Полный текст (308 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
من السابعة، مات في شعبان سنة خمس وسبعين أي بعد المائة ورمز لكونه من رجال الجماعة، وقال الخزرجي في الخلاصة: الفهمي مولاهم الإمام عالم مصر وفقيهها ورئيسها. وقال الذهبي في الميزان: أحد الأعلام والأئمة الأثبات ثقة حجة بلا نزاع. وذكر الحافظ في تهذيب التهذيب توثيقه عن أحمد وابن سعد وابن معين وابن المديني والعجلي والنسائي ويعقوب بن شيبة وقال: قال ابن حبان في الثقات: كان من سادات أهل زمانه فقها وورعا وعلما وفضلا وسخاء، وقال ابن أبى مريم: ما رأيت أحدا من خلق الله أفضل من الليث وما كانت خصلة يتقرب بها إلى الله إلا كانت تلك الخصلة في الليث، وقال أبو يعلى الخليلي: كان إمام وقته بلا مدافعة، وقال النووي في شرح صحيح مسلم مبينا فضل الليث ومكانته: وأما الليث بن سعد ﵁ فإمامته وجلالته وصيانته وبراعته وشهادة أهل عصره بسخائه وسيادته وغير ذلك من جميل حالاته أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر، ويكفي في جلالته شهادة الإمامين الجليلين الشافعي وابن بكير رحمهما الله تعالى أن الليث أفقه من مالك ﵃ أجمعين، فهذان صاحبا مالك ﵀ وقد شهدا بما شهدا، وهما بالمنزلة المعروفة من الإتقان والورع وإجلال مالك ومعرفتهما بأحواله، هذا كله مع ما قد علم من جلالة مالك وعظم فقهه ﵁. قال محمد بن رمح كان دخل الليث ثمانين ألف دينار ما أوجب الله تعالى عليه زكاة قط، وقال قتيبة: لما قدم الليث أهدى له مالك من طرف المدينة فبعث إليه ألف دينار، وكان الليث مفتى أهل مصر في زمانه انتهى. وقد أفرد الحافظ ابن حجر ترجمته في جزء سماه الرحمة الغيثية بالترجمة الليثية، قال: ورتبتها على ثمانية أبواب على عدد أبواب الجنة.
الثالث: يزيد وهو ابن أبى حبيب قال الحافظ في التقريب: يزيد بن أبى حبيب المصري أبو رجاء واسم أبيه سويد واختلف في ولائه ثقة فقيه وكان يرسل. من الخامسة مات سنة ثمان وعشرين أي بعد المائة وقد قارب الثمانين،
стр. 177
ورمز لكونه من رجال الجماعة. وذكر في تهذيب التهذيب بعفر ثناء الأئمة عليه وتوثيقه عن ابن سعد وأبى زرعة والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن أبي حاتم عن أبيه يزيد بن أبى حبيب عن عقبة بن عامر مرسل. وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: وأما يزيد بن أبى حبيب فكنيته أبو رجاء وهو تابعي، قال ابن يونس: وكان مفتى أهل مصر في زمانه، وكان حليما عاقلا، وكان أول من أظهر العلم بمصر والكلام في الحلال والحرام، وقبل ذلك كانوا يتحدثون بالفتن والملاحم والترغيب بالخير انتهى.
الرابع: أبو الخير قال الحافظ في التقريب: مرثد بن عبد الله اليزني بفتح التحتانية والزاي بعدها نون أبو الخير المصري ثقة فقيه من الثالثة مات سنة تسعين ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال المقدسي في الجمع بينا رجال الصحيحين: ويزن بطن من حمير سمع عقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو وأبا عبد الله الصنابحي وعبد الرحمن بن عسيلة عند هما- أي في الصحيحين- وعبد الرحمن بن وعلة عند مسلم روى عنه يزيد بن أبى حبيب عند هما وجعفر ابن ربيعة وعبد الرحمن بن شماسة عند مسلم، وقال الحافظ. في تهذيب التهذيب: قال ابن يونس: كان مفتى أهل مصر في زمانه، وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة وله فضل وعبادة، ووثقه يعقوب بن سفيان.
الخامس: صحابي الحديث عبد الله بن عمرو ﵄: قال في التقريب: عبد الله بن عمرو بن العاص عن وائل بن هاشم بن سعيد بالتصغير بن سعد بن سهم السهمي أبو محمد وقيل أبو عبد الرحمن أحد السابقين المكثرين من الصحابة وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليال الحرة على الأصح بالطائف على الراجح ورمز لكون حديثه في الكتب الستة. وقال الخزرجى في الخلاصة: عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي أبو محمد بينه وبين أبيه إحدى عشرة سنة له سبعمائة حديث اتفقا على سبعة عشر وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بعشرين، وقال المقدسي في الجمع بين
стр. 178
رجال الصحيحين: كان بينه وبين أبيه ثلاث عشرة سنة، وقال إنه أسلم قبل أبيه، وكان يسكن مكة ثم خرج إلى الشام وانتقل إلى مصر، سمع النبي ﷺ وأبا بكر الصديق عند هما، وروى عنه مسروق وأبو الخير مرثد وحميد بن عبد الرحمن وأبو العباس الشاعر وغزير واحد، قال يحي بن بكير مات سنة خمس وستين وقائل يقول سنة ثمان وستين وسنه اثنتان وتسعون. وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن له عند البخاري ستة وعشرين حديثا، وقال في تهذيب التهذيب: ولم يكن بينه وبين أبيه في السن سوى إحدى عشرة سنة، وأسلم قبل أبيه، وكان مجتهداً في العبادة غزير العلم. وقال في الإصابة: روى عن النبي ﷺ كثيراً، وعن عمر وأبى الدرداء ومعاذ وابن عوف وعن والده عمرو وقال أبو نعيم: حدث عنه من الصحابة ابن عمر وأبو أمامة والمسور والسائب بن يزيد وأبو الطفيل وعدد كثير من التابعين، وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: فأما عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فجلالته وفقهه وكثرة حديثه وشدة ورعه وزهادته وإكثاره من الصلاة والصيام وسائر العبادات وغير ذلك من أنواع الخير فمعروفة مشهورة لا يمكن استقصاؤها فرضي الله عنه..
стр. 179
المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
١- رجال الإسناد الخمسة اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم ماعدا شيخ البخاري فلم يرو له منهم مع البخاري سوى ابن ماجه.
٢- رجال الإسناد الخمسة مصريون، فهو مسلسل بالرواة المصريين، والتسلسل بالرواة المصريين قليل، قال النووي في شرحه لهذا الحديث في صحيح مسلم: وقد رواه مسلم عن شيخه محمد بن رمح عن الليث بمثل إسناده عند البخاري- قال: وهذا من عزيز الأسانيد في مسلم بل في غيره،
стр. 180
فان اتفاق جميع الرواة في كونهم مصريين في غاية القلة، ويزداد قلة باعتبار الجلالة، ثم أخذ يبين جلالة كل منهم وفضله.
٣- ومن اللطائف في ذلك أن أربعة من أصحاب الكتب الستة وهم البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي اتفقوا في رواية هذا الحديث سنداً ومتنا وشيخهم جميعاً فيه قتيبة بن سعيد.
٤- ذكر الحافظ في الفتح أنه لا يعرف اسم الرجل السائل في هذا الحديث فهو يعتبر من مبهمات المتن.
٥- في الإسناد ثلاثة كل منهم مفتى ممر في زمانه وهم أبو الخير ويزيد ابن أبى حبيب والليث بن سعد.
٦- أبو الخير ويزيد بن أبى حبيب تابعيان، فالحديث من رواية تابعي عن تابعي.
٧- عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أحد العبادلة الفقهاء الأربعة في الصحابة وهم: عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في الكلام على الحديث الثاني.
٨- من اللطائف في ترجمة عبد الله بن عمرو ﵄ ما ذكر من أن بينه وبين أبيه إحدى عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة.
стр. 181
المبحث الرابع: شرح الحديث:
١- قوله: أي الإسلام خير؟ معناه أي خصال الإسلام خير؟ وخير أفعل تفضيل حذفت الهمزة من أوله، وكما يرد أفعل تفضيل كما هنا يرد اسما في مقابلة الشر، وقد جمع الله تعالى بينهما في قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُم﴾ فالأولى ما يقابل الشر والثانية أفعل تفضيل.
стр. 182
٢- قوله: أي الإسلام خير؟ مقول لقول محذوف أي سأل النبي ﷺ فقال: أي الإسلام خير وقد صرح بذلك في سنن ابن ماجه حيث قال: أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أي الإسلام خير؟. وتقدم في التخريج.
٣- قوله: تطعم الطعام الخ، قال الحافظ في الفتح: هو في تقدير المصدر أي أن تطعم ومثله تسمع بالمعيدي انتهى. وقد ورد ذكر "أن " قبل الفعل في مسند الإمام أحمد كما تقدم في التخريج.
٤- قوله: تطعم الطعام، قال في الفتح: ذكر الإطعام ليدخل فيه الضيافة أو غيرها.
٥- قوله: وتقرأ السلام، قال في الفتح: وتقرأ بلفظ مضارع القراءة بمعنى تقول، قال أبو حاتم السجستاني: تقول اقرأ ﵇ ولا تقول: أقرئه السلام، فإذا كان مكتوبا قلت: أقرئه السلام أي اجعله يقرأه اهـ. ولعل هذا باعتبار الغالب، فقد ورد لفظ أقرئه السلام في غير المكتوب كما في قول إبراهيم ﵊ لمحمد ﷺ أقرىء أمتك منى السلام الحديث.
٦- قوله: على من عرفت ومن لم تعرف، قال في الفتح: أي لا تخص به أحدا تكبرا أو تصنعا بل تعظيما لشعائر الإسلام ومراعاة لأخوة المسلم، فان قيل اللفظ عام فيدخل الكافر والمنافق والفاسق، أجيب بأنه خص بأدلة أخرى أو أن النهي متأخر وكان هذا عاما لمصلحة التأليف، وأما من شك فيه فالأصل البقاء على العموم حتى يثبت الخصوص، وقال في موضع آخر قال النووي: وهذا العموم مخصوص بالمسلم فلا يبتدىء السلام على كافر. قلت: قد تمسك به من أجاز ابتداء الكافر بالسلام، ولا حجة فيه لأن الأصل مشروعية السلام للمسلم، فيحمل قوله (من عرفت) عليه، وأما (من لم تعرف) فلا دلالة فيه. بل إن عرف أنه مسلم فذاك وإلاّ فلو سلم احتياطا لم يمتنع حتى يعرف أنه كافر، وقال ابن بطال: في مشروعية السلام على غير
стр. 183
المعرفة استفتاح للمخاطبة للتأنيس ليكون المؤمنون كلهم إخوة فلا يستوحش أحد من أحد، وفي التخصيص ما قد يوقع في الاستيحاش ويشبه صدود المتهاجرين المنهي عنه انتهى.
٧- من فقه الحديث، وما يستنبط منه:
١- حرص الصحابة رضوان الله عليهم على الخير ومعرفة الحق.
٢- الرجوع إلى العلماء وسؤالهم عن أمور الدين.
٣- إثبات تفاضل خصال الإسلام.
٤- البحث عن الفاضل من خصال الخير لإيلائه مزيد العناية.
٥- إخلاص العمل لله رجاء مثوبته.
٦- استعمال التواضع والإرشاد إليه.
٧- الحث على إفشاء السلام وأنه من خير خصال الإسلام.
٨- الحث على إطعام الطعام وأنه من خير خصال الإسلام.
٩- فيه دلالة على إكرام الضيف.
١٠- بذل السلام للمعرفة وغير المعرفة.
١١- أنه لو ترك السلام على من لم يعرف احتمل أن يظهر أنه من معارفه فقد يوقعه في الاستيحاش منه.
١٢- الإرشاد إلى أسباب تآلف القلوب واستجلاب ما يؤكد ذلك بين المؤمنين بالقول والفعل من التهادى وإطعام الطعام وإفشاء السلام وغير ذلك.
стр. 184
الحديث الثاني عشر
قال البخاري ﵀ في كتاب فرض الخمس من صحيحه:
حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن عمرو قال سمعت أبا وائل قال: حدثنا أبو موسى الأشعري ﵁ قال: قال أعرابي للنبي ﷺ : الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، ويقاتل ليرى مكانه، من في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
стр. 185
المبحث الأول: التخريج:
هذا الحديث أورده الإمام البخاري في أربعة مواضع من صحيحه هذا أحدها في باب: من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره،
والثاني في كتاب العلم، باب من سأل وهو قائم عالما جالساً، ولفظه: حدثنا عثمان قال أخبرنا جرير عن منصور عن أبى وائل عن أبى موسى قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما القتال في سبيل الله فان أحدنا يقاتل غضبا ويقاتل حمية؟ فرفع إليه رأسه قال: وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ".
والثالث في كتاب الجهاد: باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ولفظه: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن عمرو عن أبى وائل عن أبى موسى ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
والرابع في كتاب التوحيد باب: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ولفظه: حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبى وائل عن أبى موسى قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال:
стр. 186
الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
وأخرجه الإمام مسلم في كتاب الجهاد من صحيحه فقال: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار واللفظ لابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت أبا وائل قال حدثنا أبو موسى الأشعري ﵁ أن رجلا أعرابيا أتي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو في سبيل الله". حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وابن نمير وإسحاق بن إبراهيم ومحمد بن العلاء قال إسحاق أخبرنا وقال الآخرون حدثنا أبو. معاوية عن الأعمش عن شقيق عن أبى موسى قال سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن شقيق عن أبى موسى قال أتينا رسول الله ﷺ فقلنا يا رسول الله: الرجل يقاتل منا شجاعة فذكر مثله، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن منصور عن أبى وائل عن أبى موسى الأشعري أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن القتال في سبيل الله عزوجل فقال: الرجل يقاتل غضبا ويقاتل حمية قال فرفع رأسه إليه وما رفع رأسه إليه إلا أنه كان قائما فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
ورواه أبو داود في سننه في كتاب الجهاد باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. فقال: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبى وائل عن أبى موسى أن أعرابيا جاء إلى رسول الله لمجير فقال: إن الرجل يقاتل للذكر، ويقاتل ليحمد، ويقاتل ليغنم، ويقاتل ليرى مكانه، فقال رسول الله ﷺ : "من قاتل حتى تكون كلمة الله هي أعلى فهو في سبيل الله عزوجل"، حدثنا على بن مسلم حدثنا أبو داود
стр. 187
عن شعبة عن عمرو قال: سمعت من أبى وائل حديثا أعجبني فذكر معناه.
وأخرجه النسائي في الجهاد من سننه باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فقال: أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال حدثنا خالد قال حدثنا شعبة أن عمرو بن مرة أخبرهم قال سمعت أبا وائل قال حدثنا أبو موسى الأشعري قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: الرجل يقاتل ليذكر، ويقاتل ليغنم، ويقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ".
ورواه الترمذي في جامعه في أبواب الجهاد باب ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا فقال: حدثنا هناد، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق بن سلمة عن أبى موسى قال سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل. رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". قال أبو عيسى: وفي الباب عن عمر وهذا حديث حسن صحيح، ورواه ابن ماجه في كتاب الجهاد من سننه باب النية في القتال فقال: حدثنا محمد بن عبد الله ابن نمير حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن أبى موسى قال سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فقال رسول الله ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
وأخرجه أيضاً الإمام أحمد في مسنده.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة عمرو بن مرة وفي ترجمة سفيان الثوري.
وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده.
стр. 188
المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:
الأول: شيخ البخاري محمد بن بشار قال الحافظ في التقريب: محمد بن بشار بن عثمان العبدي البصري أبو بكر بندار ثقة من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين أي بعد المائتين وله بضع وثمانون سمة ورمز لكونه من رجال الجماعة، وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: يلقب بندارأ لأنه كان بندارا في الحديث جمع حديث البصرة، وكان ممن يحفظ حديثه، سمع
стр. 189
محمد بن جعفر غندراً وابن أبى عدى محمداً وعبد الوهاب الثقفي وغير واحد عند هما، روى عنه البخاري ومسلم وأكثر ولد سنة سبع وستين ومائة في السنة التي مات فيها حماد بن سلمة، وقال الخزرجى في الخلاصة ة روى عنه الجماعة وابن خزيمة وابن صاعد وخلق، وقال عنه أبو بكر البصري: الحافظ بندار أحد أوعية العلم ونقل الحافظ في مقدمة الفتح توثيقه عن العجلي والنسائي وابن خزيمة وسماه إمام أهل زمانه والفرهياني والذهلي ومسلمة وأبى حاتم الرازي، وقال الذهبي في الميزان: قد احتج به أصحاب الصحاح كلهم وهو حجة بلا ريب وقال: كان من أوعية العلم.
الثاني: غندر واسمه محمد بن جعفر قال الحافظ في تهذيب التهذيب: محمد بن جعفر الهذلي مولاهم أبو عبد الله البصري المعروف بغندر صاحب الكرابيس روى عن شعبة فأكثر وجالسه نحوا من عشرين سنة وكان ربيبه وذكر جماعة روى عنهم ثم ذكر بعض الذين رووا عنه ومنهم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية ويحي بن معين وعلى بن المديني وبندار، وقال في تقريب التهذيب: ثقة صحيح الكتاب إلا أن فيه غفلة من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين أي بعد المائة ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال في مقدمة الفتح: أحد الأثبات المتقنين من أصحاب شعبة اعتمده الأئمة كلهم حتى قال على بن المديني: هو أحب إلى من عبد الرحمن بن مهدى في شعبة، وقال ابن المبارك: إذا اختلف الناس في شعبة فكتاب غندر حكم بينهم لكن قال أبو حاتم: يكتب حديثه عن غير شعبة ولا يحتج به قلت: أخرج البخاري له عن شعبة كثير أو أخرج له حديثا عن معمر وآخر عن عبد الله بن سعيد بن أبق هند توبع فيهما، وروى له الباقون انتهى. وقال الذهبي في الميزان: أحد الأثبات المتقنين ولاسيما في شعبة وقال: وقال يحي بن معين: كان غندر أصح الناس كتابا أراد بعض الناس أن يخطئه فلم يقدر أخرج إلينا كتابا وقال: اجهدوا أن تخرجوا فيه خطأ. فما وجدنا شيئا، وكان يصوم يوما ويفطر يوما منذ خمسين سنة.
стр. 190
الثالث: شعبة وهو ابن الحجاج تقدم في رجال إسناد الحديث العاشر.
الرابع: عمرو وهو ابن مرة كما في الإسناد عند مسلم وتقدم في التخريج، قال في تقريب التهذيب: عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق الجملي بفتح الجيم والميم المرادي أبو عبد الله الكوفي الأعمى ثقة عابد كان لا يدلس ورمى بالإرجاء من الخامسة، مات سنة ثمان عشرة ومائة وقيل قبلها ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال في مقدمة الفتح: أحد الأثبات من صغار التابعين متفق على توثيقه إلا أن بعضهم تكلم فيه لأنه كان يرى الإرجاء، وقال شعبة: كان لا يدلس، وقد احتج به الجماعة. ونقل في تهذيب التهذيب ثناء الأئمة عليه، ومن ذلك قول مسعر: لم يكن بالكوفة أحب إلى ولا أفضل منه، وقوله: كان عمرو من معادن الصدق.
الخامس: أبو وائل وهو شقيق بن سلمة قال الحافظ في تقريب التهذيب: شقيق بن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي ثقة مخضرم مات في خلافة عمر بن عبد العزيز وله مائة سنة ورمز لكونه من رجال الجماعة، وقال الخزرجى في الخلاصة: أحد سادة التابعين مخضرم عن أبى بكر وعمر وعثمان وعلى ومعاذ بن جبل وطائفة وعنه الشعبي وعمرو بن مرة ومغيرة بن مقسم ومنصور وزبيد. وذكر في تهذيب التهذيب توثيق الأئمة له وثناءهم عليه ومن ذلك قول ابن معين: ثقة لا يسأل عن مثله وقول ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة.
السادس: صحابي الحديث أبو موسى الأشعري ﵁ وقد تقدم في رجال إسناد الحديث الخامس.
стр. 191
المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
١- رجال الإسناد الستة اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج
стр. 192
حديثهم، فهو مسلسل بالرواة الذين خرج لهم البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
٢- النصف الأعلى. من رجال الإسناد كوفيون وفم: أبو موسى وأبو وائل وعمرو بن مرة، والنصف الأدنى بصريون وهم: شعبة وغندر وبندار.
٣- شيخ البخاري محمد بن بشار يلقب بنداراً، وقد اشتهر بلقبه وهو شيخ لبقية أصحاب الكتب الستة أيضاً كل منهم روى عنه مباشرة.
٤- شيخ شيخ البخاري غندر وهو لقب اشتهر به كما اشتهر باسمه أيضاً، وهو محمد بن جعفر وقد ذكر هنا باللقب كما يذكر في مواضع من صحيح البخاري بالاسم أيضاً وقد ذكر بالاسم في سند هذا الحديث عند مسلم كما تقدم في التخريج.
٥- أبو وائل الراوي عن أبى موسى اسمه شقيق بن سلمة وقد اشتهر بكنيته كما اشتهر باسمه وقد جاء ذكره في رجال إسناد هذا الحديث عند مسلم بالاسم وبالكنية كما تقدم في التخريج كما ورد ذكر؟ بالاسم في إسناد هذا الحديث عند الترمذي. وابن ماجه كما في التخريج أيضاً، ومعرفة مثل ذلك من الأمور المهمة في مصطلح الحديث، قال الحافظ في شرحه لنخبة الفكر: ومن المهم في هذا الفن معرفة كنى المسمين ممن اشتهر باسمه وله كنية لا يؤمن أن يأتي في بعض الرواية مكنيا لئلا يظن أنه آخر، ومعرفة أسماء المكنين وهو عكس الذي قبله انتهى.
٦- في الإسناد تابعيان وهما أبو وائل وعمرو بن مرة، فالحديث من رواية تابعي عن تابعي.
٧- هذا الحديث رواه البخاري من طريقين إلى شعبة، في كتاب الجهاد بينه وبين شعبة سليمان بن حرب، وفي كتاب فرض الخمس بينه وبينه واسطتان محمد بن بشار وغندر وإنما رواه نازلا هنا مع روايته له عاليا في كتاب الجهاد إشارة إلى تعدد الطرق إلى شعبة ولأن الطريق النازلة فيها ميزة وهي أن
стр. 193
الراوي فيها عن شعبة محمد بن جعفر الملقب بغندر وهو أثبت الناس في شعبة كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في أقوال الأئمة في ترجمته، وقد أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر في شرحه لحديث أورده البخاري في كتاب الإيمان من طريقين في باب ظلم دون ظلم، روى الحديث في إحدى الطريقين عاليا بينه وبين شعبة أبو الوليد الطيالسي، ورواه نازلا في الطريق الأخرى بينه وبين شعبة بشر بن خالد ومحمد بن جعفر المعروف بغندر قال الحافظ: وغندر أثبت الناس في شعبة ولهذا أخرج المؤلف روايته مع كونه أخرج الحديث عاليا عن أبى الوليد انتهى.
стр. 194
المبحث الرابع: شرح الحديث:
١- الأعرابي السائل في هذا الحديث قال الحافظ ابن حجر في الفتح: يصلح أن يفسر بلاحق بن ضميرة وحديثه عند أبى موسى المديني في الصحابة. من طريق عفير بن معدان سمعت لاحق به ضميرة الباهلي قال: وفدت على النبي ﷺ فسألته عن الرجل يلتمس الأجر والذكر فقال لا شيء له، الحديث. وفي إسناده ضعف انتهى.
٢- قوله: يقاتل للمغنم أي لطلب الغنيمة. والرجل يقاتل ليذكر، أي ليذكر بين الناس ويشتهر بالشجاعة وفي بعض روايات هذا الحديث: ويقاتل شجاعة، وقوله: ويقاتل ليرى مكانه: وفي رواية: ويقاتل رياء، وفي رواية: ويقاتل حمية، وفي رواية: ويقاتل غضبا: قال الحافظ ابق حجر بعد الإشارة إلى تلك الروايات فالحاصل من رواياتهم أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء طلب المغنم وإظهار الشجاعة والرياء والحمية والغضب. وكل منها يتناوله المدح والذم فلهذا لم يحصل الجواب بالإثبات ولا بالنفي.
٣- قوله: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، قال الحافظ في الفتح: المراد بكلمة الله: دعوة الله إلى الإسلام ويحتمل أن يكون المراد أنه لا
стр. 195
يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط، بمعنى أن لو أضاف إلى ذلك سببا من الأسباب المذكورة أخل بذلك، ويحتمل أن لا يخل إذا حصل ضمنا لا أصلا ومقصودا وبذلك صرح الطبري فقال: إذا كان أصل الباعث هو الأول لا يضره ما عرض له بعد ذلك وبذلك قال الجمهور لكن روى أبو داود والنسائي من حديث أبى أمامة بإسناد جيد قال: جاء رجل فقال يا رسول الله أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ قال: لا شيء له فأعادها ثلاثا كل ذلك يقول: لا شيء له. ثم قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغى به وجهه"، ويمكن أن يحمل هذا على من قصد الأمرين معا على حد واحد فلا يخالف المرجح أولا فتصير المراتب خمسا أن يقصد الشيئين معا أو يقصد أحدهما صرفا أو يقصد أحدهما ويحصل الآخر ضمنا فالمحذور أن يقصد غير الإعلاء فقد يحصل الإعلاء ضمنا وقد لا يحصل ويدخل تحته مرتبتان وهذا ما دل عليه حديث أبى موسى ودونه أن يقصد هما معا فهو محذور أيضا على ما دل عليه حديث أبى أمامة والمطلوب أن يقصد الإعلاء صرفا، وقد يحصل غير الإعلاء وقد لا يحصل ففيه مرتبتان أيضا قال ابن آبى جمرة: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه انتهى، ويدل على أن دخول غير الإعلاء ضمنا لا يقدح في الإعلاء إذا كان الإعلاء هو الباعث الأصلي ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن حوالة قال بعثنا رسول الله ﷺ على أقدامنا لنغنم فرجعنا ولم نغنم شيئا فقال: "اللهم لا تكلهم إلى"، الحديث.
٤- (كلمة الله) في هذا الحديث بينها رسول الله ﷺ في قوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله"، وهو من إطلاق الكلمة مرادا بها الكلام ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ الآية.
стр. 196
٥- قوله: فهو في سبيل الله: سبيل الله الطريق الموصلة إليه وتطلق على كل ما شرعه الله كما تطلق مرادا بها الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام ومن الأول قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ ومن الثاني هذا الحديث.
٦- في إجابة النبي ﷺ السائل بقوله: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله شاهد لما يعرف في فق البلاغة بأسلوب الحكيم فان هذا الجواب. مشتمل على إجابته عما سأل عنه وزيادة مع اختصاره وإيجازه وهو من جوامع كلمه ﷺ ، وذلك أنه لو أجابه بأن جميع ما ذكره ليس في سبيل الله احتمل أن يكون ماعدا ذلك كله في سبيل الله وليس كذلك فعدل إلى لفظ جامع عدل به عن الجواب عن ماهية القتال إلى حال المقاتل، فتضمن الجواب وزيادة، ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: "فهو" راجعا إلى القتال الذي في ضمن قاتل أي فقتاله قتال في سبيل الله، واشتمل طلب إعلاء كلمة الله على طلب رضاه وطلب ثوابه وطلب دحض أعدائه وكلها متلازمة، قال ذلك الحافظ ابن حجر، وقال: قال ابن بطال: إنما عدل النبي عبيد عن لفظ جواب السائل لأن الغضب والحمية قد يكونان لله فعدل النبي ﷺ عن ذلك إلى لفظ جامع فأفاد دفع الإلباس وزيادة الإفهام.
٧- من فقه الحديث، وما يستنبط منه:
١- الرجوع إلى العلماء وسؤالهم عن أمور الدين.
٢- بيان أن الأعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة، والحديث شاهد لحديث إنها الأعمال بالنيات.
٣- أن الفضل الذي ورد في المجاهدين مختص بمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
٤- جواز السؤال عن العلة.
стр. 197
٥- تقدم العلم على العمل.
٦.- ذم الحرص على الدنياء وعلى القتال لخط النفس في غير الطاعة.
٧- إطلاق الكلمة مرادا بها الكلام.
٨- أن من حسن إجابة المفتي أن تكون فتواه وفية بغرض السائل وزيادة.
стр. 198
الحديث الثالث عشر:
قال الإمام البخاري ﵀ في كتاب الإيمان من صحيحه:
حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس عن النبي عظيم ح. وحدثنا آدم قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس قال: قال النبي ﷺ . " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين"..
стр. 199
المبحث الأول: التخريج:
هذا الحديث أورده الإمام البخاري في صحيحه في موضع واحد في باب حب الرسول ﷺ من الإيمان، أورده عقب حديث أبى هريرة ﵁ ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: "فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده".
وروى مسلم حديث أنس هذا في كتاب الإيمان من صحيحه فقال: وحدثني زهير بن حرب حدثنا إسماعيل بن علية ح وحدثنا شيبان بن أبى شيبة حدثنا عبد الوارث كلاهما عن عبد العزيز عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن عبد". وفي حديث عبد الوارث " الرجل " حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين "، حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا محمد ابن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين
ورواه النسائي في باب علامة الإيمان فقال: أخبرنا حميد بن مسعدة قال حدثنا بشر- يعنى ابن المفضل- قال: حدثنا شعبة عن قتادة أنه سمع أنسا يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين". أخبرنا الحسين بن حريث قال: أنبأنا إسماعيل عن
стр. 200
عبد العزيز ح. وأنبأنا عمران بن موسى قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا عبد العزيز عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وأهله والناس أجمعين".
ورواه ابن ماجه في أوائل شنه فقال: حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"..
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده.
стр. 201
المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:
أول رجال الإسناد الأول: شيخ البخاري يعقوب بن إبراهيم، قال الحافظ في التقريب: يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن أفلح العبدي مولاهم أبو يوسف الدورقي ثقة من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين أي بعد المائتين وله ست وتسعون سنة وكان من الحفاظ ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال الخزرجى في الخلاصة: روى عن يحي بن أبى زائدة ومعتمر بن سليمان وعبد العزيز بن أبى حازم وخلق وعنه الجماعة، قال الخطيب: كان حافظا متقنا صنف المسند، وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: العبدي مولى عبد القيس أبو يوسف الدورقي الحافظ البغدادي. وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: يكنى أبا يوسف أخو أحمد القيسي مولى لعبد القيس وليس من بلد دورق وإنما كانوا يلبسون قلانس تسمى الدورقية فنسبوا إليها. وقال: قال أبو العباس السراج. ولد يعقوب سنة ست وستين ومائة وكان بينه وبين أخيه أحمد سنتان ومات سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
الثاني: ابن علية قال الحافظ في التقريب: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم أبو بمضر البصري المعروف بابن عليه ثقة حافظ من الثامنة مات سنة ثلاث وتسعين أي بعد المائة وهو ابن ثلاث وثمانين سنة ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين:
стр. 202
الأسدي البصري مولى بنى أسد بن خزيمة يكنى أبا بشر وأمه علية مولاة لبنى أسد ونقل في تهذيب التهذيب توثيق الأئمة له وثناءهم عليه ومن ذلك قول شعبة: إسماعيل بن علية ريحانة الفقهاء وقوله أيضا: ابن علية سيد المحدثين وقول أحمد: إليه المنتهي في التثبت بالبصرة، وقول ابن المديني: ما أقول إن أحداً أثبت في الحديث من ابن علية انتهى. وقال الذهبي في الميزان: وكان حافظا فقيها كبير القدر.
الثالث: عبد العزيز بن صهيب قال الحافظ في التقريب: عبد العزيز ابن صهيب البناني بموحدة ونونين البصري ثقة من الرابعة مات سنة ثلاثين أي بعد المائة ورمز لكونه من رجال الجماعة وقال الخزرجى في الخلاصة: عبد العزيز بن صهيب البناني بنانة بن سعد بن لؤي بن غالب مولاهم البصري عن أنس وشهر وعنه شعبة والحمادان وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: البناني مولاهم البصري الأعمى ونقل توثيقه عن أحمد وابن معين وابن سعد والنسائي والعجلي.
الرابع: صحابي الحديث في الإسنادين أنس بن مالك ﵁ وتقدم في رجال إسناد الحديث السادس.
أما بقية رجال الإسناد الثاني فأولهم: شيخ البخاري آدم بن أبى إياس وقد تقدم في رجال إسناد الحديث العاشر.
الثاني: شعبة بن الحجاج وتقدم في رجال إسناد الحديث العاشر أيضا.
الثالث: قتادة قال في التقريب: قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري ثقة ثبت يقال ولد أكمه وهو رأس الطبقة الرابعة مات سنة بضع عشرة أي بعد المائة ورمز لكونه من رجال الجماعة وقال الخزرجى في الخلاصة: أبو الخطاب البصري الأكمه أحد الأئمة الأعلام حافظ مدلس روى عن أنس وابن المسيب وابن سيرين وخلق وعنه أيوب وحميد وحسين
стр. 203
المعلم والأوزاعي وشعبة وعلقمة انتهى. وقال الذهبي في الميزان: حافظ ثقة ثبت لكفه مدلس ورمى بالقدر قال يحي بن معين: ومع هذا فاحتج به أصحاب الصحاح لاسيما إذا قال: حدثنا، مات كهلا انتهى. وقال الحافظ في مقدمة الفتح: قتادة بن دعامة البصري التابعي الجليل أحد الأثبات المشهورين كان يضرب به المثل في الحفظ إلا أنه كان ربما دلس، وقال ابن معين: رمى بالقدر وذكر ذلك عن جماعة، وأما أبو داود فقال: لم يثبت عندنا عن قتادة القول بالقدر والله أعلم واحتج به الجماعة انتهى، وترجم له في تهذيب التهذيب بأكثر من خمس صفحات، ومما ذكره من الثناء عليه قول ابن سيرين: قتادة هو أحفظ الناس، وقول بكير بن عبد الله المزني: ما رأيت الذي هو أحفظ منه ولا أجدر أن يؤدى الحديث كما سمعه، ونقل عن بعض العلماء وصفه بالتدليس، ونقل عن بعضهم أنه روى عن جماعة لم يسمع منهم فهو متصف بالإرسال والتدليس.
стр. 204
المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث
١- رجال الإسنادين السبعة خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلا شيخ البخاري في الإسناد الثاني آدم بن أبى إياس فلم يرو له مسلم وابن ماجه.
٢- رجال الإسنادين السبعة بصريون إلا شيخي البخاري يعقوب فهو بغدادي وآدم عسقلاني نشأ ببغداد.
٣- يعقوب بن إبراهيم الدورقي شيخ البخاري وقد توفي قبله بأربع سنوات وقد شاركه في الرواية عنه مباشرة بقية أصحاب الكتب الستة.
ومما يحسن ذكره هنا أن يعقوب بن إبراهيم هذا ومحمد بن بشار الملقب بنداراً ومحمد بن المثنى الملقب الزمن قد ماتوا في سنة واحدة وهي سنة اثنتين
стр. 205
وخمسين ومائتين، وكل واحد منهم شيخ لأصحاب الكتب الستة، وقد اتفقوا أيضا في سنة الولادة إلا أن يعقوب ولد قبلهما بسنة واحدة حيث كانت ولادته سنة ست وستين ومائة، أما محمد بن بشار ومحمد بن المثنى فقد ولدا في السنة التي مات فيها حماد بن سلمة أي سنة سبع وستين ومائة، ولهذا لما ذكر الحافظ ابن حجر محمد بن المثنى في التقريب قال وكان هو وبندار فرسي رهان وماتا في سنة واحدة، وللبخاري شيخ رابع توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين أيضا وهو زياد بن أيوب الطوسي البغدادي وولد في السنة التي ولد فيها يعقوب بن إبراهيم.
٤- رجال الإسناد الأول كلهم من الموالى إلا الصحابي أنس بن مالك ﵁ وابن علية أسدى ولاء من جهة أبيه وأمه.
٥- ابن علية هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم وعلية اسم أمه اشتهر بالنسبة إليها، وكان يقول: من قال لي ابن علية فقد اغتابني، ومعرفة مثل هذه النسبة من الأمور المهمة في علم مصطلح الحديث، قال الحافظ ابن حجر في شرح نخبة الفكر: ومن المهم معرفة من نسب إلى غير أبيه كالمقداد بن الأسود نسب إلى الأسود الزهري لكونه تبناه وإنما هو مقداد بن عمرو أو إلى أمه كابن علية وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم أحد الثقات وعلية اسم أمه اشتهر بها وكان لا يحب أن يقال له ابن علية، ولهذا كان يقول الشافعي: أنبأنا إسماعيل الذي يقال له ابن علية انتهى.
فإذا ذكر مع اسمه اسم أبيه أو اسم أبيه وجده ثم ذكر منسوبا إلى أمه فانه يتعين شيئان أحدهما أن يعرب " ابن " في النسبة إلى أمه إعراب " ابن " في نسبته إلى أبيه، والثاني أن تثبت الألف في "ابن " في ن! سبته إلى أمه، وقد نبه على هذا النووي في شرحه لصحيح مسلم في كتاب الإيمان لما جاء ذكر المقداد ابن عمرو بن الأسود الكندي وقال: ولهذا الاسم نظائر منها عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم وعبد الله بن أبى ابن سلول، وعبد الله بن مالك ابن بحينة ومحمد بن على ابن الحنفية، وإسماعيل بن إبراهيم ابن علية وإسحاق ابن
стр. 206
إبراهيم ابن راهوية، ومحمد بن يزيد ابن ماجه فكل هؤلاء ليس الأب فيهم ابنا لمن كده فيتعين أن يكتب " ابن " بالألف وان يعرب بإعراب الابن المذكور أولا، فأم مكتوم زوجة عمرو، وسلول زوجة أبى، وبحينة زوجه مالك وأم عبد الله، وكذلك الحنفية زوجة على ﵁، وعلية زوجة إبراهيم، وراهويه هو إبراهيم والد إسحاق، وكذلك ماجه هو يزيد، فهما لقبان والله أعلم، ثم أشار إلى وجه ذكر النسبة إلى الأب والنسبة إلى الأم معا في بعض الأحوال فقال: ومرادهم في هذا كله تعريف الشخص بوصفيه ليكمل تعريفه فقد يكون الإنسان عارفا بأحد وصفيه دون الآخر فيجمعون بينهما ليتم التعريف لكل أحد.
٦- قتادة هو ابن دعامة ولا لبث في عدم نسبته في الإسناد لأنه ليس في رجال البخاري من يسمى قتادة سواه إلا قتادة بن النعمان صاحب رسول الله ﷺ .
٧- ذكر الحافظ ابن حجر في شرحه لنخبة الفكر أن أرفع مراتب التعديل الوصف بأفعل كأوثق الناس أو أثبت الناس أو إليه المنتهي في التثبت انتهى. وفي رجال هذا الإسناد من وصف بذلك فابن علية قال فيه الإمام أحمد: إليه المنتهي في التثبت في البصرة، وقال فيه ابن المديني: ما أقول إن أحدا أثبت في الحديث من ابن علية، وقتادة بن دعامة قال فيه ابن سيرين: قتادة هو أحفظ الناس، وقال بكير بن عبد الله المزني: ما رأيت الذي هو أحفظ منه ولا أجدر أن يؤدى الحديث كما سمعه.
٨- قتادة من المعروفين بالتدليس والراوي عنه في هذا الحديث شعبة ابن الحجاج وهو لا يروى عنه إلا ما سمعه، وقد صرح بالسماع في روايته لهذا الحديث كما في سنن النسائي، وتقدم في التخريج، قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرحه لهذا الحديث: ورواية شعبة عن قتادة مأمون فيها من تدليس قتادة لأنه كان لا يسمع منه إلا ما سمعه وقد وقع التصريح به في هذا الحديث في رواية النسائي انتهى..
стр. 207
٩- المتن المسوق رواية قتادة عن أنس وهو قريب من سياق حديث أبى هريرة وفيه زيادة عليه: والناس أجمعين، أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح وقال: واقتصر يعنى البخاري على سياق قتادة لموافقته لسياق حديث أبى هريرة رضي افه عنه.
١٠- قال الحافظ ابن حجر في الفتح: ولفظ عبد العزيز مثله يعنى مثل لفظ قتادة إلا أنه قال كما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن يعقوب شيخ البخاري بهذا الاسناد (من أهله وماله) بدل (من والده وولده) وكذا لمسلم من طريق ابن علية، وكذا للاسماعيلي من طريق عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز ولفظه: لا يؤمن الرجل، وهو أشمل من جهة و (أحدكم) أشمل من جهة. وأشمل منهما رواية الأصيلي (لا يؤمن أحد) فان قيل: فسياق عبد العزيز مغاير لسياق قتادة، وصنيع البخاري يوهم اتحاد هما في المعنى وليس كذلك، فالجواب أن البخاري يصنع مثل هذا نظرا إلى أصل الحديث لا إلى خصوص ألفاظه انتهى.
١١- ساق البخاري ﵀ الإسناد الأول إلى أخره، ثم عطف عليه الإسناد الثاني ولم يحول الإسناد قبل الوصول إلى أنس ﵁ وهو المروى عنه في الاسنادين معا، ولعل السر في ذلك تغاير صيغة الرواية من أنس ﵁، فسياق روايته عن رسول الله به من طريق عبد العزيز ابن صهيب: عن النبي!، وسياق روايته من طريق قتادة؟ قال النبي ﷺ .
١٢- الإسنادان من أولهما إلى أنس ﵁ متحدان سياقا، فالبخاري يقول في الرواية عن كل من شيخيه: حدثنا وكل من شيخيه يقول عن شيخه: حدثنا، وشيخا شيخيه ابن علية وشعبة كل منهما يقول عن شيخه: عن، وقتادة وعبد العزيز يقولان: عن أنس ﵁.
стр. 208
المبحث الرابع: شرح الحديث
١- قوله: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه" الخ، قال الحافظ
стр. 209
ابن حجر أي إيمانا كاملا، قال الشيخ عبد الرؤف المناوي في فيض القدير: أي إيمانا كاملا، وقال في قوله: حتى أكون أحب إليه. غاية لنفي كمال الإيمان، ومن كمل إيمانه علم أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا بترجيح حبه على حب كل من ولده ووالده والناس أجمعين.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد: لا يؤمن أحدكم: أي الإيمان الواجب والمراد كماله، حتى يكون الرسول ﷺ أحب إلى العبد من ولده ووالده والناس أجمعين. بل ولا يحصل هذا الكمال إلا بأن يكون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه كما في الحديث أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول الله لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي، فقال: "والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال له عمر: فانك الآن أحب إلي من نفسي فقال: الآن يا عمر"، رواه البخاري، فمن قال: إن المنفي هو الكمال فان أراد الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة فقد صدق، وإن أراد أن المنفي الكمال المستحب فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله ﷺ ، قاله شيخ الإسلام ﵀، فمن ادعى محبة النبي ﷺ بدون متابعته وتقديم قوله على قول غيره فقد كذب كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ " فنفي الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول ﷺ ، لكن كل مسلم يكون محبا بقدر ما معه من الإسلام، وكل مسلم لابد أن يكون مؤمنا وإن لم يكن مؤمنا الإيمان المطلق لآن ذلك لا يحصل إلا لخواص المؤمنين.
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه تيسير العزيز الحميد: لا يؤمن أحدكم أي لا يحصل له الإيمان الذي تبرأ به ذمته ويستحق به دخول الجنة بلا عذاب حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من أهله وولده ووالده والناس أجمعين، بل لا يحصل له ذلك حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه أيضا كما في حديث عمر بن الخطاب ﵁ فساقه، وقال: فمن لم يكن كذلك فهو من أصحاب الكبائر إذا لم يكن
стр. 210
كافرا، فانه لا يعهد في لسان الشرع نفي اسم مسمى أمر الله به ورسوله إلا إذا ترك بعض واجباته، فأما إذا كان الفعل مستحبا في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب.. وقال أيضا: وأكثر الناس يدعى أن الرسول عامله أحب إليه مما ذكر فلابد من تصديق ذلك بالعمل والمتابعة له وإلاّ فالمدعى كاذب، فان القرآن بين أن المحبة التي في القلب تستلزم العمل الظاهر بحسبها كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ .
٢- قوله: حتى أكون أحب إليه من والده وولده، ورد في بعض الروايات عند مسلم وغيره (من أهله وماله) بدل (من والده وولده) قال الحافظ ابن حجر: وذكر الولد والوالد أدخل في المعنى لانهما أعز على العاقل من الأهل والمال بل ربما يكونان أعز من نفسه.
٣- قوله: من والده، لفظ الوالد يشمل الوالدة إن أريد به من له الولد، أو يقال اكتفي بذكر أحدهما كما يكتفي عن أحد الضدين بالآخر قاله الحافظ ابن حجر في الفتح.
٤- قوله: والناس أجمعين، من العام المراد به الخصوص، وذكره بعد الوالد والولد من عطف العام على الخاص، وهل يشمل النفس؟ قال الحافظ في الفتح: الظاهر دخولاً انتهى. وتقدم حديث عمر الذي هو نص في نفس الإنسان، ويدل على ذلك أيضا قوله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" فان النفس مما سواهما.
٥- قوله: من والده وولده، قدم الوالد على الولد في رواية أنس هذه ورواية أبى هريرة عند البخاري، والسر في ذلك تقدمه في الزمان والإجلال، أو للأكثرية لأن كل أحد له والد من غير عكس، وقدم الولد على الوالد في رواية النسائي لمزيد الشفقة.
٦- وهل الحكم الذي اشتمل عليه هذا الحديث يكون لسائر الأنبياء والمرسلين أيضا؟ قال الحافظ في الفتح: محبة جميع الرسل من الإيمان، لكن
стр. 211
الأحبية مختصة بسيدنا رسول الله ﷺ .
٧- قال الحافظ في الفتح: ومن علامة الحب المذكور أن يعرض على المرء أن لو خير بين فقد غرض من أغراضه أو فقد رؤية النبي ﷺ أن لو كانت ممكنة، فان كان فقدها أن لو كانت ممكنة أشد عليه من فقد شيء من أغراضه فقد اتصف بالأحبية المذكورة ومن لا فلا، وليس ذلك محصورا في الوجود والفقد بل يأتي مثله في نصر سنته والذبّ عن شريعته وقمع مخالفيها. ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ونقل عن النووي أنه قال: فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة والمطمئنة، فان من رجح جانب المطمئنة كان حبه للنبي ﷺ راجحا، ومن رجح جانب الأمارة كان حكمه بالعكس انتهى. ومعنى ذلك أن لو تعارض عند الإنسان فعل شيء يحبه الله ورسوله قد أمر النبي ﷺ بفعله، ونفسه الأمارة بالسوء لا ترتاح إلى فعله، فان قدم فعل ما شرعه رسول الله ﷺ على ما تهواه نفسه حصل له الاتصاف بالأحبية المذكورة في الحديث، وإن قدم ما تهواه نفسه كان بالعكس.. وقال الكرمإني: ومحبة الرسول ﷺ إرادة طاعته وترك مخالفته وهو من واجبات الإسلام.. وقال ابن القيم في النونية:
فهو المطاع وأمره العالى على ... أمر الورى وأمر ذى السلطان
وهو المقدم في محبتنا على الـ ... أهلين والأزواج والولدان
وعلى العباد جميعهم حتى على الـ ... ـنفس التي قد ضمها الجنبان
٨- السر في الأحبية الثابتة في الحديث كونه ﷺ سبب هداية الناس الذين بعثه الله إليهم إذ أخرجهم الله به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، فلما كان سبب المحبة بين المحب والمحبوب ما يحصل من النفع للمحب كانت محبة الرسول ﷺ مقدمة على محبة أعز الناس إلى الإنسان؟ لأن النفع الذي حصل للمسلم بسبب الرسول لكن هو بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، ولهذا كان للنبي ﷺ أجر عمله ومثل أجور من آمن به من حين بعثه الله إلى
стр. 212
قيام الساعة لأنه ﷺ هو الذي دل الناس على الخير ومن دل على هدى كان له من الأجر مثل أجور من فعله كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ .
٩- من فقه الحديث، وما يستنبط منه:
١- وجوب تقديم محبة الرسول ﷺ على أعز الناس إلى الإنسان.
٢- أن محبة الرسول ﷺ واجبة وهي تابعة لمحبة الله لازمة لها.
٣- أن الأعمال من الإيمان لأن المحبة عمل القلب.
٤- أنه قد ينفي الإيمان عن شخص ولا يخرج بذلك عن الإسلام.
٥- أنه إذا كان هذا شأن محبة الرسول ﷺ فما الظن بمحبة الله؟
٦- الإشارة إلى ما يجب للوالد من التوقير والإجلال وما يجب للولد من الشفقة.
٧- البدء بالأهم فالمهم.
٨- الإشارة إلى أهمية التفكر لأن الأحبية المذكورة تعرف به وذلك أن محبوب الإنسان إما نفسه وإما غيرها، أما نفسه فهو أن يريد بقاءها سالمة من الآفات، هذا حقيقة المطلوب، وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على وجوهه المختلفة حالا ومآلا فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول ﷺ الذي أخرجه الله به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان إما بالمباشرة وإما بالسبب علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الإنتفاعات فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره لأن النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار ذلك والغفلة عنه ولاشك أن حظ الصحابة ﵃ من هذا المعنى أتم لأن هذا ثمرة المعرفة وهم بها أعلم والله الموفق قاله الحافظ ابن حجر ﵀ في مؤلفه العظيم فتح الباري..
стр. 213
الحديث الرابع عشر:
قال الإمام البخاري ﵀ في كتاب الإكراه من صحيحه:
حدثنا محمد بن عبد انته بن حوشب الطائفي حدثنا عبد الوهاب حدثنا أيوب عن أبى قلابة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار".
стр. 214
المبحث الأول: التخريج .
أورد البخاري ﵀ هذا الحديث في أربعة مواضع من صحيحه هذا أحدها في باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر،
والثاني في كتاب الإيمان باب حلاوة الإيمان رواه عن شيخه محمد بن المثنى بمثل روايته عن محمد بن عبد الله بن حوشب متنا وسندا وسياقا إلا أن فيه نسبة عبد الوهاب (الثقفي) وأنس ﵁ يقول فيه: عن رسول الله ﷺ ،
والثالث في كتاب الإيمان أيضا باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان، ولفظه: حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ انقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار"،
والرابع في كتاب الأدب باب الحب في الله ولفظه: حدثنا آدم حدثنا شعرة عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
стр. 215
ورواه مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن يحي بن أبى عمرو محمد بن بشار جميعا عن الثقفي قال ابن أبى عمر حدثنا عبد الوهاب عن أيوب عن أبى قلابة عن أنس عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان؟ من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يقذف في النار".
حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت قتادة يحدث عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاث من كن فيه وجه حلاوة الإيمان: من كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه". حدثنا إسحاق بن منصور أنبأنا النضر ابن شميل أنبأنا حماد عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ بنحو حديثهم غير أنه قال: "من أن يرجع يهوديا أو نصرانيا".
ورواه الترمذي في كتاب الإيمان من جامعه عن ابن أبى عمر عن عبد الوهاب بمثل إسناده ومتنه عند مسلم إلا أن فيه بدل (حلاوة الإيمان) (طعم الإيمان) وقال قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وقد رواه قتادة عن أنس عن النبي ﷺ .
ورواه النسائي في كتاب الإيمان أيضاً فقال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا جرير عن منصور عن طلق بن حبيب عن أنس بن مالك قال قال رسول الله عتمة: " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان وطعمه، أن يكون الله عزوجل ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب في الله ويبغض في الله، وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئاً"، أخبرنا سويد ابن نصر قال حدثنا عبد الله عن شعبة عن قتادة قال سمعت أنس بن مالك ﵁ يحدث عن النبي ﷺ قال: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، من أحب المرء لا يحبه إلا لثه عزوجل، ومن كان الله عزوجل ورسوله
следующие страницы →