Полный текст (308 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الأحبية مختصة بسيدنا رسول الله ﷺ .
٧- قال الحافظ في الفتح: ومن علامة الحب المذكور أن يعرض على المرء أن لو خير بين فقد غرض من أغراضه أو فقد رؤية النبي ﷺ أن لو كانت ممكنة، فان كان فقدها أن لو كانت ممكنة أشد عليه من فقد شيء من أغراضه فقد اتصف بالأحبية المذكورة ومن لا فلا، وليس ذلك محصورا في الوجود والفقد بل يأتي مثله في نصر سنته والذبّ عن شريعته وقمع مخالفيها. ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ونقل عن النووي أنه قال: فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة والمطمئنة، فان من رجح جانب المطمئنة كان حبه للنبي ﷺ راجحا، ومن رجح جانب الأمارة كان حكمه بالعكس انتهى. ومعنى ذلك أن لو تعارض عند الإنسان فعل شيء يحبه الله ورسوله قد أمر النبي ﷺ بفعله، ونفسه الأمارة بالسوء لا ترتاح إلى فعله، فان قدم فعل ما شرعه رسول الله ﷺ على ما تهواه نفسه حصل له الاتصاف بالأحبية المذكورة في الحديث، وإن قدم ما تهواه نفسه كان بالعكس.. وقال الكرمإني: ومحبة الرسول ﷺ إرادة طاعته وترك مخالفته وهو من واجبات الإسلام.. وقال ابن القيم في النونية:
فهو المطاع وأمره العالى على ... أمر الورى وأمر ذى السلطان
وهو المقدم في محبتنا على الـ ... أهلين والأزواج والولدان
وعلى العباد جميعهم حتى على الـ ... ـنفس التي قد ضمها الجنبان
٨- السر في الأحبية الثابتة في الحديث كونه ﷺ سبب هداية الناس الذين بعثه الله إليهم إذ أخرجهم الله به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، فلما كان سبب المحبة بين المحب والمحبوب ما يحصل من النفع للمحب كانت محبة الرسول ﷺ مقدمة على محبة أعز الناس إلى الإنسان؟ لأن النفع الذي حصل للمسلم بسبب الرسول لكن هو بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، ولهذا كان للنبي ﷺ أجر عمله ومثل أجور من آمن به من حين بعثه الله إلى
стр. 212
قيام الساعة لأنه ﷺ هو الذي دل الناس على الخير ومن دل على هدى كان له من الأجر مثل أجور من فعله كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ .
٩- من فقه الحديث، وما يستنبط منه:
١- وجوب تقديم محبة الرسول ﷺ على أعز الناس إلى الإنسان.
٢- أن محبة الرسول ﷺ واجبة وهي تابعة لمحبة الله لازمة لها.
٣- أن الأعمال من الإيمان لأن المحبة عمل القلب.
٤- أنه قد ينفي الإيمان عن شخص ولا يخرج بذلك عن الإسلام.
٥- أنه إذا كان هذا شأن محبة الرسول ﷺ فما الظن بمحبة الله؟
٦- الإشارة إلى ما يجب للوالد من التوقير والإجلال وما يجب للولد من الشفقة.
٧- البدء بالأهم فالمهم.
٨- الإشارة إلى أهمية التفكر لأن الأحبية المذكورة تعرف به وذلك أن محبوب الإنسان إما نفسه وإما غيرها، أما نفسه فهو أن يريد بقاءها سالمة من الآفات، هذا حقيقة المطلوب، وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على وجوهه المختلفة حالا ومآلا فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول ﷺ الذي أخرجه الله به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان إما بالمباشرة وإما بالسبب علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الإنتفاعات فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره لأن النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار ذلك والغفلة عنه ولاشك أن حظ الصحابة ﵃ من هذا المعنى أتم لأن هذا ثمرة المعرفة وهم بها أعلم والله الموفق قاله الحافظ ابن حجر ﵀ في مؤلفه العظيم فتح الباري..
стр. 213
الحديث الرابع عشر:
قال الإمام البخاري ﵀ في كتاب الإكراه من صحيحه:
حدثنا محمد بن عبد انته بن حوشب الطائفي حدثنا عبد الوهاب حدثنا أيوب عن أبى قلابة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار".
стр. 214
المبحث الأول: التخريج .
أورد البخاري ﵀ هذا الحديث في أربعة مواضع من صحيحه هذا أحدها في باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر،
والثاني في كتاب الإيمان باب حلاوة الإيمان رواه عن شيخه محمد بن المثنى بمثل روايته عن محمد بن عبد الله بن حوشب متنا وسندا وسياقا إلا أن فيه نسبة عبد الوهاب (الثقفي) وأنس ﵁ يقول فيه: عن رسول الله ﷺ ،
والثالث في كتاب الإيمان أيضا باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان، ولفظه: حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ انقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار"،
والرابع في كتاب الأدب باب الحب في الله ولفظه: حدثنا آدم حدثنا شعرة عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
стр. 215
ورواه مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن يحي بن أبى عمرو محمد بن بشار جميعا عن الثقفي قال ابن أبى عمر حدثنا عبد الوهاب عن أيوب عن أبى قلابة عن أنس عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان؟ من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يقذف في النار".
حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت قتادة يحدث عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاث من كن فيه وجه حلاوة الإيمان: من كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه". حدثنا إسحاق بن منصور أنبأنا النضر ابن شميل أنبأنا حماد عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ بنحو حديثهم غير أنه قال: "من أن يرجع يهوديا أو نصرانيا".
ورواه الترمذي في كتاب الإيمان من جامعه عن ابن أبى عمر عن عبد الوهاب بمثل إسناده ومتنه عند مسلم إلا أن فيه بدل (حلاوة الإيمان) (طعم الإيمان) وقال قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وقد رواه قتادة عن أنس عن النبي ﷺ .
ورواه النسائي في كتاب الإيمان أيضاً فقال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا جرير عن منصور عن طلق بن حبيب عن أنس بن مالك قال قال رسول الله عتمة: " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان وطعمه، أن يكون الله عزوجل ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب في الله ويبغض في الله، وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئاً"، أخبرنا سويد ابن نصر قال حدثنا عبد الله عن شعبة عن قتادة قال سمعت أنس بن مالك ﵁ يحدث عن النبي ﷺ قال: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، من أحب المرء لا يحبه إلا لثه عزوجل، ومن كان الله عزوجل ورسوله
стр. 216
أحب إليه مما سواهما، ومن كان أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إن أنقذه الله منه". أخبرنا على بن حجر قال حدثنا إسماعيل عن حميد عن أنس عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يرجع إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار"،
ورواه الإمام أحمد في المسند عن عبد الوهاب بإسناده وفيه كما يكره أن يوقد له نار فيقذف فيها.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية قبيل ترجمة الصديق ﵁، وفي ترجمة أبى قلابة.
وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد في ترجمة محمد بن الحسن المؤذن الأنباري.
стр. 217
المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد .
الأول: شيخ البخاري محمد بن عبد الله بن حوشب الطائفي قال الحافظ ابن حجر في التقريب: محمد بن عبد الله بن حوشب بمهمله ثم معجمة بوزن جعفر الطائفي نزيل الكوفة صدوق من العاشرة ورمز لكونه من رجال البخاري. وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: سمع إبراهيم بن سعد وهشيما وعبد الوهاب الثقفي روى عنه البخاري في تفسير سورة النساء ومواضع، وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: قال ابن شاهين في الثقات: قال ابن معين: ليس به بأس انتهي ولم أقف لأحد على ذكر سنة وفاته.
الثاني: عبد الوهاب وهو الثقفي كما ورد منسوبا في رواية محمد بن المثنى عند البخاري، قال الحافظ في التقريب: عبد الوهاب بن عبد المجيد ابن الصلت الثقفي أبو محمد البصري ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين من الثامنة مات سنة أربع وتسعين أي بعد المائة عن نحو من ثمانين سنة ورمز لكونه من رجال الجماعة، وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: سمع أيوب السختياني ويحي بن سعيد وخالد الحذاء وعبيد الله بن عمر عند هما أي
стр. 218
في الصحيحين وغير واحد عند مسلم روى عنه بندار وأبو موسى عند هما وذكر جماعة رووا عنه عند البخاري وجماعة عند مسلم ونقل في تهذيب التهذيب توثيقه عن ابن معين والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات وقال على بن المديني: ليس في الدنيا كتاب عن يحي يعنى ابن سعيد الأنصاري أصح من كتاب عبد الوهاب وكلى كتاب عن يحي فهو عليه كل، وقال الترمذي: سمعت قتيبة يقول: ما رأيت مثل هؤلاء الأربعة مالك والليث وعبد الوهاب الثقفي وعباد بن عباد. وقال في مقدمة الفتح: أحد الأثبات، وقال بعد نقل تغيره عن بعض المحدثين قلت: احتج به الجماعة ولم يكثر البخاري عنه والظاهر أنه إنما أخرج له عمن سمع منه قبل اختلاطه كعمرو بن على وغيره، بل نقل العقيلي أنه لما اختلط حجبه أهله فلم يرو في الاختلاط شيئاً والله أعلم.
الثالث: أيوب وهو السختياني قال الحافظ في التقريب: أيوب بن أبى تميمة كيسان السختياني بفتح المهملة بعدها معجمة ثم مثناة ثم تحتانية وبعد الألف نون أبو بكر البصري ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة وله خمس وستون ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال في تهذيب التهذيب: أبو بكر البصري مولى عنزة ويقال مولى جهينة رأى أنس بن مالك وروى عن عمرو بن سلمة الجرمي وحميد بن هلال وأبى قلابة وأناس آخرين سماهم وعنه الأعمش وهو من أقرانه وقتادة وهو من شيوخه والحمادان والسفيانان وشعبة وعبد الوارث ومالك وابن إسحاق وسعيد بن أبى عروبة وابن علية وخلق كثير، ونقل في تهذيب التهذيب توثيقه والثناء عليه عن كثيرين، ومن ذلك قول شعبة: حدثني أيوب وكان سيد الفقهاء، وقول ابن عيينة: ما لقيت مثل أيوب، وقول ابن سعد: كان ثقة ثبتا في الحديث جامعا كثير العلم حجة عدلا، وقول مالك: كان من العالمين العاملين الخاشعين.
الرابع: أبو قلابة قال الحافظ في التقريب: عبد الله بن زيد بن عمرو
стр. 219
أو عامر الجرمي أبو قلابة البصري ثقة فاضل كثير الإرسال، قال العجلي فيه نصب يسير من الثالثة، مات بالشام هاربا من القضاء سنة أربع ومائة وقيل بعدها ورمز لكونه من رجال الجماعة انتهى. روى عن جماعة من الصحابة وأرسل عن آخرين ذكرهم في تهذيب التهذيب ونقل توثيقه عن ابن سعد والعجلي وابن خراش.
الخامس: الصحابي الجليل أنس بن مالك ﵁ تقدم في رجال إسناد الحديث السادس.
стр. 220
المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث .
١- رجال الإسناد الخمسة خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلا شيخ البخاري محمد بن عبد الله بن حوشب الطائفي فلم يرو له منهم سوى البخاري.
٢- رجال الإسناد كلهم بصريون إلا شيخ البخاري فإنه طائفي ثم كوفي.
٣- شيخ شيخ البخاري عبد الوهاب وهو ابن عبد المجيد الثقفي لم ينسبه في الإكراه ونسبه في الإيمان، ولا لبس في عدم نسبته لأنه ليس في رجال البخاري من يسمى عبد الوهاب سواه.
٤- عبد الوهاب بن عبد المجيد تغير قبل وفاته بثلاث سنين، والحكم في رواية المختلط عند المحدثين أن ما حدث به قبل الاختلاط إذا تميز قبل، وإذا لم يتميز توقف فيه، وعبد الوهاب الثقفي لم يحدث بعد اختلاطه، قال الذهبي في الميزان بحد أن نقل عن بعض المحدثين تغيره: قلت لكنه ما ضر تغيره حديثه، فانه ما حدث بحديث في زمن التغير قال العقيلي: حدثنا الحسين بن عبد الله الذارع حدثنا أبو داود قال: تغير جرير بن حازم وعبد الوهاب الثقفي فحجب الناس عنهم انتهى.
стр. 221
المبحث الرابع: شرح الحديث .
١- قوله: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، ثلاث مبتدأ وخبره الجملة بعده وجاز الابتداء بالنكرة لأن التنوين عوض عن المضاف إليه أي ثلاث خصال، (وكن فيه) يحتمل أن تكون تامة أي وجدن فيه، ويحتمل أن تكون ناقصة والتقدير: من كن مجتمعة فيه.
٢- معنى حلاوة الإيمان قال النووي: استلذاذ الطاعات وتحمل المشاق في رضي الله ورسوله ﷺ وإيثار ذلك على عرض الدنيا.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد: الحلاوة هنا هي التي يعبر عنها بالذوق لما يحصل به من لذة القلب ونعيمه وص وره وغذائه وهي شيء محسوس يجده أهل الإيمان في قلوبهم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في فتح المجيد: أخبر النبي ﷺ أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان لأن وجود الحلاوة للشيء يتبع المحبة له فمن أحب شيئا واشتهاه إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك، واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى، قال: فحلاوة الإيمان المتضمنة للذة والفرح تتبع كمال محبة العبد لله، وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة وتفريعها ودفع ضدها، فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما،
стр. 222
الحديث الخامس عشر:
قال الإمام البخاري ﵀ في كتاب أحاديث الأنبياء من صحيحه:
حدثنا الحميدي حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري يقول أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس سمع عمر ﵁ يقول على المنبر: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله".
стр. 223
المبحث الأول: التخريج:
هذا الحديث أورده البخاري في باب قول الله تعالى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ وأورده ضمن خطبة خطبها عمر ﵁ وذلك في كتاب المحاربين في باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت، وسنده: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب عن. عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس، وسياق محل الشاهد منه قول عمر ﵁: ألا ثم إن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرى عيسى بن مريم وقولوا عبد الله ورسوله". وهذا الحديث مما انفرد به البخاري عن مسلم،
وأخرجه الحميدي في مسنده عن سفيان بهذا الإسناد ومتنه: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده ورسوله".
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده عن هشيم عن الزهري وعن عبد الرراق عن معمر عن الزهري وعن إسحاق بن عيسى الطباخ عن مالك بن أنس عن الزهري مطولا وعن سفيان بن عيينة عن الزهري كلها عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر ﵄ وسياق رواية سفيان: " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبده ورسوله".
وقد أشار الحافظ ابن كثير في تفسيره في آخر سورة النساء إلى أن على بن المديني
стр. 224
رواه عن سفيان بن عيينة عن الزهري بمثل رواية أحمد في مسنده وقال وقال على بن المديني: هذا حديث صحيح مسند انتهى.
ورواه الدارمي في سننه في باب قول النبي ﷺ لا تطروني، فقال أخبرنا عثمان بن عمر حدثنا مالك عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما تطرى النصارى عيسى بن مريم، ولكن قولوا عبد الله ورسوله".
стр. 225
المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد
الأول: شيخ البخاري الحميدي، قال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: عبد الله. بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن الزبير بن عبد الله ابن حميد وإليه ينسب أبو بكر الحميدي القرشي المكي سمع سفيان بن عيينة وكان من أثبت الناس فيه وقال جالسته تسع عشرة سنة أو نحوها والوليد بن مسلم ووكيعا ومروان بن معاوية وبشر بن بكير روى عنه البخاري في أول كتابه حديث: الأعمال بالنيات وغير موضع، وقال فيه الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: ثقة حافظ فقيه أجل أصحاب ابن عيينة من العاشرة مات سنة تسع عشرة أي بعد المائتين وقيل بعدها، قال الحاكم: كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غديره ورمز لكونه من رجال البخاري وأبى داود والنسائي والترمذي ومسلم في مقدمة صحيحه وابن ماجه في التفسير، وقال الحافظ في شرحه لأول حديث في صحيح البخاري: هو أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى منسوب إلى حميد بن أسامة بطن من بنى أسد ابن عبد العزى بن قصى رهط خديجة زوج النبي ﷺ يجتمع معها في أسد يجتمع مع النبي ﷺ رو في قصى وهو إمام كبير مصنف رافق الشافعي في الطلب عن ابن عيينة وأخذ عنه الفقه ورحل معه إلى مصر ورجع بحد وفاته إلى مكة إلى أن مات بها سنة تسع عشرة ومائتين، وفي تهذيب التهذيب لابن حجر قال أحمد: الحميدي عندنا. إمام، وقال أبو حاتم: هو أثبت الناس في ابن عيينة
стр. 226
وهو رئيس أصحابه وهو ثقة إمام، وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا الحميدي وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه وفيه غير ذلك من ثناء الأئمة عليه ﵀.
الثاني: سفيان وهو ابن عيينة قال والحافظ في تقريب التهذيب: سفيان ابن عيينة بن أبى عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي ثقة حافظ فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بآخره وكان ربما دلس لكن عن الثقات من رؤوس الطبقة الثامنة وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار مات في رجب سنة ثمان وتسعين أي بعد المائة وله إحدى وتسعون سنة ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال في شرحه لأول حديث في صحيح البخاري: هو سفيان بن عيينة بن أبى عمران الهلالي أبو محمد المكي أصله ومولده الكوفة، وقد شارك مالكاً في كثير من شيوخه وعاش بعده عشرين سنة، وكان يذكر أنه سمع من سبعين من التابعين، وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: يكنى أبا محمد الهلالي سكن مكة وقيل اسم جده أبى عمران ميمون مولى بنى عبد الله بن رويبة من بنى هلال بن عامر سمع الزهري وعمرو بن دينار وغير واحد من التابعين وغيرهم عند هما أي في الصحيحين، وروى عنه أبو نعيم الفضل وأبو الوليد الطيالسي وعبد الله بن موسى والحميدي وعلى بن المديني وغيرهم عند البخاري وسعيد بن منصور وقتيبة وبشر بن الحكم ويحي بن يحي وغير واحد عند مسلم، وقال الذهبي في الميزان: أحد الأثبات الأعلام أجمعت الأمة على الاحتجاج به وكان يدلس لكن المعهود منه أنه لا يدلس إلا عن ثقة وكان قوى الحفظ وما في أصحاب الزهري أصغر سنا منه ومع هذا فهو من أثبتهم ونقل عن ابن عمار عن يحي القطان أن ابن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة فمن سمع منه فيها فسماعه لا شيء ثم ذكر الذهبي أنه سمع منه فيها محمد بن عاصم صاحب الجزء العالي وقال: ويغلب على ظني أن سائر شيوخ الأئمة الستة سمعوا منه قبل سنة سبع، فأما سنة ثمان وتسعين ففيها مات ولم يلقه أحد فيها لأنه توفي قبل قدوم الحاج بأربعة أشهر. ونقل في
стр. 227
تهذيب التهذيب الكثير من ثناء الأئمة عليه ومن ذلك قول ابن حبان في الثقات: كان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع والدين، وقول اللالكائي: هو مستغن عن التزكية لتثبته وإتقانه وأجمع الحفاظ أنه أثبت الناس في عمرو بن دينار، وقول ابن مهدى: كان أعلم الناس بحديث أهل الحجاز، وقول ابن وهب: ما رأيت أحدا أعلم بكتاب الله من ابن عيينة، وقال أبو مسلم المستملى: سمعت ابن عيينة يقول: سمعت من عمرو بن دينار ما لبث نوح في قومه.
وذكر ابن حبان في مقدمة صحيحه أنه لا يحتج بأخبار الثقات العدول من المدلسين إلا ما بينوا السماع فيما رووا ثم قال: اللهم إلا أن يكون المدلس يعلم أنه ما دلس قط إلا عن ثقة فإذا كان كذلك قبلت روايته وإن لم يبين السماع وهذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده فانه كان يدلس، ولا يدلس إلا عن ثقة متقن ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا وجد ذلك الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه انتهى..
الثالث: الزهري محمد بن مسلم بن شهاب تقدم في رجال إسناد الحديث الأول.
الرابع: عبيد الله بن عبد الله وهو ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة تقدم في رجال إسناد الحديث الثاني.
الخامس: عبد الله بن عباس ﵄ أحد العبادلة الأربعة من فقهاء الصحابة وتقدم في رجال إسناد الحديث الثاني، وأضيف هنا أن العبادلة الأربعة نظمهم السيوطي في ألفيته فقال:
والبحر وابنا عمر وعمرو ... وابن الزبير في اشتهار يجرى
دون ابن مسعود لهم عبادلة ... وغلطوا من غير هذا مال له
السادس: عمر بن الخطاب ﵁: الصحابي الجليل أحد العشرة المبشرين بالجنة وثاني الخلفاء الراشدين صاحب المناقب العظيمة
стр. 228
الذي لا يسلك فجا إلا وهرب الشيطان من ذلك الفج بشهادة الرسول الكريم ﷺ تقدم في رجال الحديث الثامن.
стр. 229
المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
١- رجال الإسناد الستة خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلا شيخ البخاري فان مسلما لم يخرج له في الصحيح وروى له في المقدمة وابن ماجه روى له في التفسير.
٢- شيخ البخاري وشيخ شيخه مكيان وبقية رجال الإسناد مدنيون.
٣- في الإسناد صحابيان وتابعيان فالحديث من رواية صحابي عن صحابي وهو أيضا من رواية تابعي عن تابعي.
٤- اجتمع في الإسناد أحد العبادلة الأربعة من الصحابة وهو عبد الله ابن عباس وأحد الفقهاء السبعة من التابعين وهو عبيد الله بن عبد الله بن عتمة ابن مسعود.
٥- اشتمل هذا الإسناد على أربع من صيغ الأداء وهي التحديث والسماع والإخبار والعنعنة.
٦- هذا الإسناد مماثل في الجملة لإسناد أول حديث أخرجه البخاري في صحيحه وهو حديث إنما الأعمال بالنيات فالصحابي فيهما عمر بن الخطاب ﵁ وشيخ البخاري وشيخ شيخه فيهما الحميدي وسفيان بن عيينة.
٧- سفيان بن عيينة من المدلسين وهو معروف بالتدليس عن الثقات خاصة وقد تقدم قول ابن حبان فيه: وهذا يعنى التدليس عن الثقات خاصة، ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده فانه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا وجد ذلك الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه انتهى. وهذا الحديث
стр. 230
قد صرح في روايته له بالسماع من الزهري في هذا الإسناد.
٨- ابن شهاب الزهري: وصفه الذهبي في الميزان بأنه يدلس نادرا، وقد صرح بالأخبار في رواية هذا الحديث عن عبيد الله فانتفي احتمال التدليس.
٩- شيخ البخاري اشتهر بالنسبة إلى جده حميد ولهذا يذكره البخاري وغيره مقتصرين على النسبة، وقد اشتهر بهذه النسبة رجل آخر من رجال الحديث لكنه متأخر كثيرا عن هذا، وهو أبو عبد الله محمد بن فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد الحميدي الأندلسي المتوفى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة مؤلف كتاب الجمع بين الصحيحين وكتاب جذوة المقتبس وغير هما.
١٠- سفيان بن عيينة: هو أحد السفيانين فيما إذا قيل في ترجمة رجل دونهما روى عن السفيانين أو رجل فوقهما روى عنه السفيانان، والثاني منهما سفيان الثوري وقد تقدم في رجال إسناد الحديث الثامن.
стр. 231
المبحث الرابع: شرح الحديث:
١- قوله ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم"، الإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه. والمعنى لا تمدحوني بالباطل أو لا تجاوزوا الحد في مدحي فتغلوا كما غلت النصارى في عيسى فادعوا ألوهيته.
٢- قوله: "فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله"، أي صفوني بذلك كما وصفني به ربى وقولوا عبد الله ورسوله، وقد وصف الله نبيه ﷺ بذلك في أشرف المقامات فقال في ذكر الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ وقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ وبذلك استحق التقديم على الناس في الدنيا والآخرة ولذلك يقول عيسى بن مريم ﵊ يوم القيامة إذا طلبوا منه الشفاعة بعد غيره من الأنبياء: اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته
стр. 232
لله تعالى، فاله شارح الحاوية.
٣- قوله: "كما أطرت النصارى ابن مريم"، قد بين الله تعالى في كتابه العزيز ما كان عليه النصارى من الغلو وحذرهم من ذلك ومن ذلك قوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ .
٤- قوله: فقولوا عبد الله ورسوله، جمع ﷺ بين وصفه بكونه عبد الله ووصفه بكونه رسوله دفعا للإفراط والتفريط، دفعا للإفراط والإطراء والغلو لأنه عبد الله تعالى، ودفعا للتقصير والتفريط بترك متابعته وعدم الأخذ بسنته والسير على نهجه الذي أرسله الله به، ورحم الله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب إذ يقول: عبد لا يُعبد ورسول لا يكذب بل يطاع ويتبع، وهذا هو مقتضى شهادة أن محمدا رسول الله، فان معناها كما قال ﵀: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما عنه نهي وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شارع.
٥- لما كان أهل الكتاب بالنسبة لعيسى ﵊ طرفي نقيض النصارى في جانب الإفراط حيث غلوا فيه ورفعوه إلى المنزلة التي لا يستحقها والتي لا تليق إلا بالله وحده لا شريك له، وفي جانب التفريط أيضا حيث حرفوا وبدلوا وخالفوا الشريعة التي جاء بها عيسى ﷺ ، وفي جانب التفريط أيضا اليهود الذين يقتلون الأنبياء ويتنقصون عيسى ﷺ ويصفونه وأمه بما هم برءاء منه لما كان أهل الكتاب في الطرفين المتناقضين، حذرنا الله من سلوك سبيلهم وأمرنا في كل ركعة من ركعات الصلاة أن نسأله الهداية للصراط المستقيم صراط المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين غير الطريق التي سلكها أعداؤه من المغضوب عليهم والضالين. وقد جمع ﷺ بينه وبين عيسى ﷺ في وصف كل منهما بأنه عبد الله
стр. 233
ورسوله حيث قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته: " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" وسر الجمع بينهما عليهما الصلاة والسلام ووصفهما بكونهما عبدي الله ورسوليه بيان أن عقيدة الإسلام في حق عيسى ﵊ أنه عبد الله ورسوله فلا يغلى فيه غلو النصارى من جانب ولا يقصر في حقه كما قصرت النصارى من جانب آخر وكما جفت اليهود لعنة الله عليهم، وبيان أن الواجب في حق محمد ﷺ وصفه بذلك وعدم الإفراط والتفريط، وان وصفه بأنه عبد الله يقتضى اعتقاد أنه لا يستحق أن يصرف له شيء مما لا يستحقه إلا الله تعالى، ووصفه بأنه رسول الله يقتضى تصديقه في جميع ما يخبربه من أخبار في الماضي وفي المستقبل وفي ما هو موجود غير مشاهد لنا، ويقتضى طاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه، وتقديم محبته ﷺ على النفس والوالد والولد والناس أجمعين، وأن لا يعبد الله إلا على وفق ما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه، هذه عقيدة المسلمين في عيسى ﵊ وفي محمد ﷺ وسط بين طرفي الإفراط والتفريط. ولقد أحسن الشاعر إذ يقول:
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم
٦- قوله: "لا تطروني" الخ، هذا منه ﷺ سد للذرائع التي تؤدى إلى الشرك بالله فالرسول ﷺ ما من خير إلا دل الأمة عليه وما من شر إلا حذرها منه، وكل ما كان الشيء أخطر كانت العناية به أعظم، فالشرك لما كان أعظم الذنوب وأظلم الظلم على الإطلاق، وهو الذنب الذي لا يغفره الله والذي حرم الله على صاحبه الجنة ومأواه النار، لما كان بهذه الخطورة حذر منه ﷺ غاية التحذير ومنع من أي وسيلة تؤدى إليه كما منع من إطرائه في هذا الحديث لئلا يفضى ذلك إلى أعظم محذور، وكما لعن ﷺ اليهود والنصارى في اتخاذهم قبور
стр. 234
أنبيائهم مساجد وهو في شدة المرض الذي مات فيه، كل ذلك حماية منه ﷺ لجناب التوحيد وسد للطرق التي تنتهي إلى الشرك، فصلوات الله وسلامه الأتمان الأكملان على البشير النذير والسراج المنير الذي أرشد الناس إلى كل خير وحذرهم من كل شر.
٧- مدح الرسول ﷺ منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم. فالمحمود هو أن يوصف بكل كمال يليق بالإنسان، فهو ﷺ أعلم الناس وأنصحهم وأخشاهم لله وأتقاهم وأفصحهم لسانا وأقواهم بيانا وأرجحهم عقلا وأكثرهم أدبا وأوفرهم حلما وأكملهم قوة وشجاعة وشفقة وأكرمهم نفسا وأعلاهم منزلة، وكل وصف هو كمال في حق الإنسان فلسيد ولد ادم صلوات الله وسلامه عليه منه القسط الأكبر والحظ الأوفر، وكل وصف يعتبر نقصا في الإنسان فهو أسلم الناس منه وأبعدهم عنه، فلقد اتصف بكل خلق كريم، وسلم من أدنى أي وصف ذميم، وحسبه شرفا قول الله تعالى فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ، قد والله بلغ البلاغ المبين، وأدى الأمانة على أكمل وجه، ونصح للأمة غاية النصح، ببيان ليس وراءه بيان، ونصح يفوق نصح أي إنسان، فكل ثناء على سيد الأولين والآخرين ﷺ من هذا القبيل فهو حق مع الحذر من تجاوز الحد والخروج عن الحق، وما أحلى وأجمل وصفه ﷺ بكونه عبد الله ورسوله تحقيقا لرغبته ﵊ وامتثالا لأمره في قوله في هذا الحديث (وقولوا عبد الله ورسوله) .
والمدح المذموم هو الذي يتجاوز فيه الحد ويقع به المادح في المحذور الذي لا يرضاه الله ولا رسوله يكن وذلك أن يوصف ﷺ بما لا يجوز أن يوصف به إلا الله ﵎ أو أن يصرف له ﷺ ما لا يستحقه إلا الباري جل وعلا. ومن ذلك بعض الأبيات التي قالها البوصيري في البردة مثل قوله:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
فهذا المعنى الذي اشتمل عليه هذا البيت لا يجوز أن يصرف لغير الله ، ولا يستحقه إلا هو وحده لا شريك له، فهو الذي يعاذ به ويلاذ به
стр. 235
ويلتجأ إليه ويعتصم بحبله ويعول عليه وهو الذي قال ﷺ مبينا تفضله وامتنانه على عباده وانه ما بهم من نعمة فمنه تفضلا وامتنانا "لن يدخل أحدكم بعمله الجنة، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي لا أحد سواه يكون كذلك لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا فضلا عمن سواهما. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيَّاهُ﴾ وقال: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ والحاصل أن المدح الذي اشتمل عليه هذا البيت مدح بالباطل الذي حذر منه الرسول كل، ويكون حقا لو قال مناديا ربه:
يا خالق الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
ومثل قوله أيضا يخاطب النبي ﷺ :
فان من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
وهذا لا يليق إلا بمن بيده ملكوت كل شيء فهو القائل عن نفسه ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ، والقائل عنه نبيه ﷺ " واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك" الحديث، فهو وحده الذي من جوده الدنيا والآخرة، وهو وحده الذي من علمه علم اللوح والقلم. أما رسول الله ﷺ فهولا يملك إلا ما أعطاه الله ولا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه عليه، وقد أمره الله أن يقول ﴿لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ، الآية.
وقال له ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ ، وثبت في الصحيحين أنه عن لما نزل عليه قوله تعالى ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ، قال: "يا معشر
стр. 236
قريش أو كلمة نحوها اشتروا أنفسكم لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا بنى عبد مناف لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد ﷺ سليني ما شئت من مالي لا أغنى عنك من الله شيئا". وروى البخاري في صحيحه عن أبى هريرة ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره قال: " لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك"، الحديث.
٨- من فقه الحديث، وما يستنبط منه:
١- نشر سنة رسول الله ﷺ وإعلانها على المنابر.
٢- كمال نصح الرسول ﷺ لأمته وبلاغه البلاغ المبين.
٣- سد الذرائع التي تؤدى إلى الشرك.
٤- بيان ما وقع فيه النصارى من الغلو في عيسى ﵊.
٥- تحذير هذه الأمة أن تقع فيما وقعت فيه النصارى.
٦- الجمع بين الأمر والنهى، وأن على المفتى إذا أرشد إلى المنع من محذور أن يدل على مأمور به هو خير.
٧- وصفه ﷺ بأنه عبد الله ورسوله امتثالا لأمره.
٨- الإشارة في الجمع بين وصفه بكونه عبد الله ووصفه بكونه رسوله إلى دفع الإفراط والتفريط.
٩- بيان أنه ﷺ لا يخرج عن أن يكون عبداً لله تعالى حيث قال: إنما أنا عبده.
стр. 237
الحديث السادس عشر:
قال الإمام البخاري ﵀ في كتاب الرقاق من صحيحه:
حدثنا هدبة بن خالد حدثنا همام حدثنا قتادة حدثنا أنس بن مالك عن معاذ بن جبل ﵁ قال: بينا أنا رديف النبي ﷺ ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل فقال: يا معاذ قلت لبيك يا رسول الله وسعديك ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ قلت لبيك رسول الله وسعديك ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ بن جبل قلت لبيك رسول الله وسعديك قال: "هل تدرى ما حق الله على عباده"؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: "حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا"، ثم سار ساعة ثم قال يا معاذ بن جبل قلت لبيك رسول الله وسعديك قال: "هل تدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوه"؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حق العباد على الله أن لا يعذبهم"..
стр. 238
المبحث الأول: التخريج:
أورد البخاري في صحيحه هذا الحديث في خمسة مواضع هذا أحدها في باب من جاهد نفسه في طاعة الله،
والثاني في كتاب الجهاد باب اسم الفرس والحمار ولفظه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم سمع يحي بن آدم حدثنا أبو الأحوص عن أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون عن معاذ ﵁ قال: كنت ردف النبي عن على حمار يقال له عفير فقال: "يا معاذ هل تدرى ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله"؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فان حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا" فقلت يا رسول الله أفلا أبشر به الناس؟ قال لا
стр. 239
تبشرهم فيتكلوا".
والثالث في كتاب اللباس باب إرداف الرجل خلف الرجل وسياق سنده ومتنه مماثل تماما لما في باب من جاهد نفسه في طاعة الله إلا أنه بدون حرف النداء في الجملة الأولى أي قال معاذ مجيبا النبي ﷺ لبيك رسول الله وسعديك.
والرابع في كتاب الاستئذان باب من أجاب بلبيك وسعديك ولفظه: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا همام عن قتادة عن أنس عن معاذ قال: أنا رديف النبي ﷺ فقال: "يا معاذ" قلت لبيك وسعديك ثم قال مثله ثلاثا "هل تدرى ما حق الله على العباد"؟ قلت: لا، قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا"، ثم سار ساعة فقال: "يا معاذ": قلت لبيك وسعديك، قال "هل تدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم". حدثنا هدبة حدثنا همام حدثنا قتادة عن أنس عن معاذ بهذا.
والخامس في كتاب التوحيد باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎ ولفظه: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبى حصين والأشعث بن سليم سمعا الأسود بن هلال عن معاذ بن جبل قال: قال النبي ﷺ "يا معاذ أتدرى ما حق الله على العباد"؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدرى ما حقهم عليه"؟ قال الله ورسوله أعلم، قال: "أن لا يعذبهم".
وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه عن شيخه هداب بن خالد الأزدي بمثل إسناده ومتنه عند البخاري في كتاب اللباس، ورواه عن أبى بكر بن أبى شيبة عن أبى الأحوص بمثل إسناده ومتنه عند البخاري في كتاب الجهاد، ورواه عن محمد بن المثنى وابن بشار عن محمد بن جعفر بمثل إسناده ونحو متنه عند البخاري في كتاب التوحيد، ورواه عن شيخه القاسم ابن زكريا عن حسين عن زائدة عن أبى حصين بنحو حديث شيوخه المذكورين.
وروى أبو داود في سننه في كتاب الجهاد باب في الرجل يسمى دابته عن شيخه هناد بن السري بإسناده إلى معاذ قوله: كنت ردف النبي ﷺ على حمار يقال له عفير،
وأخرجه الترمذي في آخر كتاب الإيمان من جامعه
стр. 240
فقال: حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود حدثنا سفيان عن أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "أتدرى ما حق الله على العباد"؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فان حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، قال: أتدرى ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك": قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "أن لا يعذبهم"، هذا حديث حسن صحيح وقد روى من غير وجه عن معاذ بن جبل.
стр. 241
المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد .
الأول: شيخ البخاري هدبة بن خالد قال الحافظ ابن حجر في التقريب: هدبة بضم أوله وسكون الدال بعدها موحدة بن خالد بن الأسود القيسي أبو خالد البصري ويقال له هداب بالتثقيل وفتح أوله ثقة عابد تفرد النسائي بتليينه من صغار التاسعة، مات سنة بضع وثلاثين أي بعد المائتين ورمز لكونه من رجال الشيخين وأبى داود، وقال المقدسي في الجمع بين رجال الصحيحين: هدبة بن خالد بن الأسود بن هدبة أبو خالد القيسي البصري أخو أمية ويقال هداب سمع هماما عند هما أي في الصحيحين- وحماد بن سلمة وسليمان بن المغيرة عند مسلم روى عنه البخاري ومسلم مات سنة ست أو سبع أو ثمان وقيل خمس وثلاثين ومائتين انتهى، ونقل في تهذيب التهذيب توثيقه عن ابن معين ومسلمة بن القاسم، وقال الذهبي في الميزان: هدبة بن خالد القيسي البصري ولقبه هداب ثقة عالم صاحب حديث ومعرفة وعلو إسناد شهد جنازة شعبة وروى عن جرير بن حازم وحماد بن سلمة وأبان بن يزيد، وعنه البخاري ومسلم وأبو داود والفريابي وأبو يعلى والبغوي والناس، وثقه ابن معين وكيره وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن عدى بعد أن ذكره في الكامل: لا أعرف له حديثا منكرا، وأما النسائي فقال. ضعيف وقواه مرة أخرى، وقال عبدان الأهوازي: كنا لا نصلى خلف هدبة من طول صلاته يسبح في السجود نيفا وثلاثين تسبيحه، وكان أشبه خلق الله بهشام بن عمار
стр. 242
لحيته ووجهه وكل شيء منه حتى صلاته، توفي سنة خمس وثلاثين ومائتين. وقال الحافظ في مقدمة الفتح بعد ذكر تضعيف النسائي له: قلت لعله ضعفه في شيء خاص وقد أكثر عنه مسلم ولم يخرج عنه البخاري سوى أحاديث يسيرة من روايته عن همام انتهى. وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: وقد ذكره مسلم في مواضع من الكتاب يقول في بعضها هدبة وفي بعضها هداب، واتفقوا على أن أحدهما اسم والآخر لقب، ثم اختلفوا في الاسم منهما فذكر الخلاف، وقال: وذكره البخاري في تاريخه فقال هدبة بن خالد، ولم يذكره هدابا، فظاهره أنه اختار أن هدبة هو الإسم، والبخاري أعرف من غيره، فانه شيخ البخاري ومسلم ﵏ أجمعين والله أعلم انتهى.
الثاني: همام وهو ابن يحي الأزدي البصري تقدم في رجال إسناد الحديث السابع.
الثالث: قتادة وهو ابن دعامة بن قتادة السدوسي البصري تقدم في رجال إسناد الحديث الثالث عشر.
الرابع: أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ﵁ تقدم في
رجال إسناد الحديث السادس.
الخامس: صحابي الحديث معاذ بن جبل ﵁، قال الحافظ ابن حجر في التقريب: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجى أبو عبد الرحمن من أعيان الصحابة شهد بدرا وما بعدها وكان إليه المنتهي في العلم بالأحكام والقرآن، مات بالشام سنة ثمان عشرة مشهور ورمز لكون حديثه في الكتب الستة، وقال الخزرجى في الخلاصة: أبو عبد الرحمن المدني أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة وشهد بدرا والمشاهد، له مائة وسبعة وخمسون حديثا اتفقا أي البخاري ومسلم على حديث وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بحديث وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أنه له عند البخاري ستة أحاديث، وقال الحافظ في ترجمته في الإصابة: الإمام المقدم في علم الحلال
стр. 243
والحرام، وقال: شهد بدرا وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وأمره النبي ﷺ على اليمن، والحديث بذلك في الصحيح من رواية ابن عباس عنه، وقال: وفي سنن أبى داود عن معاذ بن جبل قال: قال لي النبي ﷺ : "إني لأحبك"، الحديث في القول بعد كل صلاة، وعده أنس بن مالك فيمن جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وهو في الصحيح. وفيه عن عبد الله بن عمر ورفعه اقرأوا القرآن من أربعة فذكره فيهم، وقال: وقال أبو نعيم في الحلية: إمام الفقهاء وكنز العلماء شهد العقبة وبدرا والمشاهد، كان من أفضل شباب الأنصار حلما وحياء وسخاء، وكان جميلا وسيما، وقال الحافظ ابن حجر أيضا: وفي حديث أبى قلابة عن أنس عند الترمذي وغيره في ذكر بعض الصحابة مرفوعا: وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، وفي مرسل أبى عون الثقفي عن النبي ﷺ : "يأتي معاذ يوم القيامة أمام الناس برتوة"، أخرجه محمد بن عثمان بن أبى شيبة في تاريخه، وأورده ابن عساكر من طريق عن محمد بن الخطاب، وقال: ومناقبه كثيرة جدا وقدم من اليمن في خلافة أبى بكر، وكان وفاته بالطاعون في الشام سنة سبع عشرة أو التي بعدها وهو قول الأكثر، وعاش أربعا وثلاثين سنة وقيل غير ذلك انتهى.
стр. 244
المبحث الثالث: لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
١- رجال الإسناد الستة خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلا شيخ البخاري فلم يرو له مع البخاري سوى مسلم وأبى داود.
٢- رجال الإسناد كلهم بصريون إلا معاذ بن جبل ﵁ فانه مدني.
٣- في الإسناد صحابيان معاذ بن جبل وأنس بن مالك ﵄ فالحديث من رواية صحابي عن صحابي.
стр. 245
٤- صيغة الأداء في الإسناد التحديث إلا في رواية أنس عن معاذ ﵄ فهي العنعنة.
٥- قتادة من المعروفين بالتدليس وقد صرح في هذا الإسناد بالتحديث فأمن بذلك احتمال تدليسه.
٦- قال الحافظ ابن حجر في نخبة الفكر: ومن المهم معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفي هذا الإسناد شاهد لذلك فهدبة شيخ البخاري كنيته أبو خالد واسم أبيه خالد.
٧- معاذ بن جبل ﵁ قال: بينا أنا رديف النبي ﷺ ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل. ومثل هذا من الصيغ التي يستدل بها على أن الراوي قد ضبط ما رواه، قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح قوله (ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل) . وفائدة ذكره المبالغة في شدة قربه ليكون أوقع في نفس سامعة أنه ضبط ما رواه.
٨- معاذ بن جبل ﵁ رديف النبي ﷺ كما في هذا الحديث، ومن الأمور اللطيفة التي تدل على عناية سلف هذه الأمة بسنة رسول الله ﷺ قولا وفعلا وتقريرا ما ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح عن ابن منده حيث قال في شرحه لهذا الحديث في كتاب اللباس: وقد أفرد ابن منده أسماء من أردفه النبي ﷺ خلفه فبلغوا ثلاثين نفسا.
٩- قال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: تنبيه. هذا من الأحاديث التي أخرجها البخاري في ثلاثة مواضع عن شيخ واحد بسند واحد، وهي قليلة في كتابه جدا ولكنه أضاف إليه في الإستئذان موسى بن إسماعيل، وقد تتبع بعض من لقيناه ما أخرجه في موضعين بسند فبلغ عدتها زيادة على العشرين وفي بعضها يتصرف في المتن بالاختصار منه انتهى. وقد مر في لطائف إسناد الحديث التاسع وهو قول جرير ﵁: "بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم"، أنه منها.
стр. 246
ومنها أيضا حديث حذيفة ﵁ نزلت الأمانة في جذر قلوب الرجال، الحديث. أورده البخاري في كتاب الرقاق وفي كتاب الفتن بإسناد واحد مع الاتفاق في المتن أيضا، وتقدم في المقدمة ما ذكره صاحب كشف الظنون أن التي ذكرها البخاري سندا ومتنا معادا ثلاثة وعشرون حديثا.
стр. 247
المبحث الرابع: شرح الحديث .
١- هذا الحديث أول حديث أورده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه: كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وذلك لاشتمال هذا الحديث بوضوح على بيان حق الله على عباده، وذلك في قوله ﷺ : "حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا"، وهذا الحق الذي بينه الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه في هذا الحديث مشتمل على النفي والإثبات الذي اشتملت عليه (لا إله إلا الله) ، فان قوله: أن يعبدوه إثبات، وقوله: ولا يشركوا به شيئا نفي، والمراد بذلك نفي جميع أنواع العبادة عن كل ما سواه وإثباتها لته وحده لا شريك له، فكما أنه المنفرد بالخلق والإيجاد والإحياء والإماتة فيجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له، وهذا النفي والإثبات الذي اشتملت عليه هذه الجملة التي بين بها الرسول الكريم عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم حق الله على عباده جاء في آيات كثيرة أورد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه المذكور كثيرا منها قبيل إيراد هذا الحديث ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فقوله (أن اعبدوا الله) إثبات وهو بمعنى: إلا الله، وقوله (واجتنبوا الطاغوت) نفي وهو بمعنى: لا إله، فتحصل من النفي والإثبات معنى (لا إله إلا الله) التي هي كلمة الإخلاص، ومنها قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ﴾ الآية فهي بمعنى (لا إله إلا الله) ، ومنها قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ فجملة الأمر
стр. 248
إثبات وجملة النهي نفي فهي بمعنى لا إله إلا الله، وتنكير (شيئا) لإفادة عدم الإشراك به أي شيء كان، وأن يخص بالعبادة وحده لا شريك له. ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ هو الآية أقن أن تخصوه بالعبادة وحده دون أن تجعلوا له شريكا في شيء منها، وختمت هذه الآيات بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فقوله (فاتبعوه) إثبات (ولا تتبعوا السبل) نهي مؤداه النفي فهي بمعنى: لا إله إلا الله، أما الآية التي افتتح بها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ذلك المؤلف العظيم في توحيد الله تعالى فهي قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ أو وقد اشتملت على بيان الحكمة في خلق الثقلين الجن والإنس وهي أن يعبدوا الله وحده ويخصوه بجميع أنواع العبادة ولا يصرفوا لغيره شيئا منها.
٢- قوله: "بينا أنا رديف النبي ﷺ " قال الحافظ في الفتح: الردف والرديف: الراكب خلف الراكب بإذنه، وردف كل شيء مؤخره، وأصله الركوب على الردف وهو العجز، ولهذا قيل للراكب الأصلي ركب صدر الدابة، وردفت الرجل إذا ركبت وراءه، وأردفته إذا أركبته وراءك.
٣- قوله: "ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل" قال الحافظ في الفتح: الرحل للبعير كالسرج للفرس، وآخرة بالمد وكسر المعجمة بعدها راء هي العود الذي يجعل خلف الراكب يستند إليه، وفائدة ذكره المبالغة في شدة قربه ليكون أوقع في نفس سامعه أنه ضبط ما رواه، وقال الحافظ: ووقع في رواية عمرو ابن ميمون عن معاذ: كنت ردف النبي ﷺ على حمار يقال له عفير، ووقع عند أحمد من رواية عبد الرحمن بن غنم عن معاذ أن النبي ﷺ ركب على حمار يقال له يعفور رسنه من ليف، قال: ويمكن الجمع بأن المراد بآخرة الرحل موضع آخرة الرحل للتصريح هنا بكونه كان على حمار، وإلى ذلك أشار النووي، ومشى ابن الصلاح على أنهما قضيتان انتهى.
٤- قوله: "لبيك"، المراد به: إجابة بعد إجابة أو إجابة لازمة قاله
стр. 249
الحافظ ابن حجر في الفتح. وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: والأظهر أن معناها إجابة لك بعد إجابة للتأكيد.
٥- قوله: "وسعديك"، قال النووي: ومعنى سعديك. أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة، وقال ابن هشام في أوضح المسالك (وسعديك) بمعنى إسعادا لك بعد إسعاد. وقال في باب الإضافة بعد أن قسم المضاف إلى المضمر إلى قسمين وذكر ما يضاف إلى كل مضمر وهو (وحد) قال: وما يختص بضمير المخاطب وهو مصادر مثناة لفظا ومعناها التكرار وهي لبيك بمعنى إقامة على إجابتك بعد إقامة وسعديك بمعنى إسعادا لك بعد إسعاد ولا تستعمل إلا بعد لبيك انتهى. ثم ذكر ألفاظا أخرى تختص بالإضافة إلى ضمير المخاطب أيضا. وقال الحافظ ابن حجر في شرحه لحديث معاذ بن جبل ﵁ في كتاب العلم من صحيح البخاري قوله: قال لبيك يا رسول الله وسعديك، اللب بفتح اللام معناه هنا الإجابة والسعد المساعدة كأنه قال: لباً لك وإسعادا لك ولكنهما ثنيا على معنى التأكيد والتكثير أي إجابة بعد إجابة وإسعادا بعد إسعاد انتهى.
٦- قوله: "هل تدري ما حق الله على العباد؟ " قال الحافظ في الفتح: الحق كل موجود متحقق أو ما سيوجد لا محالة، ويقال للكلام الصدق حق لأن وقوعه متحقق لا تردد فيه، وكذا الحق المستحق على الغير إذا كان لا تردد فيه، والمراد هنا ما يستحقه الله على عباده مما جعله محتما عليهم قاله ابن التيمي في التحرير، وقال القرطبي: حق الله على عباده هو ما وعدهم به من الثواب وألزمهم إياه بخطابه.
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه تيسير العزيز الحميد. قوله: "أتدرى ما حق الله على العباد"، الدراية هي المعرفة، وأخرج السؤال بصيغة الاستفهام ليكون أوقع في النفس وأبلغ في فنهم المتعلم، فان الإنسان إذا سئل عن مسألة لا يعلمها ثم أخبر بها بعد الامتحان
стр. 250
بالسؤال عنها فان ذلك أدعى لفهمها وحفظها، وهذا من حسن إرشاده وتعليمه ﷺ .
٧- قوله: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا"، قال الحافظ في الفتح: المراد بالعبادة عمل الطاعة واجتناب المعاصي وعطف عليها عدم الشرك لأنه تمام التوحيد، والحكمة في عطفه على العبادة أن بعض الكفرة كانوا يدعون أنهم يعبدون الله ولكنهم كانوا يعبدون آلهة أخرى فاشترط نفي ذلك، والجملة حالية والتقدير يعبدونه في حال عدم الإشراك به. قال ابن حبان: عبادة الله إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح ولهذا قال في الجواب: فما حق العباد إذا فعلوا ذلك فعبر بالفعل ولم يعبر بالقول.
٨- قوله: "هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟ " أي إذا فعلوا حقه تعالى فالضمير يرجع إلى قوله: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا".
٩- قوله: "حق العباد على الله أن لا يعذبهم" قال الحافظ في الفتح: قال القرطبي: حق العباد على الله ما وعدهم به من الثواب والجزاء فحق ذلك ووجب بحكم وعده الصدق وقوله الحق الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر ولا الخلف في الوعد.
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد: وحق العباد على الله معناه أنه متحقق لا محالة لأنه قد وعدهم ذلك جزاء على توحيده، ووعده حق إن الله ل! يخلف الميعاد.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في تيسير العزيز الحميد: كون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل ليس هو استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق، فمن الناس من يقول لا معنى للاستحقاق إلا أنه أخبر بذلك ووعده صدق، ولكن أكثر الناس يثبتون استحقاقا زائداً على هذا كما دل عليه الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، ولكن أهل السنة يقولون هو الذي كتب على نفسه الرحمة وأوجب
следующие страницы →