[مم يكون النفل ؟ ]
وكان بعد ذلك يُنَفِّل في البداءة، وإذا نفلوا وأخذ رسول اللَّه ﷺ يوم حُنين وبرة من جنب بعير فقال: "يا أيُّها الناس، ما لي فيما أفاء اللَّه عليكم إلا الخُمُس، والخُمُس مردود عليكم، فأدّوا الخِياط والمَخيط، وإياكم والغُلول، فإنه عارٌ على أهله يوم القيامة" (١)، وقال: "وعليكم بالجِهاد في سبيل اللَّه فإنه باب من أبواب الجنة، ويُذهب اللَّه به الغَمّ والهَمّ" (٢).
وقيل: كان رسول اللَّه ﷺ يكره الأنفال ويقول: "لِيَرُدَّ مُقْوي المؤمنين على ضعيفهم" (٣).
وروى ذلك أبو أمامة الباهلي، وعُبادة بن الصامت، وأنس، وابن عباس، وغيرهم بتقارب المعاني فيه، وروى سعد بعضه.
وروى عُبادةُ أنّ النبي ﷺ نَفَّل في البداءة الربع، وفي الرجعة الثلث (٤). ووافقه جماعة في هذه الرواية، ثم اختلفوا بعد رسول اللَّه ﷺ ، فقال قوم: لا نَفَل بعد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه، وقال آخرون: ذلك منسوخ بقوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، فيعلم أن الأربعة الأخماس قد استحقها الجيش.
وقال النبي ﷺ وسئل عن الغنيمة فقال: "للَّه خُمُسها، وللجيش أربعةُ أخماس"، قيل: فهل أحد أحق به من أحد؟ قال: "لا ولا السهم تنزعه من
стр. 562
جنبك فلست بأحقَّ به من أخيك المُسلِم" (١)، فجاء هذا الحديث، وحديث عُبادة، وعبد اللَّه بن عمرو، مؤكِّدًا لأربعة الأخماس، فلم يَبقَ للسلَب والنَّفَل موضع إلا من الخمس، وجاز أن يكون منه لقول اللَّه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾، فالرسول ﵇ يجتهد فيه، فيَصْرفه ويضعه حيث أراه اللَّه، لأن قوله: ﴿لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾، فإنما أريد به أنه يصرف في مرضاة اللَّه ومرضاة الرسول ﷺ .
وقال سعيد بن المسيب: إنما كان النَّفَل من الخمس، ولا نفل إلا من الخمس.
ونفل أنس بن مالك في بعض المغازي، فأعطاه أمير السرية، فأبى أن يأخذ إلا من الخمس بعد القسم، وقد كان إلى النبي ﷺ فنسخ ذلك بما جعل للجيش، وجعل إلى النبي ﷺ الخمس يصنع فيه ما شاء، فصار الخمس بمنزلة الأنفال التي كانت ببدر، وتنفل النبي ﷺ من بدر سيفه ذا الفقار.
ومما يبين ذلك، أن النبي ﷺ أعطى المؤَلّفةَ يوم حُنَين من الخمس، فلو لم يكن إليه أن يعطيَ إلا من شيء هو له، وهو خُمُس الخمُس على ما قال الشافعي (٢)، لم يجُز له أن يعطيَ المؤلفة، إذ لم يُسَم (٣) اللَّه لهم في الخمس شيئًا، وسمى لهم في الصدقات ولم يُروَ أنه أعطاهم من الصدقات شيئًا قلَّ ولا كثر، ولم يكن له أن يقول: "مَن قَتَل قتيلًا له عليه بَيِّنَة فله سلَبهُ" (٤) في شيء قد
стр. 563
سُمِّيَ لقوم بأعيانهم، فكان إلى الرسول ﷺ قسمته ووضعه فيما يراه من المسلمين وغيرهم، إذ كان كله له، ومعنى له: يحكم فيه، فيدفع منه إلى المسلمين وغيرهم، ألا تراه ﷺ قال: "ما لي مما أفاء اللَّه عليكم إلا الخمُس، وهو مردود عليكم" (١).
ومثل هذا مثل قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، فذُكِرا في الجملة ثم خُصّا بالذكر، كذلك خَصّ ذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
وكذلك قال تبارك اسمه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢]، فجمع كل شيء ثم خَص النفاثات في العقد والحاسد، ومثل هذا كثير في القرآن، فكأنه قيل: للَّه وللرسول فيما يراه من المسمَّين وغيرهم.
وقال محمد بن مَسلمة: ومما يبين ذلك قول النبي ﷺ : "يذهب كِسْرى فلا كِسْرى بعدَهُ، وإذا ذهبَ قَيْصرُ فلا قَيْصرَ بعدُ، أمَا والذي نفسي بيده لتُنْفَقَنّ كنوزُهما في سبيل اللَّه (٢)، فإذا كانت كنوزهما قد أُخذت عُنوة ومَلَك الجيش أربعة أخماسه، وهل يُنفَق في سبيل اللَّه إلا الخمس، ولم يُسمّ سبيل اللَّه لا في القربى ولا في الخمس، ولكنه كان مما إلى الرسول ﷺ وولاة الأمر من بعده وهم المخاطَبون، فبَيَّن ﵇ واستنّوا به.
ومما يبين أن ذلك إلى الرسول ﷺ ، أنه لم يُذكر في الصدقات، ولم يُعْطِ الرسول ﷺ منها إلا من سُمي بحسب الاجتهاد في ذلك.
стр. 564
ومما يبين ذلك أيضًا، إعطاء المؤلفة السلَبَ، ولو كان مقصودًا على قوم لم يعدل به عنهم.
ومما يبين ذلك أيضًا قوله في القرآن: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧]، جعله إلى الرسول مجمَلًا ثم ردَّه مفرّقًا فقال: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فبين أن الرسول ﷺ يقسمه فيما يراه من تفضّل وزيادة، لقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، ولو كانت في تلك الوجوه لم يقل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقد حصلت لقوم مُسمَّين.
فإن قال قائل: إن حديث أبي قَتادة يدلُّ على أن السّلَب ليس من الخمس، لأنه لو كان من الخمُس لقومٍ ذكر (١) ذلك في الحديث.
قيل له: ليس كل شيء كان ذكر في الحديث، وإنما أتى في الحديث ما يُحتاج إليه، وترك الباقي لمعرفة الناس به، وأنه يفعل ذلك كله فيما جُعل إليه دون ما استحقَّه قومٌ لجهادهم، ألا تراه ﷺ يشفع إلى الناس في أسارى حنين، وأمر العُرفاء (٢) أن يُعرِّفوه أجوبة الناس، ليَعلم أنهم قد أذنوا في ذلك، فجعل إعطاء المؤلفة قلوبهم وحديث أبي قتادة على ما تدلُّ عليه الشواهد والدلائل.
وقد قال ابن عمر بأجود الأسانيد: "وجهنا (٣) رسول اللَّه ﷺ بعيرًا بعيرًا"، فقد عُلم بهذا أنه نفلهم من الخمس.
стр. 565
وزعم الشافعي أن ذلك من خمس الخمس، وهو مما لرسول اللَّه ﷺ (١)، وهو خطأ من جهات منها: أنه لم يعرف الحساب، لأن السهمين إذا كانت اثنا عشر بعيرًا، عُلم أن الخُمُسَ ثلاثةُ أباعِر، وكيف يكون خُمسَ ثلاثة واحدٌ، ومن العجب أنه جعل لرسول اللَّه ﷺ منه ما (٢) يقاسِم به الأيتامَ والمساكين، ولم يرفع رسول اللَّه ﷺ عن مشاركة المساكين والأيتام، وجعله لهم نظيرًا، والوجه الثالث: الرد على رسول اللَّه ﷺ قوله، لأنه قال: "لي الخُمُسُ كلُّهُ، وهو مردود عليكم"، وإنما يأخذ من الدنيا ما يكفيه وعيالَه بالمعروف، بل دون الكفاية ترفعًا وتنزهًا عن الدنيا، إذ كانت حقيرة عند اللَّه حين قال جل من قائل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] إلى آخر الآية، وإنما أعطاه مفاتيحَ خزائنِ الأرض لعلمه بأنْ سيردها، فيدخر له ذلك في آخرته.
وأما قول الشافعي في قوله ﷺ : "من قتل قتيلًا فله سلَبه" (٣)، وأن ذلك على العموم، فواضح الخطأ، لأن رسول اللَّه ﷺ قد غزا غزوات كثيرة وقع فيها مغانم، ولم يقل ذلك إلا مرة واحدة، فقد يجوز أن يكون ذلك في ذلك اليوم وحده، وليس على الوجوب على مر الدهور.
ألا تراه قال لخالد: "أعطه"، ثم قال: "لا تعطه"، لأن أبا قتادة (٤) كان خاطبه في أمر المددي القاتل وهدده، فلما قال أبو قتادة لخالد: ألم أَفِ لك يا خالد؟ قال: "لا تعطه"، ولو كان واجبًا ما عاقب بقول أبي قتادة فمنع، وإنما
стр. 566
كان له أن يتفضل به، فلما تسبّب (١) بما يقدح في الإمارة منعه، ألا تراه قال ﵇ عقيب ذلك: "ما لكم وأمرائي، إنما لكم صفوة أمرهم، وعليهم كدَره" (٢).
ولو كان السلب على العموم، لما جاز للإمام أن يُدخل الأسلاب في القَسْم ويوقفها لأهلها، إذا كان كل مقتول له قاتل لا محالة، وما أقل ما تطرد أقاويل هذا الرجل إذا انفرد بمقالة!
وأما قسم الخُمُس، فقد كُفيناه بما تكلم به القاضي إسماعيل في كتابه كفاية، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 567
١٦ - قال اللَّه : ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾
قال أبو سعيد الخدري: نزلت هذه الآية يوم بدر، ولم يكن لهم فئة ينحازون إليها، لأن الفئة رسول اللَّه ﷺ ، وهو معهم، فليس يجوز لهم التولي عنه، ولا أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه إذا حضر، ثم زال ذلك في بعوثه، وصار المسلمون بعد بدر ينحازون إلى فئة (١).
وقال ابن عمر: كنت في جيش فلقينا العدو فانحرفنا، فقلنا يا رسول اللَّه: نحن الفَرّارون؟ قال: "بل أنتم العَكّارون، بل أنتم العَكّارون، لا تفعلوا، أنا فئتكم" (٢).
وقال عمر ﵁: أنا فِئَتكم، وأنا فِئة كل مُسلم (٣).
وقال عطاء: هذه الآية منسوخة (٤).
стр. 568
٤١ - قال اللَّه : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾
هذه الآية وواجباتها، في جزء لإسماعيل، فيها كفاية.
* * *
стр. 569
٦٦ - قال اللَّه : ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾
قال ابن عباس ﵁: أُمِروا إذا كانوا عشرين ألا يفِرّوا من مائتين، وأن يثبتوا ويصبروا، ثم خفّف عنهم، فأُمِروا ألا يفرَّ مائة من مائتين، وجعل لقلب المؤمن من القوة ما لرجلين من الكفار، فقال ابن عباس ﵁: إن فرَّ رجلٌ من رجلين فقد فرَّ، وإن فرَّ من ثلاثة فلم يَفِرَّ.
وقال ابن شُبرُمة: والأمر بالمعروف والنهي هكذا، فإذا صبر المسلمون على مِثلَيهم من العدد أورَثهم الصَّبرُ النصرَ، وَفّى اللَّه لهم بما وعد من الغلَبة، وباللَّه التوفيق.
* * *
стр. 570
٦٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾
[سبب النزول]
قال مجاهد: كان عمر بن الخطاب ﵁ يرى الرأي فيوافق رأيه ما ينزل من القرآن، فلما كان يوم بدر شاور رسول اللَّه ﷺ الناس في الأسارى، فقال: لا تقتُلْم، وخذ منهم الفداء، فقال عمر ﵁: اقتُلهم، والإثخان: القتل (١)، فنزلت الآية.
وقال عبد اللَّه بن مسعود -رواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه-: لما كان يوم بدر قال رسول اللَّه ﷺ : "ما ترون في الأسرى؟ "، فقال أبو بكر ﵁: قومُك وأهلك، اسْتَبْقِهم لعل اللَّه أن يتوب عليهم، وقال عمر ﵁: يا رسول اللَّه، كذّبوك وأخرجوك وقاتلوك قدِّمهم نضرب (٢) أعناقهم، وقال عبد اللَّه بن رواحة: يا رسول اللَّه، تنظر واديًا كثير الحطب فأضرمه عليهم نارًا، فقال العباس: ما تقول قَطَعتك رَحِمُك؟ ! قال: فدخل رسول اللَّه ﷺ ولم يرد عليهم شيئًا، فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال أناس: يأخذ بقول عبد اللَّه بن رواحة.
стр. 571
فخرج رسول اللَّه ﷺ وقال: "إنّ اللَّه ليُلَيِّن قلوبَ رجال حتى تكونَ أَلْيَنَ من اللين، وإن اللَّه ليشدِّد قلوبَ رجال حتى تكونَ أشدَّ من الحِجارة، مثَلُك يا أبا بكرٍ مثَلُ إبراهيم ﵇ قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى ﵇ حيث يقول: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، ومثَلك يا عمر كَمَثل نوح صلى اللَّه عليه قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، ومثَلك يا عمر مثل موسى ﵇ إذ يقول: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]، أنتم عالة، فلا يَنفَلتَنّ منهم أحدٌ إلا بفِداء أو ضرب عنُق"، فقال عبد اللَّه -يعني ابن مسعود-: يا رسول اللَّه، إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول اللَّه ﷺ ، قال: فما رأيتني في يوم أخوف مني في ذلك اليوم أن تقع علي الحجارة من السماء، حتى قال الرسول ﷺ : "إلا سهيل بن بيضاء"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآيتين (١).
قال القاضي: فقد كان سبق في علم اللَّه وكتبه فيما جرى به القلم، أن سيحل ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، وأعلمه ذلك، ولم يُنكره عليه، وقد كان سبق الكتاب بالمغفرة لأهل بدر وكلِّ ما فعلوه، وسبقت لهم الشهادة، وسبق حكمه ألا يعذب أحدًا على شيء قبل أن يَتَقَدّم إليهم فيه، ولم يكن تَقدم فيهم، فأخبر أنه لو لم يكن أحلَّها لهم، أو كان قد تقدم بالنهي لعذبهم، لأن الأمم كانت قبلهم لا تَحل لهم الغنائمُ والفداء، فكانوا يحرقونها، بل قيل: كانت نار
стр. 572
من السماء تأتي فتحرقها، ولذلك قال رسول اللَّه ﷺ : "أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، ونُصرتُ بالرعب من مسيرة شهر"، روى ذلك حذيفة بن اليماني، وأبو هريرة، وغيرهما (١).
وكان كلام أبي بكر موافقًا لغيب اللَّه فيهم، فأسلم أُسارى بدر كلُّهم، وحسُن إسلامهم، وحُمِدت مقامتهم، ولم يمُت منهم أحدٌ على كُفر.
* * *
стр. 573
٧٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
قال أبو مالك، قال: قال رجل: نورث أرحامنا من المشركين، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١).
وهذا في المواريث جعلها أبو مالك، ويدخل في هذا المعنى: الموالاة والمعاقدة، فمن والى قومًا ودخل في جملتهم فهو منهم، وإن كان الكفر كلُّه عندنا ملة واحدة، كلهم كافر، فكفرهم يفترق على ضروب: فالنصارى جنس، وهم كفرة ومن تولاهم، فمن لم يلزمه اسم الإيمان فهو منهم، وكذلك اليهود، وكذلك المجوس والصابئون كلهم كافر، وكلٌّ له مذهب في كفره.
وأما قول اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧]، فهم العرب الذين لا يقبل منهم الجزية، ليس فيهم غير القتل أو الإسلام، إلا من دخل منهم في المِلَل المأمور بأخذ الجزية منها قبل البعث، فأولئك منهم وحكمهم كحكمهم، لأنه قد كان في ربيعة النصرانية، وكان في اليمن اليهودية، وكان في تميم المجوسية في طائفة منهم، لاختلاطهم بالأكاسرة، وكانت قريش وكنانة وقيس وعيلان ومن جاورهم عبدة أوثان، فمن بُعث النبيُّ ﷺ وهو من قوم فهو منهم، تؤخذ منهم الجزية كما تؤخذ منهم، ذلك الأمر عندنا، واللَّه أعلم (٢).
стр. 574
٧٥ - قال اللَّه : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
[أساس الموارثة]
هذه الآية ناسخةٌ ما كان قبْلَها من الموارثات بالحلف والهجرة، وصارت الموارثة بالإسلام والمساواة في الملة.
وقد قال بعض العراقيين: إنه يُوَرِّثُ بهذه الآية ذوي الأرحام دون المَوالي فقالوا: لو أن رجلًا أعتق عبدًا، فمات المُعتَقُ وترك مولاه الذي أعتقه، وترك خالته وعمته، أن المال للخالة والعمة دون المَولى.
وإنما نزلت هذه الآية لأنهم كانوا يتوارثون بالحلف، ثم صارت الموارثة بالهجرة بقوله : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦]، فكان الرجل يموت فيُخلِّف ابنًا أو أخًا، ثم يهاجر وابن عم له هجرة، فيرثه دون أولئك.
وكذلك كان بالحلف قبل الهجرة، وكان الرجل يحالف الرجل فيقول: ترثني وأرثك، فلما فُتحت مكة وجاء الناس يدخلون في الإسلام أفواجًا، نسخ اللَّه ذلك بهذه الآية (١)، فصار الناس يتوارثون بالإسلام خاصة، وبطل ما كان قبل
стр. 575
ذلك، وإنما هي في ذوي الأرحام الذين سماهم دون من لم يُسَم، ولا دخَل بالمعنى، ثم بين النبي ﷺ فقال: "فما أبْقَت الفرائض فلأَوْلى عَصَبة ذَكَر" (١).
ولو كان كما قال العراقيون مع قول رسول اللَّه ﷺ : "فما أبْقَت الفرائض فلأَوْلى عَصَبَة ذَكَر"، وقوله: "الولاء لُحْمَة كلُحْمَة النَّسَب" (٢)، لكان ينبغي لهم إذا خَلَّف الرجل ابنَ عمِّ وابنةَ عمٍّ، أن يكون المال بينهما، وكذلك إن خلف عَمًّا وعمَّةً، وكذلك إن خلَّف عمة وابن عم، أن يكون المال للعمة، وكذلك إن خلَّف ابنة وأختًا وابن عم، أن يكون المال كله للبنت أو الأخت، دون ابن عم المتوفى، وهم لا يقولون شيئًا من ذلك، ولو قاله قائل لخالف كتاب اللَّه ، وليس بين المسلمين خلاف علمتُه في ذلك.
وإذا كان هذا هكذا، فقد عَلمنا أن اللَّه سبحانه إنما أراد بالآية ذوي الأرحام الذين يرثون بكتابه، دون غيرهم ممن لا نَسَب بينهم وبين المتوفى، والولاء فقد جعله اللَّه ﵎ على لسان نبيه ﷺ وإذ هو المبيِّن ما أراد اللَّه تَبْيينًا.
وإنما فسر هذه الآية أهل العلم من عروة، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وزيد بن أسلم، وسائر من فسرها بأنها ناسخة لما كان أُجري من الموارثة بالهجرة، وعرفوا أن هذه الآية نزلت وكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار يتوارثون، فارتفع ذلك بعد فتح مكة، وأنزل اللَّه : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ يعني: من أسمى، ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
стр. 576
وزيد بن أسلم شرح القصة من أولها إلى آخرها، وكيف كانت الموارثة بالحِلف الأول ثم صارت بالهِجرة، فكان الرجل إذا هاجر يرثه ابنُ عمه دون ابنه وأخيه، ثم زال ذلك كله.
ولقد توفي مولى لعُمارة بنت حمزة بن عبد المطلب (١) وخلَّف بنتًا، فأعطاها النبي ﷺ النصف، ودفع النصف الآخر إلى عُمارة بنت حمزة.
٣٧ - روى ذلك إسماعيل بن إسحاق قال: نا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أبي فَزارة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد اللَّه بن شداد قال: توفي مولى لعُمارة بنت حمزة، وذكر الحديث.
وقد حُكي عن بعض العراقيين أنه قال في هذا الحديث: إنما أطعمها ذلك طعمة، أفكان قائل هذا القول يتوهم أن النبي ﷺ يطعم إنسانًا مال إنسان آخر؟ ما أعظم هذا القول!
* * *
стр. 577
أحكام القرآن
تأليف
القاضي الفقيه الإمام أبي الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي
المتوفى سنة ٣٤٤ هـ
رواية أبي بكر محمد بن عبد اللَّه الأدفوي عنه
تحقيق
سلمان الصمدي
[الجزء الثاني]
١ - ٢ - قال اللَّه : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾
[عدم البسملة]
نزلت هذه الآيات من أول سورة براءة بالحرب والمُنابَذة، ولذلك لم يكتب في أولها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، لأنها للسِّلم، ولا تُكتب في المُنابذة.
[وقت نزول الآية]
وقد كان نزولُها بعد خروج أبي بكر ﵁ سنة تسع للحجِّ بالناس، لأن النبي ﷺ فتح مكة سنة ثمانٍ عُنوة، واستخلف على الحج سنة ثمان عَتّاب بن أَسِيد (١)، ثم ولّى الحجَّ في سنة تسع أبا بكر ﵁، وكانوا يَحُجون على رُسومهم التي كانوا عليها، ولم يكن فُرض الحج على النبي ﷺ ولا أُمر به، ليعود الزمان كهيئته، وعلى ما حج عليه إبراهيم الخليل ﷺ من مناسكه وأفعاله ورسومه.
وكانت حَجة عَتّاب وحجة أبي بكر في ذي القعدة، في النَّسيء الذي كان في الجاهلية، وكانت الحُمْس تَقِف عند المزدلفة يوم عرفة، وكانت العرب ممن لا وِلادة لها في قريش ولا حِلف تَقِف بعرفات، وكذلك كانوا في حَجّة أبي بكر
стр. 583
-﵁ على ذلك الاختلاف، فأُنزلت سورة براءة، فأَنْفَذ بها رسولُ اللَّه ﷺ عليًّا ليتلو الآيات على الناس في الموضع الذي يجتمع الفريقان فيه، وهو: منى، وينادي في الناس بما أمره به رسول اللَّه ﷺ من: "ألا يحج بعد العام مُشرِك، وألا يطوف بالبيت عُريان" (١)، وكانت العرب تطوف عُراة الرجالُ والنساء، فكانت المرأة تغطي فرجها بيدها وتقول:
اليوم يبدو (٢) بَعضُهُ أو كُلُّهُ ... فما بدا منه فلا أخِلّهُ (٣)
فنادى بذلك عليٌّ، وأعانه أبو هريرة وغيره بالنداء بمنى في مَجمَع الناس وفي سائر أسواقهم، قال علي: أمرني بأربع: "ألا يَقْربَ البيتَ بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأن يُتمم إلى كل ذي عهد عهده" (٤)، وذلك لمن لم يكن نقضَ العهد، فأما من نقض فليس يدخل في ذلك.
قال الزهري، عن حُميد بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر ﵁ فيمن يؤَذِّن يوم النحر بمنى، ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر (٥).
فلم يحج في العام الذي حج فيه رسول اللَّه ﷺ حجةَ الوداع مُشرِك، وأنزل اللَّه تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر ﵁ إلى المشركين: ﴿يَاأَيُّهَا
стр. 584
الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فكان المشركون يوافون بالتجارة فينتفع منها المسلمون، فلما حرم اللَّه على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام، وَجَد المسلمون في أنفسهم مما قُطِع عنهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها، فقال اللَّه : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾، ثم أحل في الآية التي تبعتها الجزية، ولم تكن تؤخذ قبل ذلك، فجعلها عِوضًا مما منعهم من موافاة المشركين لتجاراتهم، فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فلما أَحَقَّ اللَّه ﵎ ذلك للمسلمين، عرفوا أنه قد عاضَهُم أفضلَ مما كانوا وَجَدوا عليه، مما كان المشركون يوافون به من التجارة.
ثم قال ﵎: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وآخرها سَلْخ المحرم، ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وهم الذين لم يكن لهم عهد بقوله: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]، وبقي من لم ينقض العهد إلى مدّته، وهم قوم من كِنانة، وليس هم الذين قاتلوا خزاعة، وذلك في سائر العرب ألا يقبل منهم جِزية، إلا من تمسك منهم بالكتاب، وهم: بنو تَغْلِب، واليهودُ من اليَمانيِّين فلهم حكمهم.
ثم استقر أمر الحج لما فرض على النبي ﷺ وأمر به، ووافق حجه ذا الحجة، ووقف بعرفةَ والمسلمون معه، واستقر الأمر على ذلك.
وفي طوافهم عراة نزلت: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، فأُمروا بستر عوراتهم.
стр. 585
٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾
اختلف المفسرون في يوم الحج الأكبر، فقال الكبراء من الناس: إنه يوم النحر.
وقال قوم: يوم عرفة (١).
وممن قال إنه يوم النحر: علي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، وابن عمر، وابن أبي أوفى، وأبو هريرة، وجماعة كثيرة (٢).
وقال بعض المفسرين: إنه أيام الحج كلها (٣).
وقال بعضهم: الحج الأكبر أريد وهو: الحج، وأن الأصغر: العمرة (٤).
فدل على القول الأول، وأنه هو الصحيحُ، أن النبي ﷺ قال بمنى: "أيُّ يوم هذا؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، فقال: "هو يوم حرام، من شهر حرام، في بلد حرام"، ثم قال: "إن اللَّه حرم دماءكم وأعراضكم وأموالكم، كحرمة يومكم
стр. 586
هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا" (١)، وذلك لا يكون بعرفة، لأنها ليست من الحرم، فزال قول من قال: إنه يوم عرفة.
والآية أيضًا تدل على ذلك، لأن اللَّه قال: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾، والناس بعرفة متفرِّقون، وفي تلك السنة وقف أكثر الناس بالمشعر مع أبي بكر، ومنهم من يأتيها بليل، وإنما يكون الاجتماع للنداء بمنى حيث يجتمع الناس جميعًا ثلاثة أيام، وقال أبو هريرة ﵁: إنه نادى ثلاثة أيام حتى صَحِل صوته (٢).
وأما من قال: إنه أُريد الحج الأكبر لم يُرِد العمرة، وأن العمرة: الحج الأصغر، ففيه: أن اللَّه أوجب حَجَّيْن وهو قصدان، وقد كفانا ذلك رسول اللَّه ﷺ لما سئل: أفي كل عام؟ قال: "لا، ولو قلتُها لوَجَبَت، ولكن مرة واحدة" (٣)، وسئل عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: "لا، ولأن تعتَمِر خيرٌ لك" (٤)، وقال اللَّه سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا في المتطوِّع بهما، فأُمِروا بإتمام ما دَخلوا فيه، وأُعلموا أنْ ليس لهم قطعُه وإن كان متطوعًا به، وسماهما اللَّه تبارك اللَّه باسمين، وكل واحد منهما يقتضي غير ما يقتضيه الآخر، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.
وقال النبي ﷺ : "أفضل الأيام يوم النحر ثم يوم النفر" (٥).
стр. 587
٢٨ - قال اللَّه : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾
معنى هذه الآية ما أَمَر به رسول اللَّه ﷺ أن ينادى به: "ألا يحج بعد العام مشرك" (١)، فكان ذلك نهيًا عن الحج بالاختصار الموجز الذي لا تبلغه فصاحة فصيح، وليس القصدُ في ذلك لدخول المسجد، ولو كان قصَد به المسجدَ لما قيل: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، لأن دخول المسجد يتصل، وليس له وقت بعينه، ولكن لما جعلهم اللَّه أنجاسًا بكفرهم، لم يَجُز إباحة المسجد الحرام لهم، ولا سائر المسجد الحرام، إلا لضرورة، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 588
٢٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾
[حكم قتال نصارى ومشركي العرب]
أمر اللَّه ﵎ (١)، نبيه ﷺ بقتال عَبَدة الأوثان وهم العرب، على الإسلام خاصة، وبقتال (٢) أهل الكتاب وسائر الكَفَرة على الإسلام أو الجِزية.
وقد اختلف في نصارى العرب، فقال قوم: يُلحَقون بعبدة الأوثان من العرب.
وقال آخرون: يَلحَقون مَن انتموا إليه.
وكتاب اللَّه يوجِب إلحاقَهم بهم، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، قال ابن عباس ﵁: كلوا من ذبائح بني تغلب، فإن اللَّه ﵎ [قال] (٣): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] (٤)، فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم.
стр. 589
والذي عليه العمل في مشركي العرب: الإسلامُ أو القتلُ، قال اللَّه ﵎: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، وقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقال: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]، فعُلم أنه لا يجوز أن يستأنف بهم عهد بعد التبرؤ منهم.
وكل ما في القرآن من ذكر المشركين، فإنما عُنِيَ به العرب، قال اللَّه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج: ١٧]، فأُخذت الجزية من هذه الطبقات كلها، إلا مشركي العرب، ولا نعلم سلطان الإسلام بلغ إلى موضع من بلاد الكفار إلا وأهله من إحدى هذه الطبقات.
فأما الزِّنْج (١) ومن أشبههم ممن ليس له ديانة تُعرف، فإن مالكًا قال فيمن سُبي منهم: إنهم يُجبَرون على الإسلام.
* * *
стр. 590
٣٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
روي عن أبي ذر (١)، وجماعة معه عن النبي ﷺ أن الكنز: كل مال مالوه مطلقًا.
وروي عن ابن عمر بالأسانيد الجيد (٢)، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه: "المال الذي لا تؤدى زكاته وحق اللَّه فيه" (٣)، وتابع ابنَ عمر على قوله ابنُ عباس (٤) وجماعةٌ من المفسرين (٥).
والصحيح من ذلك -واللَّه أعلم- أن الكنز هو: المال الذي لا يؤدى حقُّ اللَّه فيه، وقد قال النبي ﷺ : "ما من مال لا تؤدى زكاته إلا أتي بصاحبه يوم القيامة وبماله، فأُحْمِيَ عليه في نار جهنم" (٦)، فنحن نرجو أن يكون هذا هو الحق المفترض فيه من الزكاة، في كل صِنْف من المزكَّيات.
стр. 591
وقد تحدث أمور لا تُحَدُّ ولا يُحَدّ لها وقت، فتجب بها المواساة للضرورة التي تنزل، من ضَيْف مُضْطَر، أو جائعٍ يُعلم أنه مُضطر، أو غاز يُعلم أنه مُضطَر، أو مَيّت يُعلم أنه ليس له من يُواريه، فتجب حينئذ على من تُمكِنه المواساة، المواساة التي يزول بها حدُّ الضرورة، فإن ذلك من حقوق اللَّه في الأموال، ينوب فيه بعضنا عن بعض.
ونرجو أن يكون قول من قال: يكنزه الإنسان ويخلفه غيرَ مضبوط، وذلك أن اللَّه ﵎ قال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقال عز مِن قائل: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، فمحال أن يوصينا فيما نترُكُ، وقد حظر علينا الترك، وجعله كنزًا نعذَّب عليه.
وكيف يكون ذلك كذلك، والنبي ﷺ يقول لسعد: "الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كثير، أو كبير، إنك أن تَدَع ورثتك أغنياء، خير من أن تدَعَهم عالة يتكفَّفون الناس" (١).
وأصحاب رسول اللَّه ﷺ ورحمة اللَّه لهم خلَّفوا الأموال الكثيرة، من الضِّياع وغيرها، عثمان، وعلي، والزبير، وعبد الرحمن وغيرهم، وليس للكنز عندي وجه (٢) إلا المال الذي لا تؤدّى حقوقُ اللَّه فيه، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 592
٣٦ - قال اللَّه تبارك اسمه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾
الأربعة الحُرُم ثلاثة منها متوالية، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورَجَبُ مُضَرَ الذي بين جُمادى وشعبان، وإنما قيل: رجَب مُضَر، لأن ربيعة بن نِزار كانوا يحرِّمون رمضان ويسمونه رجَبًا، وكانت مُضَرُ تحرِّم رجب نفسه، فلذلك قال النبي ﷺ : "الذي بين جمادى وشعبان" (١).
وأما قوله : ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، ففي الشهور كلِّها، لا تظلموا فيهن أنفسكم فتعصوا ربكم، لأن كل نفس ظلم للنفس (٢) وتعريضًا لها وتعرضًا لعذاب اللَّه ، قالت الأنبياء ﵈: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣].
وقد قيل: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، الأربعة الحُرُم لا تقاتلوا فيهن (٣)، وهذا منسوخ بإباحة الحرب في كل الشهور.
والصحيح: أن لا تواقِعوا الخطايا في الشهور كلها، واللَّه أعلم.
стр. 593
٣٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾
روى ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ خطب في حجة الوداع فقال: "يا أيها الناس اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد يومي هذا في هذا الموقف، أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام إلى يوم تلقون ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وإنكم ستلقَون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كلَّ ربًا موضوع، لكم ﴿رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، فقضى اللَّه ﵎ ألا رِبًا، وإن رِبا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضعُ دمَ ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، كان مسترضَعًا في بني ليث فقتلته هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية.
وإن الشيطان قد يئس أن يُعبد بأرضكم، ولكنه أن يطمع فيما سوى ذلك مما تُحاقِرون من أعمالكم فقد رضي، فاحذروه أيها الناس على دينكم.
وإن النسيء ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السماوات والأرض، و ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾، ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، ثلاثة متوالية، ورَجَبُ مُضَر الذي بين جُمادى وشعبان"، وذكر سائر الحديث (١)، ورُوي مثلُ ذلك عن جماعة.
стр. 594
وأصل النسيء إنما كان رجل من بني كنانة ثم من بني فُقَيم، يُعرف بالقَلَمَّس، واسمه حُذيفة نَسَأَة، فقال فيه الشاعر:
ومنا مُنْسِيءُ الشهور القَلَمَّسُ
وكان اسمه: حُذيفة، وهو من بني فُقَيم، وكان ملِكًا فيهم، وكانت العرب لا تقاتل في الشهر الحرام، فكان إذا أراد القتال أَحل الشهر الحرام وقاتل فيه، واستحله وأبدل مكانه، ثم أبدل الحج لحاجته إلى الحرب، وكان يُحِل في الشهر الحرام دماء طيء وخَثْعَم، لأنهما كانا لا يريان الحج من بين سائر العرب، وكانت العرب كلُّها تَحُج البيتَ، وتُعَظّم الشهور الأربعة التي حرمها إبراهيم ﵇؛ وكانوا يحجون في ذي الحجة على الاتباع لأفعال إبراهيم ﵇ حتى حدَث النَّسيء، وكان القَلَمَّس لما غيَّر الحج وغير الشهور الحرُم يقول: "إني [ما] (١) أُحِلُّ شهرًا إلا حرمت مكانه شهرًا"، فكانت العرب كذلك ممن كان يَدين للقَلَمَّس، فكان يخطب فيقول: "اللهم إني لا أُعاب ولا أُخاب، ولا مَرَدَّ لِما قضَيتُ، اللهم إني قد أحللت دماء المحلين من طيء وخَثعم، فمن لقيهما فليقتلهما"، فيرجع الناس وقد أخذوا بقوله.
فكان حذيفة على ذلك، ثم خلفه ابنُه عبّاد بن حذيفة، ثم خلفه ابنه قَلْع بن عبّاد، ثم أمية بن قَلْع، ثم عوف بن أمية، ثم جُنادة بن عوف، فحج النبي ﷺ حجة الوداع وجُنَادة صاحب ذلك، فأبطل النبي ﷺ ما كان جُنَادة يفعله، وَحَرّمَ الشهورَ على ما كانت في عهد إبراهيمَ ﵇، ورَدَّ الحج إلى ما كان عليه مقتديًا بجده إبراهيم ﷺ ، ووقف الأمر على ذلك واستقام وأبطل النسيء، وحبس اللَّه ﵎ نبيّه ﷺ عن الحج فيما يأمره به، ولم يوجبه عليه حتى دار الزمان وزال النسيء، وقال ﵎ عند ذلك:
стр. 595
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وزال الجدال، فلا حَجّ إلا على شريعة إبراهيم ﵇، وقال ﵇: "خذوا عني مناسككم" (١).
وكان حج عَتَّاب وحجة أبي بكر في سنة تسع في ذي القعدة على ما كانوا عليه، فبعث النبي ﷺ أبا بكر ليقيم الموسم والعرب على أمرهم، ونزلت براءة بعد خروج أبي بكر بثلاث، فأنفذ بها عليًا وحمَله على ناقته العَضْباء وعهد إليه، فأدرك أبا بكر ببعض الطريق، فقال له أبو بكر: أميرٌ أو مأمور؟ فقال: بل مأمور، فمضيا، فأقام أبو بكر ﵁ للناس يوم الحج، حتى إذا كان يوم النحر صرخ عليٌّ بأعلى صوته، فقال: يا أيها الناس، إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ومن كان له عند رسول اللَّه ﷺ عهد فهو إلى مدته (٢).
وكانت قريش أدارت بينها رأيًا يكيدون به العرب، فابتدعوا بينهم أن قالوا: أنتم وُلاة هذا البيت وأهله دون الناس، فلا تعظِّموا سواه، فكانوا يقِفون بالمزدلفة، وتركوا الموقف بعرفة، لأنه من الحِلّ، وكانت عرفة من عهد إبراهيم وشعائره، وكانت العربُ غير الحُمْس تقف بعرفة، فأمر اللَّه تعالى نبيّه ﷺ أن يُفيض من حيث أفاض الناس، فرجع الأمر إلى عرفة.
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَلَا (٣) جِدَالَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، إنما هو لا جدال في الوقوف بعرفة، وأن الحج في ذي الحجة، فقد ارتفع الجدال في ذلك، وقيل لقريش: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، فأُلزِموا ذلك، وأزيل النسيء (٤) الذين كانوا يحجون في المُحرَّم سنتين، وفي صفر سنتين، وفي كل شهر سنتين.
стр. 596
[تأخير المستطيع الحجَّ]
وزعم الشافعي أن للإنسان أن يؤخر حجّة الإسلام المفروضة عليه وهو ممن يستطيع الحج، لأن النبي ﷺ لم يحجَّ بعد فتح مكة عامين (١)، فتكلم بكلام من لا يعرف للَّه ﵎ ولا لرسوله حقَّهما، وإنما كان النبي ﷺ عبدًا مأمورًا يفعل ما أمره به ربه ، ولا يتقدّم بين يدي اللَّه ﵎ بشيء، فلم يأمره اللَّه تعالى بالحج حتى قطع ما أراد قطعه من عهود المشركين، وأُمر بالبراءة منهم، وأن ينادي بذلك سنة تسع، لكي لا يقف مع النبي ﷺ كافر، ودار الحج إلى الشهر الذي جعل اللَّه فيه الحج، وحج فيه أبوه إبراهيم ﵉، وهو ذو الحِجة، فكان هذا أمر أراده اللَّه ﵎ بنبيه ﷺ ، وأن يكون باقيًا بعده ما دام الإسلام، لا يُغيَّر ولا يُبدَّل، وهذا ما يعلمه كل من له لُبّ أن التأخير كان لهذه الأشياء.
فإن كان الذي رخص له الشافعي في تأخير الحج المفترَض عليه وهو مطيق له، يتوقع من اللَّه أمرًا (٢) يمتثله قِيسَ أَمْرُه عليه، وإلا فكيف يجترئ من له
стр. 597
تقوى أن يُسَهِّل للناس مثل هذا، وقد قال النبي ﷺ : "مَطْل الغنيِّ ظُلم" (١)، وقال: "من ملك الزاد والراحلة واستطاع الحج، ولم يحج فليمت يهوديا أو نصرانيًا" (٢)، رواه أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي ﷺ ، ورواه علي بن سابط، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ (٣)، وروي عن عمر قوله بمثل ذلك.
وقال النبي ﷺ : "حُجّوا قبل ألا تحُجّوا" (٤).
وقد احتج بعض أصحابه في ذلك بأن قال: قد تجب الصلاة بأول الوقت، ويجوز تأخيرها إلى آخر الوقت، والمُفطِر بالمرض في شهر رمضان يلزمه القضاء، وقد يجوز له أن يؤخِّره.
فقلنا له: المُفطِر بالمرض عليه القضاء، ونحن نأمره به في أول الوقت الذي يُمكِنه فيه، ومباحٌ له تأخيرُه إلى وقت معلوم وهو: أن يبقى إلى شهر رمضانَ مقدارُ ما يَفرُغ من القضاء قبل دخول الشهر، وكذلك الصلاة عند دلوك الشمس إلى ظِلّ المِثل، فإن ماتا قبل ذلك لم يكونا حَرِجَين ولا عاصيين للَّه ، ومُؤَخِّرُ الحج ليس يؤخِّره من وقت إلى وقت، لأن إيجابه قد لزم بشرط القدرة، وقد علمنا أن عائشة ﵂ كانت تقضي رمضان في شعبان (٥)، وإنما كانت
стр. 598
تؤخره إلى شهر كان رسول اللَّه ﷺ يَصومُ أكثرَه، ليوافِقَ صَومُها عن الفرض صومَه التطوعَ به، وقد قال اللَّه : ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة: ١٨٤]، فجعل الأُخَر في باقي السنة إلى شهر رمضان، واللَّه أعلم.
وقد يؤخر الإنسانُ الحجَّ خمسين سنة بهذا الترخيص فيموت، فإن جاز ما قال الشافعي فليس يأثم ولا حرج، لأنه له أن يؤخر، ويصير قول النبي ﷺ وقول عمر ﵁ لا فائدة فيه، ونعوذ باللَّه من أن نقول ذلك، ومن كل ضلالة.
وقد اتفقنا أن مؤخِّر الصلاة إلى آخر الوقت لا يُقضى عنه إن مات، وزُعم عنه: أن تارك الحجِّ يُحَج عنه من ماله وإن لم يوص به (١)، وقد تكلمنا في هذه المسألة في كتاب مفرد بما يغني عن الإطالة.
* * *
стр. 599
٤١ - قال اللَّه ﵎: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾
[حكم الجهاد]
الجهاد فرض على الكافَّة، لا يجوز أن يتركه الناس كلهم، وليس بواجب على كل إنسان منهم، إلا أن تنزل الحاجة إلى ذلك، فيجب الجهاد حينئذ على من كان من المسلمين يُحتاج إلى جهاده وقتاله في تلك الحال.
وكذلك طلب العلم فرضٌ على الناس كافَّة، ينوب فيه بعضٌ عن بعض، وما يكون منه (١) ففرض على كل إنسان في نفسه، لا يجوز أن يتَّكل فيه على غيره علم حاله.
فأما الطهارة والصلاة، ففرض على كل إنسان في نفسه تعلُّمها (٢)، لأنه يستوي فيهما الناس، فإذا دارت حال الإنسان إلى أن يكون إمامًا، وجب عليه أن يتعلم ما يلزمه من (٣) يؤم، زيادة على ما كان عليه في نفسه، فإذا رُزق ما يحُجّ به، وجب عليه أن يتعلم أحوال الحج، وكذلك الزكاةُ، وكلَّما وجب عليه شيء، وجب عليه تعلم ذلك الشيء بعينه.
وأما الجهاد فيكفي بعضُ الناس بعضًا، فإذا دعت ضرورةٌ وجب على الناس جميعًا، ولم يستأذن أحدٌ أباه ولا أمه.
стр. 600
وأما قوله: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، فقيل: شبابًا وشيوخًا (١).
وقيل: من له عيال ومن لا عيال له.
وكان أبو طلحة، وأبو أيوب الأنصاريان يقولان: شُيوخًا وشبابًا (٢)، وكانا لا يدعان الغزوَ حتى ماتا، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.
* * *