[فدية العجز عن الصيام]
١٨٤ - وأما قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فإن ابن عباس كان يقرؤها: "وعلى الذين يُطَوَّقونه" ولا يطيقونه، ويقول: إنها في الشيخ والشيخة إذا عجزا عن الصيام (١).
وروي عنه ضد ذلك، رواه حماد بن زيد، عن سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية: ﴿فديةُ طعامِ مساكين﴾، قال: هي منسوخة (٢).
وقال عكرمة: نزلت في الحُبلى والمُرضِع، والشيخ والشيخة، وكانوا يرَون أن الشيخ والعجوز نُسِخا منها (٣).
وروى الحارثُ عن عليٍّ، وعكرمةُ عن ابن عباسٍ، أنها في الشيخ والشيخة يُفطِران ويُطعِمان (٤).
وقال ابن عمر في الحُبلى: إنها تُفطِر وتُطعِم (٥).
وقال نافع: وكان ابن عمر إذا أمر بالإطعام لم يأمر بالقضاء.
ولعل ابن عمر لم يأمر بالقضاء لأن المأمورَ عالمٌ بأن القضاء واجب عليه. والأحاديث في هذا الباب، والاضطراب فيها كثير.
وقد كان أنس بن مالك ضعف عن الصيام قبل موته عامًا أو عامين، فكان يجمع نحوًا من ثلاثمائة مسكين فيُطعِمهم (٦).
стр. 107
وقال إبراهيم، عن علقمة في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ نسختها ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١).
وكان عبد اللَّه بن صفوان لما كبر شَقَّ عليه الصيام، فكان يقول: ودِدت أن عليَّ في كل يوم رقبة.
وقال قتادة: كان ذلك ترخيصًا (٢) للشيخ والعجوز، فنُسِخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣).
وثبت عن عبد اللَّه بن سَوادة القشيري، عن أبيه، عن أنس بن مالك، رجل منهم (٤)، أنه أتى النبي ﷺ وهو يتغذى فقال له: "هلم إلى الغذاء"، فقال: يا نبي اللَّه، إني صائم، فقال له النبي ﷺ : "إن اللَّه وضع عن المسافر الصوم، وعن المريض والحُبلى والمُرضِع" (٥).
وقال القاضي: ولهذا الحديث طرق (٦).
стр. 108
فمعنى الآية واللَّه أعلم: أن اللَّه أوجب الصيام لشهر رمضان على كل قادر، فمن عجز من شيخ وشيخة، لا يرجو (١) ثَوْبَ (٢) القوةِ التي يقدر بها على القضاء، فلا صيام له ولا كفارة، إذ يقول عز مِن قائل: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فمن سقط عنه فلا بدل عليه.
ومن رأى الإطعام بالآية المنسوخة فإنما رآه بقول اللَّه في إثرها: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وما فعله أنس بن مالك وغيره فإنما قالوه وفعلوه على وجه طلب الفضل، والآية تدل لما جعل اللَّه على المريض والمسافر القضاء، أن يكون على الحُبلى والمرضع إذا أُجرِيَتا مجرى المسافر، وذلك ظاهر الآية التي أجمع الناس فيها أنها ثابتة غير منسوخة.
* * *
стр. 109
١٨٥ - قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾
[رخصة إفطار رمضان]
وليس من اليُسر تكليفُ من لم يُطِق ولا تُرْجَى له حال الإطاقة، فأوجب ﵎ على كل من شهِد الشهر أن يصومه، وأوجب على من كان مريضًا أو مسافرًا فأفطر القضاءَ، والحَبَلُ مرض من الأمراض، وإفطار الحبلى من أجل مرضها وعجزها، فعليها القضاء، ولا إطعام عليها، والمرضع فإفطارها من أجل غيرها، وإن كان فيها الضعف يعتريها فعليها القضاء والإطعام.
والمرض: كلُّ ضَعفٍ حَلَّ في البدن وفُتور حتى يَمنعَ من الصوم، قال اللَّه : ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾ [النور: ٥٠]، يريد ضَعفًا وشكًّا ونِفاقًا، قال جرير:
إن العيونَ التي في طَرْفِها مرضٌ (١)
стр. 110
أي: فيها ضعف وفتور، فإذا كانت المُرضِع قويةً على الصيام، وإنما تخاف إن صامت أن ينقطع دَرُّها ويَضُرَّ ذلك بولدها، تُفطِر وتُطعِم، وتقضي إذا كانت تقوى على الصوم، وإنما أفطرت من أجل ولدها.
والحامل لا إطعام عليها، لأنه مرض من الأمراض، إلا أن تكون قوية على الصوم، وإنما تخاف على ولدها، وإفطارها من أجل غيرها، فهذه تقضي وتُطعم.
وأحسب مالكًا ذهب إلى الإطعام في هذا الموضع إلى قوله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، وذهب في القضاء إلى ﴿فَعِدَّةٌ (١) مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢)، ولم يختلف في أن هذه الآية غير منسوخة.
وقد اختلف في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، فقال بعضهم: منسوخة (٣). وقال بعضهم: غير منسوخة (٤).
وقد كان مالك ﵁ يستحِبُّ ما رُوي عن أنس: "لمن قوي عليه"، من غير أن يوجبه، وقال: من أطعم فإنما يطعم عن كل يوم مُدًّا، بمد النبي ﷺ (٥)،
стр. 111
وهذا القول منه على الاحتياط لما جاء من التفسير، فالشيخ ليس ممن يدخل في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، إذ كان لا يتوقع له القوة على الصيام كما تُتَوَقَّع للحبلى والمرضع.
وأما قراءة من قرأ: "يطوقوَّنه"، فإن هذه القراءة ليست في مصحفنا المجتمع عليه (١)، والذي يبطل ذلك قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فكيف يقال لمن لا يطيق: وأن تصومه خير لك؟ ومن قرأ: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، و ﴿طَعامُ مَسَاكِينَ﴾، فإنه يصير إلى معنى واحد، فمن قرأ: ﴿مِسْكِينٍ﴾، يريد: عن كل يوم مسكينًا، ومن قرأ: ﴿مساكين﴾، يريد: عن الأيام بعددها مساكين، وقراءة أبي عمرو بن العلاء، وهو أعلم القراء باللغة، وتابعه قراء العراق على ذلك: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٢)، ونسأل اللَّه التوفيق.
* * *
стр. 112
١٨٥ - قال اللَّه : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾
[نزول القرآن]
قال سعيد بن جبير: نزل القرآن جُملة واحدة في ليلة القدر في شهر رمضان إلى سماء الدنيا، فجُعل في بيت العِزَّة، ثم أُنزل على النبي ﷺ في عشرين سنة، بجواب كلام الناس (١).
وقال ابن عباس: كان رسول اللَّه ﷺ أجودَ الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه جبريل ﷺ كل ليلة في رمضان يَعْرِض عليه النبي ﷺ القرآن، فإذا لقيه كان أجود بالخير من الريح المرسلة.
رواه إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس (٢).
والمعنيان جميعًا صحيحان، يقول اللَّه ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وهذه الآية محقِّقَة لما قال سعيد بن جبير، وما رواه ابن عباس صحيح زائد في شرف الشهر، واللَّه أعلم.
стр. 113
١٨٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾
[صيام المسافر]
٨ - نا أحمد بن موسى، قال: نا القعنبي (١)، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكَدِيدَ (٢)، ثم أفطر وأفطر الناس معه، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول اللَّه ﷺ (٣).
وروى هذا الحديث ابن عيينة، وجماعة من طرق كثيرة عن (٤) ابن عباس.
стр. 114
وكان ابن عباس يقول: إذا أدركك رمضان وأنت مقيم فصم، وإذا كنت مسافرًا فأنت بالخيار، إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر (١).
وروى ابن سيرين، عن عَبيدة، عن علي قال: من أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر لزمه الصوم، لأن اللَّه عز من قائل يقول: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢).
وقال ابن عباس ﵁: إهلاله بالدار يوجب الصيام على من أقام أو سافر.
وكان الحسن، وعمرو بن شرحبيل، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن المسيب (٣) يرون لمن سافر في رمضان وقد كان صام بعضه أن يفطر إن شاء (٤).
قال القاضي ﵀: وفعل رسول اللَّه ﷺ وإفطاره بالكَدِيدِ، وعُسْفان، وقد سافر ليومين خلَوا من رمضان أولى أن يُعمَل به، إذ قد أتبعه العمل، ومع ذلك فإن مالكًا ﵁ قال: أحبُّ إليَّ الصيام لمن قدَر عليه (٥).
وقد قال قوم من المتأخرين (٦): إن من صام في السفر أعاد، لقول النبي ﷺ : "ليس من البِر الصيام في السفر" (٧).
стр. 115
وهذا إنما هو في التطوع إذا قارنته مشقة تخفيفًا ورحمة للعباد، ويدخل في ذلك الفرض عند الشدة، لقول النبي ﷺ : "إن اللَّه يحب أن تؤخذ رخصه كما يحب أن تؤخَذ عزائمه" (١)، لأن اللَّه قد رفَّه ويسَّر، وأباح الإفطار رفقًا بالعليل والمسافر، مع قضاء العدة.
وقد كانت عائشة ﵂ تصوم في السفر (٢). وقال أنس: إن أفطرت [فرخصة] (٣)، وإن صمت فالصوم أفضل (٤). وقال عثمان بن أبي العاص الثقفي مثل ذلك (٥).
وقال أبو الدرداء: من صام تطوعًا في السفر كان بينه وبين النار خندقٌ أبعد من ما بين السماء والأرض. وكان ابن عمر يصوم في السفر (٦). ومن صام في السفر من الصحابة والتابعين من لا يدركه الإحصاء.
стр. 116
وروى سعيد بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، والجريري، عن أبي نضرة، عن جابر أن النبي ﷺ كان في سفر في رمضان، فأتى أصحابه على غدير فقال للقوم: "اشربوا"، فقالوا: أنشرب ولا تشرب؟ قال: إني أيسركم إني راكب، فنزل وشرب وشربوا (١).
٩ - [نا] (٢) زياد، قال: حدثنا مسدد، قال: نا بشر بن المفضل، قال: نا عمارة بن غزية، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها، وهي التي تدعى غزوة العسرة، فبينما هو يسير بعد ما أضحى إذا هو بجماعة في ظل شجرة فقال: "ما هذه الجماعة؟ " فقالوا يا رسول اللَّه: رجل صائم فجهده الصوم، فقال: "ليس من البر الصيام في السفر" (٣).
وقال حمزة بن عمرو الأسلمي، وكان يَسْرُد الصوم: يا رسول اللَّه، أصوم في السفر؟ قال: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" (٤).
قال ابن أبي أويس عن مالك: الصيام في السفر أحب إليَّ من الإفطار لمن قوِيَ عليه، وليس إتمام الصلاة في السفر مثل الصيام.
قال القاضي إسماعيل: لأن المسافر فرضُه ركعتان، فلا يجوز له أن يصليَ أكثر من فرضه، والمسافر والمريض إنما أجيز لهما الفطر رفقًا بهما، وأن يؤخِّرا فرضَهما من وقت إلى وقت، ولم يسقط عنهما من الفرض شيء لا بدل له كما حطَّ من الصلاة، ولو كان قصر الصلاة يُشبِه تأخيرَ الصوم، لجاز للمريض أن
стр. 117
يقصر الصلاة كما جاز للمسافر أن يقصر، فلما لم يجُز ذلك عُلِم أن أمر الصوم لا يُشبِه قصرَ الصلاة.
وقال الشافعي في المسافر: إن شاء أتمَّ وإن شاء قصر، واحتجَّ بقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فلما قيل: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، عُلِم أنه إن شاء أتم وإن شاء قصر (١).
قال القاضي: وهذا خطأ قبيح، ولو كان على ما قال لما كانت الإباحة لقصر الصلاة للمسافر إلا عند الخوف، وإنما هذه الآية في قَصْر الترتيب لا قَصْر العدد، لأنه جلَّ وعزَّ قال في إثرها تعليمًا لذلك القصر الذي علمناه عند الخوف وأباحه لنا: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، فوصف لنا الصلاة المقصورة عند الخوف وعلَّمَناها، فأما صلاة السفر فقد كنا عرفناها بقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فأقام لهم رسول اللَّه ﷺ صلاة الحضر وصلاة السفر، [ولو كان قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ تخييرًا، لكان قوله في الصفا والمروة: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ تخييرًا، فمن شاء طاف ومن شاء ترك] (٢).
قال ابن عمر ﵁: بُعِث رسول اللَّه ﷺ ولا نعلم شيئًا، وإنما نفعل ما كان يفعل (٣).
стр. 118
وقال عمر ﵁: صدقة تصدَّق اللَّه بها عليكم (١)، يريد: لم يوجب ذلك عليكم، فتخفيفه عنكم صدقة.
وقالت عائشة، وابن عباس ﵄: فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين، فزيد في صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاة السفر (٢).
فعدد الفرض في الصلاة قائم في كل موضع من السفر والحضر، لا يجوز أن يُزاد فيه لنشاط ولا لقوة، ولا يُنقَص منه لضعف ولا لعلة، ولو جاز أن يسقط من عدد الصلاة شيء لعلة، لجاز أن يسقط عن المريض، إذ كان أضعف من المسافر، فلم يُجز له أن ينقص من العدد، وأبيح له أن يصلي قاعدًا ومضطجعًا على قدر ما يمكِنه، فأما العدد فلا نقصان فيه، وهذا قول جملة أهل العلم، وما لا ينبغي أن يُتعدى.
فأما إتمام عائشةَ ﵂ في السفر فقد وضع أهل العلم لها المعاذير في ذلك على قدر اجتهادهم، وكذلك اعتذروا لعثمان ﵁ لإتمامه بمنى، وما اعتُذِر لفاعله فلا يحتج به، وليس بالناس حاجة إلى معرفة فعل قد اعتذر له.
стр. 119
وأما قول المتأخر: إن الصائم في السفر يقضي، فلم يَعرِف وجهَ قول رسول اللَّه ﷺ : "ليس من البر الصيام في السفر" (١)، إنما خاطب بذلك من كَظَّه (٢)، على ما في الحديث، وهو ﷺ صام في حجة الوداع، واحْتَجَمَ وهو صائم مُحرِم، وهذا آخر فعله.
قال القاضي وطرق هذا الحديث كثيرة.
وقد قال مالك ﵁ في من أتمَّ في السفر: إنه يعيد في الوقت (٣).
فإن قيل: إن كان فرضه ركعتين فالزيادة فيها تُبطِلها كما تبطل الزيادة في الأربع.
قلنا: الفرض ركعتين أقوى ما روي ونقل إلينا، ولسنا مثل من جاء بعد المائتين يقول: إن ما (٤) خالفه لا يجوز البتةَ، لو قلنا: إن مصلي أربعٍ (٥) يُعيد أبدًا لكان عثمان وعائشة ﵂ ما صلَّيا، وآراؤنا دون آرائهم.
قال ابن مسعود ﵁ وقد صلى خلف عثمان ﵁ أربعًا: ليتَ حظِّي من أربعٍ ركعتان (٦)، ولم ير الإعادة.
وهذا علي بن أبي طالب ﵁ يقول له ابن عباس: كنتَ معنا نقول لأبي بكر وعمر: إن الخُمُس لنا بالكتاب والسنة، حتى أفضى الأمر إليك فقسمته على
стр. 120
ما قسماه، قال علي: إنهما تأوَّلا كتاب اللَّه وسنة نبيه ﷺ وتأوَّلنا، ولسنا بتأويلنا أولى منهم بتأويلهم، فقسمتُها على ما قَسَماها، وقال: قد كانا رشيدَين، وما أحبُّ أن يؤثر عنّي خلافُهما.
فنحن ما أدرَكْنا الوقتَ قلنا أيضًا بالأفضل، فإذا خرج الوقت لم نُزْرِ على الصحابة ونقول ما يَكْدَحُ (١) فيهم.
وقد قال مالك ﵁: من ظن أنه يوافي أهلَه من سفره في آخر النهار فله أن يفطر، وإن ظن موافاته في أول النهار فليصم (٢).
* * *
стр. 121
١٨٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾
وإكمال العِدَّة أن يصوم ما أفطر من رمضان في سفر أو مرض، فإذا قضاه فقد أكمل العدة.
[التكبير يوم العيد]
وإنما قوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، قال ابن عباس: حقٌّ على من رأى هلال شوال أن يكبِّروا اللَّه حتى يفرغوا من عيدهم، وذلك لأن اللَّه يقول: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، وقال ابن (١) زيد بن أسلم: ينبغي لهم إذا غَدَوا إلى المصلّى كبَّروا، وإذا جلسوا كبَّروا، حتى إذا خرج الإمام صَمَتوا، فإذا كبر الإمام كبَّروا، فإذا انقضت الصلاة فقد انقضى العيد (٢).
والجماعة تغدو (٣) بالتكبير إلى المصلى، وقد روي عن جماعة من الصحابة وكثير من التابعين (٤).
стр. 122
وكذلك أيام النحر يكبر فيها في إثر الصلاة، لقول اللَّه تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤]، وقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إنها أيام أكل وشرب وذكر للَّه" (١).
وقال الزهري: إن النبي ﷺ كان يكبِّر يوم الفطر إذا خرج إلى المصلى، قال الزهري: وذلك من السنة (٢).
وكان علي وابن عباس وجماعة من الصحابة إذا خرجوا إلى المصلى يوم الفطر، كبَّروا حتى يفرُغ الإمام من الخطبة، بالروايات الصحاح.
وكان سعيد بن المسيب (٣) وأكثر التابعين ممن بلغنا يفعله، ولم يُروَ خلافه عن أحد علمناه.
وكانوا يَرَوْنه في الغُدُوِّ إلى الفطر أوجب منه في الأضحى، إلا عليًا (٤) وابنَ مسعود، فإنهما كانا يريانه في الغدو سواء، ويريان التكبير في الأضحى منذ يوم عرفة.
* * *
стр. 123
١٨٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾
[الجماع في ليل رمضان]
قيل: كان الطعام والشراب والجماع عليهم بعد اليوم محرمًا (١).
وقيل: إنهم لما فُرض عليهم الصيام احتذوا فيه حذو أهل الكتاب، وهذا هو الصحيح، لأن التحريم يقتضي محرمًا، ولم يُرْوَ ذلك ولم يُؤثر، فكان سبب الإذن أن عمر بن الخطاب ﵁ وقع على امرأته بعد أن نام، ورجلٌ من الأنصار رَقَدَ قبل العَشاء ثم استيقظ فأكل، وخافا نزول الوحي فيهما (٢)، وكانا سبب رحمة اللَّه لعباده، كما كانت عائشة ﵂ سبب التيمم، فقال لها أسيد بن حضير: ما هذه أول بركتكم يا آل أبي بكر (٣).
وأنزل اللَّه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾، وهو الجماع، ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وهو الولد، ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ
стр. 124
الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وبهذا جاءت الروايات، وفسَّره المفسرون (١).
وقال ابن عباس: ﴿الرَّفَثُ﴾: الجماع (٢).
وقد قال: اللَّه ﵎ حَيِيٌّ كريم، يُكَنِّي عما شاء، وإن الرَّفَث، والمباشرة، والتغَشي، والإفضاء: الجماع.
وقاله ابن مسعود، وابن عمر، وابن المسيب، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، ولم تختلف الرواية فيه، إلا ابن عباس في قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال: ليلة القدر، روى ذلك عنه أبو الجوزاء وحده (٣).
وروي عن زيد بن أسلم: أن الأكل والجماع كانا محرَّمَين لقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وكان هذا قد كتب على الذين من قبلنا، إلا أنه ذكر أن ذلك في صيام الأيام من كل شهر، فلما نزل رمضان أَجرَوه مَجراه.
فأما قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: إنه الولد.
وقال [ابن] (٤) زيد: الجماع.
وقد يحتمل وجهًا ثالثًا وهو: ما كتب اللَّه لكم من الثواب، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك (٥).
وأما ما قاله ابن عباس: ليلة القدر، فحسن أيضًا.
стр. 125
١٨٧ - وأما قوله : ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾
فإنه بياض النهار من سواد الليل، وهو البياض الذي يبدو (١) من المشرق قبل الحمرة، وهو الثاني المُستطيل المعترض في أفق السماء، فأباح اللَّه ﵎ الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر.
[الإصباحُ جُنُبًا]
وإذا كان ذلك، فليس يُصبح الإنسان إلا جُنبًا، ولا يقع اغتساله إلا بعد الفجر، فالقرآن والسُّنة قد أبطلا الرواية: "من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم"، لأن عائشة -وهي أعلم الخلق بهذا- أنكرت الرواية، فقال أبو هريرة: لم أسمعه من النبي ﷺ ، أخبرنيه مُخبِر، قالت: لقد كان رسول اللَّه ﷺ يُصبح جنبًا من غير احتلام ثم يصوم ذلك اليوم (٢).
стр. 126
ومع هذه الرواية فالقرآن يُغني عن كل شيء، لأن من أباحه اللَّه الجماعَ إلى الفجر فقد جعل اغتساله بعد الفجر، وهو الفجر المعترض يمينًا وشمالًا، لا المستطيل في أفق السماء، قال ذلك ابن مسعود (١)، وسهل بن سعد (٢)، والحسن، وابن سيرين، والشعبي.
[متى يُمِسك ويُفطِر الصائم ؟ ]
وروى مُجالد، عن عامر، عن عدي بن حاتم، قال: علمني رسول اللَّه ﷺ الصلاة والصيام، وقال: "فإذا غابت الشمس فكل واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وصُم ثلاثين يومًا إلا أن ترى الهلال قبل ذلك"، قال: فأخذت خيطين من شعر أسود وأبيض، فكنت أنظر فيهما فلا يتبين لي،
стр. 127
فذكرت ذلك لرسول اللَّه ﷺ فضحك وقال: "يا ابن حاتم، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل" (١).
وزاد فيه مسلم، عن حصين، عن الشعبي، عن عدي: "إن كان وسادك إذًا لَعريض" (٢).
وقال النبي ﷺ في قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾: "إذا أقبل الليل وأدبر النهار، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم".
١٠ - نا إسماعيل بن إسحاق، قال: نا علي بن عبد اللَّه، قال: نا سفيان، قال: نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر، عن أبيه عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ (٣).
وروى أبو سعيد الخدري قال: كان رسول اللَّه ﷺ : "إذا سقط القُرْصُ أفطر" (٤).
قال القاضي: إذا غربت الشمس أفطر الصائم أكل أو لم يأكل، لأن الصوم لا يكون بالليل، ولذلك واللَّه أعلم نُهي عن الوصال، لأنه يترك الطعام والشراب وهو مفطر، فلا فائدة له، إذ لا ثواب له.
стр. 128
١٨٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾
[هل يُعتكف بغير صوم ؟ ]
اعتكف رسول اللَّه ﷺ في العشر الأواخر من رمضان، وهذه الآية مخاطِبة للصائمين، لأنها عطف، لأن "ولا" لا تكون إلا عطفًا على مخاطَب، والمخاطَب هم الصائمون، لأنه قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، ثم قال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ معناه: بليل وأنتم عاكفون في المساجد، فالاعتكاف لا يقع عندنا إلا في صوم، إما مفترَض وإما متنفَّل به.
[مُدَّة الاعتكاف]
ولا يجب أن يعتكف أحد أقل من عشر ليال، فإن اعتكف أقل من ذلك جاز، وإن الاستحباب عند مالك اتباع فعل رسول اللَّه ﷺ .
[الوطء في الاعتكاف]
فمُنع المعتكف في الليل من بعض ما أبيح للصائم، إذ جعل الصيام من الأكل والشرب والجماع، والإفطار بها، فمُنع المعتكف من واحد منها وهو الجماع، إذ كان من لذات الدنيا، ومن حبس نفسه للَّه ﵎ ولذكره كان ممتنعًا من الملاذِّ.
стр. 129
قال: فإن قال قائل: فإن الأكل والشرب من الملاذِّ.
قيل له: هذان لا تقوم النفوس إلا بهما، وتركهما مُتلِف، وليس المباشرة كذلك.
وقد احتج بعض المتأخرين في جواز الاعتكاف بغير صوم بشيء روي عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه سأل رسول اللَّه ﷺ فقال: كنت نذَرتُ أن أعتكف في الجاهلية ليلة، فقال له النبي ﷺ : "وَفِّ بنذرك" (١)، وقد رُوي: "اعتكف وصم" (٢)، فقال: الليل لا صيام فيه (٣).
وهذا غلط فاحش، لأن العرب لا تعرف الليلة إلا بيومها، ولا اليوم إلا بليلته، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، فلا اختلاف أن الأيام داخلة في الوعد مع الليل، وقال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [آل عمران: ٤١]، فدخل الليل في النهار، وقال: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، فدخل الليل في النهار، ألا تراه قال: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، فدخل العَشِيُّ والبُكْرَة في الليل، لأنه قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾، ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾: أَوْمَأ، ولم يتكلم بالنهار أن سبِّحوا.
ومع هذا فقد اختلفت الرواية عن عمر، فقال بعضهم ليلة، وقال بعضهم: يومًا.
стр. 130
١١ - نا محمد بن صالح الطبري، قال: نا بُندار، قال: نا حجاج، قال: نا حماد بن سلمة، عن أيوب.
١٢ - قال: وحدثنا الجرجاني وابن زنجويه، قالا: نا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن أيوب.
١٣ - قال: ونا الزعفراني، قال: نا عفان، قال: نا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر قال بالجِعِرّانَة (١): يا رسول اللَّه، إني نذَرتُ في الجاهلية أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام، فأمره رسول اللَّه ﷺ أن يفيَ بنذره (٢).
* * *
стр. 131
١٨٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[الحيلة بالحُجّة]
روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة أنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنكم تختصمون إليَّ، وإنما أنا بَشَر، ولعل بعضكم أَلْحَن بحجته من بعض، فأقضيَ له بما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذْه، فإنما أقطعه له به قطعة من النار" (١).
وقال فيه حماد بن زيد: ولا يقولن إنما قضي في، يريد أن قضائي أحله له، وليس كذلك.
وقال مجاهد، وقتادة في قوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾، قال: تخاصم وأنت ظالم (٢).
стр. 132
قال القاضي ﵀: فمعنى الآية واللَّه أعلم ما جاءت به الرواية من الحيلة بالحجة، وأخذ الشيء بالحكم الواقع بالظاهر، فذاك أكل المال بالباطل، وسواء كان المحكوم به مالًا (١) أو غير مال.
وقد زعم العراقيون (٢) أنهم يفرقون بين المال وبين غيره، وزعموا أن المال إذا قُضي له به، لم يحل له إذا كان يعلم أنه لا يستحقه. ثم زعموا في رجل شهد عليه شاهدان أنه طلق امرأته وهما عالمان بكذبهما وأنهما شهدا بزور، ففرق الحاكم بينهما، أنه لا بأس أن يتزوجها أحدهما، والحاكم لم يوقع طلاقًا، وإنما أمضى شهادة الشاهدين، كإمضائه شهادتهما لو شهدا على رجل بمال فحكم به الحاكم، لم يحل للمحكوم له عندنا وعندهم أخذ ذلك المال، لأن حكم الحاكم لا يحل ما حرم اللَّه، كذلك حكمه بشهادة الشاهدين لا يُحل حرامًا، ولا يُبيحها للأزواج إذا كانت هي عالمة بأن ما ادَّعت باطل، كذلك لا تحل لأحد الشاهدين إذ يعلم أنها غير مطلقة، وإنما تحل لمن لا يعلم بظاهر الحكم.
ويلزمهم على هذا -وعساهم قائلوه- أن الحاكم إذا حكم بطلاقها، وادعى إقرار الزوج عنده، وهو يعلم أن الزوج لم يُقِرَّ، ففرق بنهيه للزوج، أن للحاكم أن يتزوجها.
وقُبح هذه المسألة يُغْني عن الاحتجاج على قائلها، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 133
١٨٩ - قال اللَّه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾
[البناء على رؤية الأهلة]
جعل اللَّه الأهِلَّة مواقيت محصورة للحج ولصيام رمضان وللمداينات والمعاملات، ألا ترى أن النبي ﷺ قال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فاقدُروا له" (١).
١٤ - أخبرنا إسماعيل، قال: نا محمد بن الفضل عارم، قال: نا حماد بن زيد، عن أبان بن تغْلِب، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري قال: قدمنا حُجاجًا حتى إذا كنا بالصِّفاح (٢)، رأينا هلال ذي الحجة كأنه ابن خمس ليال، فلما قدمنا سألنا ابن عباس فقال: جعل اللَّه الأهلة مواقيت، فيُصام لرؤيتها ويُمسَك لرؤيتها.
وقال مجاهد: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ في حجهم، وصيامهم، ولفطرهم، ولقضاء دينهم، ولعِدَد نسائهم (٣).
стр. 134
وقال قتادة نحو ذلك (١).
فالبناء على رؤية الأهلة، وباللَّه التوفيق.
* * *
стр. 135
١٨٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾
[سبب النزول]
١٥ - أخبرنا إسماعيل، قال: نا حفص بن عمر، قال: نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء: كانت الأنصار إذا حجوا فأقبلوا من مكة لم يدخلوا البيوت إلا من قِبل ظهورها، فجاء رجل فدخل من الباب فعابوا عليه، فنزلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (١).
وقال مجاهد، والزهري نحو ذلك (٢).
وهكذا كان في صدر الإسلام ثم زال حكمه، وثبت أن يأتوا بيوتهم من أبوابها.
* * *
стр. 136
١٩٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾
[قتال المقاتِلين دون سواهم]
قال القاضي ﵀: وهذه الآية -واللَّه أعلم- توجب ترك قتل الذراري، والنساء، والشيخ الفاني.
ومعنى ﴿قَاتِلُوا﴾: اقتلوا في سبيل اللَّه ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، ولا تقتلوا من لا فضل فيه لقتالكم، ألا تراه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، فكان هذا مانعًا من قتلهم، وقد قال عمر بن عبد العزيز ﵁ ما هذا معناه (١).
وقال زيد بن أسلم: هذه الآية منعت من قتال من له عهد، وأمر ﷺ أن يقاتل من لا عهد له، قال زيد: ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وقوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (٢).
стр. 137
قال القاضي إسماعيل: إنما أذن اللَّه ﵎ للنبي ﷺ في القتال بعد قدومه المدينة، ثم أمره بالقتال على أحوال كانت، فكان يؤمر فيها بعينها، فمنها -واللَّه أعلم- هذه الآية التي ذكرناها وغيرها، ثم نَسَخ ذلك كلَّه، وأمر بقتال المشركين كافة، وقتال أهل الكتاب.
قال القاضي: فقد يجوز أن يكون كما ذكره إسماعيل، ويدخل في معناه ما قدمنا ذكره.
* * *
стр. 138
١٩١ - وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾
نسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا (١) الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، قال ذلك معمر عن قتادة، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك (٢).
وقال رسول اللَّه ﷺ : "أُحِلَّت لي ساعةً من نهار، ولم تَحِلَّ لأحد قبلي، ولا تَحِلُّ لأحد بعدي" (٣).
* * *
стр. 139
١٩٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
قال حذيفة: هذا في النفقة (١)، يريد: لا تمتنع من الإنفاق في الجهاد.
وقال ابن عباس: إن لم تجد شيئًا إلا مِشْقَصًا (٢) تجهز به في سبيل اللَّه، ولا تقولن: لا أجد شيئًا، قد هلكت (٣).
وحكى الضحاك (٤): أن الأنصار أمسكوا عن الصدقة لسنة (٥) أصابتهم، فنزلت هذه الآية (٦).
وقال البراء بن عازب: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: الرجل يذنب فيلقي بيده وقال: لا توبة (٧).
стр. 140
وقال النعمان بن بشير نحو ذلك وزاد: ولكن يستغفر اللَّه ويتوب، فإن اللَّه غفور رحيم (١).
وقد رُوي هذا القول عن عبيدة، ومحمد بن سيرين (٢). وقال شبل بن عوف: قيل لعمر بن الخطاب ﵁: إن مدرك بن عوف شَرى نفسه يوم نهاوند، فقلت: يا أمير المؤمنين ذلك خالي، وناس يزعمون أنه ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا (٣).
قال القاضي: والآية تحتمل جميع ذلك، واللَّه أعلم بما أراد.
* * *
стр. 141
١٩٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾
[حكم العمرة]
١٦ - نا إسماعيل، قال: نا مسدد، قال: نا عبد الواحد، قال: نا الحجاج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه قال: قيل: يا رسول اللَّه، العمرة واجبة؟ قال: "لا، ولأن تعتمر خير لك" (١).
وقال علي بن أبي طالب ﵁ وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قال: أن تحرم بهما مُؤتَنَفتين من دُوَيْرَة أهلك (٢).
ووافق عمرُ عليًا في ذلك.
واختلف التابعون، فمنهم من لم يرها واجبة (٣)، ومنهم من رآها واجبة (٤).
стр. 142
قال القاضي: والذي توجبه الآية، إتمام ما دخل فيه منهما، لأن قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ليس هو من خطاب الإيجاب، ولا ألفاظ الفروض.
فأما الحج فليس بهذه الآية وجب، وإنما وجب فرض الحج بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾، فأمر أن يدعوهم إلى الحج الذي لا اسم له غير الحج، وإن كان هذا الاسم يقتضي القصد فهاتان الآيتان نزلتا بفرض الحج، كما قيل: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] فكان دُعاؤهم إليها موجبًا لفرضها.
فأما قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فإنما قصد به: لمن تطوع بالحج، فأمر أن يتممه كما يتمم الفرض، وكذلك أمر في العمرة إذا اختار الدخول فيها فدخل، أُمِر بالإتمام، إنما يقال للإنسان إذا دخل في الشيء ومضى بعضه تَمِّمْه، وليس هكذا إيجابُ الفرائض، وإنما إيجابها أن يؤمر فيها قبل أن يدخل فيها، قال اللَّه : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧].
فأما العمرة فسُنَّة لا ينبغي تركها، ولا حُجة لمن جعلها فرضًا، ألا ترى عليًا قال: أن تُحرِم بهما مؤتَنَفتين من دُوَيرة أهلك.
وسئل النبي ﷺ لما نزل فرض الحج: أفي كل عام يا رسول اللَّه؟ قال: "لا، ولو قلتُها لوجبت، ولكن مرة واحدة، فإن عُدْتَ فهو أفضل" (١).
стр. 143
وقال النبي ﷺ : "ولأن تعتمر خير لك" (١).
وقد زعم بعض الناس أنها واجبة (٢) لقول اللَّه : ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] فجعل للحج أكبر وأصغر، وأخطأ خطأً فاحشًا، لأن كل من فسَّر هذه الآية قصد إلى اليوم، ولم يجعل حجًّا أكبر وأصغر، فمن الصحابة من قال: يوم عرفة. ومنهم من قال: يوم النحر.
وسئل النبي ﷺ عن يوم الحج الأكبر فقال: "يوم النحر" (٣).
وقال: "أفضل الأيام يوم النحر، ثم يوم القَرِّ" (٤).
وليس يكون من طرأ بعد المائتين خلافًا للصحابة الذين ذكروا أن اللَّه قصد يوم الحج الأكبر، لا سيما مع بيان النبي ﷺ ، ولا نعلم خلافًا أن فرضًا لا يدخل على فرض، وقد تدخل السنن على الفرض.
стр. 144
ثم رأينا هذا القائل يجمع الحج والعمرة، فيسقط عمل العمرة عنده، ويجزئ عنهما عمل الحج، ولم نر فرضًا يدخل على فرض فيسقط حكمه، ومن رآها من الصدر الأول فإنما أوجبها بوجوب السنة، ولأن النبي ﷺ اعتمر، وهو عمل من أعمال البر.
* * *
стр. 145
١٩٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾
[معنى الإحصار]
الإحصار في اللغة هو: المرض الذي يحبس، والحَصْر بالعدو يقال فيه: حُصِر فهو محصور، ومعناه: مُنِع فهو ممنوع، والمرض يقال فيه: أُحْصِر فهو مُحصَر، أي: أُمْرِض فهو مُمْرَض.
قال الكسائي، وأبو عبيدة معمر بن المثنى: ما كان من مرض فإنه يقال فيه: أحصر فهو محصر، وما كان من سجن أو منع قيل: أحصر فهو محصور (١).
وقال ابن عباس: لا حصر إلا من حبس عدو، ولم يقل: لا إحصار، وهو بيت اللغة، هذا لتعلم (٢) أن ما كان من حبس العدو يقال فيه: حُصِرَ بغير ألف، وهذا النحو من الكلام يجري هذا المجرى.
قال إسماعيل: فإذا حُبِس الرجل قيل: حَبَسَه، وإذا فَعَل به فعلا عرَّضه به لأن يُحبس قيل: أَحْبَسه، وإذا قتله قيل: قتله، وإذا عرَّضه للقتل قيل: أَقْتَلَه، وسقاه إذا أعطاه إناء فشرِبه، وإذا جعل له سُقيا قيل: أَسْقاه، وقَبَرَه إذا تولى دفنه، وأَقَبَرَه إذا جعل له قبرًا، قال اللَّه : ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١].