٨٩ - قال اللَّه : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾
[كفارة اليمين]
قال الشافعي (١): من حلف عامدًا للكذب فقال: واللَّه ما كان كذا، وقد كان، وواللَّه لقد كان كذا (٢)، وما كانَ، كَفَّرَ وقد أساء (٣) إذ حلف باللَّه باطلًا.
قال: فإن قيل: ما الحجة في أن يُكَفِّر وقد عقد الباطل؟ قيل: أقربها قول النبي ﷺ : "فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" (٤)، فقد أمره أن يعقد الحنِث، وقول اللَّه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ [النور: ٢٢]، نزلت في رجل حلف ألا ينفع أخاه، فأمره اللَّه ﵎ أن ينفعه، وقوله : ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، ثم جعل فيه الكفارة، قال: ومن حلف وهو يرى أنه صادق، ثم وجده كاذبًا فعليه الكفارة.
وشبه الشافعي شيئًا بما لا يُشْبه، لأن الذي أمره رسول اللَّه ﷺ أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه، إنما أمره أن يستأنف بعد اليمين شيئًا كان حلف فيه ألا يفعله، وكذلك قول اللَّه : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا
стр. 492
أُولِي الْقُرْبَى﴾ [النور: ٢٢]، ولم يكن واحد (١) من هذين الرجلين كاذبًا في وقت يمينه، ولا حالفًا على كذب، فجعلت كفارة يمينه إذا فعل ما حلف عليه ما ذكر في القرآن، والذي حلف على كذب قد علمه، مخبر عن شيء قد مضى، فهو كاذب فيه حالف عليه، فكيف يشبه هذا بهذا؟
وقال الشافعي: قد أمره بالحنث إن تعمده، فشبه الشافعي هذا بالذي حلف باللَّه، فينبغي له على قوله هذا أن يبيح الحلف على الكذب ويكفِّر الحالفُ، كما يبيح من حلف أن يتعمد الحنث ويكفر، وينبغي إذ شبهه به ألا يسميه إثمًا، لأن النبي ﷺ أمره أن يفعل، وينبغي أن تكون الكفارة التي سماها اللَّه في كتابه، تكفر عن يمين من حلف باللَّه كاذبًا، إذ كانت الآية عنده قد عمتهما.
وقد قال اللَّه ﵎: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، فجعل الكفارة تكفر اليمين، ومن كفر عنه فلا إثم عليه، فينبغي أن يكون هذا في قول الشافعي لا إثم عليه، فينسخ الشافعي عن هذه الأمة آية وعيد محكمة، ومعاذ اللَّه أن يكون قولُ مخلوق ينسخ كلام الخالق.
قال اللَّه ﵎: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٤ - ١٥].
وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: كنا نعد من الذنب الذي لا كفارة له اليمينَ الغموس، أن يحلف الرجل على ما لأخيه كاذبا ليقطعه.
وقال النبي ﷺ : "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم اللَّه عليه الجنة وأوجب له النار"، وقال: "من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي اللَّه وهو عليه غضبان"، وقال ابن مسعود ﵁: وأنزل اللَّه تبارك
стр. 493
وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] (١).
فأبطل الشافعي بقوله الآيات المحكمات، والروايات الواضحات بقول اخترعه برأيه، ثم سماه: إثمًا، ومسيئًا، تيسيرًا لما عظم اللَّه وتصغيرًا، وهذا كلام ينبغي لقائله أن يستغفر اللَّه منه، وإنما الأيمان هي العقود التي أمر اللَّه ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، فالحالف لا يكلم زيدًا عاقدٌ (٢)، والحالف على الكذب ليس بعاقد، ولو أن رجلاً طلق امرأته لقيل (٣) طلّق، ولم يُقل: عقد طلاقها، إلا أن يكون طلاقا إلى أجل، أو على صفة، وكذلك العتق، ولو وعد رجلًا وعدًا لكان قد عقد، ولو حلف عليه لكان قد عقد عليه يمينًا.
وقد أخبر رسول اللَّه ﷺ بالحكم في يمين تكفر، لأنه علمهم ذلك تعليمًا، ولم يكن في مسألة بعينها، وما جاء على التعليم كان عامًا، فوجب أن يكون ذلك بشرط ما عُلم من إتيان الذي هو خير والكفارة، وقد ذكر الشافعي جملة هذا الحديث، فلو تمسك به لكان فيه كفاية.
ثم زعم في هذا الحديث أنه أمره إن تعمد الحنث أن (٤) يُكفر، والحنث هو الفعل الذي حلف ألا يحلفه (٥)، فإذا جعله (٦) فإنما يفعله بعد اليمين، وإذا
стр. 494
حلف على شيء قد مضى، فإنما حلف على فعل كان قبل أن يحلف، فكيف يكون ذلك الفعل موجبًا للحنث؟
ويبين ذلك أيضًا ما روي عن النبي ﷺ فيمن حلف باللَّه واستثنى، أنه إن شاء فعل غير حرج، فعلم أن هذا للمستقبل، ووجب أن كل يمين تكون فيها الكفارة، فالاستثناء يسقطها وجميعًا لا يكون إلا في المستقبل (١)، لأن قول الرجل: إن شاء اللَّه، من باب المجازاة، والمجازاة لا تكون لما مضى، لأن المستقبل يقال فيه: افعل كذا إن شاء اللَّه، ولا يجوز: فعلت كذا إن شاء اللَّه، لأنه جهل من قائله.
قال القاضي: وإنما ذكرت هذا لتعرف مخارج الكلام.
وأما قوله: قال اللَّه: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾، وجعل فيه الكفارة، فهذا أقبح من الأول، الكفارة هنا بالعود الذي هو طاعة للَّه، والقول وحده يوجب شيئًا، فلما عاد إلى الذي هو خير قيل له كفر، ولو لم يعد لم تكن عليه كفارة، وهذا أيضًا من المستقبل الذي شبهه بالمستدبر.
وأما لغو اليمين فإن أعلى الرواية وأكثرها إنما جاء على قول الرجل: لا واللَّه، وبلى واللَّه، وهو لا يريد اليمين، فلم تكن عليه يمين لأنه لم ينوها، لأن اللغو عند العرب وأهل اللسان: ما ألغته النية، فلذلك سُمي لغوًا، قال الشاعر:
ويَهلِكُ وَسْطَها المَرَئِيُّ لغْوًا ... كما ألغَيْتَ في الدِّيَة الحُوارا (٢)
والسهو حلف الإنسان على تيقنه، لا نية له في الكذب ولا عاقدًا على مستقبل، ذلك لغو لسقوط النية عن الحال الموجبة للكفارة، لقول النبي ﷺ :
стр. 495
"الأعمال بالنيات" (١)، فلما لم يعقد النية لم يكُ حالفًا، ويدخل في ذلك أيضًا حلف الرجل على شيء بدا أنه على ما حلف عليه، فلما لم يقصد للكذب لم يك آثمًا، ولم يكن عليه حنث ولا كفارة، لأنه قصد إلى حق عنده، وحلف على حق عنده في المستدبر الذي لا تكون فيه الكفارات، لأن الكفارات إنما جعلت في المستقبل، والحنث فيه بعد العقد والحلف على المستدبر يكون الحالف آثما، وهذا حلف على حق عنده.
وقد شرط اللَّه ﵎ الإثم على من قصد بقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤]، وهذا حلف على صدق عنده.
فلغو اليمين عندنا ما دخل في هذين البابين، وهذان البابان هو ما رُوي عن الصحابة والتابعين أنه لغو اليمين، قال هذا طائفة وهذا طائفة، والآية توجب قول الفريقين، لا نعلم أحدًا قبل الشافعي قال ما قاله الشافعي، وما رأيناه في شيء من أصناف المحدثين، ونسأل اللَّه التوفيق.
* * *
стр. 496
٨٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾
[مقدار الكفارة]
روي عن بعض الصحابة أنه كان يقول: الأوسط: مُدَّيْن من بُرٍّ، وهو نصف صاع.
وروي عن جماعة منهم أنهم قالوا: لكل مسكين مد بالمد الأول، وهو ربع صاع لكل مسكين.
وروي مثل ذلك عن جمع من التابعين.
وروي عن بعض التابعين أنه قال: مكوكًا من بر بين العشرة، ومكوكًا من تمر.
ومنهم من قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، ليس بأفضله ولا بأحسنه.
وقال ابن عباس ﵁: كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة، وبعضهم دون بعض وسطًا، فأمر اللَّه ﵎ بالأوسط.
وقال ابن عمر ﵁: الأوسط: الخبز واللبن، والخبز والزيت، والأفضل الخبز واللحم.
وقال مثل ذلك خلق من التابعين.
وقال بعضهم: يطعمهم أكلة واحدة.
стр. 497
ومنهم من قال: يغذيهم ويعشيهم (١).
وأقوى ما روي في ذلك ما رواه أهل المدينة في مُدٍّ لكل مسكين (٢).
وأما الإطعام في جزاء الصيد فليس يقاس هذا عليه، لأن الكفارات لا يقاس بعضها على بعض، ألا تراه جعل في كفارة الظهار بإزاء كل مسكين صيام يوم، وفي جزاء الصيد مثل ذلك، وفي كفارة الأذى بإزاء كل مسكين يوما واحدًا، وفي كفارة اليمين بإزاء عشرة مساكين ثلاثة أيام، فلما اختلفت لم يجز أن يقاس بعضها على بعض.
وأما زكاة الفطر فإنها على عدد رؤوس المعطين، لا على الآخذين، وقد يفضل بعضهم على بعض، ومما يدل على ذلك أن المساكين كانوا يحضرون يوم الفطر فيأكلون، والأكل مختلف.
والذي ذهب إليه مالك: إذا أراد المكفر أن يطعم المساكين عنده، أن يغذيهم ويعشيهم ليوفيهم قوت يومهم، الخبزَ والزيتَ، لأن الزيت أوسط إدام أهل المدينة، ومن أعطى البُرَّ، أعطى لكل مسكين مُدًا بمُدِّ النبي ﷺ (٣).
* * *
стр. 498
٨٩ - قال اللَّه : ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾
[الكسوة في الكفارة]
كان أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وأبو جعفر محمد بن علي، يرون أن يعطى كل مسكين ثوبين (١).
وكان ابن عمر، وعمران بن حصين، وإبراهيم، ومجاهد، وطاوس، وجابر بن زيد، والزهري، يرون أن يُكسى المسكين ما تجوز الصلاة فيه (٢).
وكان مالك بن أنس يرى أن يكسى المسكين ما يصلي فيه، فإن كسا رجلًا كساه ثوبًا، وإن كسا امرأة فدِرْع وخِمار.
وقال الشافعي: أدنى ما يقع عليه كسوة، ولو خرقة، أو قلنسوة، أو تكة (٣)، وما أشبه ذلك (٤)، وهو قول لم يسبقه إليه أحد من الصحابة ولا من التابعين، فلو قال في الإطعام لكل مسكين لقمة لمرَّ قوله على نظام، ولكنه قال في الطعام ما يكفي ليومه، وفي الكسوة ما لا تطلق العرب أن فاعله كاس، ولا
стр. 499
أن لابسه كاسٍ، ولو لزم ما عليه الناس لسلم، ولم تلزمه المناقضة، وينفرد بما تقبح حكايته.
[الحكمة من ذكر الكسوة قبل تحرير الرقبة]
وقول اللَّه : ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، قد تكلم قوم فيه فقالوا: كيف بدأ بالتخفيف، ثم ثنى بالتثقيل، وفي القتل والظهار بدأ بالتثقيل ثم خفف؟
فالجواب عن ذلك: أن اللَّه ﵎ بدأ هنا بالثقيل الذي هو الواجب، ثم خفف عن عباده عند عدم الاستطاعة، وحيث بدأ بالتخفيف، فإنما ذكر ما هو الكفارة التي رضِيَها من كل الناس، ثم خيَّر من قدر وأراد الزيادة في الثواب في أن يكفر بالثقيل إن شاء، ولم يوجبه إلا أن يشاء إنسان ذلك، والواجب هو الإطعام، وفي الظهار لأن ابتداء القول منكر وزور فأوجب (١) الثقيل، ثم رحِم وخفف عن عباده.
* * *
стр. 500
٨٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾
[صيام الكفارات]
فممن فسر هذه الآية عن قال: متتابعات.
ومنهم من قال: متفرقات، وإن تابع أحسن.
وقد قال اللَّه : ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، وقال عز من قائل في المتمتع: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال في قضاء رمضان: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ولم يذكر في شيء من ذلك متتابعات كما ذكر في قتل الخطأ، وفي كفارة الظهار.
وقول مالك ﵁ في ذلك أن التتابع في ذلك كله أحب إليه، فإن فرَّقه إنسان أجزأه عنده (١)، إذ لم يشترط اللَّه فيه التتابع، ومن أُمر بشيء فأتى به فقد قضى ما عليه، وباللَّه التوفيق.
* * *
стр. 501
٩٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[تحريم الخمر]
حرم اللَّه ﵎ الخمر في هذه الآية بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، بيانًا شافيًا بعد تحريم خفي عن البعض، وذلك أن أول ما أنزل فيها لما شرب من شرب من الصحابة، فقرأ القارئ: أعبد ما تعبدون: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، ثم شرب قوم ففاخروا عند السكر من قريش والأنصار، فأخذ رجل من الأنصار لَحْيَيْ جزور فضرب به أنف رجل من المهاجرين ففزر أنفه، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] فسماها إثمًا، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] بعد أن سماها إثمًا، ثم أنزل اللَّه ﵎: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، يعني ما جرى بين قريش والأنصار، ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ يعني الصلاة التي خلطوا فيها، فدل كتاب اللَّه وسنة نبيه ﷺ على تحريمها.
стр. 502
وهي من النخلة والعنبة، لأنها عامة خمور الناس، وكذلك قال اللَّه : ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، فالسكر ما حرم منهما، والرزق الحسن ما حل منهما.
وكانت خمور أهل المدينة كلها من النخل عند نزول الآية ولما سُميت كلها الخمر، وهو مأخوذ من تغطية العقل، وقال النبي ﷺ : "كل مسكر حرام" (١)، وكان اللَّه قد ذكر العلة التي من أجلها قد حرم، وأنها تلقي العداوة وتصد عن الصلاة، دخل كل ما فعلها (٢) في التحريم معها، ووجب له اسمها كل مصنوع من الأشربة يفعل فعلها، والحديث والحجة في ذلك يطول ذكرهما، وقد بينا ذلك في كتاب الأشربة والحجة على الطحاوي فيما هونه من أمر الشراب، وسماه نبيذًا بغير اسمه، وذكرنا النبيذ، وما هو، وما قال رسول اللَّه ﷺ فيه، وما روي عنه ﵇ أن أمته تستحل الخمر باسم تسميه إياه.
قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾.
[تحريم الميسر]
قال عثمان بن عفان رضوان اللَّه عليه: الميسر النرد، ونهى عنها، وقال: هممت أن أوجه إلى ديار قوم هي في بيوتهم وأحرقها عليهم.
وقال علي رضوان اللَّه عليه (٣): الشطرنج ميسر العجم.
وقال ابن عمر: الميسر القمار (٤).
стр. 503
وقال ابن مسعود: الكِعاب.
وقال القاسم: كل ما ألهى عن ذكر اللَّه فهو من الميسر (١).
وقال ابن سيرين: كل ما قومر به فهو ميسر (٢).
وقال سعيد بن المسيب نحو ذلك.
وقال مالك بن أنس: كل ما (٣) قومر به من شطرنج ونرد وغير ذلك فهو ميسر، وهو القمار، ونهى عن النرد خاصة وعن الشطرنج إذا قومر بها، وسئل عن الغناء فقال: إذا كان يوم القيامة مع أيهما يكون، أمع الحق أو الباطل؟ فحرمه.
وقال القاسم بن محمد وقد سئل عن الغناء: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢].
فالقمار: أكل المال بالباطل، وهو الميسر في كل شيء كان، وينبغي أن ينتهي العبد عن كل ما ألهى عن ذكر اللَّه ، وباللَّه التوفيق.
* * *
стр. 504
٩٣ - قال اللَّه : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ الآية
[سبب النزول]
قال البراء: إن هذه الآية نزلت فيمن كان يشرب الخمر قبل التحريم ومات على ذلك قبل أن تُحَرّم (١).
وقال جابر بن عبد اللَّه: اصطبح قوم الخمر ثم قتلوا شهداء (٢).
وقال أنس: إن الذين شربوها قبل التحريم أتوأ رسول اللَّه ﷺ فسألوه عما مضى من أفعالهم فنزلت الآية.
وقد كان قوم شربوها في أيام عمر ﵁، فكتب إليه أبو عبيدة (٣) بذلك، فأحضرهم واستتابهم لأنهم تأولوا الآية، فلما تابوا ضربهم للشرب ثمانين ثمانين، واتفق رأي عمر وعلي على ذلك ففعله عمر.
стр. 505
فالآية تنبئ بزوال الإثم عمن شربها قبل التحريم، وتوجب أن يكون قوله في المستأنف: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾، مما أحل لهم دون ما حرَّم، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 506
٩٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾
الذي تناله الأيدي من الطير والفراخ والبيض وما يؤخذ من الأوكار، والرماح.
فالرمح، والنَّبْلُ، والنُشّابَة (١)، والمِعْراض (٢)، وغير ذلك مما يصاد به، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 507
٩٥ - قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾
[تحريم الصيد للمحرم]
لما كان قتل الصيد باليد والرمح تذكيته، وكان حلالًا في غير الحرم وفي الإحلال، فقيل: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، عُلم أنه حرم أكله فصار بمنزلة الميتة، سواء ذبح المُحرم أو قَتل، لأن الحالين جميعًا تذكية في الصيد، لأنه لما قيل: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، فكل ما (١) تناله اليد يُذبح، وما تناله بالرمح يقتل، وكانا جميعًا وجوه تذكية الصيد، وحَرَّمَ الصيدَ على المحرم، عُلم أنه حرم عليه تذكيته بالوجهين جميعًا واصطياده، فلا فرق بين ما ذبح منه وما قتل، وبين الميتة في التحريم.
فإن قال قائل: فلم لا يكون من ذبح بسكين غصبها مُحَرّم أكله؟
قيل له: لأن الفساد لم يقع في نفس التذكية، وإنما وقع في غصب السكين، وليس الخطاب في الآلة المذكى بها، ألا ترى أن المجوسي يذكي ويذكر اسم اللَّه فلا تأكل، ويذكي الكتابي فتأكل؟ وإنما الخطاب في السكين المغصوبة بين الغاصب والمغصوب، اللهم إلا أن يقصد المذكي بالتذكية بالسكين المغصوبة لإفساد الذكاة، فإن فعل ذلك لم تؤكل، واللَّه أعلم.
стр. 508
٩٥ - قال اللَّه : ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾
[جزاء قتل الصيد]
قال قوم من التابعين: يحكم على المتعمد ولا يحكم على الخاطئ (١).
وقال الكثير من المفسرين: يحكم على العامد والمخطئ جميعًا، وممن قال ذلك عمر، وعثمان، وابن عمر، وجماعة من التابعين [و] الصحابة (٢).
وقال الزهري: جاء القرآن بالجزاء على العامد، والسنة على المخطئ (٣)، والزهري أعلم الناس بالسنن، ولولا أن اللَّه ﵎ قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾، لكان لا جزاءً على المتعمد لقتله، مُشبهًا بقتل المؤمن، فأراد اللَّه ﵎ التخفيف عن عباده بذكر العمد، لئلا يبلغ به حرمة المؤمن، وكان الجزاء بقوله : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وإنما حرم قتله، فلما كان جزاء ما كان المخطئ مكفرًا، لأن اللَّه قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]، ولكن ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
стр. 509
فإن قيل: قاتل الخطأ عليه دية وكفارة.
قيل له: الدية ليس على القاتل، وإنما هي على العاقلة، وعليه هو في نفسه الكفارة، ولو كان الصيد مملوكًا فقتله المحرم لكان عليه الجزاء، وعليه قيمته لمالكه.
* * *
стр. 510
٩٥ - قال اللَّه : ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله ﵎: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾
[جزاء قتل الصيد]
قال مالك بن أنس ﵁: ما كان له مِثْلٌ من النَّعم حكم بالمثل فيه، في النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الغزال كبش، وما أشبه ذلك، وقال فيما لا مثل له: قيمته.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن المحرِم إذا أصاب صيدًا فإنما عليه قيمته، فتركوا كتاب اللَّه، قال اللَّه : ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، والمثل إنما هو في مثل الخلقة، ولو أريد القيمة لقيل ذلك، وقد حكم أصحاب رسول اللَّه ﷺ والتابعون في النعامة بدنة، أفيظن ظان أن النعامة تثبت قيمتها في القرن الأول والثاني على بدنة؟ ثم قال تأكيدًا: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، وقد ذكر اللَّه الهدي في غير موضع فقال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وساق رسول اللَّه ﷺ الهدي وقال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ [الفتح: ٢٥]، وسئل النبي ﷺ عن قتل الضَّبُع فقال: "هي صيد (١) "، وجعل فيها كبشًا، رواه جابر بن عبد اللَّه (٢).
стр. 511
وحكم عمر بمثل ذلك (١).
وحكم علي بن أبي طالب ﵁ في الضبع بمثل ذلك.
وابن عباس بمثل ذلك.
وقال ابن عباس: قضى عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية في النعامة بدنةً من الإبل، ومن التابعين بمثل ذلك.
وعمر، وابن مسعود حكما في الظبي بكبش.
فأما التابعون فكثر ذكر من حكم منهم بالمثل من النعم متبعًا في ذلك الصحابة، ما قال أحد من الصحابة ولا من التابعين إن في شيء من ذلك قيمة، ولو كان الواجب القيمة لما قيل في النعامة بدنة، وفي الضبع والظبي شاة، وفي كذا كذا (٢)، وفي كذا كذا، حتى ينظر الحكمان إلى النعامة المقتولة ويقومانها، ثم يقومان البعير الذي يحكمان فيه، هذا ما لا يذهب على ذي لب أنه لم يخطر للقوم في وهم، ومع ذلك فقد قالوا: ما لم يبلغ الهديَ ففيه ثمنه، وذلك أن اللَّه يقول: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾، ففيه: ﴿صِيَامًا﴾، فإذا أصاب المحرم من الصيد ما لا يكون له مثل من النعم، مثل الشاة وما فوقها، حكم في ذلك بالطعام أو الصيام، يقيِّم ذلك بالطعام أو الدراهم، ثم يردها إلى الطعام، فإن عجز عن الطعام صام مكان كل مد يومًا، ذلك قول مالك وأهل المدينة.
وقال آخرون: مكان كل مُدَّين يومًا، وهم أهل العراق (٣)، وكلٌ بنى ذلك على أصوله، وكلا الفريقين قاله المفسرون.
стр. 512
٩٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾
اختلف السلف في ذلك، فقال قوم: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ قبل التحريم، ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ بعد التحريم.
وقال آخرون: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ يعني القتلة الأولى التي أوجب فيها الجزاء.
فمن قال بالأول على العامد الجزاء كلما عاد، ومن قال بالقول الثاني قال: الانتقام في الآخرة، ولا جزاء عليه في الأول أولًا، لأن اللَّه في سائر ما حرم قال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾، يريد: ما كان قبل نزول التحريم، والذين حملوه على الانتقام عقوبة، وقد قال اللَّه : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، فكان مُخرق الثوب عليه قيمته، وقال : ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فمن خرق ثوبًا ألزم قيمته، وقد قال اللَّه حين أوجب الجزاء: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ بالجزاء، ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ قبل التحريم: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ بعد التحريم ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ بالجزاء، هذه عقوبته وانتقامه، وذلك في أول مرة، فقتل في الحرم وهو مُحرِم الصيدَ، فإذًا جعل أن (١) ذلك عطفًا على ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا﴾ وينتقم اللَّه بذلك العزم منه، واللَّه أعلم.
стр. 513
٩٥ - قال اللَّه : ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾
[الحكمان في قتل الصيد]
هذه الآية، لم يحكم أبو بكر في قاتل الصيد حتى دعا أُبَيًّا، فحكما جميعًا (١).
وعمر ﵁ دعا عبد الرحمن بن عوف، فاجتمعا وحكما (٢).
وقال التابعون مثل ذلك.
وقال مالك: من أصاب صيدًا يعلم ما فيه فلا يُهدي ولا يطعم إلا بعد أن يُحكِّم حكمين، فيَحكُمان عليه، فما حكما به فعله، ولا أعلم في ذلك اختلافًا فيما تقدم، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 514
٩٦ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾
[صيد البحر وطعامه للمحرِم]
صيد البحر: ما صيد وهو حي، وطعامه: ما مات فيه، أو قذفه البحر فمات.
وقال النبي ﷺ : "هو الطهور ماؤه، الحِلُّ ميتته" (١).
وقال ﵇: "أحلت لي ميتتان: الحيتان والجراد" (٢).
وقال أبو بكر، وعمر، وسائر من انتهى إلينا كلامه في الآية مثل ذلك، إلا شيئًا (٣) شَذَّ قائله، وضعف راويه، واللَّه أعلم، فإنه فرق بين ما قذفه البحر فمات، وبين ما مات في البحر، وهذا قول لا أعرف وجهه، وقد أكل النبي ﷺ من ما قذفه البحر لما أتاه به أبو عبيدة (٤).
ولما كانت الآية مخاطبة للمُحرمين كان للحلال أجوز وأحل، فأحل للمحرم صيد البحر، ومنعه عمر من الجراد، وأوجب الناس فيه، ومُنع من صيد البر.
стр. 515
واختلف الناس في صيد البر إذا صاده المُحِل فذكاه، هل يأكل المحرم منه؟ فقال قوم: لا يأكل.
وقال قوم آخرون: يأكل.
وهو قول مالك، لأن اللَّه حرم على المحرم الصيد والقتل، ولم يحرم عليهما كل ما كان صاده في الحل وذكاه قبل الإحرام لأنه قد صار لحمًا ليس بصيد، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 516
٩٧ - قال اللَّه : ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾
قِبلة لهم، وعصمة في أمر دينهم ما تمسكوا بذلك، وشدة في الدين، وصلاحًا لهم، إذ كانت الصلاة عماد الدين، قال عمر ﵁: ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة.
* * *
стр. 517
١٠١ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية
قال سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ : "إن أعظم المسلمين على المسلمين جُرمًا، من سأل عن شيء لم يحرَّم فحرِّم عليهم من أجل مسألته" (١).
وقال (٢): كانوا يسألون عن الشيء وهو لهم حلال، فما يزالون يسألون عنه حتى يحرم عليهم، فإذا حرم عليهم وقعوا فيه (٣).
وقال رسول اللَّه ﷺ : "ذروني ما تركتم، فإنما هلك من كان قبلَكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم في أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم (٤) به فأتوا منه ما استطعتم" (٥).
وقال أنس: لما فرض الحج قال رجل: أفي كل عام يا رسول اللَّه؟ فقال ﵇: "لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها عذِّبتم" (٦).
стр. 518
وروي عن ابن عباس مثل ذلك، وقال فيه: "مرة واحدة، ومن زاد فهو تطوع".
والحلال ما أحله اللَّه، ولا حرام إلا ما حرم اللَّه ﷻ ، وما سكت عنه فهو عفو، وما فعله رسول اللَّه ﷺ فعلى وجه الكراهية والتنزه، ألا تراه لم يحرم الضب ولم يأكله (١)، وكل ذي ناب من السباع، فقال الزهري: لم أسمعه من علمائنا بالمدينة، هان كان قاله رسول اللَّه ﷺ ، فلا خير فيما نهى عنه رسول اللَّه ﷺ .
والزهري رواه عن أبي إدريس عن أبي ثعلبة، ثم قال فيه هذا القول (٢).
وقال ابن عباس ﵁: لا حرام إلا ما حرم اللَّه ، وقال اللَّه : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
فمحال أن يقول اللَّه لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ فيقول هو: أجد، ولكنه يَسُن للمصلحة، لأن أكل السباع يقسي القلب ويُضْري على المحرمات، ويخدر على البدن، ويورث العلل مثل الجُذام والبَرَص.
ألا ترى إلى قول عمر ﵁: إن للحم ضراوة، وكذلك نهى عن التوضؤ بالماء المُشَمَّس لما يُحدث في البدن، واللَّه أعلم، ولا تجوز مخالفة رسول اللَّه ﷺ ولا ترك قبول نُصحه.
стр. 519
١٠٣ - قال اللَّه : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (١)
[تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة الحامي]
وهذه أشياء كان يفعلها أهل الجاهلية لطواغيتهم.
البحيرة: التي يُمنع دَرُّها لطواغيتهم أن يحلبها أحد من الناس، والسائبة: التي كانوا يُسَيِّبونها لآلهتهم، ولا يُحمل عليها شيء.
والحام: فحل الإبل يَضرب الضِّراب المعدود، فإذا قضى ضرابه تركوه لطواغيتهم وأعفوه من الحمل، فسموه الحام، لم يحملوا عليه شيئًا.
وقيل نحوٌ من ذلك، تختلف الألفاظ، إلا أن ذلك قد زال بالإسلام والنهيِ عنه, وللَّه الحمد والمنة.
* * *
стр. 520
١٠٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ الآية
قال أبو بكر رضوان اللَّه عليه: إنكم تقرؤون هذه الآية فتضعونها في غير موضعها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وإنما سمعنا رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم اللَّه بعقابه" (١)، يا أيها الناس اتقوا الكذب فإنه مجانب الإيمان.
وقال ابن مسعود وذكر هذه الآية: لم يأت وقتها.
قال القاضي: ولعمري في ذلك الزمان أن الأمر على ما قيل، وما أمكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ذكره اللَّه في ثلاثة عشر موضعًا من كتابه، فلم يأت الوقت، فإنا نقدر ذلك، ولم يمكن، ورأيت هوى متبعًا، وشحًا مطاعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وغلبة من لا دين له، فقد جاء وقتها، وعلى الإنسان بنفسه، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 521
١٠٦ - قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾
[شهادة غير المسلم]
قال جماعة: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من أهل الكتاب، ومن غير أهل دينكم (١).
وقال بعضهم: في السفر خاصة (٢).
وقال آخرون: من المسلمين من غير العشيرة (٣).
والصحيح واللَّه أعلم: أن ذلك في أهل الكتاب، كان في صدر الإسلام، مات رجل من المسلمين ومعه رجلان من أهل الكتاب وأوصى، فأتيا بتركته ووصيته فشهدا واستحلفا، ثم عثر على خيانة منهما، فاستحلف الأولياء وهم ورثة المسلم، واستحقوا الجناية (٤)، ثم نسخ ذلك كله، ثم أنزل اللَّه من الفرائض بقوله عز من قائل: ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾
стр. 522
[البقرة: ٢٨٢]، ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وإذا كنا لا نرضى العاصي منا والمذنب، فكيف نرضى الكافر؟ فقد فرضت الفرائض، وعمل المسلمون بها، وبطل ذلك كله، فلسنا نقبل إلا من ثبتت عدالته ممن لا بدعة فيه، فإذا كنا نرد غير المرضي فكيف تجوز شهادة كافر؟
* * *
стр. 523
سورة الأنعام
стр. 524
١٢١ - قال اللَّه : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾
[التسمية عند الذبح]
أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه في منزله بمصر، عام إحدى وأربعين وثلاثمائة وأنا أسمع، قيل له: قلتَ رضي اللَّه عنك:
ذهب قوم إلى أن المسلم إذا ذبح ونسي أن يسمي لم تؤكل، وتأولوا هذه الآية، وهم نفر (١)، ولم يتأملوا الآية إلى آخرها، وإنما المعنى واللَّه أعلم، ولا تأكلوا مما لم يذبح بالملة، لأن اللَّه قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ (٢) لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فعلمنا أن المشركين لم يكونوا يجادلون المسلمين في مسلم ذبح ونسي أن يسمي، لأنهم كانوا يأكلون الميتة، لقول اللَّه : ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وعلمنا أن من ذبح ونسي أن يسمي وأكل أنه ليس بفاسق ولا مشرك، فإذا كان هذا لا يتوهمه أحد فقد علمنا أن لهذه الآية تأويلًا غير ما تأوله من قدمنا ذكره.
стр. 525
[سبب النزول]
قال ابن عباس ﵁: سبب نزول الآية أن المشركين قالوا للمسلمين لما حرمت الميتة: لا تأكلون (١) ما ذبح للَّه، وتأكلون ما ذبحوا هم، فأنزل اللَّه : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢)، يريد الميتة، لأن اليهود قالت: تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون (٣) ما قتل اللَّه.
وأما قوله : ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، يريد أن قولهم لكم في ذلك فسق.
والذابح منا إذا نسي التسمية فقد قصد الذكاة بالذبح، فقصده بالملة للذكاة تسمية بقلبه.
قال جماعة من المفسرين: اسم اللَّه في قلبه، ألا ترى أن المجوسي لو سمى على ذبيحته لم تؤكل، مع قوله : ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] فعلم أن ذلك مردود إلى الملة، كذلك قال علي، وابن عباس، وخلق من التابعين، وقالوا: أحلت ذبيحة اليهود لأنهم آمنوا بالتوراة، والنصارى (٤) لأنهم آمنوا بالإنجيل، فإذا كان الذبح بالملل فأهل الإسلام أولى بذلك، واللَّه أعلم.
وما ذبح أهل الكتاب لكنائسهم وكفرهم فقد اختلف الناس فيه، فقال قوم: يؤكل بإحلال اللَّه ذلك.
وقال آخرون: لا يؤكل لأنه أهل لغير اللَّه.
стр. 526
وكل قد ذهب إلى مذهب، والتوقي حسن.
وأما قوله : ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ (١) أي: انحروها على هذه الحال، وكذلك هي في مصحفنا على هذا اللفظ، وكذا قرأها نافع، وأهل المدينة، وأبو عمرو بن العلاء، وأهل البصرة.
قال ابن عباس: ﴿صَوَافَّ﴾: صوافن قيامًا معقولة (٢).
وكذلك قال ابن مسعود (٣).
وكان يقرأ: "صوافن" معقولة على ثلاثة قوائم.
وكذلك قال ابن عمر، إلا أن الصحيح عنه: قائمة غير معقولة، صافات اليدين.
وكل ذلك جائز، وإن كان أحب إلينا أن تكون قيامًا على ما ذكروا لا معقولة، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 527
١٤١ - قال اللَّه : ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ﴾ الآية
[زكاة الزروع والثمار]
فمن فسرها من الصحابة وكثير من التابعين قال: هي الزكاة المفروضة، العُشُر أو نصف العشر عليهم نصفين، ذلك على أنفسهم، وإخراجه إلى الإمام، أو صرفه إن وُكل إليهم في الوجوه التي تسمى الصدقات فيها بحسب الحاجة، واللَّه أعلم.
وفي الآية ذكر الزيتون والرُّمان مع النخل والزرع، فأما النخل فيُخْرَص، ويؤخذ تمرًا قبل الجَذاذ، والزرع يؤخذ منه إذا كِيل بعد الفراغ منه، وأما الزيتون فيؤخذ إذا بلغ خمسة أَوْسُق من زيته إذا عصر، وأما الرمان فلا شيء فيه.
وقد قال أبو حنيفة: فيه الزكاة (١)، وهذه الأشياء لم تحدث، وقد كان الرمان على عهد الرسول ﷺ والخلفاء من بعده، فلم يُرو أن أحدًا منهم أخذ منه، ولا من شيء من الخضر الزكاة، وإنما أوجب ﵇ الزكاة فيما دخل الوسق، وحُد خمسة أوسق، فزعم النعمان أنه يأخذ من القليل والكثير (٢)، لقول النبي ﷺ : "ما سقت السماء أو كان بَعْلًا العُشر، وما سقي بالنَّضْح فنصف العشر" (٣)، فكان هذا مرجوحًا على ما أوجب فيه الزكاة من الأشياء والمقدار،
стр. 528
كما قال: "في الرِّقة ربع العشر" (١)، فرُد إلى خمس أواق، وما دونها لا شيء فيه، فقال ذلك موافقًا لنا فيه، وناقض في الأول -أعني في الخُضَر وما دون الخمسة أوسق-.
فإن قالوا: فالرُّمان قد ذكر في الآية.
قيل: إنما ذكر لإثبات الحجة في التوحيد في متشابه وغير متشابه، ليعرف حكم اللَّه وأفعاله كما قيل: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢].
ثم قيل: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، قال اللَّه : ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] فهذا على العموم ثم قال: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢]، وإنما يحمل على بعض الأنعام، ونظائر هذا كثير، وهو شائع في اللغة، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 529
١٤٥ - قال اللَّه : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية
[ما لم يذكر تحريمه من الأطعمة]
قال ابن عباس ﵁: ماتت شاة لسَودة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لم لا أخذتم مَسْكها فدبغتموه، فإنما قال اللَّه : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وإنكم لا تطعمونه" (١).
وقيل لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن لحوم الحُمر الأهلية، فقال: قد كان الحَكَم بن عمرو الغفاري (٢) يقول ذلك عندنا بالبصرة، ولكن أباهُ البحر -يعني ابن عباس ﵁ وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (٣).
وقال القاسم: كانت عائشة ﵂ لا ترى بأسًا بأكل لحوم الحمر الأهلية، ولحوم السباع، وقلت: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾.
стр. 530
وسئل ابن عمر عن القُنفذ، فقال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلى آخر الآية، فقال له إنسان: إن أبا هريرة يرويه عن النبي ﷺ ويقول: "هو خبيثة من الخبائث"، فقال ابن عمر: إن قاله النبي ﷺ فهو كما قال (١).
قال القاضي: قلت: وإن صح ذلك عن أبي هريرة فإنما أراد الخبيث الطعم والمنفعة، وما أراه يصح.
وقال محمد بن جُحادة: سألت الشعبي عن لحم الفيل والأسد، فقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلى آخر الآية (٢).
وقد كان أهل الجاهلية يحرمون أشياء ويستحلون أشياء، نحو قوله عنهم: ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨]، ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] وغير ذلك، فيجوز أن يكون اللَّه ﵎ أراد بقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ يعني سائر ما حرموه، ومع ذلك فلا حرام إلا ما حرم اللَّه، وتحريم رسول اللَّه ﷺ لأكل الحمار الأهلي ولحوم السباع يوجب الامتناع وطاعة السنة واتباع الرواية شفقة من رسول اللَّه ﷺ ، وحسن نظر لنا لشيء علمه وهو الممنوع، فممنوع بالفرض، وممنوع بالندب لعلة مأخوذ به لا يبلغ به ما أجمع عليه، واللَّه أعلم بما أراد.
* * *