اليتيم في مال اليتيم ولا تنقصه، ويلزمه اختبار اليتيم، فإن آنس منه رشدًا لم يغتنم ما يصير إليه من مال اليتيم، فيدفع إليه ماله ويُشهد (١) عليه كما أمره اللَّه تعالى.
* * *
стр. 317
٧ - قال اللَّه : ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾
[سبب النزول]
نزلت هذه الآية لأنهم كانوا لا يُوَرِّثون النساء، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، ذكر ذلك معمر، عن قتادة (١).
* * *
стр. 318
٨ - قال اللَّه : ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾
قال ابن عباس وجماعة: إنها غير منسوخة، وإنه ينبغي أن يعمل بها، فيرْضَخ لذي القربى واليتامى والمساكين من المال الذي يقسم بين الوُرّاث (١).
وقال آخرون، ومنهم عبد اللَّه بن عباس، خلافًا لما روي عنه: إن ذلك في الوصية إذا أراد الميت أن يوصي (٢).
وقال بعضهم: إنها منسوخة بما نزل من المواريث (٣).
وقال بعضهم: إن كان الورثة رجالًا ونساء فإنهم يُعطون ذوي القربى ما طابت به أنفسهم، وإن كان الورثة صغارًا لم يُعطوا من مالهم شيئًا، وقالوا لهم قولًا معروفًا (٤).
стр. 319
والصحيح واللَّه أعلم، أن آية المواريث نسخت ذلك كله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾، فلما قيل: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾، عُلم أن الشيء قد رجب لأهل المواريث حين مات الميت على قدر مواريثهم.
ومن زعم أن ذلك من الوصية فإن اللَّه تعالى قال في المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، فليس يجوز أن ينقص أهل المواريث مما جعل لهم، إلا الدّيْن فإنه مُبدَأ ثم الوصية، مشاركة لهم على ما أوصى به، إلا أن تكون الوصية للفقراء أو في أبواب البر، فيخص منها أولوا القربى واليتامى بالاجتهاد في ذلك، وفي بعض ما روي عن ابن عباس ﵁ ما يدل على ذلك، واللَّه أعلم بما أراد منه.
* * *
стр. 320
١١ - قال اللَّه ﵎: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾
٢٧ - أخبرنا إسماعيل قال: نا مُسَدَّد، ونا زياد قال: نا مسدد، قال: نا بِشر بن المفضل، قال: نا عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد اللَّه قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ حتى جئنا امرأة من الأنصار في الأسواف (١)، -وهي جَدة خارجة بن زيد-، فزرناها ذلك اليوم، فرشت لنا صورًا من نخل فقعدنا تحته، وذبحت لنا شاة، وعلقت لنا قِربة ماء، فبينما نحن كذلك نتحدث إذ قال رسول اللَّه ﷺ : "الآن يأتيكم رجل من أهل الجنة"، فدخل علينا أبو بكر الصديق ﵁، فتحدثنا ثم قال: "الآن يأتيكم رجل آخر من أهل الجنة"، فطلع علينا عمر بن الخطاب ﵁، فتحدثنا ثم قال: "الآن يأتيكم رجل آخر من أهل الجنة"، قال: فرأيته يطأطئ رأسه من تحت شعف الصور فقال: "اللهم إنك إن شئت جعلته علي بن أبي طالب" ﵁، فجاء حتى دخل علينا، فهنيناهم بما قال فيهم رسول اللَّه ﷺ ، فجاءت المرأة بابنتين لها فقالت: يا رسول اللَّه، هاتان ابنتا ثابت بن قيس، قتل معك يوم أحد، وقد استفاء عمُّهما مالَهما وميراثهما، فلم يدع لهما مالًا إلا أخذه، فما ترى يا رسول اللَّه؟ لا ينكحان أبدًا إلا ولهما مال؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : يقضي اللَّه في ذلك، قال: ونزلت سورة النساء ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الآية، فقال لي رسول اللَّه
стр. 321
- ﷺ : "ادع إليّ المرأة وصاحبها"، فقال لعمهما: "أعطهما الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فلك" (١).
قال القاضي: أخطأ ابن عقيل في هذا الحديث، هما ابنتا (٢) سعد بن الربيع، وهو الذي قُتل يوم أحد، وقُتل ثابت في حرب مسيلمة باليمامة (٣).
وفي هذه الآية ذكر ما فوق الاثنتين من البنات، ولم يذكر الاثنتين (٤)، فكان في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ [مِثْلُ] (٥) حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ دليل على أنه إذا كان ذكر وأنثى، أن للذكر الثلثين، والأنثى الثلث، فإذا رجب لها مع الذكر الثلث، كان الثلث لها مع الأنثى آكد، فاحتيج -واللَّه أعلم- إلى ذكر ما فوق الأنثيين، ومع ذلك فاللغة توجب حكم الأنثيين، وفوق الأنثيين، بمعنى واحد، فيجوز أن يراد أنثيين فما فوقهما، قال اللَّه : ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢]، وإنما يضرب الأعناق.
وقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، ولدُ الصُّلب من الذكور والإناث، وولد بنيه وبني بنيه الذين ينسبون بآبائهم إليه من الذكور والإناث، فإذا اختلف ولد الصلب، أو ولد ولدٍ وفيهم ذكر، فقد استحقوا بجملتهم الدخول في هذه الآية، ويُنزَلون على قدر القرب منه، ونحن نبيِّن ذلك في كتاب الفرائض إن شاء اللَّه.
стр. 322
١١ - قال اللَّه : ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ إلى قوله : ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾
قال علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن مسعود، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وكل من تكلم في التفسير إلا ابنَ عباس: إذا كان في المسألة ذو فريضة من زوج وزوجة، فللأم ثلث ما يبقى، وما بقي فللأب، وهو ثلثا ما بقي بعد الفريضة.
وقال ابن عباس ﵁: للأم الثلث كاملًا، وما بقي فللأب.
وأرسل ابن عباس إلى زيد بن ثابت: قال اللَّه ﵎: للأم الثلث، فأين قال ثلث ما يبقى قال زيد: قال اللَّه عز من قائل: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، ولم يذكر معهما وارثًا، فإذا صار معهما وارث فله سهمه، ثم يصير الباقي هو الذي ورثه أبواه، فلأمه الثلث منه، وما بقي وهو الثلثان فللأب.
وهذا موضع احتيج فيه إلى النظر، وليس هو ما نص اللَّه، فجعلنا نص اللَّه فيما بقي بعد الفريضة، إذ الفريضة التي ذكرها اللَّه لا زوج فيها ولا زوجة.
* * *
стр. 323
١١ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾
قال مالك ﵁: مضت السُّنة أن الإخوة اثنان فصاعدًا (١).
وهو قول جماهير أهل العلم.
وروي عن النبي ﷺ : "اثنان فما فوقهما جماعة" (٢)، غير أنه قد رواه الشيوخ.
وقال اللَّه ﵎: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢١ - ٢٢].
وقال الخليل بن أحمد: اثنان جماعة، وقولهما: فَعَلنا، حقيقةٌ، وقول الواحد: فَعَلنا، مجازٌ.
وقال اللَّه ﵎: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].
وقال اللَّه ﵎: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨].
وقد روي عن ابن عباس ﵁ أنه لم يحجب باثنين، ولعله خطأ عليه، لأنه بيت اللغة، ولا يذهب مثل هذا عليه، واللَّه أعلم.
стр. 324
١٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾
الإخوة والأخوات من الأم لا يرثون مع والد ولا مع جد، ويرثون مع الأم، ولا يرثون مع ولد ولا ولدِ ولد وإن سفُلوا، ولهم الثلث فريضة كَثُروا أو قَلّوا، اثنان فصاعدًا، والواحد له السدس، والواحدة كذلك، وقِسمتهم الذكرُ والأنثى في القِسمة سواء، هذا ما لا يختلف الناس فيه.
واختلفوا في فريضة يستغرق ولد الأم باقيتها ولا تكون عائلة، وهناك ولد أبٍ وأم فيهم ذكر قد انتقلوا به من التسمية إلى ما بقي، فإذا لم يبق شيء له، فإن عمر، وعثمان، وابن مسعود، وزيد، وعائشة يُشركون بينهم وبين ولد الأم إذا كانوا كلهم ولد أم، وهو قول مالك، وقد روي عن علي بن أبي طالب، وأبي موسى، وابن عباس أنهم لم يشركوا بينهم، حتى قال قائل: هب أبانا كان حمارًا (١)، أليست الأم؟ وهذا إلزام صحيح، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 325
١٧٦ - قال اللَّه : ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾
معناه: كي لا تضلوا، وهؤلاء هم الإخوة للأب، كانوا لأم أو لأمهات شتى، إلا أنهم يرثون بالأب.
وبيّن رسول اللَّه (١) ﷺ عن باطن الآية أن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العَلات (٢)، وأجمع المسلمون على ذلك في الذكور والإناث إذا اجتمعوا، أن المال لولد الأب والأم دون من كان من الأب، فإن كان ولد الأب والأم واحدة كان لها النصف، وكان لولد الأب الباقي، للذكر مثل حظ الأنثيين، كما يرثون جميع المال كذلك يفعل في سائر الفرائض، فإن كان الوارث أختًا لأب وأم وأختًا (٣) لأب، كان النصف ثم السدس، وما بقي للعصبة.
стр. 326
وقول أهل المدينة وغيرهم أن الأخوات مع البنات عصبة، إلا شيئًا يروى عن ابن عباس وابن الزبير، ثم رجع ابن الزبير عنه حين حدثه الأسود بن يزيد عن معاذ بن جبل في ذلك، فتَأَوّل ابن عباس ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾.
وهذه الآية توجب ألّا فريضةَ للأخت، وليس توجب ألّا شيءَ للأخت بعد البنت وغيرِها من أصحاب الفرائض، كما أن الأخَ يرث من الأخت المالَ كلَّه إذا لم يكن غيرُه، فإذا من أهل الفرائض دفع إليه ما بقي، ولم يمنعه أهل الفرائض من الباقي، كذلك لا يمنعها أهل الفرائض من الباقي.
وإذا كانت ابنةً وزوجة، كان للأخت وللأختين ما تبقى، وإذا كانوا يأخذون بغير التسمية، فليس يدخل أحد المعنيين على الآخر.
قال إسماعيل: ثنا علي بن المديني (١)، قال: نا معاذ بن هشام، قال: نا أبي، عن قتادة، قال: نا أبو حسان، عن أبي الأسود بن يزيد الكوفي، أن معاذ بن جبل وهو على اليمن ورَّث الإبنةَ النصفَ، والأختَ النصفَ الباقي، ورسولُ اللَّه ﷺ يومئذٍ حي (٢).
* * *
стр. 327
١٢ - وقال اللَّه : ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ ١٧٦ - وقال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ الآية
قال: وقال مالك ﵁: الأمر المجتمع عليه عندنا، والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا، أن الكلالة على وجهين، فأما الذي قال اللَّه : ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، فهذه الكلالة التي لا ترث مع ولد ولا ولد ولد، ولا مع أب ولا جد أبي أب.
وأما قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾، إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فهذه الكلالة التي يكون الإخوة فيها عصبة إذا لم يكن ولد، فيرثون مع الجد في الكلالة (١).
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: الكلالة كل من لم يرث، أب أو ابن أو أخ هو عصبة، فهو عند العرب كلالة ﴿يُورَثُ كَلَالَةً﴾ مصدر من تكلله النسب، أي تعطف النسب لم عليه، ومن قال ﴿يُورَثُ كَلَالَةً﴾، فهم الرجال الورثة، أي تعطَّف النسب عليه (٢).
стр. 328
ويُشبه أن تكون اللغة تحتمل هذا كله، فأريد بالآية التي في أول سورة النساء: من لا أب له ولا جد، وأريد بالآية التي في آخر السورة: من لا ولد له.
وإنما أوجب قول من قال في الكلالة في أول سورة النساء أنه من لا ولد له ولا والد، أن الجد في هذا الموضع يمنع الإخوة من الأم كما يمنعهم الأب، ولم يوجب هذا أن الجدّ يقوم مقام الأب مع الإخوة من الأب لأن البنت قد منعت الإخوة من الأم كما منعهم الأب والجد، ولم يقم مقام الأب مع الإخوة من الأب، وقد يقوم الوارثُ مقام الوارث في منع بعض الوارثين، ولا يقوم مقامه في منع كل من يمنعه الآخر.
فمن ذلك أن البنت تقوم مقام الابن في منع الزوجِ من النصف، والزوجة الربعَ، ولا تقوم مقام الابن في منع الإخوة من الأب، فكذلك منع الجد الإخوة من الأم ميراثهم، ولم يمنع الإخوةَ من الأب.
والجد يسمى والدًا (١)، كما تسمى الجدةُ والدةً، ويقال: الجد والجدة أبوان، قال اللَّه تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]، والعم قد يسمى أبًا (٢)، قال اللَّه ﵎: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾، فذلك (٣) يسمى الجد في الجملة أبًا، وفي الخصوص يسمى جدًا (٤)، إلا أنه أولى به، وإنما نزل القرآن في الميراث بالاسم الأخَصّ، ولم يختلف الناس أنهما الأبوان الأدنيان.
стр. 329
قال القاضي ﵀: وسنستقصي هذا إن شاء اللَّه في كتاب الفرائض، إن شاء اللَّه (١).
وقول النبي ﷺ -ص في ذلك لعمر وللبراء وقد سألاه: "تكفيكَ آيةُ الصيف (٢) " (٣)، يعني الآية التي نزلت في الصيف، ونبين ذلك بمشيئة اللَّه على ما أوكد (٤) ما نقدر عليه، واللَّه موفق برحمته.
* * *
стр. 330
١٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ الآيتين
لم يختلف الناس في فريضة الزوج والزوجة، من النصف والربع، والربع والثمن، إلا ما يروى عن ابن عباس ﵁ في ترك العَوْل (١)، فإنه يعطيهم بغير عول، والناس كلهم من الصحابة والتابعين عوَّلوا، وأعطوهم على العَوْل، وبذلك نقول.
وكان ابن عباس ﵁ يقول في زوج وأم وأخت: للزوج النصف، وللأم الثلث، وللأخت ما بقي، قال: إن الذي أحصى رمل عالج عددًا، لم يجعل في مال نصفًا ونصفًا وثلثًا، وكان يقول: من رأيته يزول من فرض على فرض، قدمته على من يزول من فرض على غير فرض، فلا يعطى في بعض الأحوال شيئًا (٢).
وأما الناس جميعًا فأنكروا ذلك وقالوا: رأينا كلَّ واحد منهم له فرض مسمى، فليس يجب أن يزيله عن فريضته إلا ما يحجبه عنها، وليس يجب أن يزال عن فريضته، لأن فريضته تسقط في موضع آخر، لأن كل موضع حكمُه على جهته، فلما اجتمع الزوج والأخت والأم، وقد يسمى لكل واحد منهم فريضة، ولم يشترط تبْديةُ بعضهم على بعض، ولا أن بعضهم يحجب بعضًا، كان أولى الأمور أن يتَحاصُّوا (٣) كما لو أوصى رجل لرجل بنصف ماله، ولآخر
стр. 331
بنصف ماله، ولآخر بثلث ماله، ولم تَحُز الورثة تحاصوا، فكان المال بينهم على ثمانية أسهم، وهذا مما لا يختلف الفقهاء فيه، فعلى ذلك تكون الفريضة بينهم.
* * *
стр. 332
١٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾
بدأ اللَّه بذكر الوصية قبل الدَّين لفظًا، واللفظ لا يوجب التبدية، وإنما يوجب الكلامُ إخراج الوصية والدين، فكانت البُغْية الأمر بإخراجهما ووضعهما في موضعهما، لأن قوله: ﴿مِنْ بَعْد﴾ كذا وكذا، يريد : أن ما بعد هذين الصنفين موروث، قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، أي: لا تطع أحد من هذين الصنفين.
وقد يقول الرجل: مررتُ بفلان وفلان، ويكون الثاني هو المُبدَأ به، كما يجوز أن يكون الأول، وهذا اللفظ لا يقتضي التبدية، وإنما يقتضي الأفعال، قال اللَّه ﵎: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، فعلم أنها أُمرت بذلك كله ولم تؤمر بالتبدية، لأن عليًا (١) رضوان اللَّه عليه قال (٢): "تقرؤون الوصية قبل الدَّين، وقد قضى محمد ﷺ أن الدَّين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العَلّات"، رواه سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي (٣).
وليس توجب الآية عندنا إلا تبدية الدَّين وحده، إذ لا ميراث حتى يُقضى الدَّين، ثم تكون الوصية مشاركة للوارثين غير مُبدأة عليهم ولا مُبْدين عليها،
стр. 333
يتحاصُّون المال بينهم، وهذا ما لا اختلاف فيه بين الناس، وبقيَت القسمة بين الميِّت وورثته.
* * *
стр. 334
١٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾
روى الحسن، عن حِطّان، عن عُبادة بن الصامت، أن النبي ﷺ لما نزل السبيل وقال: "خذوا عني قد جعل اللَّه لهن سبيلًا، الثيِّب بالثيِّب جلد مائة والرجم، والبِكر بالبِكر جلد مائة ونفي سنة" (١).
قال القاضي ﵀: وهذا الحديث ليس عليه العمل، ونحن نذكر الحجة في ذلك في سورة النور، إن شاء اللَّه.
* * *
стр. 335
١٦ - قال اللَّه : ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾
هذه الآية منسوخة، وذلك كان في صدر الإسلام، كان الزانيان يُجبّهان ويُحَمَّمان ويُشهَران، فنُسخت هذه الآية بقوله : ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.
قال ابن عمر في القصة التي رواها بطولها في رجم اليهوديين: وكان الحد فينا التَّجْبيه، والتَّحْميم (١).
ثم نسخت الآية الأخرى بالرجم والجلد.
* * *
стр. 336
١٧ - ١٨ - قال اللَّه : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾
كل من عصى اللَّه فهو جاهل بحق اللَّه عليه، فإن كان عامدًا فالتوبة والإقلاع والندم وترك العودة توجِب له فيما تفضل اللَّه به من الوعد لقبول توبته، وإذا كان مخطئًا فالندم يكفيه.
ومعنى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، هو قبل الغَرْغَرَة، قبل معاينة الملائكة.
وليس على اللَّه عز وعلا شيء واجب، وإنما أوجب القبول تفضلًا ورحمة لعباده، فكل من تاب قبل المعاينة قُبلت توبته، ومن تاب بعد المعاينة ضُرب بتوبته وجهُه، ألا تراه جل وعز قال: ﴿الْآنَ﴾ يريد: بعد أن صِرت من أهل الآخرة، وخرجت من حدود الدنيا، وعاينت ما قدمت، فحينئذ لا تُقبل التوبة، قال اللَّه : ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾، وحضور الموت: المعاينة التي يَعلم بها المعايِن أنه لا حياة بعدها، ألا تراه قال في قصة فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، قال له الملك: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩١].
قال النبي ﷺ : "من تاب قَبل أن يُغَرْغِر قبِل اللَّه توبته" (١).
стр. 337
١٩ - قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾
هذا شيء كان في صدر الإسلام يفعلونه على ما كانوا عليه قبل الإسلام، كان الرجل إذا مات وخلَّف زوجة ورثها ابنه، كما يرثُ (١) ماله إذا كان الابن من غيرها، فإن لم يكن له ابن فوليه ومن يرث ماله أولى بها، فإن زَوَّجته وإلا حبسها عن الأزواج حتى تموت فيرثها، فحرم اللَّه ذلك عليهم ومنعهم من ذلك.
* * *
стр. 338
١٩ - قال اللَّه : ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾
قال قوم من المفسرين: الفاحشة: الزنا (١).
وقال آخرون: النشوز (٢).
وقال بعضهم: أن تفحُش عليك (٣).
واللَّه أعلم بما أراد من ذلك، إلا أن ذكر العَضْل يُوجب -واللَّه أعلم- أن يكون نهى أن يفعل بها فعلًا يحملها به على أن يأخذ منها بعض ما آتاها، فنهوا عن ذلك، وإنما يجوز له إذا كان منها الإساءة والكراهة فافتدت منه، حَلَّ له ما يأخذ منها ما لم يكن الظلم من قِبَلِه.
قال القاضي ﵀: وقد ذكرنا من هذا في سورة البقرة ما فيه كفاية، وباللَّه التوفيق.
стр. 339
١٩ - ٢٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾
أمر اللَّه بمعاشرتهن بالمعروف، فقال : ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ يريد: استبدال زوج مكان زوج، أن يطلِّق هذه ويتزوّج غيرها، فقد يحتمل قوله معنيين: أن يجعل اللَّه تعالى في الكراهية خيرًا من الصبر على هذه، ويحتمل أن يكون في الاستبدال، فإذا استبدل فليس له أن يأخذ مما آتاها شيئًا إذ كانت الكراهية من قِبَلَه.
قال اللَّه : ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]، فحرم اللَّه ﵎ ما يأخذه منها وإن كانت قد آتاها قنطارًا، إذا كان العداء من قِبَلِه.
والإفضاء: الدخول بها والجماع، فقد استحقت بذلك ما أعطاها وإن كان قنطارًا.
وقد اختلف الناس في القنطار، فقالوا: ثمانين ألفا من ورِق (١).
стр. 340
وقالوا: سبعين ألف دينار (١).
وقالوا: اثني عشر ألف أوقية (٢)، وغير ذلك، واللَّه أعلم بما أراد.
* * *
стр. 341
٢٢ - قال اللَّه : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾
لا اختلاف بين المسلمين أن العقد يحرِّم على الآباء والأبناء دون الغَشَيان، حرم اللَّه على الأبناء ما عَقَدَ عليه الآباء، وحرم على الآباء ما عَقَدَ عليه الأبناء، أيهما ملك العُقْدَة فقد حرمت على الآخر.
وأما قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يريد: الذي كان قبل نزول التحريم مما قد انقطعت العصمة فيه، وما بقي فيه عصمة فقد ألزمتهم الآية المفارقة والإقلاع.
وقوله عز من قائل: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ يريد أنهم كانوا يفعلونه وهم يعلمون.
وأما قوله سبحانه: ﴿وَمَقْتًا﴾، فإن العرب كانت إذا ولد للرجل من امرأة أبيه سمي الولد ولد مَقْت، وأولاد المقت معروفون في كتب النسب، فقال: فلان مَقْتِي، وفلان مقتي.
ويحتمل ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾ أي: هو الآن بعد التحريم فاحشة، لأن العرب قد تقول: كان، ولا يعتد بها، وهو كثير في كلامهم، وقال الشاعر:
فإنكَ لو رأيتَ ديار قوم ... وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ (١)
فأدخل كان ولم يعتدّ بها.
стр. 342
٢٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
فاللَّه ﵎ بهذه الصفة لم يزل ولا يزال، ومعنى الآية: إن اللَّه عليم حكيم.
* * *
стр. 343
٢٣ - وقد قال اللَّه جل وعز: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾
فلو أن رجلًا أسلم وعنده أختان لقيل له (١): اختر أيّهُما شئت وفارق الأخرى، لأن رسول اللَّه ﷺ أمر فيروز الديلمي، وقد أسلم وعنده أختان، فقال: "فارق أيهما شئت" (٢)، وقال لغيلان الثقفي وقد أسلم وعنده عشر نسوة: "خذ منهن أربعًا، وفارِق سائرهن" (٣)، فأمر كل واحد منهما أن يتمسك بما كان يجوز له أن يَعْتَدَّ به في الإسلام.
ولو أن رجلًا أسلم وعنده امرأة وابنتها، وقد دخل بهما، لفارقهما جميعًا، ولم يجز له أن يعاود واحدة منهما، وقد قال ذلك موافقًا لمالك عمرُ بن عبد العزيز فقال: لا يراجع واحدة منهما، وقد اطلع منهما جميعًا على ما اطلع.
وليس هذا في الأختين، لأن الأخت لا تحرُم بعد الأخت، والإبنة تحرُم بعد الأم، وتحرُم الأم بعد البنت إذا دخل بالأم، فهذا فرق ما بينهما، وباللَّه التوفيق.
стр. 344
٢٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية
قال ابن عباس ﵁: حرم من النسب سبع، ومن الصهر والرضاع سبع (١).
ثم قيل: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (٢).
وأمهات النساء تحرم (٣) على كل حال، دخل أو لم يدخل بالإبنة، ثم قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، فأحل اللَّه تعالى نكاح الرَّبيبَة إذا لم يدخل بالأم.
وقد روي عن قوم أنهم أجروا الأمهات مجرى الرَّبائب، وليست الرواية في ذلك تثبت (٤).
وروي عن آخرين تحريم الأمهات دخل أو لم يدخل، وجعلوا (٥) الشرط في الربائب على ما أوجبه كتاب اللَّه .
стр. 345
قال إسماعيل بن إسحاق: ما روي عن علي في هذا الباب فإنما رواه خِلاس، وخِلاس لم ير عليًا ولا سمع منه، وإنما كان خِلاس يأخذ الصحف فيحدِّث بما فيها.
قال: وسمعت علي بن المديني يضعِّف أحاديث قتادة عن سعيد بن المسيب تضعيفًا شديدًا، وقال: أحسب أن أكثرها بين قتادة وبين سعيد فيها رجال، لأنه يخالف أصحاب سعيد بن المسيب الثقات.
وقال بُندار: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: مالك عن سعيد بن المسيب ليس بينهما أحد، أحب إلي من قتادة عن سعيد.
وقد روى يحيى بن سعيد عن زيد بن ثابت خلاف ما روى قتادة، وحديث يحيى وإن كان مرسلًا أقوى من حديث قتادة، وكان علي بن المديني يقدِّم يحيى بن سعيد الأنصاري على جميع نظرائه.
قال القاضي: ذكرت هذا كله وإن كنت لم أذكر أحاديث الباب، ليُعرف به رَدُّ ما يرويه متأخر إن تكلم في هذه المسألة بغير ما مضى عليه السلف، فأمهات النساء محرَّمات دخل بالبنات أو لم يدخل بهن، مبهمة في كتاب اللَّه تعالى، والربائب على شروطهن، وما استثنى اللَّه ﵎ فيهن، لأنه قال عز مِن قائل: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، فتم الكلام من غير أن يستثني فيه، ثم قال سبحانه: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾، فوقع الاستثناء لأنه لما قال : ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وهذا صلة للّاتي، واللاتي نعت النساء، والصلة تمام الاسم، ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ منفصل من هذا، ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ راجع إلى هذا الذي قد ذكر، فليس يجوز أن يكون الاستثناء إلا الربائب، لأنه وجه الكلام.
ومن جعله لأمهات النساء على بُعد المخرج فيه وقبحه، أخرج الربائب من ذلك، لأن الذي تناول هذا يجعل ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾
стр. 346
تمام الكلام، ويجعل ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ نعتًا لأمهات نسائكم، فكأنه قيل: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فتخرج الربائب اللاتي قد أُجمِع عليهن من الاستثناء، ويجعل الاستثناء لأمهات (١) النساء.
وأحسب أن الذين ذهبوا إلى أن أمهات النساء مثل الربائب، ذهبوا إلى تشبيه بعض ذلك ببعض، وقياس بعضه على بعض، من غير أن يكون النص يوجبه.
وأما من قال: إن الربيبة هي التي يُرَبِّيها الزوج، دون التي لم يُربِّها الزوج فخطأ فاحش، لأن العرب تسمي ولد المرأة رَبِيبًا (٢)، فيقولون: هذه رَبيبَة فلان، وهذا ربيب فلان [إذا] (٣) كان زوج المرأة يربيهم أو لم يُربِّهم، وإنما هو اسم وقع على الجملة، فكما تسمي العرب رَبيَبةً وإن لم يكن زوجُ المرأة يُربِّيها، فكذلك تسمى بأنها في حجره، كان يقوم بأمرها أم لا، وهذا باب مضى عليه أهل العلم، وذكره أبو عبيدة (٤) عن العرب كما وصفنا.
* * *
стр. 347
٢٣ - قال اللَّه : ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾
[سبب النزول]
إنما نزلت في زيد بن حارثة (١)، لأن النبي ﷺ كان قد تبنّاه، فلما نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ زال عن تبنيه، ودعي مولاه، فأعلم اللَّه أن أزواج المُتَبَنَّيْن لا يَحرُمن، وأن اللواتي يَحرُمن أزواجُ الأولاد للصلب، فأباح اللَّه ﵎ لنبيه ﷺ تزوُّج زينب بنت جحش حين طلقها زيد بن حارثة، وبقي الحكم في زوجات الأبناء للصلب، دخل الابن أو لم يدخل.
* * *
стр. 348
٢٣ - قال اللَّه : ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾
قول اللَّه ﵎ يقتضي تحريم غير الأختين، ألا ترى أن النبي ﷺ قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (١)، لأنه لا جائز أن يسمي اللَّه عددًا ثم يقول: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، ولكنه لما قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾، والأم الحقيقية هي التي وَلَدَت المخاطَب، فدخل في معنى الخطاب كل امرأة نالته منها ولادة فما علا، وكل امرأة نالتها منه ولادة فما سفُل من البنات، ودخل في قوله: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ عمة العمة، وعمة عمة العمة، وخالة خالة الخالة فما علا، ودخل مع بنات الأخ وبنات الأخت ما جرى هذا المجرى، ودخل مع الأختين في الجمع العمة والخالة فما علا، وكل امرأتين لو كانت (٢) إحداهما ذكرًا لم تحل له الأخرى لا يجوز الجمع بينهما، وعلى ذلك يبنى أمر ذوات المحارم في الجمع بينهن، واللَّه أعلم.
فإن قيل: بأي شيء دخلت العمة في ذكر الأختين؟
стр. 349
قيل: العرب تسمِّي الأهل إخوة، وقد قال اللَّه : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] يريد أخوة الإسلام.
وقد يكون الولي ابنا وأخًا، وابنًا وعمًا، وابنَ عم، فسمّاهم اللَّه ﵎ كلهم إخوة، ولذلك قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، ولذلك قالت العرب: بنو فلان أخوال فلان، وقال النبي ﷺ : "أخوالي بني سليم"، وإنما الخال الحقيقي أخو الأم.
وقال النبي ﷺ لسعد: "هذا خالي" (١)، وإنما هو ابن عم أمه ﵇، وقال النبي ﷺ : "رحم اللَّه أخي موسى، قد بُلِي بأكثر من هذا فصبر" (٢).
* * *
стр. 350
٢٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾
قال جماعة من المفسرين: إنهن المحصنات جملة النساء، لا يُحَلَّلْن إلا بالتزويج أو بملك اليمين (١).
وقال آخرون: إنها نزلت في سبي أوطاس اللاتي لهن أزواج في بلاد الشرك، فإذا سُبينَ انقطعت العصمة بينهن وبين أزواجهن (٢)، وهذا هو القول الصحيح.
وقد رأى قوم أن ذلك في العبد إذا أُعتِقت زوجته أو بيعت، وهذا قول لا حجة فيه، لأن عمر، وعثمان، وعليًّا (٣)، وعبد الرحمن بن عوف، وسعدًا لم يروا بيع الأمة طلاقَها، وفيما روي من قصة بريرةَ وأن النبيَّ ﷺ خَيَّرها بعد ما اشتريت وعتقت، بيانُ أن بيعها ما كان طلاقًا، ولو كان البيع طلاقًا لكانت الفُرقة قد وقعت قبل العتق، واستغنى عن التخيير، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 351
٢٤ - قال اللَّه : ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾
معنى ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ عند أهل اللغة أي: كتب اللَّه ذلك عليكم وأوجبه، يعني: كتب عليكم تحريم ما حرم، وتحليل ما أحل بعد النساء إلى أربع من الحرائر، وما شئت من الإماء سواهن، دخل في معنى ما صرح التحريم به، فإنه يحرم من الإماء الأم وما دخل في معناها من الجدّات، وكذلك إلى آخر الآية، وبالرضاع ما يحرم من النسب.
ويحرم أيضًا من ملك اليمين الجمعُ بين الأختين، فقد قال قوم من المتأخرين في القرون المذمومة بتحليل الجمع بين الأختين بملك اليمين (١) مع قوله: إن الأخت بملك اليمين تحرم، وابنة الأخ من تعتق عنده ومن لا تعتق، ولا فرق بين هذه الأشياء وبين الجمع بين الأختين.
وتعلق أيضًا بشيء روي عن علي وعثمان رضوان اللَّه عليهما أنهما قالا: حرمتهما آية وأحلَلَتهما آية (٢)، فذكرا أنهما لم يحرِّما الجمع بين الأختين بملك اليمين، ولم يفهم عنهما، ونَحَلَهما ما هما بريئان منه، لأن جوابهما بالتحريم
стр. 352
صراح (١)، لأن قولهما: أحلتهما، أنهما عَنَيا: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وهذه في الحرائر، أو عنيا قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وفيما وقع عليه هذا الاسم مما يحِلُّ ملكُه ولا يحِلُّ وطْؤه كثير، فهذه آية مجملة، ولا اختلاف بين أهل العلم أن المفسَّر يقضي على المجمَل، وقولهما: وحرمتهما آية، إنما هي: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، وهذه مفسَّرة، وأهل العلم جميعًا قد استقر رأيهم ووقع اتفاقهم على أن الأختين بملك اليمين في الوطء غيرُ حلال، وإنما يخالف هؤلاء المتأخرون ويطلبون الشاذ من الأخبار ليُعرَفوا.
* * *
стр. 353
٢٤ - قال اللَّه جل وعز: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾
قال مالك بن أنس ﵁: إن ذلك في الصّداق الذي يُعقَد به النكاح (١).
وقال قوم: إنه المتعة حين كانت حلالًا قبل أن ينزل تحريمها، ويحرمها رسول (٢) اللَّه ﷺ (٣).
والطرق في تحريمها كثيرة فمنها ما رواه مالك، عن الزهري، عن عبد اللَّه والحسن ابنَي (٤) محمد بن علي، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن مُتعة النساء يومَ خيبر (٥).
كذا رواه الناس عن مالك، خلا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن مالك، فإنه قال فيه: يوم خيبر (٦)، رواه عبد الوهاب الثقفي، عن يحيى.
والذي نزل عن اللَّه في التحريم للمتعة قوله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].
стр. 354
قال القاضي ﵀: فلا نعلم أن اللَّه ﵎ أحلّ فرجًا إلا بتزويج يقع فيه الطلاق، وتكون فيه المُوارثات، أو بمِلك يمين، فهذه الآية نسخت كل ما سوى الزوجة وملك اليمين، فلا حلال إلا ما كان من هذين الوجهين، وباللَّه التوفيق.
* * *
стр. 355
قال اللَّه جل وعز: ﴿وَلَا (١) جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٢)
هن الإماء إذ أحِل للحر أن يتزوجهن بكمال الشرطين فيه: ألا يجد الطَّول، ويخشى العنت، فهو الذي قال اللَّه : ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وهو الصَّداق، وقال: ﴿وَآتُوهُنَّ (٣) أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقال: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، فدل على أن ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ و ﴿مُحْصِنِينَ﴾ عنى به التزويج، واللَّه أعلم.
* * *