← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 39

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي

بكر بن العلاء

Полный текст (1 204 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

من مُغيث حين بيعت (١)، فلما خُيرت بعد العتق، عُلم أنه لم يكن البيع طلاقًا، وأنه ليس بيد السيد من ذلك شيء. [هل يملِك العبد ؟ ] وقد تعلق العراقي بهذه الآية وكذلك الشافعي في العبد لا يملك (٢)، ولو تأملوا ما قرؤوا لأغنَوا عن التعب بهم، هاتان الآيتان نزلتا مع غيرهما ضربَ أمثالٍ للربوبية، ألا تراه قال عز مِن قائل: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٣ - ٧٤]، ثم قال سبحانه: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ

стр. 632

أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، وهذه الأمثال ضربها اللَّه ﵎ لنفسه جل وعز، فأنتم لا يستوي بعضكم ببعض، فكيف تُسوّون بي خلقًا من خلقي. ثم قال عز مِن قائل: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥]، فإذا كنت أنت وعبدُك لا تستويان، والصحيح والأبكم لا يستويان، فكيف جل اللَّه وعز؟ ! وليس لهم حجة في ذكر العبد إلا وعليهم مثله في الأبكم، والأبكم عندهم يملك ماله. ومِلك العبد فيه آيات محكمات ضلّوا عن معرفتها، قال اللَّه : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، وقال النبي ﷺ لرجل شكى إليه الفقر: "تزوج"، فقد بين اللَّه ﵎ أن العبد والأَمَة قد يغنيهما كما يغني الأيامى منا. وقال سبحانه: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، ولو لم يكنَّ المالكات لما أمر بدفع ما يملكه سواهن إليهن. والحجة في هذه المسألة تكثر، ولها موضعها إن شاء اللَّه . * * *

стр. 633

٩٨ - قال اللَّه : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ معنى هذه الآية: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستَعِذ، وهي مثل قوله: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: ١٢]، وإنما هو إذا أردتم أن تُناجوا الرسولَ فقدموا. والتعوذ: "أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم"، وما قام هذا المقام. * * *

стр. 634

١٠٦ - قال اللَّه : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [سبب النزول] قال عكرمة: إنها أنزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يمكنهم الخروج، فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون معهم كرهًا فقُتلوا، وتلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨]، وقال: طريقًا إلى المدينة، ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩]، إلى آخر الآية فعذرهم اللَّه، فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى إخوانهم الذين بمكة يخبرونهم بما نزل فيهم، فلما جاءهم الكتاب خرج ناس كانوا أقروا بالإسلام، وطلبهم المشركون فأدركوهم، فرجعوا وأعطوهم الفتنة قولًا دون الاعتقاد، فأنزل اللَّه ﵎ فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]، وأنزل فيهم: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، وأنزل فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فسمع ذلك رجل من بَكْر كان مريضًا فقال لأهله: أخرجوني إلى الرَّوْح، يريد المدينة، فأخرجوه فمات قبل الليل، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠] (١).

стр. 635

ثم إن قومًا خرجوا فلم يدركهم أبو سفيان، فأنزل اللَّه ﵎ فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ إلى قوله عز من قائل: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]. وقال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر، وبلال، وخباب، وصهيب، وعمار، وسمية أم عمار، فأما رسول اللَّه ﷺ فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأُخذ الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، فبلغ منهم الجَهد ما شاء اللَّه أن يبلغ من حَرّ الحديد والشمس، فلما كان من العَشي أتاهم أبو جهل ومعه حَربة فجعل يشتمهم ويوبِّخهم، ثم أتى سُميةَ فطعن بالحَربة في فَرجها فقتلها، فهي أول شهيد استشهد في الإسلام. قال: وقال الآخرون ما سألوهم. وقال في غير هذه الرواية: إلا بلالًا (١)، فإنه هانت عليه نفسه، وجعلوا يعذبونه ويقول: أَحَد أَحَد، حتى مَلُّوه، ثم كتفوه وجعلوا في عنقه حبلًا من ليف ودفعوه إلى صبيانهم، فجعلوا يلعبون به بين أخشَبي مكة حتى مَلُّوه وتركوه. فقال عمار: كلنا تكلم بالذي قالوا له، فلولا أن اللَّه ﵎ تداركنا، غير بلال فإنه هانت عليه نفسه في اللَّه، وهان على قومه حتى ملوه فتركوه. فقيل: نزلت هذه الآية في هؤلاء. وقيل: في أمثالهم. وكل ذلك سواء، وقد رأى النبي ﷺ عمارًا يبكي من فتنته، فطيَّب نفسه وقال: "إن عادوا فعُد" (٢).

стр. 636

[الإكراه] وهذه الآية تدل على أنه ما أُكره الإنسان عليه من قول فلم يقُله عن اعتقادٍ فلا شيء عليه. فأما أن يُكْرَه على أن يَقتل أو يَزني أو ما أشبه ذلك من ظلم الإنسان، فلا يجوز له استعمال التقية في ذلك، واللَّه أعلم. * * *

стр. 637

١٢٦ - قال اللَّه : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [سبب النزول] ٣٩ - قال إسماعيل: نا حجاج، قال: نا صالح المري (١)، عن سليمان التَيْمي، عن أبي عثمان النَهْدِي، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ وقف على حمزة حين استُشهِد فنظر إليه، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى شيء قط أوجع لقلبه منه، ونظر إليه قد مُثِّل به فقال: "رحمةُ اللَّه عليك، فإنكَ كُنتَ ما علمتُ وَصولًا للرحم، فعولًا للخيرات، ولولا حزن مَن بَعدك عليك لسَرَّني أن أدعك حتى تحشر من أفواج شتى، أما واللَّه مع ذلك لأُمثّلن بسَبعين منهم مكانك"، قال: فنزل جبريل والنبي ﷺ واقف معه بخواتيم سورة النحل قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، قال: فصبر النبي ﷺ وكفَّر عن يمينه، وأمسك عما أراد من ذلك (٢).

стр. 638

وقال عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه قال: أمر اللَّه ﵎ رسوله ﷺ وأهل الإسلام أن يعفوا ويُعرِضوا عن أهل الشرك مدة مُقامهم بمكة، في آيٍ كثير، ذكرنا منها قوله سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤]، وقال: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]، وقال سبحانه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقال تبارك اسمه: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [النجم: ٢٩]، وقال : ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤]، ﴿فَاصْفَحْ (١) عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩]، وقال ﵎: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] (٢). قال القاضي: فأمر اللَّه رسولَه ﷺ بهذا وأمثاله في تلك السنين، فأسلم فيها رجال ونساء لهم ثروة ومنعة، فقالوا: يا رسول اللَّه لو أذِن اللَّه ﵎ لنا انتصَرنا من هؤلاء المُشركين، فأنزل اللَّه : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، ثم أمر رسول اللَّه ﷺ بالصبر، يقول: واصبر أنت يا محمد فلا تكن ممّن ينتصِر، ثم قال له: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، فأمرَه بالعفو والمغفرة قبل الانتصار. وقال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٣٩]، ثم قال سبحانه: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، ثم قال عز من قائل: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤١ - ٤٢]، وقال

стр. 639

عز وجل: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، فلما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة أذن له في قتال المشركين وجهادهم والغِلظة عليهم (١). وهذه السورة كلها مكية، وقد يجوز أن تكون الآية وحدها نزلت في حمزة ﵀، وسائر قَتْلِ أحُد ﵏، ويجوز أن تكون على ما ذكر زيد بن أسلم، إذ كانت مكية، ويكون اللَّه ﵎ أَذْكَر بها نبيه ﷺ في قصة أحد، ولولا أن الإسناد فيه ما هو معلوم لكانت روايةُ أبي هريرة أولى، ولكن كلما خاطب اللَّه ﵎ به نبيه ﷺ من هذه الآيات فمكي، فقد قال له بمكة: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] في آيٍ كثير من هذا الجنس لم يذكرها زيد. والأقوى في هذا عندي أن اللَّه لا يأمر في المشركين ألا يعاقب بمثل ما عوقب به، ويأمر بالصبر عنهم، وقد أمره بقتالهم، وقتلهم حيث ما وجدوا، والغلظة عليهم. ومهما يكن من ذلك فليس نصًّا (٢) فيما يحتاج المسلمون إليه من أحكامهم من القصاص والديات والعفو لمن أراده ورغب في ثوابه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 640

سورة بني إسرائيل (١)

стр. 641

١٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ حدثنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأُدْفُوي، قال: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءةً عليه في منزله بمصر عام إحدى وأربعين وثلاثمائة وأنا أسمع، قيل: قلتَ رضي اللَّه عنك: قُرئ: ﴿أَمَّرْنا﴾، ومعناه: أظهرنا. وقرئ: ﴿أَمَرْنَا﴾ من الأمر. وقرئ: ﴿آمَرْنا﴾ (١)، جعلنا فيها رؤساء وأكثرنا مستكبريها. وكل قراءة من هذه فعن القراء والتابعين. فأما من قرأ: ﴿أَمَرْنَا﴾ من الأمر فإنه فسرها: أمرناهم بالطاعة ففسقوا فيها، وهي التي عليها أكثر القراء، وهي أمرنا خفيفة، ويحتمل أمرنا بالطاعة فعصوا، ويحتمل أيضًا أكثرنا. قال أبو عمر الجرمي (٢): هذا باب ما يجتمع فيه فعلت وأفعلت.

стр. 642

وقال أبو زيد يونس، ورواه عن العرب، وقرأ به الأصمعي وقال: نَضَّر اللَّه وجهه، وأنضر اللَّه وجهك، ويقال: سلكته وأسلكته، وتقول العرب: أَمِرَ ماله إذا كثر، وهو مال آمِرٌ، ويقولون: أَمَرَ اللَّه بأَمْرِه أَمْرًا، يريدون: أكثره. قال أبو عبيدة: وهو مال مَأْمُور أي: كثير، وتقول العرب: خير المال نخلة مَأْبُورة، أو مُهْرَة مَأْمُورة (١). قال أبو عمرو بن العلاء: مُهْرَة مَأْمُورة: كثيرة النسل، وقال: تقول العرب: هذا مال مُؤمر. وإذا لم يكن في المصحف إلا ألف واحدة كانت القراءة الموافقة لها أولى، وهي أيضًا أصح في المعنى، فيكون ﴿أَمَرْنَا﴾ خفيفة، فإن كانت أمرناهم بالطاعة فذاك، فإن كانت على ما تعرفه العرب بلسانها كثَّرنا فحسَنٌ أيضًا، لأنه ليس يكاد يهلك الناس إلا بفساد عامتهم، لأن النبي ﷺ قيل له: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثر الخَبَث" (٢). * * *

стр. 643

٢٤ - ٢٣ - قال اللَّه : ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ قرأها أهل الحجاز وأهل العراق: ﴿مِّنَ اَلذُّلِّ﴾ بالضم، وكسَر قوم (١)، وجميعًا لغتان في القرآن، قال اللَّه: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ [آل عمران: ١١٢]، وقال: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]. وقال المفسرون أقاويلَ ترجع بالمعاني إلى شيءً واحد، فمنهم من قال: إذا بلغا من الكِبَر ما يرجعا به إلى أرذل العمر، فَوَليتَ منهما ما كان يَلِيانه منك (٢). ومنهم من قال: لا تخالِفْهما في شيء يُريدانه (٣)، وما أشبه ذلك. والذي يجب لهما عليه الطاعة فيما لم يدخله معصيةٌ للَّه، وألّا يعصيهما ولا ينهرهما وإن أخطآ، ولا يرفَع صوتَه عليهما، ويحمسن برَّهما وخدمتهما حسب ما خَدماه في صغره، ويجتهد في الزيادة على ذلك.

стр. 644

٢٦ - قال اللَّه : ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ التبذير: إنفاق المال في غير رضى اللَّه، ولا فيما يلزم الإنسان في نفسه وأهله وما يَعْروه، فإذا أنفقه في غير ذلك صار في معاصي اللَّه، ألا تراه قال: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]، فلا ينبغي لأحد أن ينفق ما أعطاه اللَّه إلا فيما لا يُسخطه، نسأل اللَّه التوفيق برحمته. * * *

стр. 645

٢٨ - قال اللَّه : ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ معناها: إذا أتاك السائل وليس يمكنك إعطاؤه، فلا تُعرض عنه وتجفوه، ولكن قل: يأتي اللَّه برزق ونُواسيك، وقولًا حسنًا ليِّنًا سهلًا. وهذه الآية ليست في الوالدين، إنما هي فيمن جاء يَسأل من أقارب أو ضعفاء، أُمر أن يردَّهم ردًّا يرجونه بعده، هذه معاني ما قاله مفسِّروها. * * *

стр. 646

٢٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ المعنى فيها: ألا يمنع النفقةَ فيما يلزَمه، أو فيما يرجو ثوابه، ولا يبسطها (١) فيما لا يلزمه ولا يرجو ثوابه. وقد أدَّب اللَّه عباده فيما رزقهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]، فالنفقة في طاعة اللَّه وفيما أوجب اللَّه لا تورث حسرة ولَوْمًا، وفي غير طاعة اللَّه تورث لومًا من الناس، وحَسْرة في الدنيا والآخرة. * * *

стр. 647

٣٣ - قال اللَّه : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ قال ابن عباس ﵁: كل سلطان في القرآن فهو حجة (١)، أرأيت الهدهد كان له سلطان، فالسلطان في هذه الآية: الحجة والمقال في أخذ حقِّه، إما القَوَد، أو الدية إن بُذِلت له، أو العفو إن أراده ورغِب في ثوابه، فهذا الذي جعله اللَّه للولي، أيّ ذلك شاء فعل. [القصاص في النفس] وأما قوله: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾، لا يقتل غير قاتل وليِّه، لأن العرب كانت إذا قُتِل من القبيل رجلٌ قَتَل وليُّه كلَّ من لقي من تلك القبيلة التي منها القاتل، فله أن يَقتل القتَلة من كانوا، ولا يتعدّاهم إلى غيرهم، ولا يَقتل إلا القِتْلَة التي قُتل مولاه بها، إذا كانت مما يَقْتُل لا محالة ولا تُخْلِف، فإذا كانت مما تُخلِف ولا تؤدي إلى القتل على كل حال، وكان يحتاج إلى إعادة مِثْلِ الفعلِ ومِثلِه ومِثلِه، فهذه زيادة نُهِي عنها، وتعذيبٌ لا يجوز فعله، كان السيف أَوخى وأولى أن يؤخذ به الحق، واللَّه أعلم.

стр. 648

وقوله: ﴿لِوَلِيِّهِ﴾، قد يكون واحدًا (١)، ويكون جماعة، ويكون رجالًا كثيرًا (٢)، وإنما قال: ﴿لِوَلِيِّهِ﴾، يشار إلى الجنس كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]، جاء اللفظ بمعنى الواحد إذ الجنس (٣)، ونظائر هذا كثير. والولي إنما يكون وليًّا لغيره، فيتعدى للمرأة من هذا الاسم، والولي لا بد أن يكون واحدًا فأكثر، فإذا كان الولي رجلًا استحق الولاية كلها، ولو جاز أن تكون المرأة وليًّا لما استحقت الولاية كلها، وتصير في المعنى كأنها بعض ولي. فإن قيل: قد يمكن أن تضم إلى غيرها، كما يكون البنون وإن كثروا أولياء، وكذلك الإخوة. قيل: وإنما صار البنون أولياء والإخوة كذلك لاستواء أحوالهم، وكذلك بنو العم إذا استوَوا في القُعْدُد (٤)، والمرأة إذا ضُمت إلى أخ أو عم أو ابن عم لم تَستوِ حالها وحاله، وكان لها من الميراث بقدر استحقاق النساء، ولو كان لأبيها مولى لكان الولاء لأخيها ولعمها وابن عمها دونها، فذلك كله يدل على أن المرأة لا تسمى وليًّا، وقد قال اللَّه سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]. وإنما جعل اللَّه في القصاص حياة ليكُف بعضهم عن بعض، وكان المقصود بكثرة القتل الرجالُ دون النساء، وإن كان قد يكون في النساء نادرًا (٥)،

стр. 649

فيحكم لها ولوليها بحكم الآية، كان الرجال في العبرة أولى بطلب الدم من النساء، ليكون لهم في ذلك الحياة التي جعلها اللَّه، ولئلا يُجترأ عليهم بالقتل. وأما النساء فليس يقتلن على الضواحل (١) والإحن (٢) التي تكون بين الناس، ولو فعل ذلك فاعل لَعُيِّر به، وإنما يكون ذلك في الرجال، وكانوا (٣) إذا قتلت امرأة رجلًا أنِف ولده من قتلها به، هذا مروان بن الحكم قتلته أم خالد بنت سهيل بن عمرو، وكانت زوجتَه، بكلمة قالها لابنها، فأراد عبد الملك قتلها فقالت: واللَّه لئن قتلتني لتعيَّرن بذلك، فيقال: يا ابن قتيل المرأة، فتركها ولم يقتلها خوفًا من العار. فإن قال قائل: فلم إذا عفا أحد الأولياء، أو قُبلت الدِّية وصار الدم إلى المال، وجب دخول المرأة فيه؟ قيل له: لأن الدم انتقل بالصلح إلى المال، وزال القصاص الذي جعله اللَّه حياة، فكل مال يؤخذ بسبب المقتول فحكمه حكم الميراث، ألا ترى أن المقتول لو عفا قبل خروج روحه عن القاتل -إذ كان أولى بدمه- لجاز عفوه، ولم يكن للورثة فيه مقال، لأن الدم لم يكن مالًا فلا يجوز (٤) للميت منه إلا الثلث كما يكون ذلك في دية الخطأ، يكون مالًا قد ملكه الميت ووُرث عنه. وقال مالك ﵁: متى كان ورثة المقتول بنون وبنات، فعفا البنات، لم يجز عفوُهن، وكان للذكور القتل، وإذا عفا البنون أو واحد منهم جاز، فإذا

стр. 650

انتقل بعفو واحد إلى المال، كان الرجال والنساء فيه على قدر مواريثهم، وقضى منه دينًا إن كان على الميت (١). * * *

стр. 651

٣٤ - قال اللَّه تبارك اسمه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [القيام على مال اليتيم] التي هي أحسن: التجارة له والاستنماء له في ماله، ولا يتَّجر في ماله إلا له، ولا يستقرِض منه. ويدخل في ذلك أيضًا إذا كان القيام بماله يَشغَله عن التصرف، أن يأكل بالمعروف وعيالُه، ذلك يدخل في التي هي أحسن. وأما قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾، فهو الحُلُم الذي قال اللَّه: ﴿إِذَا (١) بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، فالابتلاء بعد البلوغ، والرشد يُعرف حينئذٍ، فيدفع إليه ماله إذا بلغ أشده، وهو: الحلم، الإنزال، والإنبات، أو السن التي يكون بها البلوغ. وقد قال اللَّه في قصة موسى ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤]، قيل: أربعين سنة، وقال في قصة يوسف ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢]، وهذا فمعناه: لما بلغ الحلم، لأن المرأة أرادته عند بلوغ النكاح، وأمر اليتيم بأمر يوسف أشبه، ويكون أَشُد دون أَشُد. وقال سيبويه: واحدُ الأَشُد: شِدّة، ونظير ذلك: نعمة وأنعُم.

стр. 652

٧٨ - قال اللَّه تبارك اسمه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ دُلوك الشمس: ميلها، وهو: زوالها عن البرج الذي تعلو إليه في كل يوم، فإذا زالت إلى الانحطاط والنزول وجبت صلاة الظهر، وكان أول وقتها. قال جابر: نظر النبي ﷺ إلى السماء فإذا الشمس قد دلكت، فقال: "الصلاة يا أبا بكر" (١) يعني: صلاة الظهر. وقال جماعة من الصحابة والتابعين ذلك، وأنه لصلاة الظهر (٢). وقال ابن مسعود ﵁: دلوك الشمس مغيبها، وأنها صلاة المغرب (٣). واللغة تحتمِل القولَين جميعًا، ولكنها أشبه بالزوال من المغيب، لأنه قال: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، فيدخل في ذلك مع الظهر العصرُ والمغربُ، لأن غسقَ الليل: عِشاء الآخِرة، وهو اجتماع الليل وظلمته، ودل على صحة ذلك أيضًا أنه قيل: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، فكان أمرًا بالصلوات الخمس كلها بهذه الآية. * * *

стр. 653

٧٨ - وقوله : ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ قيل: غسق الليل: اجتماع الليل وظلمته. وقيل: حين تغيب الشمس (١). وقيل: مغيب الشفق (٢). وقيل: انتصاف الليل. وأصح ذلك أن يكون أُريد صلاة عشاء الآخرة، لأن ذلك أعم الصلوات كلِّها، ويكون أول الغسق مغيب الشفق إلى نصف الليل، لقول النبي ﷺ في فضل تأخير صلاة عِشاء الآخرة، واللَّه أعلم. * * *

стр. 654

٧٨ - وقوله عز من قائل: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار" (١). وقاله جماعة من الصحابة والمفسرين، وهي صلاة الصبح، كذلك قالت الجماعة بغير اختلاف فيه (٢). * * *

стр. 655

٧٩ - وقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ قيل في أوقات التهجد من الليل أقوال. [صلاة التّهجُّد] فالصحيح أن التهجد: كلُّ صلاة صُلِّيَت بعد عشاء الآخرة، في أول الليل كانت، أو في وسطه، أو آخره، وإن كان آخره أجر قيام (١) المرء من نومه، وإسباغ الوضوء في الحر والبرد، وتحري الوقت الذي ينادى فيه: "هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه" (٢). فأما قوله : ﴿نَافِلَةً لَك﴾، وقد كانت صلاة الليل مفروضة عليه ﷺ دوننا، فله ثوابها كثواب الفروض. وقوله: ﴿نَافِلَةً لَك﴾، لأنها لا تكفِّر عنه ذنبًا كما تكفِّر عن غيره، قد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فعل به ذلك من غير ذنب، فكل أعماله درجات له غير مقابَل بها ذنوبٌ تُكَفَّر.

стр. 656

والتهَجُّد عند أهل اللغة: السهر للصلاة أو لذكر اللَّه، والهجود: النوم، والغنيمة تسمى: نافلة، والتطوع تسمى: نافلة، ألا ترى يقال: تنفل رسول اللَّه ﷺ سيفه ذا الفقار، قال الشاعر: إن تقوى ربِّنا خيرُ نَفْلِ (١) ... . . . . . . . . . . . يعني: خير غنيمة، فتهجُّد النبي ﷺ نفل غنيمة له، وتهجُّدنا تطوع يُكفَّر به عنا، وكان علينا مفروضًا فنُسخ عنا وبقي عليه ﷺ . * * *

стр. 657

١١٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ قيل: إن قريشًا كانت تستمع قراءة رسول اللَّه ﷺ فيسبون القرآن فأُمر بذلك، رُوي ذلك عن ابن عباس ﵁ (١). وقيل: إن أبا بكر كان يُخافِت في صلاة الليل، وعمر يجهر، فأُمر أبو بكر أن يرفع قليلًا، وأُمر عمر أن يخفض قليلًا. وقالت عائشة وجماعة من المفسرين: إنما ذلك في الدعاء والمسألة (٢)، والدعاء يسمى صلاة، قال اللَّه ﵎: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادع لهم، فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى (٣). وأيُّ ذلك كان فغيرُ ممتنِع أن يكون في الَاخر، فينبغي في صلاة الليل أن يقرأ حسب ما أمر اللَّه بين الجهر والمخافتة، يُسمع نفسه ويُفهِمها، وفي الدعاء كذلك.

стр. 658

ومن سورة الكهف

стр. 659

٢٣ - ٢٤ - قال اللَّه : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ قال بعض المفسرين: أي وقت ذَكَر استثنى. وقال بعضهم: بعد أربعة أشهر. وقال بعضهم: ما لم يقم من مقعده ذلك (١). وقال آخرون: ما لم يقطع كلامه، ما كان الاستثناء متصلًا باليمين. [سبب النزول] وقيل: إن ذلك إنما نزل لما وَعد اليهودَ عندما سألوه عن ذي القرنين، وعن صاحب موسى، وعن الروح، فقال: غدًا أخبركم، فتأخر الوحي عنه خمسة عشر يومًا، ثم أتاه جبريل ﵇ بالجواب، وعُلِّم أن يقول: إن شاء اللَّه، لأنه لم يكن استثناها (٢)، فإنما الاستثناء في الأيمان، فإنما (٣) يكون متصلًا بالكلام. فأما قول من قال: أربعة أشهر، فلا يعرف وجهه. وأما قول من قال: أي وقت ذكر ولو بعد سنين، فهذا قول يبطل حكم آية مُحكمة، وليس إلى ذلك من سبيل.

стр. 660

[الاستثناء في اليمين] قال اللَّه : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]، وقال: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُم﴾ [المائدة: ٨٩]، فلو كان يستثني أي وقت ذَكر، لم يكن للكفارة موضع، وكان قول النبي ﷺ : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، قال: إن شاء اللَّه، وسقطت عنه، ولم يقل له: "وكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير" (١). وإنما أُتي قائلوا هذه المقالة من أنهم جعلوا ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ متصلًا بالكلام الأول، وليس كذلك، وإنما قيل: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾، أي: إذا نسيت مرة، فلا تنسى في كل وقت، ويجوز: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ فحلفتَ، بأن ترجع إلى الذي هو خير كما علَّم النبي ﷺ ، ويكفر إذا نسي أن يستثني. وهذه المعاني لا تدفعها آية الكفارة، ولا هي دافعة لها أيضًا، إذ القرآن يُصَدِّق بعضه بعضًا. وقال بعض المفسرين: إن هذا مُنفصِل من الآية، وإنه مخاطبة لسائر الناس، فقال عكرمة: "إذا عصيت (٢) فافزع إلى اللَّه عند السهر أو الغفلة"، فإنما افترق الاستثناء في اليمين إذا كان متصلًا أو غير متصل، أن الحالف إذا وصل يمينَه بالاستثناء، كان قد نواه، وسقطت الكفارة، لأن اليمين لم تستقر حتى قا. رنها بالاستثناء، وإذا انفصل من اليمين كان حكم اليمين قد استقر، وصارت في حيز ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فلما ثبت الحكم لها بالكفارة وحفظها، لم تزل، واللَّه أعلم.

стр. 661

١٠٣ - ١٠٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ سأل ابن الكوّاء (١) عنها عليًّا فقال: هم أهل حروراء، وأهل النهروان، وزاد أبو الصّهْباء فيه: أنت وأصحابك (٢). وروي عنهم أنهم: الرهبان في الصّوامِع (٣). وقال سعد: هم اليهود والنصارى والخوارج، زاغوا فأزاغ اللَّه قلوبهم (٤). هذا ما روي عن علي وسعد رحمهما اللَّه. والأقوى: أن يكونوا أهل الكتاب والمجتهدون منهم، لأنه قيل في أثر الكلام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِه﴾ [الكهف: ١٠٥]، ولا ندفع أن يدخل الخوارج من الصُّفْرِية (٥)، والإباضِية (٦)، والأزارِقة (٧)، والحَرورية (٨)، والرافضة

стр. 662

في معانيهم، لأن النبي ﷺ سماهم كلاب النار، ومثَّلهم فقال: "يقرؤون القرآن لا يجاوز تَراقيهم، يَمرُقون من الدِّين كما يَمرُق السَّهم من الرمية، تنظر في النصل فلا ترى شيئًا، ثم تنظر في القدح فلا ترى شيئًا، ثم تنظر في الريش فلا ترى شيئًا، ثم تتمارى في الفوق" (١)، فذكر ﵇ أن الذي يبقى معهم من الإيمان، موضع الوَتر من النُّشّابة (٢). * * *

стр. 663

١١٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ من كان يرجو ثواب ربه، وقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾: لا يُرائي، ويُحِبُّ أن يُعلَم بأعماله البر، وهذا إنما هو في التطوع، فمن فعل ذلك فإنما يتطوع به، فقد سُلب الأجر، ولم يكن عليه وِزر. وأما الفرائض فليس فيها رياء لتساوي الناس فيها، وإن كان فهو خاطر، وعلى الناس إظهارها. وسمعت سهل بن عبد اللَّه العابد (١) يقول: الرياء في أهل القدَر، لأنهم يعتقدون أعمالهم من أنفسهم واستطاعتهم، فأما أهل السُّنة، فيعتقدون في أعمال البر كلها أنها مَنٌّ من اللَّه، ولولا ذلك ما قدروا عليها، فليس يكون الرياء فيهم إلا خاطرًا يبطل ما يعتقدونه، واللَّه العالم بذلك. * * *

стр. 664

سورة مريم ﵍

стр. 665

٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ معناها: الدعاء، ولا يرفع الصوت به، ويكون بخضوع وخشوع. * * *

стр. 666

٨٨ - ٩٣ - قال اللَّه تبارك اسمه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾، إلى قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مِلك الولد أباه والوالِد ابنَه] هذه الآية تنفي أن يكون الولد عبدًا، فإذا ملك ولدَه بشراء، أو بإرث، أو هبة، أو بأي وجه مَلَكه، عتق عليه، من غير أن يعتقه لِتنافي ذلك، وأنه لا يجوز أن يكون عبدُه ولدَه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 667

سورة طه

стр. 668

١٢ - ﴿فَاخْلَعْ (١) نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ قال رسول اللَّه ﷺ : "كانت نعلا موسى من جلد حمار غير ذكي"، وقيل: "حمار ميت" (٢)، فلذلك أُمر بنزعهما، وأقرب ما يكون العبد إلى اللَّه إذا كان في الصلاة. [الصلاة في النعال] وكان رسول اللَّه ﷺ يصلي في نعليه ولا ينزعهما (٣)، وكذلك فعل في المسجد الحرام وفي مسجده، وهما أجَلُّ بِقاع الأرض وأعلاها قدرًا، هذا المعمول عليه.

стр. 669

١٤ - قال اللَّه : ﴿وَأَقِمِ (١) الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [قضاء الفوائت] قال النبي ﷺ : "من نسي صلاة فلْيُصَلِّها إذا ذكرها". ٤٠ - أخبرنا أحمد بن موسى السامي، عن القعنبي، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن النبي ﷺ (٢). ٤١ - ونا البَرْنَكاني، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا عبد اللَّه بن جعفر بن يحيى البرمكي، قال: حدثنا معن بن عيسى، قال: حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (٣). ٤٢ - وحدثنا جعفر بن الليث، ومحمد بن يحيى بن حبان (٤)، قالا: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ ، وقال فيه: "لا كفارة لها إلا ذلك" (٥).

стр. 670

وهذا معنى هذه الآية، أن من نسي صلاةً أو نام عنها، فليصلها حين يذكرها، فذلك وقتها، وباللَّه التوفيق. * * *
следующие страницы →