يمنع المفترضين من الصلاة في ذلك الوقت، ولا من دخل المسجد وقد صلى في رَحْلِه، أن يُعيد.
كذلك مُنِعَ من الصيام المتطوعُ في أيام التشريق، وجاز للمفترَض عليه الصيامُ في الحج صومُها، فإن أخَّر إنسان صلاةً ذكرها بعد العصر، فقد أخطأ، وصارت عليه في وقت ثان، كما أنه إن أخَّر هذا الصومَ في أيام التشريق كان له قضاؤها، ثم السبعة.
وعلى أن النبي ﷺ لم يُحرِّم صيام أيام التشريق، وإنما حَرَّم يومين: الفطر، والأضحى، وقال في أيام التشريق: "أيام أكل وشرب"، ويقال: "وذكر للَّه"، فخصها بالترفيه، وقد ذكرنا من قال ذلك، ومن قال ينتقل إلى الدم.
وقد قال مالك ﵁: إنه يصوم، ولو كان الصوم إذا فات في الحج لم يجز أن يقضى، كان موضعه قد فات، لقد كان الهدي أيضًا لا يجوز أن يُقضى، لأن موضعه قد فات، إذ كل واحد من الهدي والصوم إنما أمر به في الحج.
والوجه عندنا -واللَّه أعلم- أن يعمل فيما يقضى من ذلك بعد وقته ما كان يفعل في وقته.
فلو أن مُظاهِرًا غَشِيَ قبل أن يُكَفِّرَ، وعتقُ الرقبة ممكنٌ، فذهب ماله، لوجب عليه ما كان رجب في الأصل، عتق رقبةٍ وإلا صام، فإن لم يقدر أطعم، يفعل في ذلك بعد الغَشَيان ما كان يفعل قبله. ونظائر هذا كثير.
فإن قيل: فلِمَ جوَّز ثَمَّ للذي يقضي شهر رمضان أن يقضيه متفرقًا، وقد كان في الأصل متتابعًا؟
قلنا: الذي يختار في كل الصيام أن يكون متتابعًا، فإن قُضِيَ متفرقًا دون ما شرط اللَّه فيه التتابع جاز، لأنه قد أتى في القضاء من العدد مثل ما كان عليه في الأصل، وإنما وجبت المواصلة في رمضان لأنه مُفترَض بعينه، فلما زالت
стр. 177
العين رجب العدد، لأن اللَّه قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فقام العدد في كل يوم من القضاء مقام كل يوم من الشهر، ألا ترى أن رجلًا لو أسلم في بعض رمضان، لوجب عليه عندنا صيام ما بقي فيه دون ما مضى، ولو أفطر إنسان متعمدًا يومًا، لما أفسد ذلك عليه غير يومه.
وليس مجرى الشهرين المتتابعين هذا المجرى، لأن الشهرين لم يكونا في الأصل بأعيانهما، وإنما نعني بالتتابع، فصار بعضه مضمنًا (١) ببعض، فإن تعمد إنسان إفساد يوم من الشهرين فسد عليه ما مضى منهما، وفي جميع ما وصفنا دليل على ما ذكرناه من أمر الهدي والصوم في التمتع.
فأما التفريق بين الثلاثة والسبعة، فإنه إن تابَع كان أحب إلينا، وإن فَرَّق أجزأه، لأنه لم يشترط علينا فيه التتابع.
فأما الذي يصوم في تمتعه، ثم يُوسِر قبل أن يفرغ من صيامه، فقد روي في ذلك اختلاف عن التابعين، والنظر يدل على ما قلناه من أنه يمضي على صومه، لأن المتمتع إذا لم يجد الهدي، والمُظاهِر إذا لم يجد الرقبة، والمتيمم إذا لم يجد الماء، والمطلَّقة التي لم تَحِض ثم حاضت، لكل صنف مما وصفنا وجه.
فأما المتمتع، والمُظاهر، والقاتل، فقد جُعل عليهم الصيام عند العدم، وإذا دخلوا في الصيام فقد دخل بأمر اللَّه، ومضى بعض عمله فلا ينتقض ذلك، وكذلك دخل في الصلاة بأمر اللَّه، وزال فرض الوضوء عنه لهذه الصلاة، فلا تنتقض صلاته برؤية الماء.
وأما المُعتدَّة فإنها أُمرت بشيء ليس الأمر فيه إليها، فظاهر الأمر أنها أُمرت أن تنتظر أن تمضي الشهور، أو تمضي الأقراء، فكانت العِدَّة أحد هذين الأمرين، وكأنه لا تعلمه إلا بانقضائه، إذ كان غيبًا من غيب اللَّه ، لا
стр. 178
فعل لمخلوق فيه، لأن المرأة لا تعلم (١) حقيقة عِدَّتها، إذ لا تدري هل تحيض قبل مضي الشهر أم لا؟ وكذلك التي تحيض، لا تدري هل يدوم حيضها أم ينقطع، فينتقل إلى الشهور، فتصير يائسة، وإنما تدري ما عدتها عند تقَضّيها، فالمطلقة للعدة هي في عدة منذ يوم طُلِّقت، لأن أيام طُهرها -قصُرت أم طالت- قرَّبتها من الحيض إن حاضت، وهو قرء من الأقراء، فالطُّهر يؤدي إلى الحيض، والحيض يؤدي إلى الطهر، والصيام والعتق في الكفارة ليس يؤدي أحدهما إلى صاحبه، ولم يكن المكفِّر منذ يوم وجبت عليه الكفارة مكفِّرًا، كما كانت المرأة منذ يوم طُلِّقت معتدة، لأن المكفِّر إنما أُمِر أن يستأنف فعلًا يفعله، إما عتقًا، وإما صيامًا، فكل واحد منهما مُبايِن للآخر.
فإن اختار الصائم في أوَّل صيامه العتق، بعد أن قدر عليه، فقد رأى ذلك مالك، وإنما هو أبطل فعلًا فعله، ثم استأنف فعلًا آخر خَفَّف به عن نفسه.
والمتيمم إذا وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، فإن الوضوء واجب عليه، لأن التيمم وقع في غير موضعه، إذ كان إنما أبيح له التيمم للدخول في الصلاة موصولًا بها، فإذا وجد الماء قبل الدخول فهو وقت للصلاة ووقت للوضوء، لأن التيمم لا يقصد به الإنسان نفسه، إنما يقصد به الإنسان الصلاة، فإذا دخل فيها لم تنتقض عليه صلاته إلا بحدث يُفسد الصلاة من غير طريق التيمم.
وليس التيمم بإزاء الصيام للكفارة، لأن التيمم لا يزيل الحدث، وإنما أمر به للدخول في الصلاة، فإذا وصلت بالدخول فقد فعل ما أمره اللَّه به، وزال ذلك الفرض إلى فرض الصلاة، وإنما بإزاء الدخول في صيام الكفارةِ، الدخولُ في الصلاة بعد التيمم.
стр. 179
وأما المرأة إذا طلقها زوجها طلاقًا يملك فيه رجعتها، ثم يموت عنها، فإن عِدَّتها تنتقل، لأن حكمها حكم المرأة التي لم تطلق في الأمور التي تَحْدُث مادامت في عدتها، من ملاعنة، أو ميراث، أو نفقة، من أجل أن زوجها يملك رجعتها، فلذلك ما جُعِلَت أحكامُها أحكامَ الزوجات.
فأما الأَمَة إذا أعتقت بعد أن طلقها زوجها، فإن العدة لا تنتقل، لأن العِدَّة وجبت يوم وقع الطلاق، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 180
١٩٦ - قال اللَّه : ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾
قال القاضي: قال ابن عمر: إذا رجعت إلى أهلك (١).
وقال بعضهم -أعني التابعين-: إن شاء صام في الطريق، وإن شاء صام إذا رجع إلى أهله (٢).
وقال عطاء: إذا رجع من منى.
وكل ذلك جائز، إن صام عند رجوعه من منى أجزأه، وإن صام في طريقه أجزأه، وإن أخَّره إلى بلده أجزأه.
١٩٦ - وقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، ومعنى كاملة: أحد وجهين، إما كاملة من الهدي كافية عنه، وإما مجزئة عنه لا شيء عليه بعدها، ألا ترى أنه يقال في العدد، فذلك ليعلم به انقطاع العدد.
وقوله -واللَّه أعلم-: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]، على نحو المعنى في قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ في كمال العدد.
* * *
стр. 181
١٩٦ - قال اللَّه : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
[المُتمتع]
اختلف الناس في هذه الآية، فقال بعضهم: أهل مكة (١).
وقال آخرون: من كان من أهل دون المواقيت (٢).
فأما داخلٌ دخلَ مكة بحج أو عمرة أو لحاجة، وهو لا يريد إيطانها، ولا أن يتخذها منزلًا، فلا نعلم أحدًا منهم قال ذلك فيه.
والمعنى الظاهر واللَّه أعلم أي: من لم يكن من أهل ذلك الموضع، ولوا أن مكيًّا خرج لحاجته ثم رجع في أشهر الحج، فاعتمر ثم حج، لما كان عليه هدي، لأنه من أهل مكة (٣)، وكذلك من لم يكن من أهل مكة، ثم دخل مكة لحاجة، لم يكن من أهلها، وكان عليه الهدي، وذلك قول مالك ﵁.
وقال أيضًا في الذي يأتي مكة يريد الإقامة بها وعدَّها منزلًا ثم يتمتع: فلا هدي عليه، وهو كأهل مكة بالنية.
стр. 182
فإن دخلها معتمرًا في أشهر الحج يريد الإقامة بها، ثم حج، فهو متمتع، وليس بمنزلة أهل مكة في هذا الموضع، لأنه حين دخل مكة، ونوى الإقامة بمكة، لم يسقط عنه الهدي لأنه نوى، وإنما يسقط الهدي إذا نوى وفعل (١).
ومذهب مالك في هذه الآية، أنهم أهل مكة وما اتصل بها من البيوت مثل: ذي طَوى (٢) وما أشبهها، وهؤلاء حاضروا المسجد الحرام، لأنهم أهل القرية التي فيها المسجد الحرام، وليس كل أهل الحرم كذلك، لأن أهل منًى ليسوا أهلَ مكة، كما أن أهل مكةَ ليسوا أهل منى، ومنى من الحرم (٣).
ولو أن رجلًا من أهل مكة ثَمَّ خرج مسافرًا، لما جاز له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من بيوت مكة وما اتصل بها، فهو حاضرٌ وليس بمسافر، فإذا خرج عن البيوت صار مسافرًا، ولو كان حكم الحرم كله كحكم أهل مكة في أنهم حاضروا المسجد الحرام، لما جاز له أن يُقَصِّرَ حتى يخرج عن الحرم.
وأما قول من قال: فمن كان أهله دون المواقيت، فإن المواقيت لم تجعل للناس، لأنها حاضرة المسجد الحرام، ألا ترى أن بعض المواقيت بينها وبين مكة مسيرة ثماني ليال، ومنها ليلتين، أفيكون من كان دون ذي الحليفة من حاضري المسجد، ومن كان منزله من وراء قَرَن، مما يلي نجدًا (٤) من حاضري المسجد الحرام؟ وإنما الحاضر للشيء من هو معه.
ولم يوقت المواقيت ليكون إحرام الناس من المسجد الحرام، وإنما هو رخصة من اللَّه، ورحمة لخلقه إذا استجابوا لما دُعوا له، وكان عليهم أن يقولوا:
стр. 183
لبيك من منازلهم، فوقعت الإباحة لمن دُعِيَ (١) فقال: لبَّيك، وخرج، أن يأتي حلالًا في رخصة اللَّه إلى أن يبلغ ميقاته، إذ كان عليه أن يحرم من الموضع الذي خرج منه، مستجيبًا (٢) للأذان والدعوة بقول: لبَّيك، فلما كان الأصل هذا، أَوْسَعَ عليهم، ووَقَّتَ لهم المواقيت على لسان نبيه محمد ﷺ ، وبعضها أبعد من بعض، وليس هذا من باب التمتع في شيء.
وكان على كل من رجب عليه الحج أن يلبي من بلده ويَحسِب، فيكون إحرام بعضهم السَّنة، والعشرة أشهر، وما أشبه ذلك، فخَفَّف عنهم بقوله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] كما خفف في المواقيت، وكذلك من أحرم قبل الشهور لزمه، ومن أحرم قبل المواقيت لزمه، لتركه الترخيص من اللَّه جل ثناؤه، وعَمِلَه بالشديد، واللَّه أعلم.
ومما يدل أيضًا على أن حاضري المسجد الحرام أهلُ مكة، ما جاء من الأحاديث أن العمرة واجبة بالسّنَّة على الناس كلِّهم، إذ كانوا لا هدي عليهم، ولم يجروا مجرى غيرهم من المتمتعين، فكذلك لم تجب عليهم العمرة، لأنهم يطوفون في كل وقت.
قال عطاء وطاوس: ليس على أهل مكة عمرة (٣).
وقال ابن عباس ﵁ مثل ذلك.
وقال ابن عمر ﵁ مثله، وزاد: إنما هم في عمرة كل يوم.
فإن قال قائل: فإن الحرم كله مسجد، فليس كما قال، لأن اللَّه ﵎ قد ذكر المسجد الحرام في غير موضع فقال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ
стр. 184
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ١٩]، وقال : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقال ﵎: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥]، فكل هذا يدل على أنه المسجد الحرام بعينه، وإنما صدُّ المشركون النبي ﷺ عن المسجد والبيت، فأما الحرم، فقد كان النبي ﷺ غير ممنوع منه، لأن الحديبية تلي الحرم، وهي من الحِل، فحاضروا المسجد الحرام الذين هم دهرُهم في متعة، هم الذين عليهم الجمعة، وهي مكة وما اتصل بها من البيوت، ومن يبلُغُه النداء، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 185
١٩٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾
[أشهر الحج]
قال ابن عباس، وابن مسعود، وجماعة من التابعين: شوال، وذو القعدة، وعشرة من ذي الحجة (١).
وقال ابن عمر، وعمرو بن العاصي، وجماعة من التابعين: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة (٢).
والفصل بين أشهر الحج وغيرها، أن من اعتمر من غير أهل مكة في أشهر الحج، ثم أقام بمكة حتى يحج في تلك السنة فهو متمتع، وعليه ما على المتمتع، فإن اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى يحج فليس بمتمتع، لأنه أتى بالعمرة في موضعها الذي هو الأصل لها، وإذا أتى بها في أشهر الحج، فقد أتى بها في غير أشهرها، في الأشهر التي جُعِلت لغيرها، وقد رخص في ذلك،
стр. 186
وجعل فيه الهدي أو الصيام، وأرخص للقارن أيضًا، وإنما كان الأصل أن لا تكون العمرة في أشهر الحج، وأن يكون الحج لا عمرة معه، فأرخص لهم على أن عليهم الهدي.
[الإحرام قبل أشهر الحج وقبل الميقات]
وفي أشهر الحج أيضًا معنى آخر: أنه لا ينبغي لأحد على الاختيار أن يُحرِم بالحج قبل أشهر الحج، فإن فعل لزمه، إذ شدد على نفسه وترك الرخصة، لأنه أُرخص له وخُفف عنه كما خفف بالميقات، فإن أحرم قبله لزمه ذلك، وإنما لزمه الإحرام في الحالين جميعًا لأنه أوجب على نفسه عملًا يعمله في وقت بعينه، وهو الوقوف بعرفة، والذي به يدرك الإنسانُ الحجَّ، فليس يَنْفَكُّ من ذلك حتى يأتي بما ألزمه نفسه من طاعة اللَّه ، إذ لا فرق بين الشهور وتقدمها وبين الميقات وتقدمه، لأنه كان في الأصل على الناس جميعًا حين قيل: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، أن تكون الإجابة والتلبية من أوطانهم، ومنهم من يكون سفره نحو السَّنة وأقل من ذلك وأكثر، فخفف عنهم بالشهور وبالميقات، فإذا أحرم قبل الميقات لزمه، كذلك إذا أحرم قبل الشهور.
وليس يشبه هذا الصلاة، لأنه لا سبيل إلى الدخول فيها حتى تجب.
والحج هو: القصد، ووجوبه من الأوطان على كل إنسان على قدر مسافته، وإنما يسر عليه وخفف عنه، فإن قبِل ذلك واختاره، وإلا كان على الأصل الذي كان الإيجاب به، إذ كان اللَّه أوجب الحج، والحج: القصد، فليس يشبه الصلاةَ التي أعمالها متصلة بها، والحج أعماله متباعد بعضها من بعض، فهو يخرج في أول شوال، ثم لا عمل له إلى يوم عرفة إن شاء، وأعماله كلها بعد عرفة إلا السعي، فإنه إن قدمه في إثر الطواف أجزأه.
стр. 187
والحج أيضًا مُبايِن للصلاة في أشياء كثيرة، فليس تجوز الصلاة إلا بحضرة النية، ولو نوى إنسان بعرفة الحج ووقف لأجزأه ذلك من غير أن يلزمه نفسه قولًا، وقد يُشْعِر هديَه يريد به إيجاب الحج، فيجزئه ذلك من الفرض وإن كان قد نقص حظه بترك التلبية، والحج مجزئ عنه، ولو أن رجلًا ركع للصلاة يريد بركوعه إيجاب الصلاة، ولم يلفظ بالتكبير لما أجزأه.
وقد ألزم نفسَه الحجَّ جماعةٌ من أصحاب رسول اللَّه ﷺ قبل الميقات وقبل الشهور فلزمهم ذلك، منهم عمران بن الحصين، فكره له عمر ذلك (١)، ولزمه الإحرام. وأحرم عبد اللَّه بن عامر (٢) فكره ذلك عثمان (٣)، ولزمه ذلك، وكان ابن أبي نُعْم (٤) يُحرم من السَّنة إلى السَّنة، وإنما كُره ذلك لأن لا يُحْرِج الإنسانَ إحرامُه، ويطول عليه فيفسده.
стр. 188
ولما وقَّت النبي ﷺ المواقيت قال: "يستمتع المرء بأهله وثيابه" (١)، فعُلم أن ذلك للرفق بهم.
وقال ﵎: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فبقوله فمن يوجب فرضًا في غيرهن؟ والفرض: التلبية، وهو الإهلال بالحج، لم يختلف الصحابة والتابعون في ذلك، ويستحب أن يكون فرض الحج في الشهور، فمن قدَّمه لزمه ما ألزم نفسَه، وفرضُ الحج إيجابُه، فمن أوجب على نفسه شيئًا فقد فرضه، واسم الفرائض مشتق من ذلك.
[بم ينعقد الإحرام ؟ ]
إلا أنا نستحب له أن يكون الإيجاب بالتلبية على ما مضى عليه العمل، على أن جماعة من العلماء قالوا: إذا أَشعر، وقلَّد هديه، يريد الإحرام فقد أحرم، وهو مذهب مالك ﵁، ولا أعلم أحدًا من أهل العلم يخالف في ذلك.
وإنما اختلفوا إذا أشعر هديه وهو لا يريد الإحرام، فالذي يذهب إليه مالك ما جاء عن النبي ﷺ أنه وجَّه بهديه ثم لم يمسك عن شيء مما يمسك عنه المحرم (٢)، والذي لم يمسك عنه: النساء، والطِّيب، وما أشبهه، وقد روت أم سلمة أنه أمسك عن أخذ الشعر وما أشبهه (٣).
стр. 189
قال عمر، وابن عباس ﵄: إذا قلد الهدي فقد لزمه الإحرام (١).
وقال مثل قولهما قيس بن سعد (٢)، ومن شاء اللَّه من التابعين (٣)، وكلٌّ يقول: لزمه الإحرام، وما انتهى إلينا أن أحدًا من الصحابة والتابعين قال غير ذلك.
ورأيت الشافعي قد قال في كتابه خلافًا لما قاله الصحابة والتابعون، فإن منهم من قال: شهور الحج شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، إلى انقضاء أيام الحج.
ومنهم من قال: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، فقال هو شوال، وذو القعدة، وتسع من ذي الحجة (٤)، وتسع تقع على الليالي دون الأيام، فأخرج يومَ عرفة، وليلةَ النحر من الحج، وهو معظم الحج، قال النبي
стр. 190
- ﷺ : "الحج عرفة" (١)، يريد أن الوقوف بعرفة لا بمزدلفة، يقول هذا ويُتبِعه بأن يقول: من أحرم قبل الشهور لم يلزمه، واللَّه المستعان.
* * *
стр. 191
١٩٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾
قال ابن عمر، وابن عباس، وخلق من التابعين: الرَّفَثُ: الجِماع (١).
واختلفوا في الفُسوق، فقال بعضهم: المعاصي (٢).
وقال بعضهم: السِّباب (٣).
وقال بعضهم: الجِدال: أن تُماري صاحبك (٤).
стр. 192
وقال بعضهم الرَّفث: الجماع، والفسوق: السِّباب والمعاصي، والجدال: أن يقول قائل: إن الحج في غير ذي الحجة، قد استقر الأمر على أن الحج في ذي الحجة، فلا جدال فيه (١)، لقول رسول اللَّه ﷺ وقد وقف بعرفة: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض، فلا حج إلا في ذي الحجة" (٢).
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن مجرى الجدال مجرى الرَّفَث والفسوق، وإلى أن النهي قد وقع على ذلك كلِّه، فكأنه قد قيل: لا ترفُثوا، ولا تفسُقوا، ولا تجادلوا.
وذهب بعضهم إلى أن النهي وقع على الرَّفَث والفسوق خاصة، وأخبروا أن الحج لا جدال فيه، فكأنه قد قيل لهم: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ثم اعلموا أن الحج لا جدال فيه، وأن ذلك قد انقطع، لأن بعضهم كان يقف بعرفات، وبعضهم بمزدلفة، ويقول هؤلاء: نحن أصوب، ويقول هؤلاء: نحن أصوب (٣)، وكانوا يغيرون الشهور ويسمونها بغير أسمائها، فيحُجون في كل سنتين في شهر، حتى يدور الحج في أربع وعشرين سنة، وكانوا يسمونه النَّسِيء، وهو الذي قال اللَّه : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧].
وقال شاعرهم:
стр. 193
ومِنّا مُنْسِئُ الشهورِ القَلَمَّسُ (١)
فانقطع الجدال بقول رسول اللَّه ﷺ : "لا حج [إلا] (٢) في ذي الحجة"، ولم يؤمر بالحج حتى دار الزمان، ووقف بعرفة حيث كانت تقف العرب دون الخمس (٣).
وقال النبي ﷺ : "من حج فلم يرفُث ولم يفسق خرج من ذنوبه" (٤)، ولم يذكر الجدال، فدل على أنه لا رفث ولا فسوق، نُهُوا عن ذلك، ولا جدال في الحج، أي: قد انقطع الجدال، وجرى مجرى الخبر، وهذا هو الصحيح، واللَّه أعلم.
قال الشاعر:
هذا وجَدُّكمُ الصَّغار بِعَينه ... لا أُمَّ لي إن كان ذاك ولا أبُ (٥)
* * *
стр. 194
١٩٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾
قال المفسرون جميعًا ممن انتهى إلينا قوله، وهم مَن شُهر بالتفسير من التابعين: أنهم كانوا لا (١) يتزودون فأمروا بالزاد، وأُخبِروا مع ذلك أن خيرَ الزاد التقوى؟ أي: فاصْحَبوا حجكم -مع اتخاذ الزاد- التقوى، لا أعلم خلافًا في ذلك.
* * *
стр. 195
١٩٨ - قال اللَّه : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾
[التجارة في الحج]
سئل ابن عمر عن التجارة في الحج فقال: لا بأس بذلك، وتلا هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وعزاه إلى النبي ﷺ ، وأنه سئل عن ذلك فنزلت الآية (١).
وقال من فسر القرآن كلهم: لا بأس بالتجارة في الحج، وفسروا الآية بذلك عن ابن عباس وغيره (٢)، وقالوا: لأنهم كانوا يتحرَّجون من التجارة في أيام الحج، حتى نزلت الآية.
* * *
стр. 196
١٩٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾
[الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة]
قيل: إنه لم يكن نبي إلا أُمِر بالصلاة إلى البيت، فلما أُمر إبراهيم ﷺ ببناء البيت، سارت السكينة بين يديه كأنها قبة، فكانت إذا سارت سار، وإذا نزلت فنزل، فلما انتهت إلى موضع البيت استقرت عليه، وانطلق إبراهيم معه جبريل ﵉، فمر بالعقبة، فعرض له الشيطان فرماه، ثم مر بالثانية، فعرض له فرماه، ثم مر بالثالثة، فعرض له فرماه، ثم انتهى إلى عرفة، فقال له جبريل ﵇: عرفت، فلذلك سميت عرفة، ثم رجع فبنى البيت على موضع السكينة (١).
وقال عطاء، والحسن: سميت عرفات لأن جبريل كان يُري إبراهيم المناسك ويقول له: "عرفتَ"، فيقول: "قد عرفتُ"، فسميت "عرفات" (٢).
وسمي الموسم لتَوَسُّم الناس بعضهم بعضًا، وسمي التشريق لتشريق الشمس، قال الشاعر:
مَوْقوفة ينظِر التشريقَ راكبُها (٣)
стр. 197
وقال علي، وجابر، عن النبي ﷺ : "عرفة كلها موقف، وكل مزدلفة موقف، وارتفعوا عن عُرَنة (١) "، فرواه جماعة (٢).
وقال ابن عباس: من أفاض من عرفة قبل غروب الشمس فلا حج له.
وقيل في المزدلفة: كلها موقف وارتفعوا عن بطن مُحَسِّر (٣).
والمسجد الذي يصلي فيه الإمام يوم عرفة هو في بطن عُرَنَة (٤)، فإذا خرج الإنسان من البطن يريد الموقف بعرفة، فقد صار بعرفة من حين يخرج من البطن، والمزدلفة من حين يدخل الإنسان من ناحية عرفة، فيخرج من الحِلِّ ويصير إلى الحرم، ويصير بين جبلين حين يخرج من المأْزِمَين (٥)، فقد دخل في مزدلفة إلى بطن مُحَسِّر، وبطن مُحَسِّر بين مزدلفة وبين منى، إذا خرج الإنسان من منى يريد مزدلفة لقد هبط في بطن مُحَسِّر، فإذا خرج منه يريد مزدلفة فهو في مزدلفة.
стр. 198
١٩٨ - قال اللَّه : ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾
المشعر الحرام: قُزَح، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام، ومزدلفة كلها المَشعر، كذلك قال عمر بن الخطاب ﵁، وسائر من انتهى إلينا تفسيره، أن كل الذي بين الجبلين من المشعر.
وكان النبي ﷺ ، وأبو بكر، وعمر يقفون على قُزَح حِداء ثَبِير (١)، والناس بعدَهم على ذلك.
وذِكر اللَّه هناك واجب بالندب وليس بفرض، لأنه ﵇ قدم ضعفاء بني عبد المطلب بليل.
* * *
стр. 199
١٩٩ - قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾
[الموقف ومكان الإفاضة]
قال جبير بن مطعم: خرجث في نظر بعير لي بعرفة، فرأيت رسول اللَّه ﷺ واقفًا بعرفة مع الناس فقلت: واللَّه إن هذا من الحُمْس، فما شأنه واقفًا هاهنا؟ ! (١)
وقالت عائشة ﵂ وسائر من فسر ذلك: كانت قريش في الجاهلية، وأهل الحرم، ومن ولدته قريش يسمون الحُمْس، وكانوا يقفون بالمشعر الحرام وبجَمْع (٢)، وكانت سائر العرب تقف بعرفات، وإنما وقف النبي ﷺ قبل البعث بعرفة مع العرب، وترك قومه بهداية اللَّه إياه، فلم تزل قريش على ذلك إلى أن حج رسول اللَّه ﷺ حجة الوداع، وأنزل اللَّه ﵎ عليه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، فوقف بعرفة وأفاض منها، فصار الوقوف بعرفة بغير
стр. 200
جدال ولا خلاف حيث كانت العرب تقف، وهو موقف إبراهيم ﵇، فقال اللَّه : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾، يعني: من الضالين عن الوقوف بعرفة، ثم أكد ذلك فقال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، يعني: العرب، لا من حيث كانت قريش تفيض (١).
* * *
стр. 201
٢٠٠ - قال اللَّه : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾
كانت العرب إذا قضوا مناسكهم في الجاهلية، اجتمعوا بمنى بالموسم، فتذاكروا أفعال آبائهم، وأنسابهم، فتفاخروا بذلك، فقال اللَّه : ﴿فَاذْكُرُوا (١) اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾، فأمروا بذلك، والاشتغال به عن المفاخر، إذ قال ذلك مجاهد، وقتادة، وعطاء، وجماعة (٢).
* * *
стр. 202
٢٠٣ - قال اللَّه : ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾
[الأيام المعدودات والمعلومات]
اختلف ابن عمر، وابن عباس، وسائر من فسر هذه الآية فيها.
فقال ابن عمر: الأيام المعدودات: يوم النحر، ويومان بعده. وقال: المعلومات يوم النحر ويومان بعده (١).
وروى مِقْسَم، عن ابن عباس ﵁: المعلومات: يوم النحر، وثلاثة أيام التشريق (٢).
وقال علي بن أبي طالب ﵁: المعدودات: يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيها شئت، وأفضلها أولها (٣).
وكذا قال ابن عمر.
وأحسب أن الراوي غلط، أراد أن يقول: المعلومات، فقال: المعدودات، لأنهما قالا: اذبح في أيهما شئت، والذبح إنما ذكر في المعلومات، فقال ﵎: ﴿وَيَذْكُرُوا (٤) اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ
стр. 203
الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، وقال في المعدودات: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وروى مجاهد، عن ابن عباس: أن المعدودات: أيام العشر، والمعلومات: أيام النحر. وروي مثل ذلك عن جماعة من المفسرين.
فأما قولهم: المعلومات: أيام النحر، فهو موافق لظاهر كتاب اللَّه تعالى، لقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، فعُلم أنها أيام النحر، وهو موافق لقول علي وابن عمر.
وأما قولهم في المعدودات: إنها أيام العشر، فغلط من الرواة، لأن اللَّه قد وصف المعدودات بأنه يتعجَّل في يومين منها، فعُلم أنها ثلاثة أيام بعد يوم النحر، إذ كان النَّفْر الأول يقع في اليوم الثاني من هذه الثلاثة.
وهذه الأحاديث المروية عن علي، وعن ابن عباس، مما يخالف ما روي عن علي، موافق لقول ابن عمر، تدل (١) شواهدها على أن المعنى فيها ما قال ابن عمر، والصحيح الذي [لا] (٢) يشكل على ذي لب، أن المعدودات والمعلومات تجمعهما أربعة أيام، فالمعلومات منها: يوم النحر، ويومان بعده، وهذه للضحايا فقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، فكان الذبح فيها والإطعام (٣)، والمعدودات: يوم النفر، وهو ثاني العيد، ويومان بعده، فيها يقع التعجيل والتأخير، فالأضاحي في المعلومات، والهدايا فيها، لأن يوم النَّفْر الثاني تُرمى فيه الجِمار، فيجوز فيه نحر الهدي، وباللَّه التوفيق.
* * *
стр. 204
٢٠٣ - فأما قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾
فمعنى ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: أن يرجع مغفورًا له، لم يبق عليه من ذنوبه المتقدمة شيء، وهذا قول ابن عمر، وابن عباس، وغيرهما من الصحابة (١)، وقال مثل ذلك جماعة من التابعين (٢).
وقال بعض التابعين: لا إثم عليه في تعجيله (٣)، وهذا خطأ، لأنه لو كان المتعجل وُضع عنه المأثم لتعجله، لما أعيد ذكر ذلك في المتأخر، لأن المتأخر قد بلغ أيضًا ما حد له، والمعنى فيه ما قاله ابن عمر، وابن عباس: إن اتقى اللَّهَ عبدٌ في حجته فتعجل، أو تأخر، فلا إثم عليه في شيء من أعماله.
стр. 205
فقد روى منصور، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه" (١).
* * *
стр. 206
٢١٦ - قال اللَّه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾
[فرض الجهاد]
معناه واللَّه أعلم: شديد عليكم، لأن النبي ﷺ أيام مقامه بمكة قبل الهجرة، كان ينزل عليه الآيات التي فيها لين وحسن معاشرة، فلما أُذن له في الهجرة وصار إلى المدينة، أُذن له في قتال المشركين وجهادهم والغِلْظَة عليهم، لأنهم ظلموه وأخرجوه عن دياره، فقال : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحج: ٣٩ - ٤٠]، يعني: لقولهم ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾، وقال تبارك اسمه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، فنسخ الجهاد كل آية لينة.
وكان بين رسول اللَّه ﷺ وبين طوائف من العرب حين قدم المدينة هدنة وصلح، فأمره اللَّه أن يفي بعهدهم إلى مدتهم، وذلك قوله عز من قائل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠]، يقول: بعهدهم إلى
стр. 207
مدتهم، وقال: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١]، وقال: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، وقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، يقول: بسبب العهد الذي بينكم، وقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨]، يريد أقمتم، وقال: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، والخفيف: الذي ليس له عيال، والثقيل: الذي له عيال، وقال: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وهذا إذ كان الإسلام قليلًا فرض على الجميع، فلما كثر الإسلام قيل (١): ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢].
ففرض الجهاد الآن على الكافة، ينوب بعضهم عن بعض، ولا تتعطل مساجدهم، وجُمعاتهم، وصلواتهم، فكان الجهاد واجبًا على كل مسلم يطيق الجهاد، ولم يكن يجوز لأحد أن يتخلف إلا بأمر رسول اللَّه ﷺ .
وكذلك كانت الهجرة واجبة، فلما فتحت مكة سقطت الهجرة، لأن النبي ﷺ قال: "لا هجرة بعد الفتح" (٢)، وكان الناس بعد ذلك يغزون ويرجعون إلى
стр. 208
مواضعهم، فأنزل اللَّه : ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤]، فصارت الجماعة مندوبة، وينوب بعضهم عن بعض، فسقط الفرض الذي على الجملة وصار ندبًا للكافة، فإن هجم أمر يحتاج فيه إلى الجملة وجب عليهم ذلك، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 209
٢١٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾
كانوا قد نُهوا عن القتال في الشهور الحُرُم، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا (١) الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وإنما أُمِر بالقتال بعد الهجرة، وكان ينزل عليه الأمر بعد الأمر.
[سبب النزول]
وكان سببُ نزول هذه الآية: أن رجلين من بني كِلاب لقيا عمرو بن أمية الضَّمْري، فقتلهما وهو لا يعلم أنهما كانا عند رسول اللَّه ﷺ ، وذلك في أول يوم من رجب، فقالت قريش: قتلهم في الشهر الحرام، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ثم قال: ما تفعلونه من صد عن سبيل اللَّه وكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم أهله منه أكبر عند اللَّه، مخاطبة لهم بذلك وتوبيخًا.
والرجلان هما اللذان مضى رسول اللَّه ﷺ في ديتهما إلى بني النضير، قتلهما عمرو بن أمية الضمري (٢).
* * *
стр. 210
٢١٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾
الميسر: القمار، قومر فيه، فهو من الميسر، قال مالك ﵁: فقد حرمه اللَّه على عباده، وشرْحُه في سورة المائدة.
* * *
стр. 211
٢١٩ - قال اللَّه : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾
والعفو هاهنا: ما كان من صدقة عن ظهر غِنى، لأن النبي ﷺ قال: "أفضل الصدقة ما تُصُدق به عن ظهر غِنى" (١).
وقال اللَّه في موضع آخر: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، فالعرف هاهنا من محاسن الأخلاق، أي: استعمل محاسنها، وأعرض عن الجاهلين، ويجوز: خذ ما عفي لك من محاسن أخلاق الناس، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 212
٢٢٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾
[الخُلطة مع مال اليتيم]
قال مالك ﵁: كان جُلُّ طعامهم التمر، فيكون لليتيم التمر يجُذُّه من حائطه، ولوليه تمر يَجُذُّه من حائطه، فيختلط فيؤكل، فيكون اليتيم الذي يأكل منه اليسير، لضعف أكله، فلما أنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، امتنعوا من مخالطتهم حتى أنزل اللَّه: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، من يريد الارتفاق بمال اليتيم، فأباح اللَّه لهم المخالطة بصحة النية والاجتهاد.
وليس في القرآن ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ إلا ثلاثة عشر موضعًا، لقلة سؤالهم، ولنهيه إياهم عن السؤال عما لم يكن.
والمخالطة ليست الشركة، أخص الأسماء بالشركة: الشركة، وإن كان قد يجوز أن يقال للشريك: خليط.
والخُلطة التي أراد اللَّه ﵎ هاهنا: جمع الطعام، والراعي، وما أشبه هذا، وما لكل واحد معروف، كخلطة الغنم في الراعي، والدلو،
стр. 213
والمُراح (١)، وما لكل واحد معروف، وكقوله: خليط البُسْر (٢) والتمر، وهما متميزان، وكما تقول الناس: اختلط الناس، وهم متميزون، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 214
٢٢١ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾
[نكاح المشركات والكتابيات]
قال بعض من فسر هذه الآية: إنها نزلت في كل الكفار، ثم استثنى منها أهل الكتاب (١).
وقال بعضهم: نزلت في قريش والعرب وسائر عبدة الأوثان، وأفرد أهل الكتاب بإحلال نسائهم (٢).
وذلك -واللَّه أعلم- عندنا، إنما كان إكرامًا للكتاب الذي في أيديهم، وإن كانوا قد حرفوا بعضه وبدلوه، وكذلك أحل لنا ما يطعمون من ذبائحهم، ولأنهم أقروا باللَّه، وألحقوا به شيئًا لا يلحق، وعبدة الأوثان تخلوا من ذكر اللَّه وعبادته، إلا ما يدعوهم إليه اضطرار العقول بغير اعتقاد، وهذا قول مالك.
وقال: إن الجزية تُؤخذ من كل كافر، وثَني كان أو غير ذلك، لأن الجزية لم نقصد بها ما قصدنا بالنكاح والطعام، لأن هذين أُحِلّا تشريفًا لكتابهم، والجزية صَغار وذِلة، وقد يلزَمُها كل كافر، وإذا كان الصِّغار يُلزمُه أهل الكتاب، فعبدة الأوثان أولى، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "سُنّوا بهم سُنة أهل الكتاب" (٣).
стр. 215
فقال قائلون: لهم كتاب، وهذه غفلة، لو كان لهم كتاب لعرف، ولقال ﵇: لهم كتاب، فإنه عالم بالكتب، ولم يقل: "سُنّوا بهم سُنة أهل الكتاب".
ويحتمل أن يكون اللَّه لما قال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٢٩]، أن يكون هذا وصفًا (١) لكل كافر، فكنا لو تركنا وذلك أخذناها من الكفار الذين هذا وصفهم سوى أهل الكتاب، ولم نقبلها من أهل الكتاب، لأنهم يؤمنون بكتاب فيه نعت رسول اللَّه ﷺ والأمرُ باتباعه، فلا تقبل الجزية منهم ويقتلون، بينما يقتل المرتد الذي قد قامت عليه حجة القرآن ولا يقر، فبين اللَّه ﵎ أخذها من أهل الكتاب تخفيفًا عنهم في الدنيا، فيكون معناها: وأهل الكتاب أيضًا.
وقال الشافعي في كتاب الرسالة: "بُعث النبي ﷺ والناس كلهم على دينين، وهم: اليهود والنصارى، أهل كتاب، وعبدة الأوثان" (٢)، فإذا كان المجوس من عبدة الأوثان فأمرنا فيهم بشيء، فهو في كل عابد وثن، واللَّه أعلم.
ومما يدل على أن المجوس ليسوا أهل كتاب، أن النبي ﷺ بعث والحرب بين فارس والروم، والروم أهل كتاب، وفارس مجوس، فكانت كفار