عدلين، أحدهما من أهل المرأة ومن يوثق به عليها، والآخر من أهل الزوج بهذه الصفة، فإن استطاعا الصُّلح أصلحا، وإلا فرَّقا، وإن رأيا أن يأخذا له من مالها شيئًا أخذا متى كان الفراق (١) والامتناع من الصلح من قبلها، ما فعلا من ذلك جاز عليهما.
قال مالك: وبلغني أن عليًا ﵀ قال للحكمين: إليكما أن تفرقا وأن تجمعا (٢).
قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت (٣).
* * *
стр. 387
٤٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾
هذا كان قبل تحريم المُسْكِر، وكانوا خلطوا في القراءة، ثم نسخ هذا وسقط كلُّه بتحريم الخمور، وقد ذكرنا هذا كلَّه في كتاب الأشربة، والحجة على من أحل الخمر بأن سماها بغير اسمها، واستغني عن شرح ذلك في هذا الكتاب.
* * *
стр. 388
٤٣ - قال اللَّه : ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾
[دخول الجنب المسجد وصلاته]
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا أحل المسجد لجُنب ولا حائض"، من طريق جَسْرَة بنت دجاجة، عن عائشة (١).
وروى عليٌّ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه جنب ولا كلب ولا صورة" (٢).
روى المطلب أن النبي ﷺ لم يأذن لأحد أن يدخل المسجد وهو جنب إلا علي بن أبي طالب ﵁، لأن بيته كان في المسجد (٣).
وقال عطاء: كان رجال من أصحاب رسول اللَّه ﷺ يُجْنِبون فيتوضؤون، ثم يأتون المسجد فيتحدثون فيه (٤).
وقال جابر: كان أحدنا يُجْنِبُ فيمر في المسجد مجتازًا (٥).
стр. 389
وقال زِر، عن علي في قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال: إلا أن يكون مسافرًا فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي (١).
وقال ابن مسعود ﵁: هو اختراق المسجد (٢).
وقال ابن عباس: لا يقرب الصلاة وهو جنب إلا أن يكون مسافرًا فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي (٣).
فالتفسير في هذه الآية من الصحابة والتابعين كثير، وكله يدور على قولين، منهم من يقول: المراد الصلاة، ومنهم من يقول: المسجد، وأكثرهم يقول: الصلاة.
فأما الذين ذهبوا إلى أنه المسجد، لأنه مصلى يصلى فيه.
ومن قال: إنه المسافر لا يجد الماء، ذهبوا إلى أنها الصلاة بعينها، وأنه لا يقربها حتى يغتسل، إلا أن يكون مسافرًا ولا يجد الماء فيتيمم، ذهبوا إلى ظاهر الآية، وأنه قُرِن مع ذكر السكارى.
وليس يختلف أهل العلم في أن الجُنُب لا يصلي حتى يغتسل إلا أن يكون مسافرًا ولا يجد الماء فيتيمم ويصلي، إلا شيئًا (٤) رواه أهل الكوفة لا يُعمل به.
والأقوى أن الآية نزلت في المسافر، وهو أصح المعنيين، ومع ذلك فينبغي أن ينزه المسجدَ الجُنُبُ فلا يدخلُه، كما لا يقرأ القرآنَ، وباللَّه التوفيق.
стр. 390
٤٣ - قال اللَّه : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾
[تيمم المريض]
المريض الذي يتيمم عند مالك وهو واجد للماء: الجريح، وصاحب القُروح والجُدَري (١)، وكل من خاف إن استعمل الماء أن يزيد ذلك في علته، أو أن يضره فتطول العلة، فهذا الذي له أن يتيمم وإن كان جنبًا أيضًا تيمم وصلى (٢).
قال نحوًا من ذلك ابن عباس، وجماعة من المفسرين -بل جُلُّهُم- ما هذا معناه (٣).
وكذلك يقول في المريض الذي يقدر على التَّوَضُّؤِ بالماء ويعجز عن مناولته، وليس له من يناوله وقد دخل آخر الوقت، أنه يتيمم ويصلي.
ومما يقوي ذلك، ما روي في المسح على الجبائر (٤) وما أشبهها.
стр. 391
٤٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾
[اللمس الموجب للوضوء]
ملامسة النساء عند مالك التي توجب الوضوء: اللمسُ لمن يحِل وطؤه لشهوة الجماع، والتلذذُ بذلك دون الجماع، وقد يقع ذلك لشهوة فيمن لا يحل له، فهذا عاص للَّه، عليه الطهارة والاستغفار.
فأما لغير شهوة فلا وضوء فيه.
كان رسول اللَّه ﷺ يُقَبِّل نساءه وهو صائم، ويصلي أيضًا ولا يتوضأ، روته عائشة وغيرها، وسئلت عائشة عن ذلك فأخبرت به، ثم قالت: وأيكم أملك لإِرْبِه (١) كرسول اللَّه ﷺ ؟ (٢) وعيز (٣) هذا القول أنه من كان يملك إربه فلا يلزمه الوضوء، وأن من لم يملك إربه فعليه الوضوء.
وقال ابن عباس ﵁: الملامسة الجماع، وأصحابه مثله (٤).
стр. 392
وقال ابن مسعود ﵁: القُبْلَة والجَسَّة من الملامسة (١).
وقال ابن عمر ﵁: القبلة والجسة هي الملامسة.
وتابعهما على ذلك خلق كثير من التابعين (٢).
وروي في هذا الباب أحاديث مرفوعة أنكرها النقاد، وطعنوا بها على حديث بن أبي ثابت، ولكن ما روي عن ابن عباس ﵁، وابن مسعود، وابن عمر، ومن تابعهم من التابعين صحيح، والنظر يوجب ما قاله ابن مسعود، وابن عمر، وكذلك ظاهر الآية، لأن الملامسة ذُكرت مع الغائط الذي يكون منه الوضوء في الموضعين، قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والمرض والسفر لا يَنْقُضان الوضوء، فذكرهما مع الغائط الذي يوجب الوضوء.
وهذه الآية فيها تقديم وتأخير، وإنما حكمها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ من المضاجع، ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الملامسة التي هي صغير الجماع، ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ اغتسلوا، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ في هذه الأحوال، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾.
فكانت الآية مُسْتَوْعِبَة لجميع من يجب عليه الطهور، ومن يجب عليه الغسل، ومن يجوز له أن يتيمم من جنب أو غيره، ولو كان حكم الآية على تلاوتها لكان على المسافر والمريض التيمم والوضوء، كان طاهرًا أو غير طاهر، وفي القرآن تقديم وتأخير كثير لا ينكره أهل العلم بالقرآن، فعُلم بذلك أن
стр. 393
الملامسة ليست الجماع، إذ كان الجماع قد ذُكر بقوله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
والذي قلناه في معنى الآية أوضح وأبين مما يخالفه، بما يقوله أبو حنيفة وأصحابه، لأن الذين قالوا: إنه الغِشْيان، جعلوه كناية، ومن قال: إنه اللمس الذي دون الجماع قاله بنص القرآن.
وخالفنا الشافعي في الشهوة، ووافق في اللمس أنه دون الجماع بفعل رسول اللَّه ﷺ ، وأنه كان يُقَبِّل نساءه رادًا لقوله، لأن رسول اللَّه ﷺ كان يُقَبِّل ولا يتوضأ، وكان يملك إِرْبَه فلا تدخله الشهوة، فلا يكون عليه الوضوء.
فهذا حجة على الشافعي وعلى العراقي، لأن عائشة ﵂ قد أعلمت بأنه من لم يملك إربه فعليه الوضوء، وكذلك قالت في الصوم، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 394
٤٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾
[أحكام التيمم]
التيمم: الطلب، والصعيد: ما يصعد الرجل عليه من الأرض، والطيِّب: الطاهر من الأنجاس.
والمسح فقد اختُلف فيه، فقال بعضهم: ضربةٌ للوجه والكفين.
وقال بعضهم: ضربةٌ للوجه واليدين، ولم يُبَيِّن.
وقال بعضهم: ضربتين، واحدة للوجه، وأخرى لليدين إلى الكُوعَيْن (١).
وقال آخرون: ضربتين واحدة للوجه، وأخرى إلى اليدين إلى المَنْكِبَيْن (٢).
وقال بعضهم وهم الأكثر من الصحابة: ضربتين، واحدة للوجه، وأخرى لليدين إلى المَرفِقَيْن (٣)(٤).
стр. 395
والصحيح عندنا: هذا الأخير، لأن اللَّه ﵎ قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، فوجب بالآية مسح ما كان عليه غسله.
فإن قال قائل: فقد يجوز أن تكون الذراعان أُسْقِطَتا في التيمم كما أسقط الرأس والرجلان.
قيل له: هذا غير سائغ، لأن الرأس أصله مسحٌ فرضُه فخُفِّف، فلما أُبدلتا لم يجعل الخفيف بدلًا من خفيف وأسقط، والرِّجْلان وإن كان فرضهما الغسل فقد خُفِّف بالمسح على الخفين، فلم يجز أن ينقل إلى خفيف، ثم ينقل من الخفيف إلى خفيف، والوجه واليدان أصلهما الغسل، فلما نقل إلى خفيف بقي الحكم على حاله، وكان التخفيف في المسح دون إسقاط العضو، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.
والرواية في ضربتين في الذراعين ومسحهما صحيحة غير مدفوعة، وقال مالك ﵁: فمن تيمم إلى الكوعين أعاد في الوقت وأعاد الصلاة (١).
وأما قوله: "في الوقت" فاستحباب، وأظنه أجاز صلاة من فعل ذلك إذا خرج الوقت، إجلالًا للصحابة والقائلين به، وألا يَنْحَلَهم أنهم ما صلوا, واللَّه واسع الرحمة.
والتيمم عندنا لكل صلاة، وقد زعم العراقيون أنهم يتيممون لخمس صلوات، وفرقوا بين الخمس والستة (٢).
стр. 396
فإن كان التيمم يقوم مقام الوضوء فلا فرق بين خمسة وستة، وإن كان إنما عمل بالقرآن فلا اختلاف بيننا أن المتيمم إذا لم يجد الماء وتيمم، أن عليه أن يطلب الماء للصلاة الأخرى إذا دخل وقتُها، فإذا كان بفرض اللَّه يطلب فيصير غيرَ واجد، فقد قال اللَّه : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾، فصار التيمم واجبًا على كل طالب لم يجد.
ومع ذلك فلا اختلاف أن التيمم يُبيح الصلاة ولا يرفع الحدث كما يرفعه الوضوء، لأن الوضوء لا يبطل إلا بحدث ينقض الطهارة، والتيمم يبطله وجود الماء، ولا يزيل حكم الجنابة، فالإنسان جُنُب وهو يصلي، إنما تفضل اللَّه بالتيمم لإدراك الصلاة في وقتها وهو على حال حدثه، ولا بأس عندنا أن يتيمم الرجل ويقرأ حزبه من القرآن.
وقد زعم العراقي أنه إن وجد الماء وهو في الصلاة بطل تيممه (١)، وهذا مخالف لما أصلوه، لأن التيمم إنما أبيح للدخول في الصلاة، فإذا دخل فيها فليس يخرج من فرضه أو كان فرض الوضوء قد مضى حكمه إلا بحدث ينقض الوضوء، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 397
١١٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
[عموم المغفرة للمذنبين من أمته ﷺ -]
الرواية في هذه الآية كثيرة، وأنها توجب الغفران لكل من لم يشرك، وأن اللَّه ﵎ يغفر الكبائر مع الصغائر لمن لشاء، ويعذب من يشاء في الدنيا والآخرة، فضله يؤتيه من يشاء.
ولا أعلم اختلافًا بين أهل العلم في ذلك إلا من قال بالوعيد (١)، وليس هم من أهل العلم بحمد اللَّه، فإنهم زعموا أن اللَّه لا يغفر الكبائر إلا للتائب، ولو كان كما قالوا لخَلَت الآية من الفائدة، لأن الشرك أيضًا مغفور للتائب قبل أن يُغرْغِر، فلا فائدة في قوله -ونعوذ باللَّه من أن نقول ذلك-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، لأن التائب من الشرك والكبائر مغفور له، وغير التائب منها غير مغفور له، فما الفرق الذي أوجبته الآية بين الشرك وسائر الكبائر؟
وهم قوم أعمى اللَّه قلوبهم وأصمهم وأعمى أبصارهم، وأغنى عن الحجة عليهم، وينبغي للعبد أن يكون خائفًا راجيًا، مُقَدِّمًا للتوبة والندم.
* * *
стр. 398
٥٨ - قال اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
كل مؤتمَن على نفس ومال وسِرّ وعِرض، مُخاطَب بأداء الأمانة فيما أؤتمن عليه، والدَّين والوديعة والرهن والعارية سواء، وكل ما (١) جرى هذا المجرى، على كل يد أن تؤدي ما قبضت على حكم قبضها إياه.
قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: القتل في سبيل اللَّه يكفر كل ذنب إلا الدَّيْنَ والأمانة (٢)، والأمانة أشد ذلك وأعظم.
٥٨ - وأما قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، فهذا في ولاة الأمر ومن قام مقامهم من الحكام وسائر الولاة، والعدل: الاقتداء بالكتاب والسنة واتباع السلف، وفقنا اللَّه وجميع المسلمين لمراشد الأمور بمنه.
* * *
стр. 399
٥٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾
[طاعة اللَّه ورسوله ﷺ -]
قال النبي ﷺ : "من أطاعني فقد أطاع اللَّه، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن أطاع أميري (١) فقد أطاعني، ومن عصى أميري (٢) فقد عصاني" (٣).
فطاعة الرسول ﷺ فرض على من آمن به، وطاعة من أمر بطاعته كذلك، وقد قال النبي ﷺ : "ما لكم ولأمرائي، لكم صفوة أمرهم وعليهم كَدَرُه" (٤).
وطاعة اللَّه: اتباع كتابه جَلِيِّه وخفيِّه، وطلب علم الخفي من الراسخين فيه يُبْتَغى، وطاعة رسول اللَّه ﷺ في حياته: الرجوع إليه في كل مشكل من القرآن والسنة، وبعد وفاته صلوات اللَّه عليه: الرجوع إلى سنته المعمول بها، وهذا معنى قوله : ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
стр. 400
[طاعة أولي الأمر]
وأما قوله : ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ففيه اختلاف بين المفسرين، فمنهم من قال: السلطان، ومنهم من قال: الفقهاء والعلماء العقلاء.
وطاعة السلطان واجبة في كل طاعة للَّه، وكل شيء لا يخرج إلى معصية ولا إثم، وطاعة أهل الفضل في الدين والعلم، ومن يوثق بهما عليهما فيما نيط بهم توجب رضوان اللَّه، وتلزم أهل طاعة اللَّه، فإن قِوام الدين بهاتين الطائفتين، قال النبي ﷺ : "لا يزال الناس بخير ما استقامت لهم هداتهم وولاتهم" (١)، والهداة: العلماء العاملون بعلمهم، فإن اللَّه أنزلهم أجَلَّ المنازل فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قرنهم بنفسه، والمعنى: قضى اللَّه أنه لا إله إلا هو، حكم اللَّه ألا يُعبَد سواه، وشهدت الملائكة وأولوا العلم بما قضى اللَّه به من التوحيد، وقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، هذه حال العالم إذا تمسك به، وإذا أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فقد مثله بالكلب وبالحمار، نسأل اللَّه ألا يكلنا إلى أنفسنا، وأن يستعملنا به ويَجْبُلَنا عليه برأفته، إنه جواد كريم.
* * *
стр. 401
٩٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾
[القتل الخطأ]
ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنًا، ولا أن يقتل معاهدًا بحال، وقوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ ليس بالاستثناء، وقد تستثني العرب الشيء من الشيء وليس منه، والمعنى: لكن من قتل خطأ، أو: لكن قد يقع الخطأ غير العمد، أو سوى الخطأ فإنه قد يكون، تفعل العرب هذا على اختصار وضمير، هذا كلام الأصمعي (١) وأبي عبيدة قالا: ومعناه ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا على حال إلا أن يقتله مخطئًا، فإن قتله خطًا فعليه ما قال اللَّه ، ومثل هذا قوله : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾، واللمم ليس من الكبائر ولا من الفواحش، ومعناه: إلا أن يُلِمّوا بغير الكبائر، قال جرير:
من البِيض لم يظعن بعيدًا ولم يطأ ... على الأرض إلا ذَيْل بُرْد مرحَّل (٢)
المُرَحَّل: المُوَشَّى في طرفيه، وذيل البُرْد ليس من الأرض.
стр. 402
وقال الشاعر:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليَعافير وإلا العِيس (١)
وأما قوله عز من قائل: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ الدِّيَة في الخطأ على العاقلة إذا ثبت ذلك، وليس عليهم إقرار ولا عمد ولا عبد، وإنما على العاقلة ما ثبت أنه خطأ من غير قوله وقول أولياء الدم، والرقبة المؤمنة على القاتل في نفسه، ولا يجوز في الرقبة إلا مؤمنةٌ كما شرط اللَّه تعالى، ولا يجوز فيها الطفل ولا من لا يستقل بنفسه ويتصرف في معاشه، ولا تجوز العيوب القاطعة عن ذلك، ولا من لا يعقل الإسلام والصلاة، واللَّه أعلم.
وقد قال ابن القاسم: إن الصغير يجزئ إذا كان حكمه حكم الإيمان.
والذي أختار: أن يكون يعقل الإيمان.
[الدِّية]
وأما الدية فإنها عندنا على أهل البادية مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم، وترد الإبل في الجراح إلى هذه القسم على كل قوم، وقد روي عن النبي ﷺ أنه دفع بالمدينة دية اثني عشر ألف درهم، رواه عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁: أن رجلًا من الأنصار قتل فَوَدّاه رسول اللَّه ﷺ اثني عشر ألفًا، فنزلت: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
стр. 403
وأما الروايات عن عمر فمختلفة، جعلها في وقت ثمانية آلاف (١)، وفي وقت عشرة آلاف (٢)، وفي وقت اثني عشر ألفًا (٣)، وجعل دية الكتابي في الوقت الذي جعلها ثمانية آلاف أربعة آلاف، وأحسبه كان يفعل ذلك في الأوقات، يُقَوِّم الإبل لاختلاف الصرف.
فجعل الشافعي دية الكتابي أربعة آلاف (٤)، ولم ينقلها بنقل عمر ﵀ دية المسلم بالصرف، وإنما جعلها عمر ﵁ نصف دية المسلم، ونحن نتكلم هذا في موضعه إن شاء اللَّه عند ذكر الديات والقصاص في الجراح، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت.
وقال أهل العراق: الدية عشرة آلاف.
وأصح الروايات عن عمر ﵁: اثنا عشر ألفًا، وعن عائشة مع ما قدمنا ذكره عن النبي ﷺ .
وولد العبد الصغير إذا عقل الإسلامَ يجري مجرى أبيه، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 404
٩٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾
[دية المؤمن مع أهل الكفر، والمعاهَد، والذمي]
قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، إذ ليس هناك مستحق الدية، إذ كان أولياؤه كفارًا.
ومعنى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ [فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ] (١) وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ لأنه مؤمن بين قوم لهم ميثاق، فالكفارة من أجل أنه مؤمن، والدية كانت تدفع من أجل الميثاق، والميراث للمسلمين.
وهذا الأخير منسوخ لأن المهادنات والمواثيق كانت بين رسول اللَّه ﷺ وبين طوائف من المشركين، فنسخ ذلك كله بسورة براءة، وهي آخر سورة نزلت، فقال ﵎: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١ - ٣] وقال ﵎: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
стр. 405
وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ويقال في هذه الأشهر: هي الأربعة الأشهر التي أجلوا في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، فنسخ ذلك كل ما (١) كان قبله.
وأنزل في براءة أيضًا أمر أهل الذمة في قوله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فاستقر الأمر في مشركي العرب بعد الأربعة الأشهر التي ضُربت لهم على الدخول في الإسلام أو القتال، وفي أهل الكتاب ومن جرى مجراهم من المجوس وعبدة الأوثان على الدخول في الإسلام أو إعطاء الجزية أو القتال، فكان هذا ناسخًا لما مضى قبله، فلا دية الآن لمسلم منهم يقتل في الحرب إذا كان في جملتهم، إذ لا ميثاق، ألا تراه قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٠].
وقال : ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢]، والسلام ليس من اللغو، قال الأعشى:
إذا اتَّصَلَتْ قالت أبكرَ بن وائلٍ ... وبكرٌ سَبَتْها والأنوف رواغمُ (٢)
وقال زيد الخيل:
إذا اتَّصَلَت تنادي يا لقيسٍ ... وخَصَّت بالدعاء بني كلابِ (٣)
стр. 406
وقد قيل في بعض الحديث: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: إن من توصل إليهم فله مثل عهدهم.
وأحسب أن هذه الآيات نزلت -فيما يقال- في قوم من أشجع (١).
وقد قيل: في قوم من بني مدلج كان بينهم وبين النبي ﷺ عهد فقال تبارك اسمه: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١]، وقال ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] الآيات، فهذا كلُّه يدل على ما ذكرنا، وكان الناسخ لأمر المواثيق ما وصفنا، واللَّه أعلم.
وليس يجب أن تقاس دية المعاهد على دية من كان بينه وبين رسول اللَّه ﷺ ميثاق، لأنهم لم يكونوا ذمة للنبي ﷺ ولا أوطأهم يومئذ عليه، ولما قيل: ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ دلّ على التّساوي بينهم في الديات وغيرها من الأمور التي تحدث، إلا أن يشترطوا في ذلك شرطًا فيه خُصوصٌ لبعضهم، وما لم يشترط الخصوص فهو على التساوي، وليس يشبه هؤلاء أهلَ الذمة، لأن أهل الذمة إنما قهرهم المسلمون حتى أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فدياتهم تجري على ما أعطاه المسلمون.
فمن ذلك أنهم جعلوا دية المجوس أقل من دية اليهود والنصارى، فروى عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال: "عَقْل الكافر نصف عقل المؤمن" (٢).
стр. 407
وروى سعيد بن المسيب أن عمر ﵁ قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة (١).
وقال مكحول: وجعلها نصف دية المسلم، وإنما قال ذلك لأنه كان يُقَوِّم الإبل عند الحوادث، وقصده كان لنصف دية المسلم.
وقال السبعة (٢): دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين، وهي عندنا: ستة آلاف، وفي الوقت الذي جعلها عمر ﵁ أربعة آلاف كان قد جعل دية المسلم ثمانية آلاف، أو ثمان مائة دينار.
ثم إن عمر ﵁ خطب فذكر غلاء الإبل ورُخْصَها، فجعل على أهل الورق اثنا عشر ألفًا، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وجعل دية أهل الكتاب على النصف (٣).
ولما قيل: دية الكافر على النصف، عُلم أنه الكافر الذي تجري عليه أحكامنا، وأما الكافر الذي لا تجري عليه أحكامنا وإنما بيننا وبينهم ميثاق، فديته على قدر ما يجري بيننا وبينه من الشرط ولا كفارة، لأن الميثاق لا يقع بيننا وبينه إلا على المراضاة منا ومنه، والذمي إنما أعطيناه ما أعطيناه على قدر
стр. 408
ما رأينا في أمره، إذ كان حكمُنا عليه جائزًا (١)، وإنما حُقِن دمُه بالجزية التي جعلناها عليه.
وكل واحد من اليهود والنصارى والمجوس إذا قُتل أعطيناهم ديته التي جعلناها له، فهي دية مسلمة إلى أهله، لأن كل دية الإنسان قلت أو كثرت إذا أُدِّيت إلى مستحقها فهي دية مسلمة إلى أهله.
كما أن المرأة المُسلمة إذا قُتلَت خطأً فديتها نصف دية الرجل، وعلى قاتلها تحرير رقبة مؤمنة، وهي دية مسلَّمة إلى أهل المقتول ذكرًا كان أو أنثى، لأن لفظ: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ نكرة، وإنما يجب فيها أن تؤدى دية المقتول ما كانت من شيء.
فأما تحرير رقبة في قتل المعاهد خطًا فإنما يرى ذلك مالك ﵁ احتياطًا، لأن نسق الآية قد يمكن أن يكون معطوفًا على أن يكون المقتول في الحالات كلها وهو مؤمن كما قال المتقدِّمون، ويمكن أن يكون كافرًا بيننا وبينه ميثاق، فالاحتياط أصوب، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 409
٩٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾
أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأُتفوي، أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي قراءة عليه بمصر في منزله عام أحد وأربعين وثلاثمائة وأنا أسمع، قيل له: قلتَ رحمك اللَّه:
الشهران جُعلا بدلًا من الرقبة المؤمنة، ولم يجعل اللَّه ﵎ هاهنا إطعامًا.
وأما قوله : ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾، فمعناه رحمة من اللَّه، والتوبة عند العرب: الرجوع، فرجع اللَّه بهم من الرقبة إلى الصيام رحمة منه، وباللَّه التوفيق.
* * *
стр. 410
٩٣ - قال اللَّه : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾ إلى آخر الآية
[هل للقاتل توبة ؟ ]
قال زيد بن ثابت، وابن عباس، ومن تابعهما من التابعين: إن قاتل المؤمن لا توبة له، وشدَّدوا في ذلك (١).
وقال علي بن أبي طالب، ومن تابعه: له توبة.
قال القاضي: والذي توجبه الآيات: التوبة، لأن اللَّه ﵎ قال في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾، فلما ذكر أن جزاءه الذي وصف، عرف أن هذه عُقوبة فِعله إن جازاه، وقد يجوز ألا يجازيه.
وقال في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، فاستثنى في الجميع التوبة، وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فأوجب على نفسه تفضلًا على من شاء، فينبغي لمن فعل هذه (٢)
стр. 411
الأشياء -عصمنا اللَّه عنها بمنه وعن جميع المآثم- أن يخاف ألا يكون فيمن يدخل في المشيئة، ويرجوَ عفوه ولا يقنط، فإن اللَّه قال: ﴿لَا (١) تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
كان ابن شهاب إذا سُئل: هل للقاتل توبة؟ يتعرَّف من السائل هل قتل أم لا؟ ويطاوله، فإن قال لا، قال: لا توبة له، وإن قال: نعم قد قتَل، قال: له توبة. وإن هذا لحسن، ومع ذلك، فهذه الآيات من أحكام الآخرة، مردودة إلى الباري سبحانه، وله أن يفعل ما شاء، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وله الفضل على كل الأحوال.
* * *
стр. 412
٩٥ - قال اللَّه سبحانه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ الآية
[العذر في الجهاد]
هذه الآية نزلت في ابن أم مكتوم، وكان ضريرًا، فلما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ قال ابن أم مكتوم وزيد بن ثابت يكتب: يا رسول اللَّه، كيف بي وأنا ضرير؟ فأنزل اللَّه: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فألحقت بين المؤمنين والمجاهدين، فكانت عذرًا لمن عجز عن الجهاد، روى ذلك جماعة عن زيد بن ثابت (١).
* * *
стр. 413
١٠١ - ١٠٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾
قيل لعمر بن الخطاب ﵁: نرى قصر الصلاة في الخوف، ولا نرى قصر الصلاة في السفر، فقال عمر ﵁: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول اللَّه ﷺ عن ذلك فقال: "صدقة تصدّق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته" (١).
وقيل مثل ذلك لابن عمر فقال: يا ابن أخي بُعِث محمد ﷺ إلينا ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل كما رأيناه يفعل (٢).
وقال ابن عباس ﵁: فرض اللَّه ﵎ صلاة الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة (٣).
وقالت عائشة ﵂: فُرضت الصلاة في الحضر والسفر ركعتين، فزيد في صلاة الحضر، وأُقِرّت صلاةُ السفر (٤).
стр. 414
[صفة صلاة الخوف]
واختلفت الروايات في صلاة الخوف، فروى صالح بن خَوّات (١)، عن سهل بن أبي حَثْمَة: أن صلاة الخوف -وقد صلى مع رسول ﷺ أن يصلي الإمام بطائفة ركعة، وتقوم الطائفة الأخرى وِجاه العدوِّ، فإذا قام في الثانية قضَوا لأنفسهم، ومضَوا فكانوا وِجاه العدو، وجاءت الطائفة التي كانت بإزاء العدو، فصلى بها الركعة الباقية عليه، ثم سلّم وأتمّوا لأنفسهم (٢).
رواه يزيد بن رومان عن صالح عن من صلى مع رسول اللَّه ﷺ ، وهو سهل بن أبي حثمة الأنصاري، وزاد فيه: وأقام حتى يقضون ثم يسلم بهم (٣).
وقال مالك ﵁ بالحديثين جميعًا، قال بالأول ثم رجع إلى الثاني، وجميعًا صحيحان في معناها.
ورُوي عن حذيفة في صلاة الخوف أنها ركعتان (٤) للإمام، وركعة ركعة لمن خلفه، ولا يقضون (٥). وعن زيد بن ثابت مثل ذلك (٦).
ورُوي عن جابر بن عبد اللَّه ضد ذلك، وأن الإمام يصلي ركعتين بكل طائفة، فيصير للإمام أربعًا، ولكل واحدة من الطائفتين ركعتين (٧).
стр. 415
وروي مثل ذلك عن أبي بكرة (١).
وروي عن أبي موسى اضطراب في ذلك.
وروي عن ابن مسعود وابن عمر مثل صالح بن خوّات، وخالفاه في قضاء الطائفتين، فجعلوا الأولى تجيء وتقضي، وتذهب الطائفة الذين صلوا الركعة الثانية مع الإمام فتقوم بإزاء العدو، فإذا قضت الأولى جاءت الثانية فقضت، إلا أنهم وافقوه على ركعتين للإمام، وركعتين للمأمومين.
قال القاضي: فهذه الأحاديث جملةُ ما رُوي من الاختلاف في صلاة الخوف.
وأما صلاة السفر فقول عمر ﵁: صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، يريد: لم يلزمكم الزيادة التي فرضها في الحضر، وكل رحمة ورفق يفعله اللَّه ﵎ بنا فهو صدقة منه علينا، ألا ترى إلى قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، ليس هذا عفو عن ذنب، إنما هو دعاء ابتدأه اللَّه لنبيه ﷺ تشريفًا له ﵇.
وقال النبي ﷺ : "عفي لكم عن صدقة الخيل، والرقيق" (٢)، وما كان قبل ذلك أوجب، وإنما قال: لم تلزموه، تفضلًا من اللَّه عليكم، كذلك تصدق اللَّه علينا بأن لم يوجب علينا الزيادة التي أوجبها في الحضر، وقول ابن عمر: بعث رسول اللَّه ﷺ ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل ما كان يفعل، يحتمل أن يكون يريد صلاتنا في السفر ركعتين، وفي الحضر أربعًا، وفي الخوف على ما وصف.
стр. 416
وما قاله عمر وابن عمر لا يخالف ما روته عائشة ﵂، وما قال ابن عباس في صلاة الحضر والسفر، لأن اللَّه قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فيكون بهذا القول صلاة السفر وصلاة الحضر جميعًا بقول اللَّه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وبقوله: ﴿وَأَقِمِ (١) الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، وسائر الآيات المذكورة فيها الصلاة، ثم يكون جبريل ﵇ لما أقام لرسول اللَّه ﷺ الأوقات، وصلى به الصلوات في يومين، أقام له في الحضر ما عرفه أنه موافق للسفر، ثم أتاه في وقت آخر بالزيادة في صلاة الحضر، وتكون صلاة الخوف بهذه الآية وتعليم رسول اللَّه ﷺ ، فيكون قول عمر وابن عمر وعائشة وابن عباس في السفر متفق كلّه غير مختلف.
وأما صلاة الخوف فالاضطراب في الروايات (٢) في صفتها ظاهر، وأصح ما في الباب ما رواه يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خَوّات، عن سهل بن أبي خَثْمَة، وموافقة يزيد بن رومان، وموافقة ابن مسعود وابن عمر في العدد.
فأما من قال: أربعًا للإمام وركعتين لكل طائفة، فليس له وجه، لأن القرآن يدفعه والحجة، لأنه لو كان يجوز أن يصلي بقوم فريضة وبآخرين تطوعًا، لكان ظالمًا للآخرين، وقد كان يجوز أن يستخلف على إحدى الطائفتين من يصلي بهم فرضه، فتكون نيته ونياتهم غير مختلفة.
فإن قال قائل: ذلك لفضل النبي ﷺ وفضل صلاته ودعائه.
فيقال لهم: تقول: إن صلاة الخوف لا تجوز بعده لأحد، وإن الإمام في الجيش يستخلف على إحدى الطائفتين، وتكون صلاة الخوف منسوخة، ولم
стр. 417
يقل ذلك أحد من المخالفين علمتُه، والذي عمل عليه الفقهاء والتبع بالعمل، مخالف للرواية أن النبي ﷺ صلى أربعًا وكل طائفة ركعتين.
فأما الاختلاف الآن المروي في الركعتين، فإنه صلى بكل طائفة ركعة، ثم ما وقع من الترتيب فيشبه أن تكون الأفعال مختلفة لاختلاف الأحوال، واختلاف مواقع العدو من القبلة ومن غير القبلة، فحكي كل فعل منهما على قدر الحال التي كانت عليه، والأمر في ذلك كله جائز، لأنه يرجع إلى أن الإمام ومن معه صلى كل فريق منهم ركعتين، ووقع الاختلاف في الترتيب.
فأما ما روي من ركعتين للإمام، وركعة ركعة لمن خلفه، فقد يجوز أن يكون الراوي أراد الركعة التي مع الإمام، وغفل عن ذكر ما قضي على الانفراد لمن خلفه.
ومن [قال] (١) أربع ركعات للإمام، وركعتين ركعتين لمن معه، فليس عليه العمل، ولا يشبه ما أمر به الإمام من قسمة الصلاة بينهم، وقد يحتمل أيضًا أن يكون ذلك في حضر، فذَكَر ما صلوا مع الإمام، وأغفلوا ذكر ما قُضي، واللَّه أعلم.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾، فعُلم أنها صلاة بعينها مفترضة، ثم قال: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، فعُلم أنه في تلك الصلاة، ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ فعلم أنها تلك الصلاة بعينها التي أقيمت، وأن صلاة رسول اللَّه ﷺ في نفسه لم تنقض حتى جاء الآخرون فصلوا معه، لأن صلاة الخوف إنما قسمت للعدل بين الطائفتين، ولو كان الإمام يصلي بهؤلاء فرضه، وبهؤلاء تطوعًا لما كانت الصلاة مقسومة بينهم، ولو كان هذا مما يجوز لما سميت صلاة
стр. 418
الخوف، لأنها إنما هي جماعة بعد جماعة، وما كان بالناس بعده ﷺ إلى صلاة الخوف.
وأما ركعة ركعة، فأحسب أنهم أرادوا ركعة ركعة مع الإمام، وأغفلوا ذكر القضاء في الرواية لعلم المخاطبين، إذ الآية نزلت في قصر الترتيب لا قصر العدد، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 419
١٠٢ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾
[سبب النزول]
هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف كان جريحًا، فأذن له في وضع السلاح رِفقًا به (١)، وإن كان العدو مواجهًا، إذ كان هناك من ينوب عنه ممن فيه كفاية.
* * *
стр. 420
١٠٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾
هذه الآية والتي في آل عمران (١) -واللَّه أعلم- أريد بها المريض، والصلاة على حسب الطاقة قيامًا، وقعودًا لمن لا يطيق القيام، مضطجعًا لمن لا يطيق القعود، ويحتمل أن يكون ذلك معنى التي في آل عمران، وتكون هذه للدعاء والذكر للَّه في سائر الأحوال، لأن في هذه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾، فيكون التأويل التأخير أولى بها.
ويجوز في اللغة ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ﴾: إذا أردتم القضاء، كما قيل: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١]، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.
فأما قوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، يعني -واللَّه أعلم-: إذا اطمأننتم في أمصاركم، ورجعتم من أسفاركم، فأقيموا الصلاة على تمامها، صلاةَ الحاضر.
[أوقات الصلاة]
وأما قوله : ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، فمعناه: حقًا واجبًا، أو مكتوبًا، أو موجوبًا، أو مفروضًا، كذلك قال عثمان بن
стр. 421
عفان عن النبي ﷺ ، وقاله المفسرون، لا نعلم خلافًا، إلا قول الشافعي: موقوتًا: مؤقتًا بأوقات (١).
وهذا تفسير من لا يعرف اللغة، ويَقْصُر عن معرفة كلام العرب، لأن التصريف في أوقات: مؤقتًا، لا يجوز عندهم: موقوتًا، قال ذلك أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وعيسى بن عمر (٢) في آخرين.
ولم تؤخذ أوقات الصلوات بهذه الآية، وإنما أخذت بقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، وبقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]، ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]، فهذه أوقات الصلاة من القرآن، واللَّه أعلم.
وبقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وبصلاة النبي ﷺ في الوقتين، وقوله: "بين هذين وقت" (٣)، أخذه المسلمون عملًا وتلقاه الخلف عن السلف.
قال القاضي: فهذه أوقات الصلاة من القرآن، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 422
١١٩ - قال اللَّه : ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾
كانوا يشقون آذان الإبل، ويقولون: هذه بُحُرٌ، ويشُقّون جلودَها ويقولون: هذه صُرُم، فيحرِّمونها على أنفسهم وعلى أهليهم، ويجعلونها لطواغيتهم، فحرّم اللَّه ذلك عليهم، ونُهوا عنه، رواه عبد اللَّه بن مسعود عن النبي ﷺ وقال فيه: "وإذا آتاك اللَّه مالًا فليُر أثر نعمة اللَّه عليك" (١).
* * *
стр. 423
١١٩ - قال اللَّه : ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾
قال ابن عباس، وأنس بن مالك، وابن المسيب، وعكرمة: الخصاء (١).
وقال سعيد بن جبير: هو دين اللَّه (٢).
وقال زيد بن أسلم: دين اللَّه، ثم قرأ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠].
وتابع على التفسير الأول جماعة (٣)، وعلى الثاني جماعة (٤).
فالخصاء تغيير للخلق، غير أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك لتحريم ولا تحليل، وإنما يفعله الناس بالأنعام لتطيب لحومها، أو لغير ذلك مما يقصدون به صلاحهم، وإنما كان تغيير الخلق الذي يأمرهم به الشيطان فيما أرى واللَّه أعلم، نحو ما كانوا يمنعون من البحائر وما أشبهها، فيُبَتِّكُون الآذان، ويَشُقُّون الجلود، ويحرّمون ما يفعلون به ذلك على أنفسهم، ويتقرّبون به إلى آلهتهم، قال اللَّه ﵎: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣].
стр. 424
وقال أبو الأحوص عن أبيه (١) أن رسول اللَّه ﷺ قال له: "هل تُنتج إبل قومك صحاحًا آذانُها، فتعمد إلى الموسَى فتشق آذانها، وتقول: هذه بُحُر، وتَشُق جلودها، أو قال: تقطع جلودها وتقول: هذه صُرُم، فتُحَرِّمها عليك وعلى أهلك؟ " (٢).
وأما قول من قال: دين اللَّه، فلعله أراد تغيير خلق اللَّه فيخالف دين اللَّه، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.
* * *
стр. 425
١٢٣ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾
لما نزلت هذه الآية امْتَعَضَ المسلمون منها، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول اللَّه كيف الصلاح بعد هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؟ [النساء: ١٢٣] فقال رسول اللَّه ﷺ : "يغفر اللَّه لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تَنْصَب؟ أليست تصيبك اللّاواء (١)؟ " قال: بلى، قال: "فذلك مما تجزون به" (٢).
وقالت عائشة ﵂: هو ما يصيبكم في الدنيا جزاءً بما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير (٣).
وقال ذلك جماعة من المفسرين (٤).
وقال بعضهم: هي في الكفار، ثم حض اللَّه المؤمنين فقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ١٢٤].
وقال الحسن: هي في الكفار، وتلا: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] (٥).
وقال مسروق: تفاخر أهل الكتاب والمسلمون، فأنزل اللَّه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا