وقال الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس ﵁ وجاءه رجل فقال: إن عَمِّي طلَّق امرأتَه ثلاثًا، فقال: إن عمك عصى اللَّه فأَنْدَمَه، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مَخرجًا، قال: أفلا يُحلها له رجل؟ قال: من يخادع اللَّه يخدعه اللَّه (١).
وقال مجاهد: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل طلق امرأته ثلاثًا، فقال: يعمد أحدكم فيركب الأُحْمُوقَة (٢)، ثم يقول: يا ابن عباس، يا أبا عباس، قال اللَّه : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، وإنك لم تتق اللَّه، فلا أرى لك مخرجًا، عصيت ربَّك، وبانت منك امرأتُك (٣).
وقال عمران بن حصين: من طلَّق ثلاثًا أَثِم بربه، وحرمت عليه (٤).
وقال أنس: كان عمر رحمة اللَّه عليه، إذا أتي برجل طلَّق امرأتَه ثلاثًا في مجلس، أوجعه ضربًا، وأَبانها (٥).
ومن قال مثل ذلك من التابعين، أكثر من أن يدركه الإحصاء، ولولا الإطالة لقصصت به، أفلا يتقي اللَّه عبد يظن أنه أعلم بسُنَّة الطلاق المنزل في القرآن من عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، ومن ذكرنا؟
وقد احتج هذا الرجل بأن العَجلاني طَلَّق بعد تقضي اللِّعان ثلاثًا، فلم يُنكر النبي ﷺ ذلك عليه (٦)، والعَجلاني طَلَّق أَجْنَبِيَّتَه، لأن اللِّعان قد فَرَّق
стр. 1052
بينهما عند الشافعي، فما يُدريه لعل النبي ﷺ قد أنكر الثلاث، كما لزمه أن ينكر طلاق الأجنبية، وليس كل شيء كان نقل إلينا.
واحتج أيضًا بأن النبي ﷺ قال لعمر: "فإن شاء طَلَّق، وإن شاء أمسَك"، ولم يذكر له عدد الطلاق (١)، والنبي ﷺ لم ينكر على ابن عمر الطلاق، وإنما أنكر الموضع، فعَلَّمَه موضع الطلاق، ولم يحتج إلى تعريفه العددَ، إذ كان ابن عمر قد أصاب فيه وعَرَفه.
واحتج أيضًا بحديث رُكانة، وأن النبي ﷺ سأله: "ما أردت؟ " (٢)، وهذا إنما ينبغي أن يحتج به على من يقول: إن الثلاث لا تقع ولا تلزم (٣)، وانما سأله لأنها كانت غير مدخول بها، فأراد أن يُعلمه هل تحل له قبل زوج أم لا، فأما تَعَرُّف ما أراد ليَلزمه فلا بد منه، لأنه قد يخطئ السُّنة ويُطلِّق للبدعة.
فأما ما قاله أبو حنيفة من الطلاق في كل طُهر، فقد ذكرنا وجه الخطأ فيه، وعلى أنه جَوَّزَه للسُّنة مع تقديم ذِكر ما يقوله للسُّنّة، وليس يجوز أن يقول قائل: إن واحدةً للسّنّة وضدُّها للسُّنّة، هذا ما يستحيل في العقول.
وقال أبو حنيفة أيضًا: إن الأقراء الحِيض (٤)، وقد قدمنا الحجة في ذلك في "سورة البقرة".
стр. 1053
وإنما أُمر الناس بطلاق السُّنّة نظرًا للزوجين، وأن لا يُطلق عليهما الرجعةَ أو التراجع، ألا تراه جل ثناؤه قال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، وإذا كان الطلاق الثاني في الطهر الثاني لا عِدّة له، والعِدّة بالطلاق الأول، فأيُّ فائدة في الثاني إلا مخالفة أمر اللَّه ، والدخول في التضييق على نفسه؟ لأن اللَّه يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾، فعُلم أن الطلاق الذي أمر اللَّه به تكون منه عِدّة، فقد دخل أصحاب أبي حنيفة فيما أنكروه على الشافعي، من إباحة الطلاق الثلاث في مقام واحد.
وقال رسول اللَّه ﷺ : "فتلك العدة التي أمر اللَّه أن يُطَلَّق لها النساء"، فالأمر في كتاب اللَّه للوقت، وأمر رسول اللَّه ﷺ إنما هو للوقت، وقد ذكرنا احتجاج الشافعي بقول النبي ﷺ لابن عمر، ولا أحسب الشافعي يكون أعلم بذلك من المخاطبين به، وهما عمر وابن عمر، وقد قالا جميعًا: من طلق ثلاثًا فقد عصى ربه ، ولو كان للسُّنّة الثلاث بطلت الفائدة في قوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، وقد قال المفسرون جميعًا: هي الرجعة (١)، وقد قال اللَّه : ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، فعُلم أن الذي طلق ثلاثًا غيرُ مخاطب بذلك.
فأما قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، يشبه قوله في البقرة: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، فأمر هذا عند انقضاء العدة أن لا يُراجعها مُضارة لها، لأن الرَّجعة إنما هي له من قبل أن تنقضي عدتها، والآية التي في البقرة إنما كان الرجل يطلق، فإذا قاربت انقضاء العدة ارتجع من غير رغبة، ثم يطلق ليُطَوِّل عليها عدتها ويعذبَها، فنُهوا عن ذلك.
стр. 1054
فأما قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فشَرْط المعروف يراد به النكاح الحلال، والعقد الصحيح بولي وإعلان، فهذا هو المعروف الذي شرَطَه اللَّه ، فإن الظاهر -واللَّه أعلم- يدل على أن أجلهن في هذا الموضع، هو الذي أبيح لهن فيه التزويج وهو ما بعد آخر العدة، وآخر العدة هو من العدة، وما بعدها ليس منها، وقد تأتي اختصارات يتسع القول فيها إذا فُهم المعنى.
فقوله في المتوفى: ﴿بَلَغْنَ﴾، معلوم أنه خرجن، وقوله في المطلقة: ﴿بَلَغْنَ﴾: قارَبن، ولهذا نظائر في القرآن، قال اللَّه عز من قائل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، وإنما هو إذا أردت، وقال سبحانه: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: ١٢]، إنما هو إذا أردتم مناجاة الرسول، وقال رسول اللَّه ﷺ : "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" (١)، وإنما هو إذا أراد المجيء، وقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، ثم قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وليس يكون ذلك فيمن طَلَّق ثلاثًا.
وقال بعد ذكر المرتين: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فعلم أنه التطليق الثالث حالًا بعد حال، ألا تراه قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [لبقرة: ٢٣٠]، فرد هذا النسق على قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، نَسَقًا على قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
стр. 1055
ومعنى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾: فإن سرحها بالطلاق الثالث، وأدخل ما بين ذلك ذكر الخُلع، وهو قوله : ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فكان أمر الخُلع الذي أُدخل في هذا الموضع حكمًا بين النساء كلِّهن، لا في التي طُلقت مرتين، ومثل هذا يجيء في القرآن كثير، تدخل القصة فيما بين القصتين، ثم تُرد الآخرة على الأولى، وقد ذكرنا هذا الموضع في سورة البقرة في موضع الخلع، فكان جميع ما وصفنا في كتاب اللَّه تبارك اسمه، أن الطلاق الذي أبيح إنما هو تطليق بعد تطليق، فكان ذلك نظرًا لهم على ما وصفنا.
فإن طلق رجل ثلاثًا في وقت واحد، لزمه ذلك، وكان قد أخطأ على نفسه، وأثم بربه ، حين لم يقبل ما أَدَّبه به وعَلَّمه إياه، فإن اللَّه ﵎ يُحِبّ أن تؤخذ رخصه كما يؤخذ بعزائمه.
وكان الطلاق الذي ألزمه نفسَه واجبًا عليه، وإن كان قد وضعه في غير موضعه، لأن الطلاق إخراج ملك عن يده، يقع بسُنّته وبغير سُنَّته، كما يَعتِق فيَلزمه بسُنَّته أو بمعصيته، كل ذلك يَلزمه، وقد قيل لابن عمر: فهل عُدّ ذلك طلاقًا؟ فقال: أرأيت إن كان ابن عمر عجز واستحمق، فما يمنعه أن يكون طلاقًا؟ (١)، وذهب على سائله قول رسول اللَّه ﷺ : "مُرْهُ فليرتجعها"، فهل تُراجع إلا المطلقة؟ وابن عمر الذي خوطب بذلك، ها أنت ذا طلقت امرأتك واحدة واثنتين، أمرك رسول اللَّه ﷺ برجعتها، ها أنت ذا طلقت امرأتك ثلاثًا، بانت منك امرأتك وعصيت ربك.
وقد ذكرنا في سورة البقرة الأَقْراء ما هي، والحُجةَ على من قال: إنها الحيض.
стр. 1056
وممن قرأ الآية: "فطلقوهن لقُبُل عدتهن"، ابن عمر، رواه مالك وجماعة، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر (١)، ورواه ابن أيمن (٢)، وابن جُبَير عنه.
وقرأ ابن مسعود: "لقُبُل طهرهن بغير جماع".
وقرأ ابن عباس: "لقُبُل عدتهن" (٣).
وقال أبو موسى الأشعري: قال رسول اللَّه ﷺ : "طلقوا المرأة لقُبُل (٤) عدتها".
والحسن، ومحمد بن سيرين قالا: طلاق السُّنّة أن يُطلِّقها في قُبُل عدتها.
وهؤلاء كلهم، وجماعة من المفسرين ممن قرأ كما قرؤوا، فإنما أرادوها حكمًا لا تلاوة، لأن التلاوة على ما بين الدفتين لا يجوز غير ذلك، والمعنى ما قالوه.
وقال : ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾، فالإحصاء إنما يكون للشيء الذي إذا انقضى حَلَّت للأزواج، ولما قيل: "قُبُل عدتهن"، لم يجز أن يكون قبل الشيء إلا بعضُ الشيء، وليس هو مثل استقبال الشيء، لأن الإنسان يستقبل غيره، وقُبُلُه ودُبُرُه إنما هو بعضُه، فكان ذلك كله مؤكِّدًا للطُّهر أنه هو العِدّة التي تحصى، وفيما ذكرنا في سورة البقرة فيها كفاية إن شاء اللَّه.
стр. 1057
٢ - قال اللَّه سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾
[الإشهاد على الرَّجْعَةٍ]
قال مالك: الإشهاد على الرَّجْعَة واجب لرفع الدعاوى، وتحصين الفروج والأنساب، لأن الطلاق إذا عُلِم، وارتجع ولم يُشهِد، جاز للمرأة إذا انقضت عِدَّتها أن تتزوج إذا لم يُعلم، ولم يُلتفت إلى دعواه قد ارتجعت.
وقد يجوز أن تكون المرأة أيضًا تكرهه وتأباه، فتكره الرجعة، فلذلك ما أمر اللَّه بالإشهاد فيها.
ولا يجوز في الشهادة على الرَّجْعَة إلا شهادةُ ذوَي عدل من الرجال، وليس يجوز في هذا شهادة النساء، لأن اللَّه دَلّ على أقل ما يجزئ، كما دل في الأموال على أقل ما يجزئ من الشهادة، وقال في الزنا: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً﴾ [النساء: ١٥]، وقال: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، يريد أقلَّ ما يجزئ، ففرق سبحانه وجل ثناؤه بين حكم الأبدان والأموال، فأجاز شهادة النساء في الأموال، ولم يُجزها فيما كان حكمًا في الأبدان، من حدود ونكاح وطلاق، وما أشبه ذلك.
وقد يجوز أن يقول قائل: فأنتم تجيزون شهادتهن في الاستهلال.
قلنا: لأنه مال، ولأنه لا يُشهد في الاستهلال مع الحياة، لأنه غير محتاج إليه، وإنما تقع الشهادة عليه بعد تلف الصارخ المُسْتَهِل، وهو شيء يؤدي إلى المواريث والأموال، ليس فيه حكم في بدن.
стр. 1058
وقال مالك: تُشْهِد المرأة على زوجها بالطلاق إن خافت مُناكَرَتَه شاهدين، ولا يجوز في ذلك غير الرجال، لأن ذلك من حكم الأبدان، لأنها جنس والأموال جنس.
وإنما جازت شهادة النساء في الأموال، لأنها أيسر خَطْبًا من الأبدان، ولذلك جاز فيها الشاهد واليمين، وجاز فيها رد اليمين وما أشبه ذلك، وليس يشبه الأموال حكم الأبدان، لأن التبايع يصح بين المتبايعين وإن لم يَحضرهما أحد، والنكاح لا يصح إلا بعلم غير المتناكحَين، وأحكام الطلاق تابعة للنكاح.
وقد أجمعوا معنا أن شهادة النساء لا تجوز في الحدود، فالنكاح والطلاق بالحدود وبحكم الأبدان أشبه منه بالأموال.
وقال بعضهم: في الحدود والطلاق، ويجوز في النكاح، فدل اختلافهم على أن شهادة النساء لم تَرِد على العموم، وإنما هي في الأموال خاصة.
قال بكر: ثم تأملت كل ما روي عن الصدر الأول والثاني، فمنهم من قال: لا تجوز في الحدود، ومنهم من قَرَن مع الحدود النكاح والطلاق، ومنهم من استثنى جراح الخطأ، فدل ذلك كله على أنهم أرادوا ألا تقبل شهادتهن فيما قال اللَّه ﵎: ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾، والذي قيل فيه: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، واللَّه أعلم.
[القضاء بالشاهد واليمين]
فأما الحكم في الأموال بشاهد ويمين، فشيء أوجبه خفي القرآن، فأوجبته السُّنّة والنظر، فمن ذلك أن اللَّه ﵎ قال: ﴿آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثم قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والآمر بذلك
стр. 1059
جل وعز قد جعله لنا وثيقة بأموالنا، ألا تراه لم يقل عند الاستيثاق ﴿وَلْيَتَّقِ (١) اللَّهَ رَبَّهُ﴾، ولم يعط ولا عند أخذ الرهن، لأنه وثيقة، وقال عند الأمانة: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فجاء على الشاهدين وثيقة العالِم بأن أحدهما قد يتلف، فلو لم تكن هناك وثيقة بَيَّنها الرسول ﷺ عن باطن القرآن، لكان قد جعل وثيقة لا وثيقة، فبين رسول اللَّه ﷺ أن شهادة أحدهما مع يمين الطالب توجب المال عند عدم أحد الشاهدين.
فإن قال قائل: فقد يجوز أن يتلف الشاهدان.
قيل: قد يكون ذلك، وليس يكاد يكون تَلَفُهما في وقت واحد، فلما كان ذلك كذلك، كان لمن له الحق أن يُشْهِد على شهادة الباقي خوفًا من تلفه شاهدين، فيكونا له عند عدم الباقي وثيقة، ومع ذلك فإن اليمين إنما جعلت على المُدَّعى عليه، له أن يحلف فَيَبْرَأ من المطالبة في الدنيا، لأنه باليد أقوى من المدَّعِي، فلما أتى المدَّعِي بشاهد كان بيانه من غيره أقوى من بيان المُدَّعى عليه، لأنه من نفسه، فنقلت اليمين لأقواهما.
وقد احتج قوم في هذا بقول النبي ﷺ للأشعث بن قيس: "شاهداك أو يمينه" (٢)، فقال: لا يُحْكَم إلا بشاهدين، وهذا غلط، لأنه لو كان حين قيل له: شاهداك، قال: عندي شاهد وامرأتان، لَسُمِع منه، وحُكِم له بهم إذا شهدوا، فلما كان هذا ليس في لفظ الحديث وهو واجب، كان أيضًا لو قال: لي شاهد وأحلف، لقُبِل ذلك منه.
стр. 1060
٦٥ - وقد حدثنا محمد بن إبراهيم بن خشنام، قال: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه، أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد في الأموال، وقال محمد بن علي: وقضى بها عليّ بين أظهركم، يعني: بالكوفة أو بالعراق (١).
والحديث في هذا الباب كثير معروف، وليس بنا حاجة إلى الإطالة به.
وقد احتج قوم في ذلك بقول النبي ﷺ : "لو أعطي قوم بدعاويهم، لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على المُنكِر" (٢)، ولم يعرفوا المعنى.
ومعنى البينة: البيان على المدعي، لأنه يدعي ما ظاهره بيد غيره، فكُلِّف أن يأتي بالبيان على باطن هو أقوى من ظاهر اليد، فإذا أتى من ذلك ببيانين وهما: شاهدان، حُكِم له، وقيل للمدّعَى عليه: لك بيان، وله بيانان، وبيانُك منك، فإذا أتى بشاهد فقد أتى ببيان واحد هو أقوى من بيان اليد، لأنها منه وبيان المدعي من غيره، فنقلت اليمين إليه ليكون ما أمر اللَّه به من الوثيقة، وثيقة لا طعن فيها ولا تضعيف من جاهل أو ضعيف الدِّراية.
стр. 1061
وأما قول الشافعي: أنه يجيز في الأموال شهادة رجل ويمين، ولا يجيز امرأتين ويمين، فقد تكلمنا في ذلك في المسألة على العراقيين وعليه بما فيه كفاية إن شاء اللَّه.
[شهادة النساء]
وأما قول أبي حنيفة وأصحابه، فإن منهم من أجاز شهادة النساء في النكاح والطلاق، ومنهم من أجازها في النكاح، ولم يجزها في الطلاق (١)، ولا أعلم فرقًا، إذ النكاح والطلاق جميعًا إنما تُراد الشهادات عليهما من أجل الأنساب وحياطتها، وليس يجوز عندهم شهادتهن في النسب، الذي من أجله أمر بالشهادات على النكاح والطلاق، وإيجابِ الحدود ودرئها.
فإن قالوا: قد تشهد عندهم القابِلة في الولادة، وهو النسب، وعند الشافعي: أربع نسوة (٢)، وعندنا: امرأتان، وقد نَحَلونا ذلك.
قلنا لهم: ليس الأمر على ما ظننتم، نحن إنما نُجيز شهادة المرأة على الاستهلال الذي يوجب الأموال لا هلال المستهِل، فأما الولادة فإن القولَ قولُ المرأة إذا عُلم الحمل، وفي الحيض إذا جاءت بما يشبه كونه، لقول اللَّه : ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فذلك مَوكول إلى أمانتهن، ومقبول فيه قولهن.
وقول العراقي: واحدةٌ، خطأٌ، لأن اللَّه ﵎ لم يرض واحدة، وذكر العلة فقال عز مِن قائل: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
стр. 1062
وأما قول الشافعي في الأربع فغلط، لأنه لا اختلاف أنهن لو كن أربعًا وأربعمائة على شهادة بدرهم، لكنّ بمعنى امرأتين، يزاد معهن بيان آخر، فلما كنّ فيما سمى اللَّه شهادتهن فيه بهذه الحال، كنّ فيما عداه أولى، وإنما نقبلهن في الاستهلال، لأنه الموضع الذي لا يحضره غيرهن، واللَّه أعلم.
وأما جراح الخطأ، فإن مالكًا وسائر التابعين، أجازوا فيه شهادة النساء، لأنه مال، واللَّه أعلم (١).
وقد ذكر بعض الناس في اليمين مع الشاهد، أن مالكًا وغيرَه أرسلوه عن جعفر بن محمد، وأن عبد الوهاب وحده وصله، وليس يرفع عبد الوهاب عن ثقة وضبط، ألا ترى أن محمد بن علي بفضله وضبطه، كيف فَصَل في حديث عبد الوهاب بين حكم النبي ﷺ وبين حكم علي ﵁، فجعل من ذلك من جابر، وجعل حكم علي من قوله، وقد رواه سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة ووصله، ورواه عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ورواه عن عمرو، محمد بن مسلم الطائفي، وقيس بن سعد.
وزعم الطحاوي في حكاية ذكرها، أن سهيلًا سُئل عن الحديث فلم يعرفه، وقد رواه عنه ربيعة، وربيعة من الضبط والدين والفقه بحيث لا يلحقه في رواياته ظن، وقد يجوز أن يكون سهيل حدث به ثم نسِيَه، فقد حدث سفيان بن عيينة وغيره بأشياء، ثم ذهبت عنهم، فقال ابن عيينة: حدثني أبو معاوية الضرير عني، وقد ذكر ربيعة لسهيل الحديث، فحدث به سهيل بعد ذلك عنه، عن نفسه، قال الدراوردي (٢): أخبرني ربيعة، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قضى باليمين مع الشاهد.
стр. 1063
قال علي بن المديني: وحدثني بعض أصحابنا، عن أبي، يعني أباه عبد اللَّه بن جعفر، عن سهيل قال: أخبرني ربيعة، عني، عن أبي هريرة بهذا الحديث.
والباب يطول، إنما ذكرت ما ذكرت لمعارضة جرت، ونسأل اللَّه التوفيق برحمته.
وليس يجوز أن يُعارَض ما وصفنا من الحكم باليمين مع الشاهد بالأحاديث المُجمَلة، إذ المفسر يقضي على المُجمل، مع ما ينضاف إليه من بيان خفي القرآن، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1064
٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾
[عِدّة المطلقة]
روى مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، [و] (١) عن يزيد بن عبد اللَّه بن قُسَيط الليثي، عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب: أيُّما امرأة طُلقَت فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم رفعتها حيضتها، فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن بان بها حمل فذاك، وإلا اعتدَّت بعد التسعة ثلاثة أشهر ثم حلت (٢).
وقاله الحسن، والزهري، ومالك.
واليأس والقُنوط والظن بعضه أقوى من بعض، وكذلك الرجاء، وهذا يتسع الكلام فيه، فإذا قيل منه شيء أُنزل على قدر ما يظهر من المعنى فيه.
فمن ذلك أن الإنسان قد يقول: قد يئست من مريضي، إذا كان الأغلب عنده أنه لا يبرأ، وكذلك يئست من غائبي إذا كان الأغلب عنده أنه لا يَقدم، ولو قال إذا مات غائبه أو مات مريضه: قد يئست منه، لكان الكلام عند الناس جرى على غير وجهه، إلا أن يتبين معنى ما قصد له في كلامه، إلا أن يريد أن هذا اليأس أورثه الصبر والتسليم، والأغلب في كلام الناس في ذكر اليأس ما قدَّمنا ذكره.
стр. 1065
وقال اللَّه ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨]، والقنوط واليأس سواء، وليس يَعلمون يقينًا أن المطر لا يكون، وقد قال : ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: ٤٩]، وقال : ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠]، فأخبر تبارك اسمه عن طمع الإنسان ويأسه الذي ليس بيقين.
وقال : ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠]، دخل قلوبَ الرسل اليأسُ من غير يقين استيقنوه، لأن اليقين يأتيهم من قِبَل اللَّه تعالى، كما قيل في قصة نوح ﵇: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، فكان اليأس الذي وقع للرسل، وظَنّ قومهم أنهم قد كذِبوا -مُخَفَّفَة-، أَيِسَ الرسل من قومهم أن يؤمنوا، وظن قومهم أن الرسل قد كَذَبوا ما جاؤوهم به، جاءهم نصر اللَّه عند ذلك.
وقد قرأها قوم ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾، ثقيلة مشدَّدَة، ومعناها: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، ﴿وَظَنُّوا﴾ هاهنا ظن الرسل أن قومهم قد قاموا على تكذيبهم، هذا معناه على هذه القراءة عندي واللَّه أعلم، وهذه القراءة أبين وأصح مخرجًا، وهي قراءة نافع وأهل المدينة، وكلا القراءتين تدل على أن اليأس ليس بيقين.
وأما قوله: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُور﴾ [الممتحنة: ١٣]، وهذا معناه على ما قال ابن عباس وغيره: من الآخرة ومن البعث، لأنهم كانوا غير متيقنين بعود الموتى وأمر البعث، وهذا فيمن يقول بالدهر من الكفار، وهذا أيضًا ليس بيقين، لأنهم قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:
стр. 1066
٢٤]، قال اللَّه : ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]، فأعلمنا ﵎ أن جحدهم بالآخرة إنما هو ظن يظنونه.
وقال في قصة يوسف ﵇: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]، ويأسهم ليس بيقين.
وكان عمر ﵁ يقول في خطبته: أيها الناس، إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى، وإن المرء إذا يئس من شيء استغنى عنه (١).
فجعل عمر ﵀ اليأس بإزاء الطمع.
وقال إسماعيل: سمعت أحمد بن المُعَذّل ينشد شعر الرجل من القدماء يصف ناقة فقال:
صفراء من تَلْدِ بني العباسِ ... ضَرْبُها كالظبي في الكِناسِ
فالنفس بين طمَع وإِياس (٢)
فجعل الشاعر اليأس بإزاء الطمع.
فرجعنا إلى قوله : ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾، فذكر اليأس مع الريبة.
ثم جاء عن عمر بن الخطاب ﵀، لفظ موافق للقرآن وحُكم موافق، قال: أيما امرأة طُلِّقت فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم رَفَعَتْها حيضتها لا تدري لم رَفَعَتْها، فإنها تنتظر تسعة أشهر، ثم تَعْتَدّ بثلاثة أشهر (٣).
فلما كانت لا تدري ما رَفَعَتْها، كان موضع الارتياب، فحكم فيها بهذا الحكم.
стр. 1067
وكان اتباع ذلك ألزم وأولى، من قول من يقول: إن مَن هذه صفتها، تعتدُّ ثلاثين سنة، وإن جاءت بولد لم يلحقه إذا ولدته لأكثر من سنتين.
والشافعي يقول مثل ذلك، ويقول: لا يلحق به إذا جاءت به لأكثر من أربع سنين، فخالفوا جميع السلف، لأن كل من مضى يقول: إن الولد يلحق بالأب ما دامت المرأة في عِدتها.
وكيف يجوز أن يقول قائل: إن المرأة يطلقها زوجها تطليقة أو تطليقَتين ويكون بينها وبين زوجها أحكام الزوجات ما دامت في عدتها، من الوِراثَة وغيرها، فإن جاءت بولد لم يلحقه؟ وإنما جُعِلَت عدة الطلاق من أجل الدخول الذي يكون منه الولد، قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فأُسقطت العِدّة في الطلاق إذا لم يكن دخول، فكيف تكون المرأة مُعتدة والولد لا يلزم.
فإن ذكر عِدّة المتوفى عنها، وأنها ثابتة على كل حال دخل أو لم يدخل.
قيل له: هذا عبادة وعلة، لأن فيهن من لا يكون الحمل منه، ولم يكن للحمل حد ينتهي إليه، وكان المتوفى لو كان حيًّا فادعى الدخول ألزمته العِدّة، استوفى له ما لو كان حيًا فادّعاه، عُمل فيه على قوله، ودخلت التي لا يجوز فيها الحمل بالعبادة لعدم الحد، كما كان تحريم الخمر من أجل أنها تسكر، وحرم القليل الذي لا يسكر، وأُدخل في معنى الكثير، والمطلقة فالرجل حي يقول: لم أدخل، وتقول هي: كذلك، ويجوز أن يُعلَم ذلك من غير جهتها.
فأوجب اللَّه العِدّة حيث يكون الدخولُ من أجْل الولد، وأسقطها حيث لا دخول، وأباحها الأزواج، فعُلم أن ذلك عبادة لعلة، وأن أمر المتوفى عبادة وعلة، وليس ما كان عبادة لِعِلّة يُشَبَّه بما كان عبادة وعلة، وجب استيفاء ذلك للمتوفى.
стр. 1068
ألا ترى أنه لو شهد شاهدان على رجل بمال، لم يجز للحاكم أن يستحلف صاحب الحق على ذلك مع شاهديه، ولو قامت الشهادة على ميت لم يَحْكم بها الحاكم حتى يستحلف المشهود له على كل الوجوه التي لو كان الميت باقيًا فادعاها كان له ذلك، طلب الورثةُ ذلك أو لم يطلبوه، ولو أقروا بالمال عند الحاكم أيضًا وأرادوا القضاء بحكم الحاكم، لم يحكم به حتى يستحلف، لأنه يحتاج أن يستوفي حقوق الميت، لأنه لا يأمن أن يأتي وارث يشارك هؤلاء الورثة، أو يأتي من هو أولى منهم، أو يأتي غريم آخر يستحق مُحاصّة هذا الغريم فيما أخذ، فكل من جاء من هؤلاء قال للحاكم: لو لم تستقص قبل أن تحكم، فلذلك وجب في المتوفى ما لم يجب للحاضر، ولذلك لم يجب استيفاء عِدّة المتوفى عنها.
فإن قيل: فالصغيرة؟
قلنا: الأصل عبادة وتعبد، وقد يجوز أن يكون اللَّه لما كان النشوء يختلف، فمنهن من تكون لها (١) خمس عشرة سنة دميمة، وابنة ثمان وتسع حسنة النشوء، ولم يكن للحمل حد، وجب أن لا يقع تمييز، ويدخل الجميع في الإيجاب، وجعل الباب بابًا واحدًا، ولم يوكل ذلك إلى حد، ولا مدخل للحاكم في العدد، وهي مردودة إلى أمانات الناس، فاستظهر اللَّه للميت لعدمه بالإيجاب على الكل.
وأما حديث حَبّان (٢) بن منقذ، وتوريث امرأته منه بعد سنة (٣)، فإنها امرأة قد علمت ما الذي رفع حيضتها، لأن الرضاع رفع الحيض، فلما قطعت
стр. 1069
الرضاع عاد الحيض، وليست موئِسَة، لأن الموئِسَة هي التي لا تدري سبب ارتفاع الحيض، ولو كانت امرأة طُلِّقت وهي مريضة وهي شابة، كان الظاهر أن العِلة رَفعت الحيضة، فوجب أن ينتظر بُرؤها، فإن عاد حيضها وإلا كانت حينئذ مُرتابة، وانتظرت ما حَكم به عمر رحمة اللَّه عليه، فإن تطاول مرضها صارت مثل الصحيحة، لأن المرض إذا تطاول التطاول الشديد، جرى أمر صاحبه مجرى الصِّحّة، وجازت أفعالُه في ماله كله، وفي طلاقه ونكاحه، وإنما يكون هذا في مثل الفَالِج (١)، والسُّلّ (٢)، والربع (٣)، ألا ترى أن حَبّان بن منقذ لما أخذ ابنه منها حاضت حيضتين قبل موته، ثم توفي فاعتدت عِدّة الوفاة، لأنه كان طلقها طلاق السّنة، فَورَّثَها عثمان، وعلي، وزيد بن ثابت منه بإجماع رأيهم.
والمُرتابة عندنا إذا انقضت السَّنة، فارتابت صَبَرت، وكلما ارتابت صَبَرت، إلى أكثر أجَلِ الحمل.
والرِّيبة: أن تظن حملًا، أو ترى حركة، فإذا انقضت مدة الحمل وأكثرُه فلا عِدَّة، وعُلم أن ذلك ريح اعترضت، فلا عِدّة ولا حمل، وقد تكون المرأة التي تحيض في الشهور، وتكون المرأة التي تحيض في كل سنة مرة، فهذه تعتد بالحيض لمعرفتها بذلك.
وأما اليائسة بالكِبَر حتى لا يقع إشكال في ذلك فعِدّتها بالشهور، وكذلك الصغيرة، وحيث تقع الرِّيبة فالاستظهار مما يلحق فيه الولد دون ما يلحق فيه الولد.
стр. 1070
وقد حدثنا أبو العينان الأصمعي (١) قال: العجم لا يحضن بعد الخمسين، والعرب وقريش يحضن إلى الستين وبعدها.
وذكرها يونس بن حبيب (٢) وأنه وَجَدَه في الناس، واللَّه أعلم بصحة ذلك.
وقال أبو عبيدة: إن نساء العرب يحملن إلى الستين وقريش إلى السبعين.
* * *
стр. 1071
٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾
قد ذكرنا هذه الآية والحجة فيها في سورة البقرة.
* * *
стр. 1072
٦ - قال اللَّه : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾
وقال في آخر السورة: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾، إلى قوله سبحانه: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١).
[سكنى المطلقة ثلاثًا ونفقتها]
جاء في التفسير: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ أنه الرجعة، والطلاق الذي تكون فيه الرجعة، وهذه إلى أن تنقضي عِدّتها زوجة، أحكامُها أحكامُ الزوجات في الموارثة وغيرها، إلا أنه ليس له أن يطأ حتى يَرْتجع، ولما قيل: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾، ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾، عُلم أنه كان لها أن تخرج قبل الطلاق بإذنه، ولها أن تنتقل بأمره، فلما حدث الطلاق وَجَبَت الإقامة، ولم يجز اصطلاحُهما على النَّقْلة كما يجوز قبل الطلاق، ولم يكن لها إسقاط ذلك إذا حدث الطلاق، ويجوز لها إسقاط النفقة وإن كانت واجبة، لأن النفقة من حقوقها، والسكنى من حقوق الحمل، لا من أجل أنها على بقية الزوجية.
ودَلّنا ما وصفنا على أنه ينبغي أن تجرى المَبْتوتة هذا المجرى إذا كانت أيضا مُعْتدة، لأن ظاهر العِدّة والسكنى فيها من جهة تحصين الفرج، واستقصاء حق ولدٍ إن كان، وأن سكنى غير المُعتدّة من جهة المُؤَن التي تجب على الزوج أن يقوم لها بها، من النفقة، والكسوة، وغير ذلك مما لا بد منه، ألا ترى أن المتوفى عنها تسكن في منزل زوجها، شاء الورثة ذلك أم أبوه، والميت قد انقطع ملكه وصار ماله لورثته، ولا تجب لها نفقة في مال الميت.
стр. 1073
فدلت هذه الأشياء التي وصفناها واللَّه أعلم، أن الذي ذُكر من إقامتها في بيتها، ووجوب ذلك عليها وعلى زوجها، لما حدث من العدة، ولم يحتج إلى ذكر النفقة لأنها على الأصل الذي كانت عليه من قبل الطلاق، فإن شاءت أخذته وإن شاءت تركته.
واحتيج إلى ذكر السكنى في المَبْتوته في قوله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾، لأن المبتوتة قد حدث في أمرها ما أُخْرجت به من أحكام الزوجات كلها، فأعيد ذكر السكنى إذ كانت من طريق التحصين لها ما دامت في عدتها، وأُجريت في ذلك مجرى التي قبلها، وأسقطت عنها النفقة التي كانت تجب لها قبل أن يُبِينها بعقد النكاح، ولم يجعل ذلك لها في عدتها إلا أن تكون حاملًا، فيجب عليه حينئذ أن يغذو ولده بغذاء أُمه، كما كان يجب عليه إذا وضعته أن يغذو ولده بغذاء التي ترضعه، لأن غذاءه في بطن أمه بغذاء أمه، وغذاءه إذا وضعته أمه بالرضاع، فكما يجب على الأب أن ينفق على من ترضعه، وجب عليه أن ينفق على أمه ما دام في بطنها.
ألا ترى أن الصائمة إذا كانت تطيق الصيام وهي حامل، ويَضُر صومها بولدها أنها تفطر، لأن غذاءه إنما يكون بغذائها، وقال عز مِن قائل: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فعُلم أن بعض ذلك من بعض.
وهذا الموضع قد اختلف الناس فيه، فقال قوم: للمبتوتة السكنى والنفقة.
وقال آخرون: لا سكنى ولا نفقة.
فأخذ كل فريق في طريق، وتركوا التوسط الذي هو الحق (١)، وفي كتاب اللَّه ما يدل على أنه ليس على ما قال الفريقان.
стр. 1074
قال عز مِن قائل: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فلو كانت النفقة تجب كما تجب السكنى، لما كان للاختصاص معنى، ووجب بهذا الاختصاص أنها ليست التي يملك زوجُها رَجْعَتها، لأن التي يملك زوجها رَجْعَتَها نفقَتُها واجبة كانت حاملًا أو غير حامل، فكيف يقال فيها: وإن كانت حاملًا فأنفق عليها؟ ولو كان كذلك لخلا الأمر من الفائدة، ومعاذ اللَّه من ذلك، وأن يكون في القرآن لفظة لا فائدةَ فيها، وهذا ما لا يذهب على ذي فهم، وإنما ذهب كل فريق إلى رواية لم يتأملوها، ولا وهاءَها ووهاءَ ما ذهبوا إليه.
فأما الذين ذهبوا إلى أن السكنى والنفقة واجبة، فاتبعوا رواية عن عمر ﵁ أنه قال: لا ندع كتاب ربِّنا ﵎، وسُنّة نبينا صلى اللَّه عليه، لقول امرأة، لها السكنى والنفقة (١).
ونحن نعلم أن عمر بن الخطاب ﵁ لا يقول: لا ندع كتاب ربِّنا ﵎ إلا لما هو موجود في كتاب ربِّنا تعالى اسمه، والذي وجدنا في كتاب ربِّنا جل وعَزّ النفقةُ لذوات الأحمال، وزاد الراوي من أهل الكوفة: "وسُنّة نبينا صلى اللَّه عليه" النفقة في الحديث، وذلك أن الشعبي قال فيه: إن فاطمة بنت قيس طلقها زوجُها طلاقًا بائنًا فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا نفقة لك ولا سكنى".
قال حماد بن أبي سليمان: فأخبَرت بذلك النخعي فقال: إن عمر أُخبر بذلك فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب اللَّه وقول رسول اللَّه ﷺ : "لها
стр. 1075
السكنى والنفقة"، وهذا غير متصل عن عمر، وقد رواه الأسود عن عمر، رواه عن الأسود إبراهيم، وقال: لها السكنى والنفقة، ولم يذكر كتابَ ربِّنا ولا سُنة نبيِّنا ﷺ .
ورواه الأعمش، عن إبراهيم، عن عمر، وعبد اللَّه: لها السكنى والنفقة، ولم يذكر كتاب اللَّه ولا سُنّة (١).
ورواه ابن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد اللَّه، عن عمر، ولم يذكر فيه السكنى والنفقة.
وروي عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد اللَّه.
والباب فيه أسانيد كلها هكذا مضطربة.
وقال منصور، عن إبراهيم: ولا يجبر على النفقة، فلَخَّص منصور عن إبراهيم ما يدل على ضبطه، رواه عن منصور أبو عَوانة (٢)، وجرير، وفُضيل، فدل ذلك على ضعف ما روي عن إبراهيم، عن عمر، وعبد اللَّه، وعلى أن الثابت من روايته: السكنى دون النفقة.
وأما الذين ذهبوا إلى ألّا سكنى ولا نفقة، فإن مُجالدًا روى عن الشعبي قال: خالفنا أهل المدينة في سكنى المطلقة ونفقتها فقالوا: بيننا وبينك حديث فاطمة بنت قيس، فأتيتها فدخلت عليها فسألتها، فقالت: طلقني زوجي فقال لي أخوه: إنه لا سكنى لك ولا نفقة، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فقال لي رسول اللَّه ﷺ : "يا ابنة قيس، إنما تكون السكنى والنفقة ما كان لزوجك عليك مراجعة" (٣).
стр. 1076
ورواه غير مُجالد أيضًا وقال فيه: "وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم" (١).
ورواه سَيّار، عن الشعبي فقالت: "لم يجعل لي سكنى ولا نفقة" (٢).
وهذا يحتمل التأويل، وأن تكون هي ظنت ذلك، ولم يأت هؤلاء بالحديث على وجهه.
وأتى به أبو سلمة بن عبد الرحمن، رواه مالك، عن عبد اللَّه بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص طلَّقها البتة وهو غائب بالشام فأرسل إليها وكيله بشعير فسَخِطَتْه، فقالت: واللَّه ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول اللَّه ﷺ فذكرت ذلك له فقال لها: "ليس لك عليه نفقة"، وأمرها أن تَعْتَد في بيت أم شريك، ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي، واعتدي في بيت ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك" (٣).
ورواه أيضًا الدراوردي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سَلَمة كذلك (٤)، فجاء أبو سلمة بالحديث ملخَّصًا مشروحًا، فدل على أن السكنى
стр. 1077
واجبة، لأن أمر رسول ﷺ لها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم إيجاب السكنى، وإنما نقلها عن منزل زوجها لما كان يجري بينها وبين أهله من الخصومات والسباب، لأن المُعتدّة من وفاة أو طلاق إذا حدث في الموضع الذي يسكنونه حدث يُحْوِجُها إلى الخروج منه خرجت، واعتدت في موضعٍ غيرِه، وأقامت إلى أن تنقضي عدتها، مثل أن يكون المنزل ليس للزوج فيخرجها المالك، ومثل أن يكون مَخُوْفًا وما أشبه ذلك، وقد عَلِمنا ما كان يجري بين فاطمة وبين زوجِها وقراباته، وقالت عائشة ﵂ في ذلك ما قالت لفاطمة بنت قيس: اتقي اللَّه يا فاطمة، فقد عرفت في أي شيء كان ذلك، لما ذكرت أنها لم يجعل لها سكنى (١).
وروى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، وسليمان بن يسار، أن يحيى بن سعيد بن العاص طَلَّق ابنة عبد الرحمن بن الحكم البتة، فانتقلها عبد الرحمن، فوجهت عائشة إلى مروان وهو أمير المدينة: اتق اللَّه يا مروان، واردد المرأة إلى بيتها، فقال مروان: أما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟ قالت عائشة: لا يضرك ألا تذكر حديث فاطمة؟ قال مروان: إن كان بك الشر، فحسبك ما بين هذَين من الشر (٢).
ورواه حماد بن زيد بإسناده مثله.
وقال سعيد بن المسيب: تلك امرأة فتنت الناس، إنها كانت لَسِنَة (٣).
стр. 1078
فعائشة قد علمت ما فعله رسول اللَّه ﷺ في أمر ابنة قيس، وأنه أسكنها، وفرق بينهم بسبب الشر، ألا ترى ما قالت: دع عنك ذكر فاطمة، في حديث حماد بن زيد، فقد عرَفتْ في أي شيء كان ذلك، فقد علِمنا يقينًا أنها قد عرفت شأن فاطمة، وإيجابَ رسول اللَّه ﷺ السكنى، وتحويله إياها بسبب الشر، فأيهما أولى بمعرفة ذلك عائشة، أو ابنة قيس؟ وهل يكون بين معرفتهما تقارب؟
وقد روي عن جماعة من السلف أنهم قالوا: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، أنه البَذاء وسوء الخلق (١)، ولعلهم ذهبوا إلى قصة فاطمة بنت قيس، واللَّه أعلم.
وروى عكرمة، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، وأنه في مصحفه: "إلا أن يَفحُشن عليكم"، قال ابن عباس، عن أبي بن كعب: عليهم حل لهم إخراجها.
وإذا كان ذلك كذلك أمر الإمام بإخراجها، إذا تفاحش البَذاء منها إلى موضع يختاره لها، كما فعل رسول اللَّه ﷺ في فاطمة بنت قيس، وذلك مردود إلى اجتهاد الرأي من الحاكم، واللَّه أعلم.
وقد روى ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن فاطمة بنت قيس كانت في مكان وحْش، فخيف عليها فَحُوِّلت (٢).
ومعنى وَحْش يحتمل الشر الذي كان بينهم والشقاق، واللَّه أعلم، فقد عُقل من قصة فاطمة أنه قضى ﵇ ألا نفقة، وأسكنها من حيث لم تَدْر.
стр. 1079
وقد روى الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، أن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان طلق ابنة سعيد بن زيد ثلاثًا، وأمها أخت فاطمة بنت قيس، وأن فاطمة أمرتها بالخروج، فنهاها مروان عن ذلك وقال: لا ندع العصمة التي الناس عليها لقول امرأة (١).
ومروان لم يخبر عن نفسه، وإنما ذكر ما أدرك الناس عليه، وناقل ذلك عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، ومَوْضِعُه مَوْضِعُه في الفضل والعلم، وسعيد بن المسيب يذكر أن فاطمة فتَنَت الناس، وعائشة قالت في أمرها ما قالت، ففاطمة غلطت في التأويل، ولم تَدْرِ (٢) أنها أُسْكِنت.
وقول عمر بن الخطاب ﵁: لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة، لها السكنى، إلى هذا الموضع، والنفقة إلحاقٌ في الحديث.
وقد يجوز: وسُنّة نبينا ﷺ أَلّا نفقة، وإلا فمن الراوي عن النبي ﷺ أنه جعل للمَبتوتة نفقةً وليست بحامل، حتى يكون عمر أشار إلى تلك السُّنة؟ فالسُّنة مقبولة من فاطمة: أَلّا نفقةَ بحديث أبي سلمة والسكنى، فهذا هو الذي أشار إليه عمر أن السكنى بالكتاب، ولا نفقة بالسُّنة، ولما كانت المرأة تَعْتَد للوفاة ولا نفقة لها، كانت تعتد من الطلاق البائن ولا نفقة لها، إلا أن تكون حاملًا.
وأما ما روي عن الشعبي أن النبي ﷺ قال: "يا ابنة قيس إنما يكون السكنى والنفقة ما كان لزوجك عليك مراجعة" فهو غلط، لأن الشعبي يرى للمطلقة ثلاثًا السكنى والنفقة، وروي عنه، وعن الحسن، وعطاء أنهم قالوا: سكنى ولا نفقة، وهذا أشبه، لأنه موافق للقرآن، غير أن الشعبي في الروايتين
стр. 1080
جميعًا قد أوجب السكنى، وهو خلاف الرواية الأولى، ولعل الشعبي أفتى بخلاف ما روى لإنكار الناس عليه ذلك.
وقد تعلق قوم بشيء رواه ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، أن خالته طُلقت، فأرادت أن تَجُدّ نخلها، فأذن لها رسول اللَّه ﷺ في ذلك (١).
وقد ذهب عنهم أن نخلَ المدينة حولها، ومبيتهم في منازلهم، ولسنا ننكر تصرف المُعتدّة في حاجاتهم وأمورها إذا كان مبيتها في بيتها، وقد أفتت بذلك عائشة وابن عمر وغيرهما، وشرطوا ألا تبيت إلا في بيتها.
فأما من قال من التابعين، من ابن المسيب، والزهري، وخلق كثير، فإنهم قالوا: لها السكنى ولا نفقة (٢).
فإن قال قائل: كيف عنى بقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ المَبْتوتات، وهن لم يُذكَرنَ فيما مضى؟
قيل له: قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، ومعناه: يا أيها النبي عَلِّمهم إذا أردتم أن تطلقوا النساء فطلقوهن لعدتهن، يريد طاهرًا من غير جماع، فكان هذا خطابًا لمن أراد أن يطلِّق امرأة لم يطلقها قبل ذلك، وهي عنده على ثلاث، ومن طلق واحدة فزوجته عنده بارتجاعه على اثنتين، ومن طلق اثنتين فزوجته عنده على واحدة، يريد أن يطلقها، فقيل للجماعة: إذا أردتم الطلاق، فطلقوا في قُبُل العِدّة، فكان هذا الخطاب لمن يملك الرّجعة ومن لا يملكها.
стр. 1081
ثم عاد الخطاب إلى الجميع فقيل: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، يعني: رجعة لمن له رجعة من سائر المطلقين.
ثم خوطب من له الرجعة بأن قيل له: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ يعني: قاربن، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، ارتجع إن شئت بِنيَّة الجميل، ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ تركُ الرَّجعة وانقضاء العدة، ثم قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، يعني: على الطلاق والرجعة، إلى قوله سبحانه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾، فكان هذا معطوفًا على من طلق الثالثة التي لا رجعة عليها، ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ﴾، ولم يجز أن يكون هذا عطفًا على من له الرجعة فيها، لأن تلك زوجةٌ نفقتُها واجبة بالنكاح، ولا تسقط عنه، وبينهما الموارثة، وحكمها حكم الزوجات، ولو وطئها لم يكن عليه حد.
وقد قال العراقيون: إن الوطء فيها رجعة (١).
وقال مالك: يؤمر بالإشهاد على الرجعة إذا وطئ، ويؤخذ بذلك.
وإنما أعيد ذكر السكنى لتكون فيه فائدة غير الفائدة الأولى، لأن الأولى ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾، ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾، هي مثل الثانية، فلو لم تكن في الثانية إفراد المَبْتوتة لخلت من الفائدة، وصار التكرير لا فائدة فيه، وما أَنتج الفائدة كان أولى أن يُظن بكلام اللَّه .
فعُلم بذلك أن الأولى مخاطبة في اللواتي يملك الزوج الرجعة فيهن، ولم يُحتج إلى ذكر النفقة، لأنها لم تسقط بكتاب اللَّه ولا سُنّة، وكانت الثانية مذكورًا فيها السكنى من أجل أنها مبتوتة قد سقطت نفقتها، فأكد أمر السكنى، وذكرت النفقة حيث يكون الحمل، لأن على الأب أن يَغْذُوَ ولده.
стр. 1082
ومما يدل على أن تعليم أول السورة، إنما قصد به الموضع الذي يقع فيه الطلاق لمن يملك الواحدة، والاثنتين، والثلاث، أن رسول ﷺ قد كان طلَّق حفصة طلْقة، فأمره اللَّه ﵎ بارتجاعها (١)، ثم نزل التخيير بين الدنيا والآخرة، فلو اخترن الدنيا لاحتاج أن يطلقهن في الطهر طلقة، فتكون حفصة مطلقة اثنتين، ولكن اللَّه (٢) فاخترن الآخرة.
وقد كان عبد الرحمن بن عوف طلَّق تُماضِر بنت الأَصْبَغ طلقتين واحدة بعد الأخرى، وارتجع، وقد كان قد آلى أن لا تسأله امرأة طلاقها إلا طلَّقها، فسألته في غلبة فقال: إذا طهُرت فأعلميني، فلما أعلمته طلّقها (٣)، فهل طلاقه إلا بالآية التي عُلِّم الناس فيها الطلاق؟
وقد ظن قوم أن رسول اللَّه ﷺ خير نساءه في الطلاق، وهذا ظن سوء أن يظنوا برسول اللَّه ﷺ أنه مخير في طلاق يكون ثلاثًا، لأن الخيار ثلاث تطليقات، وإنما خيرهم بين الدنيا والآخرة، فإن اخترن الآخرة كُنّ على ما كُنّ عليه، ولهن ما اخترن، وإن أردن الدنيا واخترنها طَلّقهن حينئذ طلاق السُّنة التي علمه اللَّه، ألا ترى إلى قوله ﵎: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]، يريد فتعالين أي: فعلن (٤)، ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩]، ألا ترى إلى جوابهن لما قُلْن: نختار اللَّه ورسوله، فهذا هدى فافهم.
стр. 1083
٢ - ٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
جاء رجل من أشجع إلى رسول اللَّه ﷺ ، وكان ابنُه أسيرًا، فذكر الجَهد، فقال له النبي ﷺ "اذهب فاصبر"، فأفلت ابنه من أيديهم، وأتاه بغنيمة، فأتى النبيَّ ﷺ فأخبره فنزلت: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (١).
وقال مسروق: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]، يعني: منتهى، ومن علم أن اللَّه يعطيه ويمنعه فتوكل عليه، رَزَقَه من حيث لا يحتسِب (٢).
وقال الربيع بن خُثَيم: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، قال: من كل شيء ضاق عليه (٣).
والآية توجب أن من توكل على اللَّه وقوي رجاؤه له لم يخيبه، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1084
ومن سورة التحريم
стр. 1085
١ - ٤ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾
قال ابن عباس: لَبِثْتُ سنَةً أريد أن أسأل عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول اللَّه ﷺ ، فجعلت أهابه حتى نزل مَرًّا (١)، ودخل في الأراك (٢)، فلما خرج سألته فقال: عائشة، وحفصة، ثم قال: إنا كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئًا، فلما جاء الإسلام وذكرهن اللَّه، رأينا لهن بذلك علينا حقًا، من غير أن يدخلن في شيء من أمورنا، قال: فدخلت على امرأتي يومًا فقالت لي شيئًا أغضبني، فقلت لها: وإنَّكِ لهُناك، فقالت: تقول هذا وابنتك تُغضب رسول اللَّه ﷺ ، فأتيت حفصة فقلت لها: إني أحذرك بأن تعصي اللَّه ورسوله ﷺ وتقدمتُ إليها في أذاةٍ، وأتيت أم سلمة فقالت: عجبًا لك يا ابن الخطاب، لم يبق لك إلا أن تدخل بين رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وبين نسائه.
وكان رجل (٣) من الأنصار إذا غاب وشَهِدتُ أتيته بما يكون من رسول اللَّه ﷺ ، وإذا غِبْت وشهِد أتاني بما يكون من رسول اللَّه ﷺ ، وكان مَن حول رسول اللَّه ﷺ قد استقام، إلا ملك غَسّان بالشام، كنا نخاف أن يسير إلينا،
стр. 1086
فأتاني الأنصاري يومًا فضرب علي الباب وقال: قد حدث أمر، قلت: أجاء الغساني؟ قال: لا، ولكن أعظم من ذلك، طلق رسول اللَّه ﷺ نساءه، قال: فخرجت وإذا البكاء في حُجَرهن كلِّها، وإذا النبي ﷺ قد صعِد مَشْرُبَته (١)، وعلى الباب وَصيف (٢)، فقلت: استأذن لي على رسول اللَّه ﷺ ، فاستأذن لي فإذا رسول اللَّه ﷺ على حصير قد أَثّر في جنبه، وإذا تحت رأسه مِرْفَقة (٣) من أدم، حَشْوُها لِيفٌ، وإذا أُهُب في البيت معلقة، وقَرَظٌ (٤) منبوذ، فذكرت الذي قلتُ لحفصةَ وأم سلمة فضحك، فلبث بذلك تسعًا وعشرين فنزل، وأنبئت أن عائشة ﵂ قالت: يا رسول اللَّه لو شئت أخذتَ ذات الذنب منا بذنبها، قال: "إذا أدعها كأنها شاة مَعْطاء" (٥).
ولهذا الحديث أسانيد، وفيه زيادات ونقصان، وفي بعضها: فقلت لحفصة: أتراجعين رسول اللَّه ﷺ ؟ قالت: نعم، قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم، قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أتأمن إحداكن أن يغضب اللَّه عليها لغضب رسوله ﷺ وإذا هي قد هلكت، لا تراجعي رسول اللَّه ﷺ ولا تسأليه شيئًا، وسليني ما بدا لك، ولا يغررك أن كانت جارتك هي أَوْسَمُ وأحبُ إلى رسول اللَّه ﷺ منك -يريد عائشة- (٦).
стр. 1087
وقيل في بعضها: قال عمر: واللَّه لآتين أم سلمة، فليس منهن أمَسُّ بي رحمًا منها، فأتيتها فقلت: تسألين رسول اللَّه ﷺ ما لا يجد؟ ! واللَّه ما أراكِ تنتهين حتى يُنزل اللَّه ﵎ بك قارعة، قالت: سبحان اللَّه ما لك وللدخول بين رسول اللَّه ﷺ وبين أزواجه؟ بل أنت واللَّه ما أراك تنتهي حتى ينزل اللَّه بك قارِعة، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: أطلقت نساءك؟ قال: لا، فأخبرته بما كان من شأني وشأن أم سلمة فضحك، فلما رأيت ضحكه وطيب نفسه قلت: يا نبي اللَّه، أنت بالمنزل الذي أنت به من اللَّه، وأنت على ما أرى، وكسرى وقيصر على سُرُر الذهب، وفُرُش الديباج، فقال: "يا عمر، أولئك قوم عَجّل اللَّه لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا" (١).
وقيل في بعضها: فدخلتُ على عائشة، وذلك قبل أن يوضع الحجاب، فقلت: يا ابنة أبي بكر، بلغ من أمرك أن تؤذي نبي اللَّه ﷺ ! فقالت: يا ابن الخطاب، ما لي ولك؟ عليك بنفسك، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: إن كنت طلَّقت نساءك، فإن اللَّه ﵎ معك، وملائكتُه، وجبريل، وميكائيل، وأنا أيضًا، وأبو بكر، والمؤمنون، فَصَدّق اللَّه قولي، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾، إلى آخر الآية (٢).
وقالت عائشة: لما نزل رسول ﷺ إلى نسائه، أُمر أن يخيرهن، دخل عليّ فقلت: يا نبي اللَّه إنك حلفت ألا تدخل علينا شهرًا، وقد مضى تسعة وعشرون يومًا؟ قال: "إن الشهر يكون تسعة وعشرين"، وقال: "سأذكر لك أمرًا، فلا تعجلي حتى تستشيري أباك"، فقلت: وما هو؟ فتلا علي آية التخيير إلى آخر
стр. 1088
الآيتين، فقلت: إني أختار اللَّه ورسوله، فسُر بذلك، وعرض على نسائه، فتتابعن كلُّهن يخترن اللَّه ورسوله ﷺ (١).
رويت هذه الأحاديث، وظن رواتها أن قول اللَّه : ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ إنما كان لحَلِفِه ألَّا يدخل عليهن شهرًا.
ورويت أحاديث، أن رسول اللَّه ﷺ شرب عسلًا، فقلن له بعضُ نسائه: نشم منك ريح مَغافير، فحلف ألا يشرب العسل (٢).
وجميعًا لم تنزل آية التحريم فيهما.
وروت الجماعة الكثيرة، أن النبي ﷺ حرَّم جاريته، وحلف بيمين مع التحريم، فعاتبه اللَّه في التحريم، وأمره بكفارة اليمين.
وروى بعضهم، أن النبي ﷺ دخل بيت حفصة وليست فيه، فجاءته فتاته فألقى عليها الستر، فجاءته حفصة فقعدت على الباب، حتى قضى رسول اللَّه ﷺ حاجته فقالت: واللَّه لقد سؤتني أجامَعتها في بيتي؟ ! قال: فحرمها، أو كما قال (٣).
وروى ابن عباس أن نبي اللَّه ﷺ وقع على أَمَة له في بيت حفصة، فقالت له: كنتُ أهون نسائك عليك، فقال: "لا تخبري أحدًا"، فحرمها، فقالت: تحرم
стр. 1089
ما أحل اللَّه لك؟ ! فقال: "لا تخبري أحدًا، فواللَّه لا أَمُر بها"، قال: فحدثني عمر أن حفصة لم تَقَرّ حتى أخبرت عائشة، فتظاهرتا على رسول اللَّه ﷺ (١).
وقال مسروق: إنما كَفّر رسول اللَّه ﷺ للإيلاء ولم يكفِّر للحرام، وقال: إن رسول اللَّه ﷺ آلى وحَرَّم (٢)، يريد: حلف وحَرَّمَ، فقيل له: أما الحرام فحلال، وأما اليمين فقد فرض اللَّه لكم تَحِلَّة أيمانكم.
ذكر بعضهم أن النبي ﷺ حرَّم جارية له.
وقال بعضهم: حرَّم شرابًا.
والحكم في ذلك واحد، لأن الأَمَة لا يكون فيها طلاق ولا تُحَرَّم، كما لا يُحَرَّم الشراب، ولعل القصتين جميعًا قد كانتا، إلا أن أمر الجارية أشبه لقوله سبحانه: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾، ولقوله عز من قائل: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾، فكان ذلك في الأَمة أشبه، لأن الرجل يغشى أَمَتَه في سِتر، ولا يشرب العسل في ستر، ولأن تحريم الأمة فيه مرضاة لهن.
وقال بعضهم: حرَّم فأُمر بالكفارة.
وقال بعضهم: حرم وحلف، فقد يمكن أن يكون حرَّمها بيمين باللَّه، ويمكن أن يكون حرَّمها وحلف.
وقال همام بن الحارث: إن ابن مُقَرِّن سأل ابنَ مسعود قال: إني حلَفت ألا أنام على فراشي سنة، فتلا عبد اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا [طَيِّبَاتِ] (٣) مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]، كفِّر عن يمينك، ونم على فراشك (٤).
стр. 1090
فإذا قال الرجل لامرأته: أنتِ عليَّ حرام فلم يحلِف، وإنما أوجب (١) على نفسه شيئًا، وإذا قال لأَمته: أنت علي حرام ولم يحلف، والحلال لا ينتقل حرامًا بتحريم من أُحِلّ له، ولم يجعل اللَّه تحريمه من الباب الذي تحرم به الحرة، لأن الحرة تَحْرُم بالتحريم، قال اللَّه : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وما لا يحِل فهو الحرام، والأَمة لا تَحرُم إلا بالعِتق، فلما نهى اللَّه ﵎ عن تحريم ما أحل اللَّه، وسمَّى المُحرِّم معتديًا، رد عَداه على نفسه، ولم يُحرِّم ما أحل اللَّه، إلا أن يكون إنسانًا عَلم بُغية النبي ﷺ في التحريم، إذ في التعريض مَنْدوحَة، فيقول في الأَمَة: هي علي حرام يُرضي زوجته، وهو يَعلم أنها لا تَحرم، ألا ترى أن عائشة وحفصة ﵄ قالتا: كيف تحرم وهي أمة؟
وروي عن ابن عباس: أنه حلف عند هذا القول منهما، وهو أولى بأن يعلم ما عَلِمناه، فلما قالتا ذلك قال: واللَّه لا وطِئتُها، فأنزل اللَّه : ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾، إلى قوله سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فأُمر بالكفارة عن يمينه، وعُرِّف أن التحريم لا يقع فيما أحل اللَّه ﵎، ليُعلمه سائر الناس فيعلمونه، والقائل الآن لأمته: أنت حرام، [لا] (٢) يدخل في باب الإيجابات.
٦٦ - حدثنا أشياخنا أحمد بن موسى وجماعة، عن عمرو بن مرزوق، عن مالك بن أنس، عن طلحة بن عبد الملك، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "من نذر أن يطيع اللَّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي اللَّه، فلا يعصه" (٣).