١٩٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾
[حكم العمرة]
١٦ - نا إسماعيل، قال: نا مسدد، قال: نا عبد الواحد، قال: نا الحجاج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه قال: قيل: يا رسول اللَّه، العمرة واجبة؟ قال: "لا، ولأن تعتمر خير لك" (١).
وقال علي بن أبي طالب ﵁ وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قال: أن تحرم بهما مُؤتَنَفتين من دُوَيْرَة أهلك (٢).
ووافق عمرُ عليًا في ذلك.
واختلف التابعون، فمنهم من لم يرها واجبة (٣)، ومنهم من رآها واجبة (٤).
стр. 142
قال القاضي: والذي توجبه الآية، إتمام ما دخل فيه منهما، لأن قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ليس هو من خطاب الإيجاب، ولا ألفاظ الفروض.
فأما الحج فليس بهذه الآية وجب، وإنما وجب فرض الحج بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾، فأمر أن يدعوهم إلى الحج الذي لا اسم له غير الحج، وإن كان هذا الاسم يقتضي القصد فهاتان الآيتان نزلتا بفرض الحج، كما قيل: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] فكان دُعاؤهم إليها موجبًا لفرضها.
فأما قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فإنما قصد به: لمن تطوع بالحج، فأمر أن يتممه كما يتمم الفرض، وكذلك أمر في العمرة إذا اختار الدخول فيها فدخل، أُمِر بالإتمام، إنما يقال للإنسان إذا دخل في الشيء ومضى بعضه تَمِّمْه، وليس هكذا إيجابُ الفرائض، وإنما إيجابها أن يؤمر فيها قبل أن يدخل فيها، قال اللَّه : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧].
فأما العمرة فسُنَّة لا ينبغي تركها، ولا حُجة لمن جعلها فرضًا، ألا ترى عليًا قال: أن تُحرِم بهما مؤتَنَفتين من دُوَيرة أهلك.
وسئل النبي ﷺ لما نزل فرض الحج: أفي كل عام يا رسول اللَّه؟ قال: "لا، ولو قلتُها لوجبت، ولكن مرة واحدة، فإن عُدْتَ فهو أفضل" (١).
стр. 143
وقال النبي ﷺ : "ولأن تعتمر خير لك" (١).
وقد زعم بعض الناس أنها واجبة (٢) لقول اللَّه : ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] فجعل للحج أكبر وأصغر، وأخطأ خطأً فاحشًا، لأن كل من فسَّر هذه الآية قصد إلى اليوم، ولم يجعل حجًّا أكبر وأصغر، فمن الصحابة من قال: يوم عرفة. ومنهم من قال: يوم النحر.
وسئل النبي ﷺ عن يوم الحج الأكبر فقال: "يوم النحر" (٣).
وقال: "أفضل الأيام يوم النحر، ثم يوم القَرِّ" (٤).
وليس يكون من طرأ بعد المائتين خلافًا للصحابة الذين ذكروا أن اللَّه قصد يوم الحج الأكبر، لا سيما مع بيان النبي ﷺ ، ولا نعلم خلافًا أن فرضًا لا يدخل على فرض، وقد تدخل السنن على الفرض.
стр. 144
ثم رأينا هذا القائل يجمع الحج والعمرة، فيسقط عمل العمرة عنده، ويجزئ عنهما عمل الحج، ولم نر فرضًا يدخل على فرض فيسقط حكمه، ومن رآها من الصدر الأول فإنما أوجبها بوجوب السنة، ولأن النبي ﷺ اعتمر، وهو عمل من أعمال البر.
* * *
стр. 145
١٩٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾
[معنى الإحصار]
الإحصار في اللغة هو: المرض الذي يحبس، والحَصْر بالعدو يقال فيه: حُصِر فهو محصور، ومعناه: مُنِع فهو ممنوع، والمرض يقال فيه: أُحْصِر فهو مُحصَر، أي: أُمْرِض فهو مُمْرَض.
قال الكسائي، وأبو عبيدة معمر بن المثنى: ما كان من مرض فإنه يقال فيه: أحصر فهو محصر، وما كان من سجن أو منع قيل: أحصر فهو محصور (١).
وقال ابن عباس: لا حصر إلا من حبس عدو، ولم يقل: لا إحصار، وهو بيت اللغة، هذا لتعلم (٢) أن ما كان من حبس العدو يقال فيه: حُصِرَ بغير ألف، وهذا النحو من الكلام يجري هذا المجرى.
قال إسماعيل: فإذا حُبِس الرجل قيل: حَبَسَه، وإذا فَعَل به فعلا عرَّضه به لأن يُحبس قيل: أَحْبَسه، وإذا قتله قيل: قتله، وإذا عرَّضه للقتل قيل: أَقْتَلَه، وسقاه إذا أعطاه إناء فشرِبه، وإذا جعل له سُقيا قيل: أَسْقاه، وقَبَرَه إذا تولى دفنه، وأَقَبَرَه إذا جعل له قبرًا، قال اللَّه : ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١].
стр. 146
وقالت بنو تميم لابن هُبيرة حين صَلَب صالح بن عبد الرحمن: أَقبِرنا صالحًا، أي: ائذن لنا في دفنه، قال: قد فعلت (١).
فهذا على أَقَبَرْت، ومما جاء على قَبَرْت قول الأعشى:
لو أَسْنَدَتْ ميْتًا إلى نَحْرِها ... عاش ولم يُنْقَل إلى قابِرِ (٢)
فهذا على قبرت، فعلى هذا المجرى يكون ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: أصابكم شيء كان سببًا لأن فاتكم الحج.
[الأحاديث في الإحصار]
وقد جاءت أحاديث في المُحصر بمرض، وقد جاءت أحاديث في المُحصر بعدوٍّ، ونحن ذاكروا بعضها كي لا يطول الكتاب.
فمن ذلك أن ابن عمر أراد العمرة، فقال له ابنه: سيكون بين الناس أمر يَصُدُّ عن البيت، فقال: إذن أفعل كما فعل رسول اللَّه ﷺ بالحديبية حينما صدَّه المشركون، فنحر وحلق وحل، فأحرم بعمرة، ثم أدخل الحج عليها.
روي ذلك عنه من طرق (٣)، رواه موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر.
ومالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أن المحصر لا يحل حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا اضطر إلى شيء من لبس الثياب التي لا بد له منها أو الدواء، صنع ذلك وافتدى (٤).
стр. 147
وزاد موسى بن عقبة: فإن حبسه بلاء حتى يفوته الحج طاف إذا بلغ بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلق أو قصَّر، ثم رجع حلالًا من حجه حتى يحج عاما قابلًا، ويُهدي.
فهذا ابن عمر قد فرق بين العدوِّ وبين المرض، لأنه قال في حديث موسى بن عقبة: وإن حبسه عدوٌّ حلَق وحلَّ.
وقد رُوي في أمر العدوِّ عن رسول اللَّه ﷺ ، والأسانيد عنه في ذلك أحاديث صحاح لا يدخلها وهَن.
وقد روى حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من كُسِر أو عَرج فقد حل، وعليه حجة أخرى"، قال عكرمة: فذكرت ذلك لابن عباس، ولأبي هريرة ﵄ فقالا: صدق (١).
وهذا من أسانيد الشيوخ، وقد يحتمل مع ذلك أن يكون المعنى: ففاته الحج، أن له أن يتحلل بعمرة، وعليه الحج من قابل، وأحاديث الثقات تضعف هذا الحديث.
فمن ذلك ما رواه سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة أنه قال في المحصر يبعث بالهدي: فإذا أبلغ الهدي مَحِلَّه حل، وعليه الحج من قابل، وقال: رضي اللَّه بالقصاص بين عباده، ويأخذ منهم العدو أن عليه حجًا مكان حج، وإحرامًا مكان إحرام (٢).
стр. 148
فدل حديث أيوب على أن عكرمة قال هذا برأيه، وأنه لو كان عنده عن النبي ﷺ في ذلك حكم لما احتاج أن يحتج بما احتج به.
وقال علي بن المديني (١): نا سفيان، عن عمرو بن دينار، أن ابن عباس ﵁ قال: لا حصر إلا حصر العدو.
وقال ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس مثل ذلك (٢).
فتبين [أن] (٣) ما روى الثقات عن ابن عباس في هذا الباب خلاف رواية حجاج الصوّاف، وإنما يفعل من أحصر ما يفعل من فاته الحج.
[الإحصار وفوات الحج]
والذي يذهب إليه مالك: المُحصَر بالمرض بمنزلة من فاته الحج، يقيمان على إحرامهما حتى يأتيا البيت، ويتحللا بعمرة، ويكون عليهما الحج من قابل والهدي (٤)، على ما روي عن ابن عمر وغيره في ذلك، وعلى ما روي عن عمر فيمن فاته الحج (٥).
وقد قال عبد اللَّه بن الزبير: يا أيها الناس، التمتع ليس بالذي تصنعون، يتمتع أحدكم بالعمرة قبل الحج، ولكن الحاج إذا فاته الحج أو ضَلَّتْ رواحله أو كسر حتى يفوته الحج، فإنه يجعلها عمرة ويحج من قابل، وعليه ما استيسر من الهدي (٦).
стр. 149
قال القاضي فقد جاء الاختلاف في الحاج يحصر على ما وصفنا، وقد قال اللَّه : ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، فلولا أنا قد علمنا أن هذه الفدية لكل مُحرِم أصابه أذى من رأسه، لكان الظاهر يدل على أن هذا إنما نزل في المحصَر خاصة، وكذلك: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، استعملها الناس في كل محرم ساق الهدي، وأنه لا ينبغي أن يحلق حتى ينحَر هديه.
وهذا النحو يأتي في القرآن كثيرًا (١)، يذكر القصة، ثم يذكر بعدها أمورًا أخرى، ثم يعاد إلى القصة الأولى.
قال اللَّه : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ١ - ٣] ثم ذكر بعد هذا القسم قصة أصحاب الأخدود، ثم قال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢].
وقال: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ إلى قوله: ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٥] ثم ذكر بعد ذلك ما ذَكر ثَمَّ، ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] هذا هو القسم.
وقال: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] فعلم أنه عمّا (٢) بقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ عطفًا على: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، ولولا فضل اللَّه عليهم ورحمته لاتبعوا الشيطان كلهم.
стр. 150
فلما قيل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، ثم ذكر بعد ذلك ما ذكر ثَمَّ، قيل: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، أعيد ذكر ذلك الهدي للتراخي، وللكلام الذي وقع بين ذلك.
وقال ابن عباس: المتعة للمحصَر، ولمن خُلّيت سبيله.
وكان ابن الزبير يقول: هي للمحصَر، وليست لمن خُلّيت سبيله (١).
قال إسماعيل: ولولا أن الأحاديث التي وصفناها إنما فيها هدي واحد إذا مضى من وجهه فاعتمر، وإذا فاته الحج، لكان الظاهر في القرآن يدل على هديَيْن، هدي للفوات، وهدي للتحلل، ولكن لما جاءت الأحاديث، وكان جائزًا في الكلام وما يدل عليه النّظر، كان القول به أولى.
وقد كان مالك ﵁ يقول: إذا أقام المُحصَر على إحرامه إلى السنة الأخرى ولم يتحلل، لم يجب عليه هدي (٢)، وإنما التحلل بالعمرة أوجب عليه الهدي، لأن اللَّه قال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، فمن يجيز كان الظاهر أنه إن شاء تمتع وإن شاء لم يفعل، إذ التحلل رحمةٌ من اللَّه لعباده ورفق (٣) بهم، فمن صبر على الشدة ولم يختر الرخصة فلا هدي عليه.
وقال ابن مسعود، وعلقمة: إنه إن شاء أقام على إحرامه، فهو مخير، والاستحباب له التحليل، وأن يدخل في رحمة اللَّه ولا يشدد على نفسه.
стр. 151
قال القاضي: والذي يشبه قول مالك ويزكو (١) به، أن يكون قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ للناس كلِّهم، على ما رُوي عن ابن عباس ﵁، أنه عنى بهذا من ابتدأ عمرة فتمتع بها إلى الحج، من غير أن يكون أُحصِر، ويكون الهدي الأول للمحصر خاصة إذا حَلَّ بعمرة ثم حج، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.
* * *
стр. 152
١٩٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾
[موضوع ذبح النسك]
١٧ - أنا إسماعيل، قال: نا سليمان بن حرب، قال: نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: أتى عليَّ النبي ﷺ زمن الحديبية وأنا أوقد بُرمة لي، والقمل يَنْتَشِر على وجهي، فقال: "أيؤذيك هوام رأسك؟ "، قلت: نعم، قال: "احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة"، قال أيوب: لا ندري بأيِّه بدأ.
وطرق هذا الحديث كثيرة (١).
وأما أين تكون النسيكة، فقد اختلف فيه.
١٨ - قال إسماعيل: نا علي بن المديني، قال: نا سفيان، قال: قصه علينا يحيى بن سعيد، وهو أول شيء حفظناه من يحيى، قال: سمعت يعقوب بن خالد بن المسيب، يقول: حدثنا أبو أسماء مولى عبد اللَّه بن جعفر، قال: خرج عثمان معتمرًا، وخرج معه حسين بن علي، فلما كان بالعَرْج اشتكى
стр. 153
حسين، فلما نزلوا السُّقيا (١) اشتد به المرض، فمضى عثمان وهو بالسُّقيا، وجاء عبد اللَّه بن جعفر فأصبح بالمَقيل الذي كانوا فيه، وإذا حسين مضطجع (٢)، وناقته قائمة على زمامها، فقال له عبد اللَّه: أيها النَّوْمُ (٣)، فإذا الرجل مثبَت وجعًا، فنزل وأرسل إلى عليٍّ فجاء، وجاء (٤) معه بامرأته أسماء بنت عميس، فمرضوه عشرين ليلة، قال: ثم خُبِّر عليٌّ لم أنه يُشير إلى رأسه، فأمر برأسه فحُلق، ونحر جزورًا، قيل لسفيان: فتَه وقسمها في الماء، قال: فأين يقسمها إذا نحرها؟
ثم قال سفيان: نا عمرو بن دينار، عن يحيى بن سعيد، ورواه أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد بإسناده، وقال فيه: فأمر بجَزور فتصدَّق بها على أهل الماء، وحلقه.
١٩ - وحدثناه أحمد بن موسى، قال: نا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد، عن أبي أسماء مولى عبد اللَّه بن جعفر، أنه خرج مع عبد اللَّه بن جعفر من المدينة، فمَرُّوا على حسين بن علي وهو مريض بالسقيا، فأقام عليه عبد اللَّه بن جعفر، حتى إذا خاف الفوات خرج وبعث إلى علي بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وهما بالمدينة، فقَدِما عليه، ثم إن حسينا أشار إلى رأسه، فأمر عليّ برأسه فحُلق بالسُّقيا، ونَسَك عنه فنحر بعيرًا، قال يحيى: وكان حسين خرج مع عثمان بن عفان في سفره ذلك (٥).
стр. 154
والروايات في هذا كثيرة.
ولم يأت في هذا شيء أعلى ولا أَبْيَن من أمر الحسين، وما فعله عليٌّ في أمره، لأنه حلق رأس الحسين وهو محرم، ونَسَك عنه نسيكة في موضعه، فجاء فعل لا يمكن التأويل فيه، إذ كان عامة الأحاديث من قول عطاء وطاوس وغيرهم تحتمل التأويل، لأنهم ربما أرادوا الدم من الجزاء للصيد، فيَتَوَهَّم السامع أنهم أرادوا نَسِيكَةَ الأذى، مع أن أسانيدها ضِعاف مضطربة، وليس على نسيكة هدي، فما كان هديًا فحكمه البلاغ.
ومن النسائك: الأضاحي، والعقيقة، وفدية الأذى، فكل هذه ليست بهدي، وتجوز في كل مكان من مكة وغيرها لأنها حيث كانت فهي نسيكة، ومن قال: لا تكون إلا بمكة، توهَّم أنها بمنزلة الهدي، وليس مجراها مجرى الهدي.
قال اللَّه : ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].
وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، فشرط في الهدي أن يبلغ محله، وأطلق ما سواه من الصيام والصدقة والنسك.
وقال اللَّه ﵎: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، ولم يقل في النسك شيئًا من ذلك.
وكل شيء يُهدى فإنما يُهدى من موضع إلى موضع، والنُّسُك يكون في كل موضع، الأضاحي (١) في كل بلد وهي نسك.
стр. 155
قال اللَّه : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢].
وقال عكرمة، وقتادة، ومجاهد، وابن جبير: ﴿مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧]: ذبحًا هم ذابحوه.
وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤].
وقال النبي ﷺ : "من وُلد له وَلَدٌ فأحبَّ أن ينسك عنه فليفعل" (١)، ومن سمى الحج بالمناسك فإنما ذلك لظهور الذبح فيه، وقد يكون الشيء يُعْمَل فيه أعمالًا فيُسمّى ببعضها.
فأما أهل المدينة فلا يُسمُّونه إلا الحج، ولا يقولون: كُتُبُ المناسك، لأن المعروف في اللغة أن النسك: الذبح، وذلك معروف في كلام العرب.
ويمكن أن يكون المَنْسَك مصدرًا للنُّسُك، ويمكن أن يكون موضعًا للذي نُسك فيه، وقد سمى اللَّه هذه الفدية في كتابه، فلم يَخُصَّ شيئًا منها بموضع، وكذلك الرواية عن رسول اللَّه ﷺ ، فلا مذهب لأحد عن ظاهر كتاب اللَّه ، وعن سُنَّة نبيه ﷺ .
* * *
стр. 156
١٩٦ - قال اللَّه : ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾
[إحلال المحصر بعدو]
اختلفت الروايات عن ابن عمر، وابن مسعود، وغيرهم، وكل الأحاديث التي رويت إنما هي في المرض، فقال بعضهم: يَحِلُّ إذا بعث بالهدي.
وقال بعضهم: لا يَحِل.
وقال بعضهم: يَحِل من بعض الأشياء، ولا يَحِل من بعضها.
وقال بعضهم: يَحِل في الحج ولا يَحِل في العمرة، لأن الحج يفوت وقته، والعمرة لا يفوت وقتها.
ولم يختلفوا أن النبي ﷺ كان معتمرًا حين صدَّه العدو، وأنه حل من عمرته، وليس يوجد في هذا شيء من الرواية أولى أن يُتَّبَع مما روي عن ابن عمر، لأنه فصل بين العدو وبين المرض، وذكر فعل النبي ﷺ حين صدَّه المشركون، وأنه إن صُدَّ عن البيت فعل كما فعلوا مع النبي ﷺ (١)، وأفتى المريضَ أن يكون على إحرامه حتى يطوف بالبيت (٢).
стр. 157
والأسانيد في ذلك أسانيد لا يدخلها وهَن ولا خلل، وليست كغيرها.
ولم يأت عن أحد من الصحابة سواه من ذكر المرض وذكر العدو ما جاء عنه، لأن الأحاديث التي رُوِيَت عن عبد اللَّه بن مسعود إنما هي كلُّها في المرض، وليس فيها ذكر العَدُوِّ، والأحاديث التي رُوِيَت عن عمر إنما هي فيمن أخطأ العَدد ففاته الحج، أو أضل رواحله ففاته الحج، ولم يُذكر في شيء منها أمر العدوّ، والأحاديث التي رُويت عن ابن عباس أكثرها تدل على مذهب ابن عمر، وليس فيها من التلخيص ما في أحاديث ابن عمر.
فإذا كان هذا هكذا، فليس رواية أولى بأن تُتَّبَع من الرواية عن ابن عمر، مع أنه إذا تُدُبِّر قولُ من يقول في الإحصار: إن العدو والمرض في ذلك سواء، وأنه يَبعث بالهدي، ويَجعل بينه وبينه يوم أَمارٍ (١) إذا بلغ الهديُ مَحِلّه حَلَّ، عُلِم أن هذا لا وجه له، لأن المحرم قد صده العدو عن النفوذ (٢) إلى موضع حِلِّه، فكيف يصدونه ويكون الذي يَبْعث معه بالهدي غير مصدود؟
قال اللَّه : ﴿كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، فبين أنهم صدوه وحبسوا الهدي أن يبلغ محله، ثم حل ﷺ ونحر هديه في موضعه، ولقد غَلُظَ (٣) ذلك على أصحابه أو على كثير منهم، ودخل قلوبَهم ما دخل.
стр. 158
٢٠ - قال إسماعيل: نا محمد بن عُبيد بن حِساب، قال: نا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزُّهْري، عن عُروة بن الزبير، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَة، وذكر الحديث في قصة الحُدَيْبِية، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال النبي ﷺ لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا"، قال: فواللَّه ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات، قال: فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلَمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة ﵂: يا نبي اللَّه، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم حتى تنحر بُدْنَك، وتدعوَ حالقك فيحلقك، فخرج ولم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدْنَه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا (١).
قال القاضي إسماعيل: فلا يعلم عبد بظاهر كتاب اللَّه، وبالرواية عن رسول اللَّه ﷺ ، أن المحصور بعدوٍّ ينحر ويَحِل بموضعه.
فإن قال قائل: إن الحديبية بحضرة الحرم، وأنه يمكن أن يكونوا نحروا بالحرم.
قيل له: ما علَّمنا ربُّنا ﵎ أنهم كانوا بذلك الموضع، وأنهم مصدودون ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، ولو كان الهدي قد بلغ محله لما غَلُظ على أصحابه أن ينحروا هديهم وأن يحلقوا حين أمرهم بذلك.
وكيف يجوز أن يقال هذا والقرآن إنما نزل بعد انقضاء أمر الحديبية، وأعلمهم ما مضى من ذلك، وأن الهديَ ﴿مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾، فكيف يجوز أن يقال لهم: كان الهدي معكوفًا وهو قد بلغ محِله؟
стр. 159
وهذا كلام من لا يَعلم، وأما من مَنَّ اللَّه عليه بفهم ومعرفة، فإنه يعلم أن محل الهدي بمكة وفِجاجِها، ومنًى في أيام منى، والدليل على ذلك ما وصفنا في قصة الحديبية، وأن الحرم لو كان كله منحرًا لما كان هديهم ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾، ولما خُصَّت مكة ومنًى بذلك، فقيل: "هذا المنحر" للموضع الذي نحر فيه عند المَرْوَة، "ومكة وفِجاجها منحر"، وقيل: بمِنًى: "هذا المنحر"، للموضع الذي نحر فيه النبي ﷺ عند العقبة، "ومنًى وفجاجها منحر"، فخُصَّت مكة ومِنًى بذلك، وكلاهما من الحرم، وبينهما مسافة.
فلو كان الحرم كله منحرًا لقيل: هذا المنحر، والحرم كله منحر، فلما وقع الخصوص ببعض الحرم، عُلم أن سائر الحرم خارج (١) من ذلك، ومن لم يعلم هذا، لم يعلم خاصًا من عام.
وقال اللَّه ﵎ في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فأعلمنا أن محل الهدايا بلوغ الكعبة، وعلمنا بأن بلوغها بلوغ حضرتها، ليس أن يدخلَها فينحرَ فيها، ولا في المسجد، ولكن بحضرة ذلك، فكان المنحر عند المَرْوة، في الموضع الذي يفرغ فيه المعتمر من طوافه وسعيه، ثم وسِّع عليهم بأن جعلت مكة وفجاجها منحرًا، لأنه أرفق بهم، إذ يضيق عليهم أن يكون منحرهم كلهم في موضع واحد، فجعل حكم الفدية كلها حكمًا واحدًا.
وكذلك أمر مِنًى وُسِّع عليهم، لأن المنحر عند العقبة حين يرمي ويحِل، ألا ترى أن المحرم لو بات لياليَ مِنًى في بعض الحرم سوى مِنًى، لما جاز له ذلك؟ ألا ترى أن المكِّيَّ لو خرج من بيته يريد سفرًا، لما جاز له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من مكة كلِّها، ثم يقصر إذا خرج عنها من قبل أن يخرج من الحرم.
стр. 160
وقد رُوي في قول اللَّه ﵎: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ما نذكره في موضعه إن شاء اللَّه.
وروى علي بن الحسين، عن عبيد اللَّه، عن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ رمى العقبة، ثم دخل المنحر فقال: "هذا المنحر، وكل مِنَى منحر" (١).
فإن قال قائل: إن حكم الحرم واحد.
قيل له: حكم الحرم كله في الأشياء من الصيد والنحر، وأنه لا يجوز أن يحرم إنسان بالعمرة من بعضه ثم يحِل، لأن المُحْرِم إنما يدخل في الإحرام بعد أن كان حلالًا، فكذلك لا يدخل في الإحرام في الحرم بعد أن كان في حِلٍّ، وأَمْرُ الصيد والمنحر لا يُشبه ما وصفنا، لأن الصيد والمنحر ليس للناس فيه عمد، وإنما أُمِروا أن يجتنبوه، كما أُمِر المحرم أن يجتنب الصيد في غير الحرم.
فكذلك المحرِم بالعمرة، إنما قيل له: أحرِم من الحِل، ثم افترض عليه العمل في مواضع من الحرم بأعيانها، فجعل كل عمل في موضعه، لا يجوز في غيره، وعلمنا رسول اللَّه ﷺ ذلك وقال: "خذوا عني مناسككم" (٢)، فليس يجوز أن يتعدى بأعماله مواضعها وما خص منها وما عم.
[موضع نحر الهدي]
ولو نحر الهدي في أيام منى بمكة لأجزأ، لأنها هي الأصل في النحر، غير أن السُّنة في (٣) هدي الحاج أن يكون بمِنًى، لأنه إذا نحر حلق، فكان ذلك موضعه.
стр. 161
وقد روي عن ابن عباس ﵁ أنه كان ينحر بمكة ويقول: إنما النحر بمكة، ولكن نُزِّهَت عن الدماء، رواه ابن جريج، عن عطاء، عنه (١).
وقد روى مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: من نذر بدنة فإنه يقلدها نعلين، ويسوقها، ويُشْعِرُها (٢)، حتى ينحرها عند البيت العتيق، أو بمِنًى يوم النحر، ليس لها محل دون البيت العتيق، أو بمنًى يوم النحر، ليس لها محل دون ذلك (٣)، ومن نَذَر جزورًا من الإبل أو البقر، فلينحرها حيث شاء (٤).
فجعل ابن عمر محل الهدي مكة، أو بمِنًى يوم النحر، وحكم أيام النحر كلها سواء.
* * *
стр. 162
١٩٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾
[جنس الهدي]
قال علي ﵁: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ شاةٌ (١).
والهديُ من الأزواج الثمانية.
وقال ابن عباس ﵁: الهدي من الأزواج الثمانية، والبعير أفضل من البقرة، والبقرة أفضل من الشاة، والشاةُ ما ﴿اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢).
وكان ابن عمر يقول: لو لم أجد إلا شاة كان أحب من أن أصوم (٣).
وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: بقرةٌ أو بعيرٌ (٤).
стр. 163
ورواه حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵁: الناقة دون الناقة، والبقرة دون البقرة فيما استيسر من الهدي (١).
وقال ابن عمر ﵁: في هدي القرآن بدنة، فقيل له: ابن مسعود يقول: شاة، فقال: الصيام أحب إلي من شاة (٢).
وكان ابن عمر وعائشة يقولان: الناقة، والبقرة (٣) ثم عن التابعين في ذلك ما يكثر ذكره (٤).
[الاشتراك في الهدي]
وعن جابر بن عبد اللَّه في عام الحديبية: نحرنا البدنة عن سبعة، وذكر سبعين بدنة، وقال: كنا ألفًا (٥) وأربعمائة (٦).
стр. 164
ثم عن طاوس وغيره: يجزئ في التمتع شِرْكٌ في دم بقرة، أو بدنة.
والزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ نحر عن نسائه بقرة في حجة الوداع، كذا رواه يونس (١).
ورواه مالك فقال: نحر عن نسائه البقر (٢). ومالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: لا يشرك في الدماء (٣).
وقال ابن سيرين عنه: لا أعلم دمًا يُهراق إلا عن نفس واحدة (٤)، يعني في الهدي.
وقال جماعة من التابعين مثل ذلك.
٢١ - [حدثنا] (٥) محمد بن صالح، قال: نا محمد بن يوسف الزَّبِيدي (٦) قال: نا موسى بن طارق أبو قرة، عن زَمْعَة بن صالح، عن زياد بن سعد، عن
стр. 165
أبي الزبير، عن جابر قال: نحر النبي ﷺ يوم الحديبية سبعين ناقة، أشرك بين كل سبعة في جزور (١).
قال القاضي إسماعيل: وهذا الدليل على أنه ﵇ أشرك بينهم في اللحم، فقد ذكرنا ما روي عن جابر في الإشراك في الهدي، ومخارجها ليست بالقوية، في أسانيدها ضعف، لأن الرجال الذين نقلوها لا خفاء على نقاد الحديث بمقاديرهم.
وقد ذكر الثوري في الحديث الذي رواه عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال: وليَشترِك النفر في الهدي، فدل على أن هذا القول رأي من جابر، أو من دونه، فلعله قاس الهدي الواجب على الهدي في الحديبية، ويوم الحديبية لم يكن هناك تمتع، لأن التمتع يكون بعد الإحلال من العمرة إذا حج مِن عامه ذلك.
وإنما أحرم النبي ﷺ بعمرة، وكذلك أصحابه، فلما صُدُّوا عن البيت، نحروا بُدْنا كانت مع النبي، قد قلَّدها وأشعرها بذي الحليفة تطوعًا، فنحرها وقسموا (٢) لحمها، وما كان رجب عليهم هدايا، ولو وجبت عليهم لما أجزى عنهم ما كان قد أُوجِب.
وقد يجوز أن يكون النبي ﷺ ساقها عنه وعنهم، كما (٣) روي عنه ﷺ أنه ضحى عن أمته (٤)، وكما روي عن أبي أيوب أن الرجل كان
стр. 166
يضحي (١) بالشاة الواحدة عنه، وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس بعد (٢). والنبي ﷺ ولأمته والد، وأزواجه أمهاتهم.
٢٢ - حدثنا محمد بن صالح، قال: نا محمد بن يوسف الزَّبِيدي (٣)، قال: ثنا موسى بن طارق أبو قرة، عن زَمْعَة بن صالح، عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نحر النبي ﷺ يوم الحديبية سبعين ناقة، أشرك بين كل سبعة في جزور (٤).
والقوم أيضًا ما كانوا حِسابَ سبعين بدنة عن ألف وأربعمائة، كيف تكون البدنة عن سبعة؟ هذا عن عشرين، وقد يجوز أن يفضِّل بعضهم على بعض في القَسْم، فيكون -إذا كانت الأحاديث تصح- دفع إلى جابر وستة معه بدنة، لأن ما رجب لا ينتقل.
стр. 167
ثم عائشة ﵂ تقول: نحر عن نسائه بقرة بقرة، عن تسعة أزواجه في حجة الوداع، وهذا لم يكن هَدْي يوم، ولا عن واجب.
فإن قيل: إن الهدي كان عليهم، لأنهم حُصروا قبل الهدي، قد كان أوجب بالإشعار والتقليد من قبل أن يحصروا، ثم لم يذكر أحد من الناس في حديث أنهم استأنفوا هديًا بعد الحصر، بل كل من رَوى يذكر سياق الهدي من موضع الإحرام.
وفي حديث الزهري، عن عروة، عن المسور، في قصة الحديبية، أن الهدي عليه قلائده، قد أكِل وَبَرُه (١) من طول الحبس (٢).
وقد حضر ابن عمر الحديبية، ورُوِي عنه بالأسانيد التي لا تقاس بها الروايات عن جابر: لا يُشترَك في شيء من الهدي، وإنما ذلك لعِلْمِه أن الاشتراك كان في اللحم دون الذكاة.
وعلى أن حديث يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂: نحر رسول اللَّه ﷺ عن نسائه بقرة في حجة الوداع، غلط من يونس، لأن يحيى بن سعيد رواه عن عَمْرَة، وعبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة (٣)، ومالك، وحماد عن عبد الرحمن قال: ذبح عن نسائه البقر، وكان ذلك في حجة الوداع.
وهذه أسانيد الفقهاء الذين يعلمون ما تحتاج إليه، ويميزون ما يسمعون.
стр. 168
وهو أيضًا خطأ على قول من يزعم أن البقرة عن سبعة (١)، لأن أزواج النبي ﷺ كنَّ تسعًا، فكيف تجزئ عنهم بقرة؟
وليس يجوز عندنا الاشتراك في الهدايا، لإجماع الصحابة لما سئلوا عما ﴿اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، فذكروا رأسًا عن كل رأس، فقالوا: البقرة، والبدنة، والشاة.
ويجوز في الضحايا في أهل البيت وإن كثروا، إذا كان المضحي عنهم واحدًا (٢).
ولا يجوز ذلك في المُتَبايِنَيْن، لِما روي عن رسول اللَّه ﷺ أنه ضحى عن أمته، ولما ذكره أبو أيوب الأنصاري أنه كان يفعل، وليس سبيل الضحايا سبيل الهدي.
قال اللَّه ﵎: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فجعله مِثْلًا ليكون على القاتل مثل المقتول من النعم، وهو واحد من الهدي، ولم يَجُز أن يكون بعضَ واحد.
وقال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، فهو واحد، وقد يكون من الإبل، وقد يكون من البفر، ويكون من الشّاءِ، فأي ذلك استيسر فالهدي اسم للجميع، وواحده هَدِيَّة.
وقال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] فعلم أنهم صدوه.
ولما قيل: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، علم أنه عن الشيء الواحد، واحد من الإبل، لأن الأمة على العموم، ولم يقصد بها لإنسان بعينه، ولا في
стр. 169
صيد واحد، وهو اسم لجميع الهدي، وأهل اللغة يقولون: إن واحد الهدي هدية، مثل: تمرة وتمر، وجمرة وجمر، وطلحة وطلح، ثبت أنها في الواحد، وتسقطها في الجمع، فلما قيل: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وقد عرفوا أجناس الهدي، عُلم أنه واحد من هذه الأجناس أنها ما استيسر، لأنها كلها يكون لها واحد وجميع، فأما بعض الواحد فهو جزء من الأجزاء، يُعرف بتقدير الأهلاك، من غير أن يكون لها معاينة تعرف بها، كما تُعرف الشّاءُ بعينها، والبعير بعينه، لأن الإيجاب يقع على كل شيء يختاره الإنسان، فيوجبه بعينه، وقد كان معروفًا بالنعت قبل أن يوجبه، والأجزاء لا تكون معينة ولا يوقف على حدودها، وقد قيل في الجنين: غرة، فوقع الإيجاب على شيء يعرف بالنعت، فكانت الأمة غرة، وكان العبد غرة، وكان الفرس غرة، فأي ذلك أخرج الرجل فقد أخرج شيئًا نُعِت له.
ولو قال إنسان: ائتني بما تيسر من الإبل والغنم، لما وقع على بعض شاة، لأنه إذا أتاه ببعض البعير فإنما يأتيه به لحمًا، ولا يقع عليه اسم البعير، وإنما يقال: لحم بعير، ولحم شاة.
كذلك إذا قيل له: سُق ما استيسر من الهدي، لم يقع على بعض بعير.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، فإذا وجبت بدنًا قبل أن تنحر، ولم يُقصد بها اللحم الذي يُتصدق به، ألا ترى أنها قد وُصِفَت بأنها من شعائر اللَّه، كما قيل في الصفا والمروة إنها من شعائر اللَّه؟ وقال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
فإذا وصفت بأنها من شعائر اللَّه، فليس يَعلم قدر ثوابها إلا اللَّه .
стр. 170
ولو كان الهدي إنما يُبتغى به مقدار لحمه، لكان أوفر للمساكين أن يجتمع من الهدي والنفقة عليه والكلفة بلاغه، ثم يُشترى بذلك لحم ويُقسم، ولم يكلف الناس سوقه، وما فيه من التعب والغرر، ولعل هديًا واحدًا يساق، أفضل عند اللَّه من مائة جزور تنحر، ويقسم لحمها، وكيف يمكن أن يُشَبّه هذا بهذا، وقد سماه اللَّه من الشعائر؟
قال زيد بن أسلم: الشعائر ست: الصفا والمروة، والجمار، والمشعر الحرام، والبُدْن، وعرفة، والركن (١).
فإذا جعلت البدن من إحدى الشعائر، فكيف يُعرف قدرُها؟
وأصحاب اللغة جميعًا قالوا: الشعائر مأخوذة من الشيء الذي قد أُشْعِر ليُعْرَف، ومما يدل على ذلك: إشعار الهدي، وتقليده، فيصير ذلك علامة له، إذا كانت الشعائر سوى البدن مواضع معروفة، وأوقات معلومة، فهذا علامة لها، والهدي إنما يصير هديًا بعد الإيجاب، فجعلت له علامة.
وكان الإشعار والشعائر مشتقًا بعضها من بعض واللَّه أعلم، فلما سُمِّيت البدن في كتاب اللَّه من الشعائر، وجعل فيها الإشعار، فكيف يفعل الإنسان بنصيبه من الجزور إذا كانت بينه وبين آخر، فكيف يُشعِرها؟
وقد يمكن أن يكون شريكُه كافرًا لا يريد أن ينحر الجزور إن تابعه الشريك على النحر، وإنما يصير حامل نصيب المهدي لحمًا يقسمه ويأكل منه، لأنه هو الذي يمكن أن يُقسم بينه وبين شريكه، ويبطل المعنى الذي وصفه اللَّه ﵎ فيها بأنه من الشعائر، وبأنهم يذكرون اسم اللَّه عليها صواف، لأن الذكر الذي يُذكر عليها لا ينقسم كما ينقسم اللحم، ويبطل المعنى في المهدي،
стр. 171
وتصير البُدْن التي وصفها اللَّه تعالى بما وصفها له، تنحر بأمر مسلم وكافر لا يُخلِص للَّه في نحرها.
وقد قال بجواز ذلك بعض المتكلفين للعلم، من القرون المذمومة (١).
وقد روى أبو حمزة، عن ابن عباس: "شركة في دم"، وهو شيخ، وخالفه أبو أيوب، عن محمد، عن ابن عباس، وثقاتُ أصحاب ابن عباس، فوهَى ما رواه، والمعتمَد في العلم على الثقات المعروفين بالضبط.
[عَوْدٌ إلى جنس الهدي]
وقد كان مالك ﵁ يستحب أن يكون الهدي جزورًا، أو بقرة، ويرى أن الشاة تجزئ، ويحتج بقول اللَّه : ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] (٢).
وقد روى الكوفيون بأجود أسانيدهم، عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كأني أنظر إليَّ أَفْتِل قلائد هدي رسول اللَّه ﷺ من الغنم" (٣). فإنه خطأ ذكْرُ الغنم منه، لأن أهل المدينة رَوَوْهُ بالإسناد الجيد من أسانيدهم، ولم يذكروا فيه هذه الكلمة (٤)، وما سمعنا في حديث، ولا سِيرة، ولا في خبر أن الغنم سيقت في
стр. 172
الهدي من المدينة، في زمن رسول اللَّه ﷺ ولا بعده، وهذا لو كان، لكان أمرًا مشهودًا، لبعده من قلوب الناس، ولولا أن ثقات الكوفيين يدلسون، فيمسكون عن ذكر من لو ذكر في الخبر لبطل، لكان هذا الحديث في القلب منه شك، ولكن لا شك في بطلانه.
قال عبد الرحمن بن مهدي مثله من أجل التدليس: لا تشاء أن ترى في حديث أهل الكوفة جيد الإسناد لا أصل له إلا وجدته.
٢٣ - نا الفريابي (١)، قال: نا نصر بن علي، قال: نا الأصمعي، قال: قال سفيان بن عيينة: إذا أردت ما لا يُعرَف حقه من باطله، فعليك بأهل العراق.
وقال ابن المبارك: أفسد التدليس حديث أهل الكوفة.
قال القاضي: ومما يذهب على مخالفنا ممن يجيز الشرك في الدم، وخفي عليه وضل عن علمه، قول النبي ﷺ وقد سئل: ما أفضل الحج؟ فقال: "العَجُّ، والثَّجُّ" (٢)، والعجُّ: التلبية إجابةً للَّه إلى ما دعا إليه، والثجُّ: إراقةُ الدماء. وفي هذا دليل واضح أن المتقرَّبَ إلى اللَّه به: إراقة الدماء لا اللحم الذي يُقسم، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 173
١٩٦ - قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾
[صيام المتمتع الذي لم يجد الهدي]
أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأُدْفُوي، قال: أنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القُشَيْري القاضي، في منزله بمصرَ قراءة عليه وأنا أسمع، قيل له: قلتَ رضي اللَّه عنك:
قال جماعة من المفسرين ومن الفقهاء الذين تكلموا في هذه الآية: الثلاث آخرها يوم عرفة.
وأجاز بعضهم تفرقتها في شوال، وذي القعدة، وذي الحجة (١).
وقال بعضهم: فإن تأخر عن ذلك أَهْراقَ دمًا، قالوا: إن شاء فرقها في هذه الشهور (٢).
وقال بعضهم: لا تجوز إلا متتابعة، وروي نحو ذلك عن عمر، وعلي.
وروي عن عائشة، وابن عمر، وجماعة من التابعين، أن المستمتع إذا لم يجد الهدي، ولم يصم حتى مضى العشر، أنه يصوم أيام التشريق (٣).
стр. 174
واختلفوا أيضًا في السبعة، فقال بعضهم: يصومها بمكة.
وقال آخرون: يصومها في بلده (١).
قال القاضي في ذلك: فوجدنا قول من يقول: يصوم في العشر، ومن أباحه في شوال وذي القعدة، يدور في ذلك على أن يقع الصوم بعد أن يهل بالحج، لأن اللَّه قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾، فإذا اعتمر في أشهر الحج، فليس يتمتع حتى يُهِلّ بالحج، لأنه قد يعتمر في أشهر الحج ثم لا يحج، فإن أهَلَّ بالحج صار حينئذ متمتعا، وجاء موضع الهدي أو الصيام إن لم يجد هديًا، ولا يبالي حينئذ أن يقع صومه في ذي الحجة، أو في ذي القعدة، أو في شوال، لأنه قد أهلَّ بالحج بعد أن اعتمر في أشهر الحج، فوضَع صومَه في الحج إذ قد كان أحرم به.
فإن لم يصم حتى يمضيَ يوم عرفة، فقد ذكرنا ما روي عن عائشة (٢)، وابن عمر (٣)، وبعض التابعين، أنه يصوم التشريق (٤)، وهو قول مالك (٥).
وإنما أرخص هؤلاء في صيام أيام التشريق، لأنها بقية من الحج، فلما لم يجد الهدي، وكانت من أيام الحج، أمرناه بصومها.
стр. 175
وقد روي عن النبي ﷺ الإرخاص في صومها من طريق ابن عمر، ولعله قالها اتباعًا.
٢٤ - نا أبو الضحاك ابن أبي عاصم، وأحمد بن عبيد اللَّه الجُبَيري، قالا: أخبرنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، قال: نا يحيى بن سلَّام، عن شعبة، عن أبي ليلى، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن النبي ﷺ أرخص لمن لم يجد الهدي، ولم يصم في العشر، وكان متمتعًا، أن يصوم أيام التشريق (١).
والقرآن مؤيِّد لهذا الخبر، لأن اللَّه قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾، وهذه أيام من أيام الحج.
فإن قال قائل: إن النبي ﷺ نهى عن صيامها، وقال: "هي أيام أكل وشرب وذكر للَّه" (٢)، فهذا -واللَّه أعلم- أريد به من لم يجب للَّه عليه صيامٌ، فليس له صومها، وإذا كان من رجب عليه الصوم، رجب عليه صيامها، كما جاء أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح (٣)، وقد قال النبي ﷺ : "من نسي صلاة، فليصلها إذا ذكرها" (٤)، فأنزل الأول في المتطوعين، ولم
стр. 176
يمنع المفترضين من الصلاة في ذلك الوقت، ولا من دخل المسجد وقد صلى في رَحْلِه، أن يُعيد.
كذلك مُنِعَ من الصيام المتطوعُ في أيام التشريق، وجاز للمفترَض عليه الصيامُ في الحج صومُها، فإن أخَّر إنسان صلاةً ذكرها بعد العصر، فقد أخطأ، وصارت عليه في وقت ثان، كما أنه إن أخَّر هذا الصومَ في أيام التشريق كان له قضاؤها، ثم السبعة.
وعلى أن النبي ﷺ لم يُحرِّم صيام أيام التشريق، وإنما حَرَّم يومين: الفطر، والأضحى، وقال في أيام التشريق: "أيام أكل وشرب"، ويقال: "وذكر للَّه"، فخصها بالترفيه، وقد ذكرنا من قال ذلك، ومن قال ينتقل إلى الدم.
وقد قال مالك ﵁: إنه يصوم، ولو كان الصوم إذا فات في الحج لم يجز أن يقضى، كان موضعه قد فات، لقد كان الهدي أيضًا لا يجوز أن يُقضى، لأن موضعه قد فات، إذ كل واحد من الهدي والصوم إنما أمر به في الحج.
والوجه عندنا -واللَّه أعلم- أن يعمل فيما يقضى من ذلك بعد وقته ما كان يفعل في وقته.
فلو أن مُظاهِرًا غَشِيَ قبل أن يُكَفِّرَ، وعتقُ الرقبة ممكنٌ، فذهب ماله، لوجب عليه ما كان رجب في الأصل، عتق رقبةٍ وإلا صام، فإن لم يقدر أطعم، يفعل في ذلك بعد الغَشَيان ما كان يفعل قبله. ونظائر هذا كثير.
فإن قيل: فلِمَ جوَّز ثَمَّ للذي يقضي شهر رمضان أن يقضيه متفرقًا، وقد كان في الأصل متتابعًا؟
قلنا: الذي يختار في كل الصيام أن يكون متتابعًا، فإن قُضِيَ متفرقًا دون ما شرط اللَّه فيه التتابع جاز، لأنه قد أتى في القضاء من العدد مثل ما كان عليه في الأصل، وإنما وجبت المواصلة في رمضان لأنه مُفترَض بعينه، فلما زالت
стр. 177
العين رجب العدد، لأن اللَّه قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فقام العدد في كل يوم من القضاء مقام كل يوم من الشهر، ألا ترى أن رجلًا لو أسلم في بعض رمضان، لوجب عليه عندنا صيام ما بقي فيه دون ما مضى، ولو أفطر إنسان متعمدًا يومًا، لما أفسد ذلك عليه غير يومه.
وليس مجرى الشهرين المتتابعين هذا المجرى، لأن الشهرين لم يكونا في الأصل بأعيانهما، وإنما نعني بالتتابع، فصار بعضه مضمنًا (١) ببعض، فإن تعمد إنسان إفساد يوم من الشهرين فسد عليه ما مضى منهما، وفي جميع ما وصفنا دليل على ما ذكرناه من أمر الهدي والصوم في التمتع.
فأما التفريق بين الثلاثة والسبعة، فإنه إن تابَع كان أحب إلينا، وإن فَرَّق أجزأه، لأنه لم يشترط علينا فيه التتابع.
فأما الذي يصوم في تمتعه، ثم يُوسِر قبل أن يفرغ من صيامه، فقد روي في ذلك اختلاف عن التابعين، والنظر يدل على ما قلناه من أنه يمضي على صومه، لأن المتمتع إذا لم يجد الهدي، والمُظاهِر إذا لم يجد الرقبة، والمتيمم إذا لم يجد الماء، والمطلَّقة التي لم تَحِض ثم حاضت، لكل صنف مما وصفنا وجه.
فأما المتمتع، والمُظاهر، والقاتل، فقد جُعل عليهم الصيام عند العدم، وإذا دخلوا في الصيام فقد دخل بأمر اللَّه، ومضى بعض عمله فلا ينتقض ذلك، وكذلك دخل في الصلاة بأمر اللَّه، وزال فرض الوضوء عنه لهذه الصلاة، فلا تنتقض صلاته برؤية الماء.
وأما المُعتدَّة فإنها أُمرت بشيء ليس الأمر فيه إليها، فظاهر الأمر أنها أُمرت أن تنتظر أن تمضي الشهور، أو تمضي الأقراء، فكانت العِدَّة أحد هذين الأمرين، وكأنه لا تعلمه إلا بانقضائه، إذ كان غيبًا من غيب اللَّه ، لا
стр. 178
فعل لمخلوق فيه، لأن المرأة لا تعلم (١) حقيقة عِدَّتها، إذ لا تدري هل تحيض قبل مضي الشهر أم لا؟ وكذلك التي تحيض، لا تدري هل يدوم حيضها أم ينقطع، فينتقل إلى الشهور، فتصير يائسة، وإنما تدري ما عدتها عند تقَضّيها، فالمطلقة للعدة هي في عدة منذ يوم طُلِّقت، لأن أيام طُهرها -قصُرت أم طالت- قرَّبتها من الحيض إن حاضت، وهو قرء من الأقراء، فالطُّهر يؤدي إلى الحيض، والحيض يؤدي إلى الطهر، والصيام والعتق في الكفارة ليس يؤدي أحدهما إلى صاحبه، ولم يكن المكفِّر منذ يوم وجبت عليه الكفارة مكفِّرًا، كما كانت المرأة منذ يوم طُلِّقت معتدة، لأن المكفِّر إنما أُمِر أن يستأنف فعلًا يفعله، إما عتقًا، وإما صيامًا، فكل واحد منهما مُبايِن للآخر.
فإن اختار الصائم في أوَّل صيامه العتق، بعد أن قدر عليه، فقد رأى ذلك مالك، وإنما هو أبطل فعلًا فعله، ثم استأنف فعلًا آخر خَفَّف به عن نفسه.
والمتيمم إذا وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، فإن الوضوء واجب عليه، لأن التيمم وقع في غير موضعه، إذ كان إنما أبيح له التيمم للدخول في الصلاة موصولًا بها، فإذا وجد الماء قبل الدخول فهو وقت للصلاة ووقت للوضوء، لأن التيمم لا يقصد به الإنسان نفسه، إنما يقصد به الإنسان الصلاة، فإذا دخل فيها لم تنتقض عليه صلاته إلا بحدث يُفسد الصلاة من غير طريق التيمم.
وليس التيمم بإزاء الصيام للكفارة، لأن التيمم لا يزيل الحدث، وإنما أمر به للدخول في الصلاة، فإذا وصلت بالدخول فقد فعل ما أمره اللَّه به، وزال ذلك الفرض إلى فرض الصلاة، وإنما بإزاء الدخول في صيام الكفارةِ، الدخولُ في الصلاة بعد التيمم.
стр. 179
وأما المرأة إذا طلقها زوجها طلاقًا يملك فيه رجعتها، ثم يموت عنها، فإن عِدَّتها تنتقل، لأن حكمها حكم المرأة التي لم تطلق في الأمور التي تَحْدُث مادامت في عدتها، من ملاعنة، أو ميراث، أو نفقة، من أجل أن زوجها يملك رجعتها، فلذلك ما جُعِلَت أحكامُها أحكامَ الزوجات.
فأما الأَمَة إذا أعتقت بعد أن طلقها زوجها، فإن العدة لا تنتقل، لأن العِدَّة وجبت يوم وقع الطلاق، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 180
١٩٦ - قال اللَّه : ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾
قال القاضي: قال ابن عمر: إذا رجعت إلى أهلك (١).
وقال بعضهم -أعني التابعين-: إن شاء صام في الطريق، وإن شاء صام إذا رجع إلى أهله (٢).
وقال عطاء: إذا رجع من منى.
وكل ذلك جائز، إن صام عند رجوعه من منى أجزأه، وإن صام في طريقه أجزأه، وإن أخَّره إلى بلده أجزأه.
١٩٦ - وقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، ومعنى كاملة: أحد وجهين، إما كاملة من الهدي كافية عنه، وإما مجزئة عنه لا شيء عليه بعدها، ألا ترى أنه يقال في العدد، فذلك ليعلم به انقطاع العدد.
وقوله -واللَّه أعلم-: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]، على نحو المعنى في قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ في كمال العدد.
* * *