← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 39268

المدخل إلى السنن الكبرى - البيهقي - ت عوامة

أبو بكر البيهقي

Полный текст (1 002 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

استطاعوا، لأن الناس إنما كلِّفوا ما استطاعوا، وفي الفعل استطاعة، لأنه شيء يتكلَّف، وأما النهي، فالترك, لأنه ليس بتكلّفِ شيءٍ يحدث، إنما هو شيء يكفُّ عنه، وعلى أهل العلم عند تلاوة الكتاب ومعرفة السنة: طلبُ الدلائل، ليفرقوا بين الحتم والمباح والإرشاد الذي ليس بحتم في الأمر والنهي معًا. ١٠٠٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل، حدثنا الحسين بن محمد بن زياد القباني، حدثنا عُبيد الله ابن سعيد، حدثنا سفيان. ح، وأخبرنا أبو علي الروذباري، أخبرنا أبو بكر بن داسه، حدثنا أبو داود (١)، حدثنا قتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يرفعه قال: "لولا أن أشُقَّ على المؤمنين لأمرتهم بتأخيرِ العشاء، والسواكِ عند كل صلاة". لفظ حديث قتيبة. وفي رواية عُبيد الله: أن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي". رواه مسلم في "الصحيح" عن قتيبة (٢). وفيه دلالة على أنه لو أمر به لم يكن لهم خلافه. ١٠٠٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو محمد الحسن بن علي بن حليم المروزي، حدثنا أبو المُوَجِّه، أخبرنا عبدان، أخبرنا

стр. 562

عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن زوج بَريرة كان عبدًا يقال له: مُغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ﷺ للعباس: "يا عباس، ألا تعجبُ من حبِّ مغيثٍ بريرةَ، ومن بغض بريرة مغيثًا؟ ! "، فقال النبي ﷺ : "لو راجعتيه، فإنه أبو ولدك"، قالت: يا رسول الله، أتأمرني؛ فقال: "إنما أشفع"، فقالت: فلا حاجة لي فيه. رواه البخاري في "الصحيح" عن محمد، عن عبد الوهاب (١). وفي هذا دلالة على أنه لو كان أمرَها بذلك، لم يكن لها مخالفته. ١٠١٠ - وفي قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وغيرِ ذلك من الآيات والأخبار التي وردت في معناها، دلالةٌ على أن ظاهر الأمر يقتضي الوجوب، وبالله التوفيق. * * * * *

стр. 563

باب دليل الخطاب (١) ١٠١١ - أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي (٢): يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: في سائمة الغنم كذا، وإذا قيل في سائمة الغنم كذا، فيشبه - والله أعلم - أن لا يكون في الغنم غيرِ السائمة شيء، لأن كل ما قيل في شيء بصفةٍ، والشيءُ يَجمع صفتين، يؤخذ من صفة كذا، ففيه دليل على أن لا يؤخذ من غير تلك الصفة من صفتيه (٣). فلهذا قلنا: لا يَبِين أن نأخذ من الغنم غيرِ السائمة صدقةَ الغنم، وإن كان هذا هكذا في الغنم، فهو هكذا في الإبل والبقر, لأنها الماشية التي تجب فيها الصدقة، دون ما سواها. والله أعلم (٤). ١٠١٢ - أخبرنا أبو عمرو الأديب، أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرني أبو القاسم المَنيعي، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن

стр. 564

أُبي ابن سلول، جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ﷺ يسأله أن يُعطيه قميصه يكفِّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلِّي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، تصلِّي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ ! فقال رسول الله ﷺ : "إنما خيرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] وسأزيد على السبعين"، فقال: إنه منافق! ! فصلى عليه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]. رواه البخاري في "الصحيح" عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبه (١). ١٠١٣ - قال أصحابنا: فعقل النبي ﷺ في ذلك أن ما عَدا السبعين بخلافها.

стр. 565

١٠١٤ - وروينا في حديث يعلى بن أمية حين قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وقد أمِنَ الناس؟ ! فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ ؟ فقال: "صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته". ١٠١٥ - أخبرنا أبو صادق محمد ابن أبي الفوارس الصيدلاني، في آخرين، قالوا: أخبرنا محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابَيْه، عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر، فذكره. أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة (١) وغيره، عن عبد الله بن إدريس. ١٠١٦ - قال أصحابنا: فعقلوا من ذلك: أنه إذا عُدم الخوف كان الأمر في القصر بخلافه، حتى أخبرهم النبي ﷺ بالرخصة في الحالين معًا. ١٠١٧ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا سعدان بن نصر، حدثنا سفيان قال: سمع عمرو من بَجَالة، أو من رجل آخر قال: كان رجل يكتب بين الناس، فمرَّ به عمر ﵁ وهو يُشْهد أكثر من اثنين، فقال: ألم أنهك؟ قال: أطعتُ الله وعصيتكُ، فسكت عمر ﵁.

стр. 566

١٠١٨ - وبهذا الإسناد: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: في صدقة عمر ليس فيها إلا: شهد عبد الله بن أرقم، ومعيقيب، وكتب. ١٠١٩ - قال الإمام أحمد: ويشبه أن يكون عمر تأوّل قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فرأى بدليل الخطاب ألا يُشْهِد أكثر من اثنين، فعارضه بعض كتّابه بما روينا في هذا الخبر، وكأنه احتج بعموم قوله : ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولم يَفْصِل بين أن يُشِهد اثنين وأكثر، وقدَّم التنبيه على الدليل، فإن أمَرَه (١) بإشهاد اثنين للوثيقة تحديدًا للشهود باثنين، وتنبيهًا على أنهم كلما كانوا أكثر كان ذلك أبلغَ في الوثيقة، فسكت عمر، وفي ذلك دلالة على موافقته إياه في تقديم التنبيه على الدليل، أو في تقديم ظاهر الكتاب وعمومه على قوله، والله أعلم. * * * * *

стр. 567

باب بيان الناسخ والمنسوخ ١٠٢٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي ﵀ (١): والناسخ من القرآن: الأمر يُنزله الله تعالى بعد الأمر يخالفه، كما حوّل القبلة، فقال: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقال: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ الآية [البقرة: ١٤٢]، وأشباه له في غير موضع. ١٠٢١ - قال (٢): وكل منسوخ يكون حقًّا ما لم يُنسخ، فإذا نسخ كان الحقُّ في ناسخه. ١٠٢٢ - قال (٣): ولا يَنسخ كتابَ الله إلا كتابُه، قال الله : ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥]، وقال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، فأخبر الله أن نسخ القرآن، وتأخير إنزاله، لا

стр. 568

يكون إلا بقرآن مثلِه. ١٠٢٣ - قال: وهكذا سنة رسول الله ﷺ ، لا ينسخها إلا سنة لرسول الله ﷺ ، ولا ينسخ الشيءَ إلا مثلُه. قال أحمد: وبمثل ذلك أجاب في كتاب "الرسالة" القديمة. ١٠٢٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قال الحسين بن حماد فيما أخبرت عنه، أخبرنا محمد بن سفيان المصري (١)، حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: قال الشافعي في قوله : ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ [النساء: ١٥]، الآية كلها نُسخت بالحديث: قال النبي ﷺ : "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهنَّ سبيلًا، على البِكْر جلد مئة وتغريب عام، وعلى الثيب الرجم" (٢). هكذا في هذه الرواية، ورأيته في موضع آخر: عن يونس، عن الشافعي، وقال: نُسخت بالحد، فيرجع ذلك إلى ما رواه الربيع. ١٠٢٥ - وذكر في رواية الربيع ﵀ بالإسناد الذي تقدم آيةَ الحبس والأذى، ثم قال: فكان حدُّ الزانيين بهذه الآية الحبسَ والأذى، حتى أنزل الله على نبيه ﷺ معنى الآية التي في سورة النور.

стр. 569

١٠٢٦ - قال (١): ثم إنها تحتمل أن تكون على جميع الزناة الأحرار، وعلى بعضهم دون بعض، فاستدللنا بسنة رسول الله ﷺ بأبي وأمي هو - على من أريد بالمئة جلدة. ١٠٢٧ - ثم ذكر (٢) حديث عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: "خذوا عني، قد جعل الله لهنَّ سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم". ثم قال: فدلَّ قولُ رسول الله ﷺ : "قد جعل الله لهنَّ سبيلًا" على أن هذا أول ما حدَّ به الزناة، لأن الله يقول: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، ثم رجم رسول الله ﷺ ماعزًا ولم يجلده، وأمر الأسلميَّ أن يرجم المرأة ولم يجلدها، فدلتْ سنة رسول الله ﷺ أن الجلد منسوخ عن الزانيين الثيبين. ١٠٢٨ - ثم ذكر (٣) حديث العسيف، وقول النبي ﷺ : "لأقضينَّ بينكما بكتاب الله"، وأنه جلد ابنه مئة، وغرَّبه عامًا، وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها.

стр. 570

١٠٢٩ - قال الشافعي ﵀ (١): فثبت جلدُ مئة والنفيُ على البِكرين الزانيين، والرجم على الثيبين الزانيين، وإن كانا ممن أريدا بالجلد، فقد نسخ عنهما الجلد مع الرجم، وإن لم يكونا أريدا بالجلد وأريد به البكران فهما مخالفان للثيبين، ورجم الثيبين بعد آية الجلد بما روي عن النبي ﷺ ، عن الله . ١٠٣٠ - قال الإمام أحمد ﵀: قولُ الشافعي: إن كانا - يعني الثيبين - ممن أريدا بالجلد، يعني بالآية التي في سورة النور، فقد نُسخ عنهما الجلد: إشارةٌ إلى نسخ الحبس والأذى عنهما بآية الجلد في سورة النور، ثم نُسخ الجلد عنهما بما روى النبي ﷺ عن الله : "لأقضينّ بينكما بكتاب الله" (٢). ١٠٣١ - وقولُه: وإن لم يكونا أريدا بالجلد: إشارةٌ إلى أن الحبس والأذى، إنما نسخ عنهما بقولِه: "قد جعل الله لهنَّ سبيلًا"، وتبيينِه السبيلَ الذي جعله الله لهنّ، ثم نسخ الجلد عن الثيبين دون الرجم، بما روى النبي ﷺ عن الله ، وهو قوله: "لأقضين بينكما بكتاب الله" وقضى به عليهما بالرجم دون الجلد، وكأنه رأى نسخ ما يُتلى من كتاب الله بما روى النبي ﷺ عن الله . ١٠٣٢ - وفي حديث العسيف دلالة على أنه يسمى كتاب الله،

стр. 571

وكذلك حديث عمر في آية الرجم، فيكون ذلك نسخَ كتاب بكتاب، وإن لم يُتل قرآنًا، وإنما لا يرى نسخه بما يسنُّ سنة مطلقًا، وقد ذكرنا أقاويل أهل العلم في وجوه ما سنّه في أول هذا الكتاب حكايةً عن الشافعي، وذهاب بعضهم إلى أنه قد كان يسنُّ بالرأي، والله أعلم (١). ١٠٣٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي (٢): ولا يستدل على الناسخ والمنسوخ: ١ - إلا بخبرٍ عن رسول الله ﷺ ، ٢ - أو بوقتٍ يدل على أن أحدهما بعد الآخر، فيعلم أن الآخر هو الناسخ، ٣ - أو بقولِ من سمع الحديث، ٤ - أو العامةِ. ١٠٣٤ - قال (٣): وأكثر الناسخ في كتاب الله إنما عُرف بدلالة سنن رسول الله ﷺ . ١٠٣٥ - أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق، أخبرنا أبو الحسن أحمد ابن محمد بن عَبْدوس، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، قال: يقول: يبدِّل الله ما يشاء من القرآن، فينسخه، ويُثْبِت ما يشاء ولا يبدَّله، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يقول: جملةُ ذلك عنده في أم الكتاب: الناسخ والمنسوخ، وما يبدَّل وما

стр. 572

يُثْبَت، كلُّ ذلك في كتاب (١). وقد روي في نسخ الحديث أخبار ضعيفة، فمنها: ١٠٣٦ - ما أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي الحافظ (٢)، حدثنا محمد بن عبد الحميد الفَرْغاني، حدثنا عمر بن شَبّة، حدثنا محمد بن الحارث الحارثي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحاديثي ينسخ بعضها بعضًا، كنسخ القرآن". تفرد به محمد بن الحارث، عن ابن البيلماني، وكلاهما ضعيف. وروي من وجه آخر عن الزبير بن العوام: أن رسول الله ﷺ كان يقول القول، ثم يلبثُ حينًا، ثم ينسخه بقول آخر، كما ينسخ القرآن بعضه بعضًا. ١٠٣٧ - أخبرناه أبو بكر ابن الحارث الأصبهاني، أخبرنا علي بن عمر الحافظ (٣)، حدثنا محمد بن موسى البزاز، حدثنا علي بن أحمد بن سليمان، حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي، حدثنا عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي صخرة، عن عبد الله بن عطاء، عن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير قال: أَشهدُ على أبي لَحَدَّثني، فذكره. وهذا أيضًا ضعيف، وإنما يعرف معنى هذا من حديث سليمان

стр. 573

التيمي، عن أبي العلاء من قوله (١). ١٠٣٨ - وروى محمد بن داود القنطري، عن أبي عباد جبرون بن واقد الإفريقي، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "كلامي لا ينسخ كتاب الله، وكتاب الله ينسخ كلامي، وكلام الله ينسخ بعضه بعضًا". ١٠٣٩ - أخبرناه أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي (٢)، حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن المؤدب. ح، وأخبرنا أبو بكر بن الحارث، أخبرنا علي بن عمر الحافظ (٣)، حدثنا محمد بن مخلد، قالا: حدثنا محمد بن داود القنطري، فذكره، وهذا حديث منكر، وإنما ذكرته لأبين ضعفه عند أهل العلم بالحديث (٤). * * * * *

стр. 574

باب مثال الاستدلال بالسنة على نسخ إحدى الآيتين بالأخرى وذلك مثلُ استدلالنا بما: ١٠٤٠ - رَوَينا عن النبي ﷺ من طريق الشاميين موصولًا، ومن طريق مجاهد مرسلًا، ومِن نَقْل أهل المغازي: "لا وصية لوارث" (١)، على أن آية الوصية صارت منسوخةً بآية المواريث، مع ما روينا عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا في آية الوصية: إنها نسخت. ١٠٤١ - ثم استدللنا بحديث عمران بن حصين: أن رجلًا من الأنصار أعتق عند موته ستة مماليك له، ليس له مال غيرهم، فدعاهم النبي ﷺ ، فجزَّأهم ثلاثة أجزاء، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرَقّ أربعة (٢): على أن وجوب الوصية للأقربين عند الوارثين ليس بثابت، لأن النبي ﷺ أنزل عتقهم في المرض وصية، والذي أعتقهم رجل من العرب، والعربي إنما يملك من لا قرابة بينه وبينه من المعجم،

стр. 575

وأجاز النبي ﷺ لهم الوصية، فدل ذلك على أن الوصية لو كانت تبطل لغير قرابة بطلت للعبيد المعتَقين. ١٠٤٢ - وكنحو استدلالنا بحديث طلحة بن عبيد الله، قال: جاء رجل أعرابي من أهل نجد يسأل عن الإسلام؟ فقال النبي ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة"، فقال: هل عليَّ غيرها؟ فقال: "لا، إلا أن تَطَوَّع" (١)، على أن قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، ناسخ لقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، كما كان بيِّنًا في كتاب الله نسخ قيام الليل ونصفه، والنقصان من الليل والزيادة عليه بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. وقد أشار الشافعي إلى هذين المثالين، إلا أنه لم يذكر ما روينا عن ابن عباس، وابن عمر ﵄. ١٠٤٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد ابن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، أخبرنا روح بن عبادة، حدثنا الأوزاعي، عن مكحول قال: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن. ١٠٤٤ - قال: وقال يحيى بن أبي كثير: السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب قاضيًا على السنة. وإنما أراد - والله أعلم - أن سنة رسول الله ﷺ مع كتاب الله أُقيمت مُقام البيان عن الله ، كما قال الله عز

стр. 576

وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]، لا أن شيئًا من سنن رسول الله ﷺ يخالف كتاب الله . * * * * *

стр. 577

باب بيان وجوه نَسْخ القرآن، ومَنْ جَمَع القرآن في عهد النبي ﷺ ، ومن كتَبه في المصاحف بعده ١ - فمما نُسخ رسمه وبقي حكمه: ١٠٤٥ - ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني الحسين بن محمد الدارمي، حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب ﵁ في حديث السقيفة، قال: إن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ ، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أُنزِل عليه آية الرجم، فقرأتُها وعَقَلتها وَوَعَيتها، ورجم رسول الله ﷺ ، ورجمنا بعده، فأخشى إنْ طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجدُ الرجم في كتاب الله، فيضِلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجمُ في كتاب الله حقّ على من زنا إذا أُحصن، من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحَبَل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: ألا لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفرٌ بكم، أو: إن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم، وذكر الحديث بطوله. رواه البخاري في "الصحيح" عن عبد العزيز الأويسي، عن إبراهيم بن سعد (١).

стр. 578

١٠٤٦ - أخبرنا أبو علي الروذباري الطوسي، أخبرنا الحسين بن الحسن بن أيوب، حدثنا أبو يحيى ابن أبي مَسَرة، حدثنا المقرئ، حدثنا الليث، حدثني يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا أيها الناسُ قد سُنَّتْ لكم السُّنن، وفُرضت لكم الفرائض، وتُركتم على الواضحة، إلا أن تَضِلوا بالناس يمينًا وشمالًا، ألا وآيةُ الرجم، فلا تضلوا عنها، فإن رسول الله ﷺ قد رجم ورجمنا، فلا تقولوا: لا نجدُ حدَّيْن في كتاب الله، فإنها قد أنزلت وقرأناها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، فلولا أن يقال: إن عمر زاد في كتاب الله لكتبتها بيدي (١). ١٠٤٧ - أخبرنا أبو بكر ابن الحارث الفقيه، أخبرنا أبو محمد ابن حيان، حدثنا عبدان، حدثنا إسحاق بن الضيف، حدثنا النضر، حدثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن ابن أخي كثيرِ بنِ الصلت قال: كنا عند مروان وفينا زيد بن ثابت، فذكرنا آية الرجم فقال زيد: كنا نقرأ: الشيخ والشيخة إذا زَنَيا فارجموهما البتة، قال مروان: ألا نجعلها في المصحف؟ قال: لا، قال: ألا ترى الشابَّيْن يُرجمان؟ قال: ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب ﵁، فقال: أنا أشفيكم من ذلك، قلنا: كيف؟ قال: أَتي النبيَّ ﷺ فأذكر كذا وكذا، فإذا ذكر الرجم أقول: أَكْتِبْني آية الرجم يا رسول الله، فذهب فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فذكر الرجم فقال: أكتبني آية الرجم يا رسول الله، قال: لا أستطيع الآن.

стр. 579

ورواه غيره عن ابن عون، عن محمد قال: نبئت عن ابن أخي كثير بن الصلت (١). ١٠٤٨ - أخبرنا أبو بكر ابن فورك، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود (٢)، حدثنا ابن فضالة، عن عاصم، عن زِر قال: قال لي أُبي بن كعب: يا زِر، كأيِّن تقرأُ سورة الأحزاب؟ ، قلت: كذا وكذا آية، قال: إن كانت لتُضاهي سورة البقرة، وإن كنا لنقرأ فيها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، نكالًا من الله ورسوله، فرفع فيما رفع. وقد رَوينا في هذا الباب في كتاب الحدود (٣) ما يُستدل به مع ما روينا هاهنا على أن رسمها منسوخ، وحكمها ثابت. ١٠٤٩ - أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري، حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يعقوب بن إسحاق المَتُّوثي بالبصرة إملاءً سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة، حدثنا أبو داود (٤) سليمان بن الأشعث سنة أربع وستين ومئتين، حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر ابن محمد بن عَمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة

стр. 580

قالت: كان مما أنزل من القرآن: عشرُ رَضَعات يحرِّمنَ، ثم نُسخن بخمسٍ معلوماتٍ يحرِّمن، فتوفي النبي ﷺ وهنَّ مما يقرأ من القرآن. رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك (١). فالعَشْر مما نُسخ رسمه وحكمه، والخَمْس مما نسخ رسمه، بدليل أن الصحابة حين جمعوا القرآن لم يكتبوها رسمًا، وحكمها باقٍ عندنا. ١٠٥٠ - وقولها: وهنّ مما يقرأ من القرآن، تعني: من لم يبلغه نسخ تلاوته قرآنًا. ١٠٥١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا علي بن حمشاذ العدل، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن مِلحان، حدثنا ابن بكير، حدثنا مالك (٢)، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: دعا رسول الله ﷺ على الذين قَتلوا أهل بئر معونة ثلاثين صباحًا يدعو على رِعْلٍ ولِحْيانَ وعُصيَّةَ عصتِ الله ورسوله، قال أنس: أنزل الله على نبيه في الذين قتلوا أصحاب بئر معونة قرآنًا، حتى نُسخ بعدُ: بلِّغوا قومنا، فلقد لقينا ربَّنا فرضي عنا، ورضينا عنه. رواه البخاري في "الصحيح" عن ابن بكير، ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك (٣).

стр. 581

٢ - ومما نُسخ حكمه وبقي رسمه: ١٠٥٢ - ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد ابن أبي المعروف الفقيه، أخبرنا أبو سهل بشر بن أحمد الإسفرايني، أخبرنا أحمد بن الحسين بن نصر الحذّاء، حدثنا علي بن المديني، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب بن الشهيد، حدثني عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لعثمان بن عفان: الآية في البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، لِمَ تكتبُها وقد نَسَختها الآية الأخرى؟ ! قال: يا بن أخي، لا أغيِّر شيئًا عن مكانه. يعني: بالآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. رواه البخاري في "الصحيح" عن عبد الله ابن أبي الأسود، عن حميد ابن الأسود، ويزيد بن زريع (١). ٣ - ومما نُسخ رسمه ورُفع، فأُخبر عن رفعه واستُشْهِد عليه بما بقي منه للمخبِر محفوظًا: ١٠٥٣ - ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو نصر محمد بن علي بن الشيرازي الفقيه، وأبو زكريا ابن أبي إسحاق المزكّي، قالوا: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن النضر الجارودي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مُسْهر، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب ابن أبي الأسود، عن أبيه قال: بعث أبو موسى إلى قراء أهل

стр. 582

البصرة، فدخل عليه ثلاث مئة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتْلُوه ولا يَطُولنَّ عليكم الأمد فتقسوَ قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة بـ "براءة"، فأُنسيتُها، غيرَ أني حفظت منها: لو كان لابن آدم واديانِ من مال، لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوفَ ابنِ آدم إلا التراب، وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبِّحات فأُنسيتها، غيرَ أني قد حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون، فتكتبُ شهادةً في أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة. لفظ حديث أبي عبد الله. رواه مسلم عن سويد بن سعيد (١). ١٠٥٤ - أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة، أخبرنا أبو محمد أحمد بن إسحاق بهَرَاة، حدثنا علي بن محمد بن عيسى، حدثنا أبو اليمان، أخبرني شعيب، عن الزهري قال: أخبرني أبو أمامة: أن رهطًا من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ أخبروه: أن رجلًا قام من جوف الليل يريد أن يفتتح سورة قد كان وعاها، فلم يقدر

стр. 583

منها على شيء إلا: بسم الله الرحمن الرحيم، فأتى باب رسول الله ﷺ حين أصبح، ليسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، ثم جاء آخر وآخر حتى اجتمعوا، فسأل بعضهم بعضًا: ما جمعهُم؟ فأخبر بعضهم بعضًا شأن تلك السورة، ثم أَذِن لهم رسول الله ﷺ ، فأخبروه خبرهم، وسألوه عن السورة، فسكت ساعة لا يُرجع إليهم شيئًا، ئم قال: "نُسِخت البارحة، نسخت من صدروهم، ومن كل شيء كانت فيه" (١). ١٠٥٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت، عن أنس، عن أُبي بن كعب قال: نُرى أن هذا الحديث من القرآن: لو أن لابن آدم واديين من ذهب، لتمنى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوفَ ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب، حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ إلى آخرها. أخرجه البخاري فقال: قال لنا أبو الوليد: حدثنا حماد بن سلمة (٢). ١٠٥٦ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران، وأبو القاسم الحُرْفي ببغداد،

стр. 584

وأبو زكريا ابن أبي إسحاق قالوا: أخبرنا أبو أحمد حمزة بن محمد بن العباس، حدثنا أحمد بن الوليد الفحام، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن عمر ﵁ قال: عليٌّ أقضانا، وأبيُّ بن كعب أقرؤنا، وإنا لندعُ كثيرًا مما يقول أُبيّ، وأبي يقول: أخذتُه من فِي رسول الله ﷺ ، فلن أدَعه لشيء، والله يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. أخرجه البخاري من حديث يحيى القطان، عن سفيان الثوري (١). ١٠٥٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا علي بن حمشاذ العدل، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا أبو سلمة، وأبو عمر، قالا: حدثنا هشام، عن قتادة قال: سألت أنسًا: مَن جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد رجل من الأنصار. رواه البخاري في "الصحيح" عن أبي عمر، ورواه مسلم من وجه آخر عن همام، قال البخاري: وتابعه الفضل بن موسى، عن حسين بن واقد، عن ثُمامة، عن أنس (٢). ورواه عبد الله بن المثنى، عن ثابىتٍ وثُمامةَ، عن أنس، وذكر أبا الدرداء بدل: أُبيّ، والرواية الأولى أصح.

стр. 585

١٠٥٨ - وأخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان ببغداد، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (١)، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد، عن أيوبَ وهشامٍ، عن محمد - يعني: ابن سيرين - قال: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة لا يُختلف فيهم: معاذ بن جبل، وأُبي بن كعب، وزيد، وأبو زيد، واختلفوا في رجلين من ثلاثة، قالوا: عثمان وأبو الدرداء، وقالوا: عثمان وتميم الداري، ﵃. ١٠٥٩ - وأخبرنا أبو الحسين، أخبرنا عبد الله، حدثنا يعقوب (٢)، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: جَمَع القرآن على عهد رسول الله ﷺ ستة نفر من الأنصار: أبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وسعد بن عبيد، وأبو زيد، ومُجَمِّع بن جارية، قد أخذه إلا سورتين أو ثلاثة. قال: ولم يجمعه أحد من الخلفاء من أصحاب محمد ﷺ غيرَ عثمان ﵁. ١٠٦٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (٣)، حدثنا أبو النضر محمد بن

стр. 586

محمد بن يوسف الفقيه، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، وبشر بن موسى الأسدي، والحارث بن أبي أسامة التميمي، قالوا: حدثنا يحيى بن إسحاق السالحيني، حدثنا يحيى بن أيوب، حدثني يزيد بن أبي حبيب: أن عبد الرحمن بن شُمَاسة حدثه عن زيد بن ثابت قال: كنا حول رسول ﷺ نؤلِّف القرآن، إذ قال: "طوبى للشام"، فقيل له: ولم؟ قال: "إن ملائكة الرحمن باسطةٌ أجنحتَها عليهم". ١٠٦١ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل، أخبرنا عبد الله، حدثنا يعقوب (١)، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن خمر بن مالك (٢) قال: قال عبد الله بن مسعود: لقد قرأت من فِي رسول الله ﷺ سبعين سورة، وزيد بن ثابت له ذؤابتان يلعب مع الصبيان. ١٠٦٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (٣)، أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد الحنظلي، حدثنا أبو قلابة، حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو

стр. 587

عوانة، حدثني إسماعيل بن سالم، عن أبي سعد الأزدي (١) قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: أقرأني رسول الله ﷺ سبعين سورة، أحكمتُها قبل أن يُسلم زيد بن ثابت. ١٠٦٣ - قال الإمام أحمد: وبأمثال هذا عرفنا كون قراءة زيد بن ثابت القراءة الآخرة، ولذلك اعتمده من اختاره الله لخلقه بعد نبيه في جمع القرآن. وذلك فيما: ١٠٦٤ - أخبرنا أبو سهل محمد بن نصرويه المروزي، حدثنا أبو بكر ابن خَنْب، حدثنا أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق، حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا الزهري، عن عبيد بن السبّاق، عن زيد بن ثابت في قصة جمع القرآن قال: فقال أبو بكر ﵁ لزيد ابن ثابت: إنك رجل شابّ عاقل، لا نتهمك، وقد كنتَ تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآنَ فاجمعه، وذكر الحديث في جمعه القرآنَ من الرِّقاع، والعُسُب، واللّخاف، وصدور الرجال، في صحف، فكانت الصحف عند أبي بكر ﵁ حياتَه، ثم عند عمر، ثم عند حفصة بنت عمر. قال إبراهيم بن سعدٍ: فحدثني الزهري، عن أنس بن مالك: أن حذيفة قدم على عثمان ﵁، وكان يُغازي أهلَ الشام مع أهل العراق في

стр. 588

فتح أرمينيَّة، وأذربَيْجان، فأفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة: يا أمير المؤمنين، أدركْ هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلفت اليهود والنصارى، قال: فبعث عثمان إلى حفصة: أَرسِلي إلينا بالصحف ننسخْها في المصاحف، ثم نردَّها إليكِ، فبعثت بها إليه. فدعا زيد بن ثابت، فأمره، وعبدَ الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أن ينسخوا الصحف في المصاحف، وقال: ما اختلفتم أنتم وزيد، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، فكتبوا الصحف في المصاحف، فبعث إلى كل أفق بمصحف، وأَذِن بما سوى ذلك من القراءة في كل صحيفة أو مصحف أن تُمحى، أو تُحرق. كما أخرجناه في كتاب "السنن" بطوله (١). أخرجه البخاري في "الصحيح" عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم ابن سعد (٢). ١٠٦٥ - أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقرئ، أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي، حدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا شعبة، عن علقمة بن مَرْثد، عمن سمع سويد بن غَفَلة قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: يرحم الله عثمان، لو كنت أنا لصنعت في المصاحف ما صنع عثمان ﵁. ورواه محمد بن أبان، عن علقمة بن مَرْثد، عن العَيْزار بن جَرْول،

стр. 589

عن سويد بن غَفَلَة، عن علي ﵁، ذكرناه في كتاب "السنن" (١). ١٠٦٦ - أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية. ح، وأخبرنا أبو نصر ابن قتادة، أخبرنا أبو عمرو ابن مطر، حدثنا أبو عبد الله محمد بن أزداد بن النعمان بالبصرة، قالا: حدثنا إسماعيل بن عبيد ابن أبي كريمة الحراني، حدثنا محمد بن مسلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد ابن أبي أُنيسة، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد قال: جلس عثمان بن عفان على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنما عهدُكم بنبيكم ﷺ منذ ثلاثَ عشْرَة سنة، وأنتم تختلفون في القراءة، يقول الرجل لصاحبه: والله ما تقيم قراءتك! . قال: فعزم على كل من كان عنده شيء من القرآن إلا جاء به، فجاء الناس بما عندهم، فجعل يسألهم عليه البينة: أنهم سمعوا من رسول الله ﷺ ، ثم قال: من أعربُ الناس؟ قالوا: سعيد بن العاص، قال: فمن أكتبُ الناس؟ قالوا: زيد بن ثابت، كاتبُ رسول الله ﷺ ، قال: فليملَّ سعيد، وليكتب زيد. قال: فكتب مصاحف، ففرقها في الأجناد، فلقد سمعت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: لقد أحسن. تابعه غيلان بن جامع، عن أبي إسحاق، وفيه انقطاع بين مصعب وعثمان ﵄. ١٠٦٧ - وقد روينا عن زيد بن ثابت: أن التأليف كان في زمن النبي

стр. 590

صلى الله عليه وسلم. ١٠٦٨ - وروينا عنه: أن الجمع في الصحف كان في زمن أبي بكر ﵁، والنسخ في المصاحف في زمن عثمان، وكان ما يجمعون وينسخون معلومًا لهم، فلم يكن به حاجة إلى مسألةِ البينة (١). ١٠٦٩ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، حدثنا تَمْتام، حدثنا يحيى بن يوسف، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حَصِين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يُعرَض عليه القرآن كلَّ رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه، عُرض عليه مرتين. رواه البخاري عن خالد بن يزيد، عن أبي بكر بن عياش (٢). ١٠٧٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا ابن أبي زائدة، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأن مِشيتها مِشيةُ رسول الله ﷺ فقال: "مرحبًا بابنتي"، ثم أجلسها عن يمينه، أو عن شماله، ثم أسرَّ إليها حديثًا فبكتْ، فقلت: استخصَّكِ رسول الله ﷺ بحديث، ثم تبكين؟ ! ثم أسرَّ إليها حديثًا فضحكتْ، فقلت: ما رأيت كاليومِ فرحًا أقربَ من حزن، فسألتها عما قال لها؟ فقالت: ما كنت لأفشيَ

стр. 591

سرَّ رسول الله ﷺ ، حتى إذا قُبض سألتها، فقالت: إنه أسرَّ إليَّ: "أن جبريل ﵇ كان يعارضني بالقرآن كلَّ سنة مرّة، وإنه عارضني في العام مرتين، ولا أُراه إلا قد حضر أجلي، وإنك أولُ أهل بيتي لُحوقًا بي، ونعم السلفُ أنا لكِ"، فبكيت لذلك، ثم قال: "ألا ترضين أن تكوني سيدةَ نساء هذه الأَمة، أو نساء المؤمنين؟ " فضحكت. رواه البخاري: عن أبي نعيم (١). ١٠٧١ - وروى علي بن زيد بن جُدعان، عن ابن سيرين، عن عَبيدة السَّلْماني: أنه قال: القراءة التي عرضت على رسول الله ﷺ في العام الذي قُبض فيه، هذه القراءة التي يقرؤها الناس (٢). ١٠٧٢ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد ابن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي، حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن سفيان بن عيينة، عن ابن جدعان، فذكره. ١٠٧٣ - قال الإمام أحمد: واعلم أن القرآنَ كان مجموعًا كلَّه في صدور الرجال، أيام حياة رسول الله ﷺ ، ومؤلفًا هذا التأليف الذي نشاهده ونقرؤه إلا سورة براءة، فإنها كانت من آخر ما نزل

стр. 592

من القرآن، ولم يبيِّن رسول الله صلى الله عيه وسلم لأصحابه موضعها من التأليف، حتى خرج من الدنيا، فقرنها الصحابة بالأنفال. وبيان ذلك في حديث ابن عباس قال: قلت لعثمان رضي الله عن: ما حملكم على أن عَمَدتم إلى "براءة"، وهي من المئين، وإلى "الأنفال" وهي من المثاني، فقرنتم بينهما، ولم تجعلوا بينهما سطرًا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموهما في السبع الطُّوَل؟ فقال عثمان ﵁: إن رسول الله ﷺ كان ينزل عليه من السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، فإذا أنزلت عليه الآيات يقول: "ضعوا هذه الآيات في موضع كذا وكذا"، وكان إذا نزلت عليه السورة يقول: "ضعوا هذه في موضع كذا وكذا"، وكانت"الأنفال" أولَ ما أنزل عليه بالمدينة، وكانت "براءة" من آخر القرآن نزولًا، وكانت قصتُها تشبه قصتَها، فقُبِض رسول الله ﷺ ولم يبين أمرها، فظننتُ أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أجعل بينهما سطرًا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها في السبع الطُّوَل. ١٠٧٤ - أخبرناه أبو محمد ابن يوسف الأصبهاني، أخبرنا أبو سعيد ابن الأعرابي، حدثنا سعدان بن نصر، حدثنا إسحاق الأزرق، حدثنا عوف، عن يزيدَ الفارسي، عن ابن عباس قال: قلت لعثمان ﵁، فذكر هذه القصة (١).

стр. 593

١٠٧٥ - وفيما رَوَينا من الأحاديث المشهورة في ذكر من جمع القرآن من الصحابة على عهد رسول الله ﷺ ، ثم ما رَوَينا عن زيد بن ثابت: كنا حول رسول الله ﷺ ، نؤلِّف القرآن (١). ثم ما روينا في كتاب "السنن" أن النبي ﷺ قرأ في صلاة كذا سورة كذا (٢): دلالةٌ على صحة ما قلناه، إلا أنه كان مثبتًا في صدور الرجال، مكتوبًا في الرقاع، واللِّخاف، والعُسُب، وأمر أبو بكر الصديق ﵁ حين استحرَّ القتلُ بقرّاء القرآن يوم اليمامة بجمعه

стр. 594

من مواضعه في صُحُف، ثم أمر عثمان ﵁ حين خاف الاختلاف في القراءة بتحويله منها إلى مصاحف، مع بذل المجهود في معارضة ما كان في الصحف بما كان مثبتًا في صدور الرجال، وذلك كله بمشورة مَن حضره من علماء الصحابة، وارتضاه علي بن أبي طالب، وحَمد أثره فيه، والله يغفر لنا ولهم. ١٠٧٦ - ويشبه أن يكون رسول الله ﷺ إنما لم يجمعه في مصحف واحد، لِمَا كان يعلم من جواز ورود النسخ على أحكامه ورسومه، فلما ختم الله دينه بوفاة نبيه ﷺ ، وانقطع الوحي، قيَّض بخلفائه الراشدين عند الحاجة إليه جمعَه بين الدفتين. وقد أشار أبو سليمان الخطابي إلى جملة ما ذكرنا، وذكره أيضًا غيره من أئمتنا، والأخبار الثابتة المشهورة ناطقة بجميع ذلك، والحمد لله على ظهور دينه، ووضوح سبيله، ثم على ما هدانا لمعرفته، ووفقنا لمتابعة الأئمة من أهل ملته، في اعتقاد ما يجب علينا اعتقاده في شريعته (١). * * * * *

стр. 595

باب اختلاف الأحاديث ١٠٧٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي ﵀ (١): كلَّما احتُمِل حديثان أن يُستعملا معًا، استُعمِلا معًا، ولم يُعطِّل واحد منهما الآخر، كما وصفتُ في أمر الله بقتال المشركين حتى يؤمنوا، وما أمر به من قتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية. قال: فإذا لم يَحتمل الحديثان إلا الاختلاف، فللاختلاف فيهما وجهان: ١٠٧٨ - أحدهما: أن يكون أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا، فيُعمل بالناسخ، ويُترك المنسوخ. ١٠٧٩ - والآخر: أن يختلفا ولا دلالة على أيهما ناسخ، ولا أيهما منسوخ، فلا نذهبُ إلى واحد منهما دون غيره إلا بسبب يدل على أن الذي ذهبنا إليه أقوى من الذي تركنا، وذلك أن يكونَ أحد الحديثين أثبتَ من الآخر، فنذهب إلى الأثبت، أو يكونَ [أشبهَ بكتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ فيما سوى ما اختلف فيه] (٢) الحديثان من سننه: أولى بما يعرف أهل العلم، أو أوضحَ في القياس، أو الذي عليه الأكثر من

стр. 596

أصحاب رسول الله ﷺ . قال الإمام أحمد: ومثال الناسخ والمنسوخ من السنة، مذكور في كتاب "السنن"، مفرَّقًا في مواضعه، فمن ذلك: ١٠٨٠ - نسخ حديث عثمان بن عفان وأبي سعيد الخدري، وغيرهما ﵃ (١)، عن النبي ﷺ في الماء من الماء دون التقاء الختانين، بحديث عائشة وأبي هريرة، عن النبي ﷺ في الغسل بالتقاء الختانين (٢)، وهو بدلائله منقول في كتاب الطهارة (٣)، وفيه من البيان: أن حديث عثمان ﵁ ومن تابعه في: الماء من الماء، هو الأول، والحديث الآخر ناسخ له. ١٠٨١ - ومن ذلك: نسخ النهي عن زيارة القبور، بالإذن في زيارتها، ونسخُ النهي عن الشرب في بعض الأوعية، بالإذن في الشرب فيها، ونسخُ النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، بالإذن في أكلها، وجميع ذلك في حديث بُريدة بن حُصَيب، عن النبي ﷺ (٤)، وبعضه موجود في حديث غيره، وهو مخرَّج في كتاب

стр. 597

"السنن" (١) مع نظائره. ومثال: أثبت الروايتين أيضًا مذكور في كتاب "السنن"، مفرقًا في مواضعه. ١٠٨٢ - ومن ذلك: حديث عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خَديج: أن رسول الله ﷺ قال: "أسفِروا بصلاة الفجر، فإن ذلك أعظم للأجر" (٢). ١٠٨٣ - وحديث الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كنَّ نساء المؤمنات يصلين مع النبي ﷺ الصبح، ثم ينصرفْنَ متلفِّعاتٍ بمُروطهنّ، ما يعرفهنَّ أحد من الغَلَس (٣). ١٠٨٤ - قال الشافعي (٤): وذَكَر تغليسَ النبي ﷺ بالفجر: سهلُ بن سعد، وزيد بن ثابت، وغيرهما من أصحاب النبي صلى

стр. 598

الله عليه وسلم شبيهًا بمعنى حديث عائشة ﵂. ١٠٨٥ - قال أحمد: فوجدنا حديث عائشة أثبت إسنادًا من حديث رافع بن خَديج، ومع حديثها حديث زيد بن ثابت، وسهل بن سعد، فأخذنا به دونه، وهو مثال للترجيح بكثرة العدد (١). ١٠٨٦ - وقد رجح الشافعي (٢) حديث عائشة، وهو مثال أيضًا لأشبههما بكتاب الله، فإن حديث عائشة أشبه بكتاب الله، قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. ١٠٨٧ - قال الشافعي (٣): ومن قدَّم الصلاة في أول وقتها كان أولى بالمحافظة عليها ممن أخّرها عن أول الوقت. ١٠٨٨ - وهو مثال أيضًا لأشبههما بسنن النبي ﷺ ، فإن حديث عائشة أشبه بسنن النبي ﷺ ، ورُوي عن أم فروة وغيرها، عن النبي ﷺ : أنه سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة في أول وقتها" (٤)، وقيل في بعض الحديث، وروي

стр. 599

عنه: "أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله" (١). وإلى التغليس: ذهب جماعة من الصحابة، سميناهم في كتاب الصلاة. وقد رجح الشافعي (٢) بذلك أحد الحديثين عند الاختلاف، ثم حمل الشافعي مع هذا كله حديث رافع على حديث عائشة بأنه أراد: أسفروا بالفجر حتى يتبين الفجر الآخِر معترِضًا. ١٠٨٩ - وقد لا يوجد في حديثين مختلفين إلا واحد مما ذكرنا في هذين الحديثين، فيلزم به أحدهما. ١٠٩٠ - وقد قدَّم الشافعي (٣) حديث أبي بكرة: أنه ركع وراء الصف،

стр. 600

فقال له النبي ﷺ : "زادك الله حرصًا، ولا تَعُدْ" (١)، على حديث وابصة بن معبد: أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة (٢): بأن حديث وابصة مختلَف في إسناده، وحديث أبي بكرة حسنٌ إسناده، وبأن معه القياس، وقول العامة في أن صلاة المنفرد جائزة، وصلاة الإمام منفردًا أمام الصف جائزة، وهو في صلاة جماعة، ولا يعدو المنفرد خلف الصف أن يكون كالإمام المنفرد أمامه، أو يكون يوجد يصلي منفردًا لنفسه، وذكر مع هذا حديثَ أنس: صليت أنا ويتيم لنا خلفَ رسول الله ﷺ في بيتنا، وأم سليم خلفنا (٣). ١٠٩١ - قال الشافعي (٤): فإذا أجزأت المرأةَ صلاتُها مع الإمام منفردة، أجزأ الرجل، فهذا مثال لتقديم أحد الحديثين على الآخر بالقياس، وبأنه أشبه بغيرهما من سننه ﷺ ، وبأنه أثبت.
следующие страницы →