وقال بعضهم عدتها وضع الحمل، كان قبل مضي الأيام والليالي، أو كان بعدها، وهذا القول الصحيح الموافق لما روي عن رسول اللَّه ﷺ في سبيعة الأسلمية، فإنها وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين ليلة، فأمرها رسول اللَّه ﷺ أن تتزوج.
وأما السُّكنى، فإن زوج الفُرَيعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري، قتله عَبيد له، فسألت رسول اللَّه ﷺ فقالت: إن زوجي قُتل ولا منزل له يملكه، ولا نفقة ينفق علي، وأنا امرأة شاسعة الدار، فإن رأيت أن أتحول إلى أهلي وجيراني فعلتُ، قالت: فأذِن لي، فلما كنت في الحُجرة دعاني فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله"، فاعتدَدْت فيه أربعة أشهر وعشرًا، فلما كان في خلافة عثمان ﵁، كان ذلك في بعض أهله، فسأل الناس: هل عَلِم أحد من رسول اللَّه ﷺ في ذلك علمًا، فقال رجل من الأنصار، فُرَيْعَة بنت مالك تحدث فيه بحديث، وهي حيَّة، قال: فأرسل إليها وسألها عنه، فحدثثه به فأخذ به (١).
وقد رُوي من طرق كثيرة، وأفتى بذلك الصحابة والتابعون (٢)، إلا من شذ عنه الخبر.
* * *
стр. 247
٢٣٥ - قال عز من قائل: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية .
[التعريض بالنكاح]
ذهب قوم إلى أن السر الزنا (١)، لأن الغَشَيَان في اللغة يسمى السِّر، فلما نهوا عن ذلك ذهبوا إلى أنه الزنا، وهو قول ليس له وجه، لأن ما قبله وبعده لا يدل عليه.
والذين قالوا: لا يأخذ عليها ألا تنكح غيره (٢)، وذهبوا إلى أن ذلك معنى الآية، وهو أشبه، لأن الغَشَيان يسمى السِّر، والنكاح اسم للغَشَيان، فكأنه قال: لا تواعدوهن النكاح.
ومالك يقول: لا ينبغي له أن يواعدها النكاح ولا يصرح، ولكن يقول: إني فيكِ لراغب، ولعل اللَّه يسوق إليك خيرًا، فهذه إباحة من اللَّه ﵎ لهما، ومُنِعا من المواعد (٣) لطول الأيام، وما يُحْدِث اللَّه في القلوب
стр. 248
من إخلاف الوعد، وذلك أن النبي ﷺ قال: "علامة المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" (١).
فقيل: لا تواعدوهن ولكن قولوا قولًا معروفًا، إن وفيتم به كان حسنًا، وإن عدلتم عنه لم يكن قبيحًا.
وقد احتج من قال إنه السر بقول الحُطَيْئَة:
وَيَحْرُمُ سِرُّ جارَتِهِمْ عليهم ... ويأكل جارهمْ أَنُفَ القِصاعِ (٢)
وهذا لا شك فيه أنه أراد الزنا، والغَشَيان كله سِرٌّ من النكاح والزنا.
وقال قيس بن الخَطِيم:
ومثلِكِ قد أَصْبَيْتُ ليست بِكَنَّةٍ ... ولا جارة ولا حَلِيلَةِ صاحبِ (٣)
وقال أيضًا:
ومِثلِكِ قد أَصْبَيْتُ ليست بِكَنَّةٍ ... ولا جارة أَفْضَتْ إليَّ حَبابَها (٤)
وقال حاتم طيء:
وما تَشْتَكيني جارتي غير أني ... إذا غابَ عنها بَعْلُها لا أَزورُها
سَيَبْلُغُها خَيْري ويَرجع بَعْلُها ... إليها ولم تُرْخَى عليَّ سُتورُها (٥)
قال أبو عبيدة: كانوا يَكْرُمون عن الزنا بالجارة، والغشيان عندهم -زنًا كان أو نكاحًا- سرٌّ، ويُسمَّيان به.
стр. 249
فقد أباح اللَّه التعريض، ومنع من التصريح لما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقد قال الشافعي ﵁ محتجًا لإزالة الحد عن المُعَرِّض بالقذف بهذا التعريض المباح، فقال: لما كان التعريض هاهنا الذي ينوب عن التصريح يجوز، كان التعريض بالقذف مثله، فيلزمه أن يقول: إن التعريض بالقذف مباح، ولا يقول هذا قائل له دين.
والتعريض بالنكاح يُفهم به ما يُراد بذلك، وإنما منع من التصريح لكي لا يقع اختلاف، وزُهد بعد الرغبة، فإذا كان ينوب عن التصريح، وكان القذف ينوب عن التصريح فيه التعريضُ، ويفهم السامعون ما أراد بذلك، فقد صار قاذفًا، فكيف يجوز إسقاط الحدِّ عنه.
والتعريض أيضًا في النكاح إنما يكون من واحد، والتصريح لا يكون إلا من اثنين، يقول الرجل وتجيب المرأة، أو من يقوم مقامها، فلذلك نُهوا عنه، لأنه يصير كالعقد بالإباحة في العِدَّة، فلما كان من واحد ولم تقع إجابة، كان مباحًا، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 250
٢٣٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢٤١ - وقال عز من قائل: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾
[متعة المطلقة]
اختلف المفسرون في ذلك، فقال قائلون: المتعة في الحالين واجبة، فلكل مطلقة متعة (١).
وقال آخرون: المتعة للتي طُلِّقت ولم يُفرض لها، ولم يُدخل بها، والتي فُرض لها حسبها نصف الصداق، الذي سُمِّي لها (٢).
وقال بعضهم: المتعة ليست بواجبة في الحالين، ويؤمر بها، فقال: متع إن كنتَ من المتقين، متع إن كنت من المحسنين (٣).
стр. 251
وقول مالك ﵁: أنه لا يحكم لها، ويؤمر بها، فيقال: متع إن كنت من المحسنين، متع إن كنت من المتقين (١).
وإنما قال ذلك لأن اللَّه ﵎ قال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، وقال : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، وقال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، فهذا أمر، والأمر قد يكون على الإيجاب، وقد يكون على الندب، والأولى بالفاظ الإيجاب لقوله : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾، والجماعة قد جعلت هذه أوجب من تلك، وهذه مشروطة بالإحسان، وتلك بالتقوى، والتقوى أوجب من الإحسان (٢). والشروط الواجبات إذا كانت لم يشترط فيها التقوى والإحسان، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، فكان العدل من الفرض، والإحسان التفضل زيادة على العدل لمن رغب فيه، وإلا فالعدل لا يلزمه سواه، ولولا شرط التقوى والإحسان، لكان الواجب الحكم بالاثنين جميعًا، إلا أن يقوم دليل بغير ذلك.
فإن قيل: فإن اللَّه ﵎ قد قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
قيل: إنما أُريد بهذا أنه يهتدي به من اتَّقى الشِّرك، وليس بِهُدًى للكافرين، فهذا عموم فيمن اتَّقى الشِّرك، خُصُّوا به دون غيرهم، كذلك قيل: هي حق على المتقين من المسلمين خصوصًا، قال اللَّه : ﴿لَا جُنَاحَ
стр. 252
عَلَيْكُمْ﴾ يا مسلمين كلكم ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، ثم وقع الخصوص على الصفة التي وصف، كما قال: كان القرآن هدى لمن وصف دون غيرهم.
فليس يجوز أن يحكم بالمتعة على أحد، حتى يحكم له بالتقوى والإحسان، وهما شيء بين العبد وبين ربه، فصار موكولًا إليهم، فكان على الإنسان فيما بينه وبين ربه ألا يجعل نفسه خارجًا عن التقوى والإحسان.
فلذلك قيل: متِّع إن كنت من المتقين، متِّع إن كنت من المحسنين، ولم نر اللَّه شرط في حق رجب ليس على بشر إحسان (١) ولا تقوى، بل أمر بالرَّفع والأخذ بالدَّفع، وهذا في القرآن يكثر ويطول شرحه، ونسأل اللَّه التوفيق برحمته.
وقد زعم قوم من المتأخرين أن المتعة عوضٌ من الصداق وبدلٌ منه، فقد ينبغي لهم إذا كان الرجل يملك عشرة آلاف دينار، فتزوج امرأة صَداقُ مِثْلِها دينار، أن يحكموا عليه بنصف دينار أو ربع دينار، وإن تزوج مُقْتِر بغَنِيَّة صداقُ مِثْلِها ألف دينار، ولم يسمِّ لها، أن يحكموا بالمتعة خمسمائة دينار ونحوها، فإن لم يفعلوا ذلك، خالفوا ما أصَّلوا، وإن فعلوا، خالفوا كتاب اللَّه، لأن اللَّه يقول: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
وقد احتج قوم بحديث بَرْوَع بنت واشِق (٢) في صداق المثل، فيمن مات عنها ولم يسم (٣) لها صداقًا (٤)، وهذا حديث غير صحيح ولا مقبول، أيتوهم
стр. 253
متوهِّم أن قومًا عندهم قضية من رسول اللَّه ﷺ ، وهم يترددون شهرًا إلى ابن مسعود حتى يقول: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان، واللَّه ﵎ ورسوله ﷺ بريئان؟ هذا ما [لا] (١) يتوهمه ذو لب.
وقد قال علي، وابن عمر، وزيد بن ثابت في هذا، والشعبي، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، وابن شهاب: لها الميراث، ولا صداق لها (٢)، وهذا هو الصحيح وما يوجبه النظر، لأن الموت لا يُحدِث دَينًا لم يكن ثابتًا قبل الموت ما كان عليه صداق، وإنما أمر بالمتعة.
على أن الشافعي في ذلك يخالف العراقيين، ويوافقهم في المتعة، فأتى بقول بين القولين لا وجه له، لأن الميراث لو كان عوضًا من المتعة، لَمَا وَرِثت المرأة زوجها إذا سمَّى لها صداقًا ودخل بها أو لم يدخل، لأنه لو كان طلق لم
стр. 254
يحكم له الشافعي بالمتعة، وينبغي إذا ماتت المرأة ألا يرثها زوجها، فينما جعل اللَّه الميراث بين الأزواج، كما جعله بين ذوي الأرحام.
ثم زعم الشافعي أنه يحكم بالمتعة دَينًا من الديون، فكيف يكون العوض من الدَّين لا يحكم به إلا بعد الدَّين، إذ جعل الميراث عِوَضًا من المتعة، وهو لا يحكم به إلا بعد الدَّيْن، إذ قال اللَّه ﵎: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
وإنما غلط هؤلاء القوم لما تركوا القرآن، وعدلوا إلى القياس، ولو تدبروا القرآن لكُفينا التعب معهم، والكلام عليهم في هذه المسألة من وجوه كثيرة، لا وجه للإطالة بها، وباللَّه التوفيق.
* * *
стр. 255
٢٣٧ - قال اللَّه : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾
[من الذي بيده عقدة النكاح ؟ ]
روى عيسى بن عاصم، عن شُرَيْح، عن علي: أنه الزوج (١).
قال عيسى: وقال شُرَيْح: هو الوليُّ (٢).
وروى عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس ﵁: أنه الزوج (٣).
وقال شريح مثل ذلك (٤).
قال القاضي: فأما عيسى بن عاصم، فليس بشيء، ولا تثبُت بمثله رواية، لأنه شيخ ضعيف، وكذلك عمار بن أبي عمار، ولكن قد روي عن جماعة من التابعين أنه الزوج، وقال عمر وكم شاء اللَّه من التابعين إنه الوليُّ.
قال مالك ﵁: هو الأب في ابنته البكر، والسيد في أمته (٥). فإذا اختُلف في تأويل آية رجب النظر، فرأينا اللَّه قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ
стр. 256
تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، فكانت المخاطبة للأزواج، لا يقدر أحد أن يدعي خلافًا لذلك في تأويل ولا معقول، ثم قال: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، وهذه مخاطبة للأزواج، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، وهن النساء البوالغ اللواتي أَمرُهن إليهن، لا ولاية عليهن، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، فهو الوليُّ الذي يجوز له العقد شاءت أم أبت.
وليس يجوز أن يعني بذلك الزوج، لأن كلام اللَّه إيجاز واختصار، فلو عنى الزوجَ لقيل إذ كانت المخاطبة له: "أو تعفون يا رجال"، أولى بأن يقال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، فترك الخطاب بما هو معقول بالمواجهة، ويخاطب بما يشكل وتقع فيه التأويلات، ويكثر فيه الاختلاف.
ومع ذلك، فالعفو كيف يكون من الزوج وهو المخاطب بدفع النصف؟ وإنما يعفو الإنسان عما رجب له، وإذا دفع الإنسان الصداق كله كان واهبًا لا يقال له عافٍ، إنما يقال للعافي: التارك لما رجب له، فأما من ابتدأ هبة فلا يقال له عافٍ.
ولما كانت المرأة بلا اختلاف عند ذوي الرأي أحظى بالرجل من الرجل بالمرأة وأكثر انتفاعًا، أُمِرت بذلك، وأُمِر الولي بمثله، لأنّا لو وُكِلْنا إلى رأيِنا وما تنتجه عقولنا، لكانت المرأة تُصْدِقُ الرجل أولًا، لكن اللَّه تعالى برحمته لهن وبضعفهن ما جعل لهن الصداق، فسماه هبة في موضع، فقال عز من قائل: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، فكانت النِّحلة لهن من اللَّه في أموالنا، كما يوجب في أموالنا ما يشاء من زكاة وغيرها، حتى دية الخطأ جعلها في أموال العاقلة، ثم سمى الصداق في مواضع كثيرة فريضة، يعني: فريضة عليكم، وله جل وعز أن يفرض في أموالنا ما يشاء، إذ كُنا وأموالنا له.
فلما كانت المرأة بهذه المنزلة أمرت بالعفو به، وحُضَّت عليه، يقول عز من قائل: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
стр. 257
والمعنى في حَضِّها على ذلك نظرٌ (١) لها، إذ لم ينل منها شيئًا، ليعلم أنها لم ترغب في مال تأخذه (٢)، وإنما رغبتها في الكفاءة والدِّين، ليَرْغَب الناس فيها ويكثر خُطّابها من أهل الفضل، ولا يكون ما وقع بها من الطلاق مُوقعًا في قلوب الناس سببًا من الزوج المطلق يوجِب الزهد فيها.
ولما كانت الصغيرة والبكر، التي يلي أمرها أبوها، وعقد عليها بغير أمرها لقوة ولايته عليها، ووجوب نفقتها عليه إلى أن يدخل بها زوجها، وكانت ممن تولى عليها لهذه الأشياء التي قدمنا ذكرها، وكان الحياء يمنعها من أن تقول: زوجوني، وقال النبي ﷺ : "والبِكر تُستأذَن، وإذنُها صُماتُها" (٣)، جعل للأب المتولي العفوَ عنها، والمختار لها من الأفعال ما يُرغِّب الناسَ فيها، وهي في مصاهرته، ليعلم أنه ليس يتاجر بولده ولا يبيعها، وإنما بغيته من الرجال وضع ابنته حيث ترضى، وكذلك جُعِل السيدُ في أمته العافي عما رجب لها، لأن السيد له أن ينتزع ما استحقته من الصداق منها إذا اقتضته، وإذا عفى عنه، فإنما يعفو عن مال له أخذه.
فأما من قال: إنه الزوج، فأي شيء في يد الزوج من النكاح؟ إنما الذي في يد الزوج أن يعقد على نفسه، وإنما قُصِد بالآية من بيده عقدة نكاح المرأة، وهو الولي.
стр. 258
على أن ليس كل أب له أن يعفو، فقد يكون الأب سفيهًا، فلا يجوز عفوه، وإنما يجوز ذلك لأهل السداد والرَّوِيَّة ممن يجوز له أن يحكم عليها في نفسها، فإذا جاز حكمه في نفسها، كان في مالها أولى، ألا تراه يجوز أن يضحي عنها من مالها، ويُخرِج زكاة الفطر عنها من مالها، ويُخرِج زكاة مالها من غير أمرها، فيُحسِن لها في ذلك النظر، ويُورِثها ثوابًا، وله عندنا أن يتصدق عنها باليسير من مالها نظرًا لها، ما لم يك ذلك فادحًا في ملكها، لأن صلاحها صلاحُه، وصلاحُه لها، قال اللَّه حاكيًا عن نبيه: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: ١٥].
فإن قيل: فقد أجزتم للوصي أن يُخرِج عن اليتيم صدقة الفطر والأضحية، ولم يَجُز له إسقاطُ المهر.
قيل: لأن صدقة الفطر والأضحية مأمور بهما، غيرُ موكَلَين إلى رأي واجتهاد، وإسقاط الصداق موكَل إلى الاجتهاد، إن رأى إسقاطه أسقطه، وإن لم ير صلاحًا لم يسقطه، هذه الجهةُ جاز للأب في الصغيرة والبكر التي يلي عليها، فثبت ذلك عليها، ولا يكون لها فيه خيار، فإذا جاز ذلك في النفس، كان في المال أجوَز.
ولما قيل الذي بيده عقدة النكاح، عُلم أنه شيء بيده في ذلك الوقت، فكيف يكون بيد الزوج وقد بانت منه، وهل يجوز أن يقال للذي بيده أن يطلِّق بعد أن يطلِّق: بيده عقدة النكاح؟ وإنما الذي بيده عقدة النكاح، الذي بيده أن يعقد النكاح، وقال اللَّه : ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وأما أن يقال للذي بيده أن يطلِّق، وقد طلق: أن بيده عقدة النكاح، هذا ما لا يجوز، وإذا كان في يده أن يزوِّج نفسَه، فأي علة توجِب أن يكون بيده عقدة نكاحها؟ قال ابن عباس ﵁: "العفو وأمر به، فإن عفت فكما
стр. 259
عفت، وإن عفا وليها جاز عفوه"، فجعل (١) ابنُ عباس العفوَ من جهة واحدة، ولم يجعله من جهة وضدِّها.
وإنما أُتِيَ مخالفونا من أنهم نَزَّلوا الآية على ما في قلوبهم، دون معرفة الخطاب فيها، فجعلوا الصداق كله واجبًا بالعقد، وجعلوا الطلاق يُسقط نصفَه، فخالفوا الآية بتقدير أخطؤوا فيه، لأن الصداق يجب كلُّه باجتماع شيئين: إما بالعقد والدخول، وإما بالعقد والوفاة، رجب نصفه بالعقد والطلاقِ قبل الدخول.
وأما قوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فجمع فيه من يجوز له العفو من الرجال والنساء، فلما جُمِعوا حملوا على التذكير، ذلك دليل على أن العفو من جهة واحدة، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 260
٢٣٨ - قال اللَّه : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
[الصلاةُ الوسطى]
اختلف في تفسير هذه الآية، فقال علي بن أبي طالب ﵁: صلاة العصر (١)، وذكر عنه في بعض الروايات أن النبي ﷺ قاله (٢).
ورواه مُرَّة، عن عبد اللَّه (٣).
ورواه الحسن، عن سَمُرَة (٤).
وروى القاسم عن عائشة (٥)، وأبو أيوب عنها (٦)، وأبو هريرة (٧)، ثم عن جماعة مثل ذلك.
стр. 261
وروى زيد بن أسلم وابن دينار وغيرهم عن ابن عمر، وعكرمة عن ابن عباس ﵁، أنها صلاة الصبح.
ووافقهما على ذلك جماعة كثيرة من التابعين.
وقال زيد بن ثابت: صلاة الوسطى: صلاة الظهر (١). وتابعه على ذلك جماعة من التابعين.
وقالت عائشة ﵄: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر" (٢)، فدل قولهما (٣) على أنها غير العصر.
وقال قوم: هي المغرب.
وقال القاضي ﵁: قد اختلف في تفسير الصلاة الوسطى هذا الاختلاف الذي ذكرنا، ولو ثبتت الرواية عن علي عن النبي ﷺ أنها العصر لم يجز خلاف ذلك، ولكن الطرق إلى علي ليست بذلك، على أنه من قول علي نفسه مشهور، وليس يدخل على أحد ضرر في دينه من هذا الاختلاف.
والوجهُ المحافظة على الصلوات كلها، إذ قد أمر اللَّه ﵎ بذلك، وما على الإنسان أن يعتقد في كل صلاة أنها الوسطى، فيزيد في المحافظة عليها.
وإن كان الأقوى عندنا بالدلائل ما قاله ابن عباس، لأنها صلاة تصلى في سواد من الليل وبياض من النهار، فكأنها بين الليل والنهار، وقد قال اللَّه : ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
стр. 262
ورأينا صلاة الليل المغرب والعشاء، يجهَر فيهما، ويجمَع بينهما في السفر وغيره، وصلاة الظهر والعصر صلاة النهار، يجمع بينهما في السفر، وقال النبي ﷺ : "صلاة النهار عَجماءُ" (١)، وقال النبي ﷺ في صلاة الصبح، إنه يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار (٢)، وكان يجهر فيها، فدل على أنها ليست من صلاة النهار، لأن النهار من طلوع الشمس إلى مغيب الشمس، والأيام من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس، والليل من مغيب الشمس إلى طلوع الفجر، فكانت هذه الدلائل تنبئ أن الفجر صلاة الوسطى، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.
* * *
стр. 263
٢٣٨ - قال اللَّه : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
[معنى القنوت]
والقنوت يقتضي أشياء كثيرة، وأصلها كلها أن يديم الإنسان عملًا في طاعة اللَّه ، فمن ذلك: السكوت عن كلام الناس في الصلاة، ومنه: أن يطيل القيام في الصلاة، ومنه: أن يخشع للَّه وتسكن جوارحه في الصلاة، ومنه: أن يدعو قبل الركوع، أو بعد الركوع في الصلاة، وهو الذي يسميه الناس: القنوت في الصلاة، كما جاء عن النبي ﷺ أنه قنت شهرًا، فدعا على رِعْل وذَكْوان (١)، ومنه: أن يدوم الإنسان على طاعة ربه.
فإذا كان كذلك، جاز للإنسان أن يقصد إلى أي الأصناف أراد من ذلك فيسمِّيَه قنوتًا، لأن كل شيء مما ذكرنا فقد روي عن صحابي أو تابعي أنه هو القنوت، ويشتمل عليها كلها، وهو المختار عندي.
قول ابن عباس: ﴿قَانِتِينَ﴾، قال: مطيعين.
فكل هذه الأحوال طاعة للَّه، وقد وافقه على ذلك جماعة من التابعين، وهو أحسن ما روي في ذلك.
стр. 264
٢٣٩ - قال اللَّه : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾
[الصلاة عند اشتداد الخوف]
رخص اللَّه ﵎ لهم إذا (١) كانوا في المسابقة والمحاربة، فخافوا إن تشاغلوا بالصلاة -إن تركهم العدو، وهذا إذا اشتد الأمر، ولم تكن صلاة الخوف التي هي على الأرض، وقسم الجيش لها- أن يصلوا رُكبانًا على دوابهم، ورَجّالَةً حيث ما توجهت بهم وجوههم، وإذا خافوا فَوْتَ الوقت، فيومِئون إيماءً، من غير إسقاط شيء من الركوع والسجود، ولكن يكون في إيمائهم خَفْضُ السجود عن الركوع، وإذا كانت الحرب وهم سَفْرٌ صلوا ركعتين، وإن كانت في إقامة صلوا أربعًا، لا يُنقِصون من العدد شيئًا، ولا من القراءة المفروضة دون المسنونة، ولا من الركوع، ولا من السجود، ولكن يسقط عنهم الركوع والسجود المستوفَيان، ويجعلونهما إيماءً، ويسقط عنهم استقبال القبلة إذا عجزوا عنها، وهذا قول مالك ﵁ (٢)، اتبع فيه من تقدمه، ابن عمر وسائر التابعين (٣).
وقد روي عن حذيفة مثل ذلك، واللَّه أعلم بصحته.
стр. 265
٢٦٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾
الطيبات التي أمر اللَّه ﵎ بالإنفاق منها: الحلالُ، لأن النبي ﷺ قال: "لا يقبل اللَّه صدقة من غُلول" (١)، فأمر أن يُتقرب إليه بالطيب من اكتسابهم، ولا يتقربون إليه بحرام.
ويدخل في ذلك أيضًا ألا يتقرب إنسان إلى اللَّه برديء الطعام، وحَشَف (٢) التمر، وما أشبه ذلك مما لا يأكله ولا يرضاه الإنسان لنفسه، ولو أُعطيَه لم يقبله، ألا ترى إلى قوله سبحانه: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وإلى أمر النبي ﷺ حين وجه بالمُصَدِّق، أن لا يأخذ رفيع الغنم، ولا العَوار (٣) منها، وأن يأخذ الوسط.
وقيل له: إنا نأخذ عِذْق ابن حُبَيْق (٤) ومُصْران الفارة (٥) في الصدقة، فنبيع الصاعين بالصاع الجيد، فقال النبي ﷺ : "لا تفعل، بِع الجُعرور (٦) بالدراهم،
стр. 266
واشتر بالدراهم جنيبًا (١) " (٢)، فأمره بابتياع الجيد للمساكين، وبهذا الذي ذكرناه جاء تفسير المفسرين لهذه الآية.
* * *
стр. 267
٢٧٢ - قال اللَّه : ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾
[الصدقة على غير المسلمين]
تكلم المفسرون في هذه الآية واختلفوا اختلافًا كثيرًا، فقال بعضهم: يتحرَّجون من الصدقة على أهل الكتاب وعلى سائر الكفرة، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى آخر الآية، فكانوا يتصدَّقون عليهم (١).
فقال بعضهم: من زكاة الأموال.
وقال بعضهم: من زكاة الفطر.
وقال بعضهم: من الصدقةِ التطوعِ دون الفريضة.
قال القاضي ﵀: فتأملت ذلك فوجدت اضطراب الأقاويل واختلافها، ووَهْيَ أكثر أسانيدها، ووجدت بعضهم يقول: لا يُتصدق على يهودي ولا على نصراني، ومنهم من كره الصدقة عليهم، فكان التوسط في ذلك أولى، وهو قول مالك ﵁، أنه يُتصدَّق عليهم من التطوع، ولا يعطَون من الواجبات، من الزكاة (٢)، وصدقة الفطر (٣)، وما أشبه ذلك.
стр. 268
فأما زكاة الأموال، فإن اللَّه قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]، إلى آخر الآية، وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، والصدقة لا تطهِّر الكافرين، فلا تؤخَذ منهم، كذلك لا يعطَون منها، لقول رسول اللَّه ﷺ لمعاذ: "خذْها من أغنيائهم، واردُدها على فقرائهم" (١).
وأما صدقة الفطر فإن النبي ﷺ قال، رواه نافع عن ابن عمر، أن النبي ﷺ أمر بصدقة الفطر، وقال: "على الصغير والكبير، والحر والعبد من المسلمين" (٢)، رواه أبو معشر، وقال فيه: فكانوا يخرجونها قبل الخروج إلى الصلاة، وقال النبي ﷺ : "أغنوهم عن طواف هذا اليوم" (٣).
فدلَّ قوله ﵇: "أغنوهم عن طواف هذا اليوم" أنهم فقراء المسلمين، لتشاغلهم بعيدهم، وإنما قيل: إن الصدقة تؤخذ من أغنياء المسلمين ولا تؤخذ من الكافرين، وقد قال ﵇ لمعاذ ﵁: "ادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلِمْهم أن عليهم خمس صلوات، فإن أطاعوا لذلك فأعلِمْهم أن عليهم زكاة"، وقال: "اردُدها على فقرائهم" (٤)، لم تُدفَع إلا إلى فقراء المسلمين، ولم تدفع إلى الكافرين.
стр. 269
فأما الصدقة المتطوَّع بها، فهي التي أُريدت بالآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر الآية.
ولا بأس أيضًا بالعتق أن يوضع في الكافرين من أهل الكتاب، ولا يجوز ذلك من الواجبات، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "من أعتق رقبة مؤمنة كانت فَكاكه من النار، كان كل عَظم منه بعَظم منه" (١)، ولم يقل ذلك في الكافرة، وكنا نعلم أن عتق المؤمنة أفضل من عتق الكافرة، وإن كان في ذلك كله ثواب، كما أن السَّليمة أعظم ثوابًا من المَعيبة، فالصدقة الواجبة لا توضع إلا فيما يكون أعظم ثوابًا وأفضل، وكذلك الصدقة على المؤمنين أفضل من الصدقة على الكافرين، وباللَّه التوفيق.
* * *
стр. 270
٢٧٥ - ٢٧٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ (١) تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾
[ما سَلَف من الرِّبا]
معنى هذه الآية واللَّه أعلم: ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾، إلى قوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، وإلى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾، فعلم أن ذلك فيمن أسلم وله ربًا، لم يعتضد بقوله : ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، فأما ما قد كان وقُبض فهو مما سلف، وهو مما لم يَبقَ من الربا، وقد قال النبي ﷺ يوم النحر: "أي يوم هذا؟ " قالوا: يوم الحج الأكبر، قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا لا يجني جانٍ إلا على نفسه"، الحديث بطوله، وقال فيه: "وكل ربا موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلِمون ولا تظلَمون" (٢).
стр. 271
[عقوبة الرِّبا]
وأما قوله : ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ فإن ذلك حين يبعث من قبره، فإنه يقوم كالذي (١) يتخبطه الشيطان من الجنون.
ولعن رسول اللَّه ﷺ آكل الربا، ومؤاكله، وشاهديه وكاتبه (٢)، وهذان لُعِنا لأنهما أعانا على محاربة اللَّه، ومحاربة [رسوله] (٣)، وعصيانه، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 272
٢٨٠ - قال اللَّه : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾
[إنظار المُعْسِر]
وقال قوم من المفسرين منهم شريح: إن هذه الآية في الربا (١).
وقال آخرون: إنها في كل ذي عُسرة (٢).
فأما شريح ومن قال بقوله، قالوا ذلك لأنه يعقُب ذكر الربا، فظنوا أنه فيه.
قال سيبويه: الربا قد أسقطه اللَّه وأنظَره، فكيف يكون فيه نظِرة؟ وإنما النظِرة في رأس المال، واللَّه ﵎ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
والقراءة: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ إنما تقع هي بالرفع، فلما كانت كذلك، عُلم أنه لم يَعْن بها صاحب الربا، لأنه لو كان عنى بها صاحب الربا لقيل: (وإن كان ذا عُسرة)، أي: إن كان الذي عليه الربا ذا عسرة، فلما قيل: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو
стр. 273
عُسْرَةٍ﴾ عُلم أنه مبتدأ في كل ذي عسرة عليه دَين، فصار في معنى وإن وقع ذو عسرة، كما يقول القائل: قد كان الأمر، أي: وقع، وكما يقول: أعرفه منذ كان.
وقال اللَّه ﵎: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فقرئت بالرفع، لأن ذلك لم يُعْطَف على شيء قد مضى فينصب، وإنما هو في معنى: وإن وقع تجارة حاضرة، وقال الشاعر:
فِدًى لِبَني شَيْبانَ أُمّي وخالتي ... إذا كان يومٌ ذو كواكبَ أشهبُ (١)
أي إذا وقع يوم بهذه الصفة.
٢٨٠ - وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، يريد: من رؤوس أموالكم، ولو قال الذي قال: إن العُسرة معطوفة على رأس مال المرء كان جائزًا، ولا فرق بين رأس المال (٢) وبين غيره، والدَّين إذا قدر على أدائه من الأمانات كالوديعة وما أشبه ذلك، الواجب الخروج منه، لأن مَطْلَ الغني ظلم (٣)، وإذا ثبت الإعسار فلا سبيل إلى المطالبة، ولا إلى الحبس بالدين، ولا خطاب إلى الميسرة.
* * *
стр. 274
٢٨٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾
[مشروعية الدَّين]
قال ابن عباس: أشهد أن السَّلَفَ المضمون (١) إلى أجل قد أذن اللَّه فيه، فهو مسمى في كتابه وأذن فيه، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية (٢).
وقالت عائشة ﵂: "لما نزلت هذه الآية من آخر سورة البقرة، خرج رسول اللَّه ﷺ إلى المسجد فقرأهن، ثم حرّم التجارة في الخمر"، وهذا واللَّه أعلم قبل نزول تحريمها.
ولما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة وجد الناس يُسْلِفُون في التمر السنتين والثلاثة، فقال: "من سَلَّفَ في تمر، فَليُسْلِفه في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (٣).
стр. 275
وقال عبد اللَّه بن أبي أوفى: كنا نُسْلِمُ في عهد رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وعمر في الحنطة والشعير والتمر إلى قوم ما هو عندهم (١).
وقال ابن عباس، وابن عمر، وعبد اللَّه بن معقل، وجماعة من التابعين: إنه لا بأس بالسَّلَم (٢).
قال إسماعيل بن إسحاق: المداينة إلى أجل مسمى: كل عاجل يباع بآجِل، وآجِل يباع بعاجل، مثل أن يبيع الرجل ثوبًا أو عبدًا أو دارًا أو ما أشبه ذلك من العروض بدنانير إلى أجل، أو بدراهم إلى أجل، أو بطعام موصوف مسمى مبلغه إلى أجل، أو بعض ذلك من العُروض إذا كان مخالفًا للعَرْض المبيع، أو مثل أن تشتري بدراهم عاجلة، أو بدنانير عاجلة، أو بطعام عاجل عَرْضًا موصوفًا إلى أجل، إذا كان مخالفًا للعرض الأول، فهذا الذي ذكر اللَّه في الآية، ويسميه الناس بالسلَم، وقال ابن عباس ﵁ فيه: إن اللَّه أباحه بالآية.
* * *
стр. 276
٢٨٢ - قال اللَّه : ﴿فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾
[شروط الكاتب]
قال مالك بن أنس ﵁: لا ينبغي أن يَكتبَ الكُتُبَ بين الناس في مدايناتهم، ومبايعاتهم، وشروطهم، إلا عارفٌ بها، عدلٌ في نفسه، مأمون (١) على ما يكتبه، لقوله : ﴿فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾، وروى عبد الملك (٢) عن مالك.
[أحكام الكاتب والشاهد ومن عليه الحق]
وقال المفسرون: ليس بواجب على الناس إذا دُعِيَ الكاتب ليكتب فليس بواجب أن يفعل، إذ الكتاب كثير، فإن كتب فلا يكتب إلا بالعدل، وكذا إذا دُعِي الشهود للشهادة فليس يلزمهم، فإن شهِدوا فلا يأبى الشهداء إذا ما دعوا، فإذا أوقع شهادته لَزِمه إقامتها إذا دُعِيَ لإقامتها، فهذا موضع الفرض عليه.
٢٨٢ - وأما قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، وهذا على قسمين إن كان لا يوجد غيره، وإذا كان يوجد غيره، ومعناه: أن يكتب، فلا يأبى أن يكتب بالعدل.
стр. 277
٢٨٢ - ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾، وهو المُسيءُ الفِعال في ماله، ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾، وهو المُخْتَلُّ العقل الذي يُوَلّى عليه، ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾، معناه: فليُقِرَّ وليه بما عليه، وليشهد بما أشهد الولي به في مال المولى عليه إذا كان مأمونًا، فهو لازم له.
فظاهر قول اللَّه : ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، يدل على أن القول قول من عليه الشيء، ومما يقوي ذلك قوله تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾، وَعَظَهُ لَمّا جُعِل القول قولَه.
٢٨٢ - ﴿فَإِنْ (١) كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.
[معنى السَّفَه وأنواعُه]
فالسفيه هاهنا: المستحق للحَجْر عليه في ماله، والضعيف في عقله والمجنون والمعتوه، والذي لا يستطيع أن يُمِلَّ: الصغير، وهذا القول هو الذي نعمل به دون الذي قدمنا ذكره، لأن هؤلاء جميعًا يوَلَّى عليهم، فلما قيل: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ عُلم أنه يولَّى عليه للعلة التي وصفنا.
وقد ذُكِر السفيه في غير موضع آخر من القرآن، ودلت مواضعه على أن بعض ذلك أريد به السفه في الدين خاصةً، وبعضه أريد به المال، قال اللَّه : ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]، وقال : ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]، فعُلِم أن السفه هاهنا في الدين.
стр. 278
وقال : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، فعُلم أن القصد في هذا الموضع المال، والسفيه يولَّى عليه، ومعنى ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾، وهي أموال السفهاء، يريد: في أيديكم تَلونَها (١) لهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، وإنما قيل: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾، كما قيل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، وقال اللَّه : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] أي: فليقتل بعضكم بعضًا، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١].
والسَّفه -واللَّه أعلم-، وإن كان في موضع أريد به الدين، وموضع أريد به المال، يرجع إلى معنى واحد، هو الجهل في الشيء الذي قصد له، فالسفيه في الدين هو الجاهل فيه، والسفيه في عقله هو الجاهل فيه، يقول الشاعر:
نَخافُ أن تُسَفَّهَ أحْلامُنا ... ونَخْمُلَ الدَّهْرَ مع الخامِل (٢)
وقد روي في تفسير ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ عن التابعين، فقال بعضهم: النساء والصبيان، وقال بعضهم: اليتامى، وسنذكر ذلك في سورة النساء إن شاء اللَّه ، فإنه غلط عظيم.
* * *
стр. 279
٢٨٢ - قال اللَّه : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾
[شرط الإشهاد]
قال مالك ﵁: ظاهر الآية يدل على أنهم الأحرار.
وقال ذلك مجاهد (١).
وكذلك قول اللَّه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، فالظاهر أنه أريد به الأحرار الذكور.
وكذلك قال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، فمنكم معطوف على الرجال الأحرار، فهن الحرائر، لأنه قال بعد ذلك: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، فسُمُّوا بالعبيد والإماء، ولم يدخلوا في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾، وكذلك يُسمَّون في سائر القرآن، قال اللَّه : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فلذلك (٢) تجيء أسماؤهم في المعاملة بين الناس.
والشاهد إنما هو قوّام يعدِل، قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا
стр. 280
فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]، فذكر الشهادة مع القيام بالعدل، فجرت الشهادة مجرى الحكم، وعلم أن هذه المخاطبة أُريد بها الأحرار، لقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]، فعلم أنه القِسط بين الناس، وأنها الحقوق بينهم.
وقال: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، فكان إقرار الحر على نفسه بالمال جائزًا، ولم يكن إقرار العبد على نفسه بالمال جائزًا (١).
وقال جل وعز: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾، فدل ذكر الغنى والفقر في الوالدين والأقربين على أنه أريد به الأحرار، وأنها في الأحرار، لأنهم الذين ينفِق بعضهم على بعض، ويُوارِث بعضهم بعضًا، فأُمروا ألا يَميلوا عليهم بغير الحق، فلما لم يجز أن يكون العبد حاكمًا، لم يجز أن يكون شاهدًا، ولم يجز أن تكون المرأة حاكمًا، وإن كانت تجوز شهادتها مع شهادة أخرى، لأن إحداهما قد ضمَّت الأخرى للشهادة، ولا يجوز أن تُضَمَّ الواحدة إلى الأخرى فتكونا بمنزلة حاكم، فيكون أحدهما نصف حاكم.
وأما قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، فالعبد لا يجوز له أن يشهد إلا بإذن سيده، فخرج ممن خوطب بالشهادة وإقامتها.
والشهادة مفترَضة على الناس في الجملة، وليست على كل إنسان، لأن الناس يكفي بعضهم بعضًا (٢)، كالجهاد، ولا يجوز أن تكون هذه الجملة مفترضة على من لا يقدر أن يفعلها إلا بأمر غيره، فخرج العبد عن أن يكون داخلًا في المخاطبة بالشهادة والحكم (٣) والجهاد، ولو كان مخاطبًا بالغزو لكان له سهم،
стр. 281
وقد قال ابن عباس ﵁: النساء والعبيد كانوا يحضرون الجهاد مع رسول اللَّه ﷺ ، فلم يكن يضرب لهم بسهم، وكان يرضخ لهم (١).
٢٥ - أنا إسماعيل، قال: نا علي بن المديني (٢)، قال: نا عبد اللَّه بن وهب، قال: نا يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: قضى عثمان بن عفان ﵁ في الصغير يشهد بعد كبره، والنصراني بعد إسلامه، والعبد بعد عتقه، أنها جائزة إن لم تكن ردت عليهم قبل ذلك.
وهذا قول إمام بإسناد جيد (٣). والروايات في هذا تكثر.
* * *
стр. 282
٢٨٢ - قال اللَّه : ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾
قرأها بعضهم: ﴿فتُذْكِر إحداهما﴾، بالتخفيف.
وقرأها آخرون بالتثقيل.
وهما لغتان مستعملتان، والمعنى فيهما واحد، يقول: ذَكَّرْت فلانًا، وأذْكَرْت فلانًا، ومعناهما: إن نسيَت إحداهما أذكرَتها الأخرى.
[حكم أداء الشهادة]
وإذا دُعِيَ الشاهد لإقامة الشهادة، وقد كان شهد، فكل أهل العلم ألزموا الشاهد إقامتها إذا دعي لها وقد كانت شهادته تقدمت، فهذا غير مختلَف فيه أنه قد لزمه الإقامة.
وقبل أن يشهد فليس عليه أن يشهد، لأنه شيء على الجملة، وليس بهم ضرورة إلى إنسان بعينه، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 283
٢٨٢ - قال اللَّه : ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾
[حكم الكتابة والإشهاد]
قول مالك في هذا: أن الإنسان مخيَّر في أن يكتب على غريمه، ومخيَّر في أن يأتمنه فيدَع ماله في ذمَّته بغير شهادة، وأن ما أُمِروا به من الكتاب والشهادة على (١) سبيل الاحتياط لهم إن اختاروا ذلك.
وقد اختلف المفسرون في تفسير ذلك، فقال بعضهم: الإشهاد واجب (٢).
وقال بعضهم: ليس بواجب (٣).
وقال بعضهم: إن قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ناسخ (٤) لما مضى من أمر الشهادة (٥)، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.
стр. 284
وليس يحرم على الإنسان بإجماع الجماعة أن يَهَب الرجل ماله وأن يُودِعَه، فلما كانا جائزين، كان للإنسان أن يأتمن على ماله مَن شاء في الأمانة والذمة، لا يحرم ذلك عليه، لأن الذي حرم اللَّه عليهم في البيوع: الربا وأبواب الغَرَر، وإذا كان ذلك كله في الأثمان نفسها إلى بعضها عوض من بعض، فأما الثمن إذا ملكه إنسان، فسواء ائتمن عليه مبايِعُه أو إنسان غيره.
[الحكمة من الإشهاد والرهن]
وكذلك أمروا بالرهن احتياطًا، كما أمروا بالشهادة احتياطًا، ووثيقةً بالمال، وذكر الرهن إذ لم تمكن الشهادة، ليُعلم أن الرهن يكون وثيقةً إلى منتهى مبلغه، كما تكون الشهادة وثيقةً لمبلغ الشيء بمن أراد تركهما، ثقةً في معاملته، وسكونًا إليه، كان له ذلك كما له أن يودع ماله من شاء، فإن أراد الاستيثاق فقد جعل اللَّه الشهادة والرهن وثيقةً، فإذا أخذ الرهن وأشهد على أنه رهن فقد توثق لماله، وإذا أشهد شاهدين فقد توثق لماله.
[القضاء بالشاهد واليمين]
وقد قال العراقيون -مخالفةً لباطن الآية ومخالفةً للسُّنّة- بترك إجازة الشاهد واليمين، ولما جعل اللَّه الشاهدين -مع علمه بأن أحدهما قد يموت قبل صاحبه- وثيقةً، لم يجُز أن يأمر بما في علمه أنه غير وثيقة، فلما علم اللَّه ذلك، وكانت اليمين للمُدَّعى عليه إذا لم تكن بينة يدفع بها عن نفسه لقوته باليد المُدَّعى عليه، كان المُدَّعي إذا مات أحد الشاهدين أقوى بالشاهد الواحد من المدعى عليه باليد، إذ كانت يده بيانًا منه، وشهادة الشاهد بيانًا للمدعي من غيره، فوجب بذلك أن تكون اليمين له، فيكون ما أمر اللَّه به وثيقة صحيحة، متى بطل بعضها لم يبطل المال ببعضها، كالرهن الذي جعله اللَّه
стр. 285
وثيقةً، متى تلف تلفًا ظاهرًا كان المال ثابتًا على الغريم لا يزول بتلف الرهن، فيكون ما حكم به النبي ﷺ من الشاهد واليمين (١) مستخرَجًا من باطن الآية.
[القضاء بالمرأتين واليمين]
وزعم غيرنا أنه يقضي بالشاهد مع اليمين، وهو مع ذلك يدعي من علم القرآن ما لم نر أحدًا ادعاه، ثم يقول مع ذلك أنه لا يحكم بالمرأتين واليمين (٢)، فكأنه جعل ما أمر اللَّه به وثيقةً لا وثيقة، وقد قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، ولم يختلف الفقهاء أن ذلك ليس على عدم الرجلين، فيشهد المرأتين عند عدم أحد الرجلين، وإنما هو إن لم يحضر رجلان، وحضر رجل وامرأتان فأشهدوهم، فإن كانت المرأتان تقومان مقام رجل، فاليمين معهما واجبة كوجوبها مع الرجل، وإن كانتا تنقصان عن الرجل، فقد صار الرجل مع المرأتين شهادته شهادة رجل وبعض رجل آخر، وهذا ما لا وجه له، ولا يقوله أحد من أهل العلم، ولا يسوغ في عقل.
[اختلاف المرتهنَين في الدّين]
وقد اختُلف أيضًا في الرهن إذا تداعيا ما عليه، فقال المرتهِن: هو عندي على مائة، وقال الراهن: بل هو على خمسين، فقال أكثر المفسرين: القول قول الراهن (٣).