← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 39268

المدخل إلى السنن الكبرى - البيهقي - ت عوامة

أبو بكر البيهقي

Полный текст (1 002 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

٩٤١ - حدثنا أبو طاهر الفقيه إملاءً وقراءة، أخبرنا أبو حامد ابن بلال، حدثنا يحيى بن الربيع المكي، حدثنا سفيان، عن إدريسَ الأودي، قال: أخرج إلينا سعيد بن أبي بردة كتابًا، فقال: هذا كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵄: أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنَّة متبعة، افهمْ إذا أُدلي إليك، فإنه لا تنفع كلمة حق لا نفاذ له، آسِ بين الناس في وجهك، ومجلسك، وعدلك، حتى لا يطمعَ شريف في حَيفك، ولا يخافَ ضعيف من جَوْرك. البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين الناس، إلا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرم حلالًا. لا يمنعُك قضاء قضيتَه بالأمس راجعتَ فيه الحق، فإن الحق قديم، لا يُبطِل الحقَّ شيء، ومراجعةُ الحق خير من التمادي في الباطل. الفهمَ الفهمَ فيما يختلج في صدرك، مما لم يبلغك في القرآن والسنة، فتعرَّفِ الأمثالَ والأشباه، ثم قسِ الأمور عند ذلك، واعمِدْ إلى أحبِّها إلى الله، وأشبهها فيما ترى. اجعل للمدَّعي أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضَر بينة وإلا وجهتَ عليه القضاء، فإن ذلك أجلى للعمى، وأبلغُ في العذر. والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودًا في حدٍّ، أو

стр. 527

مجرَّبًا بشهادة الزور، أو ظَنينًا في ولاء، أو قرابة، فإن الله تولى منكم السرائر، ودرأ عنكم الشبهات- أو قال: بالبينات-. ثم إياك والضجرَ، والقلق، والتأذي بالناس، والتنكرَ بالخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله تعالى بها الأجر، ويكسب بها الذخر، فإنه من يُصلح لله سريرته فيما بينه وبين ربه، أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بما يعلمُ الله منه غيرَ ذلك، يَشِنْه الله، فما ظنك بثوابِ غيرِ الله في عاجل الدنيا، وخزائن رحمته، والسلام (١). * * * * *

стр. 528

باب ما اجتهد فيه المجتهدون، كيف الحقُّ فيه عند الله قال الشافعي (١): لا يجوز عندنا- والله أعلم- أن يكون الحق فيه عند الله إلا واحدًا، لأن علم الله في أحكامه واحد، لاستواء السرائر والعلانية عنده، وإن علمه بكل واحد سواء. ٩٤٢ - أخبرنا بذلك أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي، فذكره. ٩٤٣ - وأخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن علي بن يعقوب الإيادي المالكي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن يوسف النَّصِيبي، حدثنا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا حَيْوة، حدثني يزيد بن عبد الله، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ، فله أجر".

стр. 529

قال: فحدَّثت بهذا الحديث أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فقال: هكذا حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة. رواه البخاري في "الصحيح" عن المقرئ (١). ٩٤٤ - أخبرنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين الحسني، أخبرنا أبو حامد ابن الشَّرْقي، حدثنا محمد بن يحيى، وأبو الأزهر، وعبد الرحمن بن بشر، وأحمد بن يوسف، قالوا: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، كان له أجران، فإن اجتهد وأخطأ، كان له أجر" (٢). ٩٤٥ - أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن جانجان الصرّام بهَمَذان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن عبد الله بن محمد بن بَرْزة، حدثنا إبراهيم بن الحسين الكسائي، حدثنا يحيى بن صالح الوُحاظي، حدثنا يزيد بن ربيعة، عن ربيعة بن يزيد، عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : "من طلب علمًا فأدركه، فله

стр. 530

كِفْلانِ من الأجر، ومن طلب علمًا فلم يدركه، كان له كِفْل من الأجر" (١). * * * * *

стр. 531

باب اختلاف المجتهدين فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد وفيما يسوغ فيه ٩٤٦ - أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس محمد ابن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي (١) قال: الاختلاف وجهان: فما أقام الله به الحجة على خلقه حتى يكونوا على بينة منه، ليس عليهم إلا اتباعه، ولا لهم مفارقته، فإن اختلفوا فيه (٢): فذلك الذي ذم الله عليه، والذي لا يحل الاختلاف فيه، قال الله : ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، فمن خالف نصَّ كتاب الله الذي لا يَحتمل التأويل، أو سنةً قائمة (٣)، فلا يحلُّ له الخلاف، ولا أحسَبه يحلُّ له خلافُ جماعةِ الناس وإن لم يكن في قولهم كتاب أو سنة. ومن خالف في أمر ليس فيه إلا الاجتهاد، فذهب إلى معنى يحتمله ما ذهب إليه، وتكون عليه دلائل: لم يكن في ضيق من الخلاف لغيره، وذلك لأنه لا يخالف حينئذٍ كتابًا نصًا، ولا سنة قائمة، ولا جماعة، ولا

стр. 532

قياسًا، لأنه إنما نظر في القياس فأداه القياس إلى غير ما أدى صاحبَه إليه القياس، كما أداه التوجه إلى البيت بدلائل النجوم إلى غير ما أدى إليه صاحبَه. ٩٤٧ - أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل القطان ببغداد، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن دُرُسْتُويه، حدثنا يعقوب بن سفيان (١)، حدثنا أبو عاصم، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي، عن العِرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ، ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة، ذَرَفت منها العيون، ووَجِلت لها القلوب، أو كما قال، فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودعِّ فأوصنا، قال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه مَن يَعِشْ منكم سَيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وَعضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة". ٩٤٨ - أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الرُّوذْباري، أخبرنا أبو بكر ابن داسه، حدثنا أبو داود (٢)، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا

стр. 533

إبراهيم بن سعد. ح، قال: وحدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا عبد الله ابن جعفر المَخْرَمي، وإبراهيم بن سعد، عن سعد بن إبراهيم، عن القاسم ابن محمد، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا ما ليس فيه، فهو ردٌّ". وقال ابن عيسى في حديثه: قال النبي ﷺ : "من صنع أمرًا على غير أمرنا، فهو ردّ". رواه البخاري في "الصحيح" عن يعقوب بن إبراهيم، قال: ورواه عبد الله بن جعفر، ورواه مسلم عن محمد بن الصباح، وعن إسحاق بن راهويه. وعبدُ بن حميد، عن أبي عامر، عن عبد الله بن جعفر (١). ٩٤٩ - أخبرنا أبو بكر ابن الحارث الأصبهاني، أخبرنا أبو محمد ابن حَيّان، حدثنا عبد الله بن محمد بن حيان بن مُقَيَّر البغدادي، حدثنا سُرَيج ابن يونس، حدثنا سفيان، عن عاصمٍ، وداودَ، عن الشعبي، عن مسروق قال: قال عمر ﵁: يُرَدُّ الناسُ من الجهالات إلى السنة. ٩٥٠ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران ببغداد، أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي. ح، وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، قالا: حدثنا عبد الرزاق (٢)،

стр. 534

أخبرنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: وقال رسول الله ﷺ : "ذَروني ما تركتكم، فإنما هلك الذين مِن قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". رواه مسلم في "الصحيح" عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، وأخرجه البخاري من حديث الأعرج، عن أبي هريرة (١). ٩٥١ - أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله البسطامي، أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرني إبراهيم بن شريك، حدثنا أَحمد بن يونس، حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يأخذ أمتي ما أخذ الأمم والقرون قبلها، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع"، قيل: يا رسول الله، كما فعله فارس والروم؟ ! فقال رسول الله ﷺ : "وهل الناسُ إلا أولئك". رواه البخاري عن أحمد بن يونس (٢). وأخرجاه من حديث أبي سعيد الخدري (٣). ٩٥٢ - أخبرنا أبو علي الرُّوْذْباري، أخبرنا محمد بن بكر، حدثنا أبو داود (٤)، حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن محمد بن عمرو، عن أبي

стр. 535

سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فِرقةً، وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فِرقةً، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" (١). ٩٥٣ - أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الله الحُرْفي ببغداد، حدثنا أحمد بن سَلْمان الفقيه، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا إسماعيل ابن أبي أويس، حدثني كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده قال: كنا قعودًا حول رسول الله ﷺ في مسجد المدينة، فجاءه جبريل ﵇ بالوحي، فتغشى رداءه، فمكث طويلًا حتى سُرِّي عنه، ثم كشف رداءه فقال: "جاءكم جبريل ﵇ يتعاهد دينكم، لتسلكُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم، حَذْوَ النعل بالنعل، ولتأخُذُن (٢) بمِثْل أَخْذهم، إنْ شبرًا فشبر، وإنْ ذراعًا فذراع، وإن باعًا فباع، حتى لو دخلوا جُحْر الضب لدخلتم فيه، ألا إن بني إسرائيل افترقت على موسى ﵇ سبعين فرقة، كلُّها ضالة إلا

стр. 536

فرقةً واحدة، الإسلام وجماعتهم، ثم إنها افترقت على عيسى ابن مريم إحدى وسبعين فرقة، كلها ضالة إلا فرقةً واحدة، الإسلام وجماعتهم، ثم إنكم تكونون على اثنتين وسبعين فرقة، كلها ضالة إلا فرقةً واحدة، الإسلام وجماعتهم" (١). ٩٥٤ - وبهذا الإسناد: أن رسول الله ﷺ قال: "يا معشر قريش، إنكم الولاة بعدي لهذا الأمر، ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٢). ٩٥٥ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان ببغداد، أخبرنا عبد الله ابن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (٣)، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان، عن الأزهر بن عبد الله، عن أبي عامر عبد الله بن لُحَيّ قال: حججنا مع معاوية ﵁، فلما قدمنا مكة، قام حين صلى صلاة الظهر بمكة فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة- يعني: الأهواء- كلُّها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة".

стр. 537

وقال: "إنه سيخرج في أمتي أقوام تَتَجارى بهم تلك الأهواء، كما يَتَجارى الكَلَبُ بصاحبه، فلا يبقى منه عِرْق ولا مَفْصِل إلا دخله"، والله يا معشر العرب، لئن لم تقوموا بما جاء به محمد، لَغَيرُكم من الناس أحرى أن لا يقوم به. أخرجه أبو داود في كتاب "السنن" من حديث أبي المغيرة، وبقية، عن صفوان (١). ٩٥٦ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو بكر القطان، حدثنا أحمد ابن يوسف السلمي، حدثنا محمد بن يوسف قال: ذَكَر سفيان، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عَمْرو قال: قال رسول الله ﷺ : "ليأتينَّ على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، مِثلٌ بمثل، حَذْوَ النعل بالنعل، حتى لو كان فيهم من أتى أمَّه علانيةً كان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقوا على ثنتين وسبعين ملةً، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين ملةً، كلها في النار، إلا واحدة"، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه اليومَ وأصحابي" (٢). ٩٥٧ - قال الإمام أحمد ﵀: قد أخبر سيدنا المصطفى ﷺ عما ظهر بعده من اختلاف الأمة، وحذَّرهم متابعةَ أهل الأهواء منهم فيما أحدثوا من البدعة، وحثَّهم على متابعة سنته وسنة الخلفاء

стр. 538

الراشدين من بعده من الصحابة، ودلَّهم بالإشارة إلى ما كانوا عليه على الفرقة الناجية، فمن سلك في دينه سبيلَهم، ولزم في متابعة الكتاب والسنة هديهم، فاز فوزًا عظيمًا، ونال حظًّا جسيمًا. ٩٥٨ - ولعل قائلًا يزعم أن المجتهدين من أهل السنة والجماعة اختلفوا أيضًا اختلافًا كثيرًا، وتباينوا تباينًا شديدًا، فهم وإن اختلف اجتهادهم فيما يسوغ فيه الاجتهاد، فقد اجتمعوا من حيثُ لم يخالف واحد منهم كتابًا نصًّا، ولا سنة قائمة، ولا إجماعًا، ولا قياسًا صحيحًا عنده، وإن كل واحد منهم قد أدى ما كُلِّف من الاجتهاد، وأحرز الأجر الموعود على طلب الصواب، واختصاصُ بعضهم بإحراز الأجر الموعود على إصابة العين التي أُمر بالاجتهاد في طلبها: فضلُ الله يؤتيه من يشاء. والذي لم يصبها غيرُ آثم، لأنه إنما كُلِّف في الحكم الاجتهادَ على الظاهر دون الباطن، ولا يعلم الغيبَ إلا الله، فهم - مع اختلافهم هذا النوعَ من الاختلاف - من أهل السنة والجماعة. ٩٥٩ - وأنا أرجو أن لا يؤخذ على واحد منهم أنه قصد أن يخالف كتابًا نصًّا، ولا حديثًا ثابتًا، ولا قياسًا صحيحًا عنده، ولكن قد يجهل الرجلُ السنة، فيكون له قول يخالفها، لا أنه عمَد خلافها، وقد يَغْفُل المرء ويخطئ في التأويل، وقد تكون نازلةٌ ويوجد لها في أصلين شَبَه، فيذهب ذاهب إلى أصل، والآخر إلى أصل غيره، فيختلفان. وفي حكايات مسائل الفقه عن السلف ما يكشف عن ذلك ويوضحه، وهي مفرقةٌ في كتاب "السنن" في مواضعها.

стр. 539

٩٦٠ - وقد أشار الشافعي (١) إلى جملة ما ذكرنا، وذكر من أمثلتها اختلاف الصحابة، فمن بعدهم، في تأويل قوله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فقالت عائشة ﵂: الأقراء: الأطهار، وقال مثلَ معنى قولها: زيد بن ثابت، وابن عمر، وغيرهما، وقال نفر من أصحاب النبي ﷺ : الأقراء: الحِيَض، فلا تحلُّ المطلَّقة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه، وبالأول قال مالك والشافعي وأصحابهما، واستدل الشافعي على صحة اختياره بدلالة الاشتقاق والسنة، وهي بتمامها مذكورة في كتاب العِدَّة (٢). ٩٦١ - وفي قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فقال بعض أصحاب رسول الله ﷺ : عدّةُ المتوفَّى عنها زوجُها إذا كانت حاملًا وضعُ الحمل، وقال غيره من أَصحاب رسول الله ﷺ : عدتها آخر الأجلين، حتى أخبر من سمع قول النبي ﷺ في سُبيعة بنت الحارث، وقد وضعت بعدَ [وفاة] زوجِها بليالٍ: "قد حللتِ، فتزوجي" (٣).

стр. 540

٩٦٢ - وفي قوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]، فقال الأكثر ممن رُوي عنه من أصحاب النبي ﷺ : عندنا إذا مضت أربعةُ أشهر وُقِّف المُولي، فإما أن يفيء، وإما أن يطلِّق، منهم: عثمان بن عفان في أشهر الروايتين عنه، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعائشة، وأبو ذر، وأبو الدرداء، ﵃، ورُوي عن غيرهم من أصحاب النبي ﷺ عزيمةُ الطلاق انقضاءُ أربعة أشهر (١)، منهم: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه، وبالأول قال مالك والشافعي وأصحابهما، واستدل الشافعي ﵁ على حسن اختياره: بأنه أشبه بمعنى كتاب الله، والمعقول، وهو بتمامه مذكور في كتاب الإيلاء (٢). ٩٦٣ - واختلفوا في المواريث، فقال زيد بن ثابت ﵁، ومن ذهب مذهبه: يعطى كل وارث ما سُمي له، فإن فضل فضل، ولا عصبة للميت، ولا ولاء، كان ما بقي لجماعة المسلمين، وروي عن غيره

стр. 541

منهم أنه قال: يرد فضل المواريث على ذوي الأرحام (١). ٩٦٤ - واختلفوا في الجد، فقال زيد بن ثابت، وروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ﵃: يُورَّث معه الإخوة، وقال أبو بكر الصديق، وابن عباس، وروي عن عائشة، وابن الزبير، وعبد الله ابن عتبة، ﵃: أنهم جعلوه أبًا، وأسقطوا الإخوة معه (٢). ٩٦٥ - وافترقت الأمة بعدهم في توريث ذوي الأرحام والرد، وتوريث الإخوة مع الجد فريقين، واستدل الشافعي (٣) على حسن اختياره بأنه يُنتهى في فريضة مَن فُرض له في كتاب الله فريضةً إلى ما انتُهيَ بها إليه، لا يزيد عليه، وأن قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، معناه: على ما فُرض لهم، وإنما نزل نسخ التوارث بالحِلْف، والإسلام، والهجرة، وأن الجد والأخ يُدليان بقرابة الأب، والجَدُّ يقول: أنا أبو أبي الميت، والأخ يقول: أنا ابن أبي الميت، والإدلاء بقرابة البنوَّة أقوى، فكان الأخ بالميراث أولى لولا إجماعُ الصحابة على أن الجدَّ مع الأخ مثلُه، وأكثرُ حظًّا منه، فإثباته إذًا مع الجدّ أولى الأمرين، والله أعلم. ٩٦٦ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (٤)، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا عيسى بن

стр. 542

يونس، عن عباد بن موسى، عن الشعبي: أنه أتي به الحجاجُ مُوثقًا، فذكر الحديث، قال: ثم احتاج إليَّ في فريضة، فأتيته فقال: ما تقول في أمّ وأخت وجدّ؟ فقلت: قد اختلف فيه خمسة من أصحاب النبي ﷺ : عبد الله بن عباس، وزيد بن ثابت، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود ﵃. فقال: ما قال فيها ابن عباس، إن كان لَمِثْقَبًا (١)؟ قلت: جعل الجد أبًا، ولم يعطِ الأخت شيئًا، وأعطى الأم الثلث، قال: فما قال فيها زيد بن ثابت؟ قلت: جعلها من تسعة، أعطى الأم ثلاثة، وأعطى الجد أربعة، وأعطى الأخت سهمين، قال: فما قال فيها أمير المؤمنين- يعني: عثمان-؟ قلت: جعلها أثلاثًا، قال: فما قال فيها ابن مسعودٍ؟ قلت: جعلها من ستة، أعطى الأخت ثلاثة، والجدَّ سهمين، والأم سهمًا، قال: فما قال فيها أبو تراب- يعني: عليًا ﵁ قلت: جعلها من ستة، أعطى الأخت ثلاثة، وأعطى الأم سهمين، وأعطى الجد سهمًا. ٩٦٧ - قال الإمام أحمد: وقد رَوَينا في كتاب الحج (٢)، عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس، ما دل على أن الجماعة إذا اشتركوا في قتل صيدٍ وهم محرِمون، لم يكن عليهم إلا جزاء واحد. ٩٦٨ - وإلى مثل هذا القول ذهب عطاء من فقهاء أهل مكة، والحارث العُكْلي، ثم حماد بن أبي سليمان من فقهاء الكوفة، وذهب الشعبي، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي إلى أن على كل إنسان منهم

стр. 543

جزاءً، قال الحسن: كما لو قتلوا رجلًا، كان على كل إنسان رقبةٌ رقبةٌ. ٩٦٩ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل، أخبرنا عبد الله، حدثنا يعقوب (١)، حدثنا أبو بكر الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا ابن شُبْرُمة قال: رأيت الشعبي فقلت له: ما تقول في قوم محرمين- يعني: اشتركوا في قتل صيد-؟ فقال: على كل واحد منهم عِدْلُه، فقلت له: فإن حمادًا يقول: عليهم جزاء واحد؟ فقال: إن كان يقوله، فقد جُنَّ، فأخبرت الحارث العكلي بما قال الشعبي، وبما قال حماد فقال: القول ما قال حماد، عليهم جزاء واحد، ألا ترى لو أن قومًا قتلوا رجلًا خطأ لم يكن عليهم إلا ديةٌ واحدة، فقلت أنا: بل القول ما قال الشعبي، على كل واحد منهم جزاء، ألا ترى لو أن قومًا قتلوا رجلًا خطأً، كانت على كل رجل منهم كفارةٌ: عتقُ رقبة. قال ابن شبرمة: فقاس الشعبي على الكفارة، وقاس حماد والحارث على الدية. ٩٧٠ - قال أحمد: وإلى مثل قول عطاء والحارث وحماد فمن فوقهم: ذهب الشافعي، وإلى مثل قول الشعبي فمن معه: ذهب مالك وأبو حنيفة. وإلى مثال ما أشرنا إليه كان اختلاف أهل السنة والجماعة، فمن عرف أصولهم، ووقف على اجتهادهم في فروعهم، علم حسن نيتهم، وجميل قصدهم، ومن نظر في اختلاف الصحابة الذين كانوا أعلام الدين، فمن بعدهم من التابعين في مسائل الفقه، علم أنهم الذين نسجوا بِساط هذا النوع من الاختلاف لمن بعدهم من فقهاء الأمة، فاستدل بذلك على اتساع

стр. 544

هذا النوع من الخلاف، وأن كل واحد منهم أدى ما كلِّف من الاجتهاد في طلب الصواب، وأنهم من هذا الوجه مجتمعون وإن كانوا في التأويل مختلفين، وفي التعليل متباينين، فلا مثال أدل عليه من الذين غابوا عن البيت فاجتهدوا في طلبه، فاختلف اجتهادهم، فيصلي كل واحد منهم حيث يرى. ٩٧١ - قال الشافعي (١): وقد أدى ما كلِّف من التوجه إليه بالدلائل عليه. ٩٧٢ - قال الشافعي: فإن قال قائل: فيلزم أحدَهما اسمُ الخطأ؟ . قيل: أما في ما كلِّف فلا، وأما خطأُ عينِ البيت، فنعم، لأن البيت لا يكون في جهتين مختلفتين. فإن قيل: فيكون مطيعًا بالخطأ. قيل: هذه مسألة جاهل (٢)، يكون مطيعًا بالصواب لما كلِّف من الاجتهاد، وغيرَ آثم بالخطأ، إذ لم يكلف صوابَه لِمَغيب العين عنه، وإذا لم يكلف صوابه، لم يكن عليه خطأ ما لم يُجعل عليه صوابُ عينه.

стр. 545

فإن قيل: أفتجدُ سنةً تدل على ما وصفتَ؟ . قيل: نعم، فذكر الحديث الذي: ٩٧٣ - أخبرنا به أبو سعيد ابن أبي عمرو مع هذا الكلام، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد العزيز. ح، وأخبرنا أبو عبد الله، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق، أخبرنا إسماعيل بن قتيبة، حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادِ، عن محمد بن إبراهيم، عن بُسر ابن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله ﷺ قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر". لفظ حديث يحيى، رواه مسلم: عن يحيى بن يحيى (١). ٩٧٤ - قال الشافعي في هذا الإسناد (٢): فإن قال قائل: فما معنى هذا؟ . قيل: ما وصفتُ من أنه إذا اجتهد فجمع الصوابَ بالاجتهاد، وصوابَ العين التي اجتهد في طلبها، كانت له حسنتان، فإن أصاب بالاجتهاد وأخطأ العين التي أُمِرَ أن يجتهد في طلبها، كانت له حسنة، ولا يثاب من يؤدي في أن يخطئ للعين، وبحسْبِ من يؤدي فيخطئ أن يُكفَّ عنه، وهذا يدل على ما وصفتُ من أنه لم يكلفْ صوابَ العين في حال.

стр. 546

٩٧٥ - قال الإمام أحمد: ومن وقف على أصول أهل السنة والجماعة، وعلم اجتهاد المجتهدين من أسلافهم رضي الله عن جماعتهم، لم يرضَ لدينه من نفسه الوقوعَ في أحدٍ منهم، بل اجتهد في الترحُّم عليهم، والاقتداء بمن أحرز الأجرين منهم، فإن أخطاه إدراكُهما معًا، لم يخطئ إدراكَ أحدِهما إن شاء الله. ٩٧٦ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران العدل ببغداد، أخبرنا أبو عمرو ابن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا معاذ ابن هشام، حدثني أبي، عن قتادة: أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: ما سرَّني لو أن أصحاب محمد ﷺ لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة (١). ٩٧٧ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا جعفر بن محمد العَبّاداني، حدثنا ابن كثير، حدثنا سفيان، عن أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد قال: اختلافُ أصحاب محمد ﷺ رحمةٌ لعباد الله. ٩٧٨ - أخبرنا أبو عبد الله، أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن إسحاق، أخبرنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا ابن بكير، حدثني الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد قال: أهل العلم أهل توسعة، وما بَرِح المفتون يختلفون، فيُحلُّ هذا، ويُحرم هذا، فلا يَعيب هذا على هذا، ولا هذا على هذا، وإن المسألة لَتَرِد على أحدهم هي عنده أعظم من الجبل، فإذا فُتح له بابها

стр. 547

قال: ما أهون هذه. ٩٧٩ - قال الإمام أحمد: وصاحب الشرع، هو الذي شرع لهم هذا النوع من الاختلاف، حيث أمرهم بالاستنباط من الكتاب والسنة، ثم بالاجتهاد فيما ليس فيه نص كتاب ولا سنة، مع علمه بأن الاجتهاد قد يختلف. ٩٨٠ - أخبرنا أبو بكر ابن فورك، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يونس بن حبيب، قال: حدثنا أبو داود (١)، حدثنا هشام. ح، وأخبرنا أبو صالح ابن أبي طاهر العنبري، أخبرنا جدِّي يحيى بن منصور، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا محمد بن بشار العبدي، ومحمد ابن المثنى قالا: حدثنا يحيى بن سعيد، ومعاذ بن هشام. قال ابن سلمة: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي، وهذا حديثه، حدثني أبي، عن قتادة، عن سالم ابن أبي الجعد الغَطَفاني، عن معدان ابن أبي طلحة اليعمُري: أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب يوم الجمعة فذكر نبيَّ الله ﷺ ، وذكر أبا بكر ﵁ ثم قال: رأيت كأن ديكًا نَقَرني نقرةً، أو نقرتين، وإني لا أُراه إلا لحضور أجلي. وإن أقوامًا يأمرونني أن أستخلِف، وإن الله لم يكن ليضيِّع دينه، ولا خلافته، ولا الذي بعث به نبيَّه ﷺ ، فإن عَجِل بني أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الرهط الستة، الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وقد علمت أن أقوامًا سيطعنون في هذا

стр. 548

الأمر، أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام، فإن فعلوا فأولئك أعداء الله الكفرة الضُّلَّال. وإني لا أدعُ بعدي شيئًا هو أهمَّ إليَّ من الكَلَالة، ما راجعتُ رسول الله ﷺ في شيء ما راجعتُه في الكلالة، ولا أغلظَ لي في شيء منذ صاحبتُه ما أغلظَ لي في الكلالة، حتى طعن بإصبعه في صدري فقال: "يا عمر أما تكفيك آية الصيف التي في سورة النساء؟ ". وإني إن أعِشْ أقضِ فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرؤه، تم قال: اللهم إني أُشهِدك على أمراء الأمصار، فإنما بعثتُهم ليعلِّموا الناس دينَهم، وسنةَ نبيهم ﷺ ، ويعدلوا عليهم، ويرفعوا إليَّ ما أشكل عليهم من أمرهم. ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين ما أُراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم، قد كنت أرى رسول الله ﷺ إذا وجدَ ريحَهما من الرجل في المسجد أُمر به فأُخذ بيده فأُخرج به إلى البقيع، فمن كان آكلَهما لا بدّ فليُمِتْهما طبخًا. رواه مسلم (١) عن محمد بن المثنى، عن يحيى القطان. ٩٨١ - وفي هذا توكيد من المصطفى ﷺ لأمر الكلالة المذكورِ أحدُ وَصْفَيها بما في آخر سورة النساء، إلى استنباط عمر ﵁ صفتَها الأخرى. ٩٨٢ - وروينا في حديث معاذ بن جبل وغيره، ﵃، ما دلّ على إذنه في الاجتهاد فيما لم يمضِ به كتاب ولا خبر، وفي ذلك

стр. 549

دلالة على صحة ما ذهب إليه علماء أهل السنة والجماعة، وبالله التوفيق والعصمة. ٩٨٣ - أخبرنا أبو عبد الله، حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، حدثنا محمد بن إبراهيم العبدي، حدثني عبد العزيز بن عمران بن مِقْلاص، وأبو الطاهر أحمد بن عمرو قالا: حدثنا خالد بن نزار الأيلْي قال: سمعت مالك بن أنس ﵀ يقول: دعاني أبو جعفر أمير المؤمنين فقال لي: يا أبا عبد الله، إنني أُريد أن أكتب إلى الآفاق فأحملَهم على كتاب "الموطأ"، حتى لا يبقى أحد يخالفك فيه، قال مالك: فقلت: يا أمير المؤمنين، إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في البلدان، واتَّبعهم الناس، فرأى كلُّ فريق أنْ قدِ اتَّبعَ متَّبَعًا. ورواه محمد بن عمر الواقدي (١)، عن مالك بن أنس أتم من هذا، وقال عن مالك في جوابه: يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وإنّ ردَّهم عما قد اعتقدوا شديد، فَدعَ الناسَ وما هم عليه، وما اختاره أهلُ كل بلد لأنفسهم، فقال: لعمري لو طاوعتَني على ذلك لأمرتُ به. ٩٨٤ - أخبرناه محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا مَخْلَد بن جعفر الدقاق، حدثنا محمد بن جرير، حدثني الحارث بن محمد، حدثنا محمد ابن سعد، حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال: سمعت مالك بن أنس، فذكره في قصة. قال الإمام أحمد: هكذا ينبغي أن يصنع كل من نال من سلطانه إقبالًا

стр. 550

عليه من أكابر أهل العلم من أهل السنة والجماعة، ولا يشتغل بالتعصب، وإعداء السلطان على من خالف اجتهادُه اجتهادَه، مع اعتقاده أنه: إما مصيب في اجتهاده، أو مخطئ فيه خطأ مرفوعًا عنه، وقد يختلف اجتهاده في نفسه إن كان منصفًا، واضعًا للرأي موضعه، فيكون الصواب عنده ما ذهب إليه من خالفه قبله، فكيف يتعصب مع من خالفه فيما يسوغ له خلافه، لولا حبُّ الدنيا وطلب الجاه، والله يعصمنا من الوقوع في أئمة المسلمين، ومَن دونهم من أهل الصلاح والدين، ويوفقنا لما هو أولى بنا وأنفع لمعاشنا ومعادنا من الاشتغال بما لا يعنينا، بفضله ورحمته (١). * * * * *

стр. 551

باب الحكم الخاص الذي لا يقاس عليه ٩٨٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي قال (١): ما كان لله فيه حكم منصوص ثم كانت لرسول الله ﷺ سنة بتخفيفٍ في بعض الفرض دون بعض، عُمل بالرخصة فيما رَخَّص فيه رسول الله ﷺ دون ما سواها، ولم يُقَس ما سواها عليها، وهذا كما فرض الله تعالى الوضوء على من قام إلى الصلاة من نومه فقال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فقصد قصد الرِّجْلين بالفرض كما قصد ما سواهما من أعضاء الوضوء، فلما مسح رسول الله ﷺ على الخفين، لم يكن لنا - والله أعلم - أن نمسح على عمامة، ولا بُرْقع، ولا قُفّازين، قياسًا عليهما. قال: وهكذا ما كان لرسول الله ﷺ من حكم عامّ بشيء، ثم سنَّ فيه سنة تُفارق حكم العام، كما نهى رسول الله ﷺ عن بيع الرطب بالتمر، ونهى عن المزابنة، وهي: كل ما عرف مما فيه الربا، بجُزَاف من جنسه، ورخَّص في أن تباع العرايا بخَرْصها تمرًا يأكلها أهلها رُطبًا، فأثبتنا التحريم عامًا في كل شيء من صنف واحد

стр. 552

مأكول، بعضُه جُزافٌ، وبعضه مكيل، للمزابنة (١)، وأحللنا العرايا خاصة بإحلاله من الجملة التي حرّم. قال (٢): ولا يجوز أن يجني رجل ويغرَّم غيرُ الجاني، إلا في الموضع الذي سنّه رسول الله ﷺ فيه خاصة من قتل الخطأ، وجنايته على الآدميين خطأً، ولا يقاس ما لزمه من غُرم بغير جراح الخطأ على ما لزمه بقتل الخطأ، لأن الأكثر المعروف إنما جنى في ماله، فلا يقاسُ على الأقل، ويترك الأكثر المعقول. * * * * *

стр. 553

باب القولِ بالعموم حتى يجد دلالة على الخصوص، والاستدلالِ على ما احتمل التأويلَ منه بغيره ٩٨٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي قال (١): الأحكام في القرآن على ظاهرها وعمومها، ليس لأحد أن يُحيل منها ظاهرًا إلى باطن، ولا عامًا إلى خاص، إلا بدلالة من كتاب الله ، فإن لم يكن فسنة رسول الله ﷺ تدل على أنها خاص دون عام، أو باطن دون ظاهر، أو إجماع من عامة العلماء الذين لا يجهلون كلُّهم كتابًا ولا سنة. ٩٨٧ - قال (٢): ويستدلُ على ما احتمل التأويلَ منه بسننِ رسول الله ﷺ ، فإذا لم يجد سنةً فبإجماع المسلمين، فإن لم يكن إجماع، فالقياس. ٩٨٨ - قال (٣): والحديث عن رسول الله ﷺ على عمومه وظهوره، حتى تأتي دلالة عن النبي ﷺ بأنه أراد به خاصًا دون عام، ويكون الحديث العام المَخْرَج محتمِلًا، معنى الخصوص (٤)، بقول عوام أهل العلم فيه، أو مَن حَمَل الحديثَ سماعًا من

стр. 554

النبي ﷺ ، بمعنى يدل على أن رسول الله ﷺ أراد به خاصًا دون عام. قال الإمام أحمد: ومثال ما أشار الشافعي في هذا الفصل مذكور في كتاب "السنن" في مواضعه. ٩٨٩ - ومما يستدل به على القول بالعموم وبالظاهر حتى تَرِد دلالة على الخصوص، وترك الظاهر: ٩٩٠ - ما حدثنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن الحسن الشرقي، حدثنا عبد الله بن هاشم، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا ابن جريج. ح، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن أحمد بن علي، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (١)، حدثنا حفص بن غياث، ويحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن سليمان بن عتيق، عن طَلْق ابن حبيب، عن الأحنف بن قيس، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "هلك المتنطِّعون" قالها ثلاثًا. وفي رواية العلوي: "هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون". رواه مسلم في "الصحيح" عن أبي بكر بن أبي شيبة. ٩٩١ - قال الإمام أحمد: بلغني عن أبي سليمان الخطابي أنه قال:

стр. 555

المتنطع: المتعمِّق في الشيء، المتكلِّف للبحث عنه، وفيه دليل على أن الحكم بظاهر الكلام، وأنه لا يترك الظاهر إلى غيره ما كان له مَسَاغ، وأمكن فيه استعمال. ٩٩٢ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (١)، حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، عن أبي قَبيل المَعَافري، عن عقبة. ٩٩٣ - وقال يعقوب: وحدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي قَبيل قال: سمعت عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هلاك أمتي في الكتاب واللَّبَن"، فقيل: يا رسول الله، ما الكتاب واللبَن؟ قال: "يتعلمون القرآن ويتأولونه على غير ما أُنزل، ويحبون اللَّبَن فَيَدَعون الجماعاتِ والجُمَع ويَبْدُون". قال أبو قَبيل: لم أسمع من عقبة بن عامر إلا هذا الحديث. ٩٩٤ - قال أبو عبد الرحمن: وحدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير نحو ذلك، عن عقبة، عن النبي ﷺ مثله، ولفظ الحديث للمقرئ. ٩٩٥ - أخبرنا أبو صالح ابن أبي طاهر العنبري، أخبرنا جدّي يحيى ابن منصور القاضي، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا

стр. 556

عبد العزيز - يعني: ابن محمد -، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبدٍ لا يؤدي زكاة ماله إلا أُتي به وبماله" فذكر الحديث في التغليظ على مانع الزكاة، قالوا: الخيلُ يا رسول الله؟ فذكر الحديث في الخيل، قالوا: الحُمُرُ يا رسول الله؟ قال: "ما أُنزِل عليَّ فيها شيء إلا هذه الآيةَ الجامعةَ الفاذّة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. رواه مسلم في "الصحيح" عن قتيبة (١). ٩٩٦ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا ابن أبي أويس، حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". رواه البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس" (٢). ٩٩٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (٣)، حدثنا أبو العباس القاسم بن القاسم السيّاري بمرو، حدثنا محمد بن موسى بن حاتم، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، أخبرنا الحسين بن واقد، عن يزيدَ النخوي، عن

стр. 557

عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٨، ٩٩]، قال: لو كان هؤلاء الذين يُعبَدون آلهةً ما وردوها، فقال المشركون: الملائكة وعيسى وعُزَير يُعبدون من دون الله، قال: فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]، عيسى ﷺ ، وعزير، والملائكة ﵈ (١). * * * * *

стр. 558

باب صفة الأمر والنهي ٩٩٨ - أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي (١): أصل النهي عن رسول الله ﷺ ، أن كل ما نهى عنه فهو محرم، حتى يأتي عنه دلالة تدل على أنه نهى عنه بمعنًى غيرِ التحريم، إنما أراد به نهيًا عن بعض الأمور دون بعض، وإنما أراد به النهي لتنزيه المنهي، والأدب، والاختيار، ولا يُفرَّق بين نهي رسول الله ﷺ إلا بدلالة عن رسول الله ﷺ ، أو أمر لا يختلف فيه المسلمون. ٩٩٩ - وذكر الشافعي في كتاب "أحكام القرآن" (٢) من معاني الأمر: أن يكون الله حرم شيئًا ثم أباحه، فكان أمره إحلالَ ما حرَّم، كقول الله تعالى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وكقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وذكر قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. ١٠٠٠ - ثم قال: يَحتمل أن يكون دلَّهم على ما فيه رُشْدهم بالنكاح، لقول الله : ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، فدل

стр. 559

على ما فيه سبب الغَناء والعفاف، كقول النبي ﷺ : "سافروا تَصِحّوا وتُرزقوا"، فإنما هو دلالة، لا حتمًا (١) أن يسافر لطلب صحةٍ ورزق. ١٠٠١ - أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان بهذا الحديث إملاءً، أخبرنا أحمد بن عبيد، حدثنا محمد بن غالب، حدثني محمد بن سنان، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن ردّاد، شيخ من أهل المدينة، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "سافروا تَصِحّوا وتَغْنموا" (٢). ورَوَيناه أيضًا في كتاب "السنن" في حديث ابن عباس، عن رسول الله ﷺ (٣). ١٠٠٢ - قال الشافعي ﵁ (٤): ويَحتمِل أن يكون الأمر بالنكاح حتمًا، وفي كلِّ الحتم من الله الرشدُ. ١٠٠٣ - قال: وقال بعض أهل العلم: الأمر كلُّه على الإباحة والدلالة على الرشد، حتى توجد الدلالة من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع على

стр. 560

أنه أريد بالأمر الحتم. ١٠٠٤ - قال: وما نهى الله عنه فهو محرَّم، حتى توجد الدلالة عليه بأن النهي عنه على غير التحريم، وكذلك ما نهى عنه رسول الله ﷺ . ١٠٠٥ - أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن، وأبو زكريا ابن أبي إسحاق، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي (١)، أخبرنا ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "ذروني ما تركتكم، فإنه إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فما أمرتكم به من أمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا". ١٠٠٦ - قال (٢): وأخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، بمثل معناه. ١٠٠٧ - قال الشافعي في كتاب "أحكام القرآن" عقب هذا الحديث (٣): وقد يَحتمِل أن يكون الأمر في معنى النهي، فيكونان لازمين، إلا بدلالة أنهما غيرُ لازمين، ويكون قول النبي ﷺ : "فأتوا منه ما استطعتم" أن يقول: عليهم إتيان الأمر فيما

стр. 561

استطاعوا، لأن الناس إنما كلِّفوا ما استطاعوا، وفي الفعل استطاعة، لأنه شيء يتكلَّف، وأما النهي، فالترك, لأنه ليس بتكلّفِ شيءٍ يحدث، إنما هو شيء يكفُّ عنه، وعلى أهل العلم عند تلاوة الكتاب ومعرفة السنة: طلبُ الدلائل، ليفرقوا بين الحتم والمباح والإرشاد الذي ليس بحتم في الأمر والنهي معًا. ١٠٠٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل، حدثنا الحسين بن محمد بن زياد القباني، حدثنا عُبيد الله ابن سعيد، حدثنا سفيان. ح، وأخبرنا أبو علي الروذباري، أخبرنا أبو بكر بن داسه، حدثنا أبو داود (١)، حدثنا قتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يرفعه قال: "لولا أن أشُقَّ على المؤمنين لأمرتهم بتأخيرِ العشاء، والسواكِ عند كل صلاة". لفظ حديث قتيبة. وفي رواية عُبيد الله: أن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي". رواه مسلم في "الصحيح" عن قتيبة (٢). وفيه دلالة على أنه لو أمر به لم يكن لهم خلافه. ١٠٠٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو محمد الحسن بن علي بن حليم المروزي، حدثنا أبو المُوَجِّه، أخبرنا عبدان، أخبرنا

стр. 562

عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن زوج بَريرة كان عبدًا يقال له: مُغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ﷺ للعباس: "يا عباس، ألا تعجبُ من حبِّ مغيثٍ بريرةَ، ومن بغض بريرة مغيثًا؟ ! "، فقال النبي ﷺ : "لو راجعتيه، فإنه أبو ولدك"، قالت: يا رسول الله، أتأمرني؛ فقال: "إنما أشفع"، فقالت: فلا حاجة لي فيه. رواه البخاري في "الصحيح" عن محمد، عن عبد الوهاب (١). وفي هذا دلالة على أنه لو كان أمرَها بذلك، لم يكن لها مخالفته. ١٠١٠ - وفي قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وغيرِ ذلك من الآيات والأخبار التي وردت في معناها، دلالةٌ على أن ظاهر الأمر يقتضي الوجوب، وبالله التوفيق. * * * * *

стр. 563

باب دليل الخطاب (١) ١٠١١ - أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي (٢): يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: في سائمة الغنم كذا، وإذا قيل في سائمة الغنم كذا، فيشبه - والله أعلم - أن لا يكون في الغنم غيرِ السائمة شيء، لأن كل ما قيل في شيء بصفةٍ، والشيءُ يَجمع صفتين، يؤخذ من صفة كذا، ففيه دليل على أن لا يؤخذ من غير تلك الصفة من صفتيه (٣). فلهذا قلنا: لا يَبِين أن نأخذ من الغنم غيرِ السائمة صدقةَ الغنم، وإن كان هذا هكذا في الغنم، فهو هكذا في الإبل والبقر, لأنها الماشية التي تجب فيها الصدقة، دون ما سواها. والله أعلم (٤). ١٠١٢ - أخبرنا أبو عمرو الأديب، أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرني أبو القاسم المَنيعي، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن

стр. 564

أُبي ابن سلول، جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ يسأله أن يُعطيه قميصه يكفِّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلِّي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، تصلِّي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ ! فقال رسول الله ﷺ : "إنما خيرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] وسأزيد على السبعين"، فقال: إنه منافق! ! فصلى عليه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]. رواه البخاري في "الصحيح" عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبه (١). ١٠١٣ - قال أصحابنا: فعقل النبي ﷺ في ذلك أن ما عَدا السبعين بخلافها.

стр. 565

١٠١٤ - وروينا في حديث يعلى بن أمية حين قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وقد أمِنَ الناس؟ ! فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ ؟ فقال: "صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته". ١٠١٥ - أخبرنا أبو صادق محمد ابن أبي الفوارس الصيدلاني، في آخرين، قالوا: أخبرنا محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابَيْه، عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر، فذكره. أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة (١) وغيره، عن عبد الله بن إدريس. ١٠١٦ - قال أصحابنا: فعقلوا من ذلك: أنه إذا عُدم الخوف كان الأمر في القصر بخلافه، حتى أخبرهم النبي ﷺ بالرخصة في الحالين معًا. ١٠١٧ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا سعدان بن نصر، حدثنا سفيان قال: سمع عمرو من بَجَالة، أو من رجل آخر قال: كان رجل يكتب بين الناس، فمرَّ به عمر ﵁ وهو يُشْهد أكثر من اثنين، فقال: ألم أنهك؟ قال: أطعتُ الله وعصيتكُ، فسكت عمر ﵁.
следующие страницы →