[تأخير المستطيع الحجَّ]
وزعم الشافعي أن للإنسان أن يؤخر حجّة الإسلام المفروضة عليه وهو ممن يستطيع الحج، لأن النبي ﷺ لم يحجَّ بعد فتح مكة عامين (١)، فتكلم بكلام من لا يعرف للَّه ﵎ ولا لرسوله حقَّهما، وإنما كان النبي ﷺ عبدًا مأمورًا يفعل ما أمره به ربه ، ولا يتقدّم بين يدي اللَّه ﵎ بشيء، فلم يأمره اللَّه تعالى بالحج حتى قطع ما أراد قطعه من عهود المشركين، وأُمر بالبراءة منهم، وأن ينادي بذلك سنة تسع، لكي لا يقف مع النبي ﷺ كافر، ودار الحج إلى الشهر الذي جعل اللَّه فيه الحج، وحج فيه أبوه إبراهيم ﵉، وهو ذو الحِجة، فكان هذا أمر أراده اللَّه ﵎ بنبيه ﷺ ، وأن يكون باقيًا بعده ما دام الإسلام، لا يُغيَّر ولا يُبدَّل، وهذا ما يعلمه كل من له لُبّ أن التأخير كان لهذه الأشياء.
فإن كان الذي رخص له الشافعي في تأخير الحج المفترَض عليه وهو مطيق له، يتوقع من اللَّه أمرًا (٢) يمتثله قِيسَ أَمْرُه عليه، وإلا فكيف يجترئ من له
стр. 597
تقوى أن يُسَهِّل للناس مثل هذا، وقد قال النبي ﷺ : "مَطْل الغنيِّ ظُلم" (١)، وقال: "من ملك الزاد والراحلة واستطاع الحج، ولم يحج فليمت يهوديا أو نصرانيًا" (٢)، رواه أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي ﷺ ، ورواه علي بن سابط، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ (٣)، وروي عن عمر قوله بمثل ذلك.
وقال النبي ﷺ : "حُجّوا قبل ألا تحُجّوا" (٤).
وقد احتج بعض أصحابه في ذلك بأن قال: قد تجب الصلاة بأول الوقت، ويجوز تأخيرها إلى آخر الوقت، والمُفطِر بالمرض في شهر رمضان يلزمه القضاء، وقد يجوز له أن يؤخِّره.
فقلنا له: المُفطِر بالمرض عليه القضاء، ونحن نأمره به في أول الوقت الذي يُمكِنه فيه، ومباحٌ له تأخيرُه إلى وقت معلوم وهو: أن يبقى إلى شهر رمضانَ مقدارُ ما يَفرُغ من القضاء قبل دخول الشهر، وكذلك الصلاة عند دلوك الشمس إلى ظِلّ المِثل، فإن ماتا قبل ذلك لم يكونا حَرِجَين ولا عاصيين للَّه ، ومُؤَخِّرُ الحج ليس يؤخِّره من وقت إلى وقت، لأن إيجابه قد لزم بشرط القدرة، وقد علمنا أن عائشة ﵂ كانت تقضي رمضان في شعبان (٥)، وإنما كانت
стр. 598
تؤخره إلى شهر كان رسول اللَّه ﷺ يَصومُ أكثرَه، ليوافِقَ صَومُها عن الفرض صومَه التطوعَ به، وقد قال اللَّه : ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة: ١٨٤]، فجعل الأُخَر في باقي السنة إلى شهر رمضان، واللَّه أعلم.
وقد يؤخر الإنسانُ الحجَّ خمسين سنة بهذا الترخيص فيموت، فإن جاز ما قال الشافعي فليس يأثم ولا حرج، لأنه له أن يؤخر، ويصير قول النبي ﷺ وقول عمر ﵁ لا فائدة فيه، ونعوذ باللَّه من أن نقول ذلك، ومن كل ضلالة.
وقد اتفقنا أن مؤخِّر الصلاة إلى آخر الوقت لا يُقضى عنه إن مات، وزُعم عنه: أن تارك الحجِّ يُحَج عنه من ماله وإن لم يوص به (١)، وقد تكلمنا في هذه المسألة في كتاب مفرد بما يغني عن الإطالة.
* * *
стр. 599
٤١ - قال اللَّه ﵎: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾
[حكم الجهاد]
الجهاد فرض على الكافَّة، لا يجوز أن يتركه الناس كلهم، وليس بواجب على كل إنسان منهم، إلا أن تنزل الحاجة إلى ذلك، فيجب الجهاد حينئذ على من كان من المسلمين يُحتاج إلى جهاده وقتاله في تلك الحال.
وكذلك طلب العلم فرضٌ على الناس كافَّة، ينوب فيه بعضٌ عن بعض، وما يكون منه (١) ففرض على كل إنسان في نفسه، لا يجوز أن يتَّكل فيه على غيره علم حاله.
فأما الطهارة والصلاة، ففرض على كل إنسان في نفسه تعلُّمها (٢)، لأنه يستوي فيهما الناس، فإذا دارت حال الإنسان إلى أن يكون إمامًا، وجب عليه أن يتعلم ما يلزمه من (٣) يؤم، زيادة على ما كان عليه في نفسه، فإذا رُزق ما يحُجّ به، وجب عليه أن يتعلم أحوال الحج، وكذلك الزكاةُ، وكلَّما وجب عليه شيء، وجب عليه تعلم ذلك الشيء بعينه.
وأما الجهاد فيكفي بعضُ الناس بعضًا، فإذا دعت ضرورةٌ وجب على الناس جميعًا، ولم يستأذن أحدٌ أباه ولا أمه.
стр. 600
وأما قوله: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، فقيل: شبابًا وشيوخًا (١).
وقيل: من له عيال ومن لا عيال له.
وكان أبو طلحة، وأبو أيوب الأنصاريان يقولان: شُيوخًا وشبابًا (٢)، وكانا لا يدعان الغزوَ حتى ماتا، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.
* * *
стр. 601
٦٠ - قال اللَّه : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، الآية
كان عمر بن الخطاب، وحذيفة بن اليمان، وعبد اللَّه بن عباس ﵁ يقولون: في أيِّها وُضع أجزأ (١).
وكان عمر ﵁ ربما وضعها في الصِّنْف الواحد، ولم نجِد لهم مُخالفًا من الصحابة.
وقال ابن جُبير: إنما أَعلمَ اللَّهُ وعَلَّم الوجوهَ التي تُصرف فيها الصدقات (٢).
وقال عطاء، وإبراهيم، والحسن، وابن شهاب، وجماعة: في أيِّها وضِعت فيها الحاجة أجزأ ذلك (٣)، إلا أن إبراهيم قال: إلا في الرقاب، فإنه يصير له الولاء.
قال بكر: ونحن نقول: الوَلاء لجُملة المسلمين (٤).
وقال الشافعي: إنها أَثمانٌ، ثم ناقض بأن قال: ما بقي من سَهم العامِلين يُرد على سائر السِّهام (٥).
وقد تكلَّمنا في هذه المسألة مع قَسْم الخُمُس بما فيه كفاية.
стр. 602
[إعطاء أهل الكتاب الزكاة]
وبقي في هذه الآية قول بعض العراقيين، فإنه زعم أنه يُعطى من الصدقات المفروضة أهل الكتاب في فقرائهم، ومن زكاة الفطر.
وقال أكثر المفسرين: إنهم لا يُعطَون إلا من التطوع، وهذا موافق لمعنى الآية، لأنه قال عز مِن قائل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، فذكر الفقراء والمساكين بالحال التي هم فيه، ثم قيل: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا [وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ] (١) وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، لشيء (٢) في أنفسهم من طريق منافع الدنيا، ووصف المؤلفة قلوبهم بالتأليف على الإسلام، فكان الجميع لمصالح الإسلام والمسلمين.
وقال النبي ﷺ : "خُذها من أغنيائهم، واردُدْها على فقرائهم" (٣)، فلما لم تكن تؤخذ إلا من المسلمين، كان قولُه: "فقرائهم" هم المسلمون.
[سهم المؤلفة قلوبهم]
وقال أبو سعيد الخدري: إن عليًّا ﵀ قدم من اليمن بذهيبة، فقسمها النبي صلى اللَّه عليه بين أربعة من المؤلفة: الأقرع بن حابِس التميمي، وعُيَيْنة بن حصن الفزاري، وعلقمة الجعفري، وزيد الخيل الطائي (٤)، وكانت جميع ما جاء به، فآثر به صنفًا واحدًا.
стр. 603
وقد قال بعض الناس: إن التأليف قد انقطع (١)، واحتج بأن عمر ﵁ قَطع عن المؤلفة الذين كانوا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وإنما قطع عنهم لما استغنى عنهم، وحكم التألُّف ثابت إذا احتيج إليه لرؤساء يُتألَّفون فيَدْخُل في الإسلام بدخولهم أتباعُهم، فهذا جائز غير منسوخ، باقٍ في حكم الآية عند الحاجة إلى ذلك (٢).
وأما شرح الفقراء والمساكين، فإن الفقير والمسكين واحدٌ وهما فَقيران، إلا أن المسكين مأخوذ من السكون، وهو الذي يسأل فتظهر عليه الذِّلة من جُملة الفقراء.
* * *
стр. 604
٧٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾
قال الحسن: جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين باللسان والحدود (١).
وهذا قولٌ حسنٌ، ألا تراه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف: ٩] فأظهره بالحُجة.
وقد قيل: ما مات رسول اللَّه ﷺ حتى أُذن له في قتال المنافقين وقتلهم، واللَّه أعلم بصحة ذلك.
وقد كان قال لعمر ﵁ العذر في تركهم: "ألا يقول الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه" (٢)، وكان المسلمون قليلًا، ألا تراه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف: ٩]، فأظهره بالحُجة.
* * *
стр. 605
١١٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية
[الاستغفار للمشركين]
كان قوم يستغفرون لآبائهم الذين توفوا في الجاهلية، ويحتجون بقول إبراهيم لأبيه: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، فكان يستغفر له، وذهب عنهم قوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، يعني ترك الاستغفار، وقوله في هذه الآية أيضًا: ﴿وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وليس يتبيّن ذلك إلا بعد الموت، وإنما أَيِس إبراهيم ﵇ لما مات أبوه، فيجوز للإنسان أن يدعوَ لأبويه الكافرين ما داما باقِيَين، يرجو من اللَّه أن يتوبَ عليهما ويرزقهما الإسلام، فإذا ماتا على كفرهما حَرُم ذلك عليه، لأن الآية فيمن مات على كفره.
وأما قوله: ﴿لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، إنما ذلك لأن النبي ﷺ كان يشكر أفعال أبي طالب فقيل: إنه لما مات قال: "رحمك اللَّه، فلقد كنت ولقد كنت" (١)، فلما رأى المسلمون ذلك استغفروا لآبائهم، فنزلت الآية، وما الإسناد في ذلك بالقوي.
стр. 606
والأقوى في ذلك، أن قومًا تأوَّلوا استغفارَ إبراهيم ولم يتأمّلوا ما بعد ذلك فنزلت (١)، تعني إبراهيم، ومن استغفر متأوِّلًا لأمر إبراهيم، ألا تراه عَقَّب بعد ذلك بأن قال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾، فقصّ القصة وتبريه بعد ذلك.
* * *
стр. 607
ومن سورة يونس
стр. 608
٨٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾
قال ابن عباس: كانوا في أول الإسلام خائفين، فقيل لهم: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، يريد أي: مصلًّى تُصَلون فيها (١)، وقال ذلك جماعة من المفسرين: أُمِروا أن يصلوا في بيوتهم (٢)، وكان ذلك إلى أن أسلم عمر بن الخطاب ﵀.
* * *
стр. 609
سورة هود ﵇
стр. 610
١١٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَأَقِمِ (١) الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية
قوله عزَّ مِن قائل: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: الغداةُ والعصر (٢).
﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: عِشاء الآخرة (٣).
وقيل أيضًا: المغرب وعِشاء الآخرة (٤).
وقيل: الفجر وصلاة العشاء (٥).
﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: المغرب والعشاء.
وكان ابن عباس ﵁ يستحب بقوله: (زلفًا) تأخير عِشاء الآخرة (٦)
وقال بعضهم: هو أمرٌ بالصلوات الخَمس.
стр. 611
١١٤ - وأما قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾
فهنَّ الصلوات الخمس يُذهِبن السيئات (١)، ألا ترى أن النبي ﷺ قال: "مَثل الصلوات الخمس كمَثل نهرٍ يجري على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقى من درَنه" (٢)، والروايات عن رسول اللَّه ﷺ في هذا المعنى كثيرة.
* * *
стр. 612
ومن سورة يوسف ﵇
стр. 613
٢٠ - قال اللَّه : ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾
ليس في ذكر عدد الدراهم واختلافِهم فيها فائدة، إلا أن معنى ﴿بَخْسٍ﴾: أنها قليلة نَزْرَة (١)، دون ما يساوي مثله لو كان عبدًا وحَلَّ بيعه.
وقالوا في ﴿مَعْدُودَةٍ﴾: عشرين درهمًا، وغير ذلك من نقصان وزيادة، والمعنى فيه: أن الدراهم كانت تُعَد ولا توزَن (٢).
﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾: غير مُريدين لشِرائه.
وقيل: وأظهرت الواردة البائعة له زهدًا فيه، فهذا ما ذُكر في ذلك.
[ولاء اللقيط]
واختلف قوم في اللَّقيط؛ فقال قوم: هو مَملوك.
وقال آخرون: هو حُرّ، وهو المعمول عليه، والذي عليه أهل العلم (٣).
стр. 614
ثم اختلفوا في الولاء، فقال قوم: الولاء لمن التقطه، وذكروا أن عمر ﵀ قال: لك ولاؤه وعلينا نفقته (١).
فأما قول من قال: إن اللقيط عبد لمن التقطه فلا وجه له، لأنه لا يخلو، أن يكون ابن مملوكةٍ فهو لمَولاها، لا يحِلُّ لملتقِطه أن يتملَّكه، أو يكون ابنَ حرة فهو حر.
وأما قول عمر: لك ولاؤه، يريد ولايته والقيامَ به، والثوابَ على تربيته، وعلى بيت المال نفقتُه.
وروي عن عائشة وابن عمر في أولاد الزنا: أعتقوهم وأحسنوا إليهم، لم فإن مخرجه في أمر الحرية، على الإعلام لهم بأنهم أحرار، وهذا جائز في الكلام كقول النبي ﷺ : "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا يشتريه فيعتقه" (٢).
[مِلك الولدِ أباهُ والوالدِ ابنَهُ]
وليس يجوز بقاء مِلْكِ الوَلَد على الوالد، ولا مِلْك الوالد على الولد، لأنه يتنافى أن يكون أبًا عبدًا، أو ابنًا عبدًا، ألا ترى اللَّه قال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقال ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ
стр. 615
عَبْدًا﴾ [مريم: ٩١ - ٩٣]، فإذا كان هذا في الولد فهو في الأب أولى، لنعمة الأب وما أوجبه اللَّه من حقِّه، فقرنه بنفسه فقال: ﴿اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤].
وأما [ما] (١) رواه سُنَيْن أبو جَميلة (٢)، عن عمر ﵁، فهو كلام مفهوم، قال عمر ﵁: "هو حرٌّ"، فأخبر بالحرية، "ولك ولاؤه": القيام بأمره، ولو كان حُرا بإعتاق عمر ﵀ لكان الولاء لمن أعتق، ولا يجوز هبة الولاء لنهي النبي ﷺ عن ذلك (٣)، فهو مولى لجميع المسلمين، ونفقته من بيت مال المسلمين.
* * *
стр. 616
٢٥ - ٢٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾، الآية
قال مجاهد وابن أبي بَزَّة: الشاهد هو القميص، وقدُّه من دُبُر (١).
وقال ابن جبير: صبي في المَهْد.
وقال هلال بن يِشاف (٢) مثله، وقال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة، هذا أحدُهم (٣).
وقال ابن عباس ﵁: كان رجلًا ذا لحية (٤).
وقال الحسن: رجل له فقه وعلم (٥).
وقال عكرمة: رجل من أهلها ذو رأي (٦).
стр. 617
وتابع على كل قوله من ذلك قوم من المفسرين.
وقال الشعبي: كان في قميص يوسفَ ﵇ ثلاثُ آيات: جاءوا على قميصه بدم كذب، فعلم يعقوب أنه كذب على الذئب، وأنه لو كان من فعل الذئب لخَرَق القميص، والثانية: أن تَخْريقَهُ من دُبر، ونجاتُه بذلك وبقول الحكيم فيه، والثالثة: أن ألقي على وجه يعقوب فارْتَد بصيرًا.
وقصة يوسف ﵇ توجب القضاء فيما لا تحضره البينة بالدلائل والعلامات في مثل: اللُّقطَة (١)، ومثل: إغلاق الباب، وإرخاء السُّتُر، وفي شهادة الصبيان في الجراح، وذلك دليل للشهادة، وهو غيرُ مخالف لقوله: "البينة على المدعي واليمين على المنكِر" (٢)، لأنه لا يقال البينة على المدعي إلا في موضع يُمْكِن فيه البينة، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة، وأن شريحًا وإياسَ بن معاوية حكما بالعلامة.
[شرع من قبلنا]
فإن قال قائل: إن تلك الشريعة لا تلزمنا.
قلنا له: كل ما أنزله اللَّه علينا فإنما أنزله لفائدة فيه ومنفعة لنا، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فآيات يوسف ﵇ مقتدًى بها معمول عليها، واللَّه أعلم.
стр. 618
٧٢ - قال اللَّه : ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾
قال قتادة: حميل.
الثوري: كفيل (١).
والكفيل والحميل: من تكفل بغيره، أو تحمل عن غيره، وهذا رجل ضمن عن نفسه، وقال الشاعر:
فلست بآمرٍ فيها بسَلْم ... ولكني على نفسي زَعيمُ
بغزو مثل ولْغ الكلب حتى ... تبوءَ بصاحبي ثأرٌ مُنيمُ (٢)
وقال آخر:
فإني زعيم إن رجعت مُسَلّمًا ... بسَيْر تَرى منه الفُرانِقَ أزْوَرا (٣)
أي: ضامن لذلك.
[حكم الجُعالة]
وإنما ينبغي أن يحتج بهذه الآيات في باب: الجُعْل (٤)، وأنه جائز أن يقول الرجل: من فعل كذا فله كذا.
стр. 619
[حكم الكَفالة]
وأما الكفالة فمأخوذ من غير هذا الموضع، لأنه رجل فعل معروفًا إلى رجل وضَمِن عنه شيئًا أوجبه على نفسه، قد يمكن أن يغرمه ويمكن أن لا يغرمه.
ولم يدخل في باب الغَرَر الذي نُهي عنه، لأن الغَرَر يدخل في باب المُخاطَرة والقمار، لأن كلَّ واحدٍ منهما يؤمِّل أن يأخذ من مال صاحبه شيئًا بغير حق، والضّامِن ليس يأخذُ شيئًا، وإنما هو مُصطنِع معروفًا، يمكن أن يغرم ويمكن ألا يغرم، فلزمه ما شرط على نفسه، إذ لم يخالِف كتابًا ولا سُنة، وإن دفع شيئًا رجَع به على من ضمِنه عنه.
* * *
стр. 620
٨٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ ٥٩ - وقولُه: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾
[أجرة الكَيّال]
أجرة الكَيّال عندنا على البائع بهذه الآية، كذلك قال مالك بن أنس ﵁ (١)، لأن الرجلَ إذا باع الرجلَ قَفيزًا (٢) من طعامه، فقد أَوجَب العقدُ على البائع أن يَصُّر القفيزَ بعينه ويَحوزَ لصاحبه، وذلك لا يكون إلا بالكيْل، وكذلك الوزن فيما يُباع وزنًا، وكذلك فيما يُعَد عَددًا، وكذلك فيما يُذْرَع، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 621
ومن سورة الرعد
стр. 622
٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾
قال ابن عباس ﵄: ما ينقص عن التسعة وما يزيد عليها (١)، وقاله جماعة من أصحابه (٢).
وقال بعضهم: الحيضُ على الحمل، وقالوا: زيادة الحيض ونُقصانه (٣).
وأصحُّ المعاني في ذلك: أن غَيض الأرحام وزيادتُها هو في الحيض خاصّة، وأن الحامل تحيض على الحمل.
[هل تحيض الحامل ؟ ]
ومن قال: إن الحامل لا تحيض (٤)، فقد أقدم على غَيب من غيب اللَّه لا يعلمه إلا اللَّه، لا يجوز أن يقوله إلا بكتاب أو بسُنّة، وكل دم يخرج من الرَّحِم فهو حَيْض أو نِفاس، وأما دم الاستحاضة فإنما هو عِرْق، كما قال النبي ﷺ (٥)، وقد قال النبي ﷺ في سبي أَوطاس ما يوجب أن الحامل تحيض، قال:
стр. 623
"لا توطأ حائل حتى تحيض، ولا حامل حتى تضع" (١) يريد: وإن حاضت، لأنه لو كانت الحامل لا تحيض لاستغنى بالقول الأول: "لا توطأ امرأة حتى تحيض"، لأن الحامل والحائل إنما يجوز وطؤهما بعد الحيض، والنفاس: حَيْضٌ زادت أيامه، ولا يجوز الوطء أيضًا حتى تطهران، فكان القول الأول كافيًا، فأُعلِمنا أن الحيض لا يُبرِئُها حتى تضع.
وقد قالت عائشة ﵂ وغيرُها: إن الحامل إذا رأت الدم تدع الصلاة (٢).
والأغلب في النساء أنهن لا يَحِضْن على الحمل، والأغلب فيهِنّ أنهن يحملن تسعة أشهر، فإذا حاضت على الحمل كانت كمن حملت سنتين وثلاثًا وأربعًا، حُكم لهما بحكمهما.
وإذا انفردت أخرى بارتفاع الحيض من غير سبب، نُظر في ذلك بما قال عمر بن الخطاب ﵁ (٣)، وباللَّه التوفيق.
* * *
стр. 624
سورة إبراهيم ﵇
стр. 625
٢٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾
قال بعضهم: غدوة وعشية (١).
وقال آخرون: الحين ستة أشهر (٢).
وقال آخرون: كل عام (٣).
فمن قال: غُدوة وعشية، فالآية لا تحتمِله، ومن قال: ستة أشهر، أراد منذ تُطْلِع النخلة (٤) إلى أن تُصْرَم، يريد: تُجَدَّ (٥)، ومن قال ذلك أيضًا يريد منذ تَجَدُّ النّخل إلى أن تُطْلِع.
ومن قال: سنة، فهو القول الصحيح، وهو سَنة زَمانِيّة شمسية، وإنما هو من الطلع إلى الطلع، أو من الأكل من التمر إلى الأكل، أو من الجَداد إلى الجَداد، فهذا معنى الآية، واللَّه أعلم.
стр. 626
سورة الحجر
стр. 627
٧٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
أقسم اللَّه بحياة نبيه ﷺ وشَرَّف، كذلك قال من فسرها، وهو معناها في اللغة.
وأما قوله سبحانه: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فمعناه: يترددون في حَيرتهم.
قال إِسماعيل: العَمْر والعُمْر واحد، والرجل إذا قال: لَعمري فقد قال: وَحياتي.
وليس ينبغي للناس أن يُقسموا إلا باللَّه ﷻ ، فأما الرب ﵎ فإنه يُقسم بما شاء، وليس يقسم إلا بما هو خلق من خلقه، وأجل ما أقسم به من خلقه عبده نبينا ﷺ وزاده شرفًا.
* * *
стр. 628
ومن سورة النحل
стр. 629
٦٧ - قال اللَّه جل وعلا: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾
قال ابن عباس ﵁: الرزق الحسن: ما أُحِلَّ من ثمرتها، والسَّكَر: ما حُرِّم من ثَمرتها (١).
وقاله سعيد بن جبير (٢)، وإبراهيم، والشعبي، وابن أبي ليلى، وذكره إبراهيم عن عبد اللَّه.
وقال إبراهيم، والشعبي، وأبو رَزِين: السَّكَر: خمر (٣).
وقال عكرمة: السَّكَر: الحرام، والرزقُ الحَسن: الحلالُ.
وقال الحسن وجماعة: السَّكَر: الخمرُ قبل أن تُحَرّم، وقالوا: هي منسوخة، وسورة النحل مكية (٤).
ولنا في هذه الآية وصفُ ما كان القوم يفعلون، ثم لما وقع التحريم عُلِم بهذه الآية أن الخمر من هاتين الشجرتين، وقد شرحنا ذلك في كتاب الأشربة.
стр. 630
٧٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآيتان
قال ابن عباس: قوله عز مِن قائل: ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]، قال: عثمان بن عفان ﵁ (١).
وتكلم المفسرون فيها، فقال بعضهم: اللَّه ﵎ الآمر بالعدل (٢).
وقال بعضهم: الأبكم، الصنم (٣).
والصحيح ما قاله ابن عباس ﵁ أن هذه الآية نزلت في عبد بعينه وسَيِّدِه، وأن العبد لم يكن له مال، وأن سيدَه كان له مال يُنِفق منه، وأن الآية الأخرى نزلت في رجل بعينه لم يكن له مال، وكان كَلًّا على مولاه، والمولى في هذا الموضع: الولي من أخٍ أو ابنِ عمٍّ.
[طلاق العبد]
وقد تأول قوم بهذه الآية: أن الطلاق -إذا تزوّج العبد- بيد السيد، وأن بيعَ الأمة طلاقُها (٤)، وهذا خطأ كبير، لأنه لو كان كذلك لكانت بَرِيرَة قد بانت
стр. 631
من مُغيث حين بيعت (١)، فلما خُيرت بعد العتق، عُلم أنه لم يكن البيع طلاقًا، وأنه ليس بيد السيد من ذلك شيء.
[هل يملِك العبد ؟ ]
وقد تعلق العراقي بهذه الآية وكذلك الشافعي في العبد لا يملك (٢)، ولو تأملوا ما قرؤوا لأغنَوا عن التعب بهم، هاتان الآيتان نزلتا مع غيرهما ضربَ أمثالٍ للربوبية، ألا تراه قال عز مِن قائل: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٣ - ٧٤]، ثم قال سبحانه: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ
стр. 632
أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، وهذه الأمثال ضربها اللَّه ﵎ لنفسه جل وعز، فأنتم لا يستوي بعضكم ببعض، فكيف تُسوّون بي خلقًا من خلقي.
ثم قال عز مِن قائل: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥]، فإذا كنت أنت وعبدُك لا تستويان، والصحيح والأبكم لا يستويان، فكيف جل اللَّه وعز؟ !
وليس لهم حجة في ذكر العبد إلا وعليهم مثله في الأبكم، والأبكم عندهم يملك ماله.
ومِلك العبد فيه آيات محكمات ضلّوا عن معرفتها، قال اللَّه : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، وقال النبي ﷺ لرجل شكى إليه الفقر: "تزوج"، فقد بين اللَّه ﵎ أن العبد والأَمَة قد يغنيهما كما يغني الأيامى منا.
وقال سبحانه: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، ولو لم يكنَّ المالكات لما أمر بدفع ما يملكه سواهن إليهن.
والحجة في هذه المسألة تكثر، ولها موضعها إن شاء اللَّه .
* * *
стр. 633
٩٨ - قال اللَّه : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾
معنى هذه الآية: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستَعِذ، وهي مثل قوله: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: ١٢]، وإنما هو إذا أردتم أن تُناجوا الرسولَ فقدموا.
والتعوذ: "أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم"، وما قام هذا المقام.
* * *
стр. 634
١٠٦ - قال اللَّه : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾
[سبب النزول]
قال عكرمة: إنها أنزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يمكنهم الخروج، فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون معهم كرهًا فقُتلوا، وتلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨]، وقال: طريقًا إلى المدينة، ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩]، إلى آخر الآية فعذرهم اللَّه، فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى إخوانهم الذين بمكة يخبرونهم بما نزل فيهم، فلما جاءهم الكتاب خرج ناس كانوا أقروا بالإسلام، وطلبهم المشركون فأدركوهم، فرجعوا وأعطوهم الفتنة قولًا دون الاعتقاد، فأنزل اللَّه ﵎ فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]، وأنزل فيهم: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، وأنزل فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فسمع ذلك رجل من بَكْر كان مريضًا فقال لأهله: أخرجوني إلى الرَّوْح، يريد المدينة، فأخرجوه فمات قبل الليل، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠] (١).
стр. 635
ثم إن قومًا خرجوا فلم يدركهم أبو سفيان، فأنزل اللَّه ﵎ فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠].
وقال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر، وبلال، وخباب، وصهيب، وعمار، وسمية أم عمار، فأما رسول اللَّه ﷺ فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأُخذ الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، فبلغ منهم الجَهد ما شاء اللَّه أن يبلغ من حَرّ الحديد والشمس، فلما كان من العَشي أتاهم أبو جهل ومعه حَربة فجعل يشتمهم ويوبِّخهم، ثم أتى سُميةَ فطعن بالحَربة في فَرجها فقتلها، فهي أول شهيد استشهد في الإسلام.
قال: وقال الآخرون ما سألوهم.
وقال في غير هذه الرواية: إلا بلالًا (١)، فإنه هانت عليه نفسه، وجعلوا يعذبونه ويقول: أَحَد أَحَد، حتى مَلُّوه، ثم كتفوه وجعلوا في عنقه حبلًا من ليف ودفعوه إلى صبيانهم، فجعلوا يلعبون به بين أخشَبي مكة حتى مَلُّوه وتركوه.
فقال عمار: كلنا تكلم بالذي قالوا له، فلولا أن اللَّه ﵎ تداركنا، غير بلال فإنه هانت عليه نفسه في اللَّه، وهان على قومه حتى ملوه فتركوه.
فقيل: نزلت هذه الآية في هؤلاء.
وقيل: في أمثالهم.
وكل ذلك سواء، وقد رأى النبي ﷺ عمارًا يبكي من فتنته، فطيَّب نفسه وقال: "إن عادوا فعُد" (٢).