← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 39

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي

بكر بن العلاء

Полный текст (1 204 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقد قال ابن عباس ﵁: النساء والعبيد كانوا يحضرون الجهاد مع رسول اللَّه ﷺ ، فلم يكن يضرب لهم بسهم، وكان يرضخ لهم (١). ٢٥ - أنا إسماعيل، قال: نا علي بن المديني (٢)، قال: نا عبد اللَّه بن وهب، قال: نا يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: قضى عثمان بن عفان ﵁ في الصغير يشهد بعد كبره، والنصراني بعد إسلامه، والعبد بعد عتقه، أنها جائزة إن لم تكن ردت عليهم قبل ذلك. وهذا قول إمام بإسناد جيد (٣). والروايات في هذا تكثر. * * *

стр. 282

٢٨٢ - قال اللَّه : ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ قرأها بعضهم: ﴿فتُذْكِر إحداهما﴾، بالتخفيف. وقرأها آخرون بالتثقيل. وهما لغتان مستعملتان، والمعنى فيهما واحد، يقول: ذَكَّرْت فلانًا، وأذْكَرْت فلانًا، ومعناهما: إن نسيَت إحداهما أذكرَتها الأخرى. [حكم أداء الشهادة] وإذا دُعِيَ الشاهد لإقامة الشهادة، وقد كان شهد، فكل أهل العلم ألزموا الشاهد إقامتها إذا دعي لها وقد كانت شهادته تقدمت، فهذا غير مختلَف فيه أنه قد لزمه الإقامة. وقبل أن يشهد فليس عليه أن يشهد، لأنه شيء على الجملة، وليس بهم ضرورة إلى إنسان بعينه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 283

٢٨٢ - قال اللَّه : ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [حكم الكتابة والإشهاد] قول مالك في هذا: أن الإنسان مخيَّر في أن يكتب على غريمه، ومخيَّر في أن يأتمنه فيدَع ماله في ذمَّته بغير شهادة، وأن ما أُمِروا به من الكتاب والشهادة على (١) سبيل الاحتياط لهم إن اختاروا ذلك. وقد اختلف المفسرون في تفسير ذلك، فقال بعضهم: الإشهاد واجب (٢). وقال بعضهم: ليس بواجب (٣). وقال بعضهم: إن قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ناسخ (٤) لما مضى من أمر الشهادة (٥)، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.

стр. 284

وليس يحرم على الإنسان بإجماع الجماعة أن يَهَب الرجل ماله وأن يُودِعَه، فلما كانا جائزين، كان للإنسان أن يأتمن على ماله مَن شاء في الأمانة والذمة، لا يحرم ذلك عليه، لأن الذي حرم اللَّه عليهم في البيوع: الربا وأبواب الغَرَر، وإذا كان ذلك كله في الأثمان نفسها إلى بعضها عوض من بعض، فأما الثمن إذا ملكه إنسان، فسواء ائتمن عليه مبايِعُه أو إنسان غيره. [الحكمة من الإشهاد والرهن] وكذلك أمروا بالرهن احتياطًا، كما أمروا بالشهادة احتياطًا، ووثيقةً بالمال، وذكر الرهن إذ لم تمكن الشهادة، ليُعلم أن الرهن يكون وثيقةً إلى منتهى مبلغه، كما تكون الشهادة وثيقةً لمبلغ الشيء بمن أراد تركهما، ثقةً في معاملته، وسكونًا إليه، كان له ذلك كما له أن يودع ماله من شاء، فإن أراد الاستيثاق فقد جعل اللَّه الشهادة والرهن وثيقةً، فإذا أخذ الرهن وأشهد على أنه رهن فقد توثق لماله، وإذا أشهد شاهدين فقد توثق لماله. [القضاء بالشاهد واليمين] وقد قال العراقيون -مخالفةً لباطن الآية ومخالفةً للسُّنّة- بترك إجازة الشاهد واليمين، ولما جعل اللَّه الشاهدين -مع علمه بأن أحدهما قد يموت قبل صاحبه- وثيقةً، لم يجُز أن يأمر بما في علمه أنه غير وثيقة، فلما علم اللَّه ذلك، وكانت اليمين للمُدَّعى عليه إذا لم تكن بينة يدفع بها عن نفسه لقوته باليد المُدَّعى عليه، كان المُدَّعي إذا مات أحد الشاهدين أقوى بالشاهد الواحد من المدعى عليه باليد، إذ كانت يده بيانًا منه، وشهادة الشاهد بيانًا للمدعي من غيره، فوجب بذلك أن تكون اليمين له، فيكون ما أمر اللَّه به وثيقة صحيحة، متى بطل بعضها لم يبطل المال ببعضها، كالرهن الذي جعله اللَّه

стр. 285

وثيقةً، متى تلف تلفًا ظاهرًا كان المال ثابتًا على الغريم لا يزول بتلف الرهن، فيكون ما حكم به النبي ﷺ من الشاهد واليمين (١) مستخرَجًا من باطن الآية. [القضاء بالمرأتين واليمين] وزعم غيرنا أنه يقضي بالشاهد مع اليمين، وهو مع ذلك يدعي من علم القرآن ما لم نر أحدًا ادعاه، ثم يقول مع ذلك أنه لا يحكم بالمرأتين واليمين (٢)، فكأنه جعل ما أمر اللَّه به وثيقةً لا وثيقة، وقد قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، ولم يختلف الفقهاء أن ذلك ليس على عدم الرجلين، فيشهد المرأتين عند عدم أحد الرجلين، وإنما هو إن لم يحضر رجلان، وحضر رجل وامرأتان فأشهدوهم، فإن كانت المرأتان تقومان مقام رجل، فاليمين معهما واجبة كوجوبها مع الرجل، وإن كانتا تنقصان عن الرجل، فقد صار الرجل مع المرأتين شهادته شهادة رجل وبعض رجل آخر، وهذا ما لا وجه له، ولا يقوله أحد من أهل العلم، ولا يسوغ في عقل. [اختلاف المرتهنَين في الدّين] وقد اختُلف أيضًا في الرهن إذا تداعيا ما عليه، فقال المرتهِن: هو عندي على مائة، وقال الراهن: بل هو على خمسين، فقال أكثر المفسرين: القول قول الراهن (٣).

стр. 286

وقال بعضهم: القول قول المرتهِن إلى قيمة الرهن. وهذا الأخير هو قول مالك ﵁ (١) وأهل المدينة، وهو أشبه بظاهر القرآن، لأن اللَّه يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾، فوعظ المرتهن ولم يعظ الراهن، لأنه قد توثق منه، فكان الرهن وثيقةً لحقِّه، كالشهادة وثيقةٌ لحقِّه، فكل من كان القول قوله موعوظ (٢)، ألا تراه قال في أول الآية: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾، ولم يقل ذلك عند الشهادة والرهن، ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ لأنه قد توثق منه، فصار القول قول المرتهن مع يمينه إلى مبلغ قيمة الرهن، فإن ادعى مرتهن فوق قيمة الرهن، لم يحكم له إلا بقيمة الرهن، وكان فيما ادعاه من الفضل بمنزلة من ادعى على رجل حقًا لا وثيقة بيده منه، فكانت اليمين فيه على الراهن. وإنما تقول هذا في الرهن إذا ثبت أنه رهن، أو تقاررا على الرهن، فأما إذا قال صاحبه إنه وديعة، وادعى الذي هو في يده الرهن، فالقول قول مالك السلعة واليمين له، فيستحق بها. وأما قوله : ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾، يقول: ألا تشُكُّوا في الشهادة، يعني: إذا كان الشهود ممن يرضاه الحاكم الذي يستحق أن يكون حاكمًا، ألا تراه قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، وهذه مخاطبة للحكام.

стр. 287

وأما قوله : ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾، فهذا مما لا ينبغي أن يكتبوه، لأنه شيء يتعاطونه في اليوم مرارًا. [عدل الكاتب والشاهد] وأما قوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾، فمعناه واللَّه أعلم، وإن كان التفسير فيه اختلاف، فإن أحسنه: ولا يضار كاتب فيكتب ما ليس بحق، أو يفسد ما يكتبه ليبطل به الحق، ولا يضار الشهيد بالامتناع من إقامة الشهادة في الوقت الذي يرجو (١) به وصول الحق إلى حقه، ولا يكتب الكاتب غير الذي أُملي عليه، ولا يحوِّل الشاهد شهادته من كتاب إلى كتاب ليصير الحق حقَّين، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾، والفسوق: الكذب، والعدول عن الواجب، فيفسق الكاتب فيفسد كتابه، ويفسق الشاهد فيحول شهادته. وقال أبو الأسود الديلي: وتركُك بِرَّ الوالدين تَجَنُّبًا ... لِحَقِّهِما عند الإله فُسوقُ (٢) [شرط صحة الرهن] وأما قوله : ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، فقد اختلف الناس، فقال قوم: لا يكون رهنًا حتى يكون مقبوضًا. وقال آخرون: يكون رهنًا، ولا يصح إلا بالقبض (٣).

стр. 288

وقال آخرون: إذا كان الرهن على يد عدل، فليس بمقبوض (١). وقال آخرون: مقبوض، وهو قول مالك (٢)، لأن القبض إنما يكون على مالك الرهن، فإذا كان مقبوضًا على مالكه، فسواء كان على يد المرتهن، أو على يد عدل. * * *

стр. 289

٢٨٤ - قال اللَّه : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى قوله : ﴿مَا اكْتَسَبَتْ﴾ قال النبي ﷺ : "إن اللَّه تجاوز لأمتي عمّا حدَّثت به أنفسها ما لم تتكلم به، أو تعمل به" (١)، وقال ﵇: "تجاوز اللَّه لأمتي عن ثلاث، عن الخطأ، والنسيان، والكُره" (٢). ولما نزلت هذه الآية، وقد كانت نزلت على من قبلنا من الأمم فأبوها، فألزموها، وهو قوله : ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾، فلما نزلت على نبينا ﷺ ، جزَع أصحابه منها كجزَع مَن تقدمهم، فاستكانوا لها منة من اللَّه عليهم، فقال النبي ﷺ : "قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير"، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، ثم

стр. 290

أنزل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (١)، يريد ما عملت دون ما حدَّثت به أنفسها، ثم أمرهم فقال: قولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. فالإصر: هو ما أتته الأمم، وهو الخطأ والنسيان، وما أراده الإنسان بقلبه ولم يفعله فألزموه. فقال اللَّه لما دعا نبينا ﷺ : "قد فعلت" (٢)، فرفعَ الإصْر عنا، وذلك من نِعم اللَّه التي لا يؤدّى شكرُها، والحمد للَّه كما هو أهله. ٢٨٦ - وأما قوله : ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، فإنه النصر بالحرب، والنصر بالحجة، وقد فعل اللَّه تعالى ذلك، وله الحمد. آخر سورة البقرة، والحمد للَّه رب العالمين. * * *

стр. 291

سورة آل عمران

стр. 292

٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إلى قوله : ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي البصري قراءة عليه في منزله بمصر، عام إحدى وأربعين وثلاثمائة: قالت عائشة ﵂: تلا رسول اللَّه ﷺ هذه الآية إلى قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، فقال نبي اللَّه ﷺ : "إذا رأيتم الذين جادلون فيه فهم الذين عنى اللَّه، فاحذروهم" (١). وقال أيوب السختياني: ولا أعلم أحدًا من أصحاب الأهواء يخاصِم إلا بالمتشابه. روى ذلك عن عائشة ﵂ عبد اللَّه بن أبي مليكة ومن طرق كثيرة (٢). وروى حماد بن زيد عن أبي غالب قال: كنت بالشام فبعث المهلب سبعين رأسًا من الخوارج، فنصبوا على درج دمشق، ومرّ أبو أمامة، فنزلت فاتبعته، فلما وقف عليهم دمعت عيناه وقال: سبحان اللَّه، ما يصنع الشيطان ببني

стр. 293

آدم، كلاب جهنم، شر قتلى تحت ظل السماء هؤلاء، ثلاث مرات، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، ثم التفت إلي وقال: يا أبا غالب، إنك بأرض هم بها كثير، فأعاذك اللَّه منهم، قلت: رأيتكَ بكَيْتَ حين رأيتَهم؟ قال: بكيت رحمة لهم، إنهم كانوا من أهل الإسلام، هل تقرأ سورة آل عمران؟ فقلت: نعم، فقرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، وإن هؤلاء كان في قلوبهم زيغ فزيغ بهم، ثم قرأ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، فقلت: هم هؤلاء يا أبا أمامة؟ قال: نعم، قلت: من قبلك تقول أم شيء سمعته من النبي ﷺ ؟ قال: إني إذًا لجريء، بل سمعته لا مرةً ولا مرتين، حتى عَدَّ سبعًا، قال: إن بني إسرائيل تفرقوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة تزيد عليهم فرقة، كلها في النار إلا السواد الأعظم (١). وأما قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، فهو ابتداء الكلام ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، وآخر الكلام الأول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. قال طاوس: ذُكر الخوارج عند ابن عباس ﵁ فقال: يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه، وقرأ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، ويقول الراسخون: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ (٢). وكذلك فسرها من انتهى إلينا تفسيره. وأما قوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ فقال يحيى بن يعمر: هن الفرائض، والحدود، والأوامر، والنواهي، وهن عماد الدين، كما أن عماد الباب أم

стр. 294

الباب، وكما أن الرجل إذا كان مطاعًا يقال له: أم القوم، وكما أن مكة هي أم القرى، ومنها استخرجت القرى (١). وقد روي عن ابن عباس ﵁ في المحكمات اللواتي هن أم الكتاب فقال: المحكمات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ونحوها (٢). * * *

стр. 295

٩٧ - قال اللَّه : ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ قال عمر بن الخطاب ﵁: وافقت ربي في ثلاث، ووافقني في ثلاث، قلت: يا رسول اللَّه، لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى، قال: فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١). وقال المفسرون، ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعروة: الحرم كله مسجد، ومقام إبراهيم كل مقام له، من المقام الذي يصلى فيه، والمقام الذي يصلى إليه، ومن مقاماته في الحج (٢)، فأمروا أن يتخذوا من كل مقام له مصلى. وقد يكون المصلى من الصلاة، وقوله : ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ يدل على مقام إبراهيم في كل شيء منه من أمر الحج أو غيره مما وصفنا، وكذلك هي في المصحف ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾، وبها قرأ أهل المدينة، وأهل العراق.

стр. 296

وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قرأها: (آية بينة)، ويجوز أن يكون أراد المقام نفسه، أو أراد تفسيرًا، إلا أن العمل على ما في المصحف. * * *

стр. 297

٩٧ - قال اللَّه : ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [إقامة الحدود في الحرم] المعنى واللَّه أعلم في تفسير هذه الآية، أن ذلك كان في الجاهلية، ثم نزل في القرآن ما نزل من إقامة الحدود وغير ذلك، لأنهم كانوا في الجاهلية مَن قتل أو سرق أو أتى الحدود ثم دخل مكة، لم يعرض له حتى يخرج منها، وذلك أن اللَّه تعالى قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، فكانت العرب يُغِير بعضهم على بعض وأهل الحرم آمنون. وقد أنزل اللَّه الحدود والأحكام على العموم بين الناس، فليس يجوز أن يترك الآن حكم اللَّه في حرم ولا غير حرم، لأن الذي حرم الحرم هو الذي حرم معاصيه أن ترتكب، وأوجب فيها من الأحكام ما أوجب، وإنما معنى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ أي آمنًا من العادة التي كانت بين القبائل. * * *

стр. 298

٩٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ فقيل: يا رسول اللَّه، أفي كل عام؟ قال: "لا، ولو قلتُها لوجبت، الحج مرة واحدة، ومن زاد فهو متطوع" (١)، وقال في بعض الروايات: "ولو وجبت لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها عذِّبتم"، فنهى عن السؤال وقال: "إنما هلَك مَن كان قبلَكم لكثرة سؤالهم أنبياءهم، فإذا نهَيتُكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم" (٢). ولم يختلف أهل العلم باللسان أن قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، أن الحج: القصد. وقال النبي ﷺ : "الحج مرة واحدة، فإن زدتَ فهو تطوع" (٣). وقال غيرنا (٤): على الناس قصدين، قصد للحج، وقصد للعمرة (٥).

стр. 299

وقال علي بن أبي طالب ﵁ وقد سئل عن الحج والعمرة، فقال: أن تأتي بهما مؤتنفتين من دويرة أهلك (١). فكان هذا خطابًا لمن أراد التطوع بهما، لأن النبي ﷺ لم يوجب عليه القصد إلا مرة واحدة، فعُلم أن العمرة إن يُطَّوع بها كما يُتَطوع بالحج بعد الحجة الواجبة، كان على من دخل فيها إتمامها. وسئل النبي ﷺ عن العمرة، أواجبة هي؟ فقال: "لا، ولأن تعتمر خير لك" (٢)، روى ذلك جابر، وروي في الحج مثله فقال: "مرة واحدة"، وأن النبي ﷺ قال: "وإن زدتَ فهو خير لك"، فبان بذلك أن قول اللَّه ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، إنما هو المتطوِّع بهما، واللَّه تعالى أعلم بما أراد من ذلك. * * *

стр. 300

٩٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من ملك زادًا أو راحلة تبلغه إلى بيت اللَّه فلم يحج، فلا عليه إن شاء أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا، وذلك لأن اللَّه ﵎ يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ إلى آخر الآية [آل عمران: ٩٧] " (١). ٢٦ - نا أبو مسلم، قال: نا مسلم بن إبراهيم، قال: نا هلال بن عبد اللَّه مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي، قال: نا أبو إسحاق الباهلي، عن الحارث، عن علي، ورواه ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "الحاج الشَّعِث التَّفِل (٢)، وأفضل الحج العَجُّ والثَّجُّ، والسبيل الزاد والراحلة" (٣). وقال بعضهم: السبيل: الصحة والقدرة إلى التوصل إلى إقامة الحج (٤). فالسبيل عندنا: الزاد والراحلة لمن يمكنه أن يبلغ بالزاد والراحلة، ولا يُقدر على البلوغ إلا بذاك، وذلك مشروط مع الصحة.

стр. 301

ولو أن رجلًا يمكنه المشي إلى الحج، وهو لا يملك راحلة ويقدر على الزاد، لوجب عليه الحج، لأنه يستطيع إليه سبيلًا، لأن قوله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ مفهوم غير مُشكل، وكل من قال أو روى ذكر الزاد والراحلة، فإنما أراد عندي التغليظ على من مَلك هذا المقدار ولم يحج، لأنهم ذكروا أقل الأملاك التي يبلغ بها الإنسان الحج، ألا ترى اللَّه ﵎ قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧]، ومعنى رِجالًا ورَجالًا (١)، واحدهم الرَّجّالة. * * *

стр. 302

٩٧ - قال اللَّه : ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ قال بعض المفسرين: من كفر باللَّه (١). وقال بعضهم: من كفر بالحج، ولم يره واجبًا (٢). وقيل عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار، فينظروا كل رجل لم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين (٣). وروي عنه أيضًا أنه قال: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة. وقال ابن عباس ﵁: لو ترك الناس الحج عامًا واحدًا ما نوظروا بعده. وقال جماعة من المفسرين منهم الحسن، وسعيد بن جبير، وغيرهما، فيمن ترك الحج، هل يقال له كافر؟ قالوا نعم.

стр. 303

وقال عمر بن الخطاب ﵁: من مات ولم يحج وهو موسر، فيمت إن شاء يهوديًا، وإن شاء نصرانيًا (١). وقال إبراهيم النَّخعي: قال الأسود في رجل موسر لم يحج: إنك إن مِتَّ على هذه الحال لم أُصَلِّ عليك. وقال علي بن أبي طالب، وأسامة ﵄، عن النبي ﷺ : "من مات ولم يحج وهو قادر، فليمت يهوديًا أو نصرانيًا"، رواه الحسن بن علي، وعلي بن سابط، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ (٢). * * *

стр. 304

٢٨ - قال اللَّه : ﴿لَا يَتَّخِذِ (١) الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ القول في ذلك أنه لا ينبغي أن يوالى الكافر، إلا أن تدعوَ إلى ذلك ضرورةُ قرابةٍ يرعاها، أو مخالفة في الدنيا لا يجد بُدًّا منها، يُبطن في نفسه ضد ما يظهر منها. وقد قرئ: ﴿تُقَاةً﴾ و ﴿تقية﴾ (٢)، ومعناهما واحد. * * *

стр. 305

١٠٢ - قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ وحقُّ تقاة اللَّه أن يُطاع فلا يُعصى، ويُشكر فلا يُكفر، ويُذكر فلا يُنسى، وهذا ما لا يطيقه إلا من عصمه اللَّه بالورع، وحال بينه وبين ما ألزمه اجتنابه، وإنما يطيق ذلك النبي ﷺ وأمثاله. ولما علم اللَّه جل وعز ذلك خفف عن عباده رحمة لهم، فقال اللَّه ﵎: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦]، لأنهم لو أخذوا بحق تقاته، فاجتمع أهل السماوات وأهل الأرضين على أن يبلغوا حق تقاته ما بلغوا ذلك لعظم حقه، وإنما أراد ﷻ أن يعلم خلقه قدرته ثم يأتيهم برحمته فنسخها، وهَوَّن على خلقه بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، إذ الآية الأولى تكليف ما لا يطاق. * * *

стр. 306

سورة النساء

стр. 307

٣ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ معنى خفتم: تيقّنتم. [الزواج بالولية] قال الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ في قوله : ﴿وَإِنْ (١) خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، قالت: هي اليتيمة تكون في حِجر وليها تشاركُه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها، يُأمر أن يقسِط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنُهوا أن ينكحوهن إلا أن يُقْسِطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سُنَّتِهِن من الصداق، وأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة ﵂: ثم إن الناس استفتوا رسول اللَّه ﷺ بعد هذه الآية فيهن، فأنزل اللَّه : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، قالت: والذي ذكر اللَّه أنه يتلى عليكم في الكتاب: الآية الأولى التي فيها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، قالت عائشة ﵂: وقول اللَّه في الأولى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، رغبة

стр. 308

أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا فيه من أجل مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن، يعني: في الحال الأخرى (١). قال القاضي: وفي هذه الآيات روايات يقرب بعضها من بعض، ويقرب مما ذُكِر عن عائشة ﵂. والذي يراه مالك في ذلك، أن على ولي اليتيمة النظر لها، فإن كان غيره أصلَح لها زوَّجها من غيره، وإن كان هو أصلح من غيره أحسن النظر لها في الصداق، وتجنب مالها إلى أن ترضى لنفسها، ويوثق بحسن تدبيرها لمالها، وليس له أن يُؤْثِر نفسه بها والحظ لها في غيره. وقد روي عن عمر ﵁ نحوٌ (٢) من ذلك، وهذا أصح ما روي في تفسير هاتين الآيتين، ومن فعل غير ذلك كان خارجًا عن الولاية. وأما قوله : ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، يريد: قد أحلَلْتُ لك أربعًا من اللواتي يلين أنفسهن فشأنك، ولا تَعْرِض لليتيمة وأنت لا تُنصفها في الصداق وغيره، واللَّه أعلم. * * *

стр. 309

٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال ابن عباس، والشعبي، وعكرمة، ومجاهد، والحسن، وأبو مالك، وإبراهيم، والضحاك، وأبو رزين: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾: ألا تميلوا، ألا تجوروا (١). وقال زيد: ألا يكثر من تعُولون (٢). واحتج الذين قالوا: ألا تميلوا بقول أبي طالب: بميزان قِسْط لا يُخِسُّ شعِيرة ... ووَزان صدق وزنُه غيرُ عائل (٣) وقال الشافعي ﵁: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾: ألا يكثر من تعولون (٤). وقد غلط الشافعي في التفسير واللغة وما يدل عليه الكلام، ثم جعل ذلك أصلًا من كتاب اللَّه جل وعز فيما يجب من نفقة المرأة على زوجها، والعول مشهور في اللغة، وقد ذكرنا ما ذكرنا فيه من التفسير. وقال أبو عبيدة: عول الفرائض إنما أخذ من هذا، وإنما قيل: عالت الفريضة أي: مالت عن وجهها لما حدث فيها، فذهب عن الشافعي علم اللغة

стр. 310

وعلم الكلام، لأن اللَّه جل وعلا قال: ﴿فَانْكِحُوا (١) مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾، أي: أدنى ألا يكون منكم عول، والرجل إذا كانت له امرأة واحدة أو مِلْك يمين فهو يعولها، فكيف يكون ذلك ﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ وهو في هذه الحال الموصوفة يقول هذا؟ [هذا] (٢) خطأ من الكلام قبيح. وإنما المعنى في قوله : ذلك أدنى ألا يكون منكم ميل إلى واحدة دون الأخرى، لأن الواحدة إذا كانت، لم يلزمه عدل بينها وبين الأخرى في قَسْم الأيام بينهن والنفقة، فتؤثَر بحسن المودة والمحبة، وإذا كانت واحدة وملك يمين، لم يلزمه عدل في نفقة ولا قسمة مبيت، فأي شيء في هذا مما يدل على النفقة وكثرة العيال؟ بل ملك اليمين أدل على كثرة العيال، لأن اللَّه إنما أباح من النساء أربعًا، وأباح من ملك اليمين ما شاء من العدد، وقال اللَّه ﵎: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]، فذكر الميل مع العدل، كما ذكر في الموضع الأول العَول مع العدل. وقال النبي ﷺ : "اللهم إنَّ هذا قَسْمي فيما أمْلِك" يعني: بين نسائه في المبيت وما إليه فعله، "فلا تؤاخذني بما تملِكُ ولا أملك" (٣)، يعني: في وما يجعله اللَّه في القلب، يريد أنه كان يحب عائشة ﵂ حبًا شديدًا دونهن. فهذا كله كلام بعضه من بعض، ولو لم يُدَّعى للشافعي علم اللغة لما كان الغلط يبقى عليه ويسطر في الكتب، فقد أخطأ غيره فعدَلت زلة من عالَم، واللَّه أعلم.

стр. 311

٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ قال قوم منهم شريح: إن طابت نفسها بشيء منه إلى الممات، فهو الهنيء المريء. وقال غيره: إذا طابت نفسها بشيء منه فليس لها العودة فيه وإن طلقها، وهذا مما عليه فقهاء الأمصار، لقول النبي ﷺ : "العائد في هِبَتِه كالكلب يعود في قَيْئِه" (١). * * *

стр. 312

٥ - قال اللَّه : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [نفي السفه عن المرأة والصبي] جاء في التفسير عن بعضهم: أنهم النساء والصبيان. وهذا ما لا وجه له، لأن السّفَه حال ذم، فكيف يخص النساء والصبيان بذلك، والصبيان غير مؤاخَذين بالذنوب؟ وكيف يجوز أن يعمَّ بهذا اللفظ النساء دون الرجال؟ وكيف يجوز أن يقال: إنه لا ينبغي أن يهَب الناس للنساء والصبيان الهبات، وبشير بن سعد الأنصاري قد نحل ابنه النعمان وهو صغير، فلم ينكرا ذلك عليه رسول اللَّه إلا من أجل أنه لم يُسَوِّ بين ولده بالعدل، وعثمان بن عفان ﵁ قال: من نحل ابنًا له صغيرًا (١) نِحلًا فأعلن ذلك وأشهد عليه، فهو جائز؟ فالهبة للصبي جائزة، لا تحتاج إلى الحَيْز لها. وكيف يجوز أن يخص النساء بالسفه، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]؟ وقد فرض اللَّه تعالى فرائض المواريث، وجعل للذكر نصيبه صغيرًا كان أو كبيرًا، سفيهًا كان أو رشيدًا، وجعل للأنثى مثل ذلك وإن نقص سهمُها عن

стр. 313

سهمه، فإذا وقع الميراث رجب المِلك لصاحبه، فإن كان رشيدًا تولى ماله، وان كان صغيرًا أو سفيهًا ذكرًا كان أو أنثى، حُفظ عليه مالُه. وكذلك الهبة تصح، وإن كان الموهوب له رشيدًا تولى القبض لنفسه، وإن كان صغيرًا أو سفيهًا حفظ عليه ماله ذكرًا كان أو أنثى. وإنما المعنى في قوله : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، أي: لا تدفعوا إليهم أموالهم، وإنما أضيف ذلك إلى الدافعين فقيل: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾، يعني: ولايةً، كقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، وكقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وقال: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾، فعُلم أن السفهاء يرزَقون من أموالهم ويُكسَون منها، والسفيه هو البالغ الذي يستحق الحَجْر. * * *

стр. 314

٦ - قال اللَّه : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ قال ابن عباس، وشريح، والقاسم، والشعبي، ومجاهد، وعكرمة، وزيد بن أسلم، ومالك بن أنس (١)، والضحاك، وربيعة، وابن شهاب، ومن انتهى إلينا تفسيره لهذه الآية: إن الابتلاء بعد البلوغ، وأنه لا يدفع إليه ماله حتى يُؤنَس رُشدُه، ويُعرف منه الإصلاح في ماله، ولقد قال بعضهم: ولو بلغ مائة سنة، وقال بعضهم: وشَمِطَ (٢) ولم يؤنس رشده لم يدفع [إليه] (٣) ماله. وقال أبو حنيفة: لا حَجْر على بالغ. وهذا القول مخالف لكتاب اللَّه تعالى ولجملة المسلمين، لأن اللَّه [قال] (٤): ﴿إِذَا (٥) بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا﴾، فدل على أنه من لم يؤنس منه رشد كان على الحَجْر، واللَّه أعلم.

стр. 315

٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال القاسم بن محمد، عن ابن عباس: إن رجلًا سأله فقال: إن لي إبلًا، وليتيم في حجري إبل، وأنا أمنح من إبلي وأُفْقِرُ (١)، فما يَحِل لي منها؟ قال: إن كنتَ تلتمس ضالَّتها، وتَهْنَأ جَرْباها (٢)، وتَلُوط حوضها (٣)، وتسعى عليها، فاشرب من ألبانها، غير مضِرٍّ بنَسْل، ولا ناهِكٍ في ظهر (٤). وقال القاسم: ولو رواه عن النبي ﷺ لكان أحسن. والروايات في هذا تكثر وتتسع. والذي أراد اللَّه ﵎ -واللَّه أعلم بما أراد من ذلك-، أنه إذا كان الوصيُّ غَنِيًّا غير محتاج إلى مال اليتيم فليس له أن يأكل منه، ولا ينتفع منه بشيء، إذ أمره اللَّه بذلك، فإن كان فقيرًا، وكان قيامه على اليتيم يُشغله عن التصرف وطلب المعاش لنفسه وعياله، كان له أن يأخذ من مال اليتيم ما يكفيه وعيالَه بالمعروف، ليس له أن يَتَأَثَّل منه مالًا، ومع ذلك لم فينبغي له أن يَسْتَنْمِيَ لليتيم في ماله، حتى لا تقدح نفقته بالمعروف، وما يخرج من زكاة مال

стр. 316

اليتيم في مال اليتيم ولا تنقصه، ويلزمه اختبار اليتيم، فإن آنس منه رشدًا لم يغتنم ما يصير إليه من مال اليتيم، فيدفع إليه ماله ويُشهد (١) عليه كما أمره اللَّه تعالى. * * *

стр. 317

٧ - قال اللَّه : ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [سبب النزول] نزلت هذه الآية لأنهم كانوا لا يُوَرِّثون النساء، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، ذكر ذلك معمر، عن قتادة (١). * * *

стр. 318

٨ - قال اللَّه : ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ قال ابن عباس وجماعة: إنها غير منسوخة، وإنه ينبغي أن يعمل بها، فيرْضَخ لذي القربى واليتامى والمساكين من المال الذي يقسم بين الوُرّاث (١). وقال آخرون، ومنهم عبد اللَّه بن عباس، خلافًا لما روي عنه: إن ذلك في الوصية إذا أراد الميت أن يوصي (٢). وقال بعضهم: إنها منسوخة بما نزل من المواريث (٣). وقال بعضهم: إن كان الورثة رجالًا ونساء فإنهم يُعطون ذوي القربى ما طابت به أنفسهم، وإن كان الورثة صغارًا لم يُعطوا من مالهم شيئًا، وقالوا لهم قولًا معروفًا (٤).

стр. 319

والصحيح واللَّه أعلم، أن آية المواريث نسخت ذلك كله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾، فلما قيل: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾، عُلم أن الشيء قد رجب لأهل المواريث حين مات الميت على قدر مواريثهم. ومن زعم أن ذلك من الوصية فإن اللَّه تعالى قال في المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، فليس يجوز أن ينقص أهل المواريث مما جعل لهم، إلا الدّيْن فإنه مُبدَأ ثم الوصية، مشاركة لهم على ما أوصى به، إلا أن تكون الوصية للفقراء أو في أبواب البر، فيخص منها أولوا القربى واليتامى بالاجتهاد في ذلك، وفي بعض ما روي عن ابن عباس ﵁ ما يدل على ذلك، واللَّه أعلم بما أراد منه. * * *

стр. 320

١١ - قال اللَّه ﵎: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ ٢٧ - أخبرنا إسماعيل قال: نا مُسَدَّد، ونا زياد قال: نا مسدد، قال: نا بِشر بن المفضل، قال: نا عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد اللَّه قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ حتى جئنا امرأة من الأنصار في الأسواف (١)، -وهي جَدة خارجة بن زيد-، فزرناها ذلك اليوم، فرشت لنا صورًا من نخل فقعدنا تحته، وذبحت لنا شاة، وعلقت لنا قِربة ماء، فبينما نحن كذلك نتحدث إذ قال رسول اللَّه ﷺ : "الآن يأتيكم رجل من أهل الجنة"، فدخل علينا أبو بكر الصديق ﵁، فتحدثنا ثم قال: "الآن يأتيكم رجل آخر من أهل الجنة"، فطلع علينا عمر بن الخطاب ﵁، فتحدثنا ثم قال: "الآن يأتيكم رجل آخر من أهل الجنة"، قال: فرأيته يطأطئ رأسه من تحت شعف الصور فقال: "اللهم إنك إن شئت جعلته علي بن أبي طالب" ﵁، فجاء حتى دخل علينا، فهنيناهم بما قال فيهم رسول اللَّه ﷺ ، فجاءت المرأة بابنتين لها فقالت: يا رسول اللَّه، هاتان ابنتا ثابت بن قيس، قتل معك يوم أحد، وقد استفاء عمُّهما مالَهما وميراثهما، فلم يدع لهما مالًا إلا أخذه، فما ترى يا رسول اللَّه؟ لا ينكحان أبدًا إلا ولهما مال؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : يقضي اللَّه في ذلك، قال: ونزلت سورة النساء ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الآية، فقال لي رسول اللَّه
следующие страницы →