من علماء قريش - يقول: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُعلِّموا قريشًا، وتَعَلَّموا منها، ولا تَقدَّموها وخذوا عنها، فإن للقرشي مثلَ قوةِ الرجلين من غير قريش" (٣).
стр. 109
وروي موصولًا من وجه آخر، وكلُّ ذلك مخرَّج في كتاب "السنن" في أبواب الإمامة (١).
ورواه الزَّبيدي، عن الزهري، عن عبد الله بن واقد، عن أبي بكر بن سليمان، عن النبي ﷺ (٢).
٣٩ - أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق المزكي، أخبرنا أحمد بن سلمان الفقيه قال: قُرئ على يحيى بن جعفر وأنا أسمع، أخبرنا زيد بن الحباب.
ح, وأخبرنا محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل القطان، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (٣)، حدثنا أبو عاصم، وآدم، وعاصم بن علي، وأحمد بن يونس، قالوا: حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن عبد الرحمن بن أزهر، عن جبير بن مطعم: أن رسول الله ﷺ قال: "للقرشيّ مثلُ قوة الرجلين من غير قريش"، قيل للزهري: وما أراد بذلك؟ قال: نُبْل الرأي.
وفي رواية زيد بن الحباب قال: كمال الرأي.
٤٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، في آخرين قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، حدثنا الشافعي، أخبرنا
стр. 110
يحيى بن سُليم، عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن إسماعيل بن عبيد ابن رفاعة الأنصاري، عن أبيه، عن جده رفاعة: أن النبي ﷺ نادى: "أيها الناس، إن قريشًا أهل أمانة، من بَغَاها للعواثر كبَّه الله لِمَنْخَريه"، يقولها ثلاث مرات (١).
٤١ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان، حدثنا يحيى ابن بكير، حدثنا الليث، عن ابن الهادِ.
ح, وأخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق، في آخرين، قالوا: حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن الهادِ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: أن قتادة بن النعمان وقع بقريش، فكأنه نال منهم، فقال رسول الله ﷺ : "مهلًا يا قتادة، لا تشتُم قريشًا".
وفي رواية الليث: "مَهْ يا قتادة، لا تسبنَّ قريشًا، فإنك لعلك ترى منها رجالًا - أو: يأتي منهم رجالٌ - تَحقِر عملك مع أعمالهم، وفعلك مع أفعالهم، وتَغبِطهم إذا رأيتهم، لولا أن تطغى قريش لأخبرتها بالذي لها
стр. 111
عند الله". هذا حديث الدراوردي، عن ابن الهاد (١).
وقال الليث: فَلعَلك أن ترى منهم رجالًا تَزدري عملك مع أعمالهم، وفِعالك مع أفعالهم، وتغبطهم.
وزاد الليث في روايته: قال ابن الهاد: وسمعني جعفر بن عبد الله بن أسلم وأنا أحدث هذا الحديث، فقال: هكذا أخبرني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده.
٤٢ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان، حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث، عن ابن الهاد.
ح, وأخبرنا أبو الحسين ابن بشران، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المصري، حدثنا محمد بن إسماعيل السُّلَمي، حدثنا أبو صالح، حدثني الليث، حدثني ابن الهادِ، عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن عكرمة، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة: أن أبا قتادة السُّلَمي قال لخالد بن الوليد يوم الفتح: هذا يوم يُذِل الله فيه قريشًا، فقال بعض أصحاب رسول الله ﷺ : ألا تسمعُ يا رسول الله ما يقول أبو قتادة؟ ! فقال رسول الله ﷺ : "مهلًا يا أبا قتادة، فإنك لو وزنتَ رأيك مع رأيهم لحقَرتَ رأيك مع رأيهم، ولو وزنت حلمك مع أحلامهم،
стр. 112
لحقرت حلمك مع حلومهم، ولا تُعلِّموا قريشًا، وتَعَلَّموا منهم، ولولا أن تبطَر قريش، لأخبرتُهم ما لهم عند رب العالمين" (١).
قال أبو صالح: وهذا سمعته من إبراهيم بن سعد.
قال الإمام أحمد: هذا مرسل جيد، والذي قبله موصول.
٤٣ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد ابن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة، حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المَرْوَزي الحافظ، حدثنا يعقوب بن حميد، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ثابت، حدثنا عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن المطلب بن عبد الله ابن حَنْطب، عن جبير بن مطعم: أن النبي ﷺ قال: "يا أيها الناس، لا تَقَدَّموا قريشًا فتهلِكوا، ولا تَخَلَّفُوا عنها فتضِلوا، ولا تُعلموها وتَعَلموا منها، فإنهم أعلم منكم، لولا أن تبطر قريش، لأخبرتها بالذي لها عند الله". هذا موصول (٢).
ورواه غيره عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب في قصة قتادةَ بن النعمان، مرسلًا بمعنى رواية محمد بن إبراهيم.
٤٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو بكر محمد بن المؤمَّل ابن الحسن بن عيسى من أصل كتابه، حدثنا عبدان بن عبد الحليم
стр. 113
البيهقي، حدثنا أبو مصعب الزهري (١)، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ثابت الحَجَبي، حدثنا عثمان بن عبد الله بن أبي عتيق، عن سعيد بن عمرو بن جعدة، عن أبيه، عن جدته أم هانئ بنت أبي طالب قالت: قال رسول الله ﷺ : "فضَّل الله قريشًا بسبع خلال لم يُعطِها أحدًا قبلهم، ولا يُعطاها أحد بعدهم: فضَّل الله قريشًا بأني منهم، وأن النبوة فيهم، وأن الحِجابة فيهم، وأن السِّقاية فيهم، ونَصَرهم الله على الفيل، وعبدوا الله عشر سنين لا يعبده أحدٌ غيرُهم، وأنزل الله فيهم سورة في القرآن (٢) لم يَشْركهم فيها أحد غيرهم: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ إلى آخرها.
٤٥ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا عباس بن الفضل، حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : "فضّل الله قريشًا بسبع خصال: فضّلهم أنهم عَبَدوا الله عشر سنين لا يعبده إلا قرشي، وفضلهم
стр. 114
بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون، وفضّلهم بأنه نزلت فيهم سورة من القرآن لم يدخل معهم غيرهم: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾، وفضّلهم بأن فيهم النبوة، والخلافة، والحجابة، والسقاية" (١).
٤٦ - قال الإمام أحمد: هذا مع ما رُزق الشافعي من بيان اللسان، وحلاوة المنطق في النظر والتدريس، والتصنيف في أصول الفقه وفروعه، بدلائله وحُجَجه، من غير مخالفةٍ منه الأصلَ الذي أصّله، ولا مناقضة للبناء الذي أسّسه، حتى شهد له بفضله وعقله حكماء عصره، واعترف له بمزية علمه وحِلْمه علماء دهره.
٤٧ - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن بالويه يقول: سمعت عبد الملك بن محمد الفقيه يقول: حدثني علّان بن المغيرة قال: سمعت حرملة يقول: سمعت الشافعي يقول: أتيت مالك بن أنس وأنا ابن ثلاثَ عشْرةَ سنة، وكان ابنُ عمّ لي والي المدينة، فكلم لي مالكًا فأتيتُه لأقرأ عليه، فقال: اطلب من يقرأ لك، فقلت: أنا أقرأ، فقال: اطلب من يقرأ لك، قلت: أنا أقرأ، قال: فقرأت عليه، فكان ربما قال لي لشيء قد مرّ: أَعِدْ حديث كذا، فأُعيده حفظًا، فكأنه أعجبه، ثم سألته عن مسألة فأجابني، ثم أخرى فقال: أنت تحبُّ (٢) أن تكون قاضيًا.
стр. 115
٤٨ - أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السُّلَمي، حدثنا عياش ابن الحسن، حدثنا محمد بن الحسين بن سعيد الزعفراني، حدثنا زكريا ابن يحيى الساجي، حدثني ابن بنت الشافعي قال: سمعت أبي وعمي يقولان: كنا عند ابن عيينة، وكان إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا يُسأل عنها التفت إلى الشافعي، فقال: سلوا هذا.
٤٩ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف، أخبرنا أبو سعيد ابن زياد، حدثنا تميم بن عبد الله أبو محمد قال: سمعت سويد بن سعيد يقول: كنا عند سفيان بن عيينة بمكة، فجاء الشافعي فسلم وجلس، فروى ابن عيينة حديثًا رقيقًا، فغُشِي على الشافعي، فقيل: يا أبا محمد، مات محمد بن إدريس، فقال ابن عيينة: إن كان مات محمد بن إدريس، فقد مات أفضل أهل زمانه.
٥٠ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلمي قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم ابن محمد بن يحيى يقول: سمعت أبا نعيم الفقيه يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الحميدي يقول: سمعت مسلم بن خالد يقول للشافعي: قد والله آنَ لك أن تُفتي، وهو ابن خمسَ عشْرة سنة.
٥١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت الزبير بن عبد الواحد الحافظ بأسدآباذ يقول: سمعت عبدان الأَهوازي يقول: حدثني محمد بن الفضل، حدثنا هارون قال: ذكر يحيى بن سعيد القطانُ الشافعيَّ فقال: ما رأيت أعقل أو أفقه منه، قال: وعَرَض عليه كتاب "الرسالة" له.
٥٢ - وأخبرنا أبو عبد الله، أخبرني الزبير بن عبد الواحد قال: سمعت الحسن بن سفيان يقول: سمعت الحارث بن سُريج النقال يقول: سمعت
стр. 116
يحيى بن سعيد يقول: أنا أدعو الله للشافعي أخصُّه به.
٥٣ - أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران العدل ببغداد، أخبرنا أبو محمد دَعْلَج بن أحمد بن دَعْلَج قال: سمعت جعفر بن أحمد الصاغاني يقول: سمعت جعفر ابن أخي أبي ثور يقول: سمعت عمي يقول: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي وهو شابٌّ أن يضع له كتابًا فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، فوضع له كتاب "الرسالة"، قال عبد الرحمن بن مهدي: ما أصلي صلاة إلا وأدعو للشافعي ﵁ فيها (١).
٥٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني القاسم بن غانم بن حمُّويه قال: سمعت أبا عبد الله البُوْشَنْجي يقول: سمعت أبا رجاء قتيبة بن سعيد يقول: الشافعي إمام.
٥٥ - أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي الحافظ، سمعت منصور بن إسماعيل الفقيه، ويحيى بن زكريا يقولان: سمعنا أبا عبد الرحمن النسائي يقول: سمعت عبيد الله بن فَضَالة النسائى الثقة المأمون يقول: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: الشافعي إمام.
٥٦ - وأخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي، حدثنا زكريا الساجي، حدثني داود الأصبهاني قال: سمعت إسحاق بن راهويه
стр. 117
يقول: لقيني أحمد بن حنبل بمكة فقال: تعالَ حتى أريَك رجلًا لم تَرَ عيناك مثلَه! قال: فجاء فأقامني على الشافعي.
٥٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد ابن أبي الحسن، حدثنا عبد الرحمن بن محمد الحنظلي، عن أبي إسماعيل الترمذي قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: كنا بمكة والشافعيُّ بها، وأحمد بن حنبل، فقال لي أحمد بن حنبل: يا أبا يعقوب، جالسْ هذا الرجل - يعني: الشافعي -، قلت: وما أصنع به؟ سنُّه قريب من سِنّي! أترك ابن عيينة والمقرئ! فقال: ويحك، إن ذلك لا يفوتُ، وذا يفوت، فجالسه.
٥٨ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمي قال: سمعت محمد بن عبد الله ابن شاذان يقول: سمعت أبا القاسم ابن منيع يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان الفقه قُفْلًا على أهله حتى فتحه الله بالشافعي.
٥٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني الزبير بن عبد الواحد الحافظ بأسدآباذ، أخبرني محمد بن مخلد، حدثنا أبو بكر أحمد بن عثمان بن سعيد الأحول قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما كان أصحاب الحديث يعرفون معانيَ حديثِ رسول الله ﷺ حتى قدم الشافعي، فبيَّنها لهم.
٦٠ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ: أخبرني الزبير بن عبد الواحد، حدثني أبو المؤمَّل العباس بن الفضل بأُرْسوف قال: سمعت محمد بن عوف يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الشافعي فيلسوفٌ في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه.
٦١ - أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن السقاء
стр. 118
الإسفرايني، حدثنا أبو بكر الشافعي - يعني: البغدادي - قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول: سئل أحمد بن حنبل عن مالك بن أنس؟ فقال: حديث صحيح، ورأي ضعيف، وسئل عن الأوزاعي؟ فقال: حديث ضعيف ورأي ضعيف، وسئل عن الشافعي؟ فقال: حديث صحيح، ورأي صحيح، وسئل عن آخر؟ فقال: لا رأي ولا حديث.
٦٢ - قال الإمام أحمد: قوله في الأوزاعي حديث ضعيف: يريد به بعض ما يَحتج به، لا أنه ضعيف في الرواية، والأوزاعي إمام ثقة في نفسه، لكنه قد يَحتج في بعض مسائله بأحاديثَ مَن عَسَاه لم يقف على حاله، ثم يحتج بالمراسيل والمقاطيع، وذلك بيّنٌ في كتبه.
٦٣ - والشافعيُّ لا يحتج بالمراسيل ولا بأحاديث المجهولين، وهو وإن كان يروي مقاطيع، ويروي عن بعض الضعفاء، فليس يَعتمد على روايتهم، وإنما يَعتمد على ما تقوم به الحجة من الكتاب والسنة الصحيحة أو الإجماع أو القياس على بعض ذلك، ثم يروي ما يحفظ في الباب من الأسانيد على رسم أكثر أهل الحديث، وإن كانت الحجة لا تقوم ببعضها، ويشير إلى ضعف ما هو ضعيف منها بانقطاع أو غيره، لئلا يُتوهم أن اعتماده عليه، وقد سكت عن بيانه في بعض المواضع، اكتفاء بما بيّن في بعضها، والله أعلم (١).
стр. 119
٦٤ - قال (١): والرأي إنما هو تشبيه، فإذا وقع التشبيه بحديث ضعيف، أو بما لا يشبهه، أو بما في الأصول ما هو أقربُ إليه منه، وقع الرأي ضعيفًا، وإنما ضعف رأي مالك رحمنا الله وإياه لأنه قد يترك الحديث الصحيح لعمل أهل المدينة، ثم يدَّعي إجماعهم في الأمر الذي يجدهم مختلفين فيه، ثم يشبِّه به، فيقع التشبيه بأصل ضعيف، فيكون ضعيفًا، وبالله التوفيق (٢).
٦٥ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الرازي الصوفي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال: سمعت محمد بن مسلم بن وارهْ قال: لما قدمت من مصر، أتيت أبا عبد الله أحمد بن حنبل أُسلِّم عليه، فقال لي: كتبتَ كتبَ الشافعي؟ فقلت: لا، فقال لي: فرطتَ، ما عرفنا العمومَ من الخصوص، وناسخَ حديثِ رسول الله ﷺ من المنسوخ حتى جالسنا الشافعي. قال: ابن وارهْ: فَحَملَني ذلك على أن رجعتُ إلى مصر وكتبتها.
٦٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الفضل ابن أبي نصر العدل قال: وجدت عن أبي القاسم ابن منيع: قال لي صالح بن أحمد بن حنبل:
стр. 120
ركب الشافعي حماره، فجعل أبي يسايره يمشي والشافعي راكب، وهو يذاكره، فبلغ ذلك يحيى بن معين، فبعث إلى أبي في ذلك، فبعث إليه: إنك لو كنت في الجانب الآخر من الحمار، كان خيرًا لك، هذا أو معناه.
٦٧ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الطيب عبد الله بن محمد، وحدثنا أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن - يعني: الأصبهاني-، حدثنا زكريا بن يحيى قال: سمعت أحمد بن روح البغدادي يقول: سمعت الزعفراني يقول: كنت مع يحيى بن معين في جنازة، فقلت له: يا أبا زكريا، ما تقول في الشافعي؟ فقال: دعنا، لو كان الكذب له مطلقًا لكانت مروءته تمنعه أن يكذب (١).
٦٨ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا محمد بن طلحة المَرْوَرُّوذي، حدثنا أحمد بن علي الأصبهاني، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا أحمد بن روح البغدادي قال: سمعت الزعفراني يقول: كنت مع يحيى بن معين في جنازة، فقلت له: يا أبا زكريا، ما تقول في الشافعي؟ فقال: دعنا، لو كان الكذب له مطلقًا، لكانت مروءته تمنعه أن يكذب.
وأخبرنا به مرة أخرى فلم يذكر في إسناده: زكريا بن يحيى.
стр. 121
٦٩ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرني الحسن بن رُشَيق إجازة قال: ذكر زكريا بن يحيى، عن علي بن عثمان قال: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلّام يقول: ما رأيت رجلًا قطُّ أعقل من الشافعي ﵁.
٧٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا إبراهيم بن محمود قال: سمعت الزعفراني يقول: ما رأيت مثل الشافعي: أفضل، ولا أكرم، ولا أسخى، ولا أتقى، ولا أعلم منه.
٧١ - أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي الحافظ (١)، حدثنا يحيى بن زكريا قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: كانت ألفاظ الشافعي كأنها سُكَّر.
٧٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا محمد بن علي بن زياد يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق يقول: سمعت الربيع بن سليمان وذكر الشافعي فقال: لو رأيتموه لقلتم إن هذه ليست كتَبه، كان والله لسانُه أكبرَ من كتبه.
٧٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عبيد قال: كنا نسمع من يونس بن عبد الأعلى تفسير زيد بن أسلم، فقال لنا يونس: كنت أولًا أجالسُ أصحاب التفسير، وأناظر عليه، فكان الشافعي إذا أخذ في التفسير كأنه شهد التنزيل.
٧٤ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا محمد بن علي بن
стр. 122
طلحة، حدثنا أحمد بن علي الأصبهاني، حدثنا زكريا الساجي قال: سمعت هارون بن سعيد الأَيْلي يقول: ما رأيت مثل الشافعي، قدم علينا مصر فقالوا: قدم رجل من قريش، فجئناه وهو يصلي، فما رأيت أحسنَ صلاةً منه، ولا أحسن وجهًا منه، فلما قضى صلاته تكلم، فما رأينا أحسن كلامًا منه، فافْتُتِنّا به.
٧٥ - قال: وحدثنا الساجي، حدثنا أبو بكر ابن سعدان قال: سمعت هارون بن سعيد يقول: لو أن الشافعي ناظر على هذا العمود الذي من حجارة أنها من خشب لغَلَب، لاقتداره على المناظرة (١).
٧٦ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن العباس العُصْمي، حدثنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ياسين الهروي، سمعت إبراهيم بن إسحاق الأنصاري يقول: سمعت المَرْوَرُّوذي صاحبَ أحمد بن حنبل يقول: قال أحمد: إذا سئلتُ عن مسألة لا أعرف فيها خبرًا، قلت فيها بقول الشافعي، لأنه [إمام] عالم من قريش، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "عالم قريش يملًا الأرص علمًا"، وذُكر في الخبر: أن الله يقيِّض في رأس كل مئة سنة رجلًا يعلم الناس دينهم (٢).
стр. 123
وروى أحمد بن حنبل ذلك عن النبي ﷺ .
قال أحمد بن حنبل: فكان في المئة الأولى: عمر بن عبد العزيز، وفي المئة الثانية: الشافعي.
قال أبو عبد الله أحمد: وإني لأَدعُو للشافعي منذ أربعين سنة في صلاتي.
قال الإمام أحمد: أما الحديث الأول الذي أشار إليه أحمد بن حنبل:
٧٧ - فحدثناه أبو بكر محمد بن الحسن بن فُوْرَك، أخبرنا عبد الله بن جعفر الأصبهاني، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا جعفر بن سليمان، عن النضر، عن الجارود.
ح, وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أحمد بن محمد السمرقندي، حدثنا محمد بن نصر المروزي، حدثني محمد بن عبد الملك القرشي.
ح, وأخبرنا أبو عبد الله، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى، أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد البغدادي، حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل قالا: حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا النضر بن حميد الأسدي، حدثنا الجارود، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : "لا تسبوا قريشًا، فإن عالمها يملأ الأرض علمًا، اللهم إنك أذقتَ أولها عذابًا ووبالًا، فأَذِقْ آخرها نوالًا" (١).
стр. 124
وقد روي هذا من وجه آخر: عن ابن عباس، عن النبي ﷺ (١).
ومن وجه آخر: عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ .
وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (٢)، وفي إسنادها ضعف.
وقد ذكره أبو نعيم الفقيه الإسْتِراباذي، وجعل تأويله في الشافعي لظهور علمه، وانتشاره في البلاد (٣).
٧٨ - وأما الحديث الآخر: فأخبرنا أبو عبد الله الحافظ (٤)، أخبرني أبو بكر بن عبد الله الوراق، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا عمرو بن سَوّاد
стр. 125
السَّرْحي، وحرملة بن يحيى، قالا: حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني سعيد ابن أبي أيوب، عن شَراحيل بن يزيد المَعَافري، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة - فيما أعلم -، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يُبْعَث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدِّد لها دينها".
٧٩ - وأخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد الهروي، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي الحافظ (١)، أخبرنا محمد بن هارون بن حسان الهروي، ومحمد بن علي بن الحسين، قالا: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، أخبرنا ابن وهب، فذكره بإسناده نحوه.
قال محمد بن علي بن الحسين: سمعت أصحابنا يقولون: كان في المئة الأولى: عمر بن عبد العزيز، وفي المئة الثانية: محمد بن إدريس الشافعي.
قال أبو أحمد: وأبو علقمة اسمه: مسلم بن يسار.
٨٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الفضل ابن أبي نصر العدل، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أيوب بن يحيى بن حبيب بمصر قال: سمعت أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار يقول: سمعت عبد الملك الميموني يقول: كنت عند أحمد بن حنبل ﵀، وجرى ذكر الشافعي، فرأيت أحمد يرفعه، وقال: يُروى عن النبي ﷺ : أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يقرر (٢) لها
стр. 126
دينها، وكان عمر بن عبد العزيز على رأس المئة، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المئة الأخرى.
٨١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه غير مرة يقول: سمعت شيخًا من أهل العلم يقول لأبي العباس ابن سُريج: أَبشِر أيها القاضي، فإن الله تعالى ذِكْرُه بعث عمر بن عبد العزيز على رأس المئة، ومنَّ على المسلمين به، وأظهر كل سنَّة، وأمات كل بدعة، ومنَّ الله تعالى على المسلمين على رأس المئتين بالشافعي، حتى أظهر السنة، وأخفى البدعة، ومنّ الله علينا على رأس الثلاث مئة بك حتى قوَّيت كلّ سنة وضعَّفت كلّ بدعة.
وقد قيل في ذلك:
اثنان قد مَضَيا فبورك فيهما ... عمرُ الخليفة ثم حِلْف السؤدُد
الشافعيُّ الألمعيُّ المرتضى ... حَبْر البرية وابنُ عمِّ محمد (١)
أرجو أبا العباس أنك ثالثٌ ... من بعدهم سَقْيًا لنوبةِ أحمد (٢)
قال: فبكى أبو العباس ابن سريج حتى علا بكاؤه، ثم قال: إن هذا
стр. 127
الرجل نعى إليَّ نفسي، قال: فمات في تلك السنة (١).
هكذا أخبرنا به في كتاب "المناقب" (٢)، وربما قال:
حَبْل البرية وابنُ عمِّ محمد
٨٢ - وقرأته بخطه (٣) بعد وفاته في أجزاء كتبها للمذاكرة والحفظ: سمعت الشيخ أبا الوليد يقول: كنا في مجلس القاضي أبي العباس ابن سُريج سنة ثلاث وثلاث مئة، فقام إليه شيخ من أهل العلم فقال: أبشر أيها القاضي، فإن الله يبعث على رأس كل مئة مَن يجدِّد لها أمر دينها، وإنه تعالى بعث على رأس المئة عمر بن عبد العزيز، وتوفي سنة ثلاث (٤) ومئة، وبَعَث على رأس المئتين أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، وتوفي سنة أربع ومئتين، وبعثك على رأس الثلاث مئة، ثم أنشأ يقول:
اثنانِ قد مَضَيا فبورك فيهما ... عمرُ الخليفةُ ثم حِلْف السؤدُد
الشافعي الألمعيُّ محمدٌ ... إرثُ النبوة وابنُ عم محمد
стр. 128
أبشر أبا العباس إنك ثالث ... من بعدهم، لسَقْيًا لنوبة أحمد
قال: فصاح أبو العباس القاضي وبكى وقال: قد نعى إليَّ نفسي.
قال الشيخ أبو الوليد: فمات القاضي أبو العباس في تلك السنة.
٨٣ - قال الحاكم أبو عبد الله: فلما رَوَيْتُ أنا هذه الحكاية كتبوها، وكان ممن كتبها شيخ أديب فقيه، فلما كان في المجلس الثاني قال لي بعض الحاضرين: إن هذا الشيخ قد زاد في تلك الأبيات ذِكْر الشيخ أبي الطيب سهل بن محمد، وجعله على رأس الأربع مئة، فسألت ذلك الفقيه عنه، فأنشدني قوله في قصيدة مدحه بها:
والرابعُ المشهورُ سهلُ محمدٍ ... أضحى إمامًا عند كل موحِّد
يأوي إليه المسلمون بأسْرهم ... في العلم إن جاؤوا لخطب مؤبَّد
لا زال فيما بيننا شيخُ الورى ... للمذهب المختار خيرَ مجدِّد
قال الحاكم: فسكتُّ ولم أنطق، وغمَّني ذلك إلى أنْ قدّر الله وفاته ﵀ في تلك السنة.
٨٤ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمي قال: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله الذُّبياني يقول: سمعت أبا المنير سهل بن عبد الصمد الرقي يقول: سمعت داود بن علي- هو الأصبهاني- يقول: اجتمع للشافعي ﵀ من الفضائل ما لم يجتمع لغيره، فأول ذلك: شرف نسبه ومنصبه، وأنه من رهط النبي ﷺ ، ومنها: صحة الدين وسلامة الاعتقاد من الأهواء والبدع، ومنها: سَخَاوة النفس، ومنها: معرفته بصحة الحديث وسَقَمه، ومنها: معرفته بناسخ الحديث ومنسوخه، ومنها: حفظه لكتاب
стр. 129
الله، وحفظه لأخبار رسول الله ﷺ ، ومعرفته بسِيَر النبي ﷺ وبسِيَر خلفائه، ومنها: كشفه لتمويه مخالفيه، ومنها: تأليفه للكتب القديمة والجديدة.
ومنها: ما اتفق له من الأصحاب والتلامذة، مثل: أبي عبد الله أحمد ابن محمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه وإقامته على السنة، ومثل: سليمان بن داود الهاشمي، وعبد الله بن الزبير الحميدي، والحسين الفلاس، وأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، وأبي يعقوب يوسف بن يحيى البويطي، وحرملة بن يحيى التُّجيبي، والربيع بن سليمان المرادي، وأبي الوليد موسى بن أبي الجارود، والحارث بن سُريج النقال، وأحمد بن خالد الخلّال، والقائم بمذهبه أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، ولم يتفق لأحد من العلماء والفقهاء من الأصحاب ما اتفق له ﵀.
٨٥ - قال الإمام أحمد: إنما عدَّ داودُ بن عليّ من أصحاب الشافعي جماعةً يسيرة، وقد عدَّ أبو الحسن الدارقطني مَن روى عنه أحاديثه وأخباره، أو كلامه، زيادةً على مئة، مع قصورُ سِنه عن سِن أمثاله من الأئمة، وإنما يكثر الرواة عن العالم إذا جاوز سنه الستين أو السبعين، والشافعيُّ لم يبلغ في السن أكثر من أربع وخمسين.
٨٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب يقول: سئل الربيع بن سليمان عن سنِّ الشافعي فقال: نيفٍ وخمسين سنة.
٨٧ - وأخبرنا أبو عبد الله، سمعت أبا بكر محمد بن جعفر المزكِّي، سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق، سمعت الربيع يقول: مات الشافعي سنة
стр. 130
أربع ومئتين، وهو ابن أربع وخمسين سنة.
٨٨ - [وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا بكر محمد بن جعفر المزكِّي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق يقول: سمعت: ] (١) محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول: ولدتُ بغَزَّة، وحملتني أمي إلى عَسْقلان.
٨٩ - وأخبرنا أبو عبد الله، أخبرني أحمد بن محمد بن مهدي الطوسي، حدثنا محمد بن المنذر، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: ولدت بغزة سنة خمسين، وحملت إلى مكة وأنا ابن سنتين، وكأنه أراد: إلى عسقلان.
٩٠ - فقد أخبرنا أبو عبد الله، أخبرني الحسين بن علي الدارمي، حدثنا عبد الرحمن بن محمد الحنظلي، حدثنا أبو عبيدالله أحمد بن عبد الرحمن الوَهْبي ابن أخي عبد الله بن وهب قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: ولدت باليمن، فخافت عليَّ أمي الضَّيْعة، وقالت: اِلحقْ بأهلك فتكون مثلهم، فإني أخاف أن تُغْلب على نسبك، فجهَّزتني إلى مكة، فقدِمتها وأنا يومئذٍ ابن عشر، أو شبيهًا بذلك، فصرت إلى نسب (٢) لي، وجعلت أطلب العلم، فيقول: لا تشتغل بهذا، وأقبل على ما ينفعك، فجعلت لذّتي في العلم أطلبه، حتى رزقني الله ما رزق.
стр. 131
٩١ - قال الإمام أحمد: الرواية في ولادته بغزة أصح، وهي من الأرض المقدَّسة، ويحتمل أن يكون قوله: ولدت باليمن، أراد به بأرض تَستولي عليها بطون اليمن، وغَزّة من الأراضي التي استولى عليها بطون اليمن.
٩٢ - قال أحمد: فطلبت التيسير على نفسي في معرفة أحكام الله بالنظر في كتب الشافعي ﵀، فوجدت المتداوَل بين أصحابه من علومه: "مختصر" أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، ثم ما نقل إلى التعاليق من فروعه، فطلبت كتابًا يجمع مبسوط كلامه، منوَّرًا بدلائله وحُججه، لِمَا رجوتُ من زيادة المنفعة والبركة في كلامه المنقول على وجهه، لتقدمه وورعه، واجتهاده في طاعة ربه، وحسن يُمْنه (١)، وجميل قصده في تصانيفه ومناظرته.
٩٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب، سمعت الربيع بن سليمان المرادي يقول: دخلت على الشافعي وهو مريض، فسألني عن أصحابنا؟ فقلت: إنهم يتكلمون، فقال لي الشافعي: ما ناظرت أحدًا قطُّ على الغلبة، وبودِّي أن جميع الخلق تعلموا هذا الكتاب - يعني: كتبه - على أن لا ينسب إليَّ منه شيء.
قال هذا الكلام يوم الأحد، ومات هو يوم الخميس، وانصرفنا من جنازته ليلة الجمعة، ورأينا هلال شعبان سنة أربع ومئتين، وقيل: توفي يوم الجمعة.
стр. 132
٩٤ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد الدارمي، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد (١)، حدثني أبي، حدثني حرملة بن يحيى قال: سمعت الشافعي يقول: وددتُ أن كل علم أعلمُه تعلمُه الناس أُؤجر عليه، ولا يَحْمَدونني.
٩٥ - سمعت أبا عبد الرحمن السّلمي يقول: سمعت محمد بن أحمد الفراء يقول: قيل لحمدونَ القصار: ما بالُ كلام السلف أنفعُ من كلامنا؟ ! قال: لأنهم تكلموا لعزِّ الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعزّ النفس، وطلب الدنيا، وقبول الخلق.
٩٦ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت علي بن عمر الحافظ، سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: سمعت الربيع بن سليمان قال: كان الشافعي يختم في كل شهر ثلاثين ختمة، وفي رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأ في الصلاة.
٩٧ - قال: وكان يحدث وطَسْتٌ تحته، فقال يومًا: اللهم إن كان لك فيه رضًا فزِدْ، قال: فبعث إليه إدريس بن يحيى المعافري: لستَ من رجال البلاء، فسلِ الله العافية (٢).
٩٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو بكر محمد بن محمد البغدادي، حدثنا أبو الحسن علي بن قرين قال: سمعت الربيع بن سليمان
стр. 133
يقول: كان الشافعي قد جَزّأأ الليل ثلاثة أثلاث، الثلث الأول: يكتب، والثلث الثاني: يصلي، والثلث الثالث: ينام.
٩٩ - وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت محمد بن عبد الله ابن شاذان يقول: سمعت محمد بن علي الكتاني يقول: سمعت عمرو بن عثمان المكي يقول: ما رأيت أحدًا من المتعبدين في كثرة من لقيت منهم بمكة ممن هو مقيم، ومن قدم علينا في المواسم، ولا فيمن لقيت بالشام وسواحلها ورباطاتها، والإسكندرية، أشدَّ اجتهادًا من المزني، ولا أدومَ على العبادة منه، وما رأيت أحدًا أشدَّ تعظيمًا للعلم وأهله منه، وكان من أشد الناس تضييقًا على نفسه في الورع، وأوسعه في ذلك على الناس، وكان يقول: أنا خُلُق من أخلاق الشافعي.
١٠٠ - قال الإمام أحمد: وأحببت أن يكون ذلك الكتاب منقولًا على ترتيب "المختصر"، ليكون طلب المشكل منه أيسرَ، فلم أجد أحدًا من أصحابنا سبق إليه، فجَهَدت في جمع كتبه، ثم في نقل مسائله مع دلائله، على أبواب "المختصر" وترتيبه.
وحين وقع الفراغ من تهذيبه بمشيئة الله وحسن توفيقه، أردت إيراد ما نُقل إلينا عن سيدنا المصطفى ﷺ في بيان أحكام كتاب الله جل ثناؤه، ثم ما أضاف إليه من سننه التي ألزمَنا الله تعالى طاعته فيها، ومتابعته فيما أُثبت لنا منها، ثم ما ورد عن أصحابه الذين أدَّوْا إلينا سنن رسول الله ﷺ ، وشاهدوه والوحيُ ينزل عليه، وكانوا ﵃ صدر هذه الأمة، وبهم القدوة بعد الرسول في أحكام الشريعة.
فاستخرتُ الله تعالى في ذلك، فوقعت الخِيرة على إيراده على ترتيب
стр. 134
"المبسوط" الذي نقلته على ترتيب "المختصر".
١٠١ - ثم إني رأيت جماعة من علمائنا خرَّجوا ماوجدوا من السُّنن على مسائل الفقه من غير تمييز منهم، صحيحها من سقيمها، ولا قويها من ضعيفها، حتى ينزل جميعها من ليس الحديث من شأنه منزلة واحدة، لا يهتدي إلى منازلها في السقم والصحة، فأشرت في كل حديث أوردته إلى منزلته عند أهل العلم به.
فإن كان مما أخرجه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري رحمهما الله في كتابيهما، وهو الدرجة الأولى من الصحاح بيَّنته، وإن كان مما أخرجه أحدهما دون الآخر، وبعضه دون الدرجة الأولى في الصحة، ذكرته.
وإن كان مما لم يُخرجاه ولا أحدهما، ولكن خرجه أبو داود سليمان ابن الأشعث السجستاني أو غيره من أئمة الحديث في كتابه محتجًا به، وبعضُه دون ما تقدم في القوة، ربما ذكرت المحتج به، وربما أطلقته.
وإن كان في إسناده ضعف بانقطاع إسناده، أو ضعف بعض رواته، أو جهالته شرحتُه، وربما اكتفيت بشرحه في موضع عن تكريره في سائر المواضع، وربما أضفت الطعن فيه إلى قائله من أهل المعرفة بالحديث على طريق الإيجاز، ليكون من نظر فيه من أهل الفقه على بصيرة بما يحتج به أو يرجح به، وما يَدَعه من الأحاديث التي لا تقوم الحجة بأمثالها، لا نردّ منها ثابتًا، ولا نثبت ضعيفًا.
١٠٢ - وكنت نقلت في أول "المبسوط" فصولًا من كلام الشافعي في أصول الشريعة، لإيراد المزني فصل التقليد في الترجمة، وقد نقل إليها
стр. 135
من الأخبار والآثار ما يشهد لها بالصحة، فاستخرت الله تعالى في إيراده في المقدمة، فوقعت الخيرة عليه، وعلى إضافة ما لا يستغني أهل الحديث عن معرفته إليه، ليكون على معرفة كتاب "السنن" أقوى، وإلى مواضع الحجة منه أهدى، وسميته:
كتاب المدخل إلى كتاب السنن
وكلُّ ذلك بعون الله وتيسيره وحسن توفيقه.
أسأل الله البارّ (١) الرحيم أن ينفعني والمسلمين به برحمته، ويعيننا على التمسك بكتابه وسنة خيرته من بريته ﷺ ، ويعصمنا من معصيته، ويجلِّلنا بمغفرته، ويكفينا كلَّ هول دون جنته، ويغنينا وأولادنا وذرياتِنا بفضله ونعمته عن الحاجة إلى أحد من خلقه بقدرته، إنه قريب مجيب، ومن توكل عليه وفوّض أموره إليه لا يخيب (٢).
* * * * *
стр. 136
باب الترغيب في تعلُّم كتاب الله وتعليمه، وفرض اتباعه
قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الزخرف: ٤٣]، وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال مثل هذا في غير آية.
١٠٣ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد ابن الحسن القاضي، وأبو محمد عبد الرحمن ابن أبي حامد المقرئ، وأبو صادق محمد ابن أبي الفوارس الصيدلاني، قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب.
ح, وأخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران العدل ببغداد، حدثنا أبو الحسين عبد الصمد بن علي بن مكْرَم، حدثنا أبو محمد عُبيد بن عبد الواحد، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بُعثت بجوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وبينا أنا نائم أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضِعت في يديَّ". قال أبو هريرة: فذهب رسول الله ﷺ وأنتم تَنْتَثِلُونها.
لفظ حديث عُقيل.
وفي رواية يونس قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت
стр. 137
بجوامع الكلام"، والباقي مثله.
رواه البخاري عن يحيى ابن بكير، ورواه مسلم بن الحجاج عن أبي الطاهر، وحرملة، عن ابن وهب (١).
١٠٤ - أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق المزكي، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عثمان الأدمي، حدثنا عيسى - يعني: ابن عبد الله - زَغاث (٢) الطيالسي، حدثنا أبو نعيم.
ح, وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الحافظ (٣)، حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن الحسن، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك بن مِغْول، عن طلحة بن مصرِّف قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى: أوصى رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، قلت: لمَ كُتب على الناس الوصية، أو أُمروا بها، ولم يُوصِ؟
стр. 138
قال: أوصى بكتاب الله .
رواه البخاري عن أبي نعيم، وأخرجه مسلم من أوجه أخر عن مالك (١).
١٠٥ - أخبرنا أبو محمد جناح بن نَذِير بن جناح القاضي بالكوفة، حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن دُحيم الشيباني، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الزهري، حدثنا جعفر- يعني: ابن عون -، ويعلى- يعني: ابن عبيد -، عن أبي حيان التيمي، عن يزيد بن حيان قال: سمعت زيد بن أرقم قال: قام فينا ذاتَ يوم رسول الله ﷺ خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، أيها الناس، إنما أنا بشر، يُوشِك أن يأتي رسولُ ربي فأجيبَه، وإني تارك فيكم الثقلين، أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فاستمسِكوا بكتاب الله، وخذوا به"، فحثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه ثم قال: "وأهلُ بيتي، أذكِّركم اللهَ في أهل بيتي" ثلاث مرات.
أخرجه مسلم في "الصحيح" من أوجه أُخر عن أبي حيان التيمي (٢)، ورواه جرير بن عبد الحميد، عن أبي حيان فقال في الحديث: "أولُهما كتاب الله، فيه الهُدى والنور، من استمسك به وأخَذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضلّ".
١٠٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الفضل ابن إبراهيم، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، فذكره.
стр. 139
رواه مسلم في "الصحيح"، عن إسحاق بن إبراهيم (١).
١٠٧ - أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن إبراهيم المِهراني النيسابوري، أخبرنا أبو بكر أحمد بن سَلْمان النجّاد ببغداد قال: قرئ على الحارث بن محمد وأنا أسمع، قال: حدثنا علي بن عاصم، حدثنا سهيل ابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا، وأن تُناصِحوا من ولَّاه الله أمركم، ويَسخط لكم: قيلَ وقالَ، وكثرةَ السؤال، وإضاعةَ المال".
أخرجه مسلم في "الصحيح" من وجهين آخرين عن سهيل (٢).
١٠٨ - أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن المؤمَّل، أخبرنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري، حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، أخبرنا يعلى بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن شقيق قال: قال عبد الله - يعني: ابن مسعود -: إن هذا الصراط محتَضَر يحضُره الشياطين، هَلُمَّ هذا الطريق، هَلُمَّ إلى الطريق يا عبد الله، فاعتَصِموا بحبل الله، فإن حبل الله القرآن.
١٠٩ - أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن دِلُّويه الدقاق، حدثنا أحمد بن حفص بن
стр. 140
عبد الله في شوال سنة اثنتين وخمسين ومئتين، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طَهْمان، عن إبراهيم الهَجَري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ابن مسعود أنه قال: إن هذا القرآن حبل الله، والنور البيِّن، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يَعْوَجُّ فيُقوَّم، ولا يَزيغ فيُستعتَب (١)، ولا تنقضي عجائبه، ولا يَخْلَق عن كثرة الردّ، اُتلوه فإن الله سبحانه يأجُركم على تلاوته بكل حرف منه عشر حسنات، ولا أعني: ﴿الم﴾ عشرًا، ولكن الألف عشرًا، واللام عشرًا، والميم عشرًا.
١١٠ - وأخبرنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، أخبرنا جعفر بن عون، أخبرنا إبراهيم الهَجَري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: إن هذا القرآن مأدُبة الله، فتعلموا من مأدُبة الله ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، والنور البيِّن، والشفاء النافع، عصمةٌ لمن تمسّك به، ونجاة لمن تبعه، لا يَزيغ فيُسْتَعتب، ولا يَعْوَجُّ فيقوَّم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يَخْلَق عن كثرة الردّ، فاتْلُوه فإن الله تعالى يأجرُكم على تلاوته بكل حرفٍ عشرَ حسنات، أما إني لا أقول: ﴿الم﴾، ولكن بالألف، واللام، والميم.
١١١ - أخبرنا عبد الخالق بن علي المؤذن، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن خَنْبٍ البخاري، أخبرنا أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال، حدثني أبو بكر ابن أبي أويس، عن سليمان بن بلال،
стр. 141
عن محمد بن عجلان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إن هذا القرآن مأدُبة الله، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم"، ثم ذكر ما بعده بنحوه، إلا أنه قال: "أما إني لا أقول ﴿الم﴾، لم يزد عليه (١).
ويشبه أن يكون أبو إسحاق هذا هو إبراهيم الهَجَري، وكذلك رواه صالح بن عمر، ويحيى بن عثمان الحنفي، عن إبراهيم مرفوعًا (٢).
١١٢ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ (٣)، حدثنا علي بن حمشاذ العدل، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبو همّام، حدثنا ابن وهب، أخبرني حيوة بن شريح، عن عُقيل بن خالد، عن سلمة ابن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن رسول الله صلى الله
стр. 142
عليه وسلم قال: "نزل الكتاب الأول من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف، زاجرًا وآمرًا، وحلالًا وحرامًا، ومحكمًا ومتشابهًا، وأمثالًا، فأحِلّوا حلاله، واعتبروا بأمثاله، واعمَلوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به كلٌّ من عند ربنا".
هذا مرسل جيد، أبو سلمة لم يدرك ابن مسعود، ورواه عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سلمة.
١١٣ - وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، حدثنا محمد بن العباس المؤدب، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن أبي (١) سلمة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال لابن مسعود: "إن الكُتُب كانت تنزل من باب واحد على حرف واحد، وإن هذا القرآن نزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف، حلال وحرام، وأمر وزجر، وضرب أمثال، ومحكم ومتشابه، فأحِلَّ حلاله، وحرِّم حرامه، وافعلْ ما أمرك، وانته عما نهاك، واعتبرْ أمثاله، واعملْ بمحكمه، وآمِن بمتشابهه، وقل: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].
كذا قال: عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبيه، وهو وهم، إنما هو عن سلمة ابن أبي سلمة (٢).
فإن صح هذا، فمعنى قوله: سبعة أحرف، أي: سبعة أوجه، وليس المراد به ما ورد في الحديث الآخر من نزول القرآن على سبعة أحرف،
стр. 143
ذلك المرادُ به اللغاتُ التي أبيحت القراءة عليها، وهذا: المرادُ به الأنواعُ التي نزل القرآن عليها، والله تعالى أعلم (١).
١١٤ - وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو سعيد ابن أبي عمرو، وأبو نصر ابن قتادة، قالوا: حدثنا يحيى بن منصور القاضي، حدثنا محمد ابن علي الصائغ، حدثنا أحمد - يعني: ابن شبيب -، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، حدثني سلمة ابن أبي سلمة، عن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: "أنزلت الكتب من باب واحد"، فذكر معناه، ولم يذكر في إسناده أبا سلمة.
١١٥ - أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن محمد بن علي الرُّوْذْباري، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا عبد الله بن صالح.
ح, وأخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أبو بكر محمد بن مَحْمُويه العسكري بالأهواز، حدثنا جعفر بن محمد القَلَانسي، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نُفَير، عن أبيه، عن النوّاس بن سمعان الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جَنَبَتَي الصراط سُوران، فيهما أبواب مفتَّحة، وعلى الأبواب سُتُور مُرْخاة، وعلى باب الصراط داعٍ يقول: يا أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعًا، ولا تَعُوجوا، وداعٍ يدعو من فوق الصراط، فإذا
стр. 144
أراد الإنسان يَفتحُ شيئًا من تلك الأبواب قال له: ويحك لا تفتحه، فإنك إنْ فتحته تَلِجْه، فالصراط: الإسلام، والسورانِ: حدود الله" (١).
وفي رواية ابن صالح: "والسُّوْر: حدود الله، والأبواب المفتَّحة: محارم الله، والداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق الصراط: واعظ الله في قلب المسلم".
وفي رواية عبد الله بن صالح: "في قلب كل مسلم".
١١٦ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران العدل ببغداد، أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو الرزاز، حدثنا محمد بن أحمد ابن أبي العوام، حدثنا أبو عامر، حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلَّام، عن أبي سلّام، عن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن شبل، رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقرؤوا القرآن واعملوا بما فيه، ولا تَغْلُوا فيه، ولا تَجْفُوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تَستكثروا به" (٢).
١١٧ - أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق المزكِّي، أخبرنا والدي، أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير ابن عبد الحميد، عن مِسْعَر بن كِدام وسفيان الثوري، عن عمرو بن مرة،
стр. 145
عن عبد الله بن الصامت، عن حذيفة بن اليمان قال: قلت: يا رسول الله، هل بعد هذا الخير الذي نحن فيه من شر نَحْذَره؟ قال: "يا حذيفة، عليك بكتاب الله فتعلَّمْه، واتبعْ ما فيه"، حتى قال ذلك ثلاث مرات، قلت: نعم (١).
١١٨ - أخبرنا أبو محمد جناح بن نَذِير المحاربي بالكوفة، أخبرِنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غرَزة، حدثنا أبو نُعيم وقَبيصة، قالا: حدثنا سفيان بن سعيد الثوري، عن علقمة ابن مَرْثَد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه".
رواه البخاري في "الصحيح" عن أبي نعيم (٢).
١١٩ - حدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف بن أحمد الأصبهاني إملاءً، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن علي بن عفان، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شعبة وقيس بن الربيع، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي، عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خياركم من تعلم القرآن وعلمه".
قال أبو عبد الرحمن: فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا.