بالاستقراء من صنيع البخاري أنه إذا أورد الحديث عن غير واحد فان اللفظ يكون للأخير والله أعلم.
٥- رجال الإسنادين في هذا الحديث اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم إلا يزيد الفقير فلم يرو له الترمذي، وشيخ البخاري في الإسناد الأول محمد بن سنان فلم يرو له مسلم والنسائي، وشيخه في الإسناد الثاني سعيد بن النضر فلم يرو له سوى البخاري.
٦- قال الحافظ ابن حجر في نخبة الفكر: ومن المهم معرفة من نسب
إلى غير ما يسبق إلى الفهم انتهى. وفي إسناد هذا الحديث شاهدان لذلك: الأول محمد بن سنان الباهلي المعروف بالعوقي، والعوقة حي من الأزد نسب إليهم لكونه نزل فيهم وليس منهم. الثاني يزيد الفقير فإن المتبادر إلى الفهم أنه من الفقر وليس كذلك وإنما كان يشكو فقار ظهره فقيل له الفقير لذلك.
٧- في سند الحديث واسطيان وهما: هشيم بن بشير وشيخه سيار أبو الحكم.
٨- في سند الحديث هشيم بن بشير وهو من المشهورين بالتدليس وقد صرح بالأخبار في هذا الإسناد، بل قد ذكر الحافظ ابن حجر أن كل ما في صحيح البخاري له مما صرح فيه بالسماع كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
٩- في سند الحديث راويان نسبتهما (السلمي) وهما جابر بن عبد الله الأنصاري السلمي، والثاني هشيم بن بشير السلمي. قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح: (السلمي) بالضم كثير وبالفتح في الأنصار فقط انتهى. وقال النووي في التقريب (السلمي) في الأنصار بفتحهما ويجوز في لغية كسر اللام وبضم السين في بنى سليم.
стр. 72
المبحث الرابع: شرح الحديث:
ا- لم يبين في هذا الحديث متى قال ذلك رسول الله ﷺ وقد بين أنه
стр. 73
في غزوة تبوك في الحديث الذي خرجه الإمام أحمد في مسنده حيث قال حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر بن مضر عن ابن الهاد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك قام من الليل يصلى فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى وانصرف إليهم فقال لهم: "لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي" الخ الحديث. وهذا من الشواهد لرواية هشيم بن بشير التي أشار إليها الحافظ ابن حجر فيما تقدم.
٢- قوله " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي " مفهوم الحديث أنه لم يختص بغير الخمس المذكورة وقد عدد الحافظ ابن حجر في فتح الباري خصائص أخرى غيرها فبلغت بها سبع عشرة وقال: يمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع. وقال: وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب شرف المصطفي أن عدد الذي اختص به نبينا ﷺ عن الأنبياء ستون خصلة. وقد أشار السيوطي في شرحه لسنن النسائي إلى كلام الحافظ ابن حجر هذا وأن ذلك دعاه إلى تتبعها وأنه أفردها بمؤلف سماه: أنموزج اللبيب في خصائص الحبيب، قسمها فيه إلى قسمين ما خص به عن الأنبياء وما خص به عن الأمة وبلغت عدة القسمين أكثر من ألف خصيصة.
وقال الحافظ ابن حجر في الجمع بين هذا المفهوم وبين الأدلة الدالة على الخصائص الأخرى: وطريق الجمع أن يقال: لعله اطلع أولا على بعض ما اختص به ثم اطلع على الباقي ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يدفع هذا الإشكال من أصله.
٣- قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وظاهر الحديث يقتضى أن كل واحدة من الخمس المذكورات لم تكن لأحد قبله وهو كذلك ولا يعترض بأن نوحاً ﵇ كان مبعوثا إلى أهل الأرض بعد الطوفان لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنا معه وقد كان مرسلا إليهم، لأن هذا العموم لم يكن من اصل بعثته وإنما اتفق بالحادث الذي وقع وهو انحصار الخلق بالموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأما نبينا ﷺ فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك،
стр. 74
وأما قول أهل الموقف لنوع كما صح ؤ حديث الشفاعة: أنت أول رسول إلى أهل الأرض، فليس المراد به عموم بعثته بل إثبات أولية رسالته وعل تقدير أن يكون مراداً فهو مخصوص بتنصيصه في عدة آيات على أن إرسال نوح كان إلى قومه ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم.
٤- قوله "نصرت بالرعب مسيرة شهر" الرعب الوجل والخوف والفزع قال الحافظ ابن حجر: مفهومه أنه أيوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة ولا في أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب "ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهرا" فالظاهر اختصاصه به مطلقا وإنما جعل الغاية شهراً لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه، وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق حتى لو كان وحده من غير عسكر، وهل هي حاصلة لأمته من بعده؟ فيه احتمال. وقال العراقي في طرح التثريب: وأما النصر بالرعب فهو أن الله تعالى كان يقذف الرعب في قلوب أعدائه لتخذيلهم وورد في بعض طرقه أنه كان يسير الرعب بين يديه شهرا، معناه أنه كان إذا توجه إلى وجه من الأرض ألقى الله الرعب على من أمامه إلى مسيرة شهر.
٥- قوله " وجعلت لي الأرض مسجدا " أي موضع سجود ويخص من هذا العموم ما تيقنت نجاسته وما دل دليل على منع الصلاة فيه كالمقبرة. قال العراقي في طرح التثريب: اختلف في بيان ما خصص به على الأمم قبله في ذلك فقيل إن الأمم الماضية لم تكن تباح الصلاة لهم إلا في مواضع مخصوصة كالبيع والكنائس، وقيل كانوا لا يصلون إلا فيما يتيقنون طهارته من الأرض وخصصت هذه الأمة بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ما تيقنت نجاسته حكاما القاضي عياض. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: والأظهر ما قاله الخطابي وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: "وكان من قبلي إنما يصلون في
стр. 75
كنائسهم" وهذا نص في محل النزاع فثبتت الخصوصية ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس نحو حديث الباب. وفيه: ولم يكن من الأنبياء أحد يصلى حتى يبلغ محرابه.
٦- قوله "وطهورا" الطهور بفتح الطاء أي المطهر لغيره لأن الطهور لو كان المراد به الطاهر لم تثبت الخصوصية والحديث إنما سيق لإثباتها وهو يدل على أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض ويؤيده رواية أبى أمامة عند البيهقي: "فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة فلم يجد ماء وجد الأرض طهورا ومسجداً".. وعند أحمد "فعنده طهوره ومسجده" وفي رواية عمرو بن شعيب "فأين أدركتني الصلاة تمسحت وصليت" وخص بعض العلماء اسم بالتراب مستدلا بذكر لفظ (التراب) عند ابن خزيمة عن جابر وفي حديث على عند البيهقي وأحمد كما أشار إلى ذلك كله وغيره الحافظ ابن حجر في الفتح، ونقل العراقي في طرح التثريب عن القرطبي ما معناه: أن ذكر التراب من قبيل ذكر الخاص محكوما عليه بحكم العام وهو لا يسقط عمومه ثم تعقب ذلك.
٧- قوله "فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل " أي بعد أن يتيمم حيث لا ماء، وذكر "الرجل " لا مفهوم له أي وكذلك النساء وهو نظير قوله نسيه: لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا رجلا كان يصوم صوما فليصمه. وقوله: من وجد متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من الغرماء. والغرض من ذكر هذه الجملة بعد التي قبلها دفع توهم اختصاصه بذلك كما اختص بالشفاعة.
٨- قوله "وأحلت لي المغانم و! تحل لأحد قبلي" المغانم جمع مغنم وفي رواية محمد بن سنان (الغنائم) وهي جمع غنيمة وهي ما أخذ من الكفار في الحرب قال الخطابي: "من تقدم علي ضربين: منهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم تكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه لكن كانوا إذا غنموا شيئا لم يحل لهم أن يأكلوه وجاءت نار فأحرقته"، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه البخاري في
стр. 76
صحيحه تعليقا: جعل وزقي تحت ظل ومحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري. ومجيء النار وإحراقها الغنائم في الأمم السابقة ثبت في صحيح البخاري
٩- قوله: "وأعطيت الشفاعة": الشفا على أنواع منها ما يختص به ﷺ ، ومنها ما يشاركه فيها غيره، والذي اختصر بها منها الشفاعة العظمى في إراحة الناس من الموقف وهى المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون حيث يتخلى عنها آدم وأولو العزم من الرسل فتنتهي إليه فيقول: أنا لها ثم يشفع فيشفعه الله صلوات الله وسلامه عليه. وهنها الشفاعة في عمه أبى طالب في تخفيف عذابه في النار فانه مخصص لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ ومنها الشفاعة في خروج من ليس له عمل صالح سوى التوحيد من النار لأن غيره يشفع لمن عنده أكثر من ذلك قال الحافظ ابن حجر بعد عد هذه من خصائصه: وقد وقع في حديث ابن عباس: وأعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي فهي لمن لا يشرك بالله شيئا. وفى حديث عمرو بن شعيب: فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله، انتهى. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لكل نبي دعوة مستجابة. فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا ".
١٠- قوله: "وبعثت إلى الناس عامة" دال على عموم رسالته ﷺ ، ومن الأدلة على ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ . وقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ . وقوله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: "لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار".. والمراد بالناس كل من
стр. 77
كان موجوداً من الإنس من حين بعث صلوات الله وسلامه عليه إلى قيام الساعة، ويدل لشمولها للجن عموم قوله في رواية أبى هريرة ﵁ عند مسلم: وأرسلت إلى الخلق كافة. وما ذكره الله تعالى عن استماعهم للقرآن وإيمانهم به في سورتي الأحقاف والجن، ثم ذهابهم إلى قومهم منذرين محذرين من مخالفته وعدم إجابته.
١١- من فقه الحديث وما يستنبط منه:
١- امتنان الله تعالى على نبيه ﷺ بخصائص يختص بها عن غيره.
٢- تفضيل نبينا محمد ﷺ على سائر الأنبياء والمرسلين.
٣- تحدث الإنسان بنعم الله تعالى عليه.
٤- تفضل الله على نبيه بنمره على أعدائه بالرعب الذي يقذفه في قلوبهم مسيرة شهر.
٥- أن النصر بيد الله إذا شاءه حصل ولو بدون أسباب ظاهرة.
٦- أن الأصل في الأرض الطهارة فلا تخص الصلاة فيها بموضع دون آخر ما أتتيقن نجاسة البقعة.
٧- أن المراد بالطهور هو المطهر لغيره لأنه لو كان المراد به في الحديث الطاهر لم تثبت الخصوصية.
٨- أن التيمم يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في وصف الطهورية.
٩- أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض.
١٠- كون الغنائم حلالا في حق هذه الأمة
١١- إثبات الشفاعة للنبي ﷺ .
١٢- عموم رسالة محمد عتم هـ.
١٣- تيسير الله تعالى على هذه الأمة ورفعه الحرج والإصر عنها.
стр. 78
١٤- وجوب الإيمان بالمغيبات التي أخبر بها النبي ﷺ ماضيها كعدم حل الغنائم للماضين ومستقبلها كإعطائها ﷺ الشفاعة.
١٥- أنه لايجوز تأخير الصلاة عن وقتها.
١٦- إظهار كرامة الآدمي إذا خلق من ماء وتراب وتراب وكل منهما طهور.
١٧- أن الصلاة والطهارة لها في الجملة شرع لمن قبلها.
стр. 79
الحديث الرابع
قال الإمام البخاري ﵀ في كتاب الكفالة:
حدثنا أبو عاصم في يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الأكوع ﵁ أن النبي ﷺ أتي جنازة ليصلي عليها فقال: "هل عليه من دَينٌ؟ " قالوا: لا، "فصلى عليه "ثم أتي بجنازة أخرى فقال "هل عليه من دين؟ "قالوا: نعم. قال: "فصلوا على صاحبكم"، قال أبو قتادة: علي دينه يا رسول الله، "فصلى عليه".
стр. 80
المبحث الأول, التخريج:
انفرد البخاري عن مسلم بإخراج هذا الحديث، وقد أورده في موضعين أحدهما هذا في باب: من تكفل عن ميت دينا فليس له أن يرجع. والثاني في كتاب الحوالة في باب: إذا أحال دين الميت على رجل جاز، ولفظه: حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ أتي بجنازة فقالوا: صل عليها، فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا، قال: فهل ترك شيئا؟ قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتي بجنازة أخرى، فقالوا يا رسول الله صل عليها فقال: هل عليه دين؟ قيل: نعم، قال: فهل ترك شيئاً، قالوا: ثلاثة دنانير فصلى عليها، ثم أتي بالثالثة، فقالوا: صل عليها، قال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا، قال: فهل عليه دين، قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: صل. عليه يا رسول الله وعلي دينه، فصلى عليه".
ورواه النسائي في سننه ولفظه: أتي النبي ﷺ بجنازة، فقالوا: يا نبي الله صل عليها، قال: هل ترك عليه دينا، قالوا: نعم، قال: هل ترك من شيء، قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، قال رجل من الأنصار يقال له
стр. 81
أبو قتادة: صل عليه وعلي دينه، فصلى عليه"، ورواه الترمذي والنسائي عن أبى قتادة ﵁ بإسناد واحد واللفظ عند النسائي: أن النبي ﷺ أتي برجل من الأنصار ليصلى عليه فقال النبي ﷺ : صلوا على صاحبكم فان عليه دينا، قال أبو قتادة هو علي، قال النبي ﷺ : بالوفاء؟، قال: بالوفاء، فصلى عليه، ورواه أبو داود والنسائي عن جابر ﵁ ولفظه: "كان النبي ﷺ لا يصلى على رجل مات وعليه دين فأتى بميت، فقال: أعليه دين؟ قالوا: نعم ديناران، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة الأنصاري؟ هما على يا رسول الله"، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ، فلما فتح الله على رسول الله ﷺ قال "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فمن ترك دينا فعلى وفاؤه ومن ترك مالا فلورثته". وروى أبو هريرة ﵁ نحوا من حديث جابر هذا أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي، وأورد المنذري في الترغيب والترهيب حديث جابر ﵁ بلفظ أطول من هذا، وقال: رواه أحمد بإسناد حسن والحاكم والدارقطني، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ورواه أبو داود وابن حبان في صحيحه باختصار.
وقال فيه الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والبزار وإسناده حسن،
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: وعن أسماء بنت يزيد قالت "دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة رجل من الأنصار، فلما وضع السرير تقدم نبي الله ﷺ ليصلى عليه ثم التفت، فقال: "على صاحبكم دين؟ " قالوا: نعم يا رسول الله، ديناران، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: أنا بدينه يا نبي الله فصلى عليه"، رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات.
стр. 82
المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:
الأول: شيخ البخاري أبو عاصم وهو كما قال الحافظ في تقريب التهذيب. الضحاك بن مخلد بن مسلم الشيباني أبو عاصم النبيل البصري ثقة ثبت من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة أو بعدها أي بعد المائتين. وقال
стр. 83
بضع وأربعين أي مائة ورمز لكونه من رجال الجماعة.
الثالث: صحابي الحديث سلمة بن الأكوع وهو سلمة بن عمرو بن الأكوع واسم الأكوع سنان الأسلمى، قال الحافظ في تهذيب التهذيب: أبو مسلم ويقال: أبو إياس ويقال: أبو عامر وقال: شهد بيعة الرضوان روى عن النبي ﷺ وعن أبى بكر وعمر وعثمان وطلحة وعنه ابنه إياس ومولاه يزيد بن أبى عبيد وأناس آخرون سماهم ثم قال: كان شجاعا راميا، ويقال: كان يسبق الفرس شدا على قدميه، وقال الخزرجى في الخلاصة: له سبعة وسبعون حديثا اتفقا على ستة عشر وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بتسعة. وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن له عند البخاري عشرين حديثا انتهى. وكانت وفاته سنة أربع وسبعين، وقد خرج حديثه الجماعة.
стр. 84
المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
١- رجال الإسناد الثلاثة اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم.
٢- في سند الحديث رجل اشتهر بكنيته ولقبه وهو شيخ البخاري أبو عاصم النبيل فان اسمه الضحاك بن مخلد.
٣- في سند الحديث رجل روى عنه راو متقدم وراو متأخر، وهو أبو عاصم النبيل قال الخطيب: روى عنه جرير بن حازم ومحمد بن حبان وبين وفاتيهما مائة وإحدى وثلاثون سنة انتهى. وذلك من شواهد النوع المعروف في المصطلح بالسابق واللاحق وهو أن يشترك اثنان في الرواية عن شيخ أحدهما فوق الشيخ المروى عنه في المرتبة مع تباعد ما بين وفاتيهما أي الراويين عن الشيخ.
٤- في هذا الإسناد مولى من أعلى وهو سلمى بن الأكوع ﵁، ومولى من أسفل وهو يزيد بن أبى عبيد.
стр. 85
٥- ومن اللطائف في رجال الإسناد أن أبا عاصم النبيل قد ولدته أمه وسنها اثنتا عشرة سنة كما تقدمت الإشارة إلى ذلك فيما نقله المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين عن عمرو بن على.
٦- ذكر الحافظ ابن حجر أنه لم يقف على تسمية صاحب الجنازة الأول والثاني وهو من مبهمات المتن.
٧- حديث أبى عاصم النبيل هذا وحديث مكي بن إبراهيم المذكور في التخريج من ثلاثيات صحيح البخاري والإسناد الثلاثي أعلى ما يكون عند البخاري فان بينه وبين النبي ﷺ فيه ثلاثة أشخاص فقط: صحابي وتابعي وتابع تابعي، وقد حصل العلو في إسناد هذا الحديث. لأن وفاة سلمة بن الأكوع ﵁ كانت سنة أربع وسبعون، وقد عاش مولاه يزيد بن أبى عبيد الذي روى الحديث عنه بعده نحوا من سبعين سنة إذ كانت وفاته سنة بضع وأربعين ومائة، وعاش أبو عاصم النبيل الذي روى الحديث عن يزيد ابن أبى عبيد بعده أكثر من ستين سنة حيث كانت وفاته سنة اثنتي عشرة بعد المائتين.
стр. 86
فوائد تتعلق بالثلاثيات
الأولى: الإسناد الثلاثي إسناد عال، والعلو في الإسناد مرغوب فيه عند المحدثين لكونه أقرب إلى الصحة وقلة الخطأ، لأنه ما من راو من رجال السند إلا والخطأ جائز عليه، فكلما كثرت الوسائط وطال السند كثرت مظان تجويز الخطأ، وكلما قلت قلت، ومن أجل ذلك لم يرو البخاري عن الشافعي من طريق أصحابه الذين لقي الكثير منهم لأنه عاصر كثيرا من أقران الشافعي فروى عنهم مباشرة ما شاركهم الشافعي في روايته رغبة منه في علو الإسناد. وإن كان قد ذكر الشافعي في موضعين من صحيحه في باب: وفي الركاز الخمس، وفي باب: تفسير العرايا كما أشار إلى ذلك ابن السبكي في ترجمة البخاري من كتابه طبقات الشافعية الكبرى.
الثانية: عدد الأحاديث الثلاثية في صحيح البخاري اثنان وعشرون حديثا قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في شرح حديث سلمة بن الأكوع ﵁ مرفوعا: من يقل على ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار. قال: وهذا الحديث أول ثلاثي وقع في البخاري وليس فيه أعلى من الثلاثيات. وقد أفردت فبلغت أكثر من عشرين حديثا انتهى. وقال في كشف الظنون: ووقع له اثنان وعشرون حديثا ثلاثيات الإسناد، وقال المباركفوري في مقدمة تحفة الأحوذي: وأما في صحيح البخاري فاثنان وعشرون ثلاثيا قد أفردها العلماء بالتأليف كعلي القاري الهروي وغيره انتهى. وهذه العدة إنما هي بالأحاديث المكررة وبإسقاط التكرار تكون ستة عشر حديثا وقد طبعت ثلاثيات البخاري مفردة ومشروحة.
الثالثة: عدد الصحابة الذي روى البخاري من طريقهم الأحاديث الثلاثية ثلاثة الأول سلمة بن الأكوع ﵁ له منها سبعة عشر حديثا، والثاني أنس بن مالك ﵁ له منها أربعة أحاديث، والثالث عبد الله ابن بسر ﵁، له منها حديث واحد أما شيوخه الذين روى عنهم
стр. 87
هذه الثلاثيات فعدتهم خمسة وهم: مكي بن إبراهيم وأبو عاصم النبيل وعصام بن خالد ومحمد بن عبد الله الأنصاري وخلاد بن يحي وهم من أتباع التابعين. وأما شيوخ شيوخه فيها فعدتهم أربعة وهم يزيد بن أبى عبيد وحميد الطويل وحريز بن عثمان وعيسى بن طهمان وهم من التابعين.
الرابعة: (١) في جامع الترمذي ثلاثي واحد أورده في كتاب الفتن فقال: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري ابن ابنة السدي الكوفي حدثنا عمر ابن شاكر عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر هذا حديث غريب من هذا الوجه انتهى. قال المباركفوري في مقدمة تحفة الأحوذي: اعلم أنه ليس في جامع الترمذي ثلاثي غير حديث أنس المذكور. وقال: وليعلم أن بيني وبين رسول الله ﷺ في إسناد ثلاثي الترمذي المذكور اثنين وعشرين واسطة فذكرهم وكانت وفاة المباركفوري سنة ١٣٥٣هـ ﵀، وعمر بن شاكر انفرد الترمذي بإخراج حديثه عن بقية أصحاب الكتب الستة، وقال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب إنه ضعيف.
(ب) في سنن ابن ماجه خمسة أحاديث ثلاثيات الإسناد كلها من طريق جبارة بن المغلس عن كثير بن سليم عن أنس ﵁ ثلاثة منها في كتاب الأطعمة، وفي كتاب الزهد واحد، وواحد في كتاب الطب، وجبارة وكثير انفرد ابن ماجه عن بقية أصحاب الكتب الستة بإخراج حديثهما، وقال عنهما الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: إنهما ضعيفان.
(ب) ذكر المباركفوري في مقدمة تحفة الأحوذي نقلا عن كتاب الحطة أنه ليس في صحيح مسلم ولا في سنن أبى داود والنسائي شيء من الأحاديث الثلاثيات الإسناد، فأعلى ما يكون عندهم الأحاديث الرباعيات الإسناد.
(ج) ذكر المباركفوري في مقدمة تحفة الأحوذي نقلا عن كتاب الحطة أنه ليس في صحيح مسلم ولا في سنن أبي داود والنسائي شيء من الأحاديث الثلاثيات الإسناد, فأعلى ما يكون عندهم الأحاديث الرباعيات الإسناد.
стр. 88
(د) ذكر المباركفوري أيضاً نقلا عن كتاب الحطة أن ثلاثيات الدارمي أكثر من ثلاثيات البخاري، وقال صاحب كشف الظنون: ثلاثيات الدارمي هي خمسة عشر حديثا وقعت في مسنده بسنده.
(هـ) ثلاثيات مسند الإمام أحمد عددها واحد وثلاثون وثلاثمائة قد أفردت من المسند وشرحها الشيخ محمد السفاريني شرحا نفيسا في مجلدين كبيرين.
(و) ثلاثيات مسند عبد بن حميد عددها واحد وخمسون حديثا١.
стр. 89
المبحث الرابع: شرح الحديث:
١- أورد البخاري الحديث في كتاب الكفالة في باب: من تكفل عن ميت ذينا فليس له أن يرجع. ووجه مطابقة الحديث للترجمة كما ذكر الحافظ في فتح الباري: أنه لو كان لأبى قتادة أن يرجع عن الكفالة لما صلى النبي ﷺ على الرجل المدين حتى يوفي أبو قتادة الدين، لاحتمال أن يرجع فيكون النبي ع! مم صلى على مدين دينه باق عليه، فدل على أنه ليس له أن يرجع، وأورده أيضاً في كتاب الحوالة من طريق مكي بن إبراهيم في باب: إذا أحال دين الميت على رجل جاز، ووجهه كما نقل الحافظ في الفتح عن ابن بطال أنه قال: إنما ترجم بالحوالة فقال: إن احال دين الميت. ثم أدخل حديث سلمة وهو في الضمان لأن الحوالة والضمان عند بعض العلماء متقاربان، وإليه ذهب أبو ثور لأنهما ينتظمان في كون كل منهما نقل ذمة رجل إلى ذمة رجل آخر، والضمان في هذا الحديث نقل ما في ذمة الميت إلى ذمة الضامن فصار كالحوالة سواء.
٢- قوله: إذ أتي بجنازة. قال في القاموس: الجنازة الميت ويفتح، أو بالكسر الميت وبالفتح السرير أو عكسه، وبالكسر السرير مع الميت انتهى. وقد أعيد الضمير مؤنثا في قوله: ليصلى عليها. باعتبار لفظ الجنازة وهو مؤنث، ومذكرا في قوله: هل عليه من دين ة باعتبار المعنى وهو الميت، وقد زيدت "من " قبل المبتدأ المنكر في قوله: هل عليه من دين لتأكيد إفادة
стр. 90
العموم في جنس الدين، أي هل عليه دين، أيّ دين كان، قليلا كان أو كثيراً.
٣- اشتمل هذا الحديث على ذكر جنازتين: سليم من الدين صلى عليه ومدين أراد ترك الصلاة عليه لو لم يتحمل عنه دينه، وقد ذكر جنازة ثالثة في طريق مكي بن إبراهيم المذكور في التخريج وهو من عليه دين وترك وفاء له وقد صلى عليه.
٤- لم يبين في الحديث قدر الدين وقد بين في طريق مكي بن إبراهيم بأنه ثلاثة دنانير قال الحافظ في الفتح: وفي حديث جابر عند الحاكم ديناران، وأخرجه أبو داود من وجه آخر عن جابر نحوه، وكذلك أخرجه الطبراني من حديث أسماء بنت يزيد يجمع بينهما بأنه كان دينارين وشطرا فمن قال ثلاثة جبر الكسر ومن قال ديناران ألغاه أو كان أصلهما ثلاثة فوفي قبل موته دينارا وبقى عليه ديناران، فمن قال ثلاثة فباعتبار الأصل، ومن قال ديناران فباعتبار ما بقي من الدين والأول أليق. ووقع عند ابن ماجه من طريق أبى قتادة. ثمانية عشر درهما، وهذا دون دينارين، وفي مختصر المزني من حديت أبى سعيد الخدري درهمين يجمع إن ثبت بالتعدد. ورجح الشوكاني في نيل الأوطار القول بتعدد القصة مطلقا. وقال الحافظ في الفتح أيضاً: وقد وقعت هذه القصة مرة أخرى. فروى الدارقطني من حديث عليّ "كان رسول الله ﷺ إذا أتي بجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل ويسأل عن دينه فان قيل عليه دين كف وإن قيل ليس عليه دين صلى، فأتى بجنازة، فلما قام ليكبر سأل هل عليه دين؟ فقالوا ديناران فعدل عنه فقال عليّ: هما علي يا رسول الله وهو بريء منهما فصلى عليه، ثم قال لعلى: "جزاك الله خيراً وفك الله رهانك"، الحديث.
٥- لم يبين في هذا الحديث سبب السؤال عن الميت هل عليه دين وقد بين ذلك في حديث أبى هريرة ﵁ عند الشيخين قال: إن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل هل ترك لدينه وفاء فان حدث أنه ترك لدينه وفاء صلى وإلاّ قال للمسلمين صلوا على صاحبكم فلما
стр. 91
فتح الله عليه الفتوح قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المؤمنين فترك دينا فعلى قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته".
٦- قال الحافظ في الفتح: قال العلماء كأن الذي فعله رسول الله- ﷺ من ترك الصلاة على من عليه دين ليحرض الناس على قضاء الدين في حياتهم والتوصل إلى البراءة منها لئلا تفوتهم صلاة النبي ﷺ ، وهل كانت صلاته على من عليه دين محرمة عليه أو جائزة؟ وجهان. قال النووي: الصواب الجزم بجوازه مع وجود الضامن كما في حديث مسلم وحكى القرطبي أنه ربما كان يمتنع من الصلاة على من استدان دينا غير جائز وأما من استدان لأمر هو جائز فما كان يمتنع وفيه نظر لأن في حديث الباب- يعنى حديث أبى هريرة- ما يدل على التعميم حيث قال: من توفي وعليه دين ولو كان الحال مختلفا لبينه، ثم أورد حديثا عن ابن عباس فيه التفصيل بين التحمل في البغي والإسراف والتحمل في الحاجة وقال وهو ضعيف وقال: قال القرطبي بعد أن أخرجه: لا بأس به في المتابعات، وقال: وليس فيه أن التفصيل المذكور كان مستمرا وإنما فيه أنه طرأ بعد ذلك وأنه السبب في قوله: من ترك دينا فعلى، وقال الشوكاني في نيل الأوطار، قال ابن بطال: هذا يعنى من ترك دينا فعلى. ناسخ لترك الصلاة على من مات وعليه دين، وقد حكى القرطبي إجماع الأمة على ذلك.
٧- أبو قتادة الذي تحمل الدين في الحديث: هو الحارث ويقال عمرو ويقال النعمان بن ربعي الأنصاري السلمي بفتحتين المدني، شهد أحدا وما بعدها ولم يصح شهوده يدرآ، ومات سنة أربع وحسين وقيل سنة ثمان وثلاثين والأول أصح وأشهر، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في التقريب ورمز لكون حديثه مخرجا في الكتب الستة.
٨- هم الرسول ﷺ بترك الصلاة على من عليه الذين، في الحديث حصل فيه فائدتان إحداهما تعود إلى المتوفى وهي أن أبا قتادة ﵁ رق له فتحمل دينه فبرئت ذمته بذلك، والثانية تعود إلى الأحياء وهي التحذير من
стр. 92
الدين والتحريض على قضائه قبل الموت لئلا تترك الصلاة عليهم.
٩- صلاة الجنازة من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، والمتوفى. أحوج ما يكون إلى ذلك الحق فجدير بالمسلم أن يحرص على بذل هذا الحق لإخوانه المسلمين لأنه يحب ذلك لنفسه وقد قال ﷺ : ومن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلأته منيته وهو يؤمن بالته واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ولما في ذلك من الفائدة للمتوفى وللمصلى، كما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: من صلى على الجنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان، قيل: وما القيراط يا رسول الله؟ قال: مثل جبل احد.
١٠- من فقه الحديث وما يستنبط منه:
١- وجوب صلاة الجنازة وهي من حق المسلم على أخيه المسلم لقوله: فصلوا على صاحبكم.
٢- أن صلاة الجنازة فرض كفاية حيث أراد النبي ﷺ التخلي عنها لو لم يتحمل الذين عن الميت.
٣- أنه ينبغي لذوى الميت الاهتمام بشهود أهل الفضل والصلاح الصلاة على ميتهم.
٤- سؤال الإمام عن أحوال الرعية.
٥- مشروعية الضمان.
٦- جواز تحمل الدين عن الميت.
٧- براءة ذمة الميت بأداء غيره ما وجب عليه.
٨- التنفير من الدين والتحذير من تعاطيه إلا مع الضرورة.
٩- حث المدينين على قضاء ديونهم، وتحريضهم على المبادرة إلى التخلص من تبعتها.
стр. 93
١٠- الاكتفاء في لزوم الضمان على الضامن بمجرد التزامه وإن تأخر الأداء.
١١- أن الضامن ليس له الرجوع عن التزامه ما تكفل به.
١٢- أن تفويت الإنسان على الناس حقوقهم قد يكون سببا في تفويت حقه عليه.
١٣- أن درأ المفاسد العامة مقدم على جلب المصالح الخاصة.
١٤- أن الجزاء من جنس العمل وأنه كما يدين الإنسان يدان.
١٥- أنه ليس للضامن الرجوع في مال الميت إن ظهر أن له مالا.
١٦- بيان ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من الأخلاق الفاضلة: من الرأفة والشفقة والرحمة بعضهم لبعض، فتحمل أبى قتادة ﵁ الدين مثال واقعي لما وصفهم الله به في قوله: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ .
١٧- تأخير البيان إلى وقت الحاجة.
стр. 94
الحديث الخامس
قال الإمام البخاري ﵀ في كتاب الجهاد: باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة.
حدثنا مطر بن الفضل حدثنا يزيد بن هارون حدثنا العوام حدثنا إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي قال: سمعت أبا بردة واصطحب هو ويزيد بن أبى كبشة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر فقال له أبو بردة: سمعت أبا موسى مرارا يقول: قال رسول الله ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا".
стр. 95
المبحث الأول: التخريج:
انفرد البخاري عن مسلم بإخراج هذا الحديث فأورده في هذا الموضع من صحيحه. وقد رواه في الأدب المفرد فقال: باب يكتب للمريض ما كان يعمل وهو صحيح، حدثنا قبيصة بن عقبة قال: حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن القاسم بن مخيمرة عن عبد. الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "ما من أحد يمرض إلا كتب له مثل ما كان يعمل وهو صحيح".
وأخرجه أبو داود في كتاب الجنائز من سننه فقال: باب إذا كان الرجل يعمل عملا صالحا فشغله عنه مرض أو سفر: حدثنا محمد بن عيسى ومسدد المعنى قالا: حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب عن إبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي عن أبى بردة عن أبى موسى قال سمعت النبي ﷺ غير مرة ولا مرتين يقول: " إذا كان العبد يعمل عملا صالحا فشغله عنه مرض أو سفر كتب له كصالح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم"، ورواه أحمد في مسنده. وورد بمعناه أحاديث فعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "ما أحد
стр. 96
من الناس يصاب ببلاء في جسده إلا أمر الله الملائكة الذين يحفظونه فقال: اكتبوا لعبدي في كل يوم وليلة ما كان يعمل من خير ما كان في وثاقي"، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجال أحمد رجال الصحيح وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه فقال: على شرطهما، وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به: أكتب له مثل عمله إذا كان طليقا حتى أطلقه أو القيه إليّ"، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد وإسناده صحيح، وقال المنذري في الترغيب والترهيب: وإسناده حسن، وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء في جسده قال الله عزوجل للملك: أكتب له صالح عمله الذي كان يعمله، فإن شفاه غسله وطهره وإن قبضه غفر له ورحمه"، قال الهيثمي: رواه أبو يعلى وأحمد، ورجاله ثقات انتهى. ورواه أيضاً البخاري في الأدب المفرد، وعن شقيق بن عبد الله قال: مرض عبد الله ابن مسعود فعدناه، فجعل يبكى فعوتب فقال: إني لا أبكى لأجل المرض لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " المرض كفارة"، وأنا أبكى أنه أصابني على فترة ولم يصبني في حال اجتهاد، لأنه يكتب للعبد من الأجر إذا مرض ما كان يكتب له قبل أن يمرض فمنعه منه المرض "، أخرجه رزين كما في جامع الأصول لابن الأثير وكما في مشكاة المصابيح، وذكر الحافظ في الفتح أن الإسماعيلي أخرج حديث أبى موسى هذا من رواية هشيم عن العوام بن حوشب وقال فيه أيضاً: ولرواية إبراهيم السكسكي عن أبى بردة متابع أخرجه الطبراني من طريق سعيد بن أبى بردة عن أبيه عن جده بلفظ "إن الله يكتب للمريض أفضل ما كان يعمل في صحته مادام في وثاقه". الحديث وفي حديت عائشة عند النسائي: "ما من امرىء تكون له صلاة من الليل يغلبه عليها نوم أو وجع إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقه". وذكر حديث أبى
стр. 97
هريرة رفعه: "من توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلى وحضر، لا ينقص ذلك من أجره شيئا"، وقال: أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وإسناده قوى انتهى.
стр. 98
المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:
الأول: شيخ البخاري مطر بن الفضل: قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: مطر بن الفضل المروزي ثقة من الحادية عشرة، قال الفربري مات عندنا أي بعد الخمسين انتهى. والمراد من قول الفربري المشار إليه أنه مات في فربر بعد المائتين والخمسين، وقال في خلاصة تذهيب الكمال: مطر بن الفضل المروزي عن وكيع وغيره وعنه البخاري، قال ابن حبان: مستقيم الحديث. وقال أبو الفضل ابن طاهر المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: سمع يزيد بن هارون وشبابة وروح بن عبادة روى عنه البخاري في الصلاة والجهاد وهجرة النبيء ﷺ انتهى. وهو من رجال البخاري دون بقية أصحاب الكتب الستة.
الثاني: يزيد بن هارون: وهو يزيد بن هارون بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي ثقة متقن عابد من التاسعة، مات سنة ست ومائتين وقد قارب التسعين، قاله الحافظ في تقريب التهذيب. وقال في الخلاصة: أحد الأعلام الحفاظ المشاهير عن سليمان التيمي وحميد الطويل والجريري وداود بن أبى هند وخلق، وعنه بقية وابن المديني وأحمد وإسحاق وعبد بن حميد وخلق، قال أحمد: كان حافظا متقنا، وقال العجلي: ثقة ثبت، وقال أبو حاتم: إمام لا يسأل عن مثله انتهى. وقد أثنى عليه أئمة آخرون غير هؤلاء، وقال في الجمع بين رجال الصحيحين: قال أحمد بن حنبل: ولد سنة ثمان عشرة ومائة، وقال ابن سعد: مات بواسط في غرة شهر ربيع الأول سنة ست ومائتين انتهى. وقد خرج حديثه الجماعة.
стр. 99
الثالث: العوام: وهو ابن حوشب بن يزيد الشيباني أبو عيسى الواسطي ثقة ثبت فاضل من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين أي بعد المائة، قاله في تقريب التهذيب، وذكر في تهذيب التهذيب أنه روى عن أبى إسحاق السبيعي ومجاهد وسعيد بن جهمان وإبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي وغيرهم، وروى عنه سفيان بن حبيب وحفص بن عمر الرازي وهشيم ويزيد ابن هارون وغيرهم، وذكر أيضاً توثيق الإمام أحمد وابن معين وأبى زرعة والعجلي وابن سعد والحاكم له، وقد خرج حديثه الجماعة.
الرابع: إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي ت وهو إبراهيم بن عبد الرحمن ابن إسماعيل السكسكي أبو إسماعيل الكوفي مولى صخير قاله الحافظ في تهذيب التهذيب، وقال: روى عن عبد الله بن أبى أوفي وأبى بردة بن أبى موسى وأبى وائل وغيرهم، وعنه العوام بن حوشب ومسعر وأبو خالد الدالاني وغيرهم، وقال في مقدمة فتح الباري: قال أحمد: ضعيف، وقال النسائي: يكتب حديثه وليس بذلك القوى، وقال ابن عدى: لم أجد له حديثا منكر المتن وهو إلى الصدق أقرب، وقال الحاكم: قلت للدارقطني يرص ترك مسلم حديثه؟ فقال تكلم فيه يحي بن سعيد، قلت بحجة؟ قال: هو ضعيف، ثم ذكر الحافظ أن له في الصحيح حديثين أحدهما عن عبد الله بن أبى أوفي في نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ! هو أخرجه في التفسير وغيره وهذا له أصل من حديث ابن مسعود فهو شاهد له: والثاني من حديثه عن أبى بردة عن أبيه: إذا مرض العبد أو سافر، الحديث وقال في تهذيب التهذيب: وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في تقريب التهذيب: صدوق ضعيف الحفظ من الخامسة. وقال الذهبي في ميزان الاعتدال: كوفي صدوق، لينه شعبة والنسائي ولم يترك انتهى، وقد روى له أيضاً أبو داود والنسائي ولم أقف لأحد على ذكر سنة وفاته..
الخامس: أبو بردة، وهو أبو بردة بن أبى موسى الأشعري، قيل اسمه عامر وقيل الحارث ثقة من الثالثة، مات سنة أربع ومائة وقيل غير ذلك وقد
стр. 100
جاوز الثمانين، قاله الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب، وقال في تهذيب التهذيب: روى عن أبيه وعلى وحذيفة وعبد الله بن سلام وعن أناس آخرين سماهم، ثم قال: وعنه أولاده سعيد وبلال وحفيده أبو بردة يزيد بن عبد الله بن أبى بردة والشعبي وهو من أقرانه، وعاصم بن كليب وإبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي وأناس آخرون سماهم، ثم ذكر توثيق ابن سعد والعجلي وابن خراش وابن حبان له، وحديثه نحرجه الجماعة.
أما يزيد بن أبى كبشة فليس من رواة الحديث كما هو معلوم وإنما أورد أبو بردة الحديث من أجل صيامه في السفر وقد قال الحافظ في فتح الباري: ويزيد بن أبى كبشة هذا شامي واسم أبيه حيوبل بفتح المهملة وسكون التحتانية وكسر الواو وبعدها تحتانية أخرى ساكنة ثم لام وهو ثقة ولى خراج السند لسليمان بن عبد الملك ومات في خلافته وليس له في البخاري ذكر إلا في هذا الموضع انتهى.
السادس: صحابي الحديث أبو موسى الأشعري: وهو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بفتح المهملة وتشديد الضاد المعجمة أبو موسى الأشعري صحابي مشهور أمره عمر ثم عثمان وهو أحد الحكمين بصفين مات سنة خمسين وقيل بعدها قاله الحافظ في تقريب التهذيب، وقال الخزرجى في الخلاصة له ثلاثمائة وستون حديثا اتفقا على خمسين وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة وعشرين، وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن عدة أحاديثه عند البخاري سبعة وخمسون حديثا، وقال في تهذيب التهذيب: روى عن النبي ﷺ وعن أبى بكر وعمر وعلى وابن عباس وأبن بن كعب وعمار بن ياسر ومعاذ بن جبل ﵃ وعنه أولاده إبراهيم وأبو بكر وأبو بردة وموسى وامرأته أم عبد الله وأنس بن مالك وأبو سعيد الخدري وأناس آخرون سماهم، وقال أيضاً: ومناقبه كثيرة: وقال في كتابه الإصابة، واستعمله النبي ﷺ على بعض اليمن كزبيد وعدن وأعمالهما واستعمله عمر على البصرة بعد المغيرة فافتتح الأهواز ثم أصبهان ثم استعمله عثمان على الكوفة ثم كان أحد
стр. 101
الحكمين بصفين ثم اعتزل الفريقين. وقال أيضاً: وكان حسن الصوت بالقرآن وفي الصحيح المرفوع: لقد أوتى مزمارا من مزامير آل داود انتهى. وحديثه في الكتب الستة.
стр. 102
المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
١- هذا الحديث أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ الدارقطني على البخاري، وقد تقدم أن جملة الأحاديث التي انتقدها الحفاظ على الإمام البخاري مائة وعشرة أحاديث، انفرد البخاري عن مسلم بثمانية وسبعين حديثا، وشاركه مسلم في إخراج اثنين وثلاثين، ووجه الانتقاد في هذا الحديث من الدارقطني أنه قال: أيسنده غير العوام بن حوشب وخالفه مسعر فرواه عن إبراهيم السكسكي عن أبى بردة قوله ولم يذكر أبا موسى ولا النبي ﷺ انتهى، وقد أجاب الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح عن هذا الانتقاد بجوابين قال فيهما: قلت مسعر أحفظ من العوام بلا شك إلا أن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي فهو في حكم المرفوع، وفي السياق قصة تدل على أن العوام حفظه، فان فيه: اصطحب يزيد بن أبى كبشة وأبو بردة في سفر فكان يزيد يصوم في السفر فقال له أبو بردة: أفطر فإني سمعت أبا موسى مراراً يقول فذكره، وقد قال أحمد بن حنبل إذا كان في الحديث قصة دل على أن راويه حفظه والله أعلم انتهي كلام الحافظ ابن حجر ﵀.
وهناك جوابان آخران أحدهما: أنه ورد مسنداً من غير طريق العوام بن حوشب عند البخاري في الأدب المفرد، وقد تقدم سندا ومتنا في التخريج، الثاني: أن الحكم في تعارض الرفع والوقف والوصل والإرسال لمن أرسله أو وقفه إذا كان أحفظ إنما هو قول لبعض العلماء وقد رجح كثير من العلماء أن الحكم لمن وصله أو رفعه قال النووي في التقريب: والصحيح أن الحكم لمن وصله أو رفعه سواء كان المخالف له مثله أو أكثر لأن ذلك زيادة ثقة وهى
стр. 103
مقبولة، وقال السيوطي في التدريب: إنه الصحيح عند أهل الحديث والفقه والأصول، وقال أبو عمرو بن الصلاح في علوم الحديث في معرض تعداد الأقوال في المسألة: ومنهم من قال الحكم لمن أسنده إذا كان عدلا ضابطا فيقبل خبره وإن خالفه غيره سواء كان المخالف له واحدا أو جماعة، قال الخطيب: هذا القول هو الصحيح، ثم قال ابن الصلاح. قلت: وما صححه هو الصحيح في الفقه وأصوله وسئل البخاري عن حديث: "لا نكاح إلا بولي" فحكم لمن وصله وقال: الزيادة من الثقة مقبولة، فقال البخاري هذا مع أن من أرسله شعبة وسفيان وهما جبلان لهما من الحفظ والإتقان الدرجة العالية، ويلتحق بهذا ما إذا كان الذي وصله هو الذي أرسله وصله في وقت وأرسله في وقت، وهكذا إذا رفع بعضهم الحديث إلى النبي ﷺ ، ووقفه بعضهم على الصحابي، أو رفعه واحد في وقت ووقفه هو أيضاً في وقت آخر، فالحكم على الأصح في كل ذلك لما زاده الثقة من الوصل والرفع، لأنه مثبت وغيره ساكت، ولو كان نافيا فالمثبت مقدم عليه لأنه علم ما خفي عليه انتهى. وقال العراقي في ألفيته:
واحكم لوصل ثقة في الأظهر
وبهذه الأجوبة تتضح سلامة هذا الحديث من الانتقاد الذي وجهه الدارقطني إليه.
٢- رجال الإسناد الستة خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلا شيخ البخاري مطر بن الفضل فقد انفرد البخاري بإخراج حديثه وإلاّ إبراهيم السكسكي فلم يرو له مع البخاري سوى أبى داود والنسائي، وقد أخرج له البخاري حديثين كما ذكره الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري.
٣- العوام في الإسناد غير منسوب وهو ابن حوشب ولا لبس في عدم نسبته لأنه ليس في رجال البخاري من اسمه العوام غيره بل جملة من اسمه العوام عند أصحاب الكتب الستة ثلاثة هذا أحدهم وقد اتفقوا على إخراج حديثه، والثاني العوام بن حمزة المازني البصري، وهو من رجال الترمذي
стр. 104
وحده، والثالث العوام بن عباد الواسطي وهو من رجال ابن ماجه وحده.
٤- هذا الحديث رواه أبو بردة بن أبى موسى الأشعري عن أبيه. أبى موسى ﵁ فهو من رواية الأبناء عن الآباء.
٥- في سند هذا الحديث واسطيان وهما يزيد بن هارون وشيخه العوام ابن حوشب.
٦- يزيد بن أبى كبشة الذي أورد أبو بردة الحديث من أجل صيامه معه في السفر ليس له ذكر في صحيح البخاري إلا في هذا الموضع كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀.
стр. 105
المبحث الرابع: شرح الحديث:
١- هذا الحديث أورده البخاري في كتاب الجهاد لأن الجهاد لابد فيه من السفر غالبا.
٢- معنى الحديث: إذا مرض العبد المسلم وكان يعمل عملا صالحاً قبل مرضه ومنعه منه المرض ونيته لولا المانع إدامته، أو سافر سفرا مباحاً ومنعه السفر مما قطعه على نفسه من الطاعة ونيته المداومة عليه كتب له من الأجر قدر ثواب عمله في حال إقامته وفي حال صحته.
٣- في الحديث شاهد لما يعرف في علم البلاغة باللف والنشر المقلوب لأنه ذكر المرض والسفر أولا ثم ذكر الإقامة والصحة ثانيا، فالإقامة في مقابل السفر والصحة في مقابل المرض ومن أمثلته في الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ومن أمثلة اللف والنشر المرتب في الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ وومن أمثلته في السنة قوله ﷺ :
стр. 106
"أحلت لنا ميتان ودمان، فأما الميتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالكبد والطحال".
٤- في الحديث شاهد لنوعي الفعل المسند إلى الفاعل، قال ابن هشام معرفا الفاعل في شذور الذهب: هو ما قدم الفعل أو شبهه عليه وأسند إليه على جهة قيامه به أو وقوعه منه انتهي فان الفعل "سافر" يسند إلى العبد لكون السفر وقع منه والفعل "مرض " يسند إلى العبد لكون المرض قام به.
٥- من فقه الحديث وما يستنبط منه:
١- ما كان عليه سلف هذه الأمة من إتباع السنة وإرشاد الناس إليها.
٢- المذاكرة في العلم والعناية بالأدلة.
٣- إثبات كتابة أعمال العباد.
٤- أن العبد المسلم إذا كان يعمل عملا في حال صحته فمنعه المرض كتب له مثل عمله في حال الصحة.
٥- أن المسافر يكتب له مثل ما كان يعمل في حال الإقامة كذلك.
٦- تفضل الله على عباده وإنعامه عليهم بإثابتهم على ما فعلوه من الخير وما لم يتمكنوا من فعله.
٧- بيان ضعف المخلوق وأنه لا يخرج عن كونه عبداً لله فلا يجوز أن يصرف له ما لا يستحقه.
٨- أن من مظاهر ضعف العبد طروء المرض عليه.
٩- حاجة الإنسان إلى السفر، وأفضله السفر في الجهاد ومن أجل
ذلك أورد البخاري هذا الحديث في كتاب الجهاد.
١٠- الرد على من زعم أن الأعذار المرخصة لترك الجماعة تسقط الكراهة والإثم خاصة من غير أن تكون محصلة للفضيلة.
стр. 107
١١- الترغيب في المداومة على الطاعة في الصحة والإقامة ليخطي العبد في ثواب فيهما وفي حال المرض والسفر
стр. 108
الحديث السادس
قال البخاري ﵀ في كتاب فضائل الصحابة رضوان الله عليهم:
حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس ﵁ أن رجلا سأل النبي " ﷺ عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله ﷺ فقال: "أنت مع من أحببت". قال أنس: فما فرحنا بشيء فزحنا بقول النبي ﷺ : "أنت مع من أحببت"، قال أنس: فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن أأعمل بمثل أعمالهم ".
стр. 109
المبحث الأول: التخريج:
هذا الحديث أورده البخاري في أربعة مواضع من صحيحه هذا أحدها في باب مناقب عمر بن الخطاب ﵁.
والثاني في كتاب الأدب: باب ما جاء في قول الرجل: ويلك ولفظه:
حدثنا عمرو بن عاصم حدثنا همام عن قتادة عن أنس أن رجلا من أهل البادية أتي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله متى الساعة قائمة؟ فقال؟ "ويلك وما أعددت لها؟ " قال: ما أعددت لها إلا إني أحب الله ورسوله، فقال: "إنك مع من أحببت". فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: نعم، ففرحنا يومئذ فرحا شديداً فمر غلام للمغيرة- وكان من أقراني- فقال: إن أخر هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة، واختصره شعبة عن قتادة: سمعت أنساً عن النبي ﷺ .
والثالث في كتاب الأدب: باب علامة الحب في الله ولفظه: حدثنا عبدان أخبرنا أبى عن شعبة عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبى الجعد عن أنسى بن
стр. 110
مالك أن رجلا سأل النبي ﷺ متى الساعة يا رسول الله؟ فقال: "ما أعددت لها؟ " قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله، فقال: "أنت مع من أحببت".
والرابع في كتاب الأحكام: باب القضاء والفتيا في الطريق ولفظه: حدثنا
عثمان بن أبى شيبة حدثنا جرير عن منصور عن سالم بن أبى الجعد حدثنا أنس بن مالك ﵁ قال بينما أنا والنبي ﷺ خارجان من المسجد فلقينا رجل عن سدة المسجد فقال يا رسول الله متى الساعة؟ قال النبي ﷺ : "ما أعددت لها؟ " فكأن الرجل استكان، ثم قال: يا رسول الله ما أعددت لها كبير صيام ولا صلاة ولا صدقة وإني أحب الله ورسوله. قال: "أنت مع من أحببت".
وأخرج الحديث مسلم في كتاب البر والصلة من صحيحه عن عبد الله ابن مسلمة القعنبي وعن أبى بكر بن أبى شيبة وعمرو والناقد وزهير بن حرب ومحمد بن عبد الله بن نمير وابن أبى عمرو عن محمد بن رافع وعبد بن حميد وعن أبى الربيع العتكي وعن محمد بن عبيد الغبري وعن عثمان بن أبى شيبة واسحاق بن إبراهيم وعن محمد بن يحي بن عبد العزيز اليشكري وعن قتيبة وابن المثنى وابن بشار وأبى غسان المسمعي.
وأخرجه الترمذي في الزهد من جامعه عن ابن حجر.
وأخرج طرفا منه وهو قوله أنت مع من أحببت بلفظ "المرء مع من أحب " البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم من طرق متعددة بل قد حكى بعض العلماء تواتر ذلك، قال ابن كثير في تفسير سورة الشورى: وقد روى من طرق تبلغ درجة التواتر في الصحاح والحسان والسنن والمسانيد وفي بعض الفاظه أن رجلا سأل النبي ﷺ بصوت جهوري وهو في بعض أسفاره فناداه فقال يا محمد فقال له النبي ﷺ نحوا من صوته: هاؤم، فقال له: متى الساعة؟ فقال له النبي ﷺ : "ويحك، إنها كائنة فما أعددت لها؟ " فقال: حب الله ورسوله، فقال