← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 39

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي

بكر بن العلاء

Полный текст (1 204 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

فأما: "كان لا يصافح النساء"، فطرقه كثيرة، رواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أيضًا (١). وروى الزهري، عن عروة، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة، قال: خرج رسول اللَّه ﷺ عام الحديبية في بضع عشرة ومائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحليفة، قَلَّد وأَشْعَر الهدي وأحرم بعمرة، وذكر الحديث في صلح الحديبية، وما شرط لهم من: ردِّ من أتانا منهم إليهم، قال: ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾، حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، قال: فطلَّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له بمكة، ونهاهم اللَّه أن يردوهن، وأمرهم أن يردوا الصداق حينئذ، فقال رجل للزهري: أمن أجل الفروج؟ قال: نعم، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أُمية، وقيل: أبو جهم بن حذيفة، ورد المشركون صدُقات من حبسوا من نساء المؤمنين، وأمسك رسول اللَّه ﷺ النساء ورد الرجال، وطرق هذا الحديث وألفاظه كثيرة، وقد أتيت بالمعنى (٢). وسئل الزهري عن قوله : ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١]، فقال: يقول إذا أصبتم غنيمة، فأعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من غنائمكم، وامنعوا المشركين من صدُقات من ورد إليكم من المسلمات، عقوبة لهم أن

стр. 1017

منعوا دفع الصدُقات المقبوضة من المسلمين للمشركات اللاتي لم يُدخَل بهن (١). وهذا كان في ذلك الوقت للعقد الذي كان عقده النبي ﷺ بينه وبين المشركين بمكة، وقد زال حكمه بظهور ديننا على سائر الأديان، بقوله سبحانه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩]، فأظهره بالسيف على طوائف، وبالحجة على كل من بلغه. قال مسروق: كانت المرأة إذا ذهبت من المشركين الذين بينهم وبين رسول اللَّه ﷺ عهد وهي مسلمة، أعطوا زوجها مثل مهرها ولم ترد إليهم، وإذا ذهبت من المسلمين إلى المشركين، أعطى المشركون المسلم مثل مهرها، إلا أن تذهب إلى غير ذي عهد، فيعطى من الغنائم. قال أبو عبيدة، وسيبويه: عقبتم وعاقبتم واحد، أي: أصبتم عقبى منهم (٢). وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، إذا أسلم الرجل وله امرأة مشركة، وقَعت الفُرقة بينهما، وإن كانت نصرانية أو يهودية، أقام عليها إن شاء، وقد أصلح له الإسلام النكاح، إذ كان اللَّه قد أحل له ابتداء العقد عليهن، فبذلك يجوز له المقام عليهن، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1018

١٢ - قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ﴾ الآية روت حفصة بنت سيرين، عن أم عطية، عن النبي ﷺ ، أن العصيان في معروف: النَّوْح (١). وروى شَهْر بن حَوْشَب، عن أم سلمة مثل ذلك (٢). ومن العصيان في المعروف: خَمْش وجوه، وشق جُيوب، ونَشْر شُعور، وما أشبه ذلك من رَنّات الشيطان. وروى ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ أخذ على النساء حين بايعهن ألا يَنُحْن، فقلن: إلا نساء أَسْعَدْنَنا في الجاهلية، أفنُسْعِدُهُن في الإسلام؟ فقال

стр. 1019

النبي ﷺ : "لا إِسْعاد (١) في الإسلام، ولا شِغار في الإسلام، ولا جَلَبَ، ولا جَنَب، ومن انتَهَب فليس منا" (٢). وقال أبو عثمان النَّهْدي، عن أم عفيف، أَخذ علينا رسول اللَّه ﷺ فيما أخذ ألا نحدث إلا مَحرمًا من الرجال (٣). وقال عبادة: لما أخذ رسول اللَّه ﷺ على النساء البيعة قال: "ومن أتى منكن حدًّا في الدنيا فعوقب به فهو كفارته، ومن لم يعاقب فأمره إلى اللَّه، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له" (٤). * * *

стр. 1020

٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ قال مجاهد: الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا (١). وروى عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "المقسطون في الدنيا على منابر من لؤلؤ يوم القيامة بين يدي الرحمن، بما أقسطوا في الدنيا" (٢). قال أبو عبيدة: وقال الأصمعي: المقسط في اللغة: العادل، والقاسط: الجائر، قال اللَّه: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]. وهذه الآية توجب أنه ليس يحرم على المسلم أن يَبَرَّ قرابته الكافر الذمي من غير المفروض، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك. * * *

стр. 1021

ومن سورة الحواريين (١)

стр. 1022

٢ - قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ قال أبو موسى الأشعري: لقد نزلت سورة كنا نسميها المسبحات، أولها ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ فنسيتها، غير أني حفظت منها: "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم، ثم تسألون عنها يوم القيامة" (١). وقال مجاهد: قال جماعة من الصحابة فيهم ابن رواحة: لو نعلم عملًا هو أحب الأعمال إلى اللَّه، لعملنا بها حتى نموت، ثم تأخر بعضهم، فأنزل اللَّه هذا فيهم، فقال عبد اللَّه بن رَواحة: لا أبرح حَبيسًا في سبيل اللَّه حتى أموت، فقتل شهيدًا (٢). فأما قول الأشعري: فتكتب شهادة، فكلام من رسول اللَّه ﷺ أَتبعه الآية، ليس من القرآن. والآية توجب على كل من وَعَد وعدًا لا إثم فيه أن يَفي به، وكل من ألزم نفسه طاعة أو عملًا (٣) فيه طاعة أن يفي به ويدوم عليه، ويسألَ اللَّهَ التوفيق والمعونة، ألا تراه قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية [التوبة: ٧٥]، فلما بخلوا بما وَعَدوا فيما أُعْطُوا ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧].

стр. 1023

٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ روي عن الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة، عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "لن يذهب الليلُ والنهار حتى تُعبد اللات والعُزّى"، فقلت: يا رسول اللَّه، قد كنت أظن حين قال : ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، أن ذلك تام، فقال النبي ﷺ : "سيكون من ذلك ما شاء اللَّه أن يكون، ثم يبعث اللَّه ريحًا فتقبض روح من كان في قلبه حَبّة من خردل من خير، وتبقي من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم" (١). وقال أبو هريرة ﵁، رُوي عنه إن كان صحيحًا: إن الإظهار خروج عيسى ابن مريم ﵇ (٢). وقال مجاهد مثل ذلك، وفي قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]. قال بكر: ولا أدري كيف صحة حديث الأسود، ولا ما روي عن أبي هريرة، إلا أن الآية توجب ظهور النبي ﷺ على الأديان كلها، فأظهره اللَّه بالحجة على قريش وهاجر، وكان في يوم الحديبية في ألف وأربعمائة، ودخل عام الفتح في عشرة آلاف، وغزا حُنينًا في اثني عشر ألفًا، وغزا تَبوك في سنة تسع في ثلاثين ألفًا، ثم حج في سنة عشر، وتوفي ﷺ في شهر ربيع الأول من سنة إحدى عشرة، وقد أدخله اللَّه المسجد الحرام كما وعده.

стр. 1024

وكان قوله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧] معناه: إذا شاء اللَّه آمنين، وهذا سائغ في كلام العرب، واللَّه لا يحتاج أن يستثني، لأنه يعلم ما يكون وما لا يكون، وما لا يكون لو كان كيف كان يكون، وهذا في القرآن في مواضع كثيرة. وإنما يستثني من لا يدري هل يكون ما قال أم لا، ألا تراه لما أتى عمر أبا بكر ﵄، يوم الحديبية فقال: أليس قد قرأ علينا ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾؟ قال له أبو بكر بطبعه السليم وعلمه الواسع: قال لك في هذا العام؟ ! ثم أتى النبيَّ ﷺ فخاطبه بمثل ذلك، وقال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل، فلم تُعطَ الدَّنِيَّة في ديننا؟ ثم قال: أليس قال اللَّه : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، وقد وعدتنا بذلك، فقال النبي ﷺ : "أقُلْتُ لكَ في هذا العام؟ " (١)، فوافق قولُ أبي بكر قولَ النبي ﷺ ، وكان أصحاب رسول اللَّه ﷺ كلُّهم قد نفروا من المقاضاة، ولحقهم ما لحق عمرَ خلا أبي بكر، فمعناه: إذا شاء اللَّه، ولما شاء اللَّه فتحها عليه فدخلها، ثم دخلها حاجًا أو معتمرًا. ثم أظهره اللَّه على الدين كله، فلم يبق أهل ديانة إلا أظهره اللَّه عليهم، إما بغلبة قتال، وإما بخوف وبإجلاء عن أوطانهم، أو بإذعان بالجزية، فهذا إظهار وغلبة بيِّنة، وأما من سِوى هؤلاء فأظهره اللَّه عليهم بالحجة، وكفى به إظهارًا، ألا تسمع إلى قوله: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، يعني: الغالبين، وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، فأعلم أنه ينصر رسله في الحياة الدنيا، وقد عَلِمنا أنهم يُغلبون ويُؤذَون، وقد قال لنبيِّنا ﷺ : ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٨]، وقال: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت:

стр. 1025

٤٣]، يعني: من الأذى، فقد عَلمنا ما جرى على الأنبياء ﵈، وهم منصورون بالحجة، وهل في يوم الأشهاد نصرة إلا بالحجة، فأنبياء اللَّه وأولياؤه والمؤمنون منصورون بالحجة مغلوبين وغالبين، وصاحب الحجة هو المنصور، فقد عَلمنا أن النبي ﷺ لم يقاتل أهل المِلل كلها، وقد أعلمه اللَّه أنه يظهره على الدين كله، لأن حجته باقية إلى يوم القيامة قال اللَّه : ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقد بلغ الخَلق جميعًا، ومن كان معه القرآن فهو مُظهَر منصور حتى يلقى اللَّه به، فينصره يوم القيامة به، وهو قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. * * *

стр. 1026

١٤ - قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال مجاهد: من يتبعني إلى اللَّه؟ (١). وقال سفيان بن حسين: من مع نصر اللَّه إياي، كقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، و ﴿قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]، أي: مع قوتكم. وقال قتادة: قد كان ذلك بحمد اللَّه، جاءه سبعون رجلًا فبايعوه عند العقبة، فآووه ونصروه حتى أظهره اللَّه، قال: ولم يُسَمَّ حي من السماء اسمًا لم يكن لهم قبل ذلك غيرهم (٢). وقال أنس: هذا اسم لم نتسم به، سمّانا اللَّه به. وقال قتادة: الحواريون كلهم من قريش: أبو بكر، وعمر، وحمزة، وجعفر، وعثمان بن مظعون، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد اللَّه، والزبير بن العوام (٣).

стр. 1027

وقال: الحواري: الوزير (١). وقيل: الحواريون: الغسالون (٢). وقال أبو عبيدة: الحواريون هم صفوة الأنبياء الذين اصطفوهم، والحَواريات من النساء: اللاتي لا يَنزلن البوادي ويَنزلن القرى، قال الشاعر: وقل للحَواريات يَبْكِين غيرَنا ... ولا تَبْكِنا إلا الكلابُ النوابحُ (٣) والحور: الشديدة بياض بياض العين، وإذا اشتد البياض قوي سواد سواد العين، وإذا كان الأصل البياضَ والنّقاء، كان من نَصرَ اللَّه ورسوله ﷺ بنقاء القلبِ له هذا الاسم. * * *

стр. 1028

١٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ قال ابن عباس ﵁: لما أراد اللَّه أن يرفع عيسى ﵇ قال: خرج على أصحابه وهم اثنا عشر فقال: أما إن منكم من سيكفر بي ثِنْتَي عشرة مَرَّة بعد أن آمن بي، ثم قال أيكم يُلقى عليه شبهي فيُقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ قال: فقام شاب منهم فقال: أنا، فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا، فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا، فقال: أنت ذاك، قال: فألقي عليه شبه عيسى، قال: ورفع عيسى من رَوْزَنَة (١) في البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشِّبْه فقتلوه ثم صلبوه. قال: وكفر به بعضهم ثِنْتَي عشرة مرة بعد أن اَمن به، قال: فافترقوا ثلاث فرق: فقالت فرقة: كان اللَّه فينا ما شاء، ثم صعد إلى السماء، وهم اليَعْقوبية (٢)، قال: وقالت فرقة: كان فينا ابن اللَّه ما شاء ثم رفعه اللَّه إليه، وهؤلاء النُّسْطورِية (٣)، وقالت فرقة: كان فينا عبد اللَّه ورسوله ما شاء، ثم رفعه اللَّه إليه، قال: وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها.

стр. 1029

قال: فلم يزل الإسلام طامسًا حتى بعث اللَّه محمدًا ﷺ ، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، يعني: الطائفة التي آمنت في زمن عيسى، ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾، يعني: الطائفة التي كفرت في زمن عيسى ﵇، قال: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بإظهار دينهم بمحمد ﷺ ، فأصبح دينهم ظاهرًا (١). وقال جماعة من المفسرين نحو ذلك. * * *

стр. 1030

ومن سورة الجمعة

стр. 1031

٢ - قال اللَّه : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ إلي قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأُتْفوي، قال: أنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري، قراءة عليه في منزله بمصر، عام إحدى وأربعين وثلاث مائة، وأنا أسمع قال: كانت العرب لا تقرأ ولا تكتب وهم الأمِّيون، وكان بُعث النبي ﷺ إليهم أولًا، ثم إلى الناس جميعًا، وقد كان في قريش والعرب نفر يكتبون وفي كتابتهم ضعف، والناس كلهم من العرب لا يكتبون ولا يقرؤون، وكان النبي ﷺ أُمّيًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولا يحفظ من الشعر شيئًا، وكان من دلائل نبوته ﵇ ما أتى به من أخبار مَن مضى من الأمم، ولم يقرأ الكتب قبل ذلك، ولا عَرف منها شيئًا. * * *

стр. 1032

٣ - قال اللَّه عز وجلا: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ يعني سائر العَجَم والرُّوم وغيرهم. وقال النبي ﷺ ووضع يده على سلمان وقال: "لو كان الإيمان عند الثُّرَيّا لتناوله رجال من هؤلاء" (١). وقال العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ لما تلا هذه الآية ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، فضرب على فخذ سلمان الفارسي، ثم قال: "هذا وقومه لو كان الدين عند الثُّرَيّا لتناوله رجال من الفُرس" (٢). وقال عكرمة: هم التابعون (٣). وقال الضحاك: من آمن وعمل صالحًا إلى يوم القيامة من عربي أو عجم (٤).

стр. 1033

٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ قال الحسن: يحمل على ظهره ولا يدري ما على ظهره، فكذلك المنافق (١). وقال مجاهد: يحمل كتبًا لا يدري ما فيها ولا يعقلها (٢). وقال قتادة: يحمل كتبًا لا يدري ما على ظهره (٣). * * *

стр. 1034

٩ - قال اللَّه جل وعز: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال الزهري، عن سالم، عن أبيه: كان عمر يقرؤها: "فامضوا إلى ذكر اللَّه" (١). وكان ابن مسعود يقول: لو قرأتها ﴿فَاسْعَوْا﴾ لسَعَيْتُ حتى يسقط ردائي، إنما هي "فامضوا" (٢). وكان أُبَيّ يقرؤها كذلك (٣). وقال ثابت: قال لي أنس: قم نسعى لها (٤).

стр. 1035

وكان ابن الزبير يقرؤها: "فامضوا إلى ذكر اللَّه" (١). وقال الحسن: فاسعوا بالقلوب والإرادة (٢). وقال عطاء: المشي (٣). وقالته جماعة. والسعي في اللغة: العمل. وقال مالك: ليس هو السعي على الأَقدام بالاشتداد، وإنما هو العمل (٤). فأما قراءة من قرأها: "فامضوا إلى ذكر اللَّه"، فإنما قصدوا إلى المعنى المراد، لا أنهم جعلوا ذلك قراءة، وليس يجوز أن تغير لفظة مما في المصحف برواية، وإنما عَبَّروا عن المعنى، لأن السعي هو العمل، قال اللَّه : ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، فالسعي: القصدُ إليها، كما قال الحسن بالنية والعمل. * * *

стр. 1036

٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البيع عند النداء للجمعة] قال ابن عباس ﵁: لا يصلح البيعُ يومَ الجمعة حين ينادى بالصلاة، فإذا قُضيت الصلاة فاشْتَرِ وبِع (١). وكان مُسلِم بن يَسار، والقاسم بن محمد يقولان: إذا نودي للجمعة فلا بيع (٢). وقال ميمون بن مِهْران، وأيوب السَّخْتِياني: كان المنادي يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة بالمدينة نادى: حَرُم البيع، حَرُم البيع (٣). وكان أبو بكر بن حزم يساوم بِلَبَن، فسمع أذان الجمعة فقال: لا بيع بيني وبينَك. وقال الضحاك، والحسن، وعطاء: إذا زالت الشمس يوم الجمعة، فقد حَرُم البيع والشراء حتى تُقْضى الصلاة (٤).

стр. 1037

وقال الشعبي وسئل عن الساعة التي يرجى فيها الدعاء، قال: هي ما بين أن يَحْرُم البيع ويَحِل (١). وكان عمر بن عبد العزيز يمنع الناس البيع يوم الجمعة إذا نودي للصلاة (٢). وقال ابن شهاب: حَرّم النداءُ البيعَ. وقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه (٣). وقال زيد بن أسلم: النداءُ حين يخرج الإمام (٤)، يريد النداءَ الثاني. وقال أبو الزناد: يُفسخ البيع إذا وقع في ذلك الوقت (٥). قال اللَّه : ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، فمعناه: لا تبيعوا، فكيف يجوز بيع من نهاه اللَّه أن يبيع؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "ما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" (٦)، فإذا كان النبي ﷺ نَواهيه على الإيجاب وهي رواية، فنواهي القرآن أوكد.

стр. 1038

وقد احتج قوم ممن يقول بجواز البيع في هذا الوقت (١)، بقوله سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وأنه قيل: ذلكم خير لكم، دل على الترغيب، فغلط غلطًا فاحشًا، لأن اللَّه إذا نهى عن شيء ففيه الخير للعباد، وقد قال: ﴿وَلَا (٢) تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، فهل يجوز أن يقال إن هذا غيرُ واجب؟ وإذا أُمروا بالذهاب إلى الجمعة وجب عليهم ألا يفعلوا شيئًا يتشاغلون به عن إدراك الجمعة، ولما قيل في تحريم الصيد قيل: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، كذا قيل هاهنا: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [الجمعة: ١٠]. وقيل: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فكان ذلك كله إذنًا وإطلاقًا بعد الحظر، فيما أمرهم به من اعتزال النساء في المحيض، وفي الصيد، وفي البيع بعد الفراغ من الصلاة. وقد عارض قوم بأن قالوا: فإن أعتق في ذلك الوقت أو تزوج، هل تقولون إن ذلك باطل، كما تقولون في البيع؟ فقلنا: من عادة الناس التشاغل بالبيع في كل الأزمنة والأوقات، وهو عمل مستدام، وليس النكاح والعتق مما يدوم فعل الناس له، كما يدوم في المبايعات، وإنما نهى اللَّه عن البيع لدوامه وانتظامه، وأن القوم خرج كثير منهم للنظر إلى العِير، وتَعَجُّل البيع، فعوتبوا، ونزل تحريم البيع من أجل فعلهم.

стр. 1039

قال جابر بن عبد اللَّه: أقبلت عِير بتجارة يوم جمعة، ورسوله ﷺ يخطب، فانصرف الناس ينظرون، وبقي رسول اللَّه ﷺ في اثني عشر رجلًا، فنزلت هذه الآية. وقوله: ﴿أَوْ لَهْوًا﴾، إنما هو تجارة ولهوًا، لأنهم كانوا إذا أتت العِير ضُرب بين يديها بالدف، ومَرّ السودان يلعبون بين يديها، ومثل هذا في القرآن كثير، قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، إنما هو آثمًا وكفورًا. وروى جماعة مثل الذي رواه جابر بن عبد اللَّه (١)، وقاله جماعة من التابعين منهم من وصله، ومنهم من أرسله، ولم يُختلف في ذلك. وقال فيه الحسن: إن رسول اللَّه ﷺ كان يخطب، فقدمت عِير فأسرع الناس إليها، فنزلت: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، فقال: "والذي نفسي بيده لو تبايعتم لاضطرم ما بينهما نارًا" (٢). فلما كان الذي أُنكر عليهم البيع الذي تجري به العادة، ويدوم الاشتغال به، حَرُم عليهم، وليس يدوم الاشتغال بالنكاح والعتق وما أشبهه، فلم يدخل ذلك في التحريم، ألا ترى أنه قد رخص لمن تخلف عن الجمعة، وغلظ على من تركها ثلاثًا، فقيل: طبع على قلبه، فلو أطلق للناس البيع لتشاغلوا به في كل الجُمَع، والنكاح والعتق لا يشتغل به، ولا يدوم فعله، فدخل في باب الرخصة، وإن كنا ننهى عنه أيضًا، كما نأمر ألا يتخلف أحد عن جمعة، ولا نرى مَن يتشاغل عن جمعة واحدة معاقَبًا.

стр. 1040

[صفة الخطبة] وكان النبي ﷺ يخطب في الجمعة خطبتين، يقعد بينهما قعدة خفيفة، وكذلك كان أبو بكر، وعمر، وروى ذلك جابر بن سَمُرة، وغيره (١). * * *

стр. 1041

ومن سورة المنافقين

стр. 1042

١٠ - قوله : ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال ابن عباس ﵁: من كان له مال يُبلِّغُه الحجَّ فلم يفعل، ومن كان له مال يَبْلُغ الزكاة فلم يزكه، سأل الرَّجْعَة عند الموت، فقال له رجل: يا أبا عباس، إنما سأل الرجعة الكافر، قال: أنا أقرأ عليك به قرآنًا، ثم قرأ هذه الآية (١). وقال ابن عباس: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾: أزكي، ﴿وَأَكُنْ (٢) مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أَحُج (٣). * * *

стр. 1043

ومن سورة التغابن

стр. 1044

١١ - قوله : ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيُسَلِّم ويرضى، ويعلم أنها من عند اللَّه (١). وقال مقاتل بن حيان: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾: قال: الاسترجاع (٢). * * *

стр. 1045

١٤ - قال اللَّه عز من قائل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال ابن عباس ﵁: هؤلاء ناس أسلموا، وأبى أزواجهم وأولادهم أن يأتوا النبي ﷺ ، فلما قدموا المدينة، ورأوا الناس قد فَقِهوا في الدين، فأرادوا أن يعاتبوهم، قالوا: أنتم الذين منعتمونا أن نأتي النبي ﷺ فنزلت: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). وقال مقاتل نحو ذلك (٢). وقال مجاهد: احذروهم أن يقطعوكم عن طاعة ربكم (٣). * * *

стр. 1046

١٦ - وأما قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ هذه الآية نَسخت: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وكذا قيل: نسخت (١). والذي عندي أنها خَفَّفَت من التكليف الأول. وقال زيد بن أسلم: لو بقي التكليف على قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، لكان ما لا يُطاق، ولكن اللَّه جل وعلا رحم عباده، فنسخها بهذه الآية (٢). وقال الحسن في قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ قال: أجهدوا أنفسكم (٣). * * *

стр. 1047

٩ - وأما قوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ فهو غَبْن أهل الجنة لأهل النار، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1048

ومن سورة الطلاق

стр. 1049

١ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ ٦٤ - حدثنا أحمد بن موسى، قال: نا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسولَ اللَّه ﷺ عن ذلك فقال له: "مُره يراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلَّق، قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر اللَّه أن يطلق لها النساء" (١). وطرق هذا الحديث كثيرة، وفي بعضها: "طاهرًا أو حاملًا" (٢). فالطلاق الذي أمر اللَّه به، وعلَّمه عبادَه، الذي هو السُّنة: أن يطلق الرجل امرأتَه في طُهر لم يمسَّها فيه، ويدعها تمضي في عدتها، فإن بدا له أن يَرتجعها ارتجعها، شاءت أم أبت، قبل تَقَضّي عدتها، وإن تركها ولم يَرتجع، فإذا انقضت عدتها حَلَّت للأزواج، وكان خاطبًا من الخطاب. وزعم أبو حنيفة أن طلاق السُّنة أن يطلِّق في كل طُهر طلْقة (٣)، والذي رُوي عن علي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود ﵄ كما قلنا أنه طَلْقَة في أول الطهر إلى انقضاء العدة، ولا نعلم أحدًا من الصحابة قال ما قاله، إلا شيء رواه الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه.

стр. 1050

وروى زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه، ضِدَّه على ما رَسَمنا من طلاق السُّنة. ورواه وكيع، عن إسرائيل، وسليمان بن حرب، وحجاج، وحفص بن عمر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه، مثل الذي روى ابن أبي زائدة، فوهى حديثُ الأعمش، ولعله بلغه عن أبي إسحاقَ ولم يسمعه. وزعم الشافعي أن طلاق الثلاث مجتمعة من السُّنة (١)، وقد روى مخرمة بن بُكَيْر عن أبيه قال: سمعت محمود بن لَبيد الأنصاري يقول: أُخبر رسول اللَّه ﷺ عن رجل طلَّق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبانًا، ثم قال: "يُلعب بكتاب اللَّه وأنا بين أظهركم" (٢). وروى حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: إن طلقت ثلاثًا فقد بانت منك امرأتك، وعصيتَ ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك (٣). وروى أشعث، عن نافع، عن ابن عمر ﵁: من طلق امرأته ثلاثًا فقد عصى ربه، وبانَت منه امرأتُه (٤). وقال كعب بن علقمة: إن عليًّا ﵀، كان يعاقب الذي يُطلِّق امرأته البتة، وقال: ما طلَّق رجل طلاق السُّنة فندِم (٥).

стр. 1051

وقال الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس ﵁ وجاءه رجل فقال: إن عَمِّي طلَّق امرأتَه ثلاثًا، فقال: إن عمك عصى اللَّه فأَنْدَمَه، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مَخرجًا، قال: أفلا يُحلها له رجل؟ قال: من يخادع اللَّه يخدعه اللَّه (١). وقال مجاهد: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل طلق امرأته ثلاثًا، فقال: يعمد أحدكم فيركب الأُحْمُوقَة (٢)، ثم يقول: يا ابن عباس، يا أبا عباس، قال اللَّه : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، وإنك لم تتق اللَّه، فلا أرى لك مخرجًا، عصيت ربَّك، وبانت منك امرأتُك (٣). وقال عمران بن حصين: من طلَّق ثلاثًا أَثِم بربه، وحرمت عليه (٤). وقال أنس: كان عمر رحمة اللَّه عليه، إذا أتي برجل طلَّق امرأتَه ثلاثًا في مجلس، أوجعه ضربًا، وأَبانها (٥). ومن قال مثل ذلك من التابعين، أكثر من أن يدركه الإحصاء، ولولا الإطالة لقصصت به، أفلا يتقي اللَّه عبد يظن أنه أعلم بسُنَّة الطلاق المنزل في القرآن من عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، ومن ذكرنا؟ وقد احتج هذا الرجل بأن العَجلاني طَلَّق بعد تقضي اللِّعان ثلاثًا، فلم يُنكر النبي ﷺ ذلك عليه (٦)، والعَجلاني طَلَّق أَجْنَبِيَّتَه، لأن اللِّعان قد فَرَّق

стр. 1052

بينهما عند الشافعي، فما يُدريه لعل النبي ﷺ قد أنكر الثلاث، كما لزمه أن ينكر طلاق الأجنبية، وليس كل شيء كان نقل إلينا. واحتج أيضًا بأن النبي ﷺ قال لعمر: "فإن شاء طَلَّق، وإن شاء أمسَك"، ولم يذكر له عدد الطلاق (١)، والنبي ﷺ لم ينكر على ابن عمر الطلاق، وإنما أنكر الموضع، فعَلَّمَه موضع الطلاق، ولم يحتج إلى تعريفه العددَ، إذ كان ابن عمر قد أصاب فيه وعَرَفه. واحتج أيضًا بحديث رُكانة، وأن النبي ﷺ سأله: "ما أردت؟ " (٢)، وهذا إنما ينبغي أن يحتج به على من يقول: إن الثلاث لا تقع ولا تلزم (٣)، وانما سأله لأنها كانت غير مدخول بها، فأراد أن يُعلمه هل تحل له قبل زوج أم لا، فأما تَعَرُّف ما أراد ليَلزمه فلا بد منه، لأنه قد يخطئ السُّنة ويُطلِّق للبدعة. فأما ما قاله أبو حنيفة من الطلاق في كل طُهر، فقد ذكرنا وجه الخطأ فيه، وعلى أنه جَوَّزَه للسُّنة مع تقديم ذِكر ما يقوله للسُّنّة، وليس يجوز أن يقول قائل: إن واحدةً للسّنّة وضدُّها للسُّنّة، هذا ما يستحيل في العقول. وقال أبو حنيفة أيضًا: إن الأقراء الحِيض (٤)، وقد قدمنا الحجة في ذلك في "سورة البقرة".

стр. 1053

وإنما أُمر الناس بطلاق السُّنّة نظرًا للزوجين، وأن لا يُطلق عليهما الرجعةَ أو التراجع، ألا تراه جل ثناؤه قال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، وإذا كان الطلاق الثاني في الطهر الثاني لا عِدّة له، والعِدّة بالطلاق الأول، فأيُّ فائدة في الثاني إلا مخالفة أمر اللَّه ، والدخول في التضييق على نفسه؟ لأن اللَّه يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾، فعُلم أن الطلاق الذي أمر اللَّه به تكون منه عِدّة، فقد دخل أصحاب أبي حنيفة فيما أنكروه على الشافعي، من إباحة الطلاق الثلاث في مقام واحد. وقال رسول اللَّه ﷺ : "فتلك العدة التي أمر اللَّه أن يُطَلَّق لها النساء"، فالأمر في كتاب اللَّه للوقت، وأمر رسول اللَّه ﷺ إنما هو للوقت، وقد ذكرنا احتجاج الشافعي بقول النبي ﷺ لابن عمر، ولا أحسب الشافعي يكون أعلم بذلك من المخاطبين به، وهما عمر وابن عمر، وقد قالا جميعًا: من طلق ثلاثًا فقد عصى ربه ، ولو كان للسُّنّة الثلاث بطلت الفائدة في قوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، وقد قال المفسرون جميعًا: هي الرجعة (١)، وقد قال اللَّه : ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، فعُلم أن الذي طلق ثلاثًا غيرُ مخاطب بذلك. فأما قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، يشبه قوله في البقرة: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، فأمر هذا عند انقضاء العدة أن لا يُراجعها مُضارة لها، لأن الرَّجعة إنما هي له من قبل أن تنقضي عدتها، والآية التي في البقرة إنما كان الرجل يطلق، فإذا قاربت انقضاء العدة ارتجع من غير رغبة، ثم يطلق ليُطَوِّل عليها عدتها ويعذبَها، فنُهوا عن ذلك.

стр. 1054

فأما قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فشَرْط المعروف يراد به النكاح الحلال، والعقد الصحيح بولي وإعلان، فهذا هو المعروف الذي شرَطَه اللَّه ، فإن الظاهر -واللَّه أعلم- يدل على أن أجلهن في هذا الموضع، هو الذي أبيح لهن فيه التزويج وهو ما بعد آخر العدة، وآخر العدة هو من العدة، وما بعدها ليس منها، وقد تأتي اختصارات يتسع القول فيها إذا فُهم المعنى. فقوله في المتوفى: ﴿بَلَغْنَ﴾، معلوم أنه خرجن، وقوله في المطلقة: ﴿بَلَغْنَ﴾: قارَبن، ولهذا نظائر في القرآن، قال اللَّه عز من قائل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، وإنما هو إذا أردت، وقال سبحانه: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: ١٢]، إنما هو إذا أردتم مناجاة الرسول، وقال رسول اللَّه ﷺ : "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" (١)، وإنما هو إذا أراد المجيء، وقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، ثم قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وليس يكون ذلك فيمن طَلَّق ثلاثًا. وقال بعد ذكر المرتين: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فعلم أنه التطليق الثالث حالًا بعد حال، ألا تراه قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [لبقرة: ٢٣٠]، فرد هذا النسق على قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، نَسَقًا على قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.

стр. 1055

ومعنى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾: فإن سرحها بالطلاق الثالث، وأدخل ما بين ذلك ذكر الخُلع، وهو قوله : ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فكان أمر الخُلع الذي أُدخل في هذا الموضع حكمًا بين النساء كلِّهن، لا في التي طُلقت مرتين، ومثل هذا يجيء في القرآن كثير، تدخل القصة فيما بين القصتين، ثم تُرد الآخرة على الأولى، وقد ذكرنا هذا الموضع في سورة البقرة في موضع الخلع، فكان جميع ما وصفنا في كتاب اللَّه تبارك اسمه، أن الطلاق الذي أبيح إنما هو تطليق بعد تطليق، فكان ذلك نظرًا لهم على ما وصفنا. فإن طلق رجل ثلاثًا في وقت واحد، لزمه ذلك، وكان قد أخطأ على نفسه، وأثم بربه ، حين لم يقبل ما أَدَّبه به وعَلَّمه إياه، فإن اللَّه ﵎ يُحِبّ أن تؤخذ رخصه كما يؤخذ بعزائمه. وكان الطلاق الذي ألزمه نفسَه واجبًا عليه، وإن كان قد وضعه في غير موضعه، لأن الطلاق إخراج ملك عن يده، يقع بسُنّته وبغير سُنَّته، كما يَعتِق فيَلزمه بسُنَّته أو بمعصيته، كل ذلك يَلزمه، وقد قيل لابن عمر: فهل عُدّ ذلك طلاقًا؟ فقال: أرأيت إن كان ابن عمر عجز واستحمق، فما يمنعه أن يكون طلاقًا؟ (١)، وذهب على سائله قول رسول اللَّه ﷺ : "مُرْهُ فليرتجعها"، فهل تُراجع إلا المطلقة؟ وابن عمر الذي خوطب بذلك، ها أنت ذا طلقت امرأتك واحدة واثنتين، أمرك رسول اللَّه ﷺ برجعتها، ها أنت ذا طلقت امرأتك ثلاثًا، بانت منك امرأتك وعصيت ربك. وقد ذكرنا في سورة البقرة الأَقْراء ما هي، والحُجةَ على من قال: إنها الحيض.
следующие страницы →