← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 39

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي

بكر بن العلاء

Полный текст (1 204 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾، فأمره رسول اللَّه ﷺ بعتق رقبة، إلى آخر الحديث (١). وقال سليمان بن يسار، عن سَلَمَة بن صخر، قال: ظاهرتُ من امرأتي، فوقعت بها قبل أن أُكَفر، فخرجت إلى قومي فأخبرتهم خبري وقلت: امشوا معي إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: لا واللَّه لا نمشي معك، وما نأمن أن ينزل فيك القرآن، ويكون من رسول اللَّه ﷺ فيك مقالة يَلزمُنا عارُها، ولَنُسلِمنَّك بجريرتك، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فأخبرته خبري، فقال: "أنت بذاك يا سلمة" يرددها ثلاثًا، فقلت: ما أنا صائر للَّه (٢) إليه، فاحكم بما أراك اللَّه، فقال: "حرِّر رقبة" قال: سليمان عن سلمة: وكنت امرأً أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل رمضان خِفت الفتنة فظاهرت (٣). وقال الحسن في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] قال: الغشَيان (٤). وقاله الزهري، ومالك، وقتادة، وأبو العالية (٥).

стр. 982

فكان الذي حرم اللَّه ﵎ بالظهار الوطءَ. [نيابة الحروف عن بعضها] فقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾: يعود لما حَرَّم، كما قيل: "العائد في هِبَته"، وهو الراجع إليها يتملكها، تقول العرب: رجعت في قولي ورجعت عنه، وحروف الإضافة قد تُبدل بعضها من بعض، كقوله: نزلت به، ونزلت عليه، قال اللَّه : ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، وقال : ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٨٠]، فقال في موضع: ﴿فِيهَا﴾، وقال في موضع آخر: ﴿وَعَلَيْهَا﴾، وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، أي: على جذوع النخل، وقال سبحانه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، أي: بأمر اللَّه، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨]، أي: عليه. فمعنى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾: إلى الغشيان، لأنه إذا قصد لأن يغشى، فقد قصد إلى إبطال ما كان منه من التحريم، فقد عاد في ذلك القول الذي لفظ به من التحريم، يريد الرجوع عنه. وقال الشافعي: إذا ظاهر الرجل من امرأته ثم لم يطلق طلاقًا متصلًا بالظهار، فقد وجبت عليه الكفارة (١)، وهو قول فاسد، لأن المُظاهِر على نية الظهار إلى أن ينقضي لفظه، فإن أراد الطلاق بعد الظهار، فأقرب ما يمكن فيه أن ينوي حين انقضاء لفظه بالظهار أن يُطلِّق ثم يُطلِّق، فلا يقع الطلاق إلا وبينه

стр. 983

وبين الظهار فُرْجَة قَلَّت أم كثُرت، لأن الفعل في كل شيء إنما يكون بعد النية، وليس يُعقل أن يكون التظاهر من إنسان إلا لمعنى، وهو أن يغضب فيظاهر ليمنعها الوطء، أو يمنع نفسه منه، فإذا أوصل النية بالظهار فلا فائدة له في الظهار، إذ كان يريد الطلاق وإن كان يريد الإقامة التي يلزمه تيسيرها الكفارةَ عقيب اللفظ بالظهار، فلا فائدة له في الظهار يشفي به نفسه من غضبه، وإنما شق على نفسه بأن ألزمها كفارة لغير معنى. مع أن قوله: إن لم يطلق بعقب الظهار لزمته الكفارة خطأٌ، يدل عليه الكتاب، واللغة، وأصحابه يَدَّعون له علم اللغة، لأن اللَّه قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾، وثم إنما تقع بعد الشيء على تَراخ، لأنه لا اختلاف بين أهل اللغة أن الواو توجب الاجتماع ولا توجب التبدئة به، لأن قول القائل: لقيتُ زيدًا وعَمرًا، يوجب أن يكون لقيهما، وقد يجوز أن يكون زيد قبل عمرو، وعمرو قبل زيد، وإذا قال: لقيت زيدًا فعمرًا، فذلك يوجب لقاء زيد قبل عمرو بغير تَراخ، وإذا قال: لقيت زيدًا ثم عمرًا، فهذا يوجب عندهم التراخي، وأن يكون لقاؤه عمرًا بعد زمان. وقوله أيضًا خطأ من وجه آخر، لأنه لما قيل: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، لم يخل بأن يعود بفعل أو نِيّة، ولو كان المعنى في ذلك إنما هو ألا يطلقوا، لكان وجه الكلام: ثم لم يطلقوا، والقرآن يَجل عن أن تكون فيه لفظة غيرُها أبلغ منها وأشفى. وقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ إيجاب، و"لم يطلِّقوا" نفي، فلو كان معنى ﴿يَعُودُونَ﴾ معنى "لم يطلِّقوا"، لكان الإيجاب هو النفي والنفي هو الإيجاب، وهذا محال، ولو كان إذا ظاهر ثم لم يطلِّق عائدًا بأنه ممسك، لكان في حال الظِّهار مُمسِكًا، لأنه لم يطلِّق وإنما ظاهَر.

стр. 984

ويَفسُد أيضًا قولُه من وجه آخر، لأن قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ يوجب أن يحدث منهم شيء، والمظاهِر لم يطلِّق في حال ظهاره ولا قبل ذلك، فإذا تظاهر ثم لم يطلِّق بعد الظهار، فهو كما كان، لم يَحدث منه شيء، لا فعلٌ ولا قولٌ، فيستحيل معنى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾، لأن العائد إنما يعود إلى شيء قد كان فارَقه، والمظاهِر لم يفاردتى زوجته في حال الظهار ولا قبله ولا بعده، وإنما فارق المَسيس، فهو يريد أن يعود إليه. وقد احتج له أحمد بن عمر بن سُرَيْج بأن العَوْد تركها زوجة، وأن اللَّه ﵎ قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]، وبقوله سبحانه: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، وأن العَوْد إقرارُهم فيها، فهذا يحتمل أن يكون منهم تحاملًا للخروج، كاضطراب المجلود فتأخذُه المَقامع فيعود إلى حاله. ويجوز ما قال وليس فيه حجة له، لأن اللَّه لما نقل التحريم إلى الظهار قد أقرها زوجة، وألزمها الكفارة بالقول، مع مُضامة العَوْد إلى منع نفسه منه، ولم يجعل الظِّهار منعًا من الزوجية، وإنما جعله منعًا من الوطء، فإذا أراده متصلًا بانقضاء الكفارة، وحل له الوطء، إذ شرط عليه أن يكون قبل الوطء، وإنما يقال: إن طلق وإلا فقد لزمته الكفارة، لمن قيل له: طَلِّق أو كَفِّر، كما يقال للمُولي: فِئ أو طَلِّق. فأما أن يقال لرجل ظاهر: إن لم تطلِّق لزمتك الكفارة، يقول: اللَّه برحمته نقل طلاقي إلى الظهار الذي فيه الكفارة، رحمةً منه بنا، فلِمَ يَلزمني إن لم أُطلِّق أن أُكفِّر ولم أَعُد؟ وإنما يكون العَوْد الإمساك لو كان الإمساك لم يثبت بحكم اللَّه عليَّ، أو لو كان قد أوجب عليَّ أن أطلِّق أو أُكفِّر، فأما والإمساك قد ثبت بأمر اللَّه، فأي الإمساك يكون مني، وأي ترك للطلاق أكون به ممسكًا لمن لم يجب عليه الطلاق؟ وهذا قول من لم يتدبر ما احتجَّ به، واللَّه أعلم.

стр. 985

والحجة عليه من قول الشافعي، لأنه قال: والظهار كان طلاق الجاهلية، فنُقل إلى الكفارة، فأي شيء أَبْيَن من هذا؟ ولو كان إذا لم يُطلِّق لزمته الكفارة فصارت في ذمته، لما كان لقوله للواطئ قبل أن يكفر: "أمسك حتى تُكَفِّر" (١)، وحاشاه ﵇ أن يقول قولًا لا فائدة فيه، نسأل اللَّه التوفيق برحمته. وقد سمى اللَّه الفعل قولًا، فبذلك يكون ﴿يَعُودُونَ﴾: يريدون الوطء، ومخالفةَ ما منعوا أنفسهم منه، قال سبحانه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، يعني: الكفرَ والمعاصي، فسماها قولًا. ويفسد أيضًا من وجه آخر، لأن قوله يوجب أنه إذا أمسكها بعد انقضاء اللفظ بالظهار طرفة عين فما فوقها، فقد وجبت عليه الكفارة، عاشت أو ماتت، أم طلَّق بعد ذلك أو لم يطلِّق، وقد قال اللَّه : ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، فإذا مات أو ماتت عُلم أنه لا يكون مَسيس، فإذا لم يكن مَسيس لم يكن له قبل، وإذا لم يكن له قبل لم تجب الكفارة، لأن الحال التي جُعِلَت موضعًا للكفارة لم تكن، وكذلك إذا كان لا يريد أن يَمَسَّ فلا كفارة عليه، لأنها إنما وجبت عليه قبل أن يَمَس، فلا يجب عليه حتى يأتي موضعها، ولو كانت تجب عليه وهو لا يريد أن يمس لبطل معنى قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، لأن الكفارة قد استقر وجوبها عليه وصارت في ذمته، فإن أخّرها كان آثمًا في تأخيرها، حيث أثمه في تأخيرها ما وجب عليه، وليس هي الآن من المَسيس في شيء، ولا هي مما يحل به المَسيس فيزول معنى ﴿قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، ولو مَس قبل أن يُكفِّر لما وجب أن يكون آثمًا عنده في المَسيس، وإنما يكون آثما في تأخير الكفارة التي كانت وجبت مَسَّ أو لم يَمَس.

стр. 986

ولم يتأمل الشافعي أمر الظهار الذي حكم فيه رسول اللَّه ﷺ بالكفارة، لأن المُظاهر لم يأت النبيَّ ﷺ وأتت امرأته، ثم أتى هو بعد زمان، وكانت المخاطبة في ذلك في زمان آخر، ثم نزل الوحي بالكفارة بشرط المَسيس، وأن لا يحل إلا بعدها. والشافعي يزعم أن الطلاق يكون متصلًا وكان الظهار من طلاقهم، فقال النبي ﷺ : "ما أراكِ إلا قد بِنْتِ منه"، على ما كان يعرف، فقالت: إلى اللَّه أشكو فاقتي إلى زوجي، فعند ذلك نزل الظِّهار، فنقل التحريمَ إلى الكفارة، فكيف يُكَلَّف الناسُ الطلاقَ بعده، وقد أُزيل الطلاق وحكمه، هذا مما يستحيل في العقول كونُه. والظهار عندنا لم يُحدِث غيرَ منع الوطء، فإذا كان لم يُحْدِث غير منع الوطء (١)، والزوجان بحالهما، كان العَوْد إنما يكون إلى ما هو منه ممنوع، وهو الوطء الموجب للكفارة، فشرط عليه تقديم الكفارة قبله، فلو ماتت أو طلَّق لسقطت الكفارة. وقد روي عن بُكَيْر بن عبد اللَّه بن الأَشَج (٢)، أنه قال في ﴿يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، هو أن يعود فيتكلمَ بالظِّهار مرة أخرى (٣).

стр. 987

وبُكَيْر يرتفع عندي عن هذا القول الظاهر القباحة، ولعل الخطأ ممن دونه، وقد بلغني أن بعض المتأخرين يقول ذلك (١). وقصة المُظاهر على عهد رسول اللَّه ﷺ قد رواها بُكَيْر وغيره، وكلهم حكى أن المُظاهر ظاهَر مرة، فأمره رسول اللَّه ﷺ بالكفارة، وكان نزول القرآن فيه، فلو كان الوجوب بالقول الثاني، لما أمره رسول اللَّه ﷺ بالكفارة، ولقال له: امض ولا تعد لهذا القول فتلزمك الكفارة، وما ذكر في حديث ولا خبر ما حُكِيَ عن بُكَيْر. وقد تكلم الناس فيمن ظاهر من امرأته مرارًا، فقال بعضهم: لكل قول من ذلك مرتين فلا يعلم (٢)، وقال الكثير منهم: كفارة واحدة. فأما أن لا يكون عليه شيء حتى يُظاهر مرتين، فلا نعلم أحدًا قاله (٣). ولقد بلغني أن بعض من يتكلم عن مذهب هذا المتأخر، أن جهله حمله على دفع الحديث الذي قال فيه: إن الظهار كان طلاق الجاهلية، فنقله اللَّه إلى الكفارة، وأن النبي ﷺ لم يقل: "ما أراكِ إلا قد بِنْتِ منه"، وضعف الحديث، وهذا حديث رواه جماعة منهم: حجاج بن مِنْهال، عن حماد، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية، عن خولة التي ظاهر منها أوس بن الصامت، ومع ذلك فما يُحتاج إلى حديث مع القرآن، هل اشتكت إلى اللَّه إلا من الفراق، وقول رسول اللَّه ﷺ لها قد حرمت عليه، فقال : ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾، فإلى اللَّه أشتكي مصير الكلام في العلم إلى من لا دين له ولا توقي

стр. 988

في لفظ ولا فعل، وهل في شيء من الحديث إلا ظهار مرة واحدة، فأمروا بالكفارة، وإنما جاؤوا للوقت، اللَّه المستعان على ما قد ظهر في أهل العلم. وأما مالك فإنه يقول: كفارة واحدة (١)، وهو قول أكثر الصحابة والتابعين، وهو الذي تكلم الناس فيه. فأما أن لا يجعل على المُظاهر كفارة حتى يتكلم بذلك مرة أخرى فلا وجه له، لأن المُظاهِر الذي جُعل فيه القرآن، وحُكِمَ عليه بالكفارة فيه، كان مُظاهِرًا (٢) قبل أن تنزل: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾، ولم نجد أحدًا أنه ظاهر مرتين، ولو كان ذلك لحُكي، إذ كان لا يجب في الظهار حكم إلا بذلك، وإلا وصف في الحديث أنه ظاهر. ولو كان وجوب الكفارة بالعود للقول لما كان لذكر المَسيس وجه، وإنما ذكر التظاهر وهو ضد المَسيس، لأن المُظاهر حرم على نفسه المَسيس، فكيف يقال: إذا حرمت على نفسك المَسيس، ثم حرَّمتَ ثانية، فأعتق رقبة قبل أن تَمَس؟ هذا كلام ضعيف، ولو قال رجل لرجل: إذا لم تُرد أن تَمَس فأعتق قبل أن تَمَس، لنُسب إلى الضعف والجهل، ولو قال: إذا أردت أن تمس فأعتق قبل أن تمس، لكان هذا كلامًا صحيحًا مفهومًا (٣).

стр. 989

فليس تجب الكفارة إلا بالمَسيس، وإرادته توجب تقديمها ما دام مستديمًا للإرادة، فإن عَزَبَت الإرادة عنه بعد أن كان أراد وقَبِل أن يُكفِّر، سقطت عنه الكفارة، ولو أن رجلًا أراد الصلاة وجب عليه أن يتوضأ، فإن بدا له ولم تكن الصلاة وجبت للوقت زال عنه فرض الوضوء، إذ لا صلاة إلا بطهارة، وقد قيل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، فكان إذا أراد أن يقرأ وجب عليه أن يستعيذ، فإن بدا له سقطت عنه الاستعاذة، كذلك إذا أراد الوطء وجبت الكفارة، إذا استدام الإرادة الموصولة بالكفارة إلى ما حُظر عليه، فإن عدَل عن الإرادة زالت عنه الكفارة، كذلك لو طلَّق وقد مضى من صيامه بعضُه سقط الباقي. فإن قيل: لم جعلت هذه الكفارة قبل المَسيس الموجب لها، ولم تُجعل كجزاء الصيد وقتل الخطأ وما أشبه ذلك؟ قيل لهم: تلك كفارات وجبت عن الأفعال المتقدمة لها، والقول في الظهار وإن كان منكرًا وزورًا، فلم يُوجِب اللَّه فيه كفارة إلا بِمُضامة الوطء والإرادة له المتصلة به، فلما وجبت وكان القول مانعًا من الوطء، غير موجب للكفارة، أوجب اللَّه الكفارة، وجعلها موصلة إلى الوطء. وقد أوجب اللَّه كفارة اليمين على من أراد الحِنْثَ، والحِنْثُ يوجبها، وإن قدمت جاز ذلك، وقد ذهب جماعة في كفارة اليمين، إلى تقديمها، منهم: سلمان، ومَسلمة بن مُخَلَّد، وابن عمر، ومحمد بن سيرين. وزعم أبو حنيفة وأصحابه أنه لا بأس أن يطأ المظاهر قبل أن يُطعِم، لأنه لم يشرط في الإطعام ما شرط في العتق والصيام من قبل أن يتماسا (١)، وقد

стр. 990

شرط اللَّه ذلك في خفي القرآن، ومنّ اللَّه بمعرفة ذلك على من حَباه واجتباه، فقال في العتق الذي يكون ناجزًا: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، وقال في الصيام الذي له أول وآخر: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، ولم يجعل له وإن ابتدأ في الصوم أن يغشى بالليل، وحظر عليه ذلك حتى يُتم الصيام كله، فاستغنى بما شرط في الكفارتين عن إعادة الشرط في الكفارة الأخرى، لأن صاحبها إن أطعم المساكين في وقت واحد، فهو كالمعتق الذي يكون فعله في وقت واحد، وإن أطعمهم متفرقين كان كالصائم الذي لصيامه أول وآخر، ولما قيل: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، عُلم أنه بَدَلٌ من الذي قبله، وأنه كلام مُضَمَّن بعضه من بعض، ومعطوف بعضه على بعض، وأنه حَلَّ محَلَّه ووقَع موقعه، فلما كانت الكفارة المُبدأ بذكرها والمثنى تبيحان الوطء وتُحلانه، كانت الكفارة التي تقوم مقامهما وتَحُل محلهما تُحِل له الغشيان، وإن كانت الكفارة الآخرة ليس حكمُها ذلك الحكم، فينبغي أن يكون الغشيان على أصل الحظر، كأنها جعلت عقوبة للكلام الذي تكلم به، وأن قد أُوجِبَت عليه حين تكلم بالظهار، وإن لم يعد لما قال، أو طلَّق أو لم يطلِّق. فقولهم هذا قد يصير إلى أن المُظاهر قد جاز له أن يَغشى من قبل أن يكفِّر بالعتق أو الصيام، لأنه إذا ظاهر ثم لم يجد الرقبة ولم يستطع الصوم، وأبيح له الغشيان من قبل الإطعام، فقد غَشي وهو لا يدري أي الكفارات هي الواجبة عليه، وهم يقولون بعد هذا الغشيان أنه إن وجد الرقبة أعتق، وإن قدر على الصوم صام، فهذه مناقضة. وإيجاب الغشيان قبل العتق مخالفة لظاهر القرآن وباطنه، لأن الإنسان قبل أن يكفر لا يدري ما يكون كفارةَ فعله من عتق أو صيام أو صدقة، وإنما يَعلم ذلك حين تقع الكفارة، بالابتداء فيها أو بالفراغ منها، وما لم يقع فهو أمر مغيب عنه لا يدري أي ذلك كفارتُه.

стр. 991

وقد سمى اللَّه ﵎ القول فعلًا والفعل قولًا، فقال : ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، وهي المعاصي. وقال : ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وهن معه، وإنما أراد اخترن الدنيا، وهو قول. وقد أمر النبي ﷺ الذي ظاهر ثم غَشي قبل أن يُكَفِّر، أن يعتزل امرأته حتى يقضي ما عليه، فإذا كان هذا فيمن غَشي ووجبت عليه الكفارة على كل حال واجبًا، فهو فيمن لم يكن منه الغشيان أوجب وأوكد، واللَّه أعلم. ونعود على الشافعي فنقول: إن النبي ﷺ قد جاءه الذي وطئ قبل أن يُكَفِّر، فلم يقل له: إن الكفارة قد كانت وجبت عليك، وقال له: "لا تطأ حتى تكفر"، فأعلمه أنه ممنوع من العَوْد، وإن كانت الكفارة قد صارت في الذمة، وليس تلزم الذمة إلا بالعَوْد الموصول بالوطء، واستدامة إرادته حتى تنقضي الكفارة، فتقع بها الإباحة، وكل ذلك ذهب عن الشافعي وقال: لا بأس بوطء المظاهر في ليل الصيام (١)، خالف نص القرآن والسُّنة. * * *

стр. 992

٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية روى حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو، أن اليهود أتت النبي ﷺ فقالت: السّامُ عليك، وقالوا في أنفسهم: ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾، فنزلت الآية (١). ورواه أيضًا مسروق، عن عائشة رضوان اللَّه عليها (٢). ورواه عبيد اللَّه، عن أبي هريرة، عن عائشة، وفيه زيادات، والمعنى واحد. وعلمهم رسول اللَّه ﷺ أن يقولوا لهم: عليكم، يريد: بل عليكم، فيرجع السام عليهم، وقال ﵇ لها: "ما رأيتِ ما رددتُ عليهم، فاستجيب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا". * * *

стр. 993

١١ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم (١). وقال قتادة: كان الناس يتنافسون في مجلس النبي ﷺ فقيل لهم: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾، ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ (٢). وقال مَعْمَر، قال الحسن: هذا كلُّه في الغزو (٣). وقال يزيد بن أبي حبيب: أنزل ذلك على رسول اللَّه ﷺ ، انشزوا للقتال. وقال مجاهد: انشزوا إلى كل خير، قتال عدو، وأمر بالمعروف، وما أشبه ذلك (٤). والذي يوجبه ظاهر الآية عندي واللَّه أعلم، أن اللَّه يرفع المؤمنين جميعًا على سائر الأمم في كل الأحوال، ويرفع اللَّه الذين أوتوا العلم منهم على جملتهم، على مقاديرِ علمهم وعملهم بعلمهم في الدنيا والآخرة. وقال ابن عيينة: ينبغي أن يُرفع أهل العلم في المجالس كلها على الناس جميعًا.

стр. 994

١٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ قال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: كان الرجل لا يناجي الرسول ﷺ حتى يتصدق، وأول من فعل ذلك عليٌّ رحمة اللَّه عليه، تصدق بدينار، ثم ناجى النبي ﷺ فأُنزلت الرخصة، وكان أول من صنع ذلك (١). وروى علي بن علقمة الأَنْماري، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : "ما ترى، دينارًا؟ " قلت: لا يطيقونه، قال: "فكم؟ " قلت: شعيرة، قال: فقال: "إنك لزهيد"، قال: فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [المجادلة: ١٣]، قال علي ﵁: فبي خُفف عن هذه الأمة (٢). وقال قتادة: ما كانت إلا ساعة من نهار ثم نُسخت (٣). وقال معمر: كان المسلمون إذا رأوا المنافقين يتناجون شَقّ عليهم، فنزلت ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [المجادلة: ١٠] (٤).

стр. 995

وقال زيد بن أسلم: كان رسول اللَّه ﷺ لا يمنع أحدًا مناجاتَه، فكان الشيطان يأتي أصحاب رسول اللَّه ﷺ فيقول لهم: فلان ناجى رسول اللَّه ﷺ ، لأن جموعًا كثيرة تجمعت لقتالكم (١). وكان المنافقون يقولون: إنما محمد أُذُنٌ يسمع من كل أحد يناجيه، وكان ذلك يَشق على المؤمنين ويحزنهم، فأنزل اللَّه : ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٦]، يقول: يصدقهم، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ٩ - ١٠]، فلم ينتهوا، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾، لينتهي أهل الباطل عن مناجاته، وعرف اللَّه أن أهل الباطل لا يقدمون بين يدي نجواهم (٢) صدقة، فانتهى أهل الباطل عن النجوى، واشتد ذلك على أهل الإيمان والحق، وامتنعوا من النجوى، لأن فيهم من لا يستطيع أن يقدِّم صدقة، فأنزل اللَّه : ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ [المجادلة: ١٣ - ١٤]، قال: ثم خفف اللَّه عنهم فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المجادلة: ١٣]. * * *

стр. 996

ومن سورة الحشر

стр. 997

٢ - قوله : ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قال بكر: هم بنو النَّضير، قاتلهم رسول اللَّه ﷺ حتى صالحهم على الجلاء، فأجلوهم على أن لهم ما أقلت الإبل من شيء إلا الحَلَقَة، والحَلَقَة: السلاح، وكانوا من سِبْطٍ لم يصبهم جلاء فيما مضى، فكان اللَّه قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك عذبهم في الدنيا بالقتل والسبي. وأما قوله سبحانه: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ فكان جلاؤهم ذلك أولَ الحشر في الدنيا إلى الشام. وقال قتادة: تجيء نار من مشرق الأرض تحشر الناس إلى مغاربها، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل إذا قالوا، وتأكل من تخلف (١). قال موسى بن عقبة: لما أمر رسول اللَّه ﷺ بإجلاء بني النَّضير وإخراجهم عن ديارهم، قالوا: أين تخرجنا؟ قال: إلى الحشر. وقال موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ لما ظهر على خَيْبَر أراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض للَّه ولرسوله وللمؤمنين، فسأل اليهودُ رسولَ اللَّه ﷺ أن يُقَرّوا بها على أن يَكْفُوا عملها، ولهم نصف التمر، فقال: رسول اللَّه ﷺ : "نُقِرُّكم على ذلك ما شئنا"، فأُقِرّوا بها حتى أجلاهم عمر ﵁ في خلافته من المدينة إلى تَيْماء وأَرِيحا (٢).

стр. 998

ولما أجلى رسول اللَّه ﷺ بني النضير من المدينة صاروا إلى خَيْبَر، وهي من ناحية الشام، فسكنوها مع اليهود الذين كانوا بها، ثم أجلى عمر ﵁ يهود خيبر حين بلغه أن رسول اللَّه ﷺ قال في مرضه الذي توفي فيه: "لا يبقَيَن دينان في جزيرة العرب" (١)، فأجلاهم فصاروا إلى تَيماء وأَريحا وسائر بلاد الشام. وأما الحشر الذي ذكروا هي: النار تخرج من المشرق، فإنه شيء يكون قبل يوم القيامة، واللَّه أعلم. * * *

стр. 999

٥ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِين﴾ [سبب النزول] سار رسول اللَّه ﷺ إلى بني النضير، فتحصنوا في الحصون فقال لهم: "اخرجوا من المدينة" فأبوا، فقطع النخل وحَرَّق، فنادوا حين رأوا النخل انقطع وتحرَّق: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ فكان في أنفس المسلمين من ذلك شيء، فأنزل اللَّه سبحانه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِين﴾، رواه ابن إسحاق، عن أبيه، عن المغيرة بن عبد الرحمن (١). ورواه الليث، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ حرَّق نخل بني النضير وقطع، وهي البُوَيْرَة، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ (٢) الآية. ورواه أيوب، عن نافع، وزاد فيه: فقال حسان: لها على سُراة بَني لُؤَيٍّ ... حريقٌ بالبُوَيْرَةِ مُستَطيرُ (٣)

стр. 1000

ورواه إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب أيضًا. وقال الزهري: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾، اللِّينة: ألوان النخل كلِّها إلا العَجْوة (١). وقاله عكرمة (٢). وقال الحسن: اللِّينة النخلة، ولا يرى بأسًا بما عُقِر من النخل. وقال محمد بن علي: ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً﴾، قال: هي العَجْوة، وقال مجاهد وسعيد بن جُبَير نحو ذلك. وقال أبو الزناد: لأن العَجْوة تُدَّخَر. وظاهر القرآن يدل على قول من قال: إنها ألوان النخل سوى العَجْوة. ولِينة أصلها لِوْنَةٌ، فقُلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، فدل على أنها ألوان النخل سوى العَجْوة، لأن العَجْوة كانت قوتَهم الذي يعتمدون عليه، وهي التي جاء الحديث في فضيلتها، قول النبي ﷺ : "العَجْوة من الجنة" (٣)، وثمرها يَغْذو ما لا يَغْذو غيرُه.

стр. 1001

٦ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ﴾ الآية إلى قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ هذه الآية قد تكلم فيها القاضي إسماعيل في كتاب الخمس، بما لا يحتاج إلى زيادة فيه، وكتاب الخمس هو من أحكام القرآن. وهذه الآية نزلت في أموال بني النَّضير، ليضعها رسول اللَّه ﷺ حيث شاء، ففعل فيها ما أَراه اللَّه . * * *

стр. 1002

٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ هذه الآية نزلت في الغنائم، وعمَّت سائر الأشياء، فدخل فيها ما أَمر به وسَنَّه ﷺ ، وما نهى عنه بالسُّنة، فلا يجوز مخالفته ﵇ في شيء من أوامره، إلا ما خُصَّ عليه من الخبر، مما لم يتفق المسلمون على إيجابه لا بكتاب ولا سنة، فإنه ﷺ قال في هذا الجنس الذي هذا صفته: "فخذوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا" (١). فلذلك قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: "لعن اللَّه الواشمات والموتَشِمات، المغيرات خلقَ اللَّه"، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد فأتته فقالت: ما حديث بلغني أنك لعنت الواشمات والمتنمصات (٢)، وغير ذلك المغيرات خلقَ اللَّه، قال: وما لي لا ألعن من لعن رسول اللَّه ﷺ ، وهو في كتاب اللَّه، فقالت المرأة: لقد قرأتُ ما بين لَوحَي المصحف، وكانت تقرأ، وكان يقال لها: أم يعقوب، فما وجدتُه، فقال: واللَّه لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، ثم قرأ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، فقالت المرأة: إني أرى شيئًا من

стр. 1003

هذا الآن على امرأتك، قال: فاذهبي فانظرني: فدخلت على امرأة عبد اللَّه فلم تر شيئًا من ذلك (١). ورأى عبد الرحمن بن يزيد رجلًا مُحْرِمًا عليه ثيابه فنهاه، فقال: ائتني بآية من كتاب اللَّه تنزع ثيابي، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢). وقال الحسن: كان يقسم بينهم الفيء، وينهاهم عن الغلول (٣). * * *

стр. 1004

٨ - ٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ إلى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال مجاهد، عن ابن عمر قال: دفع إليَّ عمر كتابًا وقال: إذا اجتمعت الأمة على رجل، فاقروا عليه مني السلام، وادفع إليه كتابي هذا، فلما اجتمعوا على عثمان أتاه فدفع الكتاب إليه، وأقرأه منه السلام وذكر أن وصية عمر هذه، قال: أُوصي الخليفة من بعدي بتقوى اللَّه، وأُوصيه بالمهاجرين خيرًا، ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، أن يَعْرِف لهم حقهم، وأن يَعْرِف لهم كرامتهم، وأوصيه بالأنصار خيرًا، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وأن يعفيَ عن مسيئهم، وأن يَقْبَل من محسنهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا فإنهم نُكاة العدو، وجُباة المال، وألا يحمل فضلهم إلا عن رضاهم، وأوصيهم بالأعراب خيرًا فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن تؤخذ حَواشي أموالهم، فترد على فقرائهم، وأوصيهم بأهل ذمة اللَّه وذمة رسوله ﷺ ، وأن يوفي بعهدهم، ويقاتل من ورائهم، وألا يُكلَّفوا فوق طاقتهم (١).

стр. 1005

وروى عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحَدَثَان، أن عمر ﵁ قرأ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى آخر الآية، فقال: هؤلاء المهاجرون، ثم تلا: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، الى آخر الآية، فقال: هؤلاء الأنصار، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [الحشر: ١٠] إلى آخر الآية. فقال: هذه استوعبت الناس، فلم يَبق أحد من المسلمين إلا وله في هذا المال حق، فإن أعش إن شاء اللَّه لم يبق أحد من المسلمين إلا سيأتي حقه، حتى الراعي بسَرْوِ حِمْيَر (١)، أو بسور حِمير، يأتيه حقُّه ولم يعرق فيه جبينه (٢). وقال مجاهد: في الأنصار ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾، أنهم سمحوا بغنائم بني النضير، وذلك أن رسول اللَّه ﷺ قسمها بين المهاجرين دونهم، إلا رجلين من الأنصار كانا فقيرين فأعطاهما معهم، أبو دُجانة الساعدي، وسهل بن حُنَيف. وقال ابن عباس ﵁: لما غنم النبي ﷺ بني النضير قال للأنصار: "إن شئتم قسمتها بين المهاجرين وبينكم، وكنتم على مواساتكم، وإن شئتم كانت للمهاجرين فاستغنوا عنكم"، فقالوا: بل تقسمها بينهم ونبقى على

стр. 1006

مواساتنا، فقسمها بين المهاجرين إلا رجلين من الأنصار أعطاهما معهم، فاستغنى هؤلاء بما أُعطوا، واستغنى الأنصار بما زال عنهم (١). * * *

стр. 1007

٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ قال أبو حازم، عن أبي هريرة: أن رجلًا من الأنصار بات (١) به ضيف، فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نوِّمي الصِّبْيَة وأطفئي السراج، فنزلت هذه الآية (٢). * * *

стр. 1008

٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الشّحّ: منع الزكاة والواجبات في المال، من النفقة على النفس والأهل ومن يلزمه أمره، فمن فعل ذلك فليس بشَحيح، وما بعد ذلك من الصدقة، وصلة الرحم، والإنفاق عند النوائب، والضيافة، والنفقة فيما يُقرِّب من اللَّه مما ليس بمفروض، فاعله يدخل في قوله عز وعلا: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: ٦١]، ومن منع ذلك ولم يفعله كان بخيلًا، ودخل في قوله: ﴿مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨]. * * *

стр. 1009

١٠ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الى آخر الآية قال علي بن الحسين ﵀: أتاني نفر من أهل العراق، فنالوا من أبي بكر وعمر ﵄، ثم ابْتَرَكوا في عثمان فلم يتركوا، فلما فرغوا قال لهم علي بن الحسين: ألا تخبروني، أنتم من المهاجرين الأولين ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؟ قالوا: لا، قال: فأنتم من الذين ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية؟ قالوا: لا، قال: أَمَّا أنتم فقد تبرأتم أن تكونوا من إحدى هاتين، وأنا أشهدكم أنكم لستم من الذين قال اللَّه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ إلى آخر الآية، اخرجوا فَعَل اللَّه بكم. ٦٣ - وحُدّثنا من غير طريق ومنها: ما حدثنا أحمد بن إبراهيم بن عَنْبَر، قال: نا أحمد بن المُعَذَّل (١)، عن محمد بن مسلمة، قال: قال مالك بن أنس: من سب أحدًا من الصحابة كائنًا من كان، أو تنقصه، وهم الذين قال النبي ﷺ : "دعوا لي أصحابي، فمن آذاهم فعليه لعنة اللَّه"، فليس من المسلمين الذين يُقْسَم فيهم الفيء، ولا حق لهم فيه، وتلا محمد بن مسلمة هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٢).

стр. 1010

١٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ روي من طرق منها: سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عُبيد بن رفاعة الزُّرَقي، عن النبي ﷺ : أن راهبًا كان في بني إسرائيل، فابتليت امرأة فيهم فأصابها لَمَم، فرأى بعضُ أهلها أن دواءها عند ذلك الراهب، فأخذ الشيطان يخنقها، فأوقع في قلوب أهلها أن يذهبوا بها إلى ذلك الراهب، حتى يدعوَ لها، فأبى أن يَقبلها، فلم يزالوا به حتى قبِلها، فزين له الشيطان فلم يزل به حتى غَشِيها، فلما وقع بها حملت منه، فلما حملت منه جاءه الشيطان فقال له: الآن تفتضح في الناس، اقتلها ثم ادفنها فإن جاء أهلها فسألوا عنها فقل: ماتت. قال: وجاء الشيطان إلى أهلها فقذف في قلوبهم أنه أَحْبَلَها وفعل، قال: فجاؤوا فاستنزلوه ليقتلوه، فجاء الشيطان فقال: أنا الذي أخذتها، وأنا الذي أتيت أهلها حتى أتوك، وأنا الذي زينت لك حتى وَقَعْتَ، فأطعني الآن واسجد لي سجدة حتى أنجيك، فسجد له فتبرأ منه وأَسْلَمَه، قال: فهو الذي قال اللَّه ﵎ فيه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). وقد روي عن علي (٢)، وابن مسعود (٣) ﵄ نحو ذلك.

стр. 1011

ومن سورة الممتحنة

стр. 1012

١ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ الآية هذا نزل في حاطب بن أبي بَلْتَعَة، كان كتب كتابًا إلى كفار قريش ينذرهم برسول اللَّه ﷺ ، وهو من المهاجرين وشهد بدرًا، ولما كَتب الكتابَ أتى جبريلُ رسولَ اللَّه ﷺ فأخبره بذلك، فوجه عليًّا، والزبير، والمقداد، فقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها". فانطلقوا يتعادون بخيلهم حتى انتهوا إلى الموضع، فإذا بالمرأة فقالوا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، قالوا: لتخرجن الكتاب أو لنُلقِيَن الثياب، فأخرجته من عِقاصِها، فأتوا به رسول اللَّه ﷺ فقرأه فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا حاطب، ما هذا؟ " قال: يا رسول اللَّه، لا تعجل علي، إني كنت امرأ مُلصِقًا في قريش، ولم أكن من أنفُسها، وكان من كان من المهاجرين لهم قَرابات بمكة، يَحْمُون بها أهاليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدًا يَحْمُون بها قرابتي، وما فعلتُه كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضى بالكفر بعد الإسلام، قال رسول اللَّه ﷺ : "إنه قد صدَقكم"، قال عمر: يا رسول اللَّه دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل اللَّه أن يكون قد اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم؟ ". وفي جماعةِ أحاديث أن الآية نزلت في ذلك.

стр. 1013

وروى هذا الحديثَ جماعة عن علي ﵀، منهم: أبو عبد الرحمن السلمي (١)، وعبيد اللَّه بن أبي رافع (٢)، وغيرهما. وقد روي عن جماعة من التابعين نحو ذلك متصلًا (٣). وقال الزهري فيه نزلت حتى: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤). * * *

стр. 1014

٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فالأسوة الحسنة من الآية التبرّي منهم ومما يعبدون، والكفر بهم، والعداوة لهم، والبغضاء حتى يؤمنوا، الأسوة إلى هاهنا. ثم قال: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ مستثنِيًا، فلا أسوة في ذلك، لأنه كان وعده ثم تبرأ منه (١)، فليس لأحد أن يتأسى به في ذلك. قال مجاهد، وعطاء، وقتادة: لا تأسِّي به في الاستغفار (٢). * * *

стр. 1015

١٠ - ١١ - قال اللَّه سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ روى ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية، لقول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢]، قال عروة: قالت عائشة ﵂: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول اللَّه ﷺ : "قد بايعتُكِ" -كلامًا-، ولا واللَّه ما مسَّت يدُه يد امرأة قط في المبايعة، بعد ما بايعهن إلا بقوله: "قد بايعتك على ذلك" (١). ورواه محمد بن المنكدر، عن أُمَيمة بنت رُقَيقة، قالت: أتيت رسول اللَّه ﷺ لأبايعه، وذكرَت نحوه، وأنه قال: "فيما استطعتن وأَطَقْتُن"، فقلنا: اللَّه ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، وقالت فيه: قال: "إني لا أصافح النساء" (٢).

стр. 1016

فأما: "كان لا يصافح النساء"، فطرقه كثيرة، رواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أيضًا (١). وروى الزهري، عن عروة، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة، قال: خرج رسول اللَّه ﷺ عام الحديبية في بضع عشرة ومائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحليفة، قَلَّد وأَشْعَر الهدي وأحرم بعمرة، وذكر الحديث في صلح الحديبية، وما شرط لهم من: ردِّ من أتانا منهم إليهم، قال: ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾، حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، قال: فطلَّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له بمكة، ونهاهم اللَّه أن يردوهن، وأمرهم أن يردوا الصداق حينئذ، فقال رجل للزهري: أمن أجل الفروج؟ قال: نعم، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أُمية، وقيل: أبو جهم بن حذيفة، ورد المشركون صدُقات من حبسوا من نساء المؤمنين، وأمسك رسول اللَّه ﷺ النساء ورد الرجال، وطرق هذا الحديث وألفاظه كثيرة، وقد أتيت بالمعنى (٢). وسئل الزهري عن قوله : ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١]، فقال: يقول إذا أصبتم غنيمة، فأعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من غنائمكم، وامنعوا المشركين من صدُقات من ورد إليكم من المسلمات، عقوبة لهم أن

стр. 1017

منعوا دفع الصدُقات المقبوضة من المسلمين للمشركات اللاتي لم يُدخَل بهن (١). وهذا كان في ذلك الوقت للعقد الذي كان عقده النبي ﷺ بينه وبين المشركين بمكة، وقد زال حكمه بظهور ديننا على سائر الأديان، بقوله سبحانه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩]، فأظهره بالسيف على طوائف، وبالحجة على كل من بلغه. قال مسروق: كانت المرأة إذا ذهبت من المشركين الذين بينهم وبين رسول اللَّه ﷺ عهد وهي مسلمة، أعطوا زوجها مثل مهرها ولم ترد إليهم، وإذا ذهبت من المسلمين إلى المشركين، أعطى المشركون المسلم مثل مهرها، إلا أن تذهب إلى غير ذي عهد، فيعطى من الغنائم. قال أبو عبيدة، وسيبويه: عقبتم وعاقبتم واحد، أي: أصبتم عقبى منهم (٢). وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، إذا أسلم الرجل وله امرأة مشركة، وقَعت الفُرقة بينهما، وإن كانت نصرانية أو يهودية، أقام عليها إن شاء، وقد أصلح له الإسلام النكاح، إذ كان اللَّه قد أحل له ابتداء العقد عليهن، فبذلك يجوز له المقام عليهن، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1018

١٢ - قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ﴾ الآية روت حفصة بنت سيرين، عن أم عطية، عن النبي ﷺ ، أن العصيان في معروف: النَّوْح (١). وروى شَهْر بن حَوْشَب، عن أم سلمة مثل ذلك (٢). ومن العصيان في المعروف: خَمْش وجوه، وشق جُيوب، ونَشْر شُعور، وما أشبه ذلك من رَنّات الشيطان. وروى ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ أخذ على النساء حين بايعهن ألا يَنُحْن، فقلن: إلا نساء أَسْعَدْنَنا في الجاهلية، أفنُسْعِدُهُن في الإسلام؟ فقال

стр. 1019

النبي ﷺ : "لا إِسْعاد (١) في الإسلام، ولا شِغار في الإسلام، ولا جَلَبَ، ولا جَنَب، ومن انتَهَب فليس منا" (٢). وقال أبو عثمان النَّهْدي، عن أم عفيف، أَخذ علينا رسول اللَّه ﷺ فيما أخذ ألا نحدث إلا مَحرمًا من الرجال (٣). وقال عبادة: لما أخذ رسول اللَّه ﷺ على النساء البيعة قال: "ومن أتى منكن حدًّا في الدنيا فعوقب به فهو كفارته، ومن لم يعاقب فأمره إلى اللَّه، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له" (٤). * * *

стр. 1020

٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ قال مجاهد: الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا (١). وروى عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "المقسطون في الدنيا على منابر من لؤلؤ يوم القيامة بين يدي الرحمن، بما أقسطوا في الدنيا" (٢). قال أبو عبيدة: وقال الأصمعي: المقسط في اللغة: العادل، والقاسط: الجائر، قال اللَّه: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]. وهذه الآية توجب أنه ليس يحرم على المسلم أن يَبَرَّ قرابته الكافر الذمي من غير المفروض، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك. * * *
следующие страницы →