← Адаб

Адаб · id 3944

البيزرة

بازيار العزيز الفاطمي

Полный текст (168 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مبرّأٍ من نظر النحوسِ ... أسعد بالنثليث والتسديسِ بذي دهاء مضحك عبوسِ ... جهم كُسي من صنعة القدوسِ ديباجةً من أحسن اللَّبوسِ ... كأنما يُبتزّ من عروسِ إبليسَ أو أمكر من إبليسِ ... ختَّالٍ أظبٍ مخبِتِ الحسيسِ طبّ بصيد عفرِها والعيسِ ... لا مصحرٍ للوحش بل دسيسِ لًطا لطوّ الحاملِ الحسيسِ ... والسطو سطو القادر الارّيسِ له دبيبٌ ليسَ بالمحسوسِ ... مثل دبيب الماء في الغُروسِ فعلٌ كمتن الجحفل الخميسِ ... وحشٌ يضاهي حيلة الأنيسِ حتى إذا أفضى من التأنيسِ ... إلى سكون النافر الشَّموسِ وحمّتِ الآجالُ للنفوسِ ... أبدلها من نعمةٍ ببوسِ أسرع من عين إلى نفيسٍ ... لاهٍ عن الخشفان بالتيوسِ مبتدئاً منهن بالرؤوسِ ... وجِدّة العيش إلى دروسِ وما من الأيام من محروسِ وقال آخر في صفة الفهد والطريدة: بذلك أبغي الصيد طوراً وتارةً ... بمُخطفَة الاكفال رُحبِ الترائبِ

стр. 107

مرقّقةِ الأذناب نمرٍ ظهورها ... مخططة الآذان غُلب الغواربِ مدرّبةٍ زرقٍ كأن عيونها ... حواجل تستذري متون المراكبِ الحوجلة القارورة، وتستذري يصف مكانها خلف الراكب، وأن ظهره يذريها أي يسترها والذرى الستر ومنه: إذ قلَّبتها في العجاج حسبتها ... سنا ضرَمٍ في ظلمة الليل ثاقبِ مولعة فُطْس الجباه عوابس ... تخال على أشداقها خط كاتبِ نواصب آذان لطاف كأنها ... مَداهِنُ للأجراس من كل جانبِ ذوات أشافٍ رُكَّبت في أكفها ... نوافذَ في صم الصخور نواشبِ فوارس ما لم تلق حرباً ورَجْلة ... إذا آنست بالبيد شهب الكتائبِ تضاءلُ حتى ما تكاد تُبينها ... عيونٌ لدى الصيران غيرُ كواذبِ

стр. 108

حراص يفوت البرق أمكث جريها ... ضراء مِبَلاّت بطول التجاربِ توسّد أجياد الفرائس أذرعاً ... مرمَّلةً تحكي عناق الحبائبِ وهذه تشتمل على معانٍ كثيرة وقد سرقها عبد الصمد بن المعذّل فقال يصف الفهد: قد أغتدي والشمس في أوراقها ... لم تأذن السَّدفة في اشراقها وصحبتي الأمجاد في أعراقها ... على عتاق الخيل من عناقها نُمر بنات القفر من أرزاقها ... تغدو منايا الوحش في أطواقها قد واثقتنا وهي في ميثاقها ... وفيَّة ما الغدر من أخلاقها مذمجةٌ هيِفٌ على أحناقها ... باعدها التنهيم من أشباقها ترى بأيديها لدى اتساقها ... وصيدها بالقاع واتفاقها مثل أشافي القين في انزلاقها ... تقدّ ما تحبط باعتلاقها قد التجار العصب من شقاقها ... كأنها والخزر من حداقها والخطط السود على أشداقها ... تركٌ جرى الأثمد من آماقها باتت إلى الصيد من اشتياقها ... وجذبها الأعناق من ارباقها كأسر العجم في أوهاقها ... تضرم في العزاء من تنزاقها تلهُّب النيران في احتراقها ... حتى إذا آلت إلى متاقها بالسهلة الوعساء من براقها ... في مأمن الصيران من طرّاقها ورعيها الناضر من طبَّاقها ... وآنست بالطرف واستنشاقها

стр. 109

وجعلت تأشير من إقلاقها ... حُلَّت وسمَّينا على إطلاقها وقد حدرنا الوحش من آفاقها ... يسوقها الحَينُ إلى مساقها إدناءك الحور إلى عشاقها ... وهي على الغبراء في التزاقها حدافة تخفى على رمَّاقها ... من ختلها للوحش من اسفاقها كأنها الحيَّات في اطراقها ... أما رأيت الريح في انخراقها ولمعة البارق في ائتلاقها ... وغيبة الشؤبوب في انبعاقها وطيرة الأقداح في انمراقها ... تهوي هويّ الدلو في أرشاقها ما أدرك الطرف سوى لحاقها ... وهصرها الآرام واعتناقها وخصفها الأيدي إلى أعناقها ... شرك الضباع النعل في طراقها شاصية تنشج في آماقها ... تفحص في التامور من مهراقها بطح الغواة الوفذ من زقاقها ... لا نصطفي منها سوى حُذاقها بورك للأمير في رفاقها وقال عبد الله بن المعتز يصف فهدة: ولا صيد إلا بوثَّابةٍ ... تطير على أربع كالعذَبْ فإن أطلقت من قلاداتها ... وطار الغبار وجدّ الطلبْ فزوبعة من بنات الرياح ... تريك على الأرض شيئاً عجبْ

стр. 110

تضم الطريد إلى نحرها ... كضم المحبة من لا يحب قوله من لا يحب مبالغة في وصف تشبثها لأن ضم المحب من يعلم أنه لا يساعده على المحبة أشد توثقاً ولزاماً. وأخذ هذا من قول العرجي: فتلازما عند الوداع صبابة ... أخْذَ الغريمِ ببعض ثوب المعسِرِ والمعسر كاره لتعلق الغريم به، وكان الصواب أن يوقع تشبيهاً يدل على أن كل واحد منهما مضاهٍ لصاحبه بالملازمة، كما قال القائل وهو الجيد: ثم اعتنقنا عناقاً ليس يبلغه ... تلاصق الطلع في طي الكوافير وتشبيه ابن المعتز في هذا حسن لأن الفهد مجتهد في التشبث بالظبي (والظبي مجتهد في التشبث بالظبي) والظبي مجتهد في مغالبته وكذلك ضمّ المحب من لا يحبه: إذا ما رأى عدوها خلفه ... تناجت ضمائره بالعطبْ ألا رب يومٍ لها لا يُذَمّ ... أراقت دماً وأغاثت سَغِبْ لها مجلس في مكان الرديف ... كتركية قد سبتها العربْ ومقلتها سائلٌ كحلُها ... وقد حُلّيت سُبَجاً في ذهبْ غدت وهي واثقة أنها ... تفوز بزاد الخميس الجِبْ فظلت لحوم ظباء الفلاة ... على الجمر معجلة تُنتهبْ كأن سكاكينهم نَشَّرتْ ... معصفرةً فوق جزل الحطبْ

стр. 111

والبيتان اللذان فيهما المعنى مأخوذان من قول عبد الصمد وهما: كأنها والحُزرْ من حداقها ... تُركٌ جرى الأثمد من آماقها وزاد ابن المعتز عليه في ذكر الرديف. وقال الرقاشي في صفته: لما غدا للصيد آل جعفرِ ... رهطُ رسول الله آل المفخرِ بفهدة ذاتِ شوىً مضبّرِ ... وكاهل ناتٍ وعنق أزبرِ ومقلة سال سوادُ المحجرِ ... منها إلى شدق رُحاب المفغر وذنَبٍ طال وجلد أنمرِ ... وأيطلَيْ مستأسدٍ عضنفرِ وأذن مكسورة لم تجبرِ ... فطساء فيها رحب في المنخرِ مثل وَجار التتفُل المغوّرِ ... أدبها اسحق في تقدّرِ بالنقل والأشلاء غير ممترِ ... كأن فوق الأعوجيّ الأشقرِ مَلْكاً ترقى عتبات منبرِ ... طرّاحة بالطرف ذي التسعرِ

стр. 112

بين الصوى والصحصان الأغبرِ ... حتى إذا ما آنست كالأصورِ سرب ظباء بكثيب أعفرِ ... جاذبت المقود في تأمّرِ وعلم العبدُ وإن لم يُخبَرِ ... بحالها أطلقها كالقسورِ تنساب كالحية في تستّرِ ... فمرّ بين مقبل ومدبرِ مَرّاً كلمع البرق لم يُفَتَّرِ ... كأن نضج الأرجوان الأحمرِ منها على الخدين والمعذّر والمسنّ منها إذا صيد كان أسرع انساً وأقبل للتأديب من الجرو الذي يربى ويؤدب، لأن الجرو يخرج خِبّاً والمسنّ يخرج على التأديب صيوداً غير خِب، وليس شيء في مثل جسم الفهد إلا والفهد أثقل منه وأحطم لظهر الدابة التي يحمل على مؤخرها والأنثى أصيد وكذلك عامة إناث الجوارح وهو من الحداد الأسنان، ويدخل بعضها في بعض، وكذلك الأسد والكلب. ذكر ما قيل في ابتذال الملك نفسه في الصيد بهذا الضاري ومباشرته له وقد ذكر ذلك عن كثير من الجلة والملوك ونحن نذكره في موضعه من الكتاب إن شاء الله وقد قال بعضهم في ذلك: ومن شغفي بالصيد والصيد شاغفٌ ... مطاردتي للوحش والفهدُ لي ردفُ

стр. 113

إذا شئت بأن أعدو عليها ذَعرتها ... بسيفين مغوارين تحتهما طرف وأجعل كفي للجوارح منبراً ... وليس بها ثقل عليها ولا عنف مآرب نفس لا تليها لغيرها ... وعزم قوي ليس في عزمه ضعف إذا صاد غيري الصيد ثم أكلته ... فلذة ذاك الصيد لي قلما تصفو وما عاب لبس الدستبان أناملاً ... تليق بها الأقلام والسيف والصحف فللباز منها موضع ولموضع ... مصافحة الأشراف واللثم والرشف وإني لممدوح المذاهب جمهّا ... إذا لم يحاول غير مذهبه الطرفِ وما الظَّرف إلا جمعُ كل لطيفةٍ ... بذلك من تفسيره سمي الظرف وقال الناشي: وأنمرَ موْشي القميص ملمَّعِ ... كأن عليه منه رقماً موشما يلوح على خديه خطان عُرّجاً ... قليلاً وردّا هابطَين فَقُومّا مفتَّل عضدي ساعديه كأنما ... أعيرا بِقِدّ ثم شُدّا فأبرما فنيطت فضول الساعدين وأحكمت ... برُصغين لزّا بالوصول فألحما تضمَّن أظفاراً كأن حجونها ... حجون الصيامي أعجزت أن تقلما له هامة لو أن كفاً رهيشة ... دحتها على صم الصفا لنهدّما

стр. 114

وعينان لو تدني إلى قبسيهما ... ذابلاً تذكَّى منهما وتضرّما ونابان لو يسطو الزمان على الورى ... بحدّيهما كان الحمام مقدّما ووجه يجيل الخير في صفحاته ... أبى كيده للخلق أن يبتسَّما وجفنان يغتال الردى لحظاتها (؟) ... فلا يمكنان النفس أن تتلوّما وشدقان كالغارين يلتهمان ما ... من الربد والحمش الأوابد الهما أجَدتُ له التقويم حتى كففته ... عن الشيم اللاتي أبت أن تقوّما وعلَّمته الامساك للصيد بعد ما ... يئست لطبع الجهل أن يتعلما فجاء على ما شئته ووجدته ... مُحلاً لما قد كان من قبل حرّما إذا ما غدونا نبتغي الصيد أسمحت ... لنا نفسه ألا تريق له دما وما يتولى منه إرهاق نفسه ... ولكن يؤديه صحيحاً مسلَّما إذا لا حطت عيناه خشفاً يرومه ... تنمَّر في اكفهراره وتزغَّما فيكفيه من إحضاره وثباته ... ومن روغان الصيد أن يتجهَّما وقال ابن المعتز: أنعت أمثالاً قذذن قذا ... يشحذها الشوط البطيء شحذا نوازياً خلف الظباء جُذّا ... كأنما تجبذهن جبذا

стр. 115

تجذّ غيطان الفلاة حبذّا ... كالنبل هذّتها القسي هذّا لم أدر ذا أسرع شدّاً أم ذا وقال أيضاً: قد أغتدي قبل غدوّ بغلسْ ... وللرياض في دجى الليل نفسْ حتى إذا النجم تدلى كالقبس ... قام النهار في ظلام قد جلس بلاحقِ الوثبة ممتدّ النفس ... محملَجٍ أمِرّ امرار المرس نعم الرديف راكباً فوق الفرس ... ينفي القذى عن مقلة فيها شوَس كالزّلم الأصغر صُكّ فانملس ... عليه تلويحات وشم ما دوس لما خرطناه تدلى وانغمس ... وخادعِ الموت ابن وثاب خُلس إذا عدا لم يُرَ حتى يفترس وقال: انعتُها تفري الفضاء عَدْوا ... نوزاياً خلف الطريد نزوا لا تحسن القدرة منها عفوا ... قد وجدتْ طعم الدماء حلوا وقال أبو الحسين الحافظ: قد أسبق العصم وغير العصمِ ... يجيد القلب بعيد الهّمِ مدنَّر الجلد خفيف النجم ... كأنه في ثوب خزّ رقم

стр. 116

تخاله بعض نجوم الرجم ... مركَّب من عَصَب وعظم ما فيه وزن درهمٍ من لحم ... فكم دمٍ أراقه من قرم معصفر يشبه ماء الكرم ... أنفعَ لي من شاهدٍ لخصم قال ودمه إذا خُلط بورسٍ وخل عُنصلٍ ولُطخ به قدم المنقرس سكن ألمها. وتَعرض له من العلل الخام والجر والحفا. فالخام يعرض له من اعوجاج الرّجل ودواؤه أن يطعم اللحم غباً بشيء من سمن البقر وعسل أو يؤخذ قرطم فيدق ويطبخ حتى تخرج رغوته ويصفى ويداف فيه ثلاث أوراق عسل، ويلقى عليه وزن خمسة دراهم فانيات ويحقن به. والجرب يعرض له من بوله، وسبيله أن يبسط تحته رمل يبول فيه، لئلا يترشش عليه شيء من بوله، والرمل يصفى شعرته، ودواؤه أن يسحق له الكبريت الأبيض ويخلط بزيت ويُغلى على النار ويطلى به موضع الجرب. ودواء الحفا قد وصفناه في باب الكلب وهو نافع للفهد إن شاء الله.

стр. 117

باب صفة الظباء وذكر مواضعها التي تأويها وأسنانها وصيدها وما فيها من المنافع وما قيل في ذلك من الشعر أعلم أن الظباء أصناف تختلف لاختلاف مواضعها، فالبيض منها يقال لها الآرام وهي تسكن الرمل وهي أشد الظباء حُضراً، والحمر تسكن القفاف وهي المواضع العالية، ومنها العصم والوعول وهي التي في أكرُعها بياض. والفائدة في تمييزنا إياها علم المتصيد بهذه المواضع حتى أنه إذا رأى من هذه الأصناف شيئاً علم مَن أين أقتنص فينسبه إلى مكانه، والظبي أول ما يولد طِلّ ثم خِشف ثم شادنٌ إذا طلع قَرْنه، فإذا تمت قرونه فهو شقر، ثم جذع ثم ثنيّ وجمعها ثُنيان. لا تزيد على ذلك حتى تموت. قال الشاعر: فجاءت كسنّ الظبي لم نر مثلها ... شفاء قتيل أو حلوبة جائع وسأل جعفر بن محمد صلوات الله عليهما أبا حنيفة فقال: ما على محرم كسر رباعية ظبي؟ قال؛ يا ابن رسول الله ما أعلم ما فيه. فقال ﵇: أنت فقيه زمانك، ولا تعلم أن الظبي لا تكون له رباعية، وهو ثني أبداً. وعدوُها يقال من الظبي يهقق ويدرق ويطفر وينقز إذا

стр. 118

جمع قوائمه ووثب، إذا تخلف من القطيع قيل خذل، وطمر إذا وثب من عال إلى أسفل، إذا طلعت الجوزاء من حمارة القيظ قالت الظباء في كناسها، ولها نومتان في مكنسين مكنس الضحى ومكنس العشي. ويقال نقلت الظباء إذا انتقلت من مكانس الضحى إلى مكانس العشي، وإنما رعيها في ناجر وهو صفر في الليل، وفي برد الغدوات أحياناً وتلزم الرمل وهو ما استطال، ومن الجبال ما ارتفع، وترعى في ذلك الحزن والقف لشدة حرهما. قال ذو الرمة في انتقالها: إذا ذابت الشمسُ اتَّقى صقَراتها ... بأفنان مربوع الصريمة مُعبِلِ إلى ظل بهوٍ ذي أخٍ يستعده ... إذا هجَّرت أيامه للتحولِ المعبل ما ظهرت خوصبته من الأرطاب. والبهو كناس واسع له أخ إلى جنبه بالغداة والعشي قال وهو ظلف الظبي لمل يطأ عليه. وإبرة روقه قرنه أول ما يطلع، ومنه قول الشاعر وهو عدي بن الرقاع: تزجي أغنّ كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها وقال آخر في حجم القرن: كأنهما فَصّان من فوق فضةٍ ... من الجزء أوزرّانِ بالأمس سُوداّ

стр. 119

ويستدل عليها بآثارها في الرمل والخبار من الأرض وبأبعارها فيما سوى ذلك من الصلابة، وظلفها شديد الأثر فيما تطأ عليه، وشبهه بعض المجان بالهن فقال فيه: وتكشف عن كظلف الظبي لطفاً ... وقعر البحر عمقاً واتساعا وقال أعرابي: كأن هَنْها عند لمس اللامس ... كوطأة ظبي في مكان يابس وإذا مدح هذا الموضع يكون كما قالت أعربية: إن هني لحسن كما ترى ... كوطأة الثور الثنيّ في الثرى ويستدل على صيد الأرض بشكلها وموضعها من السهل والحزن والرمل والصفا والانخفاض والارتفاع والآثار والأبعار، وكذلك يقال لكل ذي خف وظلف غير البقر. فأما بعر الغزال فيفرك ويستدل عليه بريحه ولطفه وتدويره قال ذو الرمة: ترى بعر الغزلان فيه وفرقه ... حديثاً وعلميّاً كحب القَر نَفْلُ ويستدل على الظبي الكبير بنباحه، وإذا أسن الظبي نبح قال الشاعر: وينبح بين الشعب نبحاً كأنه ... كلاب سلوق أبصرت ما يَريبها والظبي يبيض إذا تهزل ويحكى أنه من أملح الحيوان سكراً من الشراب ولا يدخل كناسه إلا مستدبراً، يستقبل بعينه ما يخافه على نفسه وخشفه، وليس يحضر في الجبال،

стр. 120

قال الشاعر: والظبي في رأس اليفاع تخاله ... عند الهضاب مقيّداً مشكولا ويصاد بالشرك والحبالة وايقاد النار بازائه، فأنه لا يزال يتأملها ويدمن النظر إليه، فيعشي بصره ويذهل عقله، وربما أضيف إلى النار تحريك أجراسٍ فيذهل لذلك ويؤخذ. قال الشاعر: سوى نار بيض أو غزال بقفرة (؟) ... أغنّ من الخُنس المناخر توأم ويصاد بالناقة وهو أن تُتّخذ له ناقة تسمى الدرية، ويتوغلون بها في المرعى حتى تكثر الظباء النظرَ إليها، ويخفي صاحبها نفسه ويكمن ويستتر، ويأتي متخفياً يمشي إلى جنبها، حتى إذا دنا من الظبي قبض عليه أو رماه من كشب. قال أبو الطمحان: حنتني حانيات الدهر حتى ... كأني قانص أدنو لصيد قريب الخطو يحسب من يراني ... ولست مقيّداً أمشي بقيد ويصيده الأعراب الشديدو العدو بالجري حتى يقبض على قرنه، وربما حيل بينه وبين المياه، ونُصب له حذاء الحبالة ماء فيهمّ بوروده، فيقع في الحبالة والاشراك، ويصيده الطير والعقاب وقال الشافعي أن ما صيد بالحديد الذي يكون في الحبالة إذا قتله ذلك الحديد لم يكن ذكياً، لأنه لا يقوم مقام السهم الذي يرمى به فيقتله، لأن فعل ذلك الحديد لم يتصل

стр. 121

بيده في فعل واحد، وإذا رماه بسهم وهو على رابيةٍ فتردّى فوقع فمات فهو متردّ لا يجوز أكله، وليست هذه حال الطائر لأن الطائر مما لا سبيل له إليه إلا بعد وقوعه، وليس يموت من السقوط كما يموت الظبي وما أشبهه مّما تردّى ولم يصبه سهم. ولحم الظبي يُوَلّدِ دماً قريباً من السواد وهو أقل ضرراً من لحم البقر والأيّل، وطبخه بالماء والملح أحمد، والكشتابية منه عجيبة جداً وهو الكوشت وهو ماء البصل بالمر، وتفسيره بالفارسية لحم هذا العضو. والقديد المبزّر منه أكثر ضرراً وأكثر لتحريك السوداء لأنه يزداد يبساً ويجود فعله ويقوى. وكتب بعضهم إلى أخ له يقول: لنا جَدي إلى التربيع ما هو (؟) ... كأن القطن يُنْدَف تحت جلده عنينا بالرضاع له زماناً ... نُسَمِنّه فجاء نسيج وحده وكشتابية من لحم ظبي ... أتتك به الجوارح بعد كدّه إذا شئنا نضحناه براحٍ ... كنكهة شادنٍ وكَلَون خدّه فإن لم تأتنا عجِلاً حثيثاً ... فعاقبَك الحبيب بطول صدّه وأطيب ما في الظبي كبده (مشوية) وشحوم الظباء تغذو غذاء كثيراً منافعه. وزعم الحكماء أن دم التيس منها ومن كل ماعزٍ مانعٌ من السموم وأنه إذا صُبّ حاراً على الحجر الذي يُضرب عليه النحاس فتّته.

стр. 122

وإذا خلط مع الزنجفر صبغ الياقوت، ويُخلط معه وهو يابس قرطاس محروق، ويعجن بشيرج ويُضمّد به البواسير فأنه ينفع منها. ومرارته تنفع من العشا في العين، وكبده إذا شُويت واكتحل بمائها نفعت، وكذلك كبد كل ماعز. وإذا دهن إنسان مذاكيره بشحم خصية التيس مع شيء من عسل وجامَعَ وجد له لذة. وإذا عجن بعره بخلّ ودقيق شعير وضمد به الطحال نفع منه. وإذا أحرق بعره وسحق بالخل نفع من داء الثعلب. وإذا شرب مع الخل أيضاً نفع من لدغ الهوام. وإذا خلط دمه يابساً بلادنٍ ودُهن به الشعر غلّظه وطوّله. والغزال يصادق من الحيوان الحجل. وقال بعضهم في صيده بالحبالة: لما غدا القانص في غداتهِ ... غدوّ مغوار إلى غاراتهِ يحمل ما يحمل من أداته ... من شركٍ أوثق أنشوطاته وناط أوتاداً إلى حافاته ... تأنُّقَ الكاتب في واواته إذا لوهنّ على مشقاته ... يغتال والغيلة من عاداته ظبي فلاه القفر في فلاته ... مبتغياً للصيد من مَبْغاته وقفت أستمع من مرآته ... إذ لَذَتي في الصيد من لذاته وإن علا همي على هِمّاته ... في ساعةٍ غراء من ساعاته وفّى بماء السعد أعطياته ... ما كاد أن يلبث في مرياته

стр. 123

حتى رأيت العفر من عُناته ... محمومة الحين مقدّراته مشدودة الاسار موثَقاته ... وقلّ من طفت بأفنِياته أو من رأى شخصي في حاجاته ... إلا انكفا بنيل أمنياته قال وللحبالة خشبة يقال لها الجرة تعلق فيها لتُثقلها إذا جذبها الظبي ومن الأمثال: فاوض الجرة ثم سالمها. يضرب للرجل يحاول الأمر ثم يسالم. تم باب الظباء.

стр. 124

باب كلاب سلوق وخصائصها وصيدها وعللها ودوائها وما قيل فيها من الشعر أعلم أن كلاب سلوق تنسب إلى سلوق قرية باليمن، والعرب تنسبها كما تنسب الخيل، وقد ذكرها أبو بكر الوقيشي للشماخ، ووصف مزرّد بن ضرار الفقعسي عدة منها بأسمائها وأنسابها فقال: سخام ومقلاء القنيص وسلهب ... وحدلاء والسرحان والمتناوِل بنات سلوقيين كانا حياته ... فماتا فأدوى شخصه فهو وحائل وأيقن إذ ماتا بجوعٍ وخيبة ... وقال له الشيطان أنك عائل يطوّف في أصحابه يستثيبهم ... فآب وقد أكّدت عليه الوسائل وسأل زيد الخيل حين وفد على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسماه زيد الخيل فقال: فينا رجلان يقال لاحدهما زرع والآخر أبو جداية لهما أكلب خمسة تصيد الظباء فما ترى في صيدهن؟ فأنزل الله في لك: يسألونك ماذا أحلَّ لهم.

стр. 125

وروى هشام عن ابن عباس أن أسماء تلك الكلاب المخْتَلِسُ وغلابُ، والقنيص وسلهب وسرحان والمتعاطس، وإناثها أسرع تعلماً من الذكور وأطول أعماراً، وتعيش عشرين سنة، وليس كذلك غيرها من الكلاب، وأكثر ما تضع ثمانية أجْرٍ، وربما وضعت واحداً وحَملها ستون يوماً وإذا وضعت الجِرْوَ كان أعمى اثني عشر يوماً ومنه قول الشاعر: كمثل جرو الكلب لم يفقّحِ ... أقبحْ به من ولدٍ وأشقحِ وتسفد بعد وضعها في اليوم الثاني ولا تسفد قبل ذلك، وتحيض في كل أسبوع، وعلامة ذلك ورم ثفرها، ولا تقبل السفاد في حيضها ويعتريها هزال عند وضعها، ويظهر لبنها بعد حملها بثلاثين يوماً، ويكون أول ما تضع غليظاً والأنثى تبول مقعية، ومنها ما يشغَر، والشُغور رفع الرِجل للبول، يقال قَزَح ببوله وشَغَر، والأنثى تكون أول نتاجها أصغر جثة، وكذلك الحِجْر والمرأة والبَيض إذا كانا بكراً، والذكور تهيج قبل الاناث في السنة وهي صارف إذا هاجت ومستحرمة إذا منعت، ومعاظّلةُ الكلاب سِفادُها والكلب يطرح مقاديم اسنانه ويخلفها، ويخفي ذلك عن كثير من الناس، لأنه لا يلقي منها شيئاً قبل أن ينبت في مكانه آخر، وكذلك سائر السباع إلا الأنياب فأن كل ذي ناب ومخلب من الضواري يلقيها إلقاء بَيّناً متعالماً، وسبيل الغريب منها

стр. 126

أن يؤنّس حتى يوثَق به فمما يؤنّسه أن يُطعم كسرة بعسل، وما دام ذنبه ذاهباً بين فخذيه إلى بطنه فهو غير مستأنس، فإذا شاله فقد أنس وإذا مضغ له صاحبه وتفل في فيه أنس أيضاً. ومن خصائصه أن رأسه كله من عظم واحدٍ وإذا عاين الظباء، بعيدة كانت أو قريبة، عرف المعتلّ وغير المعتلّ منها، وعرف العنز من التي، وإذا أبصر القطيع لم يقصد إلا التيس، وأن علم أنه أشد حُضراً، وأبعد وثبة، ويدع العنز وهو يرى ما فيها من نقصان حضرها وقصر خطوها، ولكنه يعلم أن التيس إذا عدا شوطاً أو شوطين حَقِب ببوله، وكل حيوان يعرض له مع شدة الفزع إما سلس البول والتقطير، وإما اليسر والحُقب، وإذا حقب التيس لم يستطع البول مع شدة الحضر، ووضع القوائم معاً ورفعهما معاً، فيثقل عدوه ويقصر مدى خطوه، ويعتريه البُهر حتى يلحقه الكلب. والعنز إذا اعتراها البول لم تجمعه، وحذفت به لسعة المسيل يُعرف ذلك في الكلب طبعاً لا بتجربة، ولا يحتاج فيه إلى معاناة، ولا يعلَم ولا يدرب، وتخرجه إلى الصيد في يوم الجليد والثلج وهما متراكمان على الأرض حتى لا يثبت عليها قدم ولا خف ولا حافر ولا ظلف فيمضي الكلب، ومعه الإنسان العاقل، والصياد المجرّب، فلا يدري أين موضع الأرنب من جميع بسيط الأرض، ولا موضع كناس ظبي ولا مكو ثعلب ولا غير ذلك من موالج وحوش الأرض فيتلفَّت الكلب بين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله، ويتنسم ويتبصَّر

стр. 127

حتى يقف على أفواه تلك الجِحرة فيثير ما فيها، وذلك أن أنفاس الوحش المستكنَّة فيها، وبخار أجوافها وأبدانها، وما يخرج من الحرارة المستكنة فيها في عمق الأرض، تذيب ما لاقاها من فم الجحر من الثلج، حتى يرقّ ذلك، وهو خفي غامض لا يقع عليه قانص ولا راعٍ ولا قائف ولا فلاح، وله أيضاً في ملبح (كذا) الدراج والإصعاد خلف الأرانب في الجبل الشاهق من الرفق وحسن الاهتداء ما لا خفاء به، ومن دهائه أنه لا يخفى عليه الميت والمتماوت في تشممه، ويقال أن المجوس لا يدفنون ميتاً لهم حتى يدنوا منه كلباً فيتشمَّمه وتظهر لهم منه في تشممه (إياه) علامة يستدلُّون بها على حياته أو موته، وكذلك لا تجوز (عليه) حيلة الثعلب المتماوت، وأن كان لا يفعل الثعلب ذلك مع الكلب، بل يتماوت للغراب وغيره، وينفخ بطنه فإذا دنا منه قبض عليه. ومن خصائصه أن الأنثى تؤدي في جرائها لون الذكر لا تخرم منه شيئاً. وقال أبو بكر الوقيشي إن القاسم بن مجمع سأله عن المعنى في اعتبار الناس المسير على الأنهار الجامدة بالكلب، فذكر أنه لصلابة وطأته وثقلها، فقال: لا إنما هو لقوة حسه وسمعه وبصره، وأنه أن سمع للماء خريراً من تحت لم يجُز منه، وأنشدت في قوة بصر الكلب لعبد ربه: وأشرف بالقُور اليَفاع علني ... أرى نار ليلى أو يراني بصيرها أي كلبها. وكل الجوارح تعمل لأنفسها غير الكلاب فإنها تجري على خلق في الاكتساب لأصحابها.

стр. 128

ما يعرف به هرم الكلب من فنائه إذا كانت أسنانه سواداً كليلة دلّ ذلك على الكبر، وإذا كانت بيضاً حادة دلّ لك على الشباب، وأسنان الذكر أكبر، وهو شديد المضغ والخطم والاستمراء، وإذا ألقيت إليه بضعة اللحم وتوخى أكلها حيث لا يُرى، ويًكثر التلفت، ويعض على العظم ليرضَّه، فإذا امتنع عليه وكان مما يسيغه أبتلعه واثقاً بأنه يستمريه وليس في الأرض من جميع أجناس الحيوان ما بِذَكَرِه حجم ظاهر إلا الإنسان والكلب، ولا متسافدان أشدّ ملاءمة في طباع بعضهما لبعض من الكلبين. ما يعرف به فراهته من ذلك طول ما بين اليدين والرجلين، وقصر الظهر وصغر الرأس، وطول العنق، وغضف الأذنين، وبعد ما بينهما كأنما انضمَّتا على العنق، وزرقة العينين، وضخامة المقلتين، ونتوء الحدقة، وطول الخضم ودقته، وسعة الشدق، ونتوء الجبهة وعرضها، وشدة المنازعة للمقود والسلسلة. ومن أمارات النجابة أن يكون تحت حنكه طاقة شعر واحدة غليظة وكذلك الشعر الذي على خدّيه ويستحب فيه قصر اليدين، وطول الرجلين لأن ذلك صالح له في الصعود، ومشاكل للأرنب في هذه الصفة، ولا يلحقها في الجبال إلا ما كان كذلك، وطول الصدر وغلظه، وقربه من الأرض، ونتوء الزّور، وغلظ العضدين، واستقامة اليدين، وانضمام الأظفار، حتى لا يدخل بينها تراب ولا طين، وعرض ما بين مفاصل

стр. 129

الأعطاف، وعرض ما بين (عطفي) أصل الفخذ (وطولهما وشدة لحمهما ورزانة المحمل ودقة الوسط وطول الجلدة التي بين أصل الفخذين) والصدر، واستقامة الرجلين من غير أن تنحني الركبتان، وقصر الساقين وقصر الذّنَب ودقته، حتى يكون كأنه خشبة من صلابته. وليس يكره أن يطول ذنب الأنثى، ولين الشعر، وهو يستحب على الجملة في ذوات الجناح والقوائم. وقال المأمون لبعض أصحابه: أمض إلى بادية كذا وكذا فأبتع منها خيلاً تستجيدها، فقال: يا أمير المؤمنين، لست بصيراً بالخيل، قال أفَلست بصيراً بالكلاب؟ قال: نعم، قال: فأبصر كل ما تتوخاه في الكلب الفاره المنجب، فالتمس مثله في الفرس وصفة النجابة فهي بمخلب تكون على رأس الذنب أو الساق والصواب فيه أن تقطع. والسود أقل صبراً على الحر والبرد، والبيض أفره إذا كنّ سودَ العيون، وقد قال قوم أن السود تصبر على البرد، وزعموا أنها أقوى وأن كل اسود من الحيوان أقوى من غيره. فأما تخُّير الجراء والفراسة فيها، فإذا ولدت الكلبة واحداً، كان افره من أبويه، وأن ولدت أثنين، فالذكر افره من الأنثى، وأن ولدت ثلاثة فيها أنثى في شية الأم فهي افره من الثلاثة وأن كان في الثلاثة ذكر واحد فهو افرهها، وتؤخذ الجراء كلها وهي صغار لم تقم قوائمها فتلقى في مكان ندٍ فأيها مشى على أربع ولم يكثر سقوطه فهو الأفره.

стр. 130

أدوائها وصفة دوائها فمن ذلك الكَلَب والذُبْحَةُ والجرب والنقْرس والفلج. فأما الكلب فيقال فيه على مذهب من المذاهب أنه جنون، ويقول فيه أصحاب الطبائع أنه كيموسٌ سوداوي يفعل في الاعداء والمخالطة للَحم المعضوض فعل السِمّام، وهو موجود عياناً، يُحيل مزاجَ الإنسان إلى مزاج الكلب حتى يحيل الذكَرَ فيخرج من إحليله مثال اكلبٍ صغار وقلما رأيت هذا الداء يعتري كلاب سلوق، وإذا عَضّ برأ هو، وانتقل الداء إلى المعضوض. وللمعضوض ضروب من الأدوية في أوقاتٍ، فأن فاتت لم ينجع الدواء. وزعمت العرب أن دماء الملوك تشفي من الكلب، وقد أكثرت من ذلك في أشعارها، واختلف الناس في معناه فذهب قوم إلى أن الشعراء إنما خبَّرت بذلك على سفك دماء الملوك. وقال قوم: إنما المعنى أن قتل الملوك يشفى من التأثر، لأن الإنسان إذا كان له في قوم ثأر لم يكن يشفي صدره أن يقتل به إلا الأكفاء، أو من هو أعلى من قبيله ومنه قول زهير: وإن يُقتلوا فيشتفي بدمائهم ... وكانوا قديماً من مناياهم القتل وهذا الوجه أشبه بالمعنى في هذا الداء. واخبر رجل لا أشك في ثقته وصدقه أن رجلاً اعترضه كَلْب كَلْب فأومى ليعضَّه فتلقَّى فمه بكمّه، فأصابه من أسنانه ولعابه. ومضى لشأنه وشمّر كمّه وأقام مشمّراً له ساعات، ثم أنه نشره فتساقط منه جراءٌ صغار. وأما الذّبحة فقد زعمت الأطباء أن من أجود ما يُستعمل للذبحة

стр. 131

العارضة للإنسان أن يُنفخ في خلقه من سحيق ما جفّ من رجيع الكلب الأبيض، أو يَتَغَرغَر به وهو أبلغ، وربما طلي به جسد المحموم، وأجوده ما أشتد بياضه. ودواؤها دواء الجرب. ودواء الجرب كبريت أبيض يُسحق ويُخلط بزيت ويُغلى على النار ويُطلى به موضع الجرب. وأما النقرس فهو يعرض لها من الحفا لأن الأعضاء بالحفا تضعف فتنصب إليها الموادّ، ودواؤه دواء الحفا هو أن تلطخ يداه ورجلاه وعجانه بدهن خلّ وزيت. وله أيضاً أن يُجعل على يديه ورجليه قطران. وله أيضاً أن يؤخذ عفص وزاج أخضر من كل واحد منهما جزء فيُدقا ويصبّ عليهما من الخمر ما يغمرهما، ويُجعلا في الشمس أو على نار لينةٍ حتى يغلظا، ثم تُغمس كفّ الكلب في ذلك وهو فاتر. وأما الفلج فأمارته أن يعدو الكلب يوماً ويقصّر في آخر، فيُستدل بذلك على داء في جوفه. ودواؤه ماء الشبِتّ يُعجن بدقيق الدُّخْن ويُطعَمُه الكلب سخناً. أو يُطعم كسرة خبزٍ مع صوفِ شاه معجونٍ بسمنٍ فأنه يلقي ما في جوفه من الداء. ويقال لنصيبه من صيده الحرجُ (؟) . قال الطرمّاح: نوازرة حرصى على الصيد همّها ... تفارط احراج الضراء الرواجز (؟) يمرّ إذا ما حل مَرّ مقزّعٍ ... عتيقٍ حداه ابهر القوس جارز (؟) الجارز الّيِن الأملس، وهو يصف سهماً شبَّه الكلب به في مضائه وسرعته. وقال أبو بكر: الجارز الخشن ويقال لما يُطعم في غير الصيد

стр. 132

لُحْمة الكلب وطُعمة الكلب، وكذلك يقال للفهد والبازي وكل جارح وضارٍ. فأما في الثوب فيقال لَحْمة. صيد الكلب إذا كسر الكلب مفرداً الأرنبَ فهو نهاية، وهو يطيق ما فوق ذلك، والفُره منها تكسر الظباء، وقد ذكرنا من حال الظباء ما فيه كفاية، وتتجاوز الظباء إلى اليحمور فتكسره، فأن زادت تعلّقت بالأيّل، ولا يطيقه منها إلا ذو الخَلق الشديد، والبنية الوثيقة والفخامة، وبعد أن يجتمع عليه الاثنان والثلاثة من كلابٍ هذه صفتها، وليس يفوتها ويقهرها بحُضره، ولكنه ذو سلاحٍ وهي ترهب قرونه يُنحي عليها إنحاءً شديداً. وأما الأرنب والثعلب فالواحد من الكلاب يصيدهما كثيراً ما لم يتعلق الأرنب بالجبل، وعلى أن الثعلب روّاغ مَكِرٌ، وإذا صار إلى المجاودة ولم يستتر بخَمَر ولا غيره فهو في يده، وربما التفت إلى الكلب وقد أخرج لسانه من شدة الحضر فعضَّه فيرجع عنه. وقد يصيد الكلب الدرّاجَ كما أن الصقر والبازي يصيدان الأرنب، وقال بعض الأدباء: ومصدّرين بكل مجلس حكمة ... متقدّمين بكلّ يومِ برازِ سبقوا إلى غُرر الفخار وأحرزوا ... خَصْل الفضائل أيما إحراز لا تستفيق من الطراد جيادُهم ... فتراهمُ أبداً على أوفاز فبزاتهم تصطاد صيد كلابهم ... وكلابهم تصطاد صيد البازي ألفوا الوغي فتعلّلوا بمصايد ... عن شنّ غارات وبُعد مغازِ

стр. 133

ونحن نذكر من الشعر في طرد الكلب، ونوفي بما وعدنا به من شرح حال الطريدة باباً باباً، ونبدأ بالأيل لأنه أعظم ما يصيده الكلب. قال بعض المحدثين في ذلك: أنعت كلباً للقلوب مُجَذلاً ... آلى إذا أمسك ألاّ يقتلا مؤمّلاً لأهله مموّلا ... يزيد ذا الوفر ويُغني المُرمِلا ذا همَّةٍ في الصيد في أعلى العلا ... يستصغر الظبي فيبغي الأيّلا لا يجد الأيّل منه موئلا ... تخاله من خوفه معقّلا يعول من كان عليه عوّلا ولم نثبت صفات الكلب إلى أن لعبنا منها بما لا يُحصى كثرة من الشرق والغرب، وأفره ما رأيناه منها ما يجيء من المغرب، وخير ما فيها البُلق وهي حِسان فره على كل ما أرسلت عليه من الطرائد. وخير كلاب الشرق ما جاء من عند الأكراد. وقد ذكرنا من ذلك ما شاهدناه واختبرناه. ولقد ركب مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الطاهرين المنتخبين ذات مرة فأصاب من البقر ما لم يُحص كثرة، ورجع من الصيد ومعه عشرون جملاً عليها محامل فيها كلها كلاب الصيد، فرؤيت بمصر ظاهرة. وقال الحسن بن هانيء يصف الكلب: أنعت كلباً أهله في كدّه ... قد سعدت جدودهم بجدّه

стр. 134

فكل خير عندهم من عنده ... يظلّ مولاه له كعبده يبيت أدنى صاحبٍ من مهده ... وإن عدا جلَّله ببرده ذا غُرّةٍ محجلاً بزنده ... تلذّ منه العينُ حسنَ قدّه تأخير شدقيه وطول خدّه ... تلقى الظباء عنتاً من طرده تشرب كأس حتفها من شدّه ... (يصيدنا عشرين في مُرْقدّه) يا لك من كلب نسيجٍ وحده وقال فيه أيضاً: أنعت كلباً للطراد سَلْطا ... مقلَدّاً قلائداً ومَقْطا فهو الجميل والحسيب رهطا ... ترى له شدقين خُطّا خَطّا وملطماً سهلاً ولحياً سبطا ... ذاك ومتنين إذا تمطى قلت شرا كان أُجيدا قَطا ... يَمري إذا كان الجراء عَبطا براثناً سحمَ الأثافي مُلطا ... ينشط أذنيه بهن نشطا

стр. 135

تخال ما دُمّين منه شرطا ... ما أن يقعن الأرض إلا فرطا كأنما يعجل شيئاً لَقطا ... أسرع من قول قطاةٍ قطّا تخاله الصقر إذا ما انحطا ... أو لهب النار أعيرت نفطا يعتاج خزان الصحارى الرقطا ... يلقين منه حاكماً مشتطا للعظم حطماً والأديم عَطّا وقال فيه: يا رب بيت بفضاء سبسبِ ... بعيدِ بين السَّمك والمطنّبِ لفتيةٍ قد بكَّروا بأكلُبِ ... قد أدبوها أحسن التأدبِ من كل أدفى مستبان المنكِبِ ... يشُبُّ في القَوْد شُبوب المِقرب يُلجق أذنيه بحدّ المخلب ... فما ثنى وشيقة من أرنَبِ

стр. 136

عندهم أو تيس رمل علهب ... وعينِ عانات وأمّ تولب وجلدة مسلوبة من ثعلب ... مقلوبة الفروة أو لم تُقلب ومِرجلٍ يهدر هدر المغضب ... يقذف حالاه بجوز القَرْهَب وقال فيه: قد أغتدي والطير في مثواتها ... لم تعرِب الأفواهُ عن لغاتها بأكلبٍ تمرح في قِدّاتها ... تعدّ عِينَ الوحش من أقواتها قد لوّح التقديح وارياتها ... وأشفق القانص من حُفاتها وقلتُ قد أحكمتَها فهاتها ... وأدنِ للصيد معلَّماتها وارفع لنا نسبة أمهاتها ... فجاء يزجيها على شياتها شمّ العراقيب مؤنّفاتها ... سوداً وصفراً وخَلَنْجيّاتها كأن أقماراً على لبّاتها ... ترى على أفخاذها سماتها

стр. 137

قُودَ الخراطيمُ مخَرْطَمِاتها ... من نَهَم البهم ومن حُواتها زَلّ المواخير عملساتِها ... مشرفةَ الأكتاف مِوزَراتها مفروشة الأيدي شر نبثاتها ... مفدّياتٍ ومحمّياتها مسمّنات ومفدياتها ... أن حياة الكلب في وفاتها تقذف حالاها بجوزيْ شاتها وقال فيه: إذا الشياطين رأت زُنبورا ... قد قُلِدّ الحلْقة والسيورا بكت الخزّان القرى ثبورا ... أدفى ترى في شدقه تأخيرا ترى إذا عارضْتَه مَفْرُورا ... خناجراً قد بيّنت سطورا

стр. 138

مُشتبكات تَنْظِم السُّحورا ... اُحسِنَ في تأديبه صغيرا حتى توفيَّ الستة الشهورا ... من سنه وبلغ الشُّغورا وعرف الايحاء والصفيرا ... والكفّ أن تومئ أو تشيرا يعطيك أقصى حُضْره المذخورا ... شدّاً ترى من همْزِه الاظفورا منتشطاً من أذنه سيورا ... فما يزال والغاً تأمورا من ثعلب غادره عفيرا ... أو أرنب جوّرها تجويرا فأمتع الله به الأميرا ... ربي ولا زال به مسرورا وقال فيه: لما تَبدّى من حجابه ... كطلعة الأشط من جلبابه هجنا بكلب طالما هجنا به ... ينتسف المِقْوَد من جِذابه كأن متنيه لدى انسلابه ... متَنا شجاع لجّ في انسيابه كأنما الأظفور من قِنابه ... موسى صَناعٍ رُدّ في نصابه

стр. 139

تراه في الحضر إذا هاها به ... يكاد أن يخرج من اهابه يعفو على ما جرّ من ثيابه ... إلا الذي أثر من هُدابه ترى سوامَ الوحش تحتوي به ... يرُحْنَ أسرى ظفره ونابه وقال فيه: قد طالما أفلتّ يا ثعالا ... وطالما وطالما وطالا جلتُ بكلبٍ نحوك الأجوالا ... ما طلت من لا يسأم المطالا وله أيضاً: وثعلب بات قرير العينِ ... لاقى مع الصبح غراب البينِ وقد غدا مُجْرَمِزَّ الشخصين ... فاستَقبلتْه لحضور الحَيْن طلعةُ كلبٍ أغْضَفِ الأذنين ... فمرّ يهوي ثابت السَّدْوَيْن إلى وِجارٍ بين صخرتين ... والكلب منه راكب المتنين فلم يرعه غير روعتين ... حتى أراني شلوَه شلوين مقطَّعاً أحسن قطعتين ... فرُحتُ إذ رُحتُ به نصفَيْن كأنما رحت بأرنبين ... لأنه ماطلني بدَيْن ثم قضانيه أبو الحصين ... بعد خداعٍ شابَهُ بَميْنِ

стр. 140

وقال أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان يصف الطَرَد: ما العمر ما طالت به الدهورُ ... العمرُ ما تم به السرورُ أيام عزي ونفاذِ أمري ... هي التي أحسِبُها من عمري لو شئتُ مما قد قلَلْن جِدّا ... عددتُ أيام السرورِ عَدّا أنعت يوماً مرّ لي بالشامِ ... ألذّ ما مرّ من الأيامِ دعوتُ بالصقَّار ذات يومِ ... عند انتباهي سحراً من نومي قلت له اختر سبعةً كبارا ... كلّ نجيبٍ يَرِدُ الغُبارا يكون للأرنب منها اثنانِ ... وخمسةُ تُفْردُ للغزلانِ واجعل كلاب الصيد نوبتَين ... تُرسِل منها اثنين بعد اثنين ولا تؤخر أكلبَ العِراضِ ... فهنّ حتف للظباء قاضِ ثم تقدمتُ إلى الفَهَّادِ ... والبازياريّين باستعدادِ وقلت: إن خمسةً لتُقنعُ ... والزُّرّقان الفرخ والملمَّع وأنت يا طبّاخ لا تباطا ... عجّل لنا اللبّاتِ والأوساطا ويا شرابيّ البلسْقياتِ (؟) ... تكون بالراح مُيَسَّراتِ بالله لا تستصحبوا ثقيلا ... واجتنبوا الكثرة والفضولا ردّوا فلاناً وخذوا فلانا ... وضمنوني صيدكم ضَمانا فاخترت لما وقفوا طويلا ... عشرين أو فُوَيْقها قليلا

стр. 141

عصابة أكرمْ بها عصابَهْ ... شرطك في الفضل وفي النجابْه ثم قصدنا صيد (عينِ قاصرِ) ... مَظِنَّةَ الصيد لكل خابرِ جئناه والأرض قبيل المغرب ... تختال في ثوب الأصيل المُذهب وأخذ الدرّاجُ في الصياح ... مكتنفاً من سائر النواحي في غفلةٍ عنا وفي ضلال ... ونحن قد زرناه بالآجالِ يطرب للصبح وليس يدري ... أن المنايا في طلوع الفجر حتى إذا أحسستُ بالصباح ... ناديتهم: حيّ على الفلاح نحن نصلي والبزاة تُخرج ... مجرّداتٍ والخيولُ تُسرَج وقلتُ للفهَّاد امضِ فأنفرد ... وصح بنا إن عنّ ظبيٌ واجتهِدْ فلم يزل غير بعيدٍ عنا ... إليه يمضي ما يفرّ منا وسرت في صف من الرجال ... كأنما نزحف للقتال فما أستوينا حسناً حتى وقف ... غُلَيّم كان قريباً من شرف ثم أتاني عجلاً قال: السّبَقْ ... فقلت: إن كان العيان قد صدق سرتُ إليه فأراني جاثمه ... ظننتها يقظي وكانت نائمه ثم أخذت نبلةً كانت معي ... ودرت دورين ولم أوسّع حتى تمكنت فلم أخطِ الطلب ... لكل جتف سبب من السبب

стр. 142

وضَجّت الكلاب في المقاود ... تطلبها وهي بجهدٍ جاهدِ وصحتُ بالأسودِ كالخطّاف ... ليس ببيضيّ ولا غِطراف ثم دعوت القوم هذا بازي ... فأيكم بنشط للبرازِ فقال منهم رشأ: أنا أنا ... ولو درى ما بيدي لأذعنا فقلت: قابلني وراء النهر ... أنت لشطرٍ وأنا لشطر طارت له درّاجة فأرسلا ... أحسن فيها بازُه وأجملا علّقها فعطعطوا وصاحوا ... والصيد من آيينه الصياحُ فقلت ما هذا الصياح والقلقْ ... أكلّ هذا فرح بذا الطلق وقال كلاّبيَ: سوّ البازا ... قد حُرّر الكلب فجز وجازا فلم يزل يزعق بي مولائي ... وهو كمثل النار في الحلفاء طارت فأرسلتُ فصارت شلوا ... حلّت بها قبل العلوّ البلوى فما رفعت الباز حتى طارا ... آخر عوداً يحسن الفرارا

стр. 143

اسوَدُ صياحٌ عظيم كرّز ... مطرّزٌ محلّك ملزّزُ عليه ألوان من الثياب ... من حلل الديباج والعتّابي فلم يزل يعلو وبازٍ يَسفُل ... يحرز فضل السبق ليس يغفل يرقبه من تحته بعينه ... وإنما قد زاره لِحَينه حتى إذا قارب فيما يحسَب ... معلقه والموت منه أقرب أرخى إلى بُنّجِه رجليه ... والموت قد سابقه إليه صحتُ وصاح القوم بالتكبير ... وغيرنا يضمر في الصدور ثم تسايرنا فطارت واحده ... شيطانة من الطيور ما رده (من قُرُبٍ فأرسلوا إليها ... ولم تزل أعينهم عليها) فلم يعلّق بازُه وادّى ... من بعد ما قاربها وشدّا فصحت هذا الباز أم دجاجه ... ليت جناحيه على دُرّاجه فاحمرّت الأوجه والعيون ... وقال: هذا موضع ملعون إن لزّها الباز اصابت بنَّجا (؟) ... أو سقطت لم تلق إلا مَدْرجا

стр. 144

اعدل بنا للبنّج الخفيف ... والموضع المنفرد المكشوف فقلت هذي حجة ضعيفة ... وغِرّة ظاهرة معروفة نحن جميعاً في مكان واحد ... فلا تَعَلّل بالكلام البارد قصّ جناحيه يكن في الدار ... مع الدباسي ومع القَماري واعمد إلى جلجله البديع ... فأجعله في عنز من القطيع حتى إذا أبصرته وقد خجل ... قلت أراه فارهاً على الحجل دعه وهذا الباز فاطّرد به ... تفادياً من غمه وعتبه وقلت للخيل التي حولَيْنا ... تشاهَدُوا كلكم علينا بأنه عارية مضمونه ... يقيم فيها جاهه ودينه جئت ببازٍ حسنٍ مُبَهرج ... دون العقاب وفويق الزُّمج زَينٍ لرائيه وفوق الزّيْن ... ينظر من نارين في غارين كأن فوق صدره والهادي ... آثارَ مشي الذرّ في الرّماد

стр. 145

ذي مِنسرٍ فخم وعين غائره ... وفخِذٍ ملءَ اليمين وافره ضخم قريب الدستبان جدا ... يلقى الذي يحمل منه كدّا وراحة تغمر كَفّي سبطه ... زاد على قدر البزاة بسطه سُرّ وقال: هات، قلت: مهلا ... احلف على الردّ فقال كلا أمّا يميني فهي عندي غاليه ... وكلمتي مثل يميني وافيه قلت فخذه هبةً بقُبُله ... فصدّ عني وعلته خجله (ثم ندمت غاية الندامه ... ولمت نفسي أكثر الملامه على مزاحي والرجال خُطَّر ... وهو يزيد خجلاً ويحضر) فلم أزل أمسحه حتى انبسط ... وهشّ للصيد قليلاًَ ونَشِط صاح به اركب فاستقلّ عن يدي ... مبادراً أسرع من قول قدِ ضم سباقيه وقال قد حصل ... قلت له الغرة من شر المعمل سرتُ وسار الغادر العيَّار ... ليس لطيرٍ معنا مطار ثم عدلنا نحو نهر الوادي ... والطير فيه عددُ الجراد أدرت شاهينين في مكان ... لكثرة الصيد مع الامكان دارا علينا دورة وحلَّقا ... كلاهما حتى إذا تعلَّقا توازيا واطَّردا اطّرِادا ... كالفارسين التقيا أو كادا ثَمَّت شدّا فأصادا أربعاً ... ثلاثة خضراً وطيراً أبقعا ثم ذبحناها وخلصناهما ... وأمكن الصيد فأرسلناهما فجدّلا خمساً من الطيور ... فزاد والرحمنِ في سروري
следующие страницы →