فأتاني الأنصاري يومًا فضرب علي الباب وقال: قد حدث أمر، قلت: أجاء الغساني؟ قال: لا، ولكن أعظم من ذلك، طلق رسول اللَّه ﷺ نساءه، قال: فخرجت وإذا البكاء في حُجَرهن كلِّها، وإذا النبي ﷺ قد صعِد مَشْرُبَته (١)، وعلى الباب وَصيف (٢)، فقلت: استأذن لي على رسول اللَّه ﷺ ، فاستأذن لي فإذا رسول اللَّه ﷺ على حصير قد أَثّر في جنبه، وإذا تحت رأسه مِرْفَقة (٣) من أدم، حَشْوُها لِيفٌ، وإذا أُهُب في البيت معلقة، وقَرَظٌ (٤) منبوذ، فذكرت الذي قلتُ لحفصةَ وأم سلمة فضحك، فلبث بذلك تسعًا وعشرين فنزل، وأنبئت أن عائشة ﵂ قالت: يا رسول اللَّه لو شئت أخذتَ ذات الذنب منا بذنبها، قال: "إذا أدعها كأنها شاة مَعْطاء" (٥).
ولهذا الحديث أسانيد، وفيه زيادات ونقصان، وفي بعضها: فقلت لحفصة: أتراجعين رسول اللَّه ﷺ ؟ قالت: نعم، قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم، قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أتأمن إحداكن أن يغضب اللَّه عليها لغضب رسوله ﷺ وإذا هي قد هلكت، لا تراجعي رسول اللَّه ﷺ ولا تسأليه شيئًا، وسليني ما بدا لك، ولا يغررك أن كانت جارتك هي أَوْسَمُ وأحبُ إلى رسول اللَّه ﷺ منك -يريد عائشة- (٦).
стр. 1087
وقيل في بعضها: قال عمر: واللَّه لآتين أم سلمة، فليس منهن أمَسُّ بي رحمًا منها، فأتيتها فقلت: تسألين رسول اللَّه ﷺ ما لا يجد؟ ! واللَّه ما أراكِ تنتهين حتى يُنزل اللَّه ﵎ بك قارعة، قالت: سبحان اللَّه ما لك وللدخول بين رسول اللَّه ﷺ وبين أزواجه؟ بل أنت واللَّه ما أراك تنتهي حتى ينزل اللَّه بك قارِعة، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: أطلقت نساءك؟ قال: لا، فأخبرته بما كان من شأني وشأن أم سلمة فضحك، فلما رأيت ضحكه وطيب نفسه قلت: يا نبي اللَّه، أنت بالمنزل الذي أنت به من اللَّه، وأنت على ما أرى، وكسرى وقيصر على سُرُر الذهب، وفُرُش الديباج، فقال: "يا عمر، أولئك قوم عَجّل اللَّه لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا" (١).
وقيل في بعضها: فدخلتُ على عائشة، وذلك قبل أن يوضع الحجاب، فقلت: يا ابنة أبي بكر، بلغ من أمرك أن تؤذي نبي اللَّه ﷺ ! فقالت: يا ابن الخطاب، ما لي ولك؟ عليك بنفسك، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: إن كنت طلَّقت نساءك، فإن اللَّه ﵎ معك، وملائكتُه، وجبريل، وميكائيل، وأنا أيضًا، وأبو بكر، والمؤمنون، فَصَدّق اللَّه قولي، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾، إلى آخر الآية (٢).
وقالت عائشة: لما نزل رسول ﷺ إلى نسائه، أُمر أن يخيرهن، دخل عليّ فقلت: يا نبي اللَّه إنك حلفت ألا تدخل علينا شهرًا، وقد مضى تسعة وعشرون يومًا؟ قال: "إن الشهر يكون تسعة وعشرين"، وقال: "سأذكر لك أمرًا، فلا تعجلي حتى تستشيري أباك"، فقلت: وما هو؟ فتلا علي آية التخيير إلى آخر
стр. 1088
الآيتين، فقلت: إني أختار اللَّه ورسوله، فسُر بذلك، وعرض على نسائه، فتتابعن كلُّهن يخترن اللَّه ورسوله ﷺ (١).
رويت هذه الأحاديث، وظن رواتها أن قول اللَّه : ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ إنما كان لحَلِفِه ألَّا يدخل عليهن شهرًا.
ورويت أحاديث، أن رسول اللَّه ﷺ شرب عسلًا، فقلن له بعضُ نسائه: نشم منك ريح مَغافير، فحلف ألا يشرب العسل (٢).
وجميعًا لم تنزل آية التحريم فيهما.
وروت الجماعة الكثيرة، أن النبي ﷺ حرَّم جاريته، وحلف بيمين مع التحريم، فعاتبه اللَّه في التحريم، وأمره بكفارة اليمين.
وروى بعضهم، أن النبي ﷺ دخل بيت حفصة وليست فيه، فجاءته فتاته فألقى عليها الستر، فجاءته حفصة فقعدت على الباب، حتى قضى رسول اللَّه ﷺ حاجته فقالت: واللَّه لقد سؤتني أجامَعتها في بيتي؟ ! قال: فحرمها، أو كما قال (٣).
وروى ابن عباس أن نبي اللَّه ﷺ وقع على أَمَة له في بيت حفصة، فقالت له: كنتُ أهون نسائك عليك، فقال: "لا تخبري أحدًا"، فحرمها، فقالت: تحرم
стр. 1089
ما أحل اللَّه لك؟ ! فقال: "لا تخبري أحدًا، فواللَّه لا أَمُر بها"، قال: فحدثني عمر أن حفصة لم تَقَرّ حتى أخبرت عائشة، فتظاهرتا على رسول اللَّه ﷺ (١).
وقال مسروق: إنما كَفّر رسول اللَّه ﷺ للإيلاء ولم يكفِّر للحرام، وقال: إن رسول اللَّه ﷺ آلى وحَرَّم (٢)، يريد: حلف وحَرَّمَ، فقيل له: أما الحرام فحلال، وأما اليمين فقد فرض اللَّه لكم تَحِلَّة أيمانكم.
ذكر بعضهم أن النبي ﷺ حرَّم جارية له.
وقال بعضهم: حرَّم شرابًا.
والحكم في ذلك واحد، لأن الأَمَة لا يكون فيها طلاق ولا تُحَرَّم، كما لا يُحَرَّم الشراب، ولعل القصتين جميعًا قد كانتا، إلا أن أمر الجارية أشبه لقوله سبحانه: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾، ولقوله عز من قائل: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾، فكان ذلك في الأَمة أشبه، لأن الرجل يغشى أَمَتَه في سِتر، ولا يشرب العسل في ستر، ولأن تحريم الأمة فيه مرضاة لهن.
وقال بعضهم: حرَّم فأُمر بالكفارة.
وقال بعضهم: حرم وحلف، فقد يمكن أن يكون حرَّمها بيمين باللَّه، ويمكن أن يكون حرَّمها وحلف.
وقال همام بن الحارث: إن ابن مُقَرِّن سأل ابنَ مسعود قال: إني حلَفت ألا أنام على فراشي سنة، فتلا عبد اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا [طَيِّبَاتِ] (٣) مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]، كفِّر عن يمينك، ونم على فراشك (٤).
стр. 1090
فإذا قال الرجل لامرأته: أنتِ عليَّ حرام فلم يحلِف، وإنما أوجب (١) على نفسه شيئًا، وإذا قال لأَمته: أنت علي حرام ولم يحلف، والحلال لا ينتقل حرامًا بتحريم من أُحِلّ له، ولم يجعل اللَّه تحريمه من الباب الذي تحرم به الحرة، لأن الحرة تَحْرُم بالتحريم، قال اللَّه : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وما لا يحِل فهو الحرام، والأَمة لا تَحرُم إلا بالعِتق، فلما نهى اللَّه ﵎ عن تحريم ما أحل اللَّه، وسمَّى المُحرِّم معتديًا، رد عَداه على نفسه، ولم يُحرِّم ما أحل اللَّه، إلا أن يكون إنسانًا عَلم بُغية النبي ﷺ في التحريم، إذ في التعريض مَنْدوحَة، فيقول في الأَمَة: هي علي حرام يُرضي زوجته، وهو يَعلم أنها لا تَحرم، ألا ترى أن عائشة وحفصة ﵄ قالتا: كيف تحرم وهي أمة؟
وروي عن ابن عباس: أنه حلف عند هذا القول منهما، وهو أولى بأن يعلم ما عَلِمناه، فلما قالتا ذلك قال: واللَّه لا وطِئتُها، فأنزل اللَّه : ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾، إلى قوله سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فأُمر بالكفارة عن يمينه، وعُرِّف أن التحريم لا يقع فيما أحل اللَّه ﵎، ليُعلمه سائر الناس فيعلمونه، والقائل الآن لأمته: أنت حرام، [لا] (٢) يدخل في باب الإيجابات.
٦٦ - حدثنا أشياخنا أحمد بن موسى وجماعة، عن عمرو بن مرزوق، عن مالك بن أنس، عن طلحة بن عبد الملك، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "من نذر أن يطيع اللَّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي اللَّه، فلا يعصه" (٣).
стр. 1091
فمن حرَّم أَمته لم يلزمه شيء، لأنه أوجب ما لا رضى للَّه فيه، واللَّه أعلم.
وقد زعم قوم أن التحريم يمين (١)، وأن من حرَّم امرأته فعليه كفارة، تشبيهًا عندهم بالأَمة، فسلكوا مسلكًا وَعْرًا، ووضعوا الأمر في غير موضعه، قال اللَّه ﵎: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]، يريد ما حَلّ لكم من النساء، وقال لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، ثم جعل اللَّه ﵎ للرجل يريد أن يُحرم امرأته فقال عز مِن قائل: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠]، وقال سبحانه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فالتحليل عقد النكاح، والتحريم الخُلع والمبارأة، وغير ذلك مما قد أُجْمِع على أنه يُحرِّم ما استحله بالعقد، فجُعلت هذه الأشياء أسماء للتحريم، والتحريم هو القصد بالأسماء وما ينضاف إليها، فإذا قال الرجل لامرأته: أنت علي حرام، فقد أتى بأقصى الأشياء، وهو ما الأسماء تقتضيه.
ألا ترى اللَّه قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني الثالثة: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وما لا يحِل فهو المحَرّم، فإذا قال: أنت عليّ حرام، فقد جعلها التي لا تحل له، فكيف يجوز أن ينقل ما جعله اللَّه لا يحِل إلا بعد زوج، إلى التحليل بإطعام عشَرة مساكين، هذا ما يستحيل في العقل.
قال علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت: الحرام ثلاث.
وقاله السّبعةُ فقهاءُ المدينة وغيرهم.
وهو قول مالك بن أنس ﵁ (٢).
стр. 1092
٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾
روي أن النبي ﷺ سئل عنها فقيل: نَقِي أنفسنا، فكيف بأهلينا؟ فقال: "تأمرونهُنّ بطاعة اللَّه، وتَغْهَوْنَهُنّ عن معاصي اللَّه".
وقال علي بن أبي طالب ﵁: أدِّبوهُم وعلِّموهم (١).
وقال الحسن ومجاهد نحو ذلك (٢).
* * *
стр. 1093
٨ - قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾
قال النعمان بن بشير: سمعت عمر بن الخطاب ﵀ يقول: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ قال: أن يعمل الرجل العمل السيء فلم يجتنبه (١) فلا يعود إليه (٢).
وقال عبد اللَّه بن مسعود: النَّصوح: الذي لا يعود في ذنبه (٣).
وقال ابن عباس: التوبة النصوح تُكَفِّر كل سيئة (٤).
وقال الحسن، ومجاهد: يتوب من الذنب ثم لا يعود (٥).
* * *
стр. 1094
٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾
قال الحسن: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالحدود.
وقال قتادة مثله (١).
وقال غيرهما: ما مات رسول اللَّه ﷺ حتى أُذن له في قتال المنافقين وقَتلِهم، وكان ذلك مع الأَجَل حين كثر المسلمون.
ليس في ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، و ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ شيء.
* * *
٢٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾
أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الأُتفوي، قال: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه في منزله بمصر عام إحدى وأربعين وثلثمائة وأنا أسمع قال:
قال عقبة بن عامر: هم الذين لا يلتفتون يمينًا ولا شمالًا (١).
وقال ابن عباس ﵁: هم المداومون على الصلوات الخمس.
وقال ابن مسعود: الدائمون المحافظون (٢) على أوقاتها، فأما تركها فكفر (٣).
وقال مسروق: دائمون: محافظون (٤) على مواقيتها، والسهو عنها ترك وقتها (٥).
وقال مجاهد: المكتوبة.
وقال شبل: يداوم على مواقيتها وحدودها.
стр. 1097
٢٤ - قال اللَّه عزَّ مِن قائل: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾
قال محمد بن سيرين: الزكاة.
وقال مجاهد: سوى الزكاة (١).
وقال إبراهيم: كانوا يرون في المال حقا سوى الزكاة (٢).
وقال عامر مثله (٣).
وروى قَزَعَة عن ابن عمر مثله وقال: أدى الزكاة إلى السلطان (٤).
وقال عطاء: سوى الزكاة.
وقاله الحسن.
وقال جماعة كما قال ابن سيرين.
ولا نعلم معلومًا غير الزكاة، وليس على الناس بعدها فرض معلوم، فإذا نزلت حوادث وجب على الناس القيام بها، نحو الضَّيف ينزل بالإنسان، ونحو
стр. 1098
المضطر، والميت لا يكون له كفن، وما أشبه ذلك من النوازل التي ليس لها حَدّ معلوم، ولا وقتٌ مَوصوف، وإنما تجب عند الضرورات إذا نزلت.
وبعد ذلك فينبغي أن يقدم الإنسان لنفسه، فإنه قال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وقال في النفقة في سبيل اللَّه: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].
* * *
стр. 1099
٢٥ - وقال تبارك تعالى: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾
روي عن ابن عباس ﵁: السائل الذي يسألك، والمحروم المُحارَف (١).
ومثله عن عائشة.
وقال إبراهيم جاء رجل بعد وقعة الجمل، فقال عليٌّ: هذا المحروم، فاقسموا له (٢).
وكان علي ﵀ يوم الجمل طلب أصحابه منه المَغنَم فمنعهم وقال: من عرف شيئًا فليأخذه، وقسم لأصحابه خمسمائة خمسمائة، فجاء هذا الرجل بعد القَسم، فقال: هذا المحروم فاقسِموا له.
وكان الخوارج الذين حاربهم بالنَّهْرَوان (٣) قالوا: نطلب منك سيرة العُمُرين، عنَوا: أبا بكر وعمر، وقالوا له: لم حَكّمت إن كنت على الحق؟ وقد كان أبى أن يحكِّم، فهم طالبوه بذلك، وقالوا له: لِمَ تقسِم غنائم الجمل، فقال لهم في ذلك: أيكم كان يأخذ أُمه في سهمه، يعني عائشة رحمها اللَّه، ولم يَرَ في شيء من أموال المسلمين غنيمة.
وقال اللَّه : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية، فإذا كان المؤمن أخا المؤمن، فكيف يجوز له أن يأخذ ماله وهو عليه حرام؟
стр. 1100
قال زيد بن وهب: كنت مع علي، فكف عن طلحة والزبير وأصحابهم، ودعاهم حتى بدؤوهُ، فقاتلهم بعد الظهر، فما غربت الشمس وحول الجمل عين تَطْرِف ممن كان يذُب عنه، فقال علي ﵀: لا تَتبعوا مُدْبِرًا، ولا تُتموا على جريح، فجاؤوا الغد يكلمون عليًّا في الغنيمة، فقال: قال اللَّه : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، فأيكم لعائشة؟ فقالوا: سبحان اللَّه، أُمُّنا! فقال علي: أحرام هي؟ قالوا: نعم، قال: فإنه يَحرُم من بناتها ما يَحرُم منها، يا قَنْبَر نادي: من عرف شيئًا فليأخذه، قال زيد: فرد ما كان في العسكر وغيره.
وقال الحسن: لم يأخذ عليٌّ يوم الجمل شيئًا مما في العسكر ولا غيره.
وقال إبراهيم: المحروم الذي ليس له في الغنيمة شيء، المحارف في الرزق والتجارة (١).
وقال ابن عباس في رواية أخرى: هو الفقير الذي يخرج في الناس وهو مُتَعَفِّف.
وقال القُرَظي: المحروم الذي لا يَنْبُت زَرْعه، وذكر: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾.
وقال زيد بن أَسلم نحو ذلك.
وقال ابن شهاب: المحروم الذي لا يسأل، ولا يُعرف مكانه (٢).
وقال مالك: هو عندي الفقير الذي يُحرَم الرِّزق (٣).
واللَّه أعلم بما أراد من ذلك، وكل قد أتى بما يشبه.
والمحروم: من حُبس عنه الرزق بأي سبب كان.
стр. 1101
ومن سورة نوح ﵇
стр. 1102
١٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾
قال ابن عباس: لا يعلمون للَّه عظمة، يعني: حق عظمته (١).
وقال مثل ذلك جماعة من المفسرين، وزاد بعضهم: نِعَمَه، وتشكرونه (٢).
﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ قالوا: من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم أنشأ خلقه طَوْرًا من بعد طَوْر، ومن رجا للَّه وقارًا، عرف له حقه، وصنع له نفسه، ولم يُخْل قلبَه من فِكْر فيه وفي عظمته، وآبَ إليه، ولا يشغل قلبه بسواه، سمعت سهلًا يقول ذلك.
وسألته عن اسم اللَّه الأعظم فقال: هو اللَّه، فقلت: قد قيل: إذا سئل به أعطى، وهو ذا نسأله به، فقال: تسأله به وقلبك في غيره، ولو سألته وقلبك فارغ من كل شيء إلا من مناجاته لجاءت الإجابة للوقت.
ثم قال: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ عن كل شيء إلا من المسألة في أمر موسى ﵇.
* * *
стр. 1103
ومن سورة الجن
стр. 1104
٣ - قال اللَّه : ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾
قال الحسن: غنى ربنا (١).
وقال عكرمة: جلال ربنا وعظمته (٢).
وقال مجاهد: ذِكره (٣).
وقيل: أمر ربنا (٤).
وقال ابن عباس: لو علمت الجن أنه يكون في الإنس جدود، ما قالت ذلك.
وأحسبه أراد أن الجد أب، وهذا غير ممتنع في اللغة أن يكون الجد إلى آدم ﵇ أبًا (٥)، ويسمى الحظ جَدًّا (٦)، وهذا لا يذهب عن ابن عباس، فهو أصل في اللغة، ولكنه كان يقوِّي أمر الجد، فيحتجَّ له بكل شيء، وإن كان يعلم أن اسم الجد الحقيقيَّ جد، واسمَ الجدة الحقيقيَّ جدة، فليس هما الأبوان اللذان بالقرآن، واللَّه أعلم.
стр. 1105
٦ - قال اللَّه : ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾
قيل: كانوا قومًا إذا نزلوا واديا قالوا: نعوذ بسيد الوادي من شرِّ ما فيه، فيقول الجن: يتعوذون بنا ونحن لا نملك لأنفُسِنا نفعًا ولا ضرًّا (١).
قال: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾: فازدادوا عليهم جُرْأة، ولو تعوذوا باللَّه أعاذهم.
قال النبي ﷺ : ﴿لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾، وعُلِّم التعوُّذ، وأنزل اللَّه ﵎: المعوذتين.
* * *
стр. 1106
٩ - قال ﵎: ﴿أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ وما في السوره من ذكر الجن
روي عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ في حضوره ليلة الجن ما سنذكره، ولكن روى الزهري، عن علي بن حسين، عن ابن عباس في قوله عز مِن قائل: ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ قال: بينا النبي ﷺ جالس في نفر من أصحابه من الأنصار، إذ رمي بنجم فاستنار، فقال: "ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟ "، قالوا: كنا نقول: يموت عظيم، أو يولد عظيم، قال: "فإنه لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ إذا قضى أمرًا سبَّح حملةُ العرش، ثم سبَّح أهل السماوات سماءً سماءً، حتى ينتهي إلى سماء الدنيا، ثم يستخبر أهل السماء حملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، فتخطف الجن ويُرْمَوْن، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق" (١).
قال معمر: فقلت للزهري: اوكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، فقلت له: أرايت قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ قال: غلظت، وشدد أهلها حين بعث النبي ﷺ (٢).
قال عبد الرزاق: فحدّثت به سفيان بن عيينة فقال: ومن يُحسن مثل هذا؟
وقد روي عن الزهري من طرق، وفيه زيادات، وهذا أصح ما في الباب.
стр. 1107
وروي قصة إيمان (١) من آمن من الجن عن ابن مسعود ﵁، وذكره ابن إسحاق ولم يسنده، وقَصَّه وطوله كما يطول الأسماء إذا حدث بها من السير، وذكر فيه أن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ كان مع النبي ﷺ فخط له خطًّا، وذكر فيه الوضوء بالنبيذ، وقال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تمرة طيبة، وماء طهور"، وأنه أخرجه إلى الأَبْطَح فتركه هناك، ومضى وخاطب الجن، وعاد إليه.
وذكر هذا الحديث الأموي، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القُرَظي، وذكر فيه أنهم سألوه الطعام، فأباح لهم كل روثة وعظم، فأما الروث فلدوابِّهم، وأما العظم فيلقونه أَغَضّ ما كان وأطراه.
٦٧ - نا إبراهيم بن حماد قال: نا إسماعيل قال: نا نصر بن علي.
ونا أحمد بن المؤمل، قال: نا نصر بن علي، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: نا داود بن ابي هند، عن عامر الشعبي، قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع النبي ليلة الجن، فقال: لا، ولكنا كنا مع رسول اللَّه ﷺ ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشِّعاب، فقلنا: استطير أو اغْتيل، فبتنا بشَرِّ ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاءً من قِبَل حِراء، فقلنا: يا رسول اللَّه، قد فقدناك، فطلبناك فلم نَجِدْك، فبِتنا بِشَرّ ليلة بات بها قوم، فقال: "أتاني داعي الجن، فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن"، قال: فانطَلَق بنا فأرانا آثارهم، وأرانا نيرانهم، فسألوه الزاد فقال: "لكم كل عظم ذكر اسم اللَّه عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بَعْر عَلَف لدوابّكم"، ثم قال ﷺ : "فلا تستنجوا بها، فإنها طعام إخوانكم من الجن" (٢).
стр. 1108
وقال سعيد بن جبير: لما بعث النبي ﷺ وحرست السماء، فقالت الشياطين: ما حرست إلا لأمر قد حدث في الأرض، فبعث سراياه في الأرض، فوجد النبي ﷺ قائما يصلي صلاة الفجر بأصحابه بنَخْلةٍ وهو يقرأ، فاستمعوا حتى إذا فرغ ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾، حتى بلغ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾.
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس: انطلق رسول اللَّه ﷺ في نفر من أصحابه عائدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل (١) بين الشياطين وبين خبر الأرض، وأرسلت عليهم الشهب، وذكر معناه، وعُلِّم رسول اللَّه ﷺ أن يقول: "أعوذ بكلمات اللَّه التامات التي لا يجاوُزُهّن بَرٌّ ولا فاجر، من شرِّ ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يُعرُج فيها، ومن شر ما يلج في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر الطوارق، إلا طارقًا (٢) يطرق بخير يا رحمن"، فطفئت نار الشياطين الذين كادوا منهم، وهزمهم اللَّه.
قال إسماعيل: فقد اختلفوا في حضور عبد اللَّه ليلة الجن، ويشبه أن يكون الصحيح منها حديث الشعبي، عن علقمة: سألت عبد اللَّه فقال: إنه لم يحضر معه، ولكن النبي ﷺ أراهم آثارهم، وأخبرهم خبرهم، لأنه أصحها إسنادًا.
وروى بعض من ذكر أن عبد اللَّه حضر ذلك، أن عبد اللَّه بن مسعود كانت معه إداوة من نبيذ، فتوضأ النبي ﷺ منها حين لم يكن معه ماء (٣).
رواه أبو فزارة، وأبو فزارة ليس ممن يكون روايته سُنّة، ولم يذكر ذلك بعضهم في حديثه.
стр. 1109
وقد قال أبو حنيفة: إنه يتوضأ بالنبيذ، إذا لم يوجد الماء (١).
وهذا حديث لا يعتمد عليه، أولًا: لضعف إسناده، ولو كان صحيحًا، ما كانت فيه حجة، لأن هذا كان بمكة قبل الهجرة، وإنما ذكر الوضوء بالمدينة، وكذلك التيمم إذا لم يوجد الماء في سورة النساء، والمائدة، وهما مدنيتان، وأمر التيمم نزل على النبي ﷺ بعد سنتين من الهجرة في بعض غزواته.
٦٨ - حدثنا أحمد بن موسى، قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع عِقدي، فأقام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر ﵀ فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول اللَّه ﷺ وبالناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، قالت: فجاء أبو بكر ورسول اللَّه ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: حَبسْتِ رسول اللَّه ﷺ والناسَ، وليسوا على ماء، فعاتبني وقال ما شاء اللَّه أن يقول، وجعل يطعن في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول اللَّه ﷺ على فخذي، فنام رسول اللَّه ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل اللَّه ﵎ آية التيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فقال أسيد بن الحُضَيْر (٢): ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته (٣).
٦٩ - وأخبرنا إسماعيل، حدثنا إبراهيم ومحمد بن يوسف عنه، قال: نا علي بن عبد اللَّه، قال: نا سفيان، قال: قال هشام بن عروة، عن أبيه، قال
стр. 1110
أسيد بن حضير (١): جزاكِ اللَّه خيرًا، يعني عائشة، فما نزل أمر تكرهينه إلا جعل اللَّه ﵎ لكِ فيه مخرجًا، وجعل للمسلمين فيه خيرًا (٢).
قال هشام: سقطت قلادتها، فأنزل اللَّه آية التيمم.
فقد تبين أن التيمم نزل بالمدينة بعد سنين من الهجرة.
وقال : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، فوجب أن يكون الماء مطهِّرًا ما دام اسمه اسم الماء، وحكمه حكمه، فإذا خالطه شيء يغلب على لونه، أو على طعمه، أو على رائحته، فقد زال اسمه وحكمه، لغلبة ما خالطه عليه، وانتقال الاسم، وصار الأخص به اسم النبيذ، قال اللَّه ﵎: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، فإذا لم يجد إنسان الماء الذي لا اسم له غير الماء، قام التيمم مقامه، وكان التيمم الذي أمر اللَّه به ناسخًا لأمر النبيذ، لو كان أمر النبيذ صحيحًا، ولكن اللَّه ﵎ كفى ذلك بإنكار عبد اللَّه حضوره ليلة الجن بأجود أسانيد الكوفيين، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1111
ومن سورة المُزّمل
стр. 1112
١ - ٢ - قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، الآية
قال عكرمة: زُمِّلْتَ هذا الأمر، فقُم به (١).
وقال قتادة، وإبراهيم: هو الذي تَزَمّل بثيابه (٢).
وقيل عن ابن عباس: كان بين أولها وآخرها سنة (٣).
وقال جابر بن عبد اللَّه: كُتب علينا قيام الليل إلا قليلًا نصفه، فقمنا حتى انتفخت أقدامنا، وكنا في معزل لنا، فأنزل اللَّه ﵎ الرخصة: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾، إلى آخر السورة.
وقال أبو عبد الرحمن: قاموا حتى تَوَرَّمَت أقدامهم وسوقُهم، حتى نزلت الرخصة: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، فاستراح الناس (٤).
وقال قتادة: قاموا حَوْلًا أو حَوْلين، حتى انتفخت سُوقُهُم وأقدامهم، فنزل التيسير (٥).
وقال زيد بن أسلم: أول ما افترض اللَّه ﵎ على رسوله وعلى المؤمنين صلاة الليل: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، إلى: ﴿تَرْتِيلًا﴾، وكان نائمًا مُزَمِّلًا ثيابه
стр. 1113
فقيل له: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ قم فصَلِّه، ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ قال: هو القرآن، وهو ثقيل مبارك، وكل حقٍّ ثقيل في الدنيا، ويثقل في الميزان يوم القيامة.
وثِقَلُه: العملُ بما فيه، وما رضي اللَّه تعالى من العباد بقول لا فعل معه، ولا بعلم لا عمل معه، فكانت صلاة الليل فريضة، فصلى رسول اللَّه ﷺ والمؤمنون الليل على ما أمرهم اللَّه به.
قال: ثم إن اللَّه منّ على عباده فخَفَّفَها، ووضع منها، فقال عز مِن قائل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [المزمل: ٢٠] يقول: ساعاتِهما، ﴿أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (١)، من القرآن ها هنا يعني: ما تيسر من قيام الليل، فاقرؤوا فيه القرآن، فجاء هذا بنسخ الأول، ووَسَّع اللَّه ﵎ على نبيه ﷺ ، ووضع عنه وعن أمته، وأنزل الفرائض، ونسخ صلاة الليل، ثم قال بعد الفريصة: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
قال ابن عباس: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ في صلاة الليل.
٧٠ - حدثنا محمد بن صالح، قال: حدثنا أبو حُمَّة محمد بن يوسف الزبيدي (٢)، قال: نا عبد الرحمن بن طاوس بن محمد بن عبد اللَّه بن طاوس، عن محمد بن عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: ﴿فَاقْرَءُوا (٣) مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، قال: "مائة آية" (٤).
وقال ابن شُبرمة، عن الحسن: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾، علم أن لن تطيقوه (٥).
стр. 1114
وقال القُطَعي: سمعنا الحسن يقول: لا بُد من قيام الليل ولو قَدْرَ حلْبِ شاة.
وقال محمد بن سيرين مثله (١).
قال إسماعيل: أحسبهما قالا كذلك لقول اللَّه : ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾.
وقد زعم أبو حنيفة وأصحابه بهذه الآية: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، أن ذلك يجري في صلاة الفرض (٢)، وذهب عنهم ما أنزلت فيه الآية، وأنه في النوافل تخفيفًا، يُراد: ما تيسر من سائر القرآن مع أم الكتاب، وخالفوا قول رسول اللَّه ﷺ : "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خِدَاج" (٣)، وقوله ﵇: "من لم يقرأ بأم الكتاب -يريد المنفردَ- فلا صلاة له"، ووضعوا الآية في غير موضعها، وخالفوا المفسرين جميعًا، وتفردوا بقول لم يقله أحد.
* * *
стр. 1115
٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾
قال مجاهد: بعضه في إثر بعضه، تَرَسّل فيه تَرَسُّلًا (١).
وقال ابن جبير: فَسِّره تفسيرًا.
وقال الحسن عن رجل من أصحاب النبي ﷺ : يردد الآية ويبكي.
وقال ابن عباس: بَيِّنه تَبْيِينا (٢).
وقال عبد اللَّه لعلقمة: اقرأ، فقرأ، وكان حسن الصوت، فقال: رَتِّل (٣).
وقال أنس: كان رسول اللَّه ﷺ يَمُدّ صوته مدًّا (٤).
* * *
стр. 1116
٥ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾
قال الحسن: العمل به هو الثقيل (١).
وقال قتادة: ثِقَلٌ واللَّه فرائضُه وحدودُه (٢).
* * *
стр. 1117
٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾
كان ابن عمر يقول: أوله ما بين المغرب والعشاء.
وقال ابن عباس: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: الليل كله (١).
وقال هو وابن الزبير: إذا أَنْشَأتَ فهو: ناشِئَة، الليل كلُّه ناشئة (٢).
وقال علي بن الحسين مثل قول ابن عمر.
وقال الحسن ومجاهد: أي وقت قمتَ من الليل إلى صلاة الفجر (٣).
وقال عكرمة كذلك (٤).
وقيل عن عمر: ناشئة الليل: من أول الليل إلى آخره.
وقال جماعة: قيام الليل (٥).
وكل قيام بعد المغرب إلى طلوع الفجر، فهو ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾، واللَّه أعلم.
стр. 1118
٦ - قوله سبحانه: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾
قال مجاهد وجماعة: أن يواطئ سمعَكَ وبصركَ وقلبكَ، ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ قال: أثبت قراءة (١).
وقال جماعة ما هذا معناه، وإن اختلفت ألفاظهم (٢).
* * *
стр. 1119
٧ - ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾
قال أبو العالية: فراغًا طويلًا.
وقال مجاهد مثله (١).
وقال الشعبي: قال جبريل ﵇: يا محمد، ألست تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه؟ ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾، ما في السماء من ملك فارغ، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦].
فقال الحسن وقتادة والضحاك: فراغًا طويلًا (٢).
* * *
стр. 1120
٨ - ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾
قال مجاهد: أخلص له المسألة والدعاء (١).
وقال الحسن: أخلص له إخلاصًا (٢).
وقال قتادة: أخلص بالدعوة والعبادة (٣).
* * *
стр. 1121
٢٠ - ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾
صدقةُ التطوع، والصيامُ التطوع، وسائر أعمال البر، وتلاوةُ القرآن، وكثرةُ الذكر للَّه ، وهذا كله القرض الحسن، واللَّه ﵎ غير محتاج إلى ذلك، وإنما يريده ويحتاجه إليه لنا، لما أعده من المكافأة على ذلك.
إلّا أن القرض سمي قرضًا، لأنه يُرَدُّ أو البَدَلُ منه، فقال : قدِّموا عملًا صالحًا تأخذوا الجزاء والبَدَل عن حاجتكم إليه.
سمع السّائب رجلًا وهو يقول: من يقرض اللَّه قرضًا حسنًا؟ فقال: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر.
روى ذلك سفيان، عن أبي حيان التيمي، عن أبيه، عن شيخ لهم (١).
* * *
стр. 1122
ومن سورة المُدّثِّر
стр. 1123
١ - ٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾
قال عكرمة: دُثِّرتَ هذا الأمرَ فَقُم به (١).
وقال جماعة: كان متدثِّرًا (٢).
[سبب النزول]
وقال يعلى بن عطاء: لما قال الوليد بن المغيرة لرسول اللَّه ﷺ ما قال رجع مُغْتَمًّا، فاستلقى وتغطى بثوبه، وجعل يتفكر، فجاءه جبريل ﵇ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، قال: لا تلبسها على ما كنت تفكر، ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.
وقال مجاهد: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، قال: لستَ بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا (٣).
وقال الزهري: فتَر عن رسول اللَّه ﷺ فَتْرة فحزن، فجعل يغدو مِرارًا إلى رؤوس شواهق الجبال ليَترَدّى منها، فكلما أَوْفى بِذِرْوَة الجبل تَبَدّى له جبريل ﵇ فيقول: إنك نبي اللَّه فيسكن لذلك جأشه، وترجع إليه نفسُه، فكان النبي ﷺ يُحَدِّث عن ذلك قال: "فبينا أنا أمشي يومًا إذ رأيت المَلَك الذي كان يأتيني بحراء، على كرسي بين السماء والأرض، فجَثَيْتُ منه رُعبًا، فرجعت إلى
стр. 1124
خديجة فقلت: زملوني"، فدثروه، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (١).
قال قتادة: هي كلمة عربية، كانت العرب تقولها: طهر ثيابك، أي: من الذنب (٢).
قال الزهري: فكان أول ما نزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] (٣).
وقال ابن عباس في قوله سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: في كلام العرب: نَقِّ الثياب (٤).
وقال أبو رزين: عملك فأصلحه، قال: وكان الرجل إذا كان حسن العمل قيل: فلان طاهر الثياب (٥).
وقال إبراهيم: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: من الإثم (٦).
وقال عكرمة: أمره اللَّه ألا يلبس ثيابه على غَدْرة، أما سمعتَ قول غيلان بن سلمة الثقفي:
فإني بحمد اللَّه لا ثوبَ فاجرٍ ... لبستُ ولا من غَدْرَة أتقنع (٧)
стр. 1125
وقال مجاهد: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فقال: من الأوثان.
وقال إسماعيل: بلغني عن بعض من يتكلف الفقه، أنه ذكر أن قوله : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، يوجب غسل الثياب من النّجاسات (١)، فتكلم بكلام يدل على قِلة علمه بما مضى عليه أهل العلم، وبمعاني كلام العرب، وعلى قلة العلم بوضع الكلام مواضعه.
فأما ما مضى عليه أهل العلم فقد ذكرناه، ولم يقل أحد ما ذكره.
وأما كلام العرب فقد ذكرنا منه في الأحاديث ما ذكرنا، وهو كثير في كلامهم وأشعارهم، يقول للرجل: طَيِّبُ الإزار، أي: لا يَحُل إزاره على حرام ولا فجور، ويقولون: نَقِيُّ الجَيب، أي لا يلبس ثوبه على دَنَس، قال النابغة:
رِقاقُ النِّعال طَيِّبٌ حُجُزاتُهم ... يحيَّون بالرَّيْحان يومَ السَّباسِب (٢)
قال الأصمعي: طَيِّبٌ حُجُزاتُهم أي: هم أَعِفاء.
وقالت (٣) خِرْنِق:
لا يَبْعَدنْ قومي الذين همُ ... سُم العُداة وآفة الجَزْرِ
النازلين بكل مُعترَك ... والطيبون معاقدَ الأُزْرِ (٤)
وهذا البيت يُحتج به لقول اللَّه : ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾.