← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 39

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي

بكر بن العلاء

Полный текст (1 204 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وأما مس الذكر فإن مالكًا ﵁ كان لا يرى الوضوء فيه إلا على من مسه متعمدًا، وذلك أنه أجراه مجرى ملامسة النساء، ولو أجراه مجرى غيره من الحدث الذي يخرج من الإنسان، لأوجب فيه الوضوء على المتعمد وغير المتعمد، كما يجب الوضوء على من خرج منه الحدث عامدًا كان أو غير عامد، فدل ذلك على ما قلنا من أنه أدخله في معنى قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وإنما فارق الذكرُ سائرَ البدن لأنه يمسه لشهوة، والشهوة فيه إنما هي للنساء، فكان شيئًا يشبه بعضه بعضًا، فهما من باب واحد. واتبع أصحابنا في ذلك مع مقارنة الشهوة ما رُوِي عن النبي ﷺ (١)، وعن سعد (٢)، وعن ابن عمر (٣)، وقام به الدليل عنده (٤)، وكان ما رواه طلق بن علي (٥) ما كان لغير شهوة -إن صح-، واللَّه أعلم. وقد روي عن طلق أيضًا أن فيه الوضوء، واللَّه أعلم بصحته. * * *

стр. 457

٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [صفة الوضوء] اختلف الناس في الأرجل، فقرأها قوم: ﴿وأرجلِكم﴾ خفضًا، وقرأها بعضهم: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ نصبًا، فمن قرأها ﴿وأرجلِكم﴾ خفضًا فقال: يغسل. ومنهم من قال: يمسح، والغسل سنة. ومن قرأها ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ نصبًا فهو الغسل. ومن قرأها بالخفض فجعلها معطوفة على الرؤوس، لأنها تليها، وقد يُعطَف الشيء على ما يليه، وقد يعطف على الذي قبله، قال اللَّه : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، فعطف الوارث على المولود له، وعلى أن على وارث الولاية القائم مقام الأب ما كان على الأب من الرزق والكسوة. وهذه الآية اختلف الناس فيها، فقالوا: على الوارث ألا يُضار، وقال آخرون: النفقة وألا يضار. والذي أراه أن على من قام مقام الأب في مال الطفل الأمرين جميعًا، لأنه سمي وارثًا (١)، وهو الوصي ومن قام مقامه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]، وإنما قام مقامه، ونظائر هذا في القرآن كثير.

стр. 458

فلما قيل: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فسمى الموضع المنتهى إليه دل على الغسل، لأن التحديد إنما يقع للغسل، ولا يقع في المسح، إذ كان المسح لا يستوعب، ألا ترى أن الرَّجُل لو توضأ ومسح برأسه وترك منه شيئًا يسيرًا لأجزأه (١)، وإن كنا لا نأمر أن يتعمد الإنسان ترك شيء منه، لما روي عن رسول اللَّه ﷺ من سائر الوجوه الصحيحة: أنه مسح من مقدم رأسه إلى مؤخره، ثم رده إلى حيث بدأ (٢). وفي الأعضاء أيضًا تقديم وتأخير لا يمتنع منه ذو عقل ومعرفة، وأن يكون اللَّه سبحانه أراد اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم، إذ العمل المروي يؤيده. فإن قيل: قد قدم رسول اللَّه ﷺ المسح. قيل: هذا هو المؤيد لجواز تقديم الأعضاء، وأن يكون عمل على النسق والمراد غيره، والقائل بمسح الرجلين يجيز ترك بعض الرأس، ولا يجيز ترك بعض الرجلين، لأن إجازة ذلك مخالفة لكتاب اللَّه، إذ يقول: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. وجاءت الروايات كلها عن رسول اللَّه ﷺ كل من روى الوضوء أنه غسل رجليه ولم يروَ المسح، وكان شرط اللَّه ﵎ في الرجلين مثل شرطه في اليدين، لأنه قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ثم قال: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فعلم أنه عطف على

стр. 459

اليدين، وقال النبي ﷺ : "ويل للأعقاب من النار" (١)، "ويل للعراقيب من النار" (٢)، فدل ذلك كله على الغسل. وقد احتج قوم أنه المسحُ بالتيمم، وأنه قد يبلغ به إلى المرفقين وهو مسح. فقيل لهم: لم يقل اللَّه ﵎ في التيمم إلى المرفقين، فاختلف الناس في ذلك، وإنما قلنا: يمسح ما كان يغسل احتياطًا، وكان أقوى في باب الحجة، وأحوط في أداء الصلاة. وقد قال قوم: وقوله : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ أي: بعض رؤوسكم (٣)، ولو كان هذا هو المعنى لنزل القرآن به، ولما مسح رسول اللَّه ﷺ رأسه كله، إذ لم يرو عنه أنه مسح ببعض رأسه روايةً تصح، كلُّ من روى وضوء رسول اللَّه ﷺ روى أنه مسح رأسه كله، هذا مع نهي رسول اللَّه ﷺ عن العداء. قال عبد اللَّه بن مغفل: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "سيكون قوم من هذه الأمة يعتدون في الدعاء والطهور" (٤)، فترك بعض الرأس عداء، كما أن الزيادة على مسحه عداء، والرواية في الثلاث خطأ، وراويها غير معتمد عليه، وهو

стр. 460

مسح كمسح التيمم، فلا يزاد في عدده، وقول اللَّه : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ مثل قوله في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، ومسح رسول اللَّه ﷺ بمُقدم رأسه إلى قفاه ثم ردها إلى حيث بدأ. وقوله : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وامسحوا رؤوسكم واحدٌ، وهذه الباء تدخل في الكلام، والمعنى فيها وفي إسقاطها واحد عند أهل اللسان، لأنك تقول: ليس فلان قاتلًا، وليس فلان بقاتل، قال الشاعر: كفى الشَّيْبُ والإسلامُ للمرء ناهيا (١) فكان مثلَ قوله: كفى بالشَّيب والإسلام، وقال اللَّه ﵎: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز الطواف ببعض البيت حتى قالوا: من طاف في الحِجْر لم يجزئه طوافه، لأن بعض الحِجْر من البيت، فلم تعمل الباء شيئًا. وقال مالك ﵁ فيمن قدَّم يديه قبل وجهه: إنه إن كان في مكانه أو بحضرة ذلك أعاد ما قدم ليكون بعد ما أخر، وإن كان صلى فصلاته ماضية (٢). وبما قال في الحال الأول اتباع للسنة، وخالفه الشافعي فزعم أن الصلاة لا تصح إذا قدم ما أخر ذكره (٣). ولا نعلم اختلافًا بين أهل اللغة أن الواو لا توجب التبدية، وإنما تقتضي الأفعال، إذا قال: لقيت زيدًا وعمرًا، فقد يجوز عندهم أن يكون لقي عمرًا قبل زيد، وإذا قيل: لقيت زيدًا فعمرًا، علم أنه لقي زيدًا أولًا بغير تراخي، فإذا قال:

стр. 461

لقيت زيدًا ثم عمرًا، فقد ذكر أنه لقي عمرًا بعد زيد على تراخ، فالواو لا توجب التبدية، وإنما تقتضي الأفعال، قال اللَّه ﵎: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] وقد علم أن السجود بعد الركوع، لأن السجود أزيد في التواضع للَّه ، ومن شأن العبد أن يكون تواضعه للَّه يزيد لا ينقص، والركوع بعد السجود تواضع دون الأول، فمعلوم أن اللَّه ﵎ اقتضى الأفعال منها، ففعلت ما أمرت به، وصلت فركعت ثم سجدت، والقنوت هاهنا طول القيام والخشوع للَّه . فإن قيل: فإن رسول اللَّه ﷺ بدأ كما بدأ اللَّه في الآية. قلنا: كذلك نأمر المتوضئين بذلك اتباعًا للسنة. فإن قيل: فقد قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقال النبي ﷺ : "نبدأ بما بدأ اللَّه به" (١). قلنا: الواو هاهنا لا توجب التبدية أيضًا، وفعل رسول اللَّه ﷺ يجري مجرى السنن، فلو كنا في هذا وُكِلنا إلى الآية والفعل لاخترنا أن نبدأ بما بدأ اللَّه به، فإن خالف ذلك إنسان غير عامد للخلاف، وأتى بالسعي وعدده أجزأه، ولكن أمر الحج وإن كان (٢) نعلمه من الكتاب وأفعال رسول اللَّه ﷺ لقوله: "خذوا عني مناسككم" (٣)، فإن الأصل مأخوذ عن إبراهيم الخليل صلوات اللَّه عليه، فقد يجوز أن يكون النبي ﷺ احتذى فيه فعل إبراهيم، وما أمر اللَّه ﵎ إبراهيم به، فلما جاز ذلك خفي عنا أو علمناه، ولم نُوكل إلى ظاهر

стр. 462

الآية وما توجبه اللغة فيها، ومع ذلك فإن الذبح والنحر عند المروة لقول النبي ﷺ : "هذا المنحر" (١)، فاحتيج أن يجعل آخر السعي المروة، ووجدنا في الحج أفعالًا من النحر والحلق وما أشبهه، وإن قدم بعضه على بعض فجاز ذلك، وإن كان فعل رسول اللَّه ﷺ مخالفًا لمن قيل له: افعل ولا حرج، قال اللَّه سبحانه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وأجمعوا أنه من طاف ثم رمى وحلق أنه جائز، وقال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال النبي ﷺ لمن قال: حلقت قبل أن أذبح، قال: "اذبح ولا حرج" (٢). وقال اللَّه ﵎ للقاتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، وأجمعوا أن الدية إن قدمت جاز، وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولا اختلاف أنه إن قدم العمرة وهو ضرورة أجزأه، والعمرة عند الشافعي فرض، وكانوا قد اتفقوا على أمر الصفا والمروة، فصار مخصوصًا بأن نبدأ بالصفا، إذ كان الطواف والسعي من شرع إبراهيم ﷺ ، وكان النحر عند المروة لم يجز أن نبدأ إلا بالصفا، لأن التمام يقع عند المروة. * * *

стр. 463

٣٣ - ٣٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [حد الحِرابة] قول مالك ﵁: إن المحاربة: عصيانُ اللَّه، والسعي في الأرض فسادًا: إخافةُ السبيل، فإذا حمل السلاح وأخاف السبيل فقد لزمه حكم الآية، فالإمام مخير فيه إذا قدر عليه قبل التوبة: إن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع من خلاف، وإن شاء نفى، وسواء قتل أو أخذ المال أو لم يأخذه الحكمُ فيه واحد (١). وقال بعض الناس: إن الإمام ليس بمخير في المُحارِب، وإنما له أن يقتله إذا قتل، وأن يقطعه إذا سرق، وأن يصلبه إذا قتل وأخذ المال، وينفيه إذا لم يفعل شيئًا من ذلك (٢). قال القاضي: فأجرى الشافعي حكم المحارب كحكم القاتل غير المحارب، فلا نرى المحاربة أحدثت شيئًا، وقد ركب ما ركب من الفساد في الأرض، قال اللَّه ﵎: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]،

стр. 464

فجعل الفساد بمنزلة القتل، لأن المعنى واللَّه أعلم: من قتل نفسًا بغير نفس أو بغير فساد في الأرض، فلم يحتج إلى إعادة غير، وعطف الكلام على ما قبله، فجعل الفساد عِدلًا للقتل، فإذا كان الشيء بمنزلة الشيء فهو مثله، وقد ذكر اللَّه ﵎ القصاص في غير موضع من كتابه، ثم أفرد للمحارب حكمًا، فانتهينا إلى حكم اللَّه ﵎ فيه. قال عطاء، ومجاهد، والضحاك، وأبو عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر: كل ما قال اللَّه ﵎ فيه افعل كذا أو كذا، فصاحبه بالخيار، أيُّ ذلك فعل فقد أتى بما أمره اللَّه به (١). قال أبو مصعب عن مالك ﵁ مثل ذلك (٢). فهذا الذي يُفهم من كلام الناس. وما روي عن ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، فعلى وجه المشورة، ومن تابعهم. وأما سعيد بن المسيب، والضحاك بن مزاحم، والحسن، وعطاء، والقاسم، وعمر بن عبد العزيز، فقالوا: الإمام مخير (٣). وليس قول من قال: إنه مخير في المحارب أنه يفعل فيه بالهوى، ولكنه يجتهد فيما يراه ردعًا، ويتخير من العقوبات التي أنزلها اللَّه ﵎ فيه ما يرى أنه أقرب إلى اللَّه، فكم من محارب لم يَقتُل، له في أمره من الرئاسة والتأليب على قطع طريق المسلمين أكثر ممن قد قتل في محاربته، كما أن

стр. 465

المجاهدين في سبيل اللَّه لِكثير ممن لم يَقتُل منهم من العناء والتدبير ما ليس لمن قتل، وإذا اجتمع الناس في الخير والشر فأعظمهم عناءً أعظمهم أجرًا في الخير، وأعظمهم وزرًا في الشر، فلذلك جعل الاجتهادَ إلى الحاكم في المحاربين، وهو حق من حقوق اللَّه يقوم به الإمام. وأما الآية [ليست] (١) فيمن لم يقتل ولم يأخذ المال، وإنما هي فيمن أفسد في الأرض وعصى اللَّه بذلك، فمحاربة اللَّه عصيانه، ألا تراه قال في الربا: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وحرب اللَّه: عقوبته لمن عصاه فحاربه، ولذلك قيل: يقال للمرء يوم القيامة: خذ سلاحك وقم. فإذا قَتَل المحارِبُ وتاب قبل القُدْرَة خرج من حكم هذه الآية، وصار مقتولًا قصاصًا، يقول اللَّه ﵎: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] عند من يرى قتله بالآية، وخرج من حكم الآية إذ يقول اللَّه : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]، والتائب قبل القدرة لا سبيل إلى قتله، فإذا كان قد قتل فما تنفعه التوبة، وإذا أخذ المال فالذي عليه بكتاب اللَّه قطع اليد حسبُ إن جرى مجرى السارق، والآية توجب قطع اليد والرِّجل، ومع ذلك فلو عفى الولي عن الدم بطل حكم اللَّه بالقدرة عند قائل هذه المقالة، ولو تدبروا الآية لما أزالوا حكمها، فإنهم بهذا القول قد أزالوا حكمها. فإن احتج محتج بحديث النبي ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل كفر بعد إسلامه، أو زنا بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس" (٢)،

стр. 466

فهذا الحديث يدل على أن المحارِب غيرُ داخل فيه، إذ قد أُفرد له حكم خُص به، لأن قاتل النفس في غير المحاربة لا تُسقِط التوبةُ عنه القَوَدَ، وإنما أمره في القتل أو الترك إلى ولي المقتول، وأمر المحارب إلى السلطان لإفساده في الأرض، وليس كل من قتل نفسًا يجب قتله. وإنما الحديث يدل على أن القَوَد ذاكرٌ في القصة، والقصاص إلى الولي، وقد أجمع المسلمون في قتلى الجَمل أو صِفِّين ألّا قَوَد بينهم، وهؤلاء ففيهم (١) من قتل نفسًا بغير نفس، لأنهم قَتلوا على التأويل في الدين، فلما كان قصدهم هذا سقط القَوَد، وأما المحارِب فقصده في قتل المسلم لقطع الطريق وأخذ الأموال والفساد في الأرض، فكان الأمر فيه إذا اجتمع له المحاربة والفساد -قتل أو لم يقتل- إلى السلطان لا إلى ولي (٢) المقتول، كما خرج من وصفنا من قتل صفين والجمل من معنى هذا الحديث، كذلك خرج المحارب من معناه، مع أن المحارب قد أفسد في الأرض، وقد جعل اللَّه الفساد في الأرض عِدلًا للقتل، وقائل هذه المقالة لا يجوز له أن يحتج بهذا الحديث، لأنه يقتل من امتنع من الصلاة، ويقتل من امتنع من الزكاة، وقد روت عائشة ﵂: "لا يحل دم أحد من أهل الملة إلا ثلاثة: قتل نفس بالنفس، والثيَّب الزاني، والمفارق جماعة المسلمين يفسد في الأرض" (٣). وإذا كان الخوارج يحل قتلهم وليسوا بمرتدين، وقال النبي ﷺ : "طوبى لمن قتلهم أو قتلوه" (٤)، فكذلك المحارب يقتل لإفساده في الأرض.

стр. 467

وقد اختلف الناس في النفي، فقال بعضهم: يطلب ليقام عليه الحد فيهرب (١). وقال بعضهم: النفي بعينه (٢)، وهذا أشبه، ومالك يرى فيه وفي الزاني البكر أن التغريب والنفي إخراج عن البلاد إلى محبس في سواه إلى أن تحدث منه توبة، والزاني سَنَةً ثم يطلَق، وتوبة المحارب عند مالك ربما طال حبسه إلى أن تظهر منه توبة، وهي من أشد العقوبات، أو يطول حبسه فيرى الإمام أنه قد ردعه فيطلقه (٣)، قال اللَّه : ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ [الحشر: ٣]، وقال : ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦]، وقال : ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦]. فالنفي من الوطن والحبس هناك من غليظ العقوبات، ومذهب مالك ﵁ في النفي، أن أقلَّه إلى موضع تقصر في السفر إليه الصلاة، ويستحب ما زاد على ذلك، لأن عمر ﵁ استعمل رجلًا على الخُمْس، فاستكره جارية من الخمس، فجلده مائة ونفاه إلى فَدَك (٤). وقد زعم قوم أن المحاربة لا تكون إلا خارجًا (٥) عن المصر (٦)، وهذا غلط، لأن المحارب هو الذي يقاتل على أخذ المال، والسارق الذي يأخذ

стр. 468

المال مستخفيًا، فكما يكون السارق في المصر وفي غير المصر، كذلك يكون المحارب في المصر وفي غير المصر، لأن الجناية هي بفعله لا بالموضع الذي يكون فيه الفعل، لأن اللَّه نسب الفساد إلى أفعالهم لا إلى المواضع، فقال عز من قائل: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. ولعل المحاربة في المصر أغلظ، لأن المحاربين لا يجترؤون على ذلك في المِصر إلا بعِدَّة وعُدَّة، قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: إذا دخل عليك ومعه حديدة في بيتك فهو محارب تقطع يده ورجله. وقد فرق اللَّه بين المحارب والسارق، فجعل توبة السارق لا تسقط الحد عنه، وكذلك الزاني لاستسرارهما بفعلهما، وجعل المحارب لإظهاره الفعل تقبل توبته قبل القدرة عليه، وتُسقِط الحدَّ عنه، وكذلك المرتد عن الإسلام خاصة إلى أي دين كان من عبادة وثن، أو يهودية، أو قولٍ (١) بالدهر، أو نصرانية، أي ذلك كان أو غيره فهو كفر، فارتداده يوجب قتله وقبول توبته، لأنه قابل ظاهرًا بظاهر. والزنديق فهو مرتد، إلا أنه سمي بهذا الاسم لإخفائه واستسراره بردته، إلى أي أصناف الكفر كان، فهذا إذا أَسَرَته البينة قُتل، ولا توبة له، لأن توبته مقابلة باطن بظاهر لا يعرف صحته، ولا يؤمن أن يكون ذلك حيلة منه لدفع ما حكم اللَّه به فيه، ثم يعود إلى استسراره الذي كان عليه. وكذلك الساحر المسلم إذ! سحر، لاستسراره بفعله الكفر ما كان (٢) مقتولًا غير مقبول توبته، إذ فرق اللَّه بين [الأفعال] (٣) المستسَر بها، والأفعال المعلن بها، قال اللَّه : ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ

стр. 469

مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥]، فالزنديق الأسير [إذا] (١) أوقفه ورأى السيف فتوبته غير مقبولة. وقد زعم الشافعي أن من ارتد من النصرانية إلى اليهودية أنه يستتيبه ليرجع إلى النصرانية، فإن أبى قتله. وإنما قال رسول اللَّه ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (٢) خصوصًا للدين المرضي وهو الإسلام، ألا تراه قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ولم يكن هذا على العموم، ولا يخلو من أن يكون ﵇ أراد الخصوص أو العموم، فإن كان الخصوص فلا دين يؤخذ الناس به غير الإسلام، وإن كان أراد العموم عند الشافعي فقد ينبغي له إن كان عابد وثن انتقل إلى أهل الكتاب أن يأخذه بالرجوع إلى عبادة النار وعبادة الحجر، فإنَّ هذا فقد مرَّ على القياس مع ادعائه العموم فيما يستحيل فيه العموم، وإن أباه فهل يقول إن اليهودية أو النصرانية من الأديان التي ينبغي الإقامة عليها مع ظهور حجج الفرقان؟ وإنه لعظيم ما كلفه الشافعي الإمامَ من مطالبة الوثني بالرجوع إلى عبادة الوثن، ونسأل اللَّه التوفيق. * * *

стр. 470

٣٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [حد السرقة] اتفق الناس جميعًا من أهل العلم على أن السارق والسارقة لا يقطعان إلا في سرقة من حرز ومقدار، ثم اختلفوا في المقدار وفي بعض الحرز. فقال مالك، وأهل الحجاز، ومن تبعهم: الحرز كل سرقة كانت مُسارَقَة من أهلها ومن سائر العيون، لأن اسم سرقة إنما أخذ من المسارقة، هذا عرف العرب ولسانها. وقالوا في المقدار: إنه من الذهب حسب ربع دينار فصاعدًا، ومن الورق ثلاثة دراهم، وردوا سائر السلع إلى ثلاثة دراهم في القيمة، واحتجوا في ذلك برواية يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂، وعبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، وسائر الطرق عن عائشة ﵂، قولها عن النبي ﷺ : "القطع في ربع دينار فصاعدًا"، فلا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدًا، وما طال علي ولا نسيت "القطع في ربع دينار فصاعدًا" (١). فهذا عندنا في الذهب خاصة. والسلع مردودة إلى ثمن المِجَنِّ الذي قطع فيه رسول اللَّه ﷺ ، رواه مالك، وأيوب، وعبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ

стр. 471

قطع في مِجَن ثمنه ثلاثة دراهم (١)، كذا قال مالك ﵁ (٢)، وقال بعضهم: قيمته (٣). وقال أهل العراق: لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم، وروي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده من الصحيفة: أن النبي ﷺ قطع في مِجَنٍّ قيمته عشرة دراهم (٤)، وعن ابن عباس: كان ثمن المجن على عهد رسول اللَّه ﷺ عشرة دراهم (٥)، ولم يقل الذي قطع فيه، فتعلقوا بذلك ولا حجة لهم فيه، لأن من قطع في ثلاثة دراهم هو يقطع فيما زاد عليها، ولم يَقُل عنه ﷺ : لا تقطع اليد في أقل من هذا، فيكون ما دون العشرة ممنوعًا من القطع فيه، وكانت الآية وظاهر القرآن يوجب قطع كل سارق لزمه الاسم، إلا من أجمعوا ألَّا يقطع. فإن قالوا: اليد محظورة إلا أن يجمعوا. قيل لهم: القطع بكتاب اللَّه واجب إلا أن يجمعوا، فنقف عند إجماعهم. فإن قال قائل: قد قطع عثمان في أترنجة قيمتها درهمان. قلنا: في الرواية نظر لأهل النقل، ومع ذلك فإن الراوي قوّم درهمين، وقوم عثمان بالذهب، وكان يومئذ ثمانية دراهم بدينار، ألا ترى عمر بن الخطاب ﵀ جعل الدية مرة ثمانية آلاف ومرة عشرة آلاف ومرة اثنا عشر ألفًا لاختلاف القِيَم في الأوقات، ومع ذلك فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قطع في مجَنٍّ ثمنه ثلاثة دراهم، ولم يقل: قيمته، فتردد ذلك إلى تقويم الراوي.

стр. 472

وقد اختلفوا أيضًا في تضمين السارق، فقال المشرقيون: لا ضمان على موسِر ولا مُعْسِر. وضمَّن الشافعي الفريقين. وقال المالكيون: جعل اللَّه على السارق جزاء كَسْبِهِ شيئًا واحدًا وهو القطع، فلا نجعل في يده شيئين، لأنا لو ضمناه لجعلنا في يديه شيئين، فنقول: إن قدرنا على المسروق كان صاحبه أولى به، وإن كان قد تلف نظرنا فإن كان له مال أخذنا القيمة من ماله، لأنه وفاه بالسرقة، فيكون ذلك في المال دون البدن، وإن كان معسرًا لم ألزم يديه شيئًا يسعى فيه، فقد روى المِسْوَر عن عبد الرحمن بن عوف، رواه عنه سعد بن إبراهيم. ٣٤ - نا الحسن بن علي، قال: نا خالد بن خداش قال: نا إسحاق بن الفرات، قال: نا مفضل بن فضالة، قال: نا يونس لم بن يزيد، عن الزهري، عن سعد بن إبراهيم، عن المسور، عن عبد الرحمن بن عوف، أن النبي ﷺ أُتي بسارق فأمر بقطعه، وقال: "لا غُرم عليه" (١). وعن النبي ﷺ : "دُرئ الضمان عن السارق"، وقال: "لا ضمانَ عليه". ومثل قول رسول اللَّه ﷺ فيمن وجد متاعه في المغنم: "هو أحق به ما لم يقسم"، رواه علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد القطان، عن مِسْعَر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس ﵁، عن النبي ﷺ ، وهذا مع الرواية لا يجوز في النظر سواه، لأن أهل دار الحرب ملكوه، فلو أسلموا ما انتزع من أيديهم، وهذا لا اختلاف فيه، كما يملكون الربا وأثمان المحرمات إذا أسلموا وتحل لهم.

стр. 473

واختلف الناس أيضًا في الجماعة تسرق ما قيمته ثلاثة دراهم، أو عشرة على مذهب أهل العراق، فقالوا: لا قطع عليهم حتى يكون مقدار ما أخذوه ما يلزم كل إنسان ما تقطع فيه اليد (١). وقال المالكيون: يقطعون، لأن ما دون المقدار هو التافه، والقطع إنما هو في المقدار والحِرْز، فإذا كان المقدار لا يستقل به الواحد ولا يقدر عليه إلا بآخر قُطعا جميعًا (٢)، وألزموا العراقي والشافعي ذلك بالاتفاق أنهم يقتلون الجماعة بالواحد، وليس كل واحد منفرد بإماتة (٣) النفس، كما ليس كل واحد منفرد بإخراج السلعة التي قيمتها ثلاثة دراهم. وألزموا الشافعي أن يقول ذلك لقوله في مائة نفر مَلَكوا مائتي درهم لكل واحد درهمان: أنهم يزكون، وهذا من أقبح ما قيل، لأن اللَّه ورسوله أوجبا الزكاة على الأغنياء للفقراء، والفقير الذي يُعطى يملك أضعاف ما يملك المزكي، فقد صارت الزكاة بقوله تؤخذ من الفقير وتعطى الغني، ويمنع من القطع الذي هو جزاء على الفعل في المقدار، وعلى المعصية فيه. ويجوز أيضًا أن يحتج المالكي في ذلك بظاهر القرآن، أن اللَّه ﵎ قرن اثنين في القطع بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، فأمر بقطع اثنين في سرقة، ثم قدرها رسول اللَّه ﷺ ربع دينار، فقطعناهما إذا اجتمعا وإذا انفردا في ذلك المقدار، وإذا رجب قطع اثنين في الربع رجب في أكثر من ذلك، لقتلنا الجماعة بالواحد، واللَّه أعلم. ٣٥ - نا زكريا بن يحيى الساجي، قال: نا القاسم بن إسحاق الأنصاري، قال: نا أبي، قال: نا عبد اللَّه بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير، عن

стр. 474

هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ أُتي برجل كان يسرق الصبيان فيبيعهم، فأمر به فقطع (١). ٣٦ - ومما يبين أن اللَّه ﵎ قد يوجب المال تارة والحد يزيله تارة، ما حدثناه جماعة منهم البرنكاني، والباغندي قالا: نا الحسن بن يحيى الأزدي، قال: نا علي بن المديني، قال: نا يحيى بن سعيد، عن مِسْعَر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من وجد متاعه في أرض العدو قبل القَسْم فهو أحق به، وإن وجده بعد القسم فهو أحق به بالثمن". * * *

стр. 475

٤١ - ٤٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحكم بين أهل الذمة] الظاهر واللَّه أعلم في قوله ﵎: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ إنما هو عطف على الكلام الذي قبله، لأنه لا يقال: "وأن افعل" ابتداءً بالكلام، وإنما هو على ما مضى من الكلام قبلَه. وقد اختلف التابعون في تفسير ذلك، فقال جماعة منهم: إن قوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ناسخ لقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]. وقال جماعة منهم: إن قوله عز من قائل: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ غير منسوخة، وأن الأخرى وهي قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ عطف على الأولى، فإذا اختار أن يحكم حكم بما في كتابنا، وهو ما أنزل اللَّه على نبيه ﷺ فيما يحدث بينهم سوى ما نزلت الآيات فيه، فإن ذلك كان حكمه

стр. 476

فيه بالتوراة، وهذا قول أكثر المفسرين، قالوا: إن شاء حكم وإن شاء أعرض، فإن حكم حكم بما أنزل اللَّه علينا دون ما أنزل عليهم (١). [سبب النزول] وهذه الآيات، وهذه القصة نزلت في يهود، زنا رجل منهم بامرأة منهم، فقال بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه نبي بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند اللَّه، وإن أفتانا بالرجم لم نقبل، فأتوا النبي ﷺ وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا، وكان الحَدُّ يومئذ فينا التَّجْبيه والتَّحْميم (٢)؟ وهو قول اللَّه : ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، وهذا كان الحد الأول في الزنا، ثم نزل بعد ذلك: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، يعني: حكمًا غير هذا، ثم أنزل اللَّه الجلد للبِكر، والرجم للثيب، فخطب النبي ﷺ وقال: "خذوا عني قد جعل اللَّه لهن سبيلًا". وقد كان اليهود قبل ذلك زنا رجل ذو قرابة من ملك من ملوكهم فدفع عنه الرجم، ثم زنا آخر في نسوة من الناس فأراد رجمه، فحال قومه دونه وقالوا: واللَّه لا ترجم صاحبنا حتى تأتي بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا بينهم على التَّجْبِيه والتَّحْميم الذي كان يفعل فينا. وكانت أيضًا قريظة والنضير عدت إحدى الطائفتين وقهرت الأخرى قبل مقدم رسول اللَّه ﷺ ، فاصطلحوا على أنه ما قتلت العزيزة من الذليلة من قتيل فَدِيَتُه خمسون وَسَقًا، وما قتلت الذليلة من العزيزة فديته مائة وَسَق.

стр. 477

ورسول اللَّه ﷺ يومئذ لم يظهر على يهود، ولا كان له عليهم حكم، فلما أتوا النبي ﷺ في أمر الزانيين يُؤمِّلون أن يأمرهم بالتخفيف، أنزل اللَّه علينا: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾، يعني آمَنّا: قَبِلنا ما تقوله لنا، ولم تؤمن قلوبهم، ولم تصدق ألسنتهم عما في قلوبهم: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾، يريدون التجبيه والتحميم، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، ثم قال ﵎: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣]، ثم أنزل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾، وأنزل اللَّه عليه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، فكان مخيرًا بين أن يحكم أو يُعْرض، فلما اختار أن يحكم قال اللَّه له: ﴿فَاحْكُمْ (١) بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. فلما قال اللَّه ﵎: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، أي: لا تحكم بشريعتك ومنهاجك، واحكم بشريعتهم ومنهاجهم، وأمر أن يحكم بينهم بالحق وبالقسط الذي أنزل عليهم في كتابهم، وقيل له: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾، أتى نبي اللَّه ﷺ إلى بيت مِدْراسِهم بعد أن قال لهم: "ما تجدون الحد فيكم؟ " فقالوا: التَّجبيه والتحميم، فدعا بالتوراة فقرئت، فلما بلغ آية الرجم وضع ابن صُورِيا يده عليها، فقال

стр. 478

عبد اللَّه بن سلام: هذه آية الرجم، فرُفعت يده وقُرئت آية الرجم، فأمر بهما النبي ﷺ فرجما، وقال ﷺ : "اللهم إني أول من أحيا ما أماتوا من كتابك" (١). وروى ابن عمر، وأبو هريرة، وجماعة أن النبي ﷺ رجم اليهوديين بالتوراة (٢). وقال عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة: أما واللَّه إن كثيرًا من الناس ليتأولون هذه الآيات على غير ما أنزلت، وإنما أنزلت في يهود، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿فَأُولَئِكَ (٣) هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ (٤). وقد روى نافع، والزهري، أن اليهود تحاكموا إلى النبي ﷺ في اللذين زنيا. وأبو الزناد روى: أنهم تحاكموا في القتيل الذي قتل (٥)، وجميعًا قد كانا، لأن حديث الزانيين قد جاء من غير وجه، وقصة القتيل أيضًا. وأما قول (٦) من قال: إن قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ نسخ قوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، فليس بالبين، لأن الناسخ والمنسوخ لا يكون إلا حالًا بعد حال، فأما في حال واحدة فلا، ولما قيل: ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ علم

стр. 479

أنهم الذين قيل فيهم: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، وعلم أنهم حَكَّموه بقول اللَّه : ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾. وليس يجب على من حُكِّم أن يحكم، هو مخير إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وإنما يجب الحكم على من هو حاكم على قوم، وحكمه جائز عليهم من غير تراضيهم به، وقد ذكر عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، أن النبي ﷺ لم يكن ظهر عليهم يومئذ، والقرآن يدل على ذلك، وإنما جرى حكم رسول اللَّه ﷺ على يهود وأنزلت آية الجزية بعد فتح مكة، وعند مخرجه إلى تبوك، والرجم كان في قريظة والنضير قبل نقضهم العهد، وخيبر بعد ذلك بمدة، والذمةُ ودخولهم تحت الصغار والجزية بعد خيبر وبعد فتح مكة، والنبي ﷺ قال في مرضه: "لا يَبْقَيَنّ دينان في جزيرة العرب" (١)، فأجلى عمر ﵁ يهود خيبر ويهود نجران وفَدَك. وقال مالك ﵁: وجزيرة العرب: مكة، والمدينة، واليمن، واليمامة (٢)، وإنما ذكر مالك ﵁ أمهات القرى من جزيرة العرب، ولم يذكر ما هو تبع لها من البوادي والقرى. قال الأصمعي: جزيرة العرب من أقصى أرض اليمن إلى ما تبلغه عمارة فارس والروم (٣). وقول مالك ﵁: إن اليهود لا تقام عليهم الحدود، ولا على أحد من الكفار في الزنا وما أشبهه مما يكون الحد فيه للَّه وحده، لأن اللَّه أمرنا

стр. 480

أن نُقِرَّهم على أنهم ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾، فقد أقررناهم على الذي بينهم، لا مدخل لنا في ذلك، ولما أخذنا منهم الجزية رجب علينا أن نمنع منهم، فإن غصبهم غاصب، أو سرقهم سارق، أو قتلهم قاتل، رجب على الحاكم أن ينظر في ذلك بينهم وبين خصمهم، كان منا أو منهم، لأن علينا أن نكف بعضهم عن بعض في أنفسهم وأموالهم، للوفاء بعهدهم. وإذا كانت المعاملات في الأموال بينهم وبين المسلمين، رجب على الحاكم أن ينظر بينهم، لأن المسلم لا يتولى (١) الحكم عليه إلا مسلم، وإن كان الذي عامله ذميًا (٢) لم يحكم الحاكم بينهما إلا أن يتراضيا بحكمه، لأنا أخذنا منهم الجزية وتركناهم ودينهم، إذ أقرهم اللَّه على أن ﴿وَلَا (٣) يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾، وإن حكمنا عليهم بأحكامنا كان نقضًا للعهد بيننا وبينهم، لأنا إذا فعلنا ذلك ألزمناهم أن يحرموا ما حرم اللَّه ورسوله، ولو جاز لنا ذلك لأخذناهم بالإسلام الذي هو الأصل، فإذا حَكَّمونا فلنا أن نَحْكُم ولنا أن نُعْرِض، وإن حكمنا كان الحكم بالكتاب والسنة، ولم يكن ذلك بعد التراضي بنا نقضًا للعهد، وإنما الحاكم في هذه المنزلة رجل حَكَّمه رجلان، فإن شاء حكم، وإن شاء ترك. كتب محمد بن أبي بكر إلى علي بن أبي طالب ﵄ يسأله عن زنادقة النصارى، وعن مسلم زنا بنصرانية، فكتب إليه: أما زنادقة النصارى فيتركون

стр. 481

وأهل دينهم، وأما المسلم الذي زنا بنصرانية فيقام عليه الحد، وتترك هي وأهل دينها (١). وقد اختلفت الروايات والتفاسير في قول اللَّه : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾، فقال بعضهم: إنها في اليهود لما غيَّروا من كتاب اللَّه، وعدلوا عن أحكامه (٢). وقال بعضهم: هي فينا وفيهم (٣). وقد نص اللَّه في ذلك في أمر اليهود وأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، فخالفوا ما كتب عليهم في التوراة، فقال : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، فكان ظاهر ذلك يدل على أنه من فعل فعلَهم، واخترع حكمًا خالف به حكم اللَّه، وجعله دينًا يعمل به فقد لزمه ما لزمهم، حاكمًا كان أو غير حاكم. وقد روى عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي قال: شرب نفر من أهل الشام الخمر وعليهم يزيد بن أبي سفيان، وقالوا: هي لنا حلال، وتأولوا هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا [وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] (٤) جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية، فكتب فيهم (٥) إلى عمر ﵀ فاستشار فيهم الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين، نرى أنهم كذبوا على اللَّه، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به، فاضرب أعناقهم، وعلي ﵀ ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟

стр. 482

فقال: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا جلدتهم ثمانين لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، وإنهم كذبوا على اللَّه وشرعوا في دينه ما لم يأذن به اللَّه، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين (١). قال القاضي: وهذا القول اتفاق من عمر وعلي على أن من شرع شرعًا يخالف كتاب اللَّه، كان له حكم من تقدمه ممن خالف الكتاب. وأما قوله : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، فقد تأول قوم بهذه الآية: أن المسلم يقتل بالذمي (٢)، وهذا التأويل -مع ما فيه من مخالفة الحديث الذي روي عن رسول اللَّه ﷺ خطأٌ شديد، لأن اللَّه قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ يعني: في التوراة، فكان ذلك مكتوبًا على قوم هم (٣) ملة واحدة متساوون، ولم يكن لهم أهل ذمة ولا عبيد، ولا أبيح الاستعباد إلا لنبينا ﷺ في شيء من الكتب، كما المسلمين أهل ذمة وعبيد، لأن الجزية فَيْءٌ وغنيمة أفاءها اللَّه على المؤمنين، ولم يجعل الفيء قبل هذه الأمة، ولا كان نبي يُبعث إلا إلى قومه، وبعث نبينا ﷺ إلى الناس كافة (٤)، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، فعلمنا أن هذه الآية أوجبت على أهل التوراة، وكانت دماؤهم تتكافأ، وأحكامهم وملتهم واحدة، فكذلك وجب حكم هذه الآية على أهل القرآن، إذ أنزلت فيه فيما بينهم على التكافؤ، لقول

стр. 483

النبي ﷺ : "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم" (١). وهذا دليل واضح أن دماء غيرهم لا تُكافِئ دماءهم، إذ قال: "وهم يد على من سواهم"، فمن زعم أن المسلم يقتل بالذِّمِّيِّ فقد جعل الكافر يكافئ المؤمن، وأخلى قول النبي ﷺ : "المؤمنون تتكافأ دماؤهم" من الفائدة، وهو كلام بعضه موصول ببعض، فأدنى المسلمين يجير عليهم، ولو أن ذميًا أجار عليهم لما جاز جواره، وقد علمنا بقول رسول اللَّه ﷺ أن من سواهم هم الكفار من ذمي وغير ذمي، والكافر الذمي محرم دمه بالعهد الذي جعل له، كما حرم ماله، ولولا ذلك لكان بمنزلة الحربي لا فضيلة له، وليس يجب على مسلم نقض عهد فيما بينه وبين ذمي إن قتل، ولكن يؤدب ويُغرَّم ما أتلف من دم أو مال. وقد زعم أبو حنيفة في حربي دخل بأمان فقتله مسلم أنه لا يقتل به، وأن عليه ديتَه (٢)، فترك هو وأصحابه ما احتجوا به من ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِاَلنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وأن الآية عامة في كل نفس محرمة، ودم المستأمِن عندهم محرم، كما حرم دم (٣) الذمي، وكل واحد منهما له عهد يجب على المسلمين الوفاء به إلى مدته، لا فرق بين حاله إلى مدته وبين حال الذمي.

стр. 484

وقالوا أيضًا: من قتل عبده المسلم لم يُقتل به (١)، فأخرجوه أيضًا من جملة الآية التي احتجوا بعمومها، فإن قالوا: إن هذا خرج من جملة الآية لأنه عبده، فكذلك خرج الآخر لأنه كافر ليس حرمته كحرمة المسلم، بل العبد المسلم أعظم عند اللَّه من الذمي، لقول اللَّه تعالى فيمن قتل لم مؤمنًا متعمدًا، وخص المؤمنين بذلك، والعبد المؤمن داخل في جملة المؤمنين، ولو أن مسلمًا قذف ذميًا لما جلد له الحد لنقصان حرمة الكافر عن حرمة المسلم، ولكن يؤدب للعهد الذي جعل له. قال الشعبي: أخبرني أبو جحيفة قال: وسمعت عليًا يقول: ما عندنا سوداء في بيضاء بعد كتاب اللَّه إلا ما في هذه الصحيفة، قلت: وما فيها؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مؤمن بكافر. وقد احتج من أصحاب داود بعضهم بقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] ولا تخلوا هذه الآية من أن تكون خصوصًا أو عمومًا، فإن كانت على العموم فينبغي أن يقتلوا (٢) الحر بالعبد، فقد قتل مظلومًا، فين كانت خاصة فقد أذن (٣) إلى التكافؤ، واللَّه أعلم. وقالوا أيضًا: إن قوله: "ولا يقتل ذو العهد في عهده"، ابتداء لا وجه له، لأنا قد علمنا بقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]، أن قتلهم محرم في العهد إلى تَقَضِّيه، وهو نكث الذمي وخروجه من الذمة. قلنا لهم: ليس الأمر على ما ظننتم، إن كانت الآية قد منعت من قتلهم فقد منعت من قتل الحربي في عهده، كما منعت من قتل الذمي في مدته، والآية فيهما سواء، بل ظاهرها في الذي له العهد إلى مدة، وأنتم لا تقتلون قاتل ذي العهد إلى مدة وتقتلون قاتل الذمي، ومع ذلك فلهذه الآية نظائر، قال اللَّه عز

стр. 485

وجل في الربا: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، فعلم بهذه الآية أن الفاضل على رأس المال محرم. وقال رسول اللَّه ﷺ في حجة الوداع: "ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع، وأول ذلك ربا العباس بن عبد المطلب" (١)، وكان للعباس ديون بمكة فَعَرَّفَهم مع قراءتهم الآية أنه ليس له إلا رأس ماله، وكذلك سائر من له مال من ربا. وقال : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أي: ولا يقتل بعضكم بعضًا، وقال ﵎: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]، فعلم بالآيات تحريم ذلك، وقال رسول اللَّه ﷺ في حجة الوداع بعد نزول الآيات: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا" (٢)، ونظائر هذا في القرآن كثير، وإعادة رسول اللَّه ﷺ القول فيه، وعلى أن القول في ذي العهد كان واجبًا إعادة ذكره، وذلك أنه لما قال ﵇: "لا يُقتَل مؤمن بكافر"، أراد كافرًا حظر اللَّه قتله دون من أمر اللَّه بقتله، فَخِيف من سَفُل دينه أن تهون عليه العقوبة فيقتلهم، فأعاد عند تقضي الكلام بالنهي عن قتل المعاهَدين، ليُعْلِم أن ذلك باق (٣) على الحظر، وأن من فعله فعليه عقوبة، وإن لم يبلغ بها القتل، هذا وجه الكلام، واللَّه أعلم. ومما يدل على أنه لا مخاطبة على أهل الكتاب في تحريم ولا تحليل ما كانوا على كفرهم، قول اللَّه في سورة النور عند ذكر الزنا: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣].

стр. 486

وروى مالك ﵁ (١)، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: وجد في قائم سيف رسول اللَّه ﷺ كتاب أن "أشد الناس غلوًا (٢) رجل ضرب غير ضاربه، ورجل قتل غير قاتله، ورجل تولى غير أهل نعمته، والمؤمنون تكافأ (٣) دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ولا يُقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده" (٤). وطرق هذه الأحاديث كثيرة. واحتج بعض أصحاب أبي حنيفة لأبي حنيفة في هذا الحديث بأنه لو كان صحيحًا لكان: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا بذي عهد في عهده"، وهذا الذي قاله خطأ فاحش، لأن اللَّه قال: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٧٩ - ٢٨٠]، فلو كان عطفًا لكان وإن كان ذا عسرة، ولكنه ابتداء كلام، قال: وإن وقع ذو عسرة فنظرة، كذلك قيل مبتدأ: ولا تقتلوا ذا العهد في عهده، فكان الكلام: ولا يُقتل ذو العهد في عهده، لأنه لو قيل: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا بذي عهد في عهده، لأوجب الكلام أن ذي العهد ليس بكافر، وجعل هذا الرجلُ قوله: لا يقتل مؤمن بكافر حربي (٥)، وكيف يجوز أن يقال: لا يقتل مؤمن بكافر حربي (٦)، وقد أمر اللَّه ﵎ بقتلهم وحث عليه، وجعله من أفضل

стр. 487

الأعمال وأحبِّها إليه؟ فهل يجوز أن يتوهم متوهم أن اللَّه أمر بقتلهم، فيحتاج النبي ﷺ أن يبين لنا أنه لا قَوَد بيننا وبينهم؟ وإنما معنى الكلام: لا يقتل مؤمن بكافر أصلًا، ثم قيل بعد تمام الكلام: "ولا ذو عهد في عهده"، عطفًا على لا يقتل، لأن هذا الذي أضمر لو أظهر فقيل: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا يقتل ذو عهد في عهده، ولو أفرد قيل: لا يقتل ذو عهد، ولم يكن قبله كلام لكان مستقيمًا. وإنما قيل ذلك لما رفع النبي ﷺ القَوَد بين المسلمين والكافرين، ولم يؤمن من جرأة من سَفُهَ حُلُمه على قتل أهل العهد، فاتبعهم بأن قال: "ولا يقتل ذو العهد في عهده"، فنُهوا عن قتل ذي العهد من أهل الذمة، وممن دخل بأمان لأنهما جميعًا بالعهد في دارنا. فإن قيل: إن [أهل] (١) الذمة قد عُلم أن دماءهم محرمة في عهدهم. قيل: إنما علم لأنهم عُلِّمُوه، ولما خيف من أمر المَقود أن يُقدم على قتل من لا يُقاد به سرح فنهاه (٢) عن ذلك، لأن اللَّه ﵎ قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، فعلم القاتل أنه يُقتل فكفَّ فحَيِيا جميعًا، ولذلك نزلت الآية، فلما أزيل القَوَد عن قاتل ذي العهد وهو الذمي، نُهوا عن قتله ليوجب النهي عقوبة تردع عن ذلك، واللَّه أعلم. وأكثر الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ "لا يُقتل مؤمن بكافر"، ليس فيها ذكر ذي العهد. ومما يدل على أن الآية في النفس بالنفس على التساوي، وأن المسلم لا يقتل بكافر، قولُه: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، والذمي

стр. 488

لا يُكَفَّر عنه، وقولهم: إن النبي ﷺ قصد إلى الحربي واللَّه يقول: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩] أمر اللَّه بقتلهم، فكيف يقال: لا قصاص بينكم وبينهم؟ وإنما يستوي الكلام أن لا قصاص بينكم وبين من نهيتم عن قتله من الكفار، فأما من أمرتم بقتله فقد أغنى اللَّه عن ذكر القصاص فيه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 489

٨٧ - قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ الآية [النهي عن تحريم الطيبات] الذي دلت عليه الأخبار في تفسير ذلك، أنه لا ينبغي لأحد أن يحرم على نفسه كل النساء، فيجوز له أن يحرم عليه بعضهن، لأنه إذا تزوج أربعًا حرم عليه ما عداهن، والتحريم هاهنا وإيقاع يمين الطلاق، وهو شيء يُلزمه الإنسان نفسَه ليحمل عليه عند ملكه بعض النساء، فله أن يقول: إن تزوجت في بني فلان، وواللَّه لا تزوجت في بني فلان، والتحريم يمنع لليقين، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "تزوجوا في بني فلان، فإنهم عفُّوا فعَفَّت نساؤهم"، ونهى عن آخرين، فالذي حظر اللَّه على الرجل أن يحرمه في باب النكاح الكلّ، فإن حرمه لم يَحْرُم، وإباحة الامتناع من البعض بيمين كان ذلك أو بغير يمين. وأما الإماء فليس يجوز له أن يحرم منهن شيئًا، وإن حرم لم يَحْرُم، ألا ترى أن عائشة ﵂ لما قال لها رسول اللَّه ﷺ في مارية: "إنها علي حرام"، فقالت: كيف تحرمها وهي لا تحرم؟ فقال: "فواللَّه لا وطئتها"، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢]، فأُمر أن يكفر عن يمينه. وقد كان ناس من أصحاب رسول اللَّه ﷺ أرادوا أن يتخلوا من الدنيا، ويتركوا النساء ويترهبوا، منهم علي بن أبي طالب ﵁، وعثمان بن مظعون،

стр. 490

فنزلت الآية، فتركوا ما كانوا عزموا عليه، ولا يجوز لأحد بهذه الآية أن يحرم مأكولًا ولا مشروبًا على نفسه إذا كان من حله، وله أن يمتنع من بعض المأكولات والمشروبات من غير أن يعتقد فيها تحريمًا، وإذا حلف على شيء من ذلك على وجه التحريم كفّر عن يمينه، ثم إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل. وإنما حرم إسرائيل لما أصابه عِرْق النَّسا، قبل نزول التوراة، فليس لأحد أن يحرم شيئًا أحله اللَّه على نفسه، لأن إسرائيل حرم قبل أن ينهى، وكانوا إذا حرموا شيئًا على أنفسهم حرُم، فنسخ اللَّه ﵎ ذلك عنا بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فإن حرم إنسان شيئًا أحله اللَّه له كان تحريمه باطلًا، وإن حلف كفَّر وأتى الذي هو خير. فأما اليهود فما حرم في التوراة إنما حرموا على أنفسهم ما كان إسرائيل حرم على نفسه، ألا تراه قال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، فأعلمنا أنهم افتروا الكذب، وإنما حرم إسرائيل على نفسه لم يَعْدُه إلى غيره، واللَّه أعلم. * * *

стр. 491

٨٩ - قال اللَّه : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [كفارة اليمين] قال الشافعي (١): من حلف عامدًا للكذب فقال: واللَّه ما كان كذا، وقد كان، وواللَّه لقد كان كذا (٢)، وما كانَ، كَفَّرَ وقد أساء (٣) إذ حلف باللَّه باطلًا. قال: فإن قيل: ما الحجة في أن يُكَفِّر وقد عقد الباطل؟ قيل: أقربها قول النبي ﷺ : "فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" (٤)، فقد أمره أن يعقد الحنِث، وقول اللَّه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ [النور: ٢٢]، نزلت في رجل حلف ألا ينفع أخاه، فأمره اللَّه ﵎ أن ينفعه، وقوله : ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، ثم جعل فيه الكفارة، قال: ومن حلف وهو يرى أنه صادق، ثم وجده كاذبًا فعليه الكفارة. وشبه الشافعي شيئًا بما لا يُشْبه، لأن الذي أمره رسول اللَّه ﷺ أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه، إنما أمره أن يستأنف بعد اليمين شيئًا كان حلف فيه ألا يفعله، وكذلك قول اللَّه : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا

стр. 492

أُولِي الْقُرْبَى﴾ [النور: ٢٢]، ولم يكن واحد (١) من هذين الرجلين كاذبًا في وقت يمينه، ولا حالفًا على كذب، فجعلت كفارة يمينه إذا فعل ما حلف عليه ما ذكر في القرآن، والذي حلف على كذب قد علمه، مخبر عن شيء قد مضى، فهو كاذب فيه حالف عليه، فكيف يشبه هذا بهذا؟ وقال الشافعي: قد أمره بالحنث إن تعمده، فشبه الشافعي هذا بالذي حلف باللَّه، فينبغي له على قوله هذا أن يبيح الحلف على الكذب ويكفِّر الحالفُ، كما يبيح من حلف أن يتعمد الحنث ويكفر، وينبغي إذ شبهه به ألا يسميه إثمًا، لأن النبي ﷺ أمره أن يفعل، وينبغي أن تكون الكفارة التي سماها اللَّه في كتابه، تكفر عن يمين من حلف باللَّه كاذبًا، إذ كانت الآية عنده قد عمتهما. وقد قال اللَّه ﵎: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، فجعل الكفارة تكفر اليمين، ومن كفر عنه فلا إثم عليه، فينبغي أن يكون هذا في قول الشافعي لا إثم عليه، فينسخ الشافعي عن هذه الأمة آية وعيد محكمة، ومعاذ اللَّه أن يكون قولُ مخلوق ينسخ كلام الخالق. قال اللَّه ﵎: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٤ - ١٥]. وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: كنا نعد من الذنب الذي لا كفارة له اليمينَ الغموس، أن يحلف الرجل على ما لأخيه كاذبا ليقطعه. وقال النبي ﷺ : "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم اللَّه عليه الجنة وأوجب له النار"، وقال: "من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي اللَّه وهو عليه غضبان"، وقال ابن مسعود ﵁: وأنزل اللَّه تبارك

стр. 493

وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] (١). فأبطل الشافعي بقوله الآيات المحكمات، والروايات الواضحات بقول اخترعه برأيه، ثم سماه: إثمًا، ومسيئًا، تيسيرًا لما عظم اللَّه وتصغيرًا، وهذا كلام ينبغي لقائله أن يستغفر اللَّه منه، وإنما الأيمان هي العقود التي أمر اللَّه ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، فالحالف لا يكلم زيدًا عاقدٌ (٢)، والحالف على الكذب ليس بعاقد، ولو أن رجلاً طلق امرأته لقيل (٣) طلّق، ولم يُقل: عقد طلاقها، إلا أن يكون طلاقا إلى أجل، أو على صفة، وكذلك العتق، ولو وعد رجلًا وعدًا لكان قد عقد، ولو حلف عليه لكان قد عقد عليه يمينًا. وقد أخبر رسول اللَّه ﷺ بالحكم في يمين تكفر، لأنه علمهم ذلك تعليمًا، ولم يكن في مسألة بعينها، وما جاء على التعليم كان عامًا، فوجب أن يكون ذلك بشرط ما عُلم من إتيان الذي هو خير والكفارة، وقد ذكر الشافعي جملة هذا الحديث، فلو تمسك به لكان فيه كفاية. ثم زعم في هذا الحديث أنه أمره إن تعمد الحنث أن (٤) يُكفر، والحنث هو الفعل الذي حلف ألا يحلفه (٥)، فإذا جعله (٦) فإنما يفعله بعد اليمين، وإذا

стр. 494

حلف على شيء قد مضى، فإنما حلف على فعل كان قبل أن يحلف، فكيف يكون ذلك الفعل موجبًا للحنث؟ ويبين ذلك أيضًا ما روي عن النبي ﷺ فيمن حلف باللَّه واستثنى، أنه إن شاء فعل غير حرج، فعلم أن هذا للمستقبل، ووجب أن كل يمين تكون فيها الكفارة، فالاستثناء يسقطها وجميعًا لا يكون إلا في المستقبل (١)، لأن قول الرجل: إن شاء اللَّه، من باب المجازاة، والمجازاة لا تكون لما مضى، لأن المستقبل يقال فيه: افعل كذا إن شاء اللَّه، ولا يجوز: فعلت كذا إن شاء اللَّه، لأنه جهل من قائله. قال القاضي: وإنما ذكرت هذا لتعرف مخارج الكلام. وأما قوله: قال اللَّه: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾، وجعل فيه الكفارة، فهذا أقبح من الأول، الكفارة هنا بالعود الذي هو طاعة للَّه، والقول وحده يوجب شيئًا، فلما عاد إلى الذي هو خير قيل له كفر، ولو لم يعد لم تكن عليه كفارة، وهذا أيضًا من المستقبل الذي شبهه بالمستدبر. وأما لغو اليمين فإن أعلى الرواية وأكثرها إنما جاء على قول الرجل: لا واللَّه، وبلى واللَّه، وهو لا يريد اليمين، فلم تكن عليه يمين لأنه لم ينوها، لأن اللغو عند العرب وأهل اللسان: ما ألغته النية، فلذلك سُمي لغوًا، قال الشاعر: ويَهلِكُ وَسْطَها المَرَئِيُّ لغْوًا ... كما ألغَيْتَ في الدِّيَة الحُوارا (٢) والسهو حلف الإنسان على تيقنه، لا نية له في الكذب ولا عاقدًا على مستقبل، ذلك لغو لسقوط النية عن الحال الموجبة للكفارة، لقول النبي ﷺ :

стр. 495

"الأعمال بالنيات" (١)، فلما لم يعقد النية لم يكُ حالفًا، ويدخل في ذلك أيضًا حلف الرجل على شيء بدا أنه على ما حلف عليه، فلما لم يقصد للكذب لم يك آثمًا، ولم يكن عليه حنث ولا كفارة، لأنه قصد إلى حق عنده، وحلف على حق عنده في المستدبر الذي لا تكون فيه الكفارات، لأن الكفارات إنما جعلت في المستقبل، والحنث فيه بعد العقد والحلف على المستدبر يكون الحالف آثما، وهذا حلف على حق عنده. وقد شرط اللَّه ﵎ الإثم على من قصد بقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤]، وهذا حلف على صدق عنده. فلغو اليمين عندنا ما دخل في هذين البابين، وهذان البابان هو ما رُوي عن الصحابة والتابعين أنه لغو اليمين، قال هذا طائفة وهذا طائفة، والآية توجب قول الفريقين، لا نعلم أحدًا قبل الشافعي قال ما قاله الشافعي، وما رأيناه في شيء من أصناف المحدثين، ونسأل اللَّه التوفيق. * * *
следующие страницы →