← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 39

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي

بكر بن العلاء

Полный текст (1 204 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

٢٤ - قال اللَّه : ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ معنى ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ عند أهل اللغة أي: كتب اللَّه ذلك عليكم وأوجبه، يعني: كتب عليكم تحريم ما حرم، وتحليل ما أحل بعد النساء إلى أربع من الحرائر، وما شئت من الإماء سواهن، دخل في معنى ما صرح التحريم به، فإنه يحرم من الإماء الأم وما دخل في معناها من الجدّات، وكذلك إلى آخر الآية، وبالرضاع ما يحرم من النسب. ويحرم أيضًا من ملك اليمين الجمعُ بين الأختين، فقد قال قوم من المتأخرين في القرون المذمومة بتحليل الجمع بين الأختين بملك اليمين (١) مع قوله: إن الأخت بملك اليمين تحرم، وابنة الأخ من تعتق عنده ومن لا تعتق، ولا فرق بين هذه الأشياء وبين الجمع بين الأختين. وتعلق أيضًا بشيء روي عن علي وعثمان رضوان اللَّه عليهما أنهما قالا: حرمتهما آية وأحلَلَتهما آية (٢)، فذكرا أنهما لم يحرِّما الجمع بين الأختين بملك اليمين، ولم يفهم عنهما، ونَحَلَهما ما هما بريئان منه، لأن جوابهما بالتحريم

стр. 352

صراح (١)، لأن قولهما: أحلتهما، أنهما عَنَيا: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وهذه في الحرائر، أو عنيا قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وفيما وقع عليه هذا الاسم مما يحِلُّ ملكُه ولا يحِلُّ وطْؤه كثير، فهذه آية مجملة، ولا اختلاف بين أهل العلم أن المفسَّر يقضي على المجمَل، وقولهما: وحرمتهما آية، إنما هي: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، وهذه مفسَّرة، وأهل العلم جميعًا قد استقر رأيهم ووقع اتفاقهم على أن الأختين بملك اليمين في الوطء غيرُ حلال، وإنما يخالف هؤلاء المتأخرون ويطلبون الشاذ من الأخبار ليُعرَفوا. * * *

стр. 353

٢٤ - قال اللَّه جل وعز: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ قال مالك بن أنس ﵁: إن ذلك في الصّداق الذي يُعقَد به النكاح (١). وقال قوم: إنه المتعة حين كانت حلالًا قبل أن ينزل تحريمها، ويحرمها رسول (٢) اللَّه ﷺ (٣). والطرق في تحريمها كثيرة فمنها ما رواه مالك، عن الزهري، عن عبد اللَّه والحسن ابنَي (٤) محمد بن علي، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن مُتعة النساء يومَ خيبر (٥). كذا رواه الناس عن مالك، خلا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن مالك، فإنه قال فيه: يوم خيبر (٦)، رواه عبد الوهاب الثقفي، عن يحيى. والذي نزل عن اللَّه في التحريم للمتعة قوله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].

стр. 354

قال القاضي ﵀: فلا نعلم أن اللَّه ﵎ أحلّ فرجًا إلا بتزويج يقع فيه الطلاق، وتكون فيه المُوارثات، أو بمِلك يمين، فهذه الآية نسخت كل ما سوى الزوجة وملك اليمين، فلا حلال إلا ما كان من هذين الوجهين، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 355

قال اللَّه جل وعز: ﴿وَلَا (١) جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٢) هن الإماء إذ أحِل للحر أن يتزوجهن بكمال الشرطين فيه: ألا يجد الطَّول، ويخشى العنت، فهو الذي قال اللَّه : ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وهو الصَّداق، وقال: ﴿وَآتُوهُنَّ (٣) أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقال: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، فدل على أن ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ و ﴿مُحْصِنِينَ﴾ عنى به التزويج، واللَّه أعلم. * * *

стр. 356

٢٥ - قال اللَّه : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال علي بن أبي طالب ﵁: لا ينبغي للحر أن يتزوج أمة وهو يجد طَوْلًا إلى حرة، فإن فعل فُرِّق بينهما وعُزِّر. وقال جابر بن عبد اللَّه، وابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، وعطاء، وجابر بن زيد، والشعبي، والحكم، وحماد، ومكحول، وابن شهاب، وابن قسيط، وقتادة، ومالك بن أنس، وزيد بن أسلم، كلهم بما أوجبته الآية: أنه لا يجوز (١) لحر يجد الطَّوْل، ولا يخشى العَنَت (٢). ومنهم من قال: يجد الطَّوْل، ولم يذكر العَنَت، وقرأ مع ذلك الآية أنه لا يجوز إلا مع خوف العنت، أن ينكح أمة. ومنهم من قال عقيب قوله: لا يجوز، مع ذكر الشرطين اللذَين شرَطهما اللَّه ﵎: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.

стр. 357

وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا بأس أن يتزوج الحرُّ المسلمُ الأمةَ وهو يجد الطول إلى الحرة، ولا يخشى على نفسه العنت (١). وهذا قول يجاوز فساده فساد ما يحتمل التأويل، لأنه شيء حظره اللَّه في كتابه إلا على الجهة التي أباحها. فإن قيل: قد يمكن أن يكون في ذلك على الاختيار لهم لا على جهة التحريم. قيل: قد جاء الاختيار بعد التحريم لقوله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فكان هذا موضع الاختيار، ولو كان الأول على الاختيار لم يحتاجوا إلى اختيار ثاني، ولا أعلم أحدًا ممن تكلم في تفسير القرآن قال ما قالوه، وقوله : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ دليل على أنه إن لم يخش العنت، فليس ذلك له، فلما أبيح له في موضع، وحظر عليه في موضع، علم أن ذلك على الإيجاب، لا على الاختيار. قال القاضي: وبلغني أن محتجًا من أصحاب أبي حنيفة احتج في جواز نكاح الأمة الكافرة، ونكاح الأمة وإن كان يجد الطول ولا يخاف العنت، بقول اللَّه تعالى في الآية: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾، وأنّا نجيز نكاح من كانت هذه صفته، وإن كان قد شرط، قال فلذلك نجيز نكاح الكافرة مع وجود الطَّول. فقيل له: ليس يجوز أن يتكلم اللَّه ﵎ بما لا فائدة فيه لأنه ، وما قبل الآية وبعدها ففيه بيان ما قلنا، لأنه قال جل ثناؤه: ﴿حُرِّمَتْ

стр. 358

عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، ثم قال جل وعز: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ] (١) مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، فكان هذا الشرط مخاطبة في الرجال ولهم، ثم أجمعنا جميعًا أن غير المحصن والمسافح يحل له النكاح، وجرى هذا عند العلماء مجرى وعظ، فكذلك هو في الإماء، ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ وعظًا لهن، لأن أفعالهن في ذلك أكثر، لا يعلمه إلا اللَّه . وأجمعت العلماء على أنه ليس لأحد أن يكشف عن ذلك، إلا أن يعلنه فاعله من الرجال والنساء، وجرى ذلك مجرى الاختيار للعباد إذا عرفوا ذلك أن ينتهوا عنه، ولم يجز أن يجري مجرى الشروط، لأن اللَّه ﵎ قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾، وهذا حرف شرط، ثم لم يرض بهذا الشرط ﵎ حتى ثنى بشرط ثان، وهو خوف العنت وارتكاب المحارم. ثم أتى بعده بالاختيار والتنزه، فقال عز من قائل: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فهذا موضع الاختيار، كذلك ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ معناه واللَّه أعلم أمرًا لمن عقد على أمة، إذ كن مُتَبْذِّلات في الطرق، والحظر عليهن والضبط لهن، حفظًا للنسب الذي لا يؤمَن كونُه وحدوثُه، فلما اتفقنا على أنه في الرجال والنساء وعظ، جرى في الإماء مجرى الوعظ لهن، والحفظ منا لهن، وهي أفعال لا تدوم، وقد تترك عند القدرة على الحلال، والعقود تدوم بين المتناكحين، وفي هذا بيان لمن نصح نفسه، وباللَّه التوفيق. والمعنى الذي لأجله نُهينا عن الإماء أن نجعل أولادنا عبيدًا، والكافر لا يجوز أن يملك أولاد المسلمين.

стр. 359

فإن قيل: فقد توطأ الكافرة بملك اليمين، فذلك لأن الولد حر، فهذا مما يأتي منهم، ولو أجزنا نكاح الأمة الكافرة لكان الولد عنده إلى أن يظهر فيباع عليه، وهذا نظر (١) من اللَّه ﵎ لعباده، فخرج هذا لذلك، وبقي الشرطان على حالهما. قال ابن زيد، ومجاهد: خوف العنت: الزنا (٢). وقال طاوس مثل ذلك. وقال مسروق: إن الرجل إذا تزوج أمة ثم تزوج حرة، حرمت عليه الأمة، أجراها مجرى الميتة، بل قال: هي كالميتة يضطر إليها، فإذا أغناك اللَّه عنها فاستغنه (٣). وكيف يسوغ لذي فهم إباحة ما حظر اللَّه؟ يقول اللَّه : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فكان قوله: ﴿طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ دليلًا على الاستئناف، وأنه مطلَق لكل من أراد أن يتزوج وكانت له امرأة، أو لم تكن له امرأة، ولو كان ذلك لمن لا زوجة له، لكان من له زوجة غير مأمور ولا منهي بالآية، ولو كان منهيًا بأنه قد كان استطاع الطَّول وتزوج، لكان منهيًا إذا بانت زوجته منه، لأنه قد استطاع الطَّول وتزوج، واستطاعة طَول (٤) التزويج إنما يكون لوقوع

стр. 360

النكاح، فأما إذا وقع فمحال أن يقال بعد وقوعه: هو مستطيع الطَّول لأن يتزوج، إذ كان التزويج قد مضى. فإن قيل: لم لا يكون معنى من يريد أن يتزوج أمة وهو يجد الطَّول إلى حرة، بمعنى من عنده حرة وهو يريد أن يتزوج أمة؟ قيل له: ظاهر القرآن الذي وجب علينا اتباعه على ما وصفنا، ومن بعد فإن بين هذين المعنيين فرق، لأن الحُرَّ إنما أُرخِص له أن يتزوج الأمة إذا لم يجد الطَّول لحرة وخاف العنت، ولو لم يجد الطَّول لحرة ولم يخف العنت لما حلت له الأمة، وكذلك إذا كان عنده حرة وأمة، وهو لا يجد الطول لأن يتزوج حرة ويخاف العنت، حلت له الأمة، واستوت حاله في مخافة العنت إذا كانت عنده حرة أو لم تكن. وليس حاله في حرة قد تزوجها كحاله في حرة يريد أن يتزوجها، لأن الذي عنده حرة قد تزوجها قد تَبَيَّن له بعد الامتحان أنه يخاف العنت، والذي يريد أن يتزوج وهو يجد الطول لا يدري لعله إذا تزوج حرة ألا يخاف العنت وألا يحتاج إلى غيرها، فما لم يقع الأمر فهو شاك لا يدري أيخاف أم لا، فإذا وقع فهو متيقن أنه قد خاف، وهذا الموضع الذي أبيح له، واللَّه أعلم. فإن قيل: فلم لم ينفسخ نكاحُه إذا تزوج أَمَة ثم وجد الطول لحرة؟ إذ كان إنما جاز له حين لم يجد الطول، فإذا وجد الطول انبغى أن يُفسخ نكاحه، كما ينفسخ نكاحه إذا ارتد. قيل: لو انفسخ نكاحه بأنه وجد الطول، لا ينفسخ نكاحه إذا لم يخش العنت، فليس ينفسخ من هذا النكاح، إذ قد مضى على صحة. ولا يشبه هذا المرتد ولا التحريم الذي يقع بالرضاع، لأن المسلم تحرم عليه الكافرة من غير أهل الكتاب بقوله عز من قائل: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وليس يجوز أن يتزوج أمة، وأختَه من الرضاع، ولا أن يبتدئ نكاح كافرة، ويجوز له أن يستأنف نكاح الأمة في وقت ولا يجوز له في وقت،

стр. 361

والأم والأخت وزوجة الأب والمرتدة لا يجوز ابتداؤه، وإذا حدث بطل النكاح، إذ لا يجوز أن يُبتدأ. فإن قيل: المسلم يجوز له تزويج المسلمة. قلنا له: الأَمَة إنما حرمت لأن متزوِّجها يَرِقُّ ولدُه، فإذا وقعت الإباحة بوجود الشرطين، فقد زال حكم التحريم وصارت في نفسها حلالًا، كما أن الفقير يجوز له أخذ الزكاة، فإذا ملكها ثم أيسر بعد ذلك لم تحرم عليه. ومن شبَّه الأَمَة بالميتة فقد غلط، لأن اللَّه ﵎ جعل الأَمَة لمتزوجها عند الإباحة حلالًا، وأجمع المسلمون على تحليله، وقد سماه اللَّه طيبًا فقال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، يعني: ما حلل لكم، والميتة حرام قبل الاضطرار وحرام بعد الاضطرار، عينُها لا تنتقل عن التحريم، وإنما وقعت الإباحة لاجتماع أمرين كلاهما حرام، إلا أن أحدهما أعظم من الآخر، فأحدهما يُسْلِي نفسه بالصبر عنها، والآخر أكلها وإن كانت محرمة ليحييَ بها نفسَه، فكان إحياء النفس أولى، فأباحها اللَّه وأسقط المأثم فيها وغفر الذنب، فقال عز من قائل: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، ومع ذلك، فإن أحدًا لا يملك الميتة وقت أكلها ولا بعد ذلك ولا قبله، والأَمَة قد ملك بُضعها المتزوجُ بها ملكًا صحيحًا، وزال حكم الحظر. والحجة في هذه المسألة من وجوه كثيرة، قال اللَّه : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، فلم يجز التفريق بين زوجين قد صارا بهذه الصفة، وليس العلة في الأَمَة من قِبَل نفسها، وعلة المرتدة من قِبَل نفسها، فلم يَقْوَ أمر الولد الذي كرهت الأَمَة من أجله الذي هو غيرها، على أن يفسخ به ما مضى من نكاحها الصحيح، واللَّه أعلم.

стр. 362

٢٥ - قال اللَّه : ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ حُكي عن بعض أهل العراق أنه قال: لا بأس أن يزوج الرجل أمته من عبده بغير صداق. وهذا (١) مخالف لكتاب اللَّه ، لأن اللَّه تعالى قال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وقال في سائر النساء: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]، فوجب أن تكون الأجور لهن، حرائرَ كنَّ أو إماء، وليس يجوز لأحد أن يخالف كتاب اللَّه، فإنه لا ينقاس عنده أن العبد لا يملك، وينقاس عنده أن يكون الصَّداق فرضًا من فروض اللَّه لا يجوز للنساء أن يُملَكن إلا به، ثم يكون الصَّداق الذي وجب بالغشيان لعين المرأة التي تُغشى. ونحن نعلم أن الغَشَيان إذا وقع فلا بد من وجوب الصَّداق فيه، وما لم يقع فقد يمكن أن لا يجب صَداق، مثل أن يتزوج الرجل على غير تسمية ثم يطلِّق قبل الدخول، فإذا وقع الدخول فلا بد من وجوب الصَّداق، فكيف يجوز للسيد أن يزيل ما أوجبه اللَّه بالغشيان؟ ولو كان يجوز للسيد أن يزوج عبده من أمته بغير صداق كان الصداق إنما هو له، فله أن يوجبه وله أن يبطله، فيلزمهم أن يقولوا: إنه يجوز له أن يزوج أمته من عبد غيره، أو من حر على ألا

стр. 363

صداق، فيصل إلى أن يهب الفرْج، وهذا ما لا يجوز لأحد، إذ خص به النبي ﷺ في الحرائر، فهذا نكاح لا يجوز لأحد. فإن قالوا: الصداق هناك يصير من نفسه إلى نفسه. قلنا: ليس الأمر على ما ظننتم، لكنها تملك الصداق ويكون له انتزاعه بعد أن ملكته، ألا تراه جل وعز قال للحر إذا تزوج الأمة: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، فلو كانت لا تملكه لقيل: وآتوهم أجورهن، ولم يكن يأمرنا بدفع ما يملكه السيد إلى غير مالكه، وكان الأمر يخرج باللفظ الذي لا يُشكِل أولًا. قال القاضي: وقد كان ابن سُرَيْج (١) عارضني في هذه الآية بأن قال: قال اللَّه ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] فقد يكون فيهن من لا يجوز قَبْضُه فيدفع إلى غيره، كذا قيل هاهنا في الأَمَة، والدفع إلى غيرها. فقلت له: الآيتان عليك، وذلك أن قوله ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، قد علمنا جميعًا أنهن المالكات القابضات، فإذا كان فيهن الصغيرة التي لا تَقْبِض لنفسها قَبَضَ لها أبوها أو من يقوم مقامه بأمره، والملك لها، وجنس الإماء عندك لا يملك، فلو كان كما تقول لكان الميم أولى من النون، وليس لك في الآيتين حجة، وكذلك نقول في الإماء إنهن المالكات القابضات بنص الكتاب، وقد يكون أيضًا منهن (٢) الصغيرة التي لا يجوز قبضها، فيقبض لها سيدها، والملك لها ما لم يشهد على انتزاعه منها.

стр. 364

وقد زعم أهل العراق أنه لو وهب رجل لعبده هبة وقبضها العبد لكانت الهبة جائزة، وكان القبض جائزًا، وهم في الأصل يقولون: إن الهبة لا تكون جائزة بأمة حتى يقبضها الموهوب له أو وكيله، ثم حاروا في هذا الموضع قبض العبد للهبة وهو لا يملكها عندهم، ولا وكّله سيده في قبضها. * * *

стр. 365

٢٥ - قال اللَّه : ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [زنا الإماء والعبيد] الإحصان عندنا من وجوه أربعة: فالحرية إحصان، والإسلام إحصان، والعفاف إحصان، والزوجة إحصان، إذا دخل بزوجته إحصان، وهو مأخوذ من الحِصْن والتحصُّن. والإحصان الذي أراد اللَّه ﵎ ها هنا بقوله : ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ يعني: أسلمن، لأن العبودية أوجبَها الكفر، فملكناهم كفارًا بالقدرة عليهم فقيل: فإذا أسلمن فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب بالحرية والإسلام، وليس المراد ها هنا بالمحصنات المتزوجات، إذ كان ما عليهن وهو الرجم لا يتنصف، فعلم أنه أُريد المحصنات بالحرية والإسلام، لما كان الإحصان ها هنا غير الزوجية كان قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ غير الزوجية، وهن يُحصنَّ بالإسلام. فقد روى زيد بن خالد، وأبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا زنت أمة أحدكم فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير" (١).

стр. 366

والضفير: الحبل (١). وكان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يضربون إماءهم إذا زنَيْن. قال زيد بن أسلم عن أبيه قال: "كنت أجلد عند عمر بن الخطاب وَلائِد زَنَيْن ولم يُحْصَنَّ، حد المملوكة خمسين سوطًا" (٢)، أراد زيد: لم يتزوجن. وقد قال قوم وقرؤوا: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، يريد: تزوجن (٣)، وهذا تأويل من لم يعرف قول النبي ﷺ : "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها"، وهذا على العموم. وقد أنكر إسماعيل القاضي أُحْصِنَّ: أسلمن، لأن اللَّه ذكر في أول الآية: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فاستغنى بذلك، وهذا مما لا ينبغى أن ينكره مع علمه باللغة واتساعه فيها، أن يقول اللَّه : ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فإذا أحصن بالإسلام فقد قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ونظائر هذا في القرآن كثير، قال اللَّه : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، وفي هذا كفاية، ثم قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وجعل إسماعيل حجته في حد العبد والأمة الحديثَ دون الآية (٤)، والحديث يزيد الآية ويُبَيِّنُ ما فيها واللَّه أعلم، وكان بنص فرآه بذلك.

стр. 367

وقد بلغني أن بعض المتأخرين لا يرى حد العبد في الزنا، ويراه على الأمة، فينبغي له أن يقول: إن قاذف المحصن لا حد عليه، إذ كان اللَّه قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]. فإن قال: إنه حد قاذف الحر بالإجماع، فالإجماع في حد العبد الزاني قد تقدَّمه قبل أن يولد، إلا شيئا (١) يروى لا تثبت بروايته حجة، وإنما هو عن بعض التابعين، وإنما يَتَّبع الشاذَّ من القول الشاذُّ من الناس. * * *

стр. 368

٢٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ كان ابن عباس ﵁ يكره أن يبيع الرجل الثوب، ويقول لصاحبه: إن كرهته فرد معه درهمًا، يقول: هذا مما قال اللَّه: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] (١)، يريد: عن موافقة منكم لما أحله اللَّه لكم. وكل ما (٢) حرمه اللَّه من القمار والبيوع الفاسدة فهو من أكل المال بالباطل، لأن المقامر يقول لصاحبه: إن كان كذا فلي كذا، وإن كان كذا فلك كذا. والبيع الفاسد من الغَرَر، لأنه يبيع صاحبَه البيع الذي فيه الغَرَر وهو لا يعلم به، فإن سَلِم كان المشتري، وإن لم يسْلَم فمن البائع. وأما الربا فإن فساده من أخذ الأجرة للتأخير الذي لم يجعل اللَّه له ثمنًا، أو القرضِ الذي يجرُّ منفعة وما أشبه ذلك، وكل هذا قول مالك ﵁.

стр. 369

٢٩ - قال اللَّه جل وعز: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ معنى هذه الآية واللَّه أعلم ما قال النبي ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض" (١)، وقوله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما" (٢). وقد قال سهل بن حنيف في يوم صفين قولًا عظيما (٣). فأما إذا كانت إحداهما باغية فقد أمر اللَّه بقتالهم. وقال مسروق في ذلك قولًا في يوم صفين (٤). وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، قال اللَّه ﵎: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥].

стр. 370

وقال النبي ﷺ في حَجّة الوداع: "فإن دماءكم عليكم"، يريد: بعضكم على بعض. * * *

стр. 371

٣١ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ اختلف الصحابة والتابعون في الكبائر، فمنهم من عَدَّها سبعًا، ومنهم من عَدَّها سبعين، ومنهم من قال دون ذلك. إلا أن فيها ما لا شك فيه: الكفر، وقتل النفس التي حرم اللَّه، والربا، والزنا، والقمار، والسَّرِق، والسعي في الأرض فسادًا، والمحاربة. والفساد في الأرض فسادان (١)، أحدهما: إخافة السبيل، وهو الفساد في الأموال، والآخر: الفساد في الدين، وهو البدع والأهواء. قال مالك ﵁: ولا فساد في الأرض أضر من فساد الدين لأنه شُعَب من الشرك. ومن الكبائر: عقوقُ الوالدين، وشربُ الخمر، وهو كل شراب يُسْكِر كثيره، وما ذُكِر من فاتحة سورة النساء إلى رأس الثلاثين. ومن الكبائر: اسْتِسْبابُ الرجل لأبويه، يَسُبُّ رجلًا فيسب ذلك الرجل أبويه. ومن أكبر الكبائر: أكلُ مال اليتيم والسفيه، وكلِّ من لا ينتصف لنفسه.

стр. 372

ومن الكبائر قذفُ المحصنات. ومن أعظمها سبُّ السلف وتنقصُهم، وشهادةُ الزور، وعدولُ الحكام عن الحق واتباع الهوى، قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] و ﴿الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وقال في مخاطبة داود ﵇: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. ومن الكبائر: اليمينُ الفاجرة، ومنها القُنوطُ من رحمة اللَّه، وقيل: الفرارُ من الزحف، هذا واللَّه أعلم إذا لم يكن متحيزًا إلى فئة، وكان بفراره جان على الغزاة المجاهدين معه. كذلك عندي المجاهرين، وكلُّ ما (١) توعد اللَّه عليه بالنار، أو توعد رسول اللَّه ﷺ بالنار من أمر الخوارج وغيرهم فمن الكبائر. واللواطُ من الكبائر، وعلى فاعله الرجم أحصن أو لم يحصن. والإصرارُ على الصغائر من الكبائر، و"الندمُ توبةٌ" (٢)، والصغائر مغفورة تكفرها الطهارة والصلاة وسائر أعمال البر، قال النبي ﷺ : "الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما" (٣)، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، والكبائر يكفرها الندم والتوبة والإقلاع، وذلك من فضل اللَّه، قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقد يغفر في الآخرة لغير التائب إن شاء، ويعذب من يشاء.

стр. 373

قال أبو بكر الصديق ﵁: إن اللَّه يغفر الكبير فلا تيأسوا، ويعذب بالصغير فلا تغترّوا. وقال عمر الفاروق ﵁: لا صغيرة مع إصرار، يريد أنها تصير بالإصرار كبيرة، قال: ولا كبيرة مع استغفار. عصمنا اللَّه وإياكم عن جميع معاصيه، ووفقنا وإياكم للعمل بما يرضيه. * * *

стр. 374

٣٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قيل في ذلك: إن النساء قلن: ليتنا رجالًا فنجاهد كما يجاهد الرجال، وما أشبه ذلك، فنزلت الآية إلى قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢] وعليهن فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] (١). وقيل: لا تتمنوا ما رُزقه غيركم بعينه، فيقول الرجل: ليت دار فلان لي أو ماله لي، ولكن يسأل اللَّه العبد من فضله، وإنه خير له (٢). وقيل: إن النساء قُلن: فُضِّل الرجال علينا، فجُعِل لنا في المواريث نصف ما جُعِل لهم، فنهوا عن الكلام في ذلك، وأُمِرن بما هو خير لهن (٣)، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك. * * *

стр. 375

٣٣ - قال اللَّه : ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الموالي هم العصبات: الولد والأب والعمومة والأخوة، وبنو الإخوة وبنو العم، وموالي النعمة وهم الورثة. وكانوا يتوارثون بذلك وبالحِلْف، وكانوا إذا حالف الرجل رجلًا قال له: ترثني وأرثك، وقد كان أبو بكر ﵁ ورث حليفًا له في صدر الإسلام بالحلف، ثم صارت المواريث بعد ذلك بالهجرة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] وقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦]، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥]، فاستقر الأمر على ذلك، ونسخ المواريث بالحلف وبالهجرة، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 376

٣٤ - قال اللَّه : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [القِوامة] المعنى في هذه الآية على ما تصرف من أقاويل المفسرين وما يذهب إليه مالك: أن للرجل الحجر على المرأة في نفسها ومالها، وأنه ليس لها أن تَفْتاتَ عليه بشيء تفعله في نفسها دون إذنه إلا في الفرائض التي فرض اللَّه عليها، فلا طاعة له عليها في أداء الفرائض من الصلوات الخمس، وإخراج الزكاة، وحج البيت، وصوم شهر رمضان، وما عدا ذلك من الطاعات المتطوع بها. فإن قيل في الحج: إنها تحتاج إلى مَحْرم لنهي رسول اللَّه ﷺ أن تسافر إلا مع مَحرم. قيل: نُهِيَت المرأة أن تصوم إلا بإذن زوجها، وأجمع العلماء أن لها أن تصوم الفروض، مثل رمضان، وصيام الحج، وقتل الخطأ، فخرجت الفروض من النهي، كذلك الحج، وصار النهي في غير فرض، فما كان منها لا يضر به ولا يمنعه من واجباته، فلها فعله من غير إذنه، وما كان يقطعها عن واجباته عليها فليس لها فعله إلا بإذنه، فمن ذلك: الصوم المتطوع به لا يجوز لها أن تصوم إلا بإذنه، وما لزمها من صوم غير رمضان حتى يجري مجرى الفرض فلا يجزئ عنه غيره، فليس له منعها منه.

стр. 377

فقيل: هذا إلينا ما يجوز لها من ذلك وأشباهه، فما ما لها فعله (١) فهو قوام عليه، وله منعها من إتلافه، إلا ما كان من وجوه الثواب، فإن مالكًا أباحها الثلث، والحجة في ذلك نذكرها (٢) إن شاء اللَّه. [تأديب الرجل امرأتَه] وللرجل عندنا ومن فسَّر القرآنَ ممن انتهى إلينا تفسيرٌ في هذه الآية: أن للرجل أن يؤدب امرأته، فما كان منه على وجه التأديب فآل الرجوع (٣) من غير قصد فلا قَوَد فيه إذا علم أنه لم يتعد (٤) ما كان له، وهو الضرب الذي أبيح عند النشوز وأمثاله، ووقعت الإباحة له بهجران المضطجَع تأديبًا، وليس للمرأة أن تقاتل زوجها على ما يكون من تأديبه على سائر ما ينكره، ولا لها أن تُدخِل بيتَه إلا من يرضاه ويأذن لها، ولا أن تعطي أحدًا من ماله شيئًا، إلا ما كان على سبيل الصدقة إذا علمت أنه لا يكره ذلك. فأما قوله: ﴿بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ فليس ذلك الزنا، وإنما هو أن تفحش عليه بألفاظها (٥)، وقد يحتمل أن يكون النشوز (٦). فأما قول من قال من المفسرين: لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، يعني: الزنا، فهذا قد أغنى اللَّه ﵎ عنه بتحريم الزنا على الرجال والنساء، وإيجاب الحدود فيه.

стр. 378

فإن قال قائل: بماذا حجرتم عليها في مالها لزوجها؟ قلنا: لقول اللَّه : ﴿لرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، فلما كان قوّامًا عليها في نفسها كان المال تبعًا، ولما رواه داود بن أبي هند، وحبيب بن الشهيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد اللَّه بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: "لا يجوز لامرأة هبة في مالها إذا ملك زوجها عصمتها" (١). وهذا الحديث قد روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مطلقًا، فجاز أن يكون عن محمد بن عبد اللَّه جد عمرو، فيكون من جملة الصحيفة، فجوزه داود وحبيب فأخرجاه عن الصحيفة بأن شعيبًا رواه عن جده لا عن أبيه، ولا يُشك في سماع شعيب عن جده، هكذا قال علي بن المديني وأحمد بن حنبل، وقال علي: كل ما رواه عمرو من الصحيفة فصحيح. وعلى أن (٢) محمد بن عبد اللَّه بن عمرو مات قبل أبيه، وإنما أخذ الصحيفة شعيب عن عبد اللَّه، كذا كان علي يقول. ٢٨ - قال القاضي: نا به محمد بن صالح، قال: أنا يوسف بن موسى، قال: نا حجاج، عن حماد بن سلمة، عن داود وحبيب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ . وله أسانيد كثيرة، وداود من أهل الضبط والدين بحيث لا خفاء به، وكذلك حبيب بن الشهيد وإن كان دونه، ومع ذلك فإن النبي ﷺ قال: "تنكح

стр. 379

النساء لأربع: لمالهن، وجمالهن، وحسبهن، ودينهن، فعليك بذات الدين تَرِبَتْ يداك" (١). ثم لا اختلاف بين فقهاء الأمصار أن امرأتين أختين إحداهما أجمل من الأخرى، لو تزوجتا نكاح التفويض (٢)، ثم وقعت المنازعة في الصدقات، لكان الحكام جميعًا يحكمون للحسنى بزيادة في الصداق على صداق أختها، وكذلك لو كانت إحداهما موسرة والأخرى فقيرة، لكان صداق الغنية عند الجماعة فوق صداق الفقيرة وأضعاف ذلك، فلما كان يزداد عليه في صداقها لجمالها، وكان له أن يحجر على الجمال أن يتمتع به غيره، كان (٣) له بهذه الحجة أن يحجر على المال الذي من أجله زيد في الصداق عليه، لأن المال والجمال والدين والحسب في المرأة جمال لولدها ولزوجها. وقد قالت امرأة سعد بن الربيع للنبي ﷺ : قتل سعد يوم أحد، وقد استفاء مالهما عمهما، ولا تنكحان إلا ولهما مال (٤)، فهذا أيضًا حجة في ذلك. قال أبو الأسود الديلي لبنيه: يا بني إني قد بررتكم صغارًا وكبارًا وقبل أن تولدوا، قالوا: يا أبانا صغارًا وكبارًا قد عرفناه، فقبل أن نولد بماذا؟ قال: تخيرت لكم الأمهات لكي لا تعيَّروا بهن. فأما قول مالك في الثلث وأنه مباح لها، فإنه رأى المريض محجورًا عليه من أجل ورثته، وقد أجازت السنة الثلث فقاسه عليه. فهذا حكم هذه الآية وما في مضمرها، واللَّه أعلم.

стр. 380

٣٥ - قال اللَّه : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [بعْثُ الحكمين] قوله ﵎: ﴿خِفْتُمْ﴾ يريد: تيقنتم. وهذا حكم من اللَّه إذا وقع الشقاق، لكي لا يُترك الناس يتظالمون ويتضارّون، وقد أنزل اللَّه في الرجل يحلف على امرأته ألا يقربها ما أنزل، ويمين الرجل لا يقربُ المرأة خمسة أشهر أقل ضررًا من ما يقع بين الرجل وامرأته من الشقاق، وقد حكم المسلمون في العِنّين (١) بما حكموا، فكذلك إذا وقع بين الرجل وامرأته الشقاق عمل الحاكم في ذلك بما أمر اللَّه. فأما أبو حنيفة وأصحابه فما عرفوا هذه الآية، ولا تكلموا في شيء من أحكامها. وأما الشافعي فتكلم (٢) فيها بكلام السكوت أحسن منه، فقال: قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾، فاللَّه أعلم بمعنى ما أراد من خوف

стр. 381

الشقاق الذي إذا بلغاه أمره أن يبعث حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، والذي يشبه ظاهر الآية، فما عم الزوجين معًا حتى يشتبه فيه حالاهما، وذلك أن اللَّه أذن في نشوز الزوج بأن يصطلحا، وبين رسول اللَّه ﷺ ذلك، وأذن في نشوز المرأة بالضرب، وأذن في خوفهما ألا يقيما حدود اللَّه بالخُلع، ودَلَّت السُّنة أن ذلك برضا المرأة، وحظر أن يأخذ الرجل مما أعطى شيئًا إذا أراد استبدال زوج مكان زوج، فلما أمر فيمن خفنا الشقاق بَيْنَه (١) بالحَكَمَين، دلَّ ذلك على أن حُكْمَهما غير حُكم الأزواج غيرهما، فإذا كان هكذا بعث حكَمًا من أهله وحكَمًا من أهلها، ولا يبعث الحَكَمَين إلا مأمونين، ورضا الزوجين وتوكيلهما، بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك. قال الشافعي: نا الثقفي، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي في هذه الآية، ثم قال للحكمين: هل تدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب اللَّه بما علي فيه ولي، وقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال عليٌّ: كذبت واللَّه، فلا [حتى] (٢) تقر بمثل الذي أقرت به. قال (٣): فقول عليٍّ يدل على ما وصفت من أن ليس للحاكم أن يبعث حكمين دون رضا المرأة والرجل بحكمهما، وعلى أن الحكمين إنما هما وكيلان للرجل والمرأة بالنظر بينهما في الجمع والفرقة، ليس للحكمين أن يحكما إلا أن يفوض الزوجان ذلك إليهما. قال الشافعي: وأنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة أنه سمعه يقول: تزوج عقيل بن أبي طالب فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقالت: اصبر

стр. 382

لي وأنا أنفق عليك، وكان إذا دخل عليها قالت: أينَه عتبة بن ربيعة، أينَه (١) شيبة بن ربيعة؟ فيسكت، حتى دخل عليها يومًا وهو برم، فقالت: أين عتبة بن ربيعة، أين (٢) شيبة؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت، فشدت عليها ثيابها فجاءت عثمان فذكرت ذلك له، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لأُفَرّقُ بينهما، وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فأتياهما فوجداهما قد سدا عليهما أبوابهما وأصلحا أمرهما. قال الشافعي ﵀: فهذا يشبه ما روي عن علي، ألا ترى أن ابن عباس قال: أفرق، ومعاوية قال: لا أفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فأتياهما فوجداهما قد سَدّا عليهما أبوابهما، فلما وجداهما قد اضطجعا (٣) رجعا؟ فدل ذلك على أنهما لو أحبا فسخا الوكالة (٤). فزعم الشافعي أن الحكمين يبعثان على ظاهر كتاب اللَّه، ثم قال من تلقاء نفسه: إن ذلك لا يكون إلا برضا الزوجين وتوكيلهما إياهما بأن يجمعا أو يفرقا (٥). وزعم أنه تأول في ذلك قول علي وعثمان ﵄، وفعلهما موافق لكتاب اللَّه مبايِن لما ذهب إليه الشافعي، ولم يبين الشافعي كيف يُوَكِّل الزوجان، وهل هما وكيلان لكل واحد من الزوجين، أو كل واحد وكيل لأحدهما؟ ولا بأي شيء يُوَكِّلُهُما (٦) كل واحد، لأن الوكالة لا تجوز إلا في معلوم، فإن كانت الوكالة في

стр. 383

الإصلاح بينهما فهذا شيء أمر اللَّه به الخلق جميعًا، والحكمان ها هنا مخصوصان به لا يُحتاج إلى التوكيل فيه، وإن كان التوكيل بالطلاق فأي شيء بِيَد المرأة من الطلاق حتى توكل فيه؟ فإن قال الشافعي: وكيل الرجل في الطلاق. فوكيل المرأة بماذا؟ وإذا كانا وكيلين فليس إليهما حكم ولا هما مجتمعان، لأن كل واحد مباين للآخر ليس إليه ما إلى صاحبه، ولا إلى صاحبه ما إليه، واسم الوكيل غير اسم الحاكم، قال اللَّه سبحانه في الصيد: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، فهما حكمان على الاجتماع، كل واحد منهما إليه ما إلى الآخر، وقد قال اللَّه ﵎: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، فأعلمنا أن الحكمين أمرهما واحد إن قصدا للحق ووفقهما اللَّه للصواب في الحكم. ثم تأول الشافعي فأخطأ فيه، ونقله عن وجهه، فقال: لما قال علي: ابعثوا حكمًا من أهله، كان هذا مخاطبة للزوجين، ولو كان للزوجين لقيل: فأمرهما، ولو كانت المخاطبة بين علي وبين الزوجين لم يقل: فابعثوا حكمًا من أهله، ولقال: ابعث حكمًا من أهلك، فعُلم أن المخاطبة بيد الزوج وكذلك المرأة، وإنما قال لجلسائه وأصحابه وذوي الرأي عندهم لعلمهم بالأهلين والمختار منهم، كما يقول الحاكم لخاصته: اختاروا من يقوم بمال اليتيم، وإنما قال علي للزوج لما قال: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت حتى تقر بمثل الذي أقرت به، وإنما أقرت بالرضا بكتاب اللَّه عليها ولها، فأنكر علي إباءَه لكتاب اللَّه فقال: كذبت، وليس يقال لمن قال: لا أوكل في الطلاق: كذبت (١)، وهذه

стр. 384

الكلمة أسقطها الشافعي من حديث الثقفي، فلم يذكرها في احتجاجه كأفعاله، لتستوي له الحجة (١)، وما تستوي لو لم تكن هذه الكلمة (٢). ٢٩ - أنا بذلك القاضي إسماعيل قال: نا نصر بن علي قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن محمد، عن عبيدة. وفي الحديث: "فأمرهم عليٌّ: فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا (٣) من أهلها"، فعُلم أن المأمورَين غير الزوجين. ٣٠ - ورواه سليمان بن حرب، حدثنا به البرنكاني، عن إسماعيل، عن سليمان، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن عبيدة، وقال فيه: فقال علي: كذبت، لا تنقلب حتى تقر بمثل الذي أقرت به (٤). فهل يجبر أحد على أن يُوَكِّل وهو إن وكَّل فله أن يخرج الوكيل من الوكالة، ويجوز أن يجبر على الرضا بكتاب اللَّه، فبين علي أيضًا بقوله للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما. وإنما قالت المرأة بعد مضي هذا الخطاب من عليّ للحكمين: رضيتُ بكتاب اللَّه عليَّ ولي، فكان امتناع الرجل من الرضا بكتاب اللَّه يوجب جبره عليه وتكذيبه، كما جاء في حديث سليمان ونصر، وكان واجبًا أن يؤدب إن أقام على ذلك، ولو كان الحكمان وُكِّلا ما احتاج علي أن يقول للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إذ الوكالة ومعرفة ما جعل إليهما يغني عن ذلك.

стр. 385

وأما قول الشافعي فيما رواه عن عثمان، فقولُ من لم يتأمل الحديث الذي رواه ولا عَرَفَه، لأن فيه أن عثمان وجه ابنَ عباس ومعاوية وما عقيل حاضر، ووجَّه الحكمين برأيه ولم يستأمر الزوجين، فكان رأي ابن عباس أن يفرِّق، وكان رأي معاوية أن يؤلِّف، فعُلم أن الفراق إليهما لو اجتمعا على ذلك، والزوجان مقيمان على التباعد، فإذا اضطجع الزوجان فقد زال ما إلى الحكمين، لأن الذي كان إليهما الإصلاح أولًا، فإن تعذر فرَّقا، فإذا كان الإصلاح فلا مدخل للحكمين، وإنما يكونا حكمين من قبل الإمام ما دام الشقاق، فإذا زال زالت ولايتهما. قال علي: الحكمان بهما يجمع اللَّه وبهما يفرق (١). قال ابن عباس: ما قضيا من شيء فهو جائز (٢)، وقاله ابن جبير (٣)، ومجاهد، وأبو سلمة (٤)، والشعبي (٥)، وإبراهيم (٦)، والضحاك (٧)، والحكم (٨)، وربيعة (٩)، وفي مخالفتهم بالرأي الذي لا يشُدُّه النظر قُبْح. قال مالك بن أنس: الأمر الذي يكون فيه الحكمان، إذا قَبُح ما بين الزوجين، ولم تثبت البَيِّنَة، ولم يُقدر على تعرف ذلك وصحته، بعث الحاكم

стр. 386

عدلين، أحدهما من أهل المرأة ومن يوثق به عليها، والآخر من أهل الزوج بهذه الصفة، فإن استطاعا الصُّلح أصلحا، وإلا فرَّقا، وإن رأيا أن يأخذا له من مالها شيئًا أخذا متى كان الفراق (١) والامتناع من الصلح من قبلها، ما فعلا من ذلك جاز عليهما. قال مالك: وبلغني أن عليًا ﵀ قال للحكمين: إليكما أن تفرقا وأن تجمعا (٢). قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت (٣). * * *

стр. 387

٤٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ هذا كان قبل تحريم المُسْكِر، وكانوا خلطوا في القراءة، ثم نسخ هذا وسقط كلُّه بتحريم الخمور، وقد ذكرنا هذا كلَّه في كتاب الأشربة، والحجة على من أحل الخمر بأن سماها بغير اسمها، واستغني عن شرح ذلك في هذا الكتاب. * * *

стр. 388

٤٣ - قال اللَّه : ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [دخول الجنب المسجد وصلاته] روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا أحل المسجد لجُنب ولا حائض"، من طريق جَسْرَة بنت دجاجة، عن عائشة (١). وروى عليٌّ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه جنب ولا كلب ولا صورة" (٢). روى المطلب أن النبي ﷺ لم يأذن لأحد أن يدخل المسجد وهو جنب إلا علي بن أبي طالب ﵁، لأن بيته كان في المسجد (٣). وقال عطاء: كان رجال من أصحاب رسول اللَّه ﷺ يُجْنِبون فيتوضؤون، ثم يأتون المسجد فيتحدثون فيه (٤). وقال جابر: كان أحدنا يُجْنِبُ فيمر في المسجد مجتازًا (٥).

стр. 389

وقال زِر، عن علي في قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال: إلا أن يكون مسافرًا فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي (١). وقال ابن مسعود ﵁: هو اختراق المسجد (٢). وقال ابن عباس: لا يقرب الصلاة وهو جنب إلا أن يكون مسافرًا فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي (٣). فالتفسير في هذه الآية من الصحابة والتابعين كثير، وكله يدور على قولين، منهم من يقول: المراد الصلاة، ومنهم من يقول: المسجد، وأكثرهم يقول: الصلاة. فأما الذين ذهبوا إلى أنه المسجد، لأنه مصلى يصلى فيه. ومن قال: إنه المسافر لا يجد الماء، ذهبوا إلى أنها الصلاة بعينها، وأنه لا يقربها حتى يغتسل، إلا أن يكون مسافرًا ولا يجد الماء فيتيمم، ذهبوا إلى ظاهر الآية، وأنه قُرِن مع ذكر السكارى. وليس يختلف أهل العلم في أن الجُنُب لا يصلي حتى يغتسل إلا أن يكون مسافرًا ولا يجد الماء فيتيمم ويصلي، إلا شيئًا (٤) رواه أهل الكوفة لا يُعمل به. والأقوى أن الآية نزلت في المسافر، وهو أصح المعنيين، ومع ذلك فينبغي أن ينزه المسجدَ الجُنُبُ فلا يدخلُه، كما لا يقرأ القرآنَ، وباللَّه التوفيق.

стр. 390

٤٣ - قال اللَّه : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [تيمم المريض] المريض الذي يتيمم عند مالك وهو واجد للماء: الجريح، وصاحب القُروح والجُدَري (١)، وكل من خاف إن استعمل الماء أن يزيد ذلك في علته، أو أن يضره فتطول العلة، فهذا الذي له أن يتيمم وإن كان جنبًا أيضًا تيمم وصلى (٢). قال نحوًا من ذلك ابن عباس، وجماعة من المفسرين -بل جُلُّهُم- ما هذا معناه (٣). وكذلك يقول في المريض الذي يقدر على التَّوَضُّؤِ بالماء ويعجز عن مناولته، وليس له من يناوله وقد دخل آخر الوقت، أنه يتيمم ويصلي. ومما يقوي ذلك، ما روي في المسح على الجبائر (٤) وما أشبهها.
следующие страницы →