٢١٩ - قال اللَّه : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾
والعفو هاهنا: ما كان من صدقة عن ظهر غِنى، لأن النبي ﷺ قال: "أفضل الصدقة ما تُصُدق به عن ظهر غِنى" (١).
وقال اللَّه في موضع آخر: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، فالعرف هاهنا من محاسن الأخلاق، أي: استعمل محاسنها، وأعرض عن الجاهلين، ويجوز: خذ ما عفي لك من محاسن أخلاق الناس، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 212
٢٢٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾
[الخُلطة مع مال اليتيم]
قال مالك ﵁: كان جُلُّ طعامهم التمر، فيكون لليتيم التمر يجُذُّه من حائطه، ولوليه تمر يَجُذُّه من حائطه، فيختلط فيؤكل، فيكون اليتيم الذي يأكل منه اليسير، لضعف أكله، فلما أنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، امتنعوا من مخالطتهم حتى أنزل اللَّه: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، من يريد الارتفاق بمال اليتيم، فأباح اللَّه لهم المخالطة بصحة النية والاجتهاد.
وليس في القرآن ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ إلا ثلاثة عشر موضعًا، لقلة سؤالهم، ولنهيه إياهم عن السؤال عما لم يكن.
والمخالطة ليست الشركة، أخص الأسماء بالشركة: الشركة، وإن كان قد يجوز أن يقال للشريك: خليط.
والخُلطة التي أراد اللَّه ﵎ هاهنا: جمع الطعام، والراعي، وما أشبه هذا، وما لكل واحد معروف، كخلطة الغنم في الراعي، والدلو،
стр. 213
والمُراح (١)، وما لكل واحد معروف، وكقوله: خليط البُسْر (٢) والتمر، وهما متميزان، وكما تقول الناس: اختلط الناس، وهم متميزون، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 214
٢٢١ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾
[نكاح المشركات والكتابيات]
قال بعض من فسر هذه الآية: إنها نزلت في كل الكفار، ثم استثنى منها أهل الكتاب (١).
وقال بعضهم: نزلت في قريش والعرب وسائر عبدة الأوثان، وأفرد أهل الكتاب بإحلال نسائهم (٢).
وذلك -واللَّه أعلم- عندنا، إنما كان إكرامًا للكتاب الذي في أيديهم، وإن كانوا قد حرفوا بعضه وبدلوه، وكذلك أحل لنا ما يطعمون من ذبائحهم، ولأنهم أقروا باللَّه، وألحقوا به شيئًا لا يلحق، وعبدة الأوثان تخلوا من ذكر اللَّه وعبادته، إلا ما يدعوهم إليه اضطرار العقول بغير اعتقاد، وهذا قول مالك.
وقال: إن الجزية تُؤخذ من كل كافر، وثَني كان أو غير ذلك، لأن الجزية لم نقصد بها ما قصدنا بالنكاح والطعام، لأن هذين أُحِلّا تشريفًا لكتابهم، والجزية صَغار وذِلة، وقد يلزَمُها كل كافر، وإذا كان الصِّغار يُلزمُه أهل الكتاب، فعبدة الأوثان أولى، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "سُنّوا بهم سُنة أهل الكتاب" (٣).
стр. 215
فقال قائلون: لهم كتاب، وهذه غفلة، لو كان لهم كتاب لعرف، ولقال ﵇: لهم كتاب، فإنه عالم بالكتب، ولم يقل: "سُنّوا بهم سُنة أهل الكتاب".
ويحتمل أن يكون اللَّه لما قال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٢٩]، أن يكون هذا وصفًا (١) لكل كافر، فكنا لو تركنا وذلك أخذناها من الكفار الذين هذا وصفهم سوى أهل الكتاب، ولم نقبلها من أهل الكتاب، لأنهم يؤمنون بكتاب فيه نعت رسول اللَّه ﷺ والأمرُ باتباعه، فلا تقبل الجزية منهم ويقتلون، بينما يقتل المرتد الذي قد قامت عليه حجة القرآن ولا يقر، فبين اللَّه ﵎ أخذها من أهل الكتاب تخفيفًا عنهم في الدنيا، فيكون معناها: وأهل الكتاب أيضًا.
وقال الشافعي في كتاب الرسالة: "بُعث النبي ﷺ والناس كلهم على دينين، وهم: اليهود والنصارى، أهل كتاب، وعبدة الأوثان" (٢)، فإذا كان المجوس من عبدة الأوثان فأمرنا فيهم بشيء، فهو في كل عابد وثن، واللَّه أعلم.
ومما يدل على أن المجوس ليسوا أهل كتاب، أن النبي ﷺ بعث والحرب بين فارس والروم، والروم أهل كتاب، وفارس مجوس، فكانت كفار
стр. 216
قريش والعرب تحب ظهور كسرى، وكان المؤمنون يحبون ظهور الروم، فنُصر الروم حتى بلغوا الأنبار، وأنزل اللَّه تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، إلى قوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٢ - ٥].
* * *
стр. 217
٢٢٢ - قال اللَّه : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ الآية
[الحيض والطهر]
قد أخبر اله تعالى بالعلة في تحريم وطء الحائض.
والحيض يزيد وينقص، قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد: ٨] فأخبر (١) بنقصانه وزيادته، فأقله عند مالك دفعة من دم (٢)، وأكثره خمس عشرة ليلة، فليس يجوز وطء الحائض حتى تطهر وتغتسل.
فأما: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فإيجاب الفرض.
﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فندبٌ عند بعض أصحابنا، وإيجاب عند بعضهم، لأن الأذى الذي هو العلة قد زال، ولو أن حائضًا طهرت فلم تجد الماء لتيممت، ووطِئَها زوجها.
وقال مالك في الكتابية: إن زوجها المسلم يجبرها على الغسل من الحيض، ولا يجبرها على الغسل من الجنابة (٣)، لأنه يحل له وطء الجنب، ولا يحل له وطء الحائض حتى تغتسل، وعلى أن الاغتسال لا يكون إلا بنية،
стр. 218
والكتابية إذا أجبرت على ذلك فإنما تغتسل بغير نية، ولكنه لما كان له أن يطأ المسلمة بظاهر الاغتسال، وهو لا يدري حضرت النية أم لا، كان له أن يطأ الكتابية بظاهر الاغتسال، وهذا عندي أصح في المعنى، واللَّه أعلم.
وزعم غيرنا أن الحيض لا يكون أقل من يوم وليلة (١).
وقال العراقيون: ثلاثة أيام بلياليها (٢)، وليس لهم أصل في ذلك من كتاب ولا سنة ولا قياس (٣)، وذلك أن الحيض إنما هو ظهور الدم، وقد قالت الجماعة: إن الدم من الفرج حيض، حتى يعلم أنه استحاضة، والطهر عندنا وعندهم النقاء، فإذا كان ذلك كذلك، فانقطاعه يوجب الطهر وإن كان ساعة من النهار.
فأما غيرنا فزعم أنها إذا طلقت، فطعنت في الدم (٤) من الحيضة الثالثة، فقد حلت للأزواج، وهو مع ذلك يقول: أقل الحيض يوم وليلة، ويزعم أن النهي عن وطء الحائض كالنهي عن القِران بين التَّمرتين، والتعريس على قارعة الطريق، فجعل ما نهى اللَّه عنه، وذكر العلة فيه، وأكد النهي غاية التأكيد، كالنهي عن القِران، والقِران إنما نهي عنه لعلة الشيء، فأما الآن فلا بأس بالقران، فدل هذا القول منه على معرفته بالفرض والندب (٥)، والخاص والعام، وحسن وصفه للرسالة (٦).
стр. 219
وكل من وقَّت في الحيض وقتًا فلا برهان له عليه، وإنما هو ظهور الدم وانقطاعه، ألا ترى مالكًا قال في النفساء، ثم رده آخر الأمر إلى الموجود وعِلم النساء (١).
وأما قوله : ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، يعني: في الموضع الذي وقع فيه التحريم والنهي عنه.
وأما قوله: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، فإنه ينبغي للمتطهر بالماء أن يستغفر اللَّه ويتوب إليه بنية صحيحة، يستحق بها من اللَّه المحبة.
* * *
стр. 220
٢٢٣ - وأما قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾
فقال قوم: أي وقت شئتم (١).
وقال آخرون: أنى شئتم منها، لم يُحرِّم اللَّه منها شيئًا (٢).
وقيل: إن ذلك نزل لقول اليهود: من أتى امرأته من دُبرها في قُبُلها جاء ولدها أحول، فأنزل اللَّه ذلك، رواه مالك عن ابن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ (٣).
قال مالك ﵁: وسمى اللَّه ﵎ المرأة حرثًا، لأن الولد يكون منها.
واعلموا أنه لا بأس أن يأتي فرجها كيف شاء على ما روى جابر في ذلك، خلافًا لليهود، والنبات إنما سمي حرثًا لأنه تحرث (٤) الأرض له، وسميت المرأة حرثًا لأن زوجها يغشاها فيكون منه الولد، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 221
٢٢٤ - قال اللَّه : ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾
هو أن يحلف الرجل ألا يبَرَّ قرابتَه، ولا يَصِل رحِمَه، ولا يُصلح بين الناس، ولا يأمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر، وما أشبه هذا مما هو قربة إلى اللَّه .
فأُمِر ألا يحلف على هذه الأشياء، فإن حلف فليَحْنَث، وليُكَفّر عن يمينه، هذا معنى ما فسره المفسرون جميعًا.
* * *
стр. 222
٢٢٥ - قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾
قالت عائشة ﵂: هو قول الإنسان: لا واللَّه، وبلى واللَّه، وكلا واللَّه، ولا يعقد يمينًا بقلبه (١).
وقال غيرها: هو الرجل يحلف على الشيء عنده، فلا يكون كما كان عنده (٢)، فلا حنث عليه، لأنه لم يقصد إلى الحلف على كذب، وإنما حلف على ما عنده، فكذلك قال مالك: من حلف على طائر أنه حمام فكان فاخِتَةً (٣) عند قربه منه، فلا حنث عليه.
[أنواع الأيمان وأحكامها]
والأيمان على ثلاثة أقسام:
فقسم هو: اللغو، قال جميل العذري:
حَلَفْتُ لها أني لها غير سائِمٍ ... فما قَبِلَت في الحلْفِ لَغْوي ولا جِدِّي (٤)
стр. 223
فصار لغوًا، إذ لا نية فيه.
والثاني: بالقصد، وهو في معناه كقصد الحالف للحق الذي كان يعتقده، وإن كان بخلاف ما ظن، كقول النبي ﷺ في قصة ذي اليدين: "كل ذلك لم يكن" (١)، يريد: عندي، وقد كان أحدهما، وهو النسيان الذي قال [عنه] (٢) ﵇: "إني أُنَسّى لأَسُنّ" (٣).
ويمين على ماض هو فيه كاذب فاجر، فهو قول اللَّه: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [المجادلة: ١٤ - ١٥] فهذا لا كفارة ديه.
ويمين على المستقبل، فإذا حلف الحالف على شيء، فكان الحنث فيه أقرب إلى اللَّه، أمره رسول اللَّه ﷺ أن يأتي الذي هو خير، وليكفر عن يمينه (٤)،
стр. 224
وإن كان أقرب إلى (١) اللَّه الإقامة على اليمين، فهذا فيما لو لم يكن يمينًا (٢) لكان مأمورًا به، واللَّه أعلم، وسيأتي في سورة المائدة كشف منه ها هنا إن شاء اللَّه.
* * *
стр. 225
٢٢٧ - ٢٢٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[متى يقع الطلاق في الإيلاء ؟ ]
قال مالك بن أنس ﵁: إذا انقضت الأربعة الأشهر قيل للمُولِي إذا وقفه الحاكم: إما أن تفيء، وإما أن تطلق، فإن امتنع منهما طلق الإمام عليه (١).
وقال النُّعمان وأصحابه: يقع الطلاق بمُضيِّ الأربعة الأشهر، وقالوا: عزيمة الطلاق وقوعه، وهذا خطأ، قال اللَّه عز من قائل: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، والعزيمة هاهنا إيقاع عقدة النكاح، وقلنا لهم: لا يخلوا وقوع الطلاق أن يكون في الأربعة، أو بعد تقضي الأربعة، فإن كان في الأربعة فقد نقصوا الزوج مما جعله اللَّه له، وإن كان بعد الأربعة، فقد وقع في الخامس.
стр. 226
وقد قالوا: إن الإيلاء لا يكون إلا بيمين، فإن حلف الإنسان ألا يطأ امرأته أربعة أشهر، قالوا: يقع الطلاق بتَقَضّيها، فإن هذا لا يخلو من أن يكون في الأربعة أو في الخامس، فإن كان في الرابع فقد جعل اللَّه له الأربعة، لا مقال عليه فيها، وإن كان في الخامس فقد وقع الطلاق وهو غير مولي، ومع ذلك فإن اللَّه قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]، وإنما يُسمَع الكلام، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١]، ويقال: سمع اللَّه قولك، ورأى فعلك.
ومالك ﵁ لا يرى من حلف على أربعة أشهر موليًا (١)، لأن تقضّيها يخرجه عن الحكم، ومع ذلك فإن قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ فَاءُو﴾ لا يكون إلا لمستقبل بعد تقضي الكلام في المدة، وإن عزموا مثله، هذا لسان العرب لا يعرف خلافه.
ولا أعلم خلافًا أن اللَّه تعالى إذا جعل أجلًا، لم يزل حكمه إلا بخروجه، ألا تراه قال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، فلا يجوز عقد إلا في الحادي عشر، وإن الديون إذا قيل إلى شهر، لم يكن لصاحب الحق مطالبة حتى يمضي الشهر ويدخل الثاني، ويأتي تقصّي قولهم في كتاب الاحتجاج عليهم، لأنه يطول هاهنا بذكر الروايات.
* * *
стр. 227
٢٢٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾
[عدة المطلقات]
قال مالك وأهل المدينة: الأقراء: الأطهار (١).
وقال العراقيون: الحِيَض.
وهو شيء قد اختلف الناس فيه قديمًا، واللغة تحتمل معنيين جميعًا، وهو انتقال الشيء إلى الشيء، وإن كان أحدهما أكثر وأظهر على لسان العرب، وهو الطهر، قال ذلك أبو عبيدة (٢).
وأنشد من قال: إنه الطهر قول الأعشى:
وفي كل عام أنت جاشِمُ غَزْوَةٍ ... تَشُدُّ لِأَمْضاها عَزِيمَ عَزائِكا
مُوَرِّثَةٍ مالًا وفي المجدِ رِفْعَةً ... لِما ضاعَ فيها من قُرُوءِ نِسائِكا (٣)
قال أبو عبيدة: "وهو من قولهم: قد أقرأت النجوم، إذا غابت" (٤)، والمغيب في أيام الطهر، ويظهر في أيام الحيض، والطهر أظهر في المعنى.
стр. 228
وقال اللَّه : ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، يعنى: لقُبُل عدتهن ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]، فعلمنا أنها لهذا الوقت.
وقال النبي ﷺ لعمر ﵁ في قصة ابنه لما طلق: "مُرْه فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلق، وإن شاء أمسك فتلك العدة التي أمر اللَّه أن يطلق لها النساء" (١).
فبان بالكتاب والسنة أنه أمر أن يطلق فيما تعتد به، وهو الطهر، لأنه لو طلق وهي حائض، لم يعد ذلك من عدتها، فقال: فإذا طلقها في بعض الطهر فاحتسبت به، وقد قال اللَّه: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، فالذي حصل بعض هذا القرء، قلنا لهم: المعنى ما قال أهل اللغة أنه خروج من شيء إلى شيء، ومع ذلك فقد قال اللَّه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وهو شهران وأيام، فليس بمنكر ذلك في الأطهار، ومع ذلك فالغرض سلامة الرحم، والطهر لا يعلم به سلامة الرحم، وإنما يعلم بالحيض، فإذا كان يعلم بالحيض، فأول الدم من الثالثة يبرِؤها.
والقُرء مأخوذ من المِقْراة، وهي التي يجتمع فيها الماء، فأيام اجتماع الدم هي أيام الطهر، والمبتغى عندنا من الطهر آخره، لأنها به تخرج إلى الحيض المبرئ للرحم، وأول الحيض هو المبرئ، لأن آخره لا يبرئ لو أذن لهم في الطلاق في الحيض، لأن المرأة قد تحمل في آخر الحيض، ولذلك قال أبو كبير الهذلي:
ومُبَرًّا من كل غُبَّرِ حَيْضَةٍ ... وفَسادِ مُرْضِعةٍ وداءٍ مُعْضِلِ (٢)
أي: لم تحمل به أمه في آخر حيضها.
стр. 229
ثم زعم أهل العراق أن الطلاق للعدة أن يطلق في الطهر، ثم عليها ثلاث حيض وبعض الطهر الرابع حتى تغتسل، فجعلوا عليها ثلاثة قروء وشيئًا (١)، والكلام عليهم يتسع، وقصدنا الاختصار.
* * *
стр. 230
٢٢٨ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾
قول مالك ﵁ أن المرأة مؤتمنة على عدتها إذا كانت من ذوات الأقراء، ووعظت حين ائتمنت ألا تكتم ما خلق اللَّه في رحمها من الولد، فهي مصدَّقة في الحيض إلا أن تأتيَ بما لا يُعرَف، ومُصدَّقة في الحمل إذا وصفته، إذا علم الحمل قبل ذلك.
ولا أعلم المفسرين اختلفوا في هذه المعاني، قاله عمر (١) وجماعة من الصحابة والتابعين ﵃ (٢)، وباللَّه التوفيق.
* * *
стр. 231
٢٢٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾
[الرجعة]
قال مالك ﵁ في المطلِّق واحدة واثنتين: إن له أن يرتجعَها شاءت أم أبت، بغير وليّ ولا صَداق، لأنها على بقية الزوجية، ليس لها الامتناع، وعليه أن يُشهِد على الرجعة قبل تقضّي العدة، ليزول الجحود منها إن كرهته (١)، ولم يختلف المفسرون في ذلك.
* * *
стр. 232
٢٢٨ - قال اللَّه : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾
[حقوق الزوجة وواجباتها]
الذي لهن: القِسمة بينهن إذا زِدْن عن الواحدة، والنفقة على حسب إمكانه، وقدر حالها، والمعاشرة بالمعروف، والتحمل لها بحسب ما يلزمها له من التأهب والتزين، فإن ابن عباس ﵁ قال: أحب أتزينُ للمرأة، كما أحب أن تتزين لي (١).
وهذا وإن لم يقله مالك ولم ينقل عنه، فإنه مستحسن.
وله عليها: التَّصَوُّن، والتَّخَفُّر، والطاعة، وما أشبه ذلك، إذ الزوجة عليها الإمارة، ألا تراه جل وعز قال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، والنفقة هاهنا الصداق، وقد سمى اللَّه الصداق نفقة في مواضع فقال: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]، يعني: الصداق، ثم أعاد القول فقال: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠].
* * *
стр. 233
٢٢٩ - قال اللَّه : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
[طلاق السُّنة]
الطلاق الذي أمر اللَّه به، وأباحه مَن أراده، وهو الذي للسُّنة، الذي علمه اللَّه عباده بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وهو أن يطلقها واحدة، ويدعها تمضي في عدتها، فإن أحدث اللَّه له الرغبة ارتجعها ما لم تنقض العدة، وإن لم يرد ذلك وخرجت من العدة، فهو خاطب من الخطاب، فمتى تزوجها كان له أن يطلقها أخرى، فتكون للسُّنة، فإن رغب في ارتجاعها، كانت عنده على واحدة، وإن خرجت من العدة كان خاطبًا من الخطاب، فإن تزوجها فطلقها الثالثة كانت أيضًا للسُّنة، ولم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره ويطأها ثم يطلقها، فإن تزوجها بعدُ الزوجُ كانت عنده على طلاق مستأنف.
[سبب نزول الآية]
وسبب نزول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، أن الإنسان كان يطلق لغير عَدد، ولم يكن للطلاق عدد معروف، فكان إذا أراد أن يُضار بامرأته طلقها، فإذا قاربت انقضاء عدتها ارتجعها، فلا يزال كذلك يعذبها ويطول عليها، فنزلت: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، يريد: الطلاق الذي تكون فيه رجعة واحدة بعد واحدة واثنتين يجتمعان، فإن طلقها
стр. 234
الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فكان هذا سبب نزول هذه الآية (١).
وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، يريد: بعد الاثنتين ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾: بعِشْرة جميلة ومعاملة حسنة، ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: تطليق الواحدة الباقية لمن أراد ذلك، فكان هذا مانعًا من الزيادة في عدد الطلاق وغاية، قال ذلك جماعة من المفسرين (٢).
* * *
стр. 235
٢٢٩ - وأما قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾
[الخُلعْ]
فإن مالكًا ﵁ يقول: إذا كان النشوز من قِبَلها، والكراهية منها، فلا بأس بما يأخذه منها إذا افتدت به، قل أو كثر، وإذا كان الضِّرار من قبله، والأذى من جهته، لم يَحِل له ما تفتدي به منه (١)، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠]، لأن الإرادة منسوبة في هذا الموضع إلى الزوج خاصة، فلم يجز له إذا أراد فِراق المرأة وكرهها ألا يفارقها حتى يأخذ منها شيئًا، وهذا الموضع وما أشبهه هو الذي كرهه مالك وجماعة من المفسرين (٢)، إذا كانت الإساءة من قبله لم يجز له أن يأخذ منها شيئًا، وإذا خافا ألا يقيما حدود اللَّه فقد اشتركا في هذه المخافة يَبَرَّ بها واحد منهما، وكان لها أيضًا أن تفتدي، وله أن يأخذ، كما كان له إذا كانت الإساءة من قبلها.
стр. 236
وزعم بعض المتكلفين للعلم، أن هذه الآية توجب عليه ألا يأخذ منها إلا ما أعطاها أو بعضه (١)، وليس الأمر على ما توهم، لأنه لو كان كما قال لقيل: فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه، أو من ذلك، حتى يؤدي الكلامُ إلى ما أعطى الرجل امرأته من الصداق، فلما لم يقل ذلك، كان مطلقًا في كل شيء افتدت به.
ولو قال إنسان لإنسان: لا تضربن فلانًا إلا أن تخاف منه شيئًا، فإن خفته فلا جناح عليك فيما صنعت به، لكان مطلقًا له، لأنه لو أراد الضرب خاصة لقال له: فلا جناح عليك فيما صنعت به منه، أو من ذلك.
ومما يدل على العموم فيما افتدت به، وأنه ليس مردودًا (٢) إلى صداقها، أنا رأينا النهي في المواضع كلها إنما هو شيء نسب الأخذ إليه خاصة، فدل ذلك على أنه يفعل بها، فلا يُحْوِجُه بها إلى أن تعطيه، قال اللَّه : ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] (٣)، وقال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠]، فعلمنا أنها تعطي ما تعطي (٤) من غير طيب نفسها، وإذا كانت هي الكارهة فيما أعطت من طيب نفسها قال اللَّه : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، فلما نسب الفعل إليها، نسب إلى أنه عن طيب نفس منها، فعلمنا أن الذي نهي عن أخذه منها هو غير الذي طابت به نفسها.
стр. 237
وكذلك لما قيل: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾، دل على أنه عن غير طيب نفس، ثم قيل: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فلما اشتركا أيضًا علم أن الذي تفتدي به حلال خوطبا به جميعًا إذ فعلته عن رغبة منها، فلما كان كذلك جاز لهما، وعلم أنه أمر مستأنف مُطلَق في كل ما طابت به نفسها له، وهو قول عامة أهل العلم، والخُلع عندهم إنما يكون بالصداق، والفدية تكون بالصداق وأقل منه وأكثر.
وقال الناس جميعًا إلا طاوس: إن الخلع طلقة.
وروى طاوس عن ابن عباس ﵁: إنه فسخ بغير طلاق (١)، فعوتب طاوس في ذلك، فعزاه إلى إنسان، وأنكر أن يكون سمعه من ابن عباس.
[الطلاق ثلاثًا]
وروي عن طاوس أيضًا أنه روى عن ابن عباس ﵁ في المطلق ثلاثًا، أنها واحدة (٢)، وأنكر الناس ذلك على طاوس، لأن سعيد بن جبير روى عن ابن عباس ﵁ في رجل طلق مائة تطليقة، فقال ابن عباس ﵁: ثلاث منها تُبِينُها، وسائرهن اتخذت بها آيات اللَّه هزؤًا (٣).
وروى مجاهد، وعطاء، وغيرهما، عن عبد اللَّه بن عباس ﵁، فيمن طلق بعدد نجوم السماء، فقال: يجزئك منهالم ذنب بناتِ نَعْش (٤)، وقيل: رأس الجوزاء.
стр. 238
والروايات عن ابن عباس في هذا كثيرة (١). ولم يختلف الناس في أن الثلاث تقع، إلا هذه الرواية الضعيفة.
قال أيوب السَّخْتِياني: كانوا يعجبون من كثرة خطأ طاوس، وكان رجلًا صالحًا من خيار المسلمين، إلا أنه كان كثير الخطأ (٢)، والتسريح والتطليق واحد.
قال مالك ﵁: المُبارِئَة: التي تبارئ زوجها فتقول: خذ الذي لكَ، قبل أن يدخل بها، والمُخْتَلِعَة هي التي تختلع من كل الذي لها، والمُفْتَدِيَة: التي تعطيه بعضَ الذي لها، وتُمسِك بعضه، وكله سواء.
* * *
стр. 239
٢٣١ - قال اللَّه : ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾
قال مسروق، والحسن، ومجاهد، وقتادة: هو الرجل يطَلِّق ثم يرتجع، ثم يطَلِّق ثم يرتجع، ليطوِّل عليها العِدة اعتداء (١).
وليس لهم مخالف علمناه، كأنه قيل: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: إذا قاربن ذلك، وأشرفن على بلوغه، وقد يقال للإنسان: إذا بلغت مكة فاغتسل قبل أن تدخلها، وهذا إنما يقع قبل البلوغ، على مقاربة البلوغ.
ولما قيل: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، علم أن إمساكه لها لا يكون إلا قبل تَقَضِّي العِدَّة، وكأن قوله: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: دَعْها حتى تنقضيَ عدتها وتَبِين منك، ولعل المُتعة أيضًا تدخل في المفارقة بالمعروف.
* * *
стр. 240
٢٣٢ - وقيل في الآية التي بعد هذه الآية: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ﴾
فوقع المعنى -واللَّه أعلم- على أن ذلك بلوغ الأجل، لأن الزوج أَحَقُّ برجعتها قبل بلوغ الأجل، لا يسمى نكاحًا، وإنما يكون النكاح ما يُسْتانَف، فلما بلغ الأجل احتيج إلى استئناف النكاح، ونُهوا عن عَضْل المرأة إذا أرادت أن تنكح زوجها الذي طلقها، وهذا مما يبين أن المرأة لا تزوج نفسها، ولو كان لها أن تفعل ذلك لما كان للرجل موضع عضل.
[سبب النزول]
وهذه الآية نزلت في معقِل بن يسار، كانت أخته عند ابن عم له فطلقها، فلما انقضت عِدَّتُها أتى ابنُ عمِّه فخطبها وخطب إليه فمنعها، وقال: قد كنت آثرتك بها فطلقتها وأسأت عشرتها، واللَّه لا أزوجكها أبدًا، قال: ففيه نزلت هذه الآية (١).
فلو كان للمرأة أن تزوج نفسها، أو أن تعدل عن وليها، ما عوتب معقل ونُهِي عن العضل، واللَّه اعلم.
* * *
стр. 241
٢٣٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَ ةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾
[الرضاع]
قال مالك ﵁: الرضاع حق من حقوق الأمهات إذا أرادته، فإن كن مطلقات فلهن أجرة الرضاع (١)، وليس للأب انتزاعه منها ضرارًا، ولا لها هي أن تمتنع من رضاعه إن لم يقبل ذلك إلا منها (٢)، فإن قبله من غيرها، وطرحته على أبيه، كان عليه أن يسترضع له، وينفق عليه وعلى مرضعته، لا تضار والدة بولدها إذا احتيج إليها (٣)، ودعت إلى ذلك ضرورة، أو لا يضار هو بولده فينزعه منها، أو لا يمتنع من الإنفاق على من ترضعه وتكفله، ثم ممن هو أحق بذلك فيه، ومن الكسوة أيضًا، وقال ذلك ومعانيه جماعة من المفسرين (٤).
стр. 242
واختلفوا في قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، فقال جماعة -ومنهم مالك (١) -: على الوارث ألا يضار، والنفقة من مال الوالد إن كان له مال، فإن لم يكن له مال، فهو فقير من فقراء المسلمين.
وقال النعمان: وعلى الوارث الإنفاق، وهو على الرجال دون النساء.
وأما ابن عباس، وأكثر المفسرين، فردوا ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ على آخر الكلام، ألا يُضار (٢).
وأما النعمان فقال: النفقة على كل ذي رحم محرم، ثم قال: إذا كان للمرضع ابن عم وخال، فالنفقة على الخال، والوارث ابن العم، ثم كذلك ما أشبه هذا، فقال وأصحابه قولًا ليس في كتاب اللَّه، ولا نعلم أحدًا قاله، لأن من قال: النفقة على الوارث، جعلها على كل وارث، ولا أعلم أحدًا قال هذا، ولا يوجد في كتاب ولا سنة ولا قياس، لأن اللَّه ﵎ لو قال: وعلى غير الوارث مثل ذلك، لكان على ما قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو ضد ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
وقال مالك ﵁: وإذا مات الأب ولا مال له، فعلى الأم الرضاع، لأن اللَّه ﵎ ألزمها ذلك، فقال عز من قائل: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.
[و] (٣) الذي أظن، أن من قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ الإنفاق، وألا يضار، ومن قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ آخر الكلام، وهو ألا يضار، إنما أراد: والوارث الذي هو
стр. 243
الولي مثل الوصي وما أشبهه، فإن كان على ما تأولت، فعلى الوارث الذي ورث عن الأب الولاية على الصغير، أن ينفق من مال الصغير على أمه، وألا يُضار، وهذا عندي هو الصحيح الذي يحتمل جميع القولين، فيكون وفاقًا.
ومما يلزم أبا حنيفة إذا قال: إن النفقة على الوارث الذي ذكره، إذ كان اللَّه يقول: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فالنفقة واجبة على الأب للحامل من أجل الولد وتغذيته، فإذا ولدته، كان عليه رضاعه، والنفقة على مرضعته من أم أو غيرها، فيلزمهم أن يقولوا: إذا مات الأب والمرأة حامل، وهو فقير، أن على الوارث أن ينفق على المرأة من أجل الحمل، فإن أبَوا ذلك ناقضوا، ونسأل اللَّه التوفيق.
* * *
стр. 244
٢٣٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾
قال مالك ﵁: إن اتفق الوالدان على قطع الرضاع، وقد تبينا في الصبي قبل الحولين قوة، واستغنى عن اللبن بأكل الطعام واستقامته عليه، وكان اجتهادهما في ذلك [عن] (١) بينة وروية، فلا بأس بذلك.
* * *
стр. 245
٢٣٤ - قال اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ٢٤٠ - وقوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾
[عِدَّة الحامل والمتوفى عنها زوجها]
وأما قوله : ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، فمنسوخة بإجماع، بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١).
وقال بعضهم: لا سكنى للمتوفى عنها، تعتد حيث شاءت (٢).
وقال بعضهم: تعتد حيث كانت وقت وفاة زوجها، وهو قول جمهور الفقهاء، وعليه الناس.
واختلفوا فيها إذا كانت حاملًا، فقال بعضهم: آخر الأجلين.
стр. 246
وقال بعضهم عدتها وضع الحمل، كان قبل مضي الأيام والليالي، أو كان بعدها، وهذا القول الصحيح الموافق لما روي عن رسول اللَّه ﷺ في سبيعة الأسلمية، فإنها وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين ليلة، فأمرها رسول اللَّه ﷺ أن تتزوج.
وأما السُّكنى، فإن زوج الفُرَيعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري، قتله عَبيد له، فسألت رسول اللَّه ﷺ فقالت: إن زوجي قُتل ولا منزل له يملكه، ولا نفقة ينفق علي، وأنا امرأة شاسعة الدار، فإن رأيت أن أتحول إلى أهلي وجيراني فعلتُ، قالت: فأذِن لي، فلما كنت في الحُجرة دعاني فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله"، فاعتدَدْت فيه أربعة أشهر وعشرًا، فلما كان في خلافة عثمان ﵁، كان ذلك في بعض أهله، فسأل الناس: هل عَلِم أحد من رسول اللَّه ﷺ في ذلك علمًا، فقال رجل من الأنصار، فُرَيْعَة بنت مالك تحدث فيه بحديث، وهي حيَّة، قال: فأرسل إليها وسألها عنه، فحدثثه به فأخذ به (١).
وقد رُوي من طرق كثيرة، وأفتى بذلك الصحابة والتابعون (٢)، إلا من شذ عنه الخبر.
* * *
стр. 247
٢٣٥ - قال عز من قائل: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية .
[التعريض بالنكاح]
ذهب قوم إلى أن السر الزنا (١)، لأن الغَشَيَان في اللغة يسمى السِّر، فلما نهوا عن ذلك ذهبوا إلى أنه الزنا، وهو قول ليس له وجه، لأن ما قبله وبعده لا يدل عليه.
والذين قالوا: لا يأخذ عليها ألا تنكح غيره (٢)، وذهبوا إلى أن ذلك معنى الآية، وهو أشبه، لأن الغَشَيان يسمى السِّر، والنكاح اسم للغَشَيان، فكأنه قال: لا تواعدوهن النكاح.
ومالك يقول: لا ينبغي له أن يواعدها النكاح ولا يصرح، ولكن يقول: إني فيكِ لراغب، ولعل اللَّه يسوق إليك خيرًا، فهذه إباحة من اللَّه ﵎ لهما، ومُنِعا من المواعد (٣) لطول الأيام، وما يُحْدِث اللَّه في القلوب
стр. 248
من إخلاف الوعد، وذلك أن النبي ﷺ قال: "علامة المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" (١).
فقيل: لا تواعدوهن ولكن قولوا قولًا معروفًا، إن وفيتم به كان حسنًا، وإن عدلتم عنه لم يكن قبيحًا.
وقد احتج من قال إنه السر بقول الحُطَيْئَة:
وَيَحْرُمُ سِرُّ جارَتِهِمْ عليهم ... ويأكل جارهمْ أَنُفَ القِصاعِ (٢)
وهذا لا شك فيه أنه أراد الزنا، والغَشَيان كله سِرٌّ من النكاح والزنا.
وقال قيس بن الخَطِيم:
ومثلِكِ قد أَصْبَيْتُ ليست بِكَنَّةٍ ... ولا جارة ولا حَلِيلَةِ صاحبِ (٣)
وقال أيضًا:
ومِثلِكِ قد أَصْبَيْتُ ليست بِكَنَّةٍ ... ولا جارة أَفْضَتْ إليَّ حَبابَها (٤)
وقال حاتم طيء:
وما تَشْتَكيني جارتي غير أني ... إذا غابَ عنها بَعْلُها لا أَزورُها
سَيَبْلُغُها خَيْري ويَرجع بَعْلُها ... إليها ولم تُرْخَى عليَّ سُتورُها (٥)
قال أبو عبيدة: كانوا يَكْرُمون عن الزنا بالجارة، والغشيان عندهم -زنًا كان أو نكاحًا- سرٌّ، ويُسمَّيان به.
стр. 249
فقد أباح اللَّه التعريض، ومنع من التصريح لما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقد قال الشافعي ﵁ محتجًا لإزالة الحد عن المُعَرِّض بالقذف بهذا التعريض المباح، فقال: لما كان التعريض هاهنا الذي ينوب عن التصريح يجوز، كان التعريض بالقذف مثله، فيلزمه أن يقول: إن التعريض بالقذف مباح، ولا يقول هذا قائل له دين.
والتعريض بالنكاح يُفهم به ما يُراد بذلك، وإنما منع من التصريح لكي لا يقع اختلاف، وزُهد بعد الرغبة، فإذا كان ينوب عن التصريح، وكان القذف ينوب عن التصريح فيه التعريضُ، ويفهم السامعون ما أراد بذلك، فقد صار قاذفًا، فكيف يجوز إسقاط الحدِّ عنه.
والتعريض أيضًا في النكاح إنما يكون من واحد، والتصريح لا يكون إلا من اثنين، يقول الرجل وتجيب المرأة، أو من يقوم مقامها، فلذلك نُهوا عنه، لأنه يصير كالعقد بالإباحة في العِدَّة، فلما كان من واحد ولم تقع إجابة، كان مباحًا، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 250
٢٣٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢٤١ - وقال عز من قائل: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾
[متعة المطلقة]
اختلف المفسرون في ذلك، فقال قائلون: المتعة في الحالين واجبة، فلكل مطلقة متعة (١).
وقال آخرون: المتعة للتي طُلِّقت ولم يُفرض لها، ولم يُدخل بها، والتي فُرض لها حسبها نصف الصداق، الذي سُمِّي لها (٢).
وقال بعضهم: المتعة ليست بواجبة في الحالين، ويؤمر بها، فقال: متع إن كنتَ من المتقين، متع إن كنت من المحسنين (٣).