يكذب على بني إسرائيل، ولا على غيرهم، فإذا أباح الحديث عن بني إسرائيل فليس أن يقبلوا الحديث الكذب على بني إسرائيل، وإنما أباح قبول ذلك عمّن حدث به ممن يجهل صدقه وكذبه، ولم يبحه أيضًا عمّن يُعرف كذبه، لأنه يُروى عنه ﷺ أنه قال: "من حدث بحديث وهو يراه كذبًا، فهو أحد الكاذبين" (١).
قال الشافعي: من حدث عن كذاب لم يبرأ من الكذب، لأنه يرى الكذاب في حديثه كاذبًا، ولأنه لا يستدلُّ على أكثرِ صدقِ الحديث وكذبه إلا بصدق المخبِر وكذبه، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله، أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالاتٍ بالصدق منه، وإذ فرق رسول الله ﷺ بين الحديث عنه والحديث عن بني إسرائيل، فقال: "حدثوا عن بني إسرائيل، وحدثوا عني ولا تكذبوا علي"، والعلم إن شاء الله يحيط أن الكذب الذي نهاهم عنه هو الكذب الخفيّ، وذلك الحديث عمن لا يعرف صدقه، لأن الكذب إذا كان منهيًا عنه على كل حال، فلا كذب أعظم من كذب على رسول الله ﷺ .
٤٦٦ - أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم،
стр. 317
حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سعيد بن عبيد الطائي، عن علي بن ربيعة.
ح، وأخبرنا أبو بكر ابن أبي إسحاق، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن إسحاق، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن عبيد قال: سمعت علي بن ربيعة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن كذبًا عليّ ليس ككذبٍ على أحد، من كذب عليَّ فليتبوّأ مقعده من النار".
أخرجه مسلم (١) من حديث ابن نمير، عن سعيد بن عبيد.
٤٦٧ - أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن محمد بن الحسن المِهْرجاني، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني الحافظ، حدثنا محمد بن أحمد بن أنس، حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ.
ح، وأخبرنا أبو عبد الله (٢)، وأبو زكريا، وأبو سعيد، قالوا: أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا إبراهيم بن منقذ، حدثنا المقرئ، حدثني سعيد ابن أبي أيوب، حدثني أبو هانئ حميد بن هانئ، عن أبي عثمان مسلم بن يسار، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم".
لفظ حديث ابن أنس: رواه مسلم عن ابن نمير، وزهير بن حرب، عن المقرئ (٣).
стр. 318
٤٦٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (١)، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا تميم بن محمد، حدثنا حرملة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو شُريح: أنه سمع شَراحيل بن يزيد يقول: حدثني مسلم ابن يسار: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث ما لم تسمعوا بها أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يُضِلونكم ولا يفتنونكم".
رواه مسلم عن حرملة بن يحيى (٢).
٤٦٩ - أخبرنا أبو القاسم زيد ابن أبي هاشم العلوي بالكوفة، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي بنيسابور، قالا: أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم، حدثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن عامر بن عبْدة قال: قال عبد الله: إن الشيطان ليتمثَّل في صورة الرجل، فيأتي القومَ فيحدثُ بالحديث من الكذب.
رواه مسلم في خطبة الكتاب (٣) عن أبي سعيد الأشج، عن وكيع، إلا أنه قال: فيأتي القومَ فيحدثهم بالحديث، من الكذب، فيتفرقون، فيقول الرجل منهم: سمعت رجلًا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه، يحدِّث.
٤٧٠ - حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عُبدوس الطرائفي، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا حفص بن عمر قاضي حلب، عن صالح بن حسان، عن
стр. 319
محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تأخذوا العلم إلا عمن تقبلون شهادته" (١).
وكذلك روي عن سعيد بن عبد الجبار، عن صالح مرفوعًا.
ورواه أبو حفص عمر بن عبد الرحمن الأبار، عن صالح موقوفًا على ابن عباس.
٤٧١ - أخبرناه أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي الحافظ (٢)، حدثنا أحمد بن الحسن الصوفي، حدثنا سُرَيج بن يونس، حدثنا عمر بن عبد الرحمن، فذكره موقوفًا، إلا أنه قال: لا تأخذوا العلم إلا عمن تُجيزون شهادته.
وروي عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلًا (٣)، وروي عن ابن سيرين من قوله.
٤٧٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو سعيد بن أبي بكر ابن أبي عثمان، حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، حدثنا المعتمر قال: سمعت كَهْمَسًا يحدث عن قتادة، عن عامر الشعبي قال: كان عبد الله بن عمر إذا حدث عن عمر ﵄ قال: كان يأمرنا أن لا نأخذ إلا عن ثقة، وكنا نضعه ذلك الموضع.
стр. 320
هكذا أخبرنا به في كتاب "مزكي الأخبار"، وقد حدث به في جمعه لأحاديثِ داودَ بنِ أبي هند بهذا الإسناد بعينه، إلا أنه قال: سمعت كَهْمَسًا يحدث عن داود بن أبي هند، عن عامر، وهو الصواب.
٤٧٣ - أخبرنا أبو عبد الله، وأبو بكر، وأبو زكريا قالوا: أخبرنا الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي (١)، أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد قال: سألت ابنًا لعبد الله بن عمر عن مسألة، فلم يقل فيها شيئًا، فقيل له: إنا لَنُعْظِم أن يكون مثلُك ابنُ إمامَيْ هُدى، يُسأل عن أمر ليس عندك فيه علم! فقال: أعظمُ والله من ذلك عند الله، وعند من عرف الله، وعند من عقل عن الله، أن أقول ما ليس لي به علم، أو أخبر عن غير ثقة.
قال الإمام أحمد: هكذا رواه الشافعي عن سفيان، وكذلك رواه الحميدي عن سفيان.
ورواه العباس بن الفضل الأزرق، حدثنا سفيان بن عيينة قال: كنت مع يحيى بن سعيد في حلْقة رجل من ولد عبد الله بن عمر، فسئل عن شيء، فقال: لا أدري ما هو، فقال يحيى بن سعيد: العجب كلَّ العجب! ! تقول لا أدري، وأنت ابن إماميْ هُدى، فقال: أوَلا أخبركم بأعجبَ مني عند الله، وعند من عقل عن الله: مَن قال بغير علم، أو حدّث عن غير ثقه.
٤٧٤ - أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق المزكِّي بنيسابور، وأبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان ببغداد، قالا: أخبرنا حمزة بن العباس بن الفضل، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا العباس بن
стр. 321
الفضل الأزرق، فذكره.
٤٧٥ - والصحيح ما: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف، أخبرنا أبو عبد الله ابن بريد، وأبو أحمد ابن عيسى قالا: حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج (١)، حدثني بشر بن الحكم العبدي قال: سمعت سفيان يقول: أخبروني عن أبي عَقيل صاحب بُهَيّة: أن ابنًا لعبد الله ابن عمر سألوه عن شيء لم يكن عنده فيه علم، فقال له يحيى بن سعيد: إني لأُعظم أن يكون مثلُك وأنت ابن إمامي هُدَى- يعني: عمر وابن عمر-، تُسَأل عن أمر ليس عندك فيه علم! فقال: أعظم من ذلك والله عند الله، وعند من عقل عن الله، أن أقول بغير علم، أو أخبر عن غير ثقة، قال: فشهدهما أبو عقيل يحيى بن المتوكل حين قالا ذلك.
٤٧٦ - قال الشافعي ﵁ (٢): وقال سعد بن إبراهيم: لا يحدث عن النبي ﷺ إلا الثقات.
٤٧٧ - قال (٣): وكان عطاء بن أبي رباح يُسأل عن الشيء فيرويه عمَّن قبله فيقول: سمعتُه، وما سمعتُه من ثَبْت.
٤٧٨ - قال: وكان طاوس إذا حدثه رجل حديثًا قال: إنْ كان الذي حدَّثك مَلِيًا، وإلا فدعه. يعني: حافظًا ثقة.
٤٧٩ - قال: وكان ابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وغير واحد من
стр. 322
التابعين يذهب هذا المذهب في أن لا يقبل إلا ممن عَرَف.
٤٨٠ - قال: وما لقيتُ وعلمتُ أحدًا من أهل العلم بالحديث يخالف هذا المذهب.
٤٨١ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان ببغداد، أخبرنا عبد الله ابن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (١)، حدثنا أبو بكر الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا مسعر قال: قال سعد بن إبراهيم: لا يحدث عن رسول الله ﷺ إلا الثقات.
رواه مسلم في خطبة الكتاب، عن أبي بكر بن خلاد، عن سفيان (٢).
٤٨٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا أبو سعيد محمد بن شاذان، حدثنا إسحاق، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا الأوزاعي، عن سليمان بن موسى قال: لقيت طاوسًا فقلت: حدثني فلان بكَيْتَ وكَيْت، فقال: إن كان مَلِيًا، فخذْ عنه.
أخرجه مسلم في خطبة الكتاب عن إسحاق بن إبراهيم (٣).
٤٨٣ - أخبرنا أبو علي الروذباري، أخبرنا أبو بكر محمد بن مهرويه ابن عباس بن سنان الداري، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا الأنصاري، حدثني ابن عون.
ح، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس ابن يعقوب، حدثنا الحسن بن علي بن عفان، حدثنا أبو أسامة، حدثنا ابن عون،
стр. 323
وعبد الله بن مختار، عن محمد بن سيرين قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
أخرجه مسلم في خطبة الكتاب من أوجه، عن ابن سيرين (١).
٤٨٤ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، حدثنا عبيد بن شريك، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، حدثني صاعد بن محمد: أن أبا عبيدة بن عقبة بن نافع حدثه، عن أبيه، أنه كان يوصي بنيه بثلاث، قال: يا بَنيّ، إياكم والقولَ عن رسول الله ﷺ ، وانظروا عمن تأخذون منه فإنه دِين، وإياكم والدَّين، ولو لبستم العباء، والثالثة أُنسيتها (٢).
ورواه غيره عن عقبة قال فيه: لا تقبلوا الحديث عن رسول الله - صلى
стр. 324
الله عليه وسلم - إلا من ثقة, ولا تديَّنوا وإن لبستم العباء، ولا تكتبوا الشعر تَشْغَلوا به قلوبكم عن القرآن.
٤٨٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، هو الأصم، أخبرنا بكر الدمياطي، حدثنا شعيب بن يحيى حدثنا ابن لهيعة، عن خالد ابن يزيد، عن عمار بن سعد التُّجيبى: أن عقبة لما حضرته الوفاة قال: يا بَنِيَّ، إني إنهاكم عن ثلاث، فانتفعوا بهن (١).
стр. 325
٤٨٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد ابن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا أبو نوح، أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام، لأسمع منه، فأولُ ما أفتقد منه صلاته، فإنْ أجدُه يقيمها، أقمت وسمعت منه، وإن أجده يضيعها رجعت ولم أسمع منه، وقلت: هو لغير الصلاة أضيع (١).
٤٨٧ - وأخبرنا أبو عبد الله، وأبو سعيد، قالا: حدثنا أبو العباس، حدثنا محمد بن إسحاق، أخبرنا أبو الأحوص محمد بن حيان، حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم قال: كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه، نظروا إلى سَمْته، وإلى صلاته، وإلى حاله، ثم يأخذوا عنه.
٤٨٨ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران، أخبرنا أبو عمرو ابن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: لا يؤخد العلم إلا عمن شُهد له بطلب العلم.
٤٨٩ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان، أخبرنا أبو الحسن علي ابن إبراهيم بن عيسى المستملي قال: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت نصر بن علي يقول: حدثنا الأصمعي، عن ابن أبي الزناد،
стр. 326
عن أبيه قال: أدركت بالمدينة مئةً كلُّهم مأمون، ما يؤخذ عنهم شيء من الحديث، يقال: ليس من أهله.
أخرجه مسلم في خطبة الكتاب، عن نصر بن علي (١).
٤٩٠ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (٢)، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثني معن بن عيسى قال: كان مالك بن أنس يقول: لا تأخذوا العلم من أربعة، وخُذْ ممن سوى ذلك (٣): لا تأخذ من سفيه معلِن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ من كذاب يكذِب في أحاديث الناس إذا جُرّب ذلك عليه وإن كان لا يتَّهم أن يكذب على رسول الله ﷺ ، ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخ له فضلٌ وعبادة إذا كان لا يَعرف ما يحدِّث به.
قال إبراهيم بن المنذر: فذكرت هذا الحديث لمطرِّف بن عبد الله اليساري، مولى زيد بن أسلم، فقال: ما أدري ما هذا، ولكنْ أشهدُ لسمعتُ مالك بن أنس يقول: لقد أدركتُ بهذا البلد - يعني: المدنية - مشيخة لهم فضل وصلاح وعبادة يحدِّثون، ما سمعت من واحد منهم حديثًا قطُّ، قيل: ولمَ يا أبا عبد الله؟ قال: لم يكونوا يعرفون ما يحدثون.
٤٩١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد
стр. 327
الحنظلي ببغداد، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السُّلَمي، حدثنا إسماعيل ابن أبي أويس قال: سمعت خالي مالك بن أنس يقول: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، لقد أدركنا في هذا المسجد سبعين- وأشار إلى مسجد رسول الله ﷺ ممن يقول: قال فلان، قال رسول الله ﷺ ، وإن أحدهم لو اؤتُمِن على بيت مال لكان به أمينًا، فما أخذت منهم شيئًا، لم يكونوا من أهلِ هذا الشأن، ويَقْدَم علينا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو شابّ، فنزدحم على بابه.
٤٩٢ - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ (١)، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم ابن إسماعيل القارئ، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا عمرو بن محمد الناقد قال: سمعت وكيعًا يقول- وسأله رجل-: يا أبا سفيان، تعرف سعيد بن عبيد الطائي، عن الشعبي، في رجل حج عن غيره، ثم حج عن نفسه؟ قال: من يرويه؟ قلت: وهب بن إسماعيل، قال: ذاك رجل صالح، وللحديث رجال.
٤٩٣ - وأخبرنا أبو عبد الله قال: سمعت محمد بن يعقوب بن يوسف الأخرم يقول: سمعت محمد بن شاذان يقول: سمعت أبا قدامة يقول: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: كم من رجل صالح لو لم يحدِّث لكان خيرًا له؟ ! .
٤٩٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا بكر محمد بن
стр. 328
أحمد بن بالويه يقول: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل (١) قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر القواريري، سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما رأيت الكذب في أحدٍ أكثرَ منه فيمن ينسب إلى الخير.
٤٩٥ - قال الإمام أحمد: وهذا لأن قومًا منهم اشتغلوا بالعبادة، فلم يتفرَّغوا إلى ضبط الحديث والإتقان فيه، حتى أدخل عليهم الكذابون ما ليس من حديثهم، وقومًا منهم توهّموا الأجر في الترغيب في فضائل الأعمال والأوقات بوضع الحديث فيه، وجهلوا ما في الكذب على رسول الله ﷺ من كبير الإثم وعظيم الوزر، فظهر الكذب في رواياتهم، وبالله العصمة.
٤٩٦ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي، حدثنا جعفر بن محمد ابن الأزهر، حدثنا المفضَّل بن غسان الغَلَابي، حدثنا أبو سليمان، شيخ من أهل المدينة، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: إن من إخواننا من نرجوا بركة دعائه، ولو شهد عندنا شهادة ما قبلناها.
٤٩٧ - أخبرنا أبو عبد الله، حدثنا علي بن عيسى، حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق، حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا الأشهب، سمع مالكًا- وسئل: أيؤخذ الحديث ممن لا يحفظ وهو ثقة؟ - فقال: لا، فقيل له: يأتي بكتب فيقول: قد سمعتُها، وهو ثقة، أيؤخذ منه؟ قال: لا يؤخذ منه، أخاف أن يُزاد في كتبه بالليل.
стр. 329
قال الإمام أحمد: ولهذا شَرَط الشافعي (١) أن يكون حافظًا لكتابه إن حدث من كتابه لئلا يُدخل عليه ما ليس من حديثه.
٤٩٨ - أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي (٢)، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثنا رَوّاد بن الجراح قال: سمعت سفيان الثوري يقول: لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم، الذين يعرفون الزيادة والنقصان، ولا بأس بما سوى ذلك من المشايخ.
٤٩٩ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران، أخبرنا أبو الحسن المصري، حدثنا محمد بن عمرو بن نافع، حدثنا نعيم بن حماد.
ح، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ (٣)، أخبرنا محمد بن أحمد بن تميم الأصم، حدثنا عُبيد بن شريك، حدثنا نعيم بن حماد قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: قيل لشعبة: من الذي يُترك حديثه؟ قال: إذا روى عن المعروفين ما لا يَعرفه المعروفون فأكثَرَ، تُرك حديثه، وإذا اتُّهم بالكذب ترك حديثه، وإذا أكثَرَ الغلط ترك حديثه، وإذا روى حديثًا يجتمع عليه أنه غلط، تُرك حديثه، وما كان غير هذا فاروا عنه.
وفي رواية ابن بشران: وإذا روى حديثًا غلطًا مجتَمَعًا عليه، ولم يَتهم نفسه، فيتركَه، طُرح حديثه. وذكر الباقي بمعناه.
стр. 330
٥٠٠ - أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي (١)، حدثنا إبراهيم ابن أبي خضرون السامَرّي، وزكريا بن يحيى الساجي قالا: حدثنا أبو موسى قال: قال لي عبد الرحمن بن مهدي: احفظْ عني! الناسُ ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف فيه، وآخر يَهم، والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك حديثه، ولو ترك حديث مثل هذا لذهب حديث الناس، وآخر يهم، والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه.
٥٠١ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (٢) قال: سمعت أحمد بن صالح - وذُكر مسلمة بن عُلَيّ- فقال: لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه، قد يقال: فلان ضعيف، فأما أن يقال: فلان متروك فلا، إلا أن يُجمع الجميع على ترك حديثه.
٥٠٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح يقول: سمعت أحمد بن المبارك المستملي يقول: سمعت الحسين ابن منصور يقول: سئل أحمد بن حنبل عمن يُكتْب العلمُ؟ قال: عن الناس كلهم إلا ثلاثة: صاحب هوى يدعو إليه، أو كذاب فإنه لا يكتب عنه قليل ولا كثير، أو رجل يغلط في الحديث فيردُّ عليه ولا يُقبل.
стр. 331
٥٠٣ - أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق، حدثنا أبو العباس الأصم قال: سمعت حنبل بن إسحاق بن حنبل قال: سمعت علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ينبغي في الحديث غيرُ خصلة: ينبغي لصاحب الحديث أن يكون ثبتَ الأخذ، ويكون يفهم ما يقال له، ويبصر الرجال، ثم يتعاهد ذاك.
٥٠٤ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران، أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو الرزاز، حدثنا محمد بن أحمد بن يزيد الرياحي، حدثنا عمر بن سعيد الدمشقي، حدثنا سعيد بن عبد العزيز التنوخي، عن سليمان بن موسى قال: كانوا يقولون: لا تأخذوا العلم من الصَّحَفيين.
٥٠٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني خلف بن محمد بن إسماعيل الكرابيسي ببخارى، حدثنا سهل بن شاذُويه الحافظ، حدثني أبو علي عبد الله بن علي بن محمد بن حبيب قال: سمعت أحمد بن مصعب المروزي يقول: سمعت عمر بن إبراهيم يقول: سمعت ابن المبارك يقول: سأل أبا حنيفة أبو عصمة فقال: إني سمعت هذه الكتب - يعني الرأي -، فممن تأمرني أن أسمع الآثار؟ فقال: ممن كان عدلًا في هواه، إلا الشيعة، فإن أصل عقدهم (١) تضليل أصحاب محمد ﷺ ، قال: ومن أتى السلطان طائعًا حتى انقادت العامة له، فهذاك لا ينبغي أن يكون من أئمة المسلمين.
٥٥٦ - أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي
стр. 332
الحافظ (١)، حدثنا الحسين بن محمد بن الضحاك قال: سمعت حرملة بن يحيى يقول: سمعت الشافعي يقول: ما في أهل الأهواء قومٌ أشهدُ بالزور من الرافضة.
* * * * *
стр. 333
باب (١) من رخص في رواية الحديث على المعنى إذا كان عاقلًا لما يحدث به، عالمًا بما يحيل معاني الحديت من اللفظ، ومن كرهه وأحبَّ أن يرويه على لفظه
٥٠٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، عن الشافعي (٢) ﵀ عقيب حديث هشام بن حكيم بن حزام في قراءة سورة الفرقان على غير ما كان عمر بن الخطاب يقرُؤها، فقال النبي ﷺ "إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسّر منه" (٣).
قال الشافعي ﵁ (٤): فإذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف، معرفةً منه بأن الحفظ قد يزلُّ لتحِلَّ لهم قراءته، وإن اختلف لفظهم فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالةُ معنى: كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يُحِلْ معناه.
стр. 334
قال الشافعي ﵁: قال بعض التابعين: لقيت أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاجتمعوا في المعنى واختلفوا عليّ في اللفظ، فقلت لبعضهم ذلك، فقال: لا بأس ما لم يُحلْ معناه.
٥٠٨ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران، وأبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحُرْفي ببغداد، قالا: أخبرنا حمزة بن محمد بن العباس، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي، حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع، فقلنا له: يا أبا الأسقع، حدثنا بحديث سمعتَه من رسول الله ﷺ ليس فيه وَهْم ولا تزيُّد ولا نسيان، فقال: هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئًا، قال: فقلنا: نعم، وما نحن له بحافظين جدًا، إنا لنزيد الواو والألف، وننقص، قال: فهذا القرآن مكتوب بين أظهركم لا تألونه حفظًا، وأنتم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون، فكيف بأحاديثَ سمعناها من رسول الله ﷺ ، عسى ألا نكون سمعناها منه إلا مرة واحدة، حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى (١).
٥٠٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا محمد بن صالح بن
стр. 335
هانئ، حدثنا أبو عمرو موسى بن محمد الأعين، حدثنا أحمد بن عمرو الحرشي، حدثنا القاسم بن مالك المزني، أحد بني ثعلبة (١)، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن جابر ابن عبد الله قال: قال حذيفة: إنا قوم عرب نردِّد الأحاديث، فنقدم ونؤخر.
٥١٠ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران، أخبرنا أبو عمرو ابن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثني أبو عبد الله، يعني: أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرزاق (٢)، عن معمر، عن أيوب، عن محمد بن سيرين قال: كنت أسمع الحديث من عشرة، المعنى واحد، واللفظ مختلف.
٥١١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ عاليًا، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الحميد الصنعاني، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبَّري، أخبرنا عبد الرزاق، فذكره.
٥١٢ - أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن علي الوراق، حدثنا أبو نعيم، حدثنا هشام الدستَوائي، عن شعيب بن الحبحاب قال: دخلت على الحسن أنا وغيلان، فقال: يا أبا سعيد، الرجل يحدث بالحديث فيزيد فيه أو ينقص منه، فقال: إنما الكذب على من تعمّد ذاك.
٥١٣ - وأخبرنا أبو بكر، حدثنا أبو العباس، حدثنا محمد بن علي،
стр. 336
حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يحدث بالأحاديث، الأصلُ واحد، والكلام مختلِف.
٥١٤ - وأخبرنا أبو الحسين ابن بشران، أخبرنا أبو عمرو ابن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يحدث بالحديث، الأصل واحد، والكلام مختلف.
٥١٥ - وأخبرنا أبو الحسين، أخبرنا أبو عمرو، حدثنا حنبل، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، والربيع، عن الحسن قال: إذا أصبت معنى الحديث فلا بأس.
٥١٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن حمدان الجلّاب بهمَذَان، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا الأنصاري، حدثنا ابن عون قال: كان إبراهيم، والحسن، والشعبي، يأتون بالحديث على المعاني، وكان القاسم بن محمد، ومحمد بن سيرين، ورجاء بن حَيْوَة يقيدون الحديث على حروفه.
٥١٧ - وأخبرنا أبو عبد الله، أخبرني محمد بن محمد بن يعقوب، أخبرني محمد بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم ابن عُلية، عن ابن عون قال: كان الحسن، والنخعي، والشعبي، يحدثون بالحديث مرة هكذا، ومرة هكذا، فذُكر ذلك لمحمد بن سيرين، فقال: أما إنهم لو حدثوا كما سمعوا كان أفضل.
٥١٨ - وفيما ذكر أبو عبد الله الحافظ، فيما أنبأني إجازة، حدثنا أبو العباس، هو الأصم، حدثنا محمد بن عبيد الله المنادي، حدثنا يونس بن
стр. 337
محمد المؤدب، حدثنا أبو أويس قال: سأَلْنا الزهري عن التقديم والتأخير في الحديث؟ فقال: إن هذا يجوز في القرآن، فكيف به في الحديث، إذا أصبت معنى الحديث فلم تُحلَّ به حرامًا، ولم تحرمْ به حلالًا، فلا بأس بذلك إذا أصبت معناه (١).
٥١٩ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (٢)، حدثنا أبو بكر الحميدي، حدثنا سفيان قال: وكان عمرو بن دينار يحدث بالحديث على المعنى، وكان إبراهيم بن ميسرة لا يحدث إلا على ما سمع.
٥٢٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني، حدثنا جدي، حدثنا عبيد الله بن محمد العيشي، حدثنا عبد الله بن المبارك قال: علَّمنا سفيان اختصار الحديث.
стр. 338
٥٢١ - أخبرنا عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري، أخبرنا إسماعيل الصفار، حدثنا عباس التَّرْقُفي قال: سمعت الفريابي يقول: سمعت سفيان يقول: لو أردنا أن نحدثكم بالحديث كما سمعنا، ما حدثناكم بحديث واحد.
٥٢٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، أخبرنا عبدان الأهوازي، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثني وكيع، عن سفيان قال: إن كنتم ترون أنا نحدثكم كما سمعنا، فلا، ولكنا نصيب المعاني.
٥٢٣ - وأخبرنا أبو عبد الله، أخبرنا أحمد بن علي المقري، حدثنا أبو عيسى الترمذي (١)، حدثنا الحسين بن حريث قال: سمعت وكيعًا يقول: إن لم يكن المعنى واسعًا فقد هلك الناس.
٥٢٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا عباس الدوري، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا سيف بن سليمان المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: إنك إذا ذهبتَ تُتِمُّ الحديث كنت قَمِنًا أن تزيد فيه، وإنك إن تَنْقُصْ منه خير من أن تزيد فيه.
كذا في كتابي: عن سيف، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
٥٢٥ - وقد أخبرنا أبو الحسين ابن بشران، أخبرنا أبو عمرو ابن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن سيف ابن سليمان، عن مجاهد قال: إني إن أَنقصْ من الحديث أحبُّ إليَّ من أن أزيد فيه.
стр. 339
٥٢٦ - قال الإمام أحمد: وهذا أصح، وهذا في نقصان لا يُحيل معنى ما أتى به، والناقص عالم بما يُحيل المعنى، فإذا لم يكن عالمًا به، فيأتي به كما سمع.
٥٢٧ - وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الوليد الفقيه يقول: سمعت إبراهيم بن أبي طالب يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: سمعت النضر بن شُميل يقول: قال الخليل بن أحمد: لا يحلُّ اختصار الحديث، لأن النبي ﷺ قال: "ربَّ مبلَّغ أوعى من سامع" (١)، وإذا اختُصِر هذا الحديث فقد أزال عن موضعه معرفةَ ما فهمه.
٥٢٨ - أخبرنا أبو عبد الله، أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد الصيرفي بمرو، حدثنا أبو الأحوص القاضي قال: سمعت ابن عُفَير يقول: قال رجل لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، الرجل يختصر الحديث؟ فقال: ما كان من حديث رسول الله ﷺ فإني أحبُّ أن يُؤتى به على جهته، وأما ما كان من كلام الناس، فلا بأس به.
٥٢٩ - وأخبرنا أبو عبد الله، أخبرنا أبو جعفر البغدادي، حدثنا يحيى ابن عثمان بن صالح، حدثنا سعيد بن عُفير قال: سألت مالك بن أنس عن الرجل يسمع الحديث فيؤديه على المعنى؟ قال: لا بأس به، إلا حديث رسول الله ﷺ ، فإني أستحب أن يُؤتى به على ألفاظه.
стр. 340
٥٣٠ - وأخبرنا أبو عبد الله قال: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد بن يحيى العنبري يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي يقول: سمعت إسحاق بن موسى الأنصاري يقول: سمعت معن بن عيسى يقول: كان مالك بن أنس يتحفَّظ من الباء والياء والتاء في حديث رسول الله ﷺ .
وروينا عن عبد الله بن مسعود في حديث التشهد: أنه كان يأخذ عليهم الألف والواو.
٥٣١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد ابن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أُسيد بن عاصم، حدثنا الحسين بن حفص، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كان عبد الله يأخذ علينا فيها الواو.
٥٣٢ - وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف، أخبرنا أبو بكر محمد ابن الحسين القطان، حدثنا إبراهيم بن الحارث البغدادي، حدثنا يحيى ابن أبي بكير، حدثنا هُرَيم بن سفيان البجلي، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "نضّر الله امرأً سمع منا حديثًا فأداه كما سمعه، فربَّ مبلَّغ أوعى من سامع" (١).
٥٣٣ - وأخبرنا أبو علي الرُّوْذْباري، أخبرنا أبو بكر ابن داسَهْ، حدثنا أبو داود (٢)، حدثنا مسدد، حدثنا المعتمر قال: سمعت منصورًا يحدث
стр. 341
عن سعد بن عبيدة، حدثني البراء بن عازب قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إذا أتيت مضجَعَك فتوضّأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: اللهم أسلمتُ وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبةً ورغبةً إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلتَ، وبنبيك الذي أرسلتَ"، قال: "فإن متَّ، متَّ على الفطرة، واجعلهن آخرَ ما تقول".
قال البراء، فقلت أستذكرُهنّ: وبرسولك الذي أرسلتَ، قال: "لا، وبنبيك الذي أرسلت".
رواه البخاري عن مسدد (١).
٥٣٤ - ومن ذهب إلى مراعاة اللفظ احتج بهذا الحديث، وبحديث ابن مسعود، وقد يُحمل حديث البراء بن عازب أنه عدل باللفظ المسموع منه إلى ما هو أعم منه، لأن لفظ الرسول أعم من لفظ النبي، لأن النبيّ: هو المنبَّأ المخبَر، والرسول: هو المأمور بتبليغ ما أُنبِئ وأُخبِر عنه، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، فصرفه عما عدل إليه، إلى ما علَّمه، ليدلَّه بذلك على أن مثله لا يجوز في الأحاديث التي تتضمن الأحكام.
٥٣٥ - وقد يَحتمل أنه إنما صرفه عنه، لأنه أردفه بقوله: "الذي أرسلت"، وذلك يؤدي معنى الرسول، فأمره أن يقول: وبنبيك الذي أرسلت، ليجتمعَ له الثناء بالاسمين معًا، ولا يصيرَ البيان معادًا مكررًا. والله أعلم.
стр. 342
٥٣٦ - وفي حديث ابن مسعود، وزيد بن ثابت ترغيب الجماعة في الحفظ والرواية، وفيهم الفقيه وغير الفقيه، ومن ليس بفقيه لا يهتدي إلى موضع الإحالة من الحديث، فلا تكون له مفارقة اللفظ بحال. وبالله التوفيق (١).
* * * * *
стр. 343
باب من قال لا بأس بإصلاح اللحنِ والخطأِ في الحديث
٥٣٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن عبد الله بن نُمَير، حدثنا أبي، حدثنا شَريك، عن جابر قال: سألت عامرًا، وأبا جعفر، والقاسم، وعطاء، عن الرجل يحدثني بالحديث فيلحن، أحدثُ به كما سمعته، أو أُعرِبه؟ قالوا: بل أَعِربه (١).
٥٣٨ - أخبرنا أبو عبد الله، حدثني إسماعيل بن أحمد الجرجاني، حدثنا عبد الله بن محمد بن سلم المقدسي، حدثنا هشام بن عمار قال: سمعت الوليد بن مسلم يقول: سمعت الأوزاعي يقول: لا بأس بإصلاح اللحن والخطأ والتحريف في الحديث.
٥٣٩ - أخبرنا أبو عبد الله، حدثني أبو الوليد الفقيه، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا أحمد بن عيسى المصري، حدثنا بِشْر بن بكر قال: سئل الأوزاعي فقيل له: يا أبا عمرو، الرجل يسمع الحديث عن النبي ﷺ فيه لحن، أيقيمه على عربيته؟ قال: نعم، إن رسول الله ﷺ لا يتكلم إلا بعربي.
стр. 344
٥٤٥ - أخبرنا أبو نصر ابن قتادة، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد ابن زكريا الأديب، حدثنا الحسين بن محمد بن زياد القَباني، حدثني محمد بن يحيى، حدثنا عفان بن مسلم قال: قال لنا همّام: إنْ وجدتم في حديثي لحنًا فقوِّموه، فإن قتادة كان لا يلحن (١).
٥٤١ - وأخبرنا أبو نصر ابن قتادة، أخبرنا أبو الحسن ابن زكريا قال: سمعت أبا علي القَباني يقول: سمعت محمد بن رافع يقول: سمعت النضر ابن شُميل يقول: جاءت هذه الأحاديث عن الأصل مُعْربة.
٥٤٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن منصور المروزي يقول: سمعت إبراهيم بن عبد الله الخلال يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: إذا سمعتم مني الحديث، فاعرِضوه على أصحاب العربية ثم أحكموه.
٥٤٣ - وأخبرنا أبو عبد الله قال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: سمعت محمد بن إسحاق يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: سمعت النضر بن شميل: كان عوف بن أبي جميلة رجلًا لحَّانًا، فقد كَسَوتُ لكم حديثه كُسوة حسنة.
٥٤٤ - أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا الحسن بن علي بن عفان العامري، حدثنا أبو يحيى الحِمّاني، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر: أنه كان يحدث بالحديث،
стр. 345
فيلحن فيه، اقتداءً بما سمع.
٥٤٥ - سمعت أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت أحمد بن محمد السِّجزي يقول: سمعت عبد الله بن أبي زياد القَطَواني يقول: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول: لأهل العربية لغةٌ، ولأهل الحديث لغة، ولغة أهل العربية أقيسُ، ولا نجدُ بُدًّا من اتباع لغة أهل الحديث من أجل السماع.
* * * * *
стр. 346
باب لا يُقبل من المدلِّس حديث حتى يقول: حدثني، أو: سمعت ويُقبل من غيره: فلان عن فلان
وكذلك ذكر سائر أهل العلم بالحديث، وبمعناه ذكره مسلم بن الحجاج في خطبة كتابه (١).
٥٤٦ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران ببغداد، أخبرنا أبو عمرو ابن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: سمعت شعبة قال: كنت أتفقد فم قتادة، فإذا قال: حدثنا وسمعت: حفظته، وإذا قال: حدث فلان، تركته.
٥٤٧ - وأخبرنا أبو الحسين، أخبرنا أبو عمرو، حدثنا حنبل، حدثني أبو عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل -، حدثنا أبو داود قال: قال شعبة: كنت أعرف إذا حدثنا قتادة ما سمع مما لم يسمع، كان إذا جاء ما سمع قال: حدثنا أنس، وحدثنا الحسن، وحدثنا مطرف، وحدثنا سعيد، وإذا جاء ما لم يسمع يقول: قال سعيد بن جبير، وقال أبو قلابة.
٥٤٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب، حدثنا رجاء الحافظُ المروزي، حدثنا النضر ابن شميل قال: سمعت شعبة يقول: كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة.
стр. 347
٥٤٩ - أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي (١)، حدثنا يحيى بن زكريا بن حَيُّويه، حدثني أبو حفص ابن مِقْلاص قال: سمعت أبي يقول: سمعت الشافعي يقول: قال شعبة: التدليس أخو الكذب (٢).
٥٥٠ - أخبرنا أبو سعد، أخبرنا أبو أحمد (٣)، حدثنا أحمد بن موسى ابن العرّاد، حدثنا يعقوب بن شيبة، قال: سألت يحيى بن معين عن التدليس؟ فكرهه وعابه، قلت له: فيكون المدلس حجةً فيما روى حين يقول: حدثنا، وأخبرنا، قال: لا يكون حجة فيما دلّس.
٥٥١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قرأت بخط محمد بن يحيى: سألت أبا الوليد: أكان شعبة يفرق بين أخبرني، وعن؟ فقال: أدركت العلماء وهم لا يفرقون بينهما.
٥٥٢ - قال الإمام أحمد: وهذا فيمن لا يعرف بالتدليس، فيقبل منه "عن"، ولا يبحث عن سماعه، فأما من عرف بالتدليس مرةً، فلا يقبل منه ما يقبل من أهل النصيحة في الصدق، حتى يقول: حدثني، أو: سمعت، كذلك ذكره الشافعي ﵀.
стр. 348
٥٥٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (١)، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، وأبو عبد الرحمن السلمي، قالوا: أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا قُراد أبو نوح قال: سمعت شعبة يقول: كل حديث ليس فيه: حدثنا، أو: أخبرنا، فهو خلٌّ وبقل.
وإنما أراد- والله أعلم- في رواية المدلسين، أو من يُرسل الحديث فلا يسنده.
وأما الكلام فيمن كان يدلس من المحدثين، ولا يدلس، فليس ها هنا موضعَه، وعلمُه عند أهل المعرفة بالحديث ظاهر، وبالله التوفيق (٢).
* * * * *
стр. 349
باب لا يستدلُّ بمعرفةِ صدقِ المحدِّث على صدق مَن فوقه
٥٥٤ - أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق، وأبو بكر أحمد بن الحسن، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، أخبرنا عمِّي محمد بن علي، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: إني لأسمع الحديث أستحسنه، فما يمنعني من ذِكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به، أسمعه من الرجل لا أثق به، قد حُدِّثه عمَّن أثق به، وأسمعه من الرجل أثق به، فيحدثه عمن لا أثق به (١).
٥٥٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني عمر بن جعفر البصري، حدثنا الحسن بن صالح الأهوازي بالبصرة، حدثنا سليمان بن داود الشاذَكوني، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن ابن سيرين: أنه كان يحدثه الرجل فلا يُقبِل عليه، فيقول: لا أتهمك، ولا الذي حدثك، ولكن أتهم من بينكما.
٥٥٦ - وأخبرنا أبو عبد الله (٢)، أخبرنا الزبير بن عبد الواحد الحافظ،
стр. 350
حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، حدثنا محمد بن المتوكل، حدثنا يحيى ابن سليم، حدثنا عبيد الله بن عمر قال: قال ابن سيرين: إن الرجل ليحدثني بالحديث فما أتهمه، ولكن أتهم من حدثه، وإن الرجل ليحدث بالحديث فما أتهم من حدثه، ولكن أتهمه هو.
٥٥٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا عبد الله بن محمد الكَعْبي، حدثنا إسماعيل بن قتيبة، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي: حدثنا الحارث، وأشهد بالله أنه كان كذابًا (١).
٥٥٨ - قال الإمام أحمد: هذا قوله في الحارث الأعور، وهو يروي عنه مع فضله وعلمه وتقدمه، وروى عنه أبو إسحاق السبيعي وغيره من الثقات.
٥٥٩ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلمي، حدثنا إسماعيل بن أحمد الجُرجاني، حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا شَبَابة قال: سمعت شعبة يقول: إذا حدثكَم الثوري عن رجل لا تعرفونه، فلا تقبلوا منه، فإنما يحدثكم عن مثل أبي شعيب المجنون الصَّلْتِ بن دينار.
٥٦٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن الفضل، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا محمد بن رافع قال: قلت لأبي عامر: كان الثوري يدلس؟ قال: لا يفعل، قلت: أليس يَعلم أنه إذا دخل
стр. 351
كُورة يعلم أن أهلها لا يكتبون حديث رجل قال: حدثني رجل، وإذا عُرف الرجل بالاسم كناه، فإذا عُرف بالكنية سماه، قال: هذا تزيين ليس ذا بتدليس.
٥٦١ - أخبرنا أبو الحسن ابن الفضل القطان ببغداد، أخبرنا عبد الله ابن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (١)، حدثني أحمد بن الخليل قال: سمعت أبا نوح قُرادًا يقول: قال شعبة: نِعم الرجل سفيان لولا أنه يقمِّش، يعني: يأخذ من الناس كلهم.
٥٦٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن محمد ابن عبد الله البغدادي، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثني حاتم الفاخر، وكان ثقة (٢)، قال: سمعت سفيان الثوري يقول: إني لأروي الحديث على ثلاثة أوجه: أسمع الحديث من الرجل أتخذه دِينًا، وأسمع الحديث من الرجل، أتوقف في حديثه، وأسمع الحديث من الرجل لا أعتدُّ بحديثه، وأحب معرفة مذهبه (٣).
стр. 352
٥٦٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (١)، أخبرني أبو عمران موسى بن سعيد الحنظلي الحافظ بهمذان، حدثنا أحمد بن إسحاق القاضي بالدينور، قال: سمعت أبا بكر الأثرم يقول: رأى أحمد بن حنبل يحيى بن معين بصنعاء في زاوية وهو يكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، فإذا اطلع عليه إنسان كتمه، فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، وتعلم أنها موضوعة، فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه! ! فقال: رحمك الله يا أبا عبد الله، أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق، عن معمر، على الوجه فأحفظها كلها وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء بعده إنسان فيجعل بدل: أبان ثابتًا، ويرويها عن معمر، عن ثابت، عن أنس، فأقول له: كذبتَ، إنما هي عن معمر، عن أبان، لا عن ثابت.
٥٦٤ - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا محمد بن إبراهيم الهاشمي، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا محمد بن رافع قال: رأيت أحمد ابن حنبل بين يدي يزيد بن هارون ببغداد، وفي يده كتاب لزهير، عن جابر، يعني الجعفي، وهو يكتبه، فقلت: يا أبا عبد الله، تنهوننا عن جابر (٢)، وتكتبونه؟ ! قال: نعرفه.
стр. 353
٥٦٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في "التاريخ"، قال: سمعت أبا الخطاب محمد بن خلف بن جعفر البلخي ببخارى يقول: سمعت القاسم ابن بُندار الهمذاني يقول: سمعت أبا حاتم الرازي يقول: لم يكن في أمة من الأمم مذ خلق الله آدم، أمةٌ يحفظون كتاب نبيهم غيرَ هذه الأمة، فقال رجل: يا أبا حاتم، أهل الحديث ربما رووا حديثًا لا أصل له، ولا يصح! فقال: علماؤهم يعرفون الصحيح من السقيم، فروايتهم الحديثَ الواهي للمعرفة، ليتبين لمن بعدهم أنهم ميزوا الآثار وحفظوها، ثم قال: رحم الله أبا زرعة، كان والله مجدًّا مجتهدًا في حفظ آثار رسول الله ﷺ .
٥٦٦ - قال الإمام أحمد: فعلى هذا الوجه كانت رواية من روى من الأئمة عن الضعفاء، فلذاك قلنا: لا نستدل بمعرفة صدق من حدثنا على صدق من فوقه.
٥٦٧ - وقد تَنزّه جماعة من الأئمة عن الرواية عن الضعفاء، كمالك ابن أنس، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم، وقد يوجد في رواية بعضهم الروايةُ عن بعض الضعفاء لخفاء حاله عليه، وظهوره لغيره، كنحو رواية مالك، عن عبد الكريم بن أبي المُخارق، وهو عند غيره ضعيف، وبالله التوفيق.
* * * * *
стр. 354
باب معرفة سقيم الحديث من صحيحه بكثرة النظر وإن كان الراوي صدوقًا
٥٦٨ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان ببغداد، أخبرنا عبد الله ابن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (١)، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبيه قال: قال الربيع بن خُثَيم: إن من الحديث حديثًا له ضوء كضوء النهار تَعرفه، وإن من الحديث حديثًا له ظلمة كظلمة الليل تُنكره.
٥٦٩ - وأخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي (٢)، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا أحمد بن حنبل (٣)، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي يعلى، وبكر بن ماعز، عن الربيع بن خثيم، فذكره.
стр. 355
ورواه إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن منذر، عن الربيع بن خثيم، ومنذر: هو أبو يعلى.
٥٧٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني دَعْلَج بن أحمد السِّجْزي، حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، حدثنا نعيم ابن حماد قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: كيف تعرف صحيح الحديث من خطئه؟ ! قال: كما يعرف الطبيبُ المجنونَ.
٥٧١ - أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي (١)، حدثنا محمد بن عبد الله بن الجنيد، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال: سمعت علي بن عبد الله يقول: جاء رجل إلى عبد الرحمن بن مهدي فقال: يا أبا سعيد، إنك تقول للشيء هذا صحيح، وهذا لم يثبت، فعمَّن تقول ذلك؟ ! قال عبد الرحمن: أرأيتَ لو أتيتَ الناقد فأريتَه دراهمك، فقال: هذا جيد، وهذا سُتُّوق، وهذا نَبَهْرَج، أكنت تسأل عمَّ ذاك، أو كنت تسلم الأمر له؟ قال: بل كنت أسلم الأمر إليه، فقال: فهذا كذلك، لطول المجالسة، أو المناظرة والخبرة.
٥٧٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي (٢): لا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه، إلا بصدق المخبر وكذبه، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله، أو يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه.