← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 39

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي

بكر بن العلاء

Полный текст (1 204 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

عفان عن النبي ﷺ ، وقاله المفسرون، لا نعلم خلافًا، إلا قول الشافعي: موقوتًا: مؤقتًا بأوقات (١). وهذا تفسير من لا يعرف اللغة، ويَقْصُر عن معرفة كلام العرب، لأن التصريف في أوقات: مؤقتًا، لا يجوز عندهم: موقوتًا، قال ذلك أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وعيسى بن عمر (٢) في آخرين. ولم تؤخذ أوقات الصلوات بهذه الآية، وإنما أخذت بقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، وبقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]، ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]، فهذه أوقات الصلاة من القرآن، واللَّه أعلم. وبقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وبصلاة النبي ﷺ في الوقتين، وقوله: "بين هذين وقت" (٣)، أخذه المسلمون عملًا وتلقاه الخلف عن السلف. قال القاضي: فهذه أوقات الصلاة من القرآن، واللَّه أعلم. * * *

стр. 422

١١٩ - قال اللَّه : ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ كانوا يشقون آذان الإبل، ويقولون: هذه بُحُرٌ، ويشُقّون جلودَها ويقولون: هذه صُرُم، فيحرِّمونها على أنفسهم وعلى أهليهم، ويجعلونها لطواغيتهم، فحرّم اللَّه ذلك عليهم، ونُهوا عنه، رواه عبد اللَّه بن مسعود عن النبي ﷺ وقال فيه: "وإذا آتاك اللَّه مالًا فليُر أثر نعمة اللَّه عليك" (١). * * *

стр. 423

١١٩ - قال اللَّه : ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس، وأنس بن مالك، وابن المسيب، وعكرمة: الخصاء (١). وقال سعيد بن جبير: هو دين اللَّه (٢). وقال زيد بن أسلم: دين اللَّه، ثم قرأ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. وتابع على التفسير الأول جماعة (٣)، وعلى الثاني جماعة (٤). فالخصاء تغيير للخلق، غير أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك لتحريم ولا تحليل، وإنما يفعله الناس بالأنعام لتطيب لحومها، أو لغير ذلك مما يقصدون به صلاحهم، وإنما كان تغيير الخلق الذي يأمرهم به الشيطان فيما أرى واللَّه أعلم، نحو ما كانوا يمنعون من البحائر وما أشبهها، فيُبَتِّكُون الآذان، ويَشُقُّون الجلود، ويحرّمون ما يفعلون به ذلك على أنفسهم، ويتقرّبون به إلى آلهتهم، قال اللَّه ﵎: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣].

стр. 424

وقال أبو الأحوص عن أبيه (١) أن رسول اللَّه ﷺ قال له: "هل تُنتج إبل قومك صحاحًا آذانُها، فتعمد إلى الموسَى فتشق آذانها، وتقول: هذه بُحُر، وتَشُق جلودها، أو قال: تقطع جلودها وتقول: هذه صُرُم، فتُحَرِّمها عليك وعلى أهلك؟ " (٢). وأما قول من قال: دين اللَّه، فلعله أراد تغيير خلق اللَّه فيخالف دين اللَّه، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك. * * *

стр. 425

١٢٣ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ لما نزلت هذه الآية امْتَعَضَ المسلمون منها، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول اللَّه كيف الصلاح بعد هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؟ [النساء: ١٢٣] فقال رسول اللَّه ﷺ : "يغفر اللَّه لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تَنْصَب؟ أليست تصيبك اللّاواء (١)؟ " قال: بلى، قال: "فذلك مما تجزون به" (٢). وقالت عائشة ﵂: هو ما يصيبكم في الدنيا جزاءً بما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير (٣). وقال ذلك جماعة من المفسرين (٤). وقال بعضهم: هي في الكفار، ثم حض اللَّه المؤمنين فقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ١٢٤]. وقال الحسن: هي في الكفار، وتلا: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] (٥). وقال مسروق: تفاخر أهل الكتاب والمسلمون، فأنزل اللَّه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا

стр. 426

نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ١٢٣]، فَفَلَجَ (١) المسلمون عليهم بقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (٢). وقال الحسن: إنما المجازاة لمن أراد اللَّه هوانه، فأما من أراد كرامته فإنه يتجاوز عن سيئاته في أصحاب الجنة ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] (٣). وكل ذلك يقرب بعضه من بعض، فأما الكفار فالكفر أسوأ السوء، ومجازاته واقعة، وأما المسلمون فذنوبهم سوء، واللَّه ﵎ يكفِّرها بأعمالهم، برحمته وفضله، ويكفرها بما يبتليهم به في الدنيا، واللَّه أعلم. * * *

стр. 427

١٢٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ قد فسرنا هذه الآية مع قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]. * * *

стр. 428

١٢٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [مصالحة المرأة زوجَها ببعض حقها] هذه الآية نزلت في المرأة تكبر وتهرَم، ويريد زوجها أن يستبدل بها، فتقولُ له: لا تطلقني -رغبةً فيه- وأنت في حِلٍّ من شأني، وما يجب لي عليك (١). وقد فعل ذلك رسول اللَّه ﷺ ، أراد أن يطلق سودة بنت زمعة، فقالت: يا رسول اللَّه دعني في أزواجك واقسم بيومي لعائشة، ففعل ذلك وكان يقسم بيومها لعائشة. وغضب رسول اللَّه ﷺ يومًا على صفية، فقالت لعائشة: هل لك أن تُرضي رسول اللَّه عني وأهب لك يومي هذا؟ وكان يومها، فجاءت عائشة فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "إليك يا عائشة فليس هو يومك"، قالت: ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، فأخبرته الخبر فقبل ورضيَ عن صفية (٢).

стр. 429

وقال علي بن أبي طالب وسائر من انتهى إلينا تفسيره: إن المرأة إذا صالحت زوجها إذا خافت أن يطلقها، على أن تدع حقها جاز له ذلك، وإن صالحته على بعض حقها من المبيت والنفقة جاز وحل له ذلك، فإن رجعت عن ذلك وطالبته بحقها كان عليه أن ينصفها بما كان يجب لها، أو يُطلقها (١). * * *

стр. 430

١٢٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أن يَشِح عليها بنفسه وماله ونفقته وليس له ذلك، فإن أراد الاستبدال فصالحته على شيء من ذلك جاز، وإلا كان الذي يلزمه العدل في القَسْم والنفقة والطلاق. * * *

стр. 431

١٢٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [العدل بين النساء] ٣١ - أنا إسماعيل قال: نا حجاج، قال: نا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد اللَّه بن يزيد (١)، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقسم فيعدل، ثم كان يقول: "اللهم إن هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" (٢)، يعني: القلب والمحبة، لأنه كان يحب عائشة ﵂ أشدَّ من حبه لغيرها. وقال المفسرون في هذه الآية: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا﴾ يعني: في المحبة وحضور الشهوة للجماع، ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، يريد: فلا يقع منكم الإفراط بإظهار ما تبطنونه من ذلك. وأما قوله: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾، أن تُترك أصلًا، فلا تعطى من المبيت والجماع حظًا، فتكون لا ذات بَعْل، ولا أيم فتطلب لنفسها الزوج، فتبقى معلقة، فهذا معنى الآية، واللَّه أعلم.

стр. 432

١٣٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ قال ابن عباس: لَيُّ القاضي وإعراضه إلى أحد الخصمين دون الآخر (١). وقال مجاهد وغيره: هي في الشهود إذا كتموا الشهادة، أو حرفوا (٢). قال القاضي: وكل ذلك عندي داخل في معنى الآية، واللَّه أعلم. * * *

стр. 433

١٤٨ - قال اللَّه : ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ قال مجاهد هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج من عنده فيقول: قد أساء ضيافتي، ولم يُحسِن، فكره له ذلك (١)، إذ كان ذلك ليس بواجب عليه، وإنما هي مكرمة من أتاها جاز ثوابها، ومن بخل لم يجز ذكرُه بالسوء، وكان السكوت أوجب. * * *

стр. 434

١٧٦ - قال اللَّه : ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [الكلالة] هذه آخر آية نزلت في المواريث. والكلالة: كل من لا ولد له ولا والد فهو مَوروث كلالة، والكلالة: مَن تكلَّلَه من العَصبات وسائر الوارثين غيرِ الولد والوالد، واللَّه أعلم. * * *

стр. 435

سورة المائدة

стр. 436

١ - قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [الوفاء بالعقود] كل شيء عقده الإنسان على نفسه مما ليس معصية للَّه فعليه الوفاء به، من عهد، ويمين، وبيع، وهبة، ورهن، وعِتق، ونكاح، وطلاق، وكتابة، وتدبير، ونَذْر، وأمان، وشركة، وكل شيء ألزمه الإنسان مما فيه طاعة للَّه، ولا معصية للَّه ولا مأثم، فقد لزمه الوفاء به، وكل شيء دخل فيه من طاعة وقد عقده بدخوله، فليس له أن يخرج حتى يتمّه، فإن قطعه من غير عذر فعليه القضاء. [القضاء في صوم التطوع] ٣٢ - نا محمد بن مَعْدان القطعي، قال: نا محمد بن كثير العَبْدي قال نا سفيان الثوري، عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين أنها أصبحت وحفصة صائمتين متطوعتين، فأهدي لهما طعام فأفطرتا، فذكرتا ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فأمرهما بقضاء يوم مكانه. وذكر ذلك مالك ﵁ في الموطأ فقال: عن ابن شهاب: بلغني، وذكر الحديث (١).

стр. 437

[الرجوع في الهبة] قال القاضي ﵀: وهذه الآية عندنا أوجبت على من وهب ألا يرجع في هبته، فقد شبهه رسول اللَّه ﷺ بالعائد في قيئه (١)، والقيء محرم. [بيع المدبَّر والمكاتَب] وهذه الآية منعت من بيع المُدَبَّر (٢)، لأن مالكه عقد فيه على نفسه عقدًا فيه قربة إلى اللَّه، فليس له بيعه، وكذلك المكاتَب (٣). [الخيار في البيع] وهذه الآية نسخت الحديث: "المتبايعان بالخيار" (٤)، إن كان الخيار على ما قال الشافعي: إنما هو لمن أراد الفسخ دون من أراد الإتمام (٥)، وقد جعله رسول اللَّه ﷺ لهما، وجعله الشافعي لأحدهما وهو مريد الفسخ، وعنده أن الكتاب ينسخ السنة، وأن السنة لا تنسخ القرآن (٦). على أن ابن جريج رواه عن نافع، عن ابن عمر، في المقايلة (٧)، وقال فيه: ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله (٨).

стр. 438

فهذه الآية ناسخة للحديث، موجبة لإتمام ما عُقد. ومن قال: أريد الوفاء، موافق لكتاب اللَّه، فهو أولى وأحق، إذ لا اختلاف أن العقد قد وقع، وإنما الخيار عند مخالفنا في الفسخ، فكتاب اللَّه أولى من قوله، وقد تكلمنا في هذه المسألة بما يغني عن إعادته. ٣٣ - ونا الحسن بن المثنى، قال: نا أبي، قال: نا معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن حكيم بن حزام، أن النبي ﷺ قال: "البيعان بالخيار حتى يتفرقا، فإن صدّقا وبيَّنا بورك لهما، وإن كتما ونكثا لم يبارك لهما" (١). وهذا الحديث يوجب أن الفرقة (٢). * * *

стр. 439

١ - قال اللَّه ﵎: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ الأنعام: الإبل والبقر والغنم، أحلت لنا بالذَّكاة إلا ما يتلى علينا، والذي يتلى علينا فيما ذكينا: الدم المسفوح، فهو محرم من المذكيات منها، وأحل ما عدا ذلك من اللحم والشحم والجلد والشعر والصوف والفرث، فكان ذلك حلالًا (١) يُنتفع به، ولذلك قال مالك ﵁: إن بول ما يؤكل لحمه وفرثه طاهر (٢)، إذ لم يستثنى كما استثني الدم المسفوح. والدم المخالط الذي ليس بمسفوح حلالٌ، ومنه يُخلق اللبن في الضرع، قال اللَّه ﵎: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]، فخلق اللَّه ﵎ اللبن من الفرث والدم، فهذا ما استثنى اللَّه وهو الدم المسفوح، وأحل ما عدا ذلك، وقد يدخل فيما استثنى اللَّه الميتة، وما صار إلى حال لا ترجى حياته، من المُنْخَنِقَة، والنَّطيحة، وما ذكر من ذلك، ونحن إن شاء اللَّه نضع الكلام في ذلك في موضعه. * * *

стр. 440

٢ - قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ إلى قوله: ﴿وَرِضْوَانًا﴾ كانوا ينزعون من شجر الحرم اللِّحاء فيتقلدون بها، فيأمنون بها في العرب، فنهاهم اللَّه عن ذلك. وقيل: كان المشركون يرعون من شجر الحرم، ويجعلون من لِحاء الشجر القلائدَ في أعناقهم، فيأمنون بها من الناس، فنهاهم اللَّه عن ذلك، وقال عز من قائل: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾، فنسخ ذلك ونهى اللَّه عنه، لأنهم كانوا إذا تقلدوا شيئًا من شجر الحرم أمِنوا. وكان المشرك يومئذ لا يُصَد عن البيت، وكانوا أمروا ألا يقاتلوا في الشهر الحرام، فنسخ ذلك كله بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، ونسخ ذلك ﴿بَرَاءَةٌ﴾ وما نزل فيها من أمر العهد وغيره، وقوله عز من قائل: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. * * *

стр. 441

٢ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [الإطلاق من الحظر يفيد الإباحة لا الوجوب] هذا إطلاق من حظر: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، ثم قال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ إن شئتم، وهو لفظ الأمر، وليس هو بأمر، وإنما هو إباحة وخروج من الحظر، ومثله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] التجارة، لأنه قال: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، ثم جاء لفظ الأمر يُراد به إطلاقًا من الحظر لمن أراد التجارة، ومثله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٧]، و ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، و ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣]، فكل ذلك إباحة لمن أرادها، واللَّه أعلم. * * *

стр. 442

٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [سبب النزول] كان النبي ﷺ وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون عن البيت، فمر بهم ناس من المشركين من أهل نجد يريدون العمرة، فقالوا: نصُدّ هؤلاء عن البيت كما صُددنا، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ [وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا] (١) وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾، فتصُدّوا هؤلاء العُمّار. * * *

стр. 443

٣ - قال اللَّه : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [تحريم الميتة] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وهي: ما لا حياة فيه من الأنعام والطير، وسائر ما تجوز فيه الذكاة ويحِل أكله بها، خلا ميتتين: الجراد، والسمك، فإن النبي ﷺ : "قال أحلت لنا ميتتان" (١). وقال في السمك، وذَكر ماء البحر، فقال: "هو الطهور ماؤه الحِلّ ميتته" (٢). فأما الآية فنزلت في الأنعام، ودخل كل مُذَكى إذا مات بالمعنى، فالميتة معنى جامع يُستغنى معه عن ذكر المنخنقة وغيرها، وإنما المعنى: حرمت الميتة، والمنخنقة إذا صارت بالخناق إلى حال الإياس الذي لا يرجى معه حياة، وكذلك المتردية، والنطيحة، وما أكل السبُع، فذلك كله إذا صار إلى

стр. 444

حال اليأس، وإن كانت الذكاة ممكنة وهي الذبح، لا الذكاة التي أمر اللَّه بها، فلا سبيل إلى أكله، وهو كالميتة. وقد قال قوم: إن هذا يُذَكَّى، وإن الذي لا يؤكل من هذه ما مات، وفي ذلك إغفال شديد، كلامُ اللَّه ﵎ إيجاز، ولو كان كما قال القائل لكان ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، يغني عن ذكر ذلك كلِّه، فلا فرق بين ما مات حتف أنفه، وبين ما مات من هذه الأشياء وغيرها، لأن الميؤوس من حياته من هذه الأشياء حكمه حكم الميتة، كالكافر يُسلم بعد المعاينة، والمذنب من المسلمين عند هذه الحال يتوب، قال اللَّه ﵎: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٤] وقال: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]. وأما قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ فمعناه: ولكن ما ذكيتم، فكلوا مما تجوز لكم ذكاته من هذه الأشياء وغيرها. وهذا في القرآن كثير "إلا" بمعنى "ولكن"، قال اللَّه : ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] أي: ولكن قوم يونس، وقال: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ١ - ٣]، ولكن تذكرة لمن يخشى، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]، وهو: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا، ولكن إن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة. وأما قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، فهي حجارة كانت حول الكعبة يذبح عليها أهل الجاهلية.

стр. 445

٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ هي كِعاب (١) فارس، وقِداح العرب. فأما قِداح العرب فإن الرجُل منهم كان إذا أراد سَفرًا كتب في قدح "هذا يأمرنا بالمُقام"، و"هذا يأمرنا بالخروج"، وآخر لا يكتب فيه شيئًا، ثم يَسْتَقْسِم بها، فإن خرج الذي يأمر بالخروج خرج، وقال: لا يصيبني في سفري هذا إلا خيرًا، وإن خرج الذي يأمر بالمقام أقام، وإن خرج الثالث استقسم بالاثنين حتى يخرج له أحدهما، فنهوا عن ذلك (٢). * * *

стр. 446

٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ قال يهودي لعمر بن الخطاب ﵁: لو نزلت علينا هذه الآية لاتخذنا يومها عيدًا، فقال عمر ﵁: نزلت في يوم عيدين اثنين، يوم جمعة، ويوم عرفة (١). وكذلك قال ابن عباس مثل ما قال عمر: أنزلت يوم عرفة يوم جمعة في حجة الوداع، ورسول اللَّه ﷺ واقف (٢)، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ولا فرض ولا ندب، فكمل الدين وأوضح السبيل، وترك ﷺ أمته على الواضحة من بيان الكتاب والسنة، وللَّه الحمد والمنة. * * *

стр. 447

٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ الجوارح: الكواسب، مُكَلِّبين: مُسلّطين معلمين، فالكلب والصَّقْر والبازِيُّ وما أشبه ذلك من الجوارح وهي: الكواسب، قال اللَّه ﵎: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، أي: كسبتم، وقال: ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]. [حكم الصيد الذي أكل الكلب منه] وأباح أكل ما أدرك ذكاته من ذلك وما قتلت الجوارح وما أكلت، إلا الكلب فإنهم اختلفوا في ذلك. فقال بعضهم: إذا أكل لم يؤكل. وقال بعضهم: يؤكل (١). وروي عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أكل الكلب فلا تأكل" (٢).

стр. 448

وروي عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أكل فكل" (١). وفي كل الأخبار: إذا قتل الكلب فهي ذكاة. ثم اختلف الصحابة والتابعون في ذلك أيضًا، فقال بعضهم: إذا أكل الكلب فلا تأكل. وقال بعضهم: إذا أكل فكل. فلما اختلفوا رجعنا إلى ما أوجبه القرآن، قال اللَّه ﵎: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وما أُمسك علينا هو ما أدركنا ذكاته، وما لم ندرك ذكاته إذا قتله الجارح. فإن قالوا: إن الكلب إذا أكل فإنما أمسك على نفسه. قيل لهم: والبازِيُّ إذا أكل إنما أمسك على نفسه. فإن قالوا: البازي يَضْرى على الأكل (٢)، والكلب يُضرب لكي لا يأكل. قيل لهم: نية الكلب لا يمكننا علمها، وإذا أرسلناه فلسنا ندري علينا يمسك أو على نفسه، بل ما يمسك إلا على نفسه، ومع ذلك فإذا كان الكلب إذا قتل فقتلته ذكاة، فما يضر من أكله، لا فرق بين أكله بعد الذكاة وبين أكله من شاة مذبوحة. فإن قالوا: أكل الكلب يُنْبئ أنه أمسك وقتل لنفسه.

стр. 449

قيل لهم: قد يجوز أن يمسك يريد غيره، فيأكل بعد تقدم إرادته لغيره، ويمكن أن يمسك يريد نفسه، ثم يَكْسَلُ فلا يأكل، فإن أكلنا ذلك الصيد كنا قد أكلنا ما لم يمسك علينا، وندع أكل ما أمسك علينا، وإذا كان ممكن في إرادة الكلب، فكيف يخلص إلى علم ذلك؟ هذا ما لا يطاق، ومع هذا فإن الكلب والطير وكل جارح فلا يمسك إلا على نفسه، ولو كان شبعانًا ما صاد، وإنما يُجوَّع ثم يُطلق على الصيد، لأنه إذا شبع لم يَطلب الصيد. وإذا كانوا يقولون: إن قتل الجارح للصيد ذكاة، فأي شيء الضرر في الأكل بعد القتل؟ هل هو إلا مثل كلب أتى على شاة مذبوحة فأكل منها؟ هل (١) يمنع ذلك من أكل باقيها؟ قال ابن (٢) عمر، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان، وعلي بن أبي طالب: كل وإن أكل الكلب ثلثيه. وقال (٣) أبو هريرة، وخلق من التابعين. وقال مالك، وربيعة، وسالم: قتلُ الكلب كتذكية المسلم، وقالوا: إذا أرسله صاحبه أكل، وإذا اصطاد الكلب من غير إرسال لم يأكل، لأن العمل على إرسال مالك الكلب ومُسلطه، ونيته دون قصد الكلب واللَّه أعلم، ألا ترى أنه لو أرسله على صيد فقتل غيره لم يأكله. * * *

стр. 450

٥ - قال اللَّه : ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [ذبائح أهل الكتاب] من المفسرين من قال: إن اللَّه ﵎ أحل ذبائحهم، وذبائح كل من تعلق باليهودية أو النصرانية. ومنهم من قال: لا تؤكل ذبائح بني تغلب، ونصارى العرب. ومنهم من كره ذبائح الصابئين. ومنهم من أباح ذلك. والذي يُذهب إليه أن كل من تعلق بالتوراة والإنجيل فهو من أهل الكتاب، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وأما المجوس فليسوا أهل كتاب، وقد بين ذلك رسول اللَّه ﷺ بقوله: "سنوا بهم -في الجزية- سنة أهل الكتاب" (١)، لأن عبد الرحمن بن عوف إنما شهد بذلك على رسول اللَّه ﷺ بسبب الجزية (٢). وأما قوله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، فقد قالوا: ذبائحهم، ويحتمل أن يكون أراد ما يأكلون من ذبائحهم، ويحتمل أن يكون أراد

стр. 451

ما تأكلون من ذبائحهم، ويحتمل أن تكون الذبائح كلها، فلما احتمل الذكاة واحتمل ما يأكلون مما يُذكرن، كره مالك أكل الشحوم من غير أن يحرِّمها، فهذا مذهبه فيها توقيًا، واللَّه أعلم. واحتج مالك ﵁ في أن المجوس ليسوا أهل كتاب بقوله : ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦]، فلما قيل: ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ﴾، علمنا أن الثالثة لا أصل لها. واحتج أيضًا مالك ﵁ في ذلك أن النبي ﷺ لما كتب إلى عظيم الروم كتب في الكتاب: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] (١)، وكتب إلى كسرى فلم يكتب بذلك، وفي بعض ذلك كفاية لمن وُفِّق. * * *

стр. 452

٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [الزواج بغير المسلمات] المحصنات من المؤمنات في هذا الموضع الحرائر، وكذلك المحصنات من أهل الكتاب هن الحرائر، كذلك قال المفسرون إلا واحدًا (١) قال: العفائف (٢)، وهو خطأ، لأنه عطف على قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فلو كان أراد العفائف لم يجز تزويج الحرة المسلمة حتى تكون عفيفة، وهذا خطأ. وأما إماء أهل الكتاب فأكثر الناس يقول: هن حرام بالنكاح، إلا أبا حنيفة وبعض الكوفيين (٣)، وذهب عنهم قول اللَّه تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وكأنهم ما قرأوها.

стр. 453

وحرم اللَّه نساء المجوس وكل عبدة الأوثان بقوله : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقد روي عن حذيفة أنه تزوج مجوسية فأمره عمر ﵁ بمفارقتها، رواه الحسن (١). وروى ابن سيرين أنه تزوج نصرانية (٢)، وهذه الرواية أصح، وقد تزوج جماعة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ نصرانيات. وأما قوله تبارك اسمه: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾، فمعناه: حل لكم إطعامهم، فأما هم فلا يخاطبون بتحليل ولا تحريم، واللَّه أعلم. * * *

стр. 454

٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [موجبات الوضوء] قال محمد بن مسلمة متأولًا: كل شيء يوجب الوضوء فهو في القرآن، وذكر قول زيد بن أسلم وتفسيره: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، إذا قمتم من النوم (١)، فدل ذلك على أن الوضوء على النائم من أجل الريح الذي يخرج منه وهو لا يشعر، ومن هذه العلة رُخِّص لمن نام قاعدًا ألا يتوضأ، لأنه [لو] (٢) خرج منه شيء لعلمه لانضمام الإلْيَتَيْن. وقال اللَّه : ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، فأوجب هذا الوضوء من السبيلين، وقوله: ﴿الْغَائِطِ﴾ اسم للأرض المنخفضة، كناية عن حاجة الإنسان. وقال اللَّه : ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وهو ما دون الجماع (٣)، ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا

стр. 455

فَاطَّهَّرُوا﴾ اغتسلوا، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ في هذه الأحوال التي قدم ذكرها، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، فلما قال اللَّه سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وذكر لنا ما يوجب الوضوء، لم يجب في قيء ولا رُعاف، ولا في شيء يسيل من الجسد الوضوء. فإن قيل: المغمى عليه عندكم يتوضأ ولم يذكر. قيل: هذا وأضرابه داخل تحت قوله في ذكر النوم. فإن قالوا: فالنُّفساء؟ قيل: تحت ذكر الحائض، لأنه حيْض طالت أيامُه، فلا وضوء ولا غسل إلا مما ذكر اللَّه في كتابه، إلا ما سنه رسول اللَّه ﷺ في غسل الجمعة، وغسل الإحرام، وما أشبه ذلك، وكذلك في الوضوء فيما سن رسول اللَّه ﷺ اتباعًا له، وذلك كله غير مفروض، وليس لأحد قصد ترك السنن، فمن عاندها بالترك اسْتُتِيبَ للعناد، ولا يجري مجرى الفرائض. فإن قيل: فإن ابن عمر، وابن المسيب، قد روى عنهما مالك أنهما توضآ من الرُّعاف (١). قيل: ذلك غسل المَوْضِع، والعرب تسميه وضوءًا، وقد صلى عمر ﵁ وجرحه يثعب دمًا (٢)، وصلى الأنصاري والدم يجري من السهم الذي رُمي به، وذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ فلم يُنكر ذلك، ولا أمره بوضوء (٣).

стр. 456

وأما مس الذكر فإن مالكًا ﵁ كان لا يرى الوضوء فيه إلا على من مسه متعمدًا، وذلك أنه أجراه مجرى ملامسة النساء، ولو أجراه مجرى غيره من الحدث الذي يخرج من الإنسان، لأوجب فيه الوضوء على المتعمد وغير المتعمد، كما يجب الوضوء على من خرج منه الحدث عامدًا كان أو غير عامد، فدل ذلك على ما قلنا من أنه أدخله في معنى قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وإنما فارق الذكرُ سائرَ البدن لأنه يمسه لشهوة، والشهوة فيه إنما هي للنساء، فكان شيئًا يشبه بعضه بعضًا، فهما من باب واحد. واتبع أصحابنا في ذلك مع مقارنة الشهوة ما رُوِي عن النبي ﷺ (١)، وعن سعد (٢)، وعن ابن عمر (٣)، وقام به الدليل عنده (٤)، وكان ما رواه طلق بن علي (٥) ما كان لغير شهوة -إن صح-، واللَّه أعلم. وقد روي عن طلق أيضًا أن فيه الوضوء، واللَّه أعلم بصحته. * * *

стр. 457

٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [صفة الوضوء] اختلف الناس في الأرجل، فقرأها قوم: ﴿وأرجلِكم﴾ خفضًا، وقرأها بعضهم: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ نصبًا، فمن قرأها ﴿وأرجلِكم﴾ خفضًا فقال: يغسل. ومنهم من قال: يمسح، والغسل سنة. ومن قرأها ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ نصبًا فهو الغسل. ومن قرأها بالخفض فجعلها معطوفة على الرؤوس، لأنها تليها، وقد يُعطَف الشيء على ما يليه، وقد يعطف على الذي قبله، قال اللَّه : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، فعطف الوارث على المولود له، وعلى أن على وارث الولاية القائم مقام الأب ما كان على الأب من الرزق والكسوة. وهذه الآية اختلف الناس فيها، فقالوا: على الوارث ألا يُضار، وقال آخرون: النفقة وألا يضار. والذي أراه أن على من قام مقام الأب في مال الطفل الأمرين جميعًا، لأنه سمي وارثًا (١)، وهو الوصي ومن قام مقامه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]، وإنما قام مقامه، ونظائر هذا في القرآن كثير.

стр. 458

فلما قيل: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فسمى الموضع المنتهى إليه دل على الغسل، لأن التحديد إنما يقع للغسل، ولا يقع في المسح، إذ كان المسح لا يستوعب، ألا ترى أن الرَّجُل لو توضأ ومسح برأسه وترك منه شيئًا يسيرًا لأجزأه (١)، وإن كنا لا نأمر أن يتعمد الإنسان ترك شيء منه، لما روي عن رسول اللَّه ﷺ من سائر الوجوه الصحيحة: أنه مسح من مقدم رأسه إلى مؤخره، ثم رده إلى حيث بدأ (٢). وفي الأعضاء أيضًا تقديم وتأخير لا يمتنع منه ذو عقل ومعرفة، وأن يكون اللَّه سبحانه أراد اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم، إذ العمل المروي يؤيده. فإن قيل: قد قدم رسول اللَّه ﷺ المسح. قيل: هذا هو المؤيد لجواز تقديم الأعضاء، وأن يكون عمل على النسق والمراد غيره، والقائل بمسح الرجلين يجيز ترك بعض الرأس، ولا يجيز ترك بعض الرجلين، لأن إجازة ذلك مخالفة لكتاب اللَّه، إذ يقول: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. وجاءت الروايات كلها عن رسول اللَّه ﷺ كل من روى الوضوء أنه غسل رجليه ولم يروَ المسح، وكان شرط اللَّه ﵎ في الرجلين مثل شرطه في اليدين، لأنه قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ثم قال: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فعلم أنه عطف على

стр. 459

اليدين، وقال النبي ﷺ : "ويل للأعقاب من النار" (١)، "ويل للعراقيب من النار" (٢)، فدل ذلك كله على الغسل. وقد احتج قوم أنه المسحُ بالتيمم، وأنه قد يبلغ به إلى المرفقين وهو مسح. فقيل لهم: لم يقل اللَّه ﵎ في التيمم إلى المرفقين، فاختلف الناس في ذلك، وإنما قلنا: يمسح ما كان يغسل احتياطًا، وكان أقوى في باب الحجة، وأحوط في أداء الصلاة. وقد قال قوم: وقوله : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ أي: بعض رؤوسكم (٣)، ولو كان هذا هو المعنى لنزل القرآن به، ولما مسح رسول اللَّه ﷺ رأسه كله، إذ لم يرو عنه أنه مسح ببعض رأسه روايةً تصح، كلُّ من روى وضوء رسول اللَّه ﷺ روى أنه مسح رأسه كله، هذا مع نهي رسول اللَّه ﷺ عن العداء. قال عبد اللَّه بن مغفل: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "سيكون قوم من هذه الأمة يعتدون في الدعاء والطهور" (٤)، فترك بعض الرأس عداء، كما أن الزيادة على مسحه عداء، والرواية في الثلاث خطأ، وراويها غير معتمد عليه، وهو

стр. 460

مسح كمسح التيمم، فلا يزاد في عدده، وقول اللَّه : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ مثل قوله في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، ومسح رسول اللَّه ﷺ بمُقدم رأسه إلى قفاه ثم ردها إلى حيث بدأ. وقوله : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وامسحوا رؤوسكم واحدٌ، وهذه الباء تدخل في الكلام، والمعنى فيها وفي إسقاطها واحد عند أهل اللسان، لأنك تقول: ليس فلان قاتلًا، وليس فلان بقاتل، قال الشاعر: كفى الشَّيْبُ والإسلامُ للمرء ناهيا (١) فكان مثلَ قوله: كفى بالشَّيب والإسلام، وقال اللَّه ﵎: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز الطواف ببعض البيت حتى قالوا: من طاف في الحِجْر لم يجزئه طوافه، لأن بعض الحِجْر من البيت، فلم تعمل الباء شيئًا. وقال مالك ﵁ فيمن قدَّم يديه قبل وجهه: إنه إن كان في مكانه أو بحضرة ذلك أعاد ما قدم ليكون بعد ما أخر، وإن كان صلى فصلاته ماضية (٢). وبما قال في الحال الأول اتباع للسنة، وخالفه الشافعي فزعم أن الصلاة لا تصح إذا قدم ما أخر ذكره (٣). ولا نعلم اختلافًا بين أهل اللغة أن الواو لا توجب التبدية، وإنما تقتضي الأفعال، إذا قال: لقيت زيدًا وعمرًا، فقد يجوز عندهم أن يكون لقي عمرًا قبل زيد، وإذا قيل: لقيت زيدًا فعمرًا، علم أنه لقي زيدًا أولًا بغير تراخي، فإذا قال:
следующие страницы →