Полный текст (308 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
"أحلت لنا ميتان ودمان، فأما الميتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالكبد والطحال".
٤- في الحديث شاهد لنوعي الفعل المسند إلى الفاعل، قال ابن هشام معرفا الفاعل في شذور الذهب: هو ما قدم الفعل أو شبهه عليه وأسند إليه على جهة قيامه به أو وقوعه منه انتهي فان الفعل "سافر" يسند إلى العبد لكون السفر وقع منه والفعل "مرض " يسند إلى العبد لكون المرض قام به.
٥- من فقه الحديث وما يستنبط منه:
١- ما كان عليه سلف هذه الأمة من إتباع السنة وإرشاد الناس إليها.
٢- المذاكرة في العلم والعناية بالأدلة.
٣- إثبات كتابة أعمال العباد.
٤- أن العبد المسلم إذا كان يعمل عملا في حال صحته فمنعه المرض كتب له مثل عمله في حال الصحة.
٥- أن المسافر يكتب له مثل ما كان يعمل في حال الإقامة كذلك.
٦- تفضل الله على عباده وإنعامه عليهم بإثابتهم على ما فعلوه من الخير وما لم يتمكنوا من فعله.
٧- بيان ضعف المخلوق وأنه لا يخرج عن كونه عبداً لله فلا يجوز أن يصرف له ما لا يستحقه.
٨- أن من مظاهر ضعف العبد طروء المرض عليه.
٩- حاجة الإنسان إلى السفر، وأفضله السفر في الجهاد ومن أجل
ذلك أورد البخاري هذا الحديث في كتاب الجهاد.
١٠- الرد على من زعم أن الأعذار المرخصة لترك الجماعة تسقط الكراهة والإثم خاصة من غير أن تكون محصلة للفضيلة.
стр. 107
١١- الترغيب في المداومة على الطاعة في الصحة والإقامة ليخطي العبد في ثواب فيهما وفي حال المرض والسفر
стр. 108
الحديث السادس
قال البخاري ﵀ في كتاب فضائل الصحابة رضوان الله عليهم:
حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس ﵁ أن رجلا سأل النبي " ﷺ عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله ﷺ فقال: "أنت مع من أحببت". قال أنس: فما فرحنا بشيء فزحنا بقول النبي ﷺ : "أنت مع من أحببت"، قال أنس: فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن أأعمل بمثل أعمالهم ".
стр. 109
المبحث الأول: التخريج:
هذا الحديث أورده البخاري في أربعة مواضع من صحيحه هذا أحدها في باب مناقب عمر بن الخطاب ﵁.
والثاني في كتاب الأدب: باب ما جاء في قول الرجل: ويلك ولفظه:
حدثنا عمرو بن عاصم حدثنا همام عن قتادة عن أنس أن رجلا من أهل البادية أتي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله متى الساعة قائمة؟ فقال؟ "ويلك وما أعددت لها؟ " قال: ما أعددت لها إلا إني أحب الله ورسوله، فقال: "إنك مع من أحببت". فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: نعم، ففرحنا يومئذ فرحا شديداً فمر غلام للمغيرة- وكان من أقراني- فقال: إن أخر هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة، واختصره شعبة عن قتادة: سمعت أنساً عن النبي ﷺ .
والثالث في كتاب الأدب: باب علامة الحب في الله ولفظه: حدثنا عبدان أخبرنا أبى عن شعبة عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبى الجعد عن أنسى بن
стр. 110
مالك أن رجلا سأل النبي ﷺ متى الساعة يا رسول الله؟ فقال: "ما أعددت لها؟ " قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله، فقال: "أنت مع من أحببت".
والرابع في كتاب الأحكام: باب القضاء والفتيا في الطريق ولفظه: حدثنا
عثمان بن أبى شيبة حدثنا جرير عن منصور عن سالم بن أبى الجعد حدثنا أنس بن مالك ﵁ قال بينما أنا والنبي ﷺ خارجان من المسجد فلقينا رجل عن سدة المسجد فقال يا رسول الله متى الساعة؟ قال النبي ﷺ : "ما أعددت لها؟ " فكأن الرجل استكان، ثم قال: يا رسول الله ما أعددت لها كبير صيام ولا صلاة ولا صدقة وإني أحب الله ورسوله. قال: "أنت مع من أحببت".
وأخرج الحديث مسلم في كتاب البر والصلة من صحيحه عن عبد الله ابن مسلمة القعنبي وعن أبى بكر بن أبى شيبة وعمرو والناقد وزهير بن حرب ومحمد بن عبد الله بن نمير وابن أبى عمرو عن محمد بن رافع وعبد بن حميد وعن أبى الربيع العتكي وعن محمد بن عبيد الغبري وعن عثمان بن أبى شيبة واسحاق بن إبراهيم وعن محمد بن يحي بن عبد العزيز اليشكري وعن قتيبة وابن المثنى وابن بشار وأبى غسان المسمعي.
وأخرجه الترمذي في الزهد من جامعه عن ابن حجر.
وأخرج طرفا منه وهو قوله أنت مع من أحببت بلفظ "المرء مع من أحب " البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم من طرق متعددة بل قد حكى بعض العلماء تواتر ذلك، قال ابن كثير في تفسير سورة الشورى: وقد روى من طرق تبلغ درجة التواتر في الصحاح والحسان والسنن والمسانيد وفي بعض الفاظه أن رجلا سأل النبي ﷺ بصوت جهوري وهو في بعض أسفاره فناداه فقال يا محمد فقال له النبي ﷺ نحوا من صوته: هاؤم، فقال له: متى الساعة؟ فقال له النبي ﷺ : "ويحك، إنها كائنة فما أعددت لها؟ " فقال: حب الله ورسوله، فقال
стр. 111
صلى الله عليه وسلم: "أنت مع من أحببت"، فقوله في الحديث "المرء مع من أحب " هذا متواتر لا محالة، والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة بل أمره بالاستعداد لها ١هـ. وقال الحافظ في الفتح عند الكلام على حديث "المرء مع من أحب ": وقد جمع أبو نعيم طرق هذا الحديث في جزء سماه "كتاب المحبين مع المحبوبين " وبلغ الصحابة فيه نحو العشرين، وفي رواية أكثرهم بهذا اللفظ وفي بعضها بلفظ أنس.
стр. 112
المبحث الثاني، التعريف برجال الإسناد:
الأول: شيخ البخاري سليمان بن حرب قال الحافظ في تهذيب التهذيب: سليمان بن حرب بن بجيل الأزدي الواشحي أبو أيوب المصري وواشح من الأزد سكن مكة وكان قاضيها، وقال الخزرجى في الخلاصة: أحد الأعلام الحفاظ عن شعبة والحمادين وجرير بن حازم وطبقتهم، وعنه البخاري وأبوداود وعمرو بن على وأحمد وابن راهوية، ومن القدماء يحي القطان ومحمد ابن جعفر وخلق انتهى.
وذكر الحافظ في تهذيب التهذيب توثيقه عن أبى حاتم ويحي بن أكثم ويعقوب بن شيبة والنسائي وابن خراش وابن حبان وابن قانع وابن عدى وابن سعد وقال عنه في تقريب التهذيب: ثقة إمام حافظ من التاسعة، مات سنة أربع وعشرين أي بعد المائتين وله ثمانون سنة ورمز لكونه من رجال الجماعة.
الثاني: حماد بن زيد، قال الحافظ في تهذيب التهذيب: حماد بن زيد ابن درهم الأزدي الجهضمي أبو إسماعيل البصري الأزرق مولى آل جرير بن حازم، وقال في تقريب التهذيب: ثقة ثبت فقيه قيل إنه كان ضريرا ولعله طرأ عليه لأنه صح أنه كان يكتب، من كبار الثامنة مات سنة تسع وسبعين أي بعد المائة وله إحدى وثمانون سنة، ورمز لكونه من رجال الجماعة، وقد روى عن ثابت البناني وأنس بن سيرين وعبد العزيز بن صهيب وعاصم الأحول وغيرهم ذكرهم في تهذيب التهذيب وذكر كثيرا ممن رووا عنه ومنهم ابن المبارك
стр. 113
وابن مهدى وابن وهب والقطان وابن عيينة وهو من أقرانه، والثوري وهو أكبر منه وعارم ومسدد وسليمان بن حرب ثم ذكر كثيراً من ثناء الأئمة عليه ومن ذلك قول عبد الرحمن بن مهدى: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة ومالك بالحجاز والأوزاعي بالشام وجماد بن زيد بالبصرة، وقال وكيع وقيل له أيهما أحفظ؟ أي الحمادين حماد بن زيد وحماد بن سلمة، فقال: حماد بن زيد ما كنا نشبهه إلا بمسعر، وقال يحي بن يحي النيسابوري: ما رأيت أحفظ منه انتهى. وكانت وفاته في السنة التي مات فيها الإمام مالك بن أنس ﵀. وهو أحد الحمادين فيما إذا قيل في ترجمة من فوقهما في الطبقة روى عنه الحمادان وفي ترجمة من دونهما روى عن الحمادين والثاني منهما حماد بن سلمة ابن دينار.
الثالث: ثابت وهو ثابت بن أسلم البناني بضم الموحدة وبنونين مولاهم أبو محمد البصري أحد الأعلام، عن ابن عمر وعبد الله بن مغفل وأنس وخلق من التابعين، وعنه شعبة والحمادان ومعمر قاله الخزرجى في الخلاصة، وقال الحافظ في تقريب التهذيب: ثقة عابد من الرابعة مات سنة بضع وعشرين أي بعد المائة وله ست وثمانون سنة، وذكر في تهذيب التهذيب توثيقه عن العجلي والنسائي وابن سعد، وقال أبو الفضل ابن طاهر في الجمع بين رجال الصحيحين: ويقال بنانة الذين منهم ثابت هم بنو سعد بن لؤي بن غالب وقد خرج حديثه الجماعة.
الرابع: صحابي الحديث أنس، وهو أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجى خادم رسول الله ﷺ خدمه عشر سنين صحابي مشهور مات سنة اثنتين وقيل ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة قاله الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب، وقال في تهذيب التهذيب أبو حمزة المدني خادم رسول الله عامله نزيل البصرة. وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: سمع النبي ﷺ وروى عن أبى بكر الصديق ومعاذ وأبى ذر وعدة من الصحابة
стр. 114
رضي الله عنهم عند هما أي في الصحيحين، وروى عنه الزهري ويحي بن سعيد والحسن وقتادة وثابت وحميد وغير واحد من التابعين عند هما: وقال: وكان آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃، وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة: ومناقب أنس وفضائله كثيرة جدا وقال خادم رسول الله ﷺ وأحد المكثرين من الرواية عنه وذكر في مقدمة الفتح: أن له عند البخاري مائتين وثمانية وستين حديثا، وقال الخزرجى في الخلاصة له ألف ومائتا حديث وستة وثمانون حديثا اتفقا- أي البخاري ومسلم- على مائة وثمانية وستين وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين ومسلم بأحد وسبعين انتهى. وحديثه في الكتب الستة.
стр. 115
المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
١- رجال الإسناد الأربعة بصريون فهو مسلسل بالرواة البصريين وهو من رباعيات البخاري.
٢- رجال الإسناد الأربعة اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم.
٣- ومن اللطائف في ذلك أن كلا من رواته يلي من روى عنه في مقدار العمر فأنس ﵁ عمره جاوز المائة والراوي عنه ثابت البناني وعمره ست وثمانون سنة، وعنه حماد بن زيد وعمره إحدى وثمانون سنة وعنه سليمان بن حرب وعمره ثمانون سنة وعنه الإمام البخاري وعمره اثنتان وستون سنة. ومن جهة أخرى أن كل واحد من رواته قد بدىء اسمه بحرف متقدم في الترتيب على الذي يليه من الصحابي أنس بن مالك ﵁ حتى الإمام البخاري محمد بن إسماعيل ﵀ الهمزة ثم الثاء ثم الحاء ثم السين ثم الميم فالباحث عن تراجمهم في كتب الرجال يجدهم في الكتب حسب ترتيبهم في هذا الإسناد.
стр. 116
٤- قال الخزرجى في الخلاصة في ترجمة ثابت البناني: روى عنه الحمادان وقال في ترجمة سليمان بن حرب روى عن الحمادين، والمراد بهما حماد بن زيد وحماد بن سلمة وطبقتهما واحدة وهما بصريان، ولم يخرج البخاري لحماد بن سلمة في صحيحه في الأصول بل في التعليق.
٥- ثابت هو ابن أسلم البناني، وقد روى عن أنس غيره من التابعين ممن يشاركه في الاسم إلا أنه مشهور في الرواية عنه وقد لازمه سنوات عديدة تبلغ أربعين سنة كما في تهذيب التهذيب.
٦- أنس هو ابن مالك الأنصاري ﵁ ولا لبس في عدم نسبته لأنه ليس في رجال البخاري من الصحابة ممن يسمى أنساً سواه وقد نسب في الإسناد في بعض الطرق عند البخاري كما تقدم في التخريج.
стр. 117
المبحث الرابع: شرح الحديث:
١- قوله: أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الساعة، وفي بعض روايات حديث أنس عند البخاري أن رجلا من أهل البادية، وهذا الرجل نص الحافظ في الفتح أنه ذو الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد وقال إن حديثه بذلك مخرج عند الدارقطني انتهى. والحديث عند الدارقطنى: عن عبد الله وهو ابن مسعود قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ شيخ كبير فقال يا محمد متى الساعة فقال: "وما أعددت لها "قال: لا والذي بعثك بالحق نبيا ما أعددت لها من كبير صلاة ولا صيام إلا أني أحب الله ورسوله قال: "فإنك مع من أحببت". قال: فذهب الشيخ فأخذ يبول في المسجد الخ.
٢- قوله: وماذا أعددت لها، أي ما العمل الصالح الذي أعددته لتلقى جزاءه إذا قامت الساعة. قال الحافظ: قال الكرماني: سلك مع السائل أسلوب الحكيم وهو تلقى السائل بغير ما يطلب مما يهمه أو هو أهم.
٣- قوله: أنت مع من أحببت، قال الحافظ في الفتح: أي ملحقبهم حتى تكون من زمرتهم وبهذا يندفع إيراد أن منازلهم متفاوتة فكيف تصح
стр. 118
المعية؟ فيقال: إن المعية تحصل بمجرد الاجتماع في شيء ما ولا تلزم في جميع الأشياء، فإذا اتفق أن الجميع دخلوا الجنة صدقت المعية وإن تفاوتت الدرجات.
٤- قول أنس ﵁: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي وعتق أنت مع من أحببت، وفي صحيح مسلم قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي! فإنك مع من أحببت.
٥- قوله: فأنا أحب النبي مجرم وأبا بكر وعمر، جمع أنس ﵁ بين النبي ﷺ وصاحبيه في المحبة، ومحبتهما ﵄ من محبة الرسول يا لأن المحبة الصادقة تقتضى موافقة المحبوب في محبة ما يحبه وبغض ما يبغضه، وأبو بكر وعمر ﵄ حبيباه وصاحباه ﵄، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وقد جمع الله بين النبي ﷺ وصاحبيه ﵄ في الدنيا وفي التربة في البرزخ وهما معه في الجنة، وهما أفضل من ولدته النساء بعد الأنبياء والمرسلين، وأفضلهما الصديق ﵁ وبعد عمر في الفضل عثمان ﵁، ثم على ﵁ وعن سائر الصحابة أجمعين.
٦- من فقه الحديث وما يستنبط منه:
١- الرجوع إلى العلماء وسؤالهم عن أمور الدين.
٢- رفق العالم بالسائل وتوجيه عنايته إلى ما يعود عليه بالفوائد العظيمة.
٣- كمال نصح الرسول هشيم وشفقته على أمته وإرشادهم إلى ما فيه فوزهم وسعادتهم.
٤- أن من حسن إسلام المرء اشتغاله بما يعنيه وتركه ما لا يعنيه.
٥- أن الاستعداد للدار الآخرة والعمل لما بعد الموت هو الشيء المهم الذي يجب أن تصرف إليه الهمم.
стр. 119
٦- احتقار الإنسان لعمله وعدم اغتراره به وتيقنه أنه دائما محل التقصير.
٧- عظم شأن محبة الله ورسوله، وفي الحديث الصحيح: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، الحديث.
٨- حسن تصرف السائل وتسديده في الإجابة لما أعيد عليه السؤال.
٩- توجيه عناية المسلم إلى محبة الحق وأهله ليحظى بالسعادة، لأن المرء مع من أحب.
١٠- عظم قدر الصحابة رضوان الله عليهم وحرصهم على الخير وبعدهم عن الشر وذلك في شدة فرحهم رضوان الله عليهم بقوله ﷺ : أنت مع من أحببت.
١١- أن خطاب النبي ﷺ للواحد خطاب للجميع ما لم يدل دليل على التخصيص.
١٢- فضل أبى بكر الصديق وعمر الفاروق ﵄، ومن أجل ذلك أورد البخاري هذا الحديث في مناقب عمر بن الخطاب ﵁.
١٣- تعظيم الصحابة ﵃ لأبى بكر وعمر ﵄ ومحبتهم لهما ومعرفتهم قدرهما رضي الله عن الجميع.
١٤- في قول أنس ﵁: وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، دلالة على توسل الإنسان إلى الله بعمله الصالح، وقد دل على ذلك أيضاً حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار.
стр. 120
الحديث السابع
قال الإمام البخاري في كتاب التفسير من صحيحه:
حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا حبان حدثنا همام حدثنا ثابت حدثنا أنس قال: حدثني أبو بكر ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في الغار فرأيت آثار المشركين قلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا قال: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما".
стр. 121
المبحث الأول، التخريج:
أورد البخاري ﵀ هذا الحديث في ثلاثة مواضع من صحيحه
هذا أحدها في باب قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ , والثاني في باب مناقب المهاجرين وفضلهم في كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ ولفظه: حدثنا محمد بن سنان حدثنا همام عن ثابت عن أنس عن أبى بكر ﵁ قال: قلت للنبي ﷺ في الغار لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا فقال: "ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما"، والثالث في باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة ولفظه: حدثنا موسى ابن إسماعيل حدثنا همام عن ثابت عن أنس عن أبى بكر ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في الغار فرفعت رأسي، فإذا أنا بأقدام القوم فقلت يا نبي الله لو أن أحدهم طأطأ بصره رآنا قال: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما.
وأخرج الحديث مسلم في صحيحه وهو أول حديث عنده في كتاب فضائل الصحابة ﵃ فقال: حدثني زهير بن حرب وعبد بن حميد وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي قال عبد الله: أخبرنا، وقال الأخران: حدثنا حبان بن هلال حدثنا همام حدثنا ثابت حدثنا أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق حدثه قال نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار
стр. 122
فقلت يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال: " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما".
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده فقال: حدثنا عفان قال حدثنا همام قال أخبرنا ثابت عن أنس أن أبا بكر حدثه قال: قلت للنبي ﷺ وهو في الغار وقال مرة ونحن في الغار لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه قال: فقال "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما".
ورواه الترمذي في التفسير من جامعه عن زياد بن أيوب البغدادي عن عفان بمثل سنده ومتنه في مسند الإمام أحمد. وقال هذا حديث حسن صحيح غريب إنما يعرف من حديث همام تفرد به وقد روى هذا الحديث حبان بن هلال وغير واحد عن همام نحو هذا.
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: تنبيه: اشتهر أن حديث الباب تفرد به همام عن ثابت وممن صرح بذلك الترمذي والبزار وقد أخرجه ابن شاهين في الأفراد من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت بمتابعة همام وقد قدمت له شاهدا من حديث حبشي بن جنادة- يشير بذلك إلى ما أخرجه ابن عساكر عنه- ووجدت له آخر عن ابن عباس أخرجه الحاكم في الإكليل انتهى.
وقال الشوكاني في تفسيره: وأخرج ابن شاهين وابن مردويه وابن عساكر عن حبشي بن جنادة قال: "قال أبو بكر يا رسول الله لو أن أحداً من المشركين رفع قدمه لأبصرنا فقال: يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا".
стр. 123
المبحث الثاني، التعريف برجال الإسناد:
الأول: شيخ البخاري عبد الله بن محمد، قال المقدسي في الجمع بين رحال الصحيحين؟ عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان أبو جعفر الجعفي البخاري المعروف بالمسندي وإنما عرف به لأنه كان وقت الطلب يتبع الأحاديث المسندة ولا يرغب في المقاطيع والمراسيل، سمع سفيان بن عيينة
стр. 124
ويحي بن آدم وحرمي بن عمارة وأناسا آخرين سماهم وقال: وروى عنه البخاري في مواضع. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: وقال أبو حاتم صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان متقنا، وقال أحمد بن سيار: من المعروفين بالعدالة والصدق صاحب سنة عرف بالإتقان والضبط وقد رأيته بواسط حسن القامة أبيض الرأس واللحية ورجع إلى بخارى ومات بها، وقال: قال الحاكم: سمي المسندي لأنه أول من جمع مسند الصحابة بما وراء النهر وإمام الحديث في عصره هناك بلا مدافعة، وقال الخليلي: "ثقة متفق عليه"، وقال في تقريب التهذيب؟ أبو جعفر البخاري المعروف بالمسندي بفتح النون ثقة حافظ جمع المسند من العاشرة مات سنة تسع وعشرين أي بعد المائتين ورمز لكونه من رجال البخاري والترمذي.
الثاني: حبان بفتح الحاء قال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: حبان بن هلال الباهلي ويقال الكناني البصري يكنى أبا حبيب سمع همام بن يحي عند هما أي في الصحيحين، ثم ذكر جماعة سمع منهم عند البخاري وجماعة سمع منهم عند مسلم ثم قال روى عنه أحمد والدارمى عند هما وعبد الله المسندي ويحي بن محمد بن السكن وعلى بن مسلم عند البخاري، أو قال الحافظ في تهذيب التهذيب: وقال أحمد بن حنبل: إليه المنتهي في التثبت بالبصرة، ونقل توثيقه عن ابن معين والترمذي والنسائي وابن سعد والعجلي والبزار والخطيب، وقال في تقريب التهذيب: ثقة ثبت من التاسعة، مات سنة ست عشرة ومائتين ورمز لكونه من رجال الجماعة.
الثالث: همام قال الحافظ في تهذيب التهذيب: همام بن يحمى بن دينار الأزدي العوذي المحلمي مولاهم أبو عبد الله ويقال أبو بكر البصري، روى عن عطاء بن أبى رباح واسحاق بن أبى طلحة وزيد بن أسلم وثابت البناني وجماعة آخرين سماهم، ثم قال: وعنه الثوري وهو من أقرانه وابن المبارك وابن علية ووكيع وابن مهدى وحبان بن هلال ويزيد بن هارون وأناس آخرون سماهم، ونقل توثيقه عن أحمد وابن معين وأبى حاتم والعجلي والحاكم وقال
стр. 125
الحافظ في تقريب التهذيب: ثقة ربما وهم من السابعة، مات سنة أربع أو خس وستين أي بعد المائة، ورمز لكونه من رجال الجماعة، وقال في مقدمة الفتح: همام بن يحي البصري أحد الأثبات. وقال أيضاً: تكلم في بعض حديثه من حفظه، وقال الذهبي في الميزان: أحد علماء البصرة وثقاتها.
الرابع والخامس: ثابت البناني وأنس بن مالك ﵁ وق تقدم التعريف بهما في رجال إسناد الحديث السادس.
السادس: أبو بكر ﵁ وهو أبو بكر الصديق بن أبى قحافة اسمه عبد الله واسم أبيه عثمان قال الحافظ في تقريب التهذيب: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمى أبو بكر بن أبى قحافة الصديق الأكبر خليفة رسول الله ﷺ مات في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وله ثلاث وستون سنة ورمز لكون حديثه في الكتب الستة، وقال الخزرجى في الخلاصة: روى مائة واثنين وأربعين حديثاً اتفقا- أي البخاري ومسلم- على ستة وانفرد البخاري بأحد عشر ومسلم بحديث وعنه ولداه عبد الرحمن وعائشة وعمر وعلى وخلق. وذكر الحافظ في مقدمة الفتح أن له عند البخاري اثنين وعشرين حديثا. وقال الحافظ في الإصابة: ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر وصحب النبي ﷺ قبل البعثة وسبق إلى الإيمان به واستمر معه طول إقامته بمكة ورافقه في الهجرة وفي الغار وفي المشاهد كلها إلى أن مات وكانت الراية معه يوم تبوك وحج في الناس في حياة رسول الله ﷺ سنة تسع واستقر خليفة في الأرض بعده، ولقبه المسلمون خليفة رسول الله ﷺ . وقد أسلم أبوه، وروى عن النبي ﷺ ، ثم ذكر جماعة ممن رووا عنه من الصحابة وكبار التابعين وقال: قال سعيد بن منصور: حدثني صالح بن موسى حدثنا معاوبة بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: اسم أبى بكر الذي سماه به أهله عبد الله ولكن غلب عليه اسم عتيق، وقال الحافظ أيضاً: وقال ابن إسحاق في السيرة الكبرى: كان أبو بكر رجلا مؤلفا لقومه محببا سهلا وكان أنسب قريش لقريش وأعلمهم بما كان منها من
стр. 126
خير وشر وكان تاجراً ذا خلق ومعروف، وكانوا يألفونه لعلمه وتجاربه وحسن مجالسته فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به، فأسلم على يديه عثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وذكر شيئا من محاسنه وبذله المال في سبيل الله وإعتاق العبيد، ثم قال: وأخرج الدارقطني في الأفراد من طريق أبى اسحاق عن أبى يحي قال؟ لا أحصى كم سمعت عليا يقول على المنبر: إن الله عزوجل سمي أبا بكر على لسان نبيه ﷺ صديقاً، ومناقب أبى بكر ﵁ كثيرة جدا وقد أفرده جماعة بالتصنيف، وترجمته في تاريخ ابن عساكر قدر مجلدة، ومن أعظم مناقبه قول الله تعالى: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فان المراد بصاحبه أبو بكر بلا نزاع، وقال: وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس أن النبي ﷺ قال لأبى بكر وهما في الغار: "ما ظنك باثنين، الله ثالثهما". والأحاديث في كونه معه في الغار كثيرة شهيرة ولم يشركه في هذه المنقبة غيره. وقال: وقد أطنب أبو القاسم ابن عساكر في ترجمة الصديق حتى أن ترجمته في تاريخه على كبره تجيء قدر ثمن عشره وهو مجلد من ثمانين مجلدا، وقال في فتح الباري في أوائل كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ بعد أن ذكر أنه كان يسمى عتيقا: واختلف هل هو اسم له أصلى أو قيل له ذلك لأنه ليس في نسبه ما يعاب به، أو لقدمه في الخير وسبقه إلى الإسلام، أو قيل له ذلك لحسنه أو لأن أمه كان لا يعيش لها ولد فلما ولد استقبلت البيت وقالت: "اللهم هذا عتيقك من الموت، أو لأن النبي ﷺ بشره بأن الله أعتقه من النار"، وقد ورد في هذا الأخير حديث عن عائشة عند الترمذي. وآخر عن عبد الله بن الزبير عند البزار وصححه ابن حبان وزاد فيه: وكان اسمه قبل ذلك عبد الله ابن عثمان وعثمان اسم أبى قحافة لم يختلف في ذلك كما لم يختلف في كنية الصديق، ولقب الصديق لسبقه إلى تصديق النبي ﷺ ، وقيل كان ابتداء تسميته بذلك صبيحة الإسراء، وروى الطبراني من حديث على أنه كان يحلف بأن الله أنزل اسم أبى بكر من السماء الصديق رجاله ثقات. وأما نسبه
стр. 127
فهو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كدب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب يجتمع مع النبي ﷺ في مرة ابن كعب وعدد أبائهما إلى مرة سواء وأم أبى بكر سلمى وتكنى أم الخير بنت صخر بن عامر بن عمرو المذكور أسلمت وهاجرت وذلك معدود من مناقبه لأنه انتظم إسلام أبويه وجميع أولاده..
وقال ابن كثير في البداية والنهاية: وقد ذكرنا ترجمة الصديق ﵁ وسيرته وأيامه وما روى من الأحاديث وما روى عند من الأحكام في مجلد ولله الحمد والمنة..
стр. 128
المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
١- رجال الإسناد الستة خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة ماعدا شيخ البخاري فانه لم يرو عنه مع البخاري سوى الترمذي.
٢- الإسناد مسلسل بصيغة من صيغ الأداء وهي صيغة التحديث، وقد قال الحافظ ابن حجر في نخبة الفكر: وان اتفق الرواة في صيغ الأداء أو غيرها من الحالات فهو المسلسل.
٣- أربعة من رجال الإسناد بصريون على نسق وهم حبان وهمام وثابت وأنس.
٤- في الإسناد صحابيان فالحديث من رواية صحابي عن صحابي.
٥- عبد الله بن محمد شيخ البخاري وقد أكثر من الرواية عنه، وجده اليمان الجعفي البخاري هو الذي أسلم على يديه جد الإمام البخاري المغيرة ابن بردزبة ونسب إلى الجعفيين لذلك، فجد البخاري المغيرة استفاد من جد عبد الله بن محمد الدلالة على الدخول في الإسلام، والبخاري استفاد من عبد الله بن محمد شيخه معرفة الأحاديث الصحيحة المسندة إلى خير الأنام ﵊.
стр. 129
٦- عبد الله بن محمد شيخ البخاري يقال له المسندي بفتح النون وفي أصل هذه النسبة لطيفة من اللطائف وهي أنه كان وقت الطلب معنيا بالأحاديث المسندة دون المرسلة والمنقطعة فقيل له المسندي لذلك.
٧- قال الحافظ ابن حجر: عبد الله بن محمد هو الجعفي وفي شيوخه عبد الله بن محمد جماعة منهم أبو بكر بن أبى شيبة ولكن حيث يطلق ذلك فالمراد به الجعفي لاختصاصه به وإكثاره عنه انتهى. وهذا النوع يسمى في علم المصطلح المهمل وهذه الطريقة التي ذكرها الحافظ ﵀ مما يتبين به المرا د.
٨- حبان بفتح الحاء وهو ابن هلال وقد نسب في الإسناد عند مسلم ولا لبس في عدم نسبته إذ ليس في رجال البخاري حبان بفتح الحاء غيره ولا يلتبس بحبان بكسر الحاء أيضا وهو ابن موسى لأنه لم يدرك هماما كما أشار إلى هذا الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح.
٩- همام هو ابن يحي، ولا لبس في عدم نسبته لأن ما في رجال البخاري ممن يسمى هماما سواه اثنان همام بن الحارث وهمام بن منبه وليسا في طبقته.
١٠- ثابت هو ابن أسلم البناني، وقد روى عن أنس غيره من التابعين ممن يسمى ثابتا إلا أن البناني أخص به إذ هما معا بصريان وقد صحبه أربعين سنة كما في تهذيب التهذيب.
١١- أنس: هو ابن مالك خادم رسول الله ﷺ ولا لبس في عدم نسبته لأنه ليس في رجال البخاري من الصحابة ممن يسمى أنسا سواه وقد نسب في الإسناد عند مسلم كما تقدم في التخريج.
١٢- روى البخاري هذا الحديث ئ التفسير نازلا إذ بينه وبين همام واسطتان المسندي وحبان أما الموضعان الآخران المذكوران في التخريج فالإسناد فيهما عال إذ ليس بينه وبين همام فيهما إلا واسطة واحدة، ولعل
стр. 130
الغرض من ذلك الإشارة إلى تعدد الطرق إلى همام، وأمر آخر وهو أن الثلاثة الذين رووا الحديث عن همام وهم حبان بن هلال ومحمد بن سنان وموسى بن إسماعيل بصريون، وحبان أشدهم تثبتا، قال فيه الإمام أحمد كما في تهذيب التهذيب: إليه المنتهي في التثبت بالبصرة انتهى. وقد روى الحديث عنه عبد الله بن محمد المسندي شيخ البخاري وقد قال عنه الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح: وهو من نبلاء مشايخه وإن كان قد لقي من هو أعلى إسنادا منه.
١٣- صحابي الحديث هو أفضل البشر بعد الأنبياء والمرسلين. وقد اشتهر بكنيته كما اشتهر أبوه بالكنية فهو يعرف بأبي بكر بن أبى قحافه واسمه عبد الله واسم أبيه عثمان. وقد أسلم أبواه وأولاده ﵃ وعن سائر الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان.
стр. 131
المبحث الرابع، شرح الحديث:
١- قول أبى بكر ﵁ "كنت مع النبي ﷺ في الغار" هو غار في جبل ثور، وذلك حين هاجرا من مكة إلى المدينة وقد نوه الله بذلك في كتابه العزيز فقال: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وقد ورد ذكر ذلك في عدة أحاديث غير هذا الحديث منها حديث عائشة ﵂ أخرجه البخاري في باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة وفيه قالت: فلحق النبي ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال، ومنها حديث أبى سعيد في قصة بعث أبى بكر إلى الحج، أخرجه ابن حبان وفيه: "أنت أخي وصاحبي في الغار". ومنها حديث ابن عباس في قصته مع ابن الزبير أخرجه البخاري في التفسير وفيه قول ابن عباس يعنى ابن الزبير: وأما جده فصاحب الغار، يريد أبا بكر ﵁ ح ومنها حديث ابن عباس أيضاً أخرجه أحمد والحاكم من طريق عمرو بن ميمون عنه قال: كان المشركون يرمون عليا وهم يظنون أنه النبي ﷺ فجاء أبو بكر فقال: يا رسول الله فقال له على: إنه انطلق
стр. 132
نحو بئر ميمون فأدركه قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار وروى عبد الله ابن أحمد في زيادات المسند عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار. الحديث ورجاله ثقات كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري. وقد ذكر جميع هذه الأحاديث فيه. وقال في ترجمته في الإصابة: والأحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة ولم يشركه في هذه المنقبة غيره.
٢- قوله: فرأيت آثار المشركين، قلت: يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا، قال الحافظ. في الفتح: فيه مجيء "لو" الشرطية للاستقبال خلافا للأكثر واستدل من جوزه بمجيء الفعل المضارع بعدها كقوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ وعلى هذا فيكون قاله حالة وقوفهم على الغار وعلى القول الأكثر يكون قاله بعد مضيهم شكراً لله تعالى على صيانتهما منهم.
٣- قوله: "ما ظنك باثنين، الله ثالثهما". قال الحافظ في الفتح: ومعنى ثالثهما ناصر هما ومعينهما وإلاّ فالله ثالث كل اثنين بعلمه، وقال النووي في شرح صحيح مسلم: معناه ثالثهما بالنصر والمعونة والحفظ والتسديد، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ .
٤- من فقه الحديث وما يستنبط منه:
١- في الحديث منقبة عظيمة لأبى بكر الصديق ﵁، قال النووي: وهي من أجل مناقبه، والفضيلة من أوجه: منها هذا اللفظ- يعنى ما ظنك باثنين الله ثالثهما- ومنها بذله نفسه ومفارقة أهله في طاعة الله تعالى ورسوله وملازمته النبي لصلى الله عليه وسلم ومعاداة الناس فيه، وصنها جعله نفسه وقاية عنه، وغير ذلك.
٢- بيان عظيم توكل النبي ﷺ على ربه تعالى.
стр. 133
٣- بيان مدى شدة عداوة المشركين لرسول الله ﷺ وإيذائهم له وحرصهم على قتله
٤- الأخذ بأسباب السلامة والاحتياط في ذلك، حيث كمن رسول الله ﷺ وصاحبه في الغار.
٥- اتخاذ الرفيق في السفر واختياره من ذوى الفضل والصلاح.
٦- عناية الصاحب بصاحبه وطمأنته إياه وإدخاله السرور عليه.
٧- تسلية المقتفين لآثار المصطفي ﷺ ، وحثهم على الصبر على ما يلاقونه في سبيل نشر الدعوة تأسيا برسول الله ﷺ .
٨- أن الداعي إلى الحق عرضة للأذى، وأن طريق الحق ليس مفروشا بالورد، بل الأمر كما ثبت عن رسول الله ﷺ : حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات.
٩- أن العاقبة لمن اتقى الله وأن الله ناصر من نصر دينه وأن الله مع أوليائه بالنصر والتأييد.
١٠- تأدب أبى بكر ﵁ مع رسول الله ﷺ حيث عبر "بمع " الدالة على التبعية في قوله ﵁: كنت مع النبي ﷺ في الغار.
١١- تحدث الإنسان عما يجرى له ولأصحابه في السفر وغيره وذلك فيما إذا لم يكن هناك ما يستدعى الكتمان.
١٢- في الحديث إثبات المعية لله تعالى، وهي على نوعين: معية عامة شاملة لجميع المخلوقات وهي المعية بالعلم، وقد دل على ذلك أدلة كثيرة منها قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ النوع الثاني معية خاصة وهي معية الله لرسله وأوليائه بالنصر والتأييد وأدلة هذا النوع كثيرة منها قوله تعالى فيما حكاه عن نبيه ﷺ وصاحبه في الغار ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وقوله تعالى:
стр. 134
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقوله ﷺ في هذا الحديث: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما ".
وهذه النصوص لا تنافي النصوص الكثيرة الدالة على علوه وفوقيته فهو مع المخلوقات بعلمه ومع أوليائه بنصره وتأييده، وهو مستو على عرشه استواء يليق به، وقد جمع الله بين الاستواء على العرش ومعيته بعلمه لخلقه في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
стр. 135
الحديث الثامن
قال الإمام البخاري ﵀ في كتاب الحج من صحيحه:
حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة عن عمر ﵁ أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: " إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا إني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك".
стр. 136
المبحث الأول: التخريج:
هذا الحديث أورده البخاري في ثلاثة مواضع من كتاب الحج من صحيحه هذا أولها في باب ما ذكر في الحجر الأسود، والثاني في باب الرمل في الحج والعمرة ولفظه: حدثنا سعيد بن أبى مريم أخبرنا محمد بن جعفر قال أخبرني زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للركن: "أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا إني رأيت النبي ﷺ استلمك ما استلمتك، فاستلمه، ثم قال: ما لنا وللرمل، إنما كنا راءينا به المشركين وقد أهلكهم الله ثم قال: شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه". والثالث في باب تقبيل المجر الأسود ولفظه حدثنا أحمد بن سنان حدثنا يزيد ابن هارون أخبرنا ورقاء أخبرنا زيد بن أسلم عن أبيه قال "رأيت عمر بن الخطاب ﵁ قبل الحجر وقال لولا إني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك"..
ورواه مسلم في صحيحه من طرق فقال: وحدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس وعمرو ح وحدثني هارون بن سعيد الأيلي حدثني ابن وهب أخبرني عمرو عن ابن شهاب عن سالم أن أباه حدثه قال "قبّل عمر بن الخطاب الحجر. ثم قال والله لقد علمت أنك حجر ولولا إني
стр. 137
رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك". زاد هارون في روايته. قال عمرو وحدثني بمثلها زيد بن أسلم عن أبيه أسلم وحدثنا محمد بن أبى بكر المقدمي حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن عمر قبل الحجر وقال: "إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر ولكني رأيت رسول الله ﷺ ويقبلك": حدثنا خلف بن هشام والمقدمي وأبو كامل وقتيبة بن سعيد كلهم عن حماد قال خلف: حدثنا حماد بن زيد عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس قال: رأيت الأصيلع يعنى عمر بن الخطاب يقبل الحجر ويقول: "والله إني لأقبلك وإني أعلم أنك حجر وأنك لا تضر ولا تنفع ولولا إني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك". وفي رواية المقدمي وأبى كامل: رأيت الأصيلع. وحدثنا يحي بن يحي وأبو بكر بن أبى شيبة وزهير بن حرب وابن نمير جميعا عن أبى معاوية قال يحي أخبرنا معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة قال رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: "إني لأقبلك وأعلم أنك حجر، ولولا إني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك لم أقبلك، وحدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وزهير بن حرب جميعا عن وكيع قال أبو بكر حدثنا وكيع عن سفيان عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة قال: "رأيت عمر قبل الحجر والتزمه وقال: رأيت رسول الله ﷺ بك حفيا". وحدثنيه محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن عن سفيان بهذا الإسناد قال: "ولكني رأيت أبا القاسم بك حفيا ولم يقل: والتزمه".
ورواه أبو داود في سننه بمثل الإسناد الأول عند البخاري عن عمر أنه جاء إلى الحجر فقبله، فقال: "إني أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا إني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك"، وأخرجه النسائي فقال: أخبرنا محمود بن غيلان قال حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة "أن عمر قبل الحجر وإلتزمه وقالت: رأيت أبا القاسم ﷺ لك حفيا"، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأنا عيسى بن يونس وجرير عن الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة قال: "رأيت عمر جاء إلى الحجر فقال إني لأعلم أنك حجر ولولا إني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك ثم دنا
стр. 138
منه فقبله"، أخبرنا عمرو بن عثمان قال حدثنا الوليد بن حنظلة قال: رأيت طاووسا يمر بالركن فان وجد عليه زحاما مر ولم يزاحم هان رآه خاليا قبله ثلاثا، ثم قال رأيت ابن عباس فعل مثل ذلك، وقال ابن عباس رأيت عمر بن الخطاب فعل مثل ذلك ثم قال: "إنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا إني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك ثم قال عمر رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل ذلك"، ورواه الترمذي في جامعه فقال حدثنا هناد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة قال رأيت عمر بن الخطاب يقبل الحجر ويقول إني أقبلك وأعلم أنك حجر ولولا إني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك لم أقبلك قال: وفي الباب عن أبى بكر وابن عمر قال أبو عيسى حديث عمر حديث حسن صحيح، ورواه ابن ماجه في سننه فقال حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وعلى بن محمد قالا حدثنا أبو معاوية حدثنا عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس قال رأيت الأصيلع عمر بن الخطاب يقبل الحجر ويقول: "إني لأقبلك وإني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا إني رأيت رسول
الله ﷺ يقبلك ما قبلتك، وروى مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال وهو يطوف بالبيت للركن الأسود: إنما أنت حجر ولولا إني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك ثم قبله وأخرج الحديث الدارمي في سننه عن مسدد وأبى عاصم باسنادين عن ابن عمر عن عمر وعن ابن عباس ﵃، ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن ابن عباس عن عمر وعن سويد بن غفلة عن عمر وعن عبد الله بن سرجس عن عمر، ورواه الإمام أحمد في المسند من طرق نذكر منها طريقا واحدة وهي قوله: حدثنا أسود بن عامر قال حدثنا زهير عن سليمان الأعمش حدثنا إبراهيم عن عابسا بن ربيعة قال رأيت عمر نظر إلى الحجر فقال: "أما والله لولا إني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك ثم قبله"، وقد صرح الأعمش بالتحديث في هذه الطريق عند الإمام أحمد فانتفي احتمال تدليسه.. وأخرج الحديث ابن الجارود في المنتفي والحميدي في مسنده..
стр. 139
المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:
الأول: شيخ البخاري محمد بن كثير قال الحافظ في تقريب التهذيب: محمد بن كثير العبدي البصري ثقة لم يصب من ضعفه من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث وعشرين أي بعد المائتين وله تسعون سنة ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: محمد بن كثير أبو عبد الله البصري أخو سليمان سمع أخاه سليمان وشعبة والثوري عند البخاري روى عنه البخاري في مواضع وروى مسلم عن عبد الله الدارمي عنه عن أخيه حديثاً في الرؤيا، وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: قال ابن معين لم يكن بثقة وقال أحمد ثقة وقال أبو حاتم صدوق وذكره ابن حبان في الثقات.
الثاني: سفيان: وهو الثوري كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري وقد قال فيه في تقريب التهذيب: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة من رؤوس الطبقة السابعة وكان ربما دلس، مات سنة إحدى وستين أي بعد المائة وله أربع وستون ورمز لكونه من رجال الجماعة وقال في تهذيب التهذيب: روى عن أبيه وأبى إسحاق الشيباني وأبى إسحاق السبيعي وعبد الملك بن عمير والأعمش وأناس آخرين سماهم ثم قال وروى عنه خلق لا يحصون ذكر كثيرا منهم ومن بينهم الأوزاعي ومالك ومسعر من أقرانه وابن مهدى وابن المبارك ثم ذكر الكثير من ثناء الأئمة عليه ومن ذلك قول شعبة وابن عيينة وأبى عاصم وابن معين وغير واحد من العلماء: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، وقول ابن المبارك كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان، وقول الخطيب: كان إماما من أئمة المسلمين وعلما من أعلام الدين مجمعا على إمامته بحيث يستغنى عن تزكيته مع الإتقان والحفظ والمعرفة والضبط والورع والزهد، وقول النسائي: "هو أجل من أن يقال فيه ثقة وهو أحد الأئمة الذين أرجو أن يكون الله ممن جعله للمتقين إماما"، وقال الذهبي في الميزان سفيان بن سعيد الحجة الثبت متفق عليه مع أنه كان يدلس عن الضعفاء، ولكن له نقد وذوق ولا عبرة لقول
стр. 140
من قال: يدلس ويكتب عن الكذابين انتهى. وهو أحد السفيانين فيما إذا قيل في ترجمة من فوقهما في الطبقة روى عنه السفيانان، وفي ترجمة من دونهما روى عن السفيانين، والثاني منهما سفيان بن عيينة.
الثالث: الأعمش: قال الحافظ في التقريب: سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي أبو محمد الكوفي الأعمش ثقة حافظ عارف بالقراءة ورع لكنه يدلس، من الخامسة مات سنة سبع وأربعين أو ثمان أي بعد المائة، وكان مولده أول إحدى وستين ورمز لكونه من رجال الجماعة وقال في تهذيب التهذيب: الأسدي الكاهلي مولاهم وذكر كثيرا ممن روى عنهم من بينهم عامر الشعبي وإبراهيم النخعي ومجاهد بن جبر وكثيراً ممن رووا عنه ومنهم شعبة والسفيانان وابن المبارك وهشيم ونقل كثيرا من ثناء الأئمة عليه ونقل توثيقه عن ابق معين والنسائي والعجلي، وقال وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال الذهبي في الميزان: أحد الأئمة الأثبات عداده في صغار التابعين ما نقموا عليه إلا التدليس وقال: قلت وهو يدلس وربما دلس عن ضعيف ولا يدرى به فمتى قال حدثنا فلا كلام ومتى قال: "عن " تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم وابن أبى وائل وأبى صالح السمان فان روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال.
الرابع: إبراهيم وهو النخعي كما صرح به الحافظ في فتح الباري وقال في تهذيب التهذيب: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة ابن ذهل النخعي أبو عمران الكوفي الفقيه روى عن خاليه الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد ومسروق وعلقمة وابن معمر وهمام بن الحارث وشريح القاضي وسهم بن منجاب وجماعة وروى عن عائشة ولم يثبت سماعه منها، روح عنه الأعمش ومنصور وابن عون وزبيد اليامي وحماد بن أبى سليمان ومغيرة بن مقسم الضبي وخلق، وقال: وقال الحافظ أبو سعيد العلائي: هو
стр. 141
مكثر من الإرسال، وجماعة من الأئمة صححوا مراسيله وخص البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود وقال في التقريب: ثقة إلا أنه يرسل كثيراً، وقال مات سنة ست وتسعين وهو ابن خمسين أو نحوها ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال الذهبي في الميزان: إبراهيم بن يزيد النخعي أحد الأعلام يرسل عن جماعة وقد رأى زيد بن أرقم وغيره ولم يصح له سماع من صحابي، وقال: قلت استقر الأمر على أن إبراهيم حجة وأنه إذا أرسل عن ابن مسعود أو غيره فليس ذلك بحجة انتهى..
الخامس: عابس بن ربيعة قال في التقريب: عابس بموحدة مكسورة ثم مهملة ابن ربيعة النخعي الكوفي ثقة مخضرم من الثانية ورمز لكونه من رجال الجماعة وقال في تهذيب التهذيب: روى عن عمر وعلى وحذيفة وعائشة وعنه أولاده عبد الرحمن وإبراهيم وأسماء وأبو إسحاق السبيعي وإبراهيم بن يزيد النخعي وذكر توثيقه عن النسائي وابن سعد وقال: وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: قلت: قال أبو نعيم؟ في الصحابة انتهي ولم أقف لأحد على ذكر سنة وفاته.
السادس: صحابي الحديث عمر بن الخطاب ﵁، قال الحافظ في تقريب التهذيب عمر بن الخطاب بن نفيل- بنون وفاء مصغراً- ابن عبد العزي بن رياح- بتحتانية- ابن عبد الله بن قرط- بضم القاف- بن رزاح- براء ثم زاي خفيفة- بن عدى بن كعب القرشي العدوى أمير المؤمنين مشهور جم المناقب استشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وولى الخلافة عشر سنين ونصفا ورمز لكون حديثه في الكتب الستة وذكر في مقدمة الفتح أن له عند البخاري ستين حديثا. وقال الخزرجى في الخلاصة: عمر بن الخطاب ابن نفيل بن عبد الحري الحدوي أبو حفص المدني أحد فقهاء الصحابة ثاني الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأول من سمي أمير المؤمنين، له خمسمائة وتسعة وثلاثون حديثا اتفقا على عشرة وانفرد البخاري بتسعة ومسلم بخمسة عشر، وعنه أبناؤه عبد الله وعاصم وعبيد الله
стр. 142
وعلقمة ابن وقاص وغيرهم، شهد بدرا والمشاهد، وولى أمر الأمة بعد أبى بكر ﵄ وفتح في أيامه عدة أمصار أسلم بعد أربعين رجلا، عن ابن عمر مرفوعا إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، ولما دفن قال ابن مسعود ذهب اليوم بتسعة أعشار العلم استشهد في آخر سنة ثلاث وعشرين ودفن في أول سنة أربع وعشرين وهو ابن ثلاث وستين وصلى عليه صهيب ودفن في الحجرة النبوية ومناقبه جمة، انتهى.
وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: روى عن النبي تمر وعن أبى بكر وأبى بن كعب روى عنه أولاده عبد الله وعاصم وحفصة وعثمان وعلى وأناس آخرون من الصحابة ومن التابعين سماهم ثم ذكر كثيرا من مناقبه في الجاهلية والإسلام ثم قال: ومناقبه وفضائله كثيرة جدا، وترجم له الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية، وذكر الكثير من مناقبه ثم قال في ختام ترجمته: وقد ذكر ابن جرير ترجمة طويلة لعمر بن الخطاب وكذلك أطال ابن الجوزي في سيرته وشيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في تاريخه، وقد جمعنا متفرقات كلام الناس في مجلد مفرد وأفردنا لما أسنده وروى عنه من الأحكام مجلدا آخر كبيراً مرتبا على أبواب الفقه وللة الحمد. ثم ذكر بعض حوادث سنة ثلاث وعشرين نقلا عن تاريخ الذهبي ثم قال: ثم ذكر- يعنى الذهبي- ترجمة عمر بن الخطاب فأطال فيها وأكثر وأطنب وأتى بمقاصد كثيرة مهمة وفوائد جمة وأشياء حسنة فأثابه الله الجنة انتهى. وذكر ترجمته المحب الطبري في الرياض النضرة في خمسين ورقة..
стр. 143
المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيفية لعلم مصطلح الحديث:
١- رجال الإسناد الستة اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم.
٢- في الإسناد ثلاثة من التابعين يروى بعضهم عن بعض وهم الأعمش وإبراهيم النخعي وعابس بن ربيعة.
стр. 144
٣- في الإسناد أربعة كوفيون على نسق وهم سفيان الثوري والأعمش وإبراهيم النخجي وعابس بن ربيعة.
٤- في الإسناد نخعيان وهما إبراهيم وعابس.
٥- في الإسناد اثنان ممن وصفوا بالتدليس وهما سفيان الثوري والأعمش، وقد صرح الأعمش بالتحديث كما في مسند الإمام أحمد وتقدم في التخريج ولم أقف لسفيان على تصريح بالسماع.
٦- إبراهيم بن يزيد النخعي من أصحاب المراسيل من التابعين كما تقدم في ترجمته وهو من فقهاء التابعين ومن أولياته كما جاء في زاد المعاد لابن القيم عند الكلام على حديث غمس الذباب في الطعام إذا وقع فيه: التعبير عن الذباب وما يشبهه بما لا نفس له سائله قال ابن القيم: وأول من حفظ عنه في الإسلام أنه تكلم بهذه اللفظة فقال: ما لا نفس له سائلة إبراهيم النخعي وعنه تلقاه الفقهاء.
٧- في إسناد الحديث رجل من الذين وصفوا بأنهم أمراء المؤمنين في الحديث وهو سفيان الثوري وصفه بذلك شعبة وابن عيينة وأبو عاصم وابن معين وغير واحد من العلماء كما في تهذيب التهذيب.
٨- في الإسناد رجل من المخضرمين وهو عابس بن ربيعة، والمخضرمون هم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي ﷺ ، وهم معدودون في كبار التابعين.
٩- الأعمش لقب لقّب به سليمان بن مهران وقد اشتهر بلقبه كما اشتهر باسمه ومعرفة مثل ذلك من الأمور المهمة لئلا يظن الواحد اثنين إذا ذكر في موضع بالاسم وفي آخر باللقب.
١٠- أول المتن سياقه كلام عابس بن ربيعة الراوي عن عمر ﵁ لا كلام عمركما قد يتوهم من ذكر "عن عمر" والمعنى: عن عابس
стр. 145
أن عمر جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال الخ.. ولما ذكر المنذري هذا الحديث في مختصره لسنن أبى داود قال: عن عابس ابن ربيعة عن عمر أنه جاء إلى الحجر الخ.
следующие страницы →