← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 39

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي

بكر بن العلاء

Полный текст (1 204 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وكل قد ذهب إلى مذهب، والتوقي حسن. وأما قوله : ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ (١) أي: انحروها على هذه الحال، وكذلك هي في مصحفنا على هذا اللفظ، وكذا قرأها نافع، وأهل المدينة، وأبو عمرو بن العلاء، وأهل البصرة. قال ابن عباس: ﴿صَوَافَّ﴾: صوافن قيامًا معقولة (٢). وكذلك قال ابن مسعود (٣). وكان يقرأ: "صوافن" معقولة على ثلاثة قوائم. وكذلك قال ابن عمر، إلا أن الصحيح عنه: قائمة غير معقولة، صافات اليدين. وكل ذلك جائز، وإن كان أحب إلينا أن تكون قيامًا على ما ذكروا لا معقولة، واللَّه أعلم. * * *

стр. 527

١٤١ - قال اللَّه : ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ﴾ الآية [زكاة الزروع والثمار] فمن فسرها من الصحابة وكثير من التابعين قال: هي الزكاة المفروضة، العُشُر أو نصف العشر عليهم نصفين، ذلك على أنفسهم، وإخراجه إلى الإمام، أو صرفه إن وُكل إليهم في الوجوه التي تسمى الصدقات فيها بحسب الحاجة، واللَّه أعلم. وفي الآية ذكر الزيتون والرُّمان مع النخل والزرع، فأما النخل فيُخْرَص، ويؤخذ تمرًا قبل الجَذاذ، والزرع يؤخذ منه إذا كِيل بعد الفراغ منه، وأما الزيتون فيؤخذ إذا بلغ خمسة أَوْسُق من زيته إذا عصر، وأما الرمان فلا شيء فيه. وقد قال أبو حنيفة: فيه الزكاة (١)، وهذه الأشياء لم تحدث، وقد كان الرمان على عهد الرسول ﷺ والخلفاء من بعده، فلم يُرو أن أحدًا منهم أخذ منه، ولا من شيء من الخضر الزكاة، وإنما أوجب ﵇ الزكاة فيما دخل الوسق، وحُد خمسة أوسق، فزعم النعمان أنه يأخذ من القليل والكثير (٢)، لقول النبي ﷺ : "ما سقت السماء أو كان بَعْلًا العُشر، وما سقي بالنَّضْح فنصف العشر" (٣)، فكان هذا مرجوحًا على ما أوجب فيه الزكاة من الأشياء والمقدار،

стр. 528

كما قال: "في الرِّقة ربع العشر" (١)، فرُد إلى خمس أواق، وما دونها لا شيء فيه، فقال ذلك موافقًا لنا فيه، وناقض في الأول -أعني في الخُضَر وما دون الخمسة أوسق-. فإن قالوا: فالرُّمان قد ذكر في الآية. قيل: إنما ذكر لإثبات الحجة في التوحيد في متشابه وغير متشابه، ليعرف حكم اللَّه وأفعاله كما قيل: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]. ثم قيل: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، قال اللَّه : ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] فهذا على العموم ثم قال: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢]، وإنما يحمل على بعض الأنعام، ونظائر هذا كثير، وهو شائع في اللغة، واللَّه أعلم. * * *

стр. 529

١٤٥ - قال اللَّه : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية [ما لم يذكر تحريمه من الأطعمة] قال ابن عباس ﵁: ماتت شاة لسَودة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لم لا أخذتم مَسْكها فدبغتموه، فإنما قال اللَّه : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وإنكم لا تطعمونه" (١). وقيل لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن لحوم الحُمر الأهلية، فقال: قد كان الحَكَم بن عمرو الغفاري (٢) يقول ذلك عندنا بالبصرة، ولكن أباهُ البحر -يعني ابن عباس ﵁ وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (٣). وقال القاسم: كانت عائشة ﵂ لا ترى بأسًا بأكل لحوم الحمر الأهلية، ولحوم السباع، وقلت: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾.

стр. 530

وسئل ابن عمر عن القُنفذ، فقال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلى آخر الآية، فقال له إنسان: إن أبا هريرة يرويه عن النبي ﷺ ويقول: "هو خبيثة من الخبائث"، فقال ابن عمر: إن قاله النبي ﷺ فهو كما قال (١). قال القاضي: قلت: وإن صح ذلك عن أبي هريرة فإنما أراد الخبيث الطعم والمنفعة، وما أراه يصح. وقال محمد بن جُحادة: سألت الشعبي عن لحم الفيل والأسد، فقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلى آخر الآية (٢). وقد كان أهل الجاهلية يحرمون أشياء ويستحلون أشياء، نحو قوله عنهم: ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨]، ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] وغير ذلك، فيجوز أن يكون اللَّه ﵎ أراد بقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ يعني سائر ما حرموه، ومع ذلك فلا حرام إلا ما حرم اللَّه، وتحريم رسول اللَّه ﷺ لأكل الحمار الأهلي ولحوم السباع يوجب الامتناع وطاعة السنة واتباع الرواية شفقة من رسول اللَّه ﷺ ، وحسن نظر لنا لشيء علمه وهو الممنوع، فممنوع بالفرض، وممنوع بالندب لعلة مأخوذ به لا يبلغ به ما أجمع عليه، واللَّه أعلم بما أراد. * * *

стр. 531

١٤٥ - قال اللَّه : ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ قالت عائشة رضوان اللَّه عليها: الدم المسفوح دون ما عداه، وتلت الآية. وقال جماعة ممن فسر الآية بمثل ذلك. [النجاسة المعفو عنها] ولذلك جازت الصلاة في الثوب فيه القليل من الدم، ولذلك صلى سعيد بن المسيب وقد رعف، وهو يَفْتِلُ الدم، ولما سال خرج فغسله ورجع فبنى (١). وقال ابن عباس: إذا كان الدم فاحشًا فعليه الإعادة، يعني إذا كان في الثوب، وإذا كان قليلًا فليس عليه الإعادة (٢)، وهذا مع قول ابن عباس: إن الثوب لا ينجس، ولكنه أراد الاحتياط، ولم يحمله على مر القياس. وقال ابن سيرين عن يحيى بن الجزّار: إن ابن مسعود صلى وعلى بطنه فرث ودم، قال: فلم يعد الصلاة (٣).

стр. 532

فأما الفرث فطاهر، وأما الدم فإذا لم يك سائلًا خرج عن اسم المسفوح. وقال الحسين مثل ذلك، وإبراهيم أيضًا، وكلهم فرقوا بين قليل البول وقليل الدم، فأجازوا الصلاة في الدم، وأمروا بالإعادة من البول في الوقت، وهو قول مالك ﵁. وقال بعضهم: يعيد أبدًا في البول خاصة. * * *

стр. 533

١٥٢ - قال اللَّه جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ لا ينبغي أن يغتنم من مال اليتيم شيئًا ولا يرتفق به، والتي هي أحسن أن يتّجر له ويستنميَ له، ولا يقترض من ماله، ولا يشتري من نفسه لنفسه، وما أشبه هذا. * * *

стр. 534

١٥٣ - قال اللَّه جل وعز: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: خط لنا رسول اللَّه ﷺ خطًا، وخط عن يمينه وعن شماله خطوطًا، وقال: "هذا سبيلي، وهذه سُبُل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ (١) يعني الخط، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ يعني الخطوط، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. وقال عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ﵁ لعبد اللَّه بن مسعود: يا أبا عبد الرحمن ما الصراط المستقيم؟ قال: هو ورب الكعبة الذي ثبت عليه أبوك حتى دخل الجنة، ثم حلف على ذلك ثلاثة أيمان. وقال مجاهد، وزيد بن أسلم: صراط اللَّه: الإسلام والسنة، والسبل: البدع والأهواء (٢). * * *

стр. 535

١٥٩ - قال اللَّه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ قال الحسن البصري: خرج علينا عثمان بن عفان يومًا فخطبَنا، فقطعوا عليه خطبته، وتراموا بالبطحاء، حتى جعلتُ ما أبصر أديم السماء، وسمعنا صوتًا من بعض حُجر أزواج النبي ﷺ ، فقيل: هذا صوت أم المؤمنين، وهي أم سلمة، فسمعتها وهي تقول: ألا إن نبيكم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب، وتلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ (١). وقال أبو أمامة الباهلي عن النبي ﷺ : "هم الخوارج". وأول الخوارج، وأول البدع الذين خرجوا على عثمان فقتلوه، وقد ذكر أبو غالب عن أبي أمامة الحديث بطوله، وأن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وأن أمته ﷺ تزيد عليها فرقة, كلها في النار إلا السواد الأعظم (٢).

стр. 536

والقرآن يدل على أن كل من ابتدع في الدين بدعة فهو من الخوارج، لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتفرقوا فكانوا شيعًا، فمن قدر منهم على الخروج خرج، ومن عجز فسيفه في قلبه، واللَّه بمنّه يقمعه ويمنعه. * * *

стр. 537

سورة الأعراف

стр. 538

٣١ - ٣٢ - قال اللَّه : ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [سبب النزول] قال المفسرون جميعًا ممن انتهى إلينا تفسيره: إنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، العرب دون الحُمْس، الرجال والنساء، حتى كانت المرأة تغطّي فرجها وتقول: اليوم يبدو (١) بعضُه أو كلّه ... فما بدا منه فلا أُحِلُّه فنزلت: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢). وقوله: ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، دليل على أنهم كانوا يحرِّمون على أنفسهم ما وصف عنهم من لبس الزينة، ولم يختلف المفسرون أنه قصد بذلك أن يستر الإنسان نفسَه ما يلزمه ستره، ولم يقصد به الصلاة. وزعم الشافعي: أنه أريد به الصلاة (٣)، وليس له في ذلك متقدِّم.

стр. 539

[ستر العَورَة] ولما كان ستر العورة من فرض البدن، فيجوز للرجل أن يصليَ في ثوب واحد، لأنه يستر ما أمره اللَّه بستره، والمرأة في دِرْع (١) سابغ وخِمار، وهو أقلُّ ما أمرها اللَّه بستره من بدنها، والأمَة في ثوب وخمار. ولم يكن هذا من فرض الصلاة، وإنما هو من فرض الأبدان ووافق الصلاةَ (٢)، لأنه لو كان من فرض الصلاة كالوضوء كما شَبّهَهُ الشافعي، لكان إذا لم يجد الثوب لم يُصلِّ، كما أنه إذا لم يجد الماء ولا الصعيد لم يَصَلّ. فإن قال قائل متأخر: يصلي ويعيد، فقد أمره بصلاة لا تجزئه ولا تنفعه، وهو آثم فيها، لأن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول" (٣).

стр. 540

وقال عمر، وعلي، والتابعون ممن فسر الآيات وانتهى إلينا تفسيره: إن الأَمَة تصلي كما تخرج إلى الناس (١)، فيدل على موافقةِ الفرضِ ما أُمرت به من السِّتر، وإنما احتذى أمر اللَّه ﵎ بستره، واللَّه أعلم. ولا أدري الوجه الذي شبّه الشافعي فيه الثيابَ بالطهارة في الإيجاب للصلاة، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يقبل اللَّه الصلاة بغير طهور"، وأجمع على ذلك فقهاء الأمصار ومن قبلهم، وأجمعوا على جواز صلاة العُريان عند الضرورة (٢). فإن قال: فإن لم تكن ضرورة وصلى، ولُبْسُ اللِّباس من فرض الصلاة؟ قيل: هذا رجل تهاون بأمر اللَّه، وخالف آداب اللَّه، ولعب بصلاته، فأبطلنا عليه صلاته لهذه العلة عقوبة على فعله، وكذا يفعل في كل شيء خولف فيه أمر اللَّه وأمر رسول اللَّه ﷺ ، ألا ترى أنّا نفعل ذلك في البيع بعد النّداء الثاني يوم الجمعة، ويفرَّق بين من خطب على خِطبة أخيه، وذلك إذا رَكَنَت المرأة إلى الرجل، وتوافقا على إيقاع العقد وعزيمته، فأما إذا كانت الخطبة ولم تكن إجابة فليس الذي أراد النبي، ويحارَب من ترك السّنن عامدًا ومعاندًا لغير سبب ولا عذر، وتعداد هذا يكثر، وفيما مضى كفاية لمن عقل. [طهارة الثوب] ثم زعم الشافعي أيضًا أن الثوب يكون طاهرًا (٣).

стр. 541

قال ابن عباس لمن سأله، وسعيد بن جبير: اقرأ عليَّ آية في طهارة الثياب، منكِرًا لذلك. وتأوّل الشافعي: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ١٤] وهذا مما يدل على علمه (١) باللغة، لأن اللَّه قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ١٥] وهل يجوز أن تُجعل الثيابُ بين الأمر بالإنذار وهجر إبليس؟ وإنما هو: قلبك فطهر، وهذا أول ما نزل على رسول اللَّه ﷺ من القرآن، وبه بُعث ولا فرْضَ بعدُ، وإنما قيل له بعد: واهجر إبليس، ولربك فاصبر على ما يلحقك، يكون بين ذلك اغسل ثيابك، هذا لو قاله رجل منا لاسْتُضعف، جلَّ ربنا عن ذلك، وقال الشاعر: وإني بحمد اللَّه لا ثوبَ فاجرٍ ... لبِستُ ولا من غَدْرَة أتَقَنَّعُ (٢) وقال بعضهم ممن تكلف الكلام في هذه المسألة: إن لم يقدر على الماء والصعيد صلّى ولم يُعِد (٣)، وهو قول من لا يعرِف الأصول كيف وُضعت، ولو جاز هذا لكانت الحائِضُ تصلّي، وإنما سقطت الصلاة عنها لعجزها عن الطهارة، ولعل الرواية خطأٌ، وإنما فرض اللَّه السُّترة لا للصلاة لحقوق البدن، فإذا لم يقدر عليه لم يسقط الفرض. وقال ابن عباس ﵁ في طهارة الثياب: أربع لا تنجس: الثوب، والأرض، والماء، والإنسان. وأجاز ابن عباس وأصحابه الصلاة في الثوب النجس ولم يرَوا الإعادة، ورأى مالك الإعادة في الوقت استِحبابًا، لأن الوقت من فرض الصلاة، والثوب

стр. 542

من سُنَّتها، وكذلك طهارَتُه، فما صُلِّيَ في الوقت أفضل مما يُعيده في غير الوقت، إذ كانت الإعادة ناقصةَ الفرض تامة السُّنن، والأولى كاملةَ الفرض ناقصةَ السنن، فلذلك أمره في الوقت، ولم يوجبها في خروج الوقت، وقال ذلك استحبابًا، لم يرَهُ إيجابًا، واللَّه أعلم. وفي هذا الباب حِجاج كثير، وحديث يطول ذكره، وكذا في سائر الأحكام، وإنما قصدنا للاختصار ليقْرُب من الفَهم، نفعنا اللَّه والمسلمين به. * * *

стр. 543

٣٣ - قال اللَّه : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ وقال في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الآية: ١٥١]. قال ابن عباس، وعليُّ بن الحسَين، ومجاهد، وقتادة: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: نكاحُ الأم (١)، ويدخل في ذلك كل المحرَّمات بالنَّسَب والصِّهْر والرَّضاع، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: ويدخل في ذلك كل مُحرَّم من الخَمر والقِمار وكلِّ معصية يُستَسَرُّ بها، واللَّه أعلم. * * *

стр. 544

١٥٧ - قال اللَّه : ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ هذه الآية مثل قوله: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ في سورة البقرة (١)، والإصر في تلك الآية كانت: ما ألزمهم، ورحمنا فأزاله عنا، وهو قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، ألزمها من كان قبلنا لأنهم أبَوْها، وخفَّف عنا فلم نُلزَم إلا ما عمِلنا دون ما حدّثتنا به أنفُسُنا. وأما الأغلال التي كانت عليهم وهي باقية: فالبول، وتجنُّب الحائِض، وما يَناله يدُها، والعهود التي ألزمها، واللَّه أعلم. * * *

стр. 545

٢٠٤ - قال اللَّه : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سبب النزول] قال عبد اللَّه بن مسعود، وأبو هريرة، وسعيد بن المُسيِّب، وأسلَمُ، وأبو العالية، والزُّهري، والحسن، والنخَعي، ومحمد بن كعب القُرَظي، والشَّعبي، والضَّحاك، ومعاوية بن قُرَّة (١)، وقَتادة، ومُجاهِد: إن هذه الآية نزلت في الصلاة، وزاد مجاهد: في الخُطبة (٢). [القراءة خلف الإمام] وقد ألزم بعض الناس المصلين قراءةَ أم الكتاب خلف الإمام بحديث عن عُبادة، وصله ابن إسحاق (٣)، ووقَفه ابن عَون (٤)، وفَرْقُ ما بين ابن عون وابن إسحاق (٥) غيرُ خَفِيّ.

стр. 546

وقد حدَّث الزُّهْري عن محمود بن الربيع بهذا الحديث، وقال: "فهي خِداج"، والخِداج: الناقص عند العرب، ليس تقضي هذه الكلمة بُطُولَ الصلاة، والذي خلف الإمام (١) حكمُه في القراءة حكم الإمام، لأن اللَّه قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، فأَشْرَك ﵎ بين القارئ والمنصِت المستمع في الرحمة، لأن كلّ واحد منهما عاملٌ بما أَمَرَه به الإمامُ بالقراءة، والمأموم بالإنصات والاستماع. ومن يستمع ولا يسمع، فقد قالى عثمان بن عفان: للمُنصِت الذي لا يسمَع من الأجر مثل ما للسامع المنصت (٢) وإنما ذلك لأن على الإنسان أن يستمع ويُنصِت، ليس عليه أن يسمع، قال اللَّه ﵎: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩]، فجعل هارون داعيًا، وإنما أمَّن، ولذلك عُلِّمنا أن نقول: آمينَ، إذا قرأ الإمام وقال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، لنُشاركه، فإذا قرأنا فقد غَنِينا عن التأمين، لأن التأمين إنما يكون على دعاء غيري (٣) لا نَشركه في دعائه. ومما يدلُّ أيضًا على زَوال فرض القراءة عن المأموم، أن النبي ﷺ عَلَّم الرجل في الصلاة فقال: "كبِّر واقرأ، ثم اركَع، ثم افعَل كذا" (٤)، فأمره بالقراءة

стр. 547

كما أمره بالركوع، وعَلَّم الذين وراء الإمام فقال لهم: "إذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال كذا فافعلوا كذا" (١)، ولم يأمرهم بالقراءة كما أمر المنفرد. وجاءه أبو بَكرة نُفَيعٌ فلحِق الركوع فركع ودَبَّ (٢)، ولو كانت القراءة من الفروض لأمره بإعادة الركعة، فأجزأته صلاته، وأجمعت الأمة على ذلك. فإن قال قائل: فإن القيام فرض، فلما سقَط عنه في هذه الركعة سقَطَت عنه القراءة. قيل له: إنما كان القيامُ مفروضًا للقِراءةِ، والاستماعِ للقِراءة، فإذا انقضى فرضُ القِراءة زال فرض القيام، فلما لم يكن على المأموم القراءةُ سقط فرض القيام لهما. فإن قيل: فلمَ لا يسقُط فرض القيام في غير هذه الركعة عن المأموم؟ قيل: لم يزُل ذلك عنه، لقول النبي ﷺ : "جُعِل الإمام ليُؤْتَمَّ به" (٣)، فعليه أن يفعل مثل أفعاله ولا يخالفَه في شيء منها، ويستمع لقراءته إن كان يجهر، والركعة الأولى إنما صار له إمامٌ بعد فَوْت القيام واستماع القراءة. وقد روى مالك، عن أبي نُعَيْم وهْب بن كَيسان، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فلم يُصَلِّ إلا وراء إمام (٤).

стр. 548

والزُّهْري روى حديثَ محمود بن الربيع، عن عُبادة وفَهْمه، وكان يقرأ خلف الإمام فيما خافت فيه، وكان لا يقرأ فيما جهَر. وكيف يجوز لذي لُبٍّ أن يتوهَّم أن النبي ﷺ يُعَلِّم أصحابَه أن الصلاة لا تُجزِئهم إلا بقراءة، وهم يُصَلّون معه خمسَ صلوات في كل يوم وليلة، ثم يخالفه أصحابه الذين صلوا معه وفقهاءُ الناس منهم؟ هذا ما لا ينبغي أن يتوهَّمه ذو دِين ومعرفة. وقد روى مالك عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة ﵁: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج، غيرُ تَمام"، قال: قلت: يا أبا هريرة، إني أحيانًا أكون وراء الإمام، قال: اقرأ بها يا فارسي في نفسك (١). ولم يذكر أبو هريرة صلاة جهر. وقد يجوز أن يكون ذلك في الصلاة العَجْماء، ولو كان في الجهر لجاز، لأن القراءة في النفس عرْض على القلب، ولا بأس بعرْض المأموم قراءة الإمام على قلبه، فإنه مع الاستماع زيادةُ تَعَلُّم. وجاء عن ابن عباس ﵁ أنه أمر بالقراءة، وجاء عنه أنه نهى عن القراءة خلف الإمام، فجاز أن يكون الأمر في المخافتة، واللَّه أعلم. وقد روى سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عُبادة، أن النبي ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب" (٢).

стр. 549

وروى يونس، عن الزهري، عن محمود، عن عُبادة، عن النبى ﷺ أنه مثل ذلك (١)، ويجوز أن يكون المُنفرِد. وروى زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنما جعل الإمام ليُؤْتَم به، فإذا كبَّر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" (٢). وقال أبو الدَّرْداء نحو ذلك (٣). وقال سليمان التَّيْمي، عن حِطّان الرَّقاشي، عن الأشعري، عن النبي ﷺ : "إذا قرأ الإمام فأنْصِتوا" (٤). وقال أبو الزبير: عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة" (٥). وقال عبد اللَّه بن شدّاد عن النبي ﷺ مثل ذلك.

стр. 550

وقال عِمران بن حصين: صلينا مع النبي ﷺ الظهر أو العصر، فلما انصرف قال: "أيكُّم قرأ بسبِّح؟ " قال رجل: أنا، ولم أُرِد إلا الخير، فقال ﵇: "قد عرفت أن بعضكم خالَجَنيها" (١). وقال أبو الأحوص، عن عبد اللَّه (٢): كنا نقرأ خلف النبي ﷺ ، قال: "خَلّطتُم عليَّ القرآن" (٣). وقال عبد اللَّه بن أبي ليلى، عن علي ﵁: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة (٤). قال بَكْر: وهو أخو عبد الرحمن بن أبي ليلى. وقال ابن عَجْلان: إن عثمان، وعليًا، وزيدَ بن ثابت، وابن مسعود، بنَ عبد اللَّه، وابن عمر كانوا لا يقرؤون خلف الإمام. وروى سعيد، عن منصور، عن أبي وائِل قال: قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: أنصِت لقراءة الإمام فإنّ لك فيها شُغُلًا (٥). وقال سعدُ بن أبي وقاص: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جَمرة (٦).

стр. 551

وقال عطاءُ بن يسار، عن زيد بن ثابت: لا قِراءة خلف الإمام (١). وروي عنه أنه قال: من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له (٢). ومالك، عن نافع، عن ابن عمر: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءةُ الإمام، وإذا صلّى وحدَه فليقرأ (٣). وروى شعبة، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر مثله. وقال عبيد اللَّه بن مِقْسَم: سألتُ جابرَ بن عبد اللَّه عن القراءة فقال: حَسبُك قراءةُ الإمام (٤). فأما من نهى عن القراءة خلف الإمام فيما يُجهر فيه، وفيما يُخافَت، من التابعين وغيرهم فيكثُر ذِكره ويطول. وقد روى مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أُكَيْمة (٥) الليثي، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ انصرف من صلاةٍ جهَرَ فيها بالقراءة، فقال: "هل قرأ معي منكم (٦) أحد آنفًا؟ " فقال رجل: نعم يا رسول اللَّه، فقال: "إني أقول: ما لي

стр. 552

أنازَع القرآن! "، قال أبو هريرة ﵁: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول اللَّه ﷺ بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول اللَّه ﷺ (١). وقال عُبيد (٢) اللَّه بن أبي رافع: إن عليًا كان يقول: اقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في كلِّ رَكعة بأمِّ القرآن وسورة (٣). وكان القاسم بن محمد، وجماعة من نُظَرائه مثلُ: عروةَ وغيرِه (٤)، يقرؤون في الظهر والعصر خلف الإمام، ولا يقرؤون فيما سِوى ذلك، فيَتَوَهَّم مُتَوَهِّم أن هؤلاء الذين وَصفناهم من الصحابة والتابعين أضاعوا فَرْضَ اللَّه في الصلاة التي يُصَلّونها في كل يوم وليلة خمسَ مرات، وجهِلوا ما أَمَرَ به رسولُ اللَّه ﷺ وعَلَّمَه إياهم من الصلاة المفترَضَة عليهم. وقد حُكي عن بعض من يقول بالقراءة، أنه احتج بحديث الحسن، عن سَمُرة أنه كان للنبي ﷺ سَكْتَتان في صَلاته (٥)، وأنهما جعِلتا لأنْ (٦) يقرأ مَن

стр. 553

خلف الإمام، فتأوّل في حديثٍ لم يُسمَع، وإنما أُخِذ من صَحيفة بتأويلٍ أخطأ فيه (١)، ولم نرَ إمامًا من الخاصة والعامة سكت بحد قراءة أم الكتاب سكوتًا يمكن فيه قراءة، وإنما سكت العراقيون بعد التكبيرة الأولى لشيء رَوَوه عن عمر: سبحانك اللهم وبحمدك (٢)، وأهل المدينة يُنكرون ذلك ولا يرون سكوتًا أولًا ولا ثانيًا (٣). وقد روى أبو هريرة ﵁ أنه قال للنبي ﷺ في سكتة سكتها في بعض الصلوات: سَكتتك هذه ما هي؟ فقال: "أقول: اللهم بعِّد بيني وبين ذنوبي كما بعَّدت بين المشرق والمغرب, واغسلني بالثلج والماء والبَرَد، ونقِّني من الذنوب كما يُنقّى الثوبُ من الدَّنَس" (٤)، وذكر سكتة واحدة، وأحسبها كانت في صلاة واحدة، ولم يقل: سكت لنقرأ. ثم زعم هذا الرجل أن الإمام يقرأ فيها، فجعل الإمامَ يقرأُ بعد قراءة المأموم، فجعل الإمامَ مأمومًا، وقد قال النبي ﷺ : "جُعل الإمام ليؤتَمّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، ولا تكبِّروا حتى يكبِّر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركَع، وإذا قرأ فأنصتوا" (٥). فجعل الشافعيُّ الإمام تابِعًا للمأموم، وقد جعله النبي ﷺ مَتبوعًا، وكَلَّف الإمامَ ما لا يُطاق من وقفة بعد قراءة فاتحة الكتاب لمن يقرأ، ولعل الجماعة قد

стр. 554

قرؤوا إن كانوا ممن يرى القراءة، وفيهم خفيفُ القراءة وثقيلُ القراءة، فجعل في الصلاة شيئًا لا لعِلَّةٍ ولا يُنتفَع به، ولا عُلِّمناه في صَلاتنا، فجعل الإمامَ يصلّي صلاة خَوفٍ من غير خَوف، بتقدُّم المأموم ببعضِها عليه! ثم زعم هذا القائل بهذا القول، أن فرض القراءة على المأموم، لأن كل مصلٍّ (١) يصلي لنفسه. ثم زعم أن الفَصيح إذا قرأ فأصاب، ولَحَن إمامُه لحنًا يُزيل المعنى، وهو ممن لا يَلحَن، أن صلاةَ الإمام مجزئة وعلى المأموم الإعادة. ثم قال في الجمعة: لا يقرأ خلف الإمام. ولا أعلم فرقًا بين الجمعة وغيرها من الصلوات! ثم زعم أن الذِّمِّي إذا أَمَّ مسلِمًا بطلت صلاةُ المسلمِ، فإذا كانت صلاته لنفسه لا تَشارُك فيها، فلِم تَبطل وقد أقامها بسُنَّتها وفرائِضها؟ ثم زعم مع ذلك أنه يجوز أن يصليَ المتطوِّعُ بالمُفترِض، واحتجَّ بأن مُعاذًا ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ فريضَته ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم (٢)، فأَوْهَم أن معاذًا كان يصلي فريضته مع النبي ﷺ ثم يؤُمُّ قومَه متطَوِّعًا، وليس هذا في الحديث، ولا أدري كيف يجتَرئ على أن يظن فيجعلَه يقينًا، ومعاذ ﵁ كان يصلي بقومه قبل أُحُد في أول الهجرة، وشُكِيَ إلى النبي ﷺ وأنه يُطَوِّل، فأمره بقراءة سُوَر قِصار من المفَصَّل. قال القاضي: والذي عندنا أن معاذًا كان يصلّي مع النبي ﷺ نافلةً ليُدرِك فضْلَ دُعائه ﵇، ويصلي الفريضة بقومه، ودعوانا في الحديث أوضح من دعواه.

стр. 555

٣٧ - وقد حدثنا إبراهيم بن فهد، وأخبرنا إسماعيل بن إسحاق، قالا: حدثنا عبد اللَّه بن مسلمة القعنبي، قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن يحيى المازني، عن معاذ بن رِفاعة الزُّرَقي، أن رجلًا من بني سلمة يقال له سليم أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، إنا نَظلُّ في أعمالنا فنأتي حين نُمسي، فيأتي معاذٌ فينادي بالصلاة، فنأتيه فيطوِّل علينا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا معاذ لا تكن فتانًا، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفِّف عن قومك"، ثم قال: "يا سليم ما معك من القرآن؟ " قال: معي أني أسأل اللَّه الجنة وأعوذ به من النار، واللَّه ما أُحسِن دَندنتك ولا دندنة معاذ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هل تصير دندنتي ودندنة معاذ إلا أن نسألَ اللَّه الجنة ونعوذَ به من النار؟ " ولكن سترون هذا غدًا إذا التقى القوم (١)، -وكانوا يُجهِّزون لأُحد- فخرج سليم فاستشهد (٢). فكان قوله ﷺ : "إما أن تصلّيَ معي" -وهو يعلم أنه يصلي معه- يريد صلاة الفرض، حتى آمُرَ غيرَك يصلي بالقوم، أو تُخفف بقومك وتتنفل معي، لأن المتنفِّلَ الصلاةِ تجوز خلف المفترض (٣)، ألا ترى أنا أجمعنا على أن من دخل المسجد وقد صلى في بيته أنه يصلّي مع الناس، وصلاته تطوع (٤)، ولم نر فريضة أجاز الأئمة كونها خلف المتنفِّل، إلا ما ادعاه الشافعي بغير حُجّة ولا أثر بيِّن. وهذا الحديث يدل على أن ذلك كان في أول الهجرة، ومن يحفظ القرآن قليل. وقد روى أبو هريرة، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، فأما أبو هريرة

стр. 556

فإسلامه بعد أُحُد بسنين، وأما ابن عمر وأبو سعيد وجابر فكلهم يوم أُحُد غير بالغ، وعائشة ﵂ رَوَت، وكانت يوم أُحُد لعشر سنين أو لإحدى عشرة سنة، أن النبي ﷺ قال: "صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بضعًا (١) وعشرين درجة" (٢). فتبين بهذا وبما قدمنا ذكره، أن الإمام والمأموم شُركاء في الصلاة، وليس يجوز الاشتراك إلا فيما تستوي فيه النيات، لأن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَتُسَوُّنَّ صفوفكم، أو لَيُخالفَنّ اللَّهُ بين وُجوهكم" (٣)، أفتراه صلى اللَّه عليه يأمرهم بهذا في الصفوف التي لو اختلفت لكانت الصلاةُ تامة عند الأمة إذا كانوا يأتمون بإمامهم، ويُبيحهم اختلاف النيات، فيكون الإمام يصلي صلاة والمأموم يصلي غيرها، هذا ما لا يظنه ذو عقل ورَوِيَّة. وقد عَيَّر اللَّه قومًا في غير الصلاة فقال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]، والصلاةُ من أجَلِّ الفرائض، وقد فُضِّل الاجتماع فيها، أفيجوز ذلك على أن قلوبهم مختلفة؟ فأيُّ اجتماع هذا؟ !

стр. 557

وإذا صلى الإمام الظهرَ ومَن وراءَه العصر، أجزأته صلاته وعليهم الإعادة، لأنهم صلوا ولا إمام لهم في صلاتهم تلك، وصلى الإمام وحْدَه فتمَّت صلاته وفسدت صلاتهم، لأنهم ائتموا بمن ليس هو لهم بإمام. ولو كان يجوز ما قاله هذا الرجل ما احتيج إلى صلاة الخوف، وكان النبي ﷺ يصلي بطائفة الفرض، وبطائفة متطوعًا، ويكون للمتطوِّع مثلُ ثَواب المفترض خمسةً وعشرين درجة، وهذا منافٍ (١) لقول رسول اللَّه ﷺ : "صلاةُ المَرء في بيته أفضلُ من صَلاته في مسجدي هذا إلا الفَرض" (٢). وهذه المسألة يكثر شَغَبُها والاحتجاج فيها، والاختصار أولى، وفي ذلك كفاية إن شاء اللَّه . وقال زيد بن ثابت عن النبي ﷺ : "أفضل صلاة المرء فى بيته إلا المكتوبة" (٣). وقال: "صلاةُ المرء في بيته تَفْضُلُ على صلاته حيث يَراه الناس كفَضْل الجميع في الفرض على صلاة الرَّجل وحده" (٤). وسئل النبي ﷺ [فقال] (٥): "أحبُّ الصلاة إلى اللَّه صلاة المَرء في بيته، مُرخًى عليه ستوره، يناجي ربّه".

стр. 558

وما تطوَّع النبي ﷺ في المسجد قطُّ إلا في رمضان ليَسُنَّ ذلك، ثم خَشِي أن تُفرَض فترَكها، فسَنَّها عمرُ ﵁ وجمَع الناسَ عليها، وقال: انقطع الوحي، وأمِنّا أن تُفرَض. فهذه أشياء كلها، لو عرفها الشافعي ولم تغِب عنه لترك قولَه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 559

سورة الأنفال

стр. 560

١ - قال اللَّه : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [سبب النزول] هذه الآية نزلت يوم بدر، وهي أول غَزاة كانت فيها غَنيمة، وكان النبي ﷺ قال لهم: "من قتل قتيلًا فله كذا، ومن أسر أسيرًا فله كذا" (١)، وكان سعدٌ أصاب سيفًا، فأراد أن ينفله، فافترق الناس يومئذ ثلاث فرق، فرقة انفردت بالعدو والقتال، وفرقة أحاطت بالغنائم لما تخلى العدو عنها هاربًا، وفرقة أحاطت برسول اللَّه ﷺ ، فلما رجع الذين لحقوا بالعدو قالوا: لنا النَّفَل، نحن طلبنا العدو، وبنا نَفاهم اللَّه وهزمهم، وقال الذين أحدقوا برسول اللَّه ﷺ : ما أنتم بأحقَّ به منا، بل هو لنا، نحن أحدقنا برسول اللَّه ﷺ ألا ينال العدوُّ منه غِرَّة، وقال الذين استولوا على العسكر والنَّهْب: فواللَّه ما أنتم بأحقَّ به منا، بل هو لنا، نحن حويناه، واستولينا عليه، وتنازع سعدٌ ورجلٌ من الأنصار في السيف الذي أخذه سعد، فأنزل اللَّه : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فقسمه رسول اللَّه ﷺ عن وفاق (٢).

стр. 561

[مم يكون النفل ؟ ] وكان بعد ذلك يُنَفِّل في البداءة، وإذا نفلوا وأخذ رسول اللَّه ﷺ يوم حُنين وبرة من جنب بعير فقال: "يا أيُّها الناس، ما لي فيما أفاء اللَّه عليكم إلا الخُمُس، والخُمُس مردود عليكم، فأدّوا الخِياط والمَخيط، وإياكم والغُلول، فإنه عارٌ على أهله يوم القيامة" (١)، وقال: "وعليكم بالجِهاد في سبيل اللَّه فإنه باب من أبواب الجنة، ويُذهب اللَّه به الغَمّ والهَمّ" (٢). وقيل: كان رسول اللَّه ﷺ يكره الأنفال ويقول: "لِيَرُدَّ مُقْوي المؤمنين على ضعيفهم" (٣). وروى ذلك أبو أمامة الباهلي، وعُبادة بن الصامت، وأنس، وابن عباس، وغيرهم بتقارب المعاني فيه، وروى سعد بعضه. وروى عُبادةُ أنّ النبي ﷺ نَفَّل في البداءة الربع، وفي الرجعة الثلث (٤). ووافقه جماعة في هذه الرواية، ثم اختلفوا بعد رسول اللَّه ﷺ ، فقال قوم: لا نَفَل بعد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه، وقال آخرون: ذلك منسوخ بقوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، فيعلم أن الأربعة الأخماس قد استحقها الجيش. وقال النبي ﷺ وسئل عن الغنيمة فقال: "للَّه خُمُسها، وللجيش أربعةُ أخماس"، قيل: فهل أحد أحق به من أحد؟ قال: "لا ولا السهم تنزعه من

стр. 562

جنبك فلست بأحقَّ به من أخيك المُسلِم" (١)، فجاء هذا الحديث، وحديث عُبادة، وعبد اللَّه بن عمرو، مؤكِّدًا لأربعة الأخماس، فلم يَبقَ للسلَب والنَّفَل موضع إلا من الخمس، وجاز أن يكون منه لقول اللَّه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾، فالرسول ﵇ يجتهد فيه، فيَصْرفه ويضعه حيث أراه اللَّه، لأن قوله: ﴿لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾، فإنما أريد به أنه يصرف في مرضاة اللَّه ومرضاة الرسول ﷺ . وقال سعيد بن المسيب: إنما كان النَّفَل من الخمس، ولا نفل إلا من الخمس. ونفل أنس بن مالك في بعض المغازي، فأعطاه أمير السرية، فأبى أن يأخذ إلا من الخمس بعد القسم، وقد كان إلى النبي ﷺ فنسخ ذلك بما جعل للجيش، وجعل إلى النبي ﷺ الخمس يصنع فيه ما شاء، فصار الخمس بمنزلة الأنفال التي كانت ببدر، وتنفل النبي ﷺ من بدر سيفه ذا الفقار. ومما يبين ذلك، أن النبي ﷺ أعطى المؤَلّفةَ يوم حُنَين من الخمس، فلو لم يكن إليه أن يعطيَ إلا من شيء هو له، وهو خُمُس الخمُس على ما قال الشافعي (٢)، لم يجُز له أن يعطيَ المؤلفة، إذ لم يُسَم (٣) اللَّه لهم في الخمس شيئًا، وسمى لهم في الصدقات ولم يُروَ أنه أعطاهم من الصدقات شيئًا قلَّ ولا كثر، ولم يكن له أن يقول: "مَن قَتَل قتيلًا له عليه بَيِّنَة فله سلَبهُ" (٤) في شيء قد

стр. 563

سُمِّيَ لقوم بأعيانهم، فكان إلى الرسول ﷺ قسمته ووضعه فيما يراه من المسلمين وغيرهم، إذ كان كله له، ومعنى له: يحكم فيه، فيدفع منه إلى المسلمين وغيرهم، ألا تراه ﷺ قال: "ما لي مما أفاء اللَّه عليكم إلا الخمُس، وهو مردود عليكم" (١). ومثل هذا مثل قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، فذُكِرا في الجملة ثم خُصّا بالذكر، كذلك خَصّ ذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. وكذلك قال تبارك اسمه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢]، فجمع كل شيء ثم خَص النفاثات في العقد والحاسد، ومثل هذا كثير في القرآن، فكأنه قيل: للَّه وللرسول فيما يراه من المسمَّين وغيرهم. وقال محمد بن مَسلمة: ومما يبين ذلك قول النبي ﷺ : "يذهب كِسْرى فلا كِسْرى بعدَهُ، وإذا ذهبَ قَيْصرُ فلا قَيْصرَ بعدُ، أمَا والذي نفسي بيده لتُنْفَقَنّ كنوزُهما في سبيل اللَّه (٢)، فإذا كانت كنوزهما قد أُخذت عُنوة ومَلَك الجيش أربعة أخماسه، وهل يُنفَق في سبيل اللَّه إلا الخمس، ولم يُسمّ سبيل اللَّه لا في القربى ولا في الخمس، ولكنه كان مما إلى الرسول ﷺ وولاة الأمر من بعده وهم المخاطَبون، فبَيَّن ﵇ واستنّوا به. ومما يبين أن ذلك إلى الرسول ﷺ ، أنه لم يُذكر في الصدقات، ولم يُعْطِ الرسول ﷺ منها إلا من سُمي بحسب الاجتهاد في ذلك.

стр. 564

ومما يبين ذلك أيضًا، إعطاء المؤلفة السلَبَ، ولو كان مقصودًا على قوم لم يعدل به عنهم. ومما يبين ذلك أيضًا قوله في القرآن: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧]، جعله إلى الرسول مجمَلًا ثم ردَّه مفرّقًا فقال: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فبين أن الرسول ﷺ يقسمه فيما يراه من تفضّل وزيادة، لقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، ولو كانت في تلك الوجوه لم يقل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقد حصلت لقوم مُسمَّين. فإن قال قائل: إن حديث أبي قَتادة يدلُّ على أن السّلَب ليس من الخمس، لأنه لو كان من الخمُس لقومٍ ذكر (١) ذلك في الحديث. قيل له: ليس كل شيء كان ذكر في الحديث، وإنما أتى في الحديث ما يُحتاج إليه، وترك الباقي لمعرفة الناس به، وأنه يفعل ذلك كله فيما جُعل إليه دون ما استحقَّه قومٌ لجهادهم، ألا تراه ﷺ يشفع إلى الناس في أسارى حنين، وأمر العُرفاء (٢) أن يُعرِّفوه أجوبة الناس، ليَعلم أنهم قد أذنوا في ذلك، فجعل إعطاء المؤلفة قلوبهم وحديث أبي قتادة على ما تدلُّ عليه الشواهد والدلائل. وقد قال ابن عمر بأجود الأسانيد: "وجهنا (٣) رسول اللَّه ﷺ بعيرًا بعيرًا"، فقد عُلم بهذا أنه نفلهم من الخمس.

стр. 565

وزعم الشافعي أن ذلك من خمس الخمس، وهو مما لرسول اللَّه ﷺ (١)، وهو خطأ من جهات منها: أنه لم يعرف الحساب، لأن السهمين إذا كانت اثنا عشر بعيرًا، عُلم أن الخُمُسَ ثلاثةُ أباعِر، وكيف يكون خُمسَ ثلاثة واحدٌ، ومن العجب أنه جعل لرسول اللَّه ﷺ منه ما (٢) يقاسِم به الأيتامَ والمساكين، ولم يرفع رسول اللَّه ﷺ عن مشاركة المساكين والأيتام، وجعله لهم نظيرًا، والوجه الثالث: الرد على رسول اللَّه ﷺ قوله، لأنه قال: "لي الخُمُسُ كلُّهُ، وهو مردود عليكم"، وإنما يأخذ من الدنيا ما يكفيه وعيالَه بالمعروف، بل دون الكفاية ترفعًا وتنزهًا عن الدنيا، إذ كانت حقيرة عند اللَّه حين قال جل من قائل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] إلى آخر الآية، وإنما أعطاه مفاتيحَ خزائنِ الأرض لعلمه بأنْ سيردها، فيدخر له ذلك في آخرته. وأما قول الشافعي في قوله ﷺ : "من قتل قتيلًا فله سلَبه" (٣)، وأن ذلك على العموم، فواضح الخطأ، لأن رسول اللَّه ﷺ قد غزا غزوات كثيرة وقع فيها مغانم، ولم يقل ذلك إلا مرة واحدة، فقد يجوز أن يكون ذلك في ذلك اليوم وحده، وليس على الوجوب على مر الدهور. ألا تراه قال لخالد: "أعطه"، ثم قال: "لا تعطه"، لأن أبا قتادة (٤) كان خاطبه في أمر المددي القاتل وهدده، فلما قال أبو قتادة لخالد: ألم أَفِ لك يا خالد؟ قال: "لا تعطه"، ولو كان واجبًا ما عاقب بقول أبي قتادة فمنع، وإنما
следующие страницы →