← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 39

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي

بكر بن العلاء

Полный текст (1 204 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

٨٨ - ٩٣ - قال اللَّه تبارك اسمه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾، إلى قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مِلك الولد أباه والوالِد ابنَه] هذه الآية تنفي أن يكون الولد عبدًا، فإذا ملك ولدَه بشراء، أو بإرث، أو هبة، أو بأي وجه مَلَكه، عتق عليه، من غير أن يعتقه لِتنافي ذلك، وأنه لا يجوز أن يكون عبدُه ولدَه، واللَّه أعلم. * * *

стр. 667

سورة طه

стр. 668

١٢ - ﴿فَاخْلَعْ (١) نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ قال رسول اللَّه ﷺ : "كانت نعلا موسى من جلد حمار غير ذكي"، وقيل: "حمار ميت" (٢)، فلذلك أُمر بنزعهما، وأقرب ما يكون العبد إلى اللَّه إذا كان في الصلاة. [الصلاة في النعال] وكان رسول اللَّه ﷺ يصلي في نعليه ولا ينزعهما (٣)، وكذلك فعل في المسجد الحرام وفي مسجده، وهما أجَلُّ بِقاع الأرض وأعلاها قدرًا، هذا المعمول عليه.

стр. 669

١٤ - قال اللَّه : ﴿وَأَقِمِ (١) الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [قضاء الفوائت] قال النبي ﷺ : "من نسي صلاة فلْيُصَلِّها إذا ذكرها". ٤٠ - أخبرنا أحمد بن موسى السامي، عن القعنبي، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن النبي ﷺ (٢). ٤١ - ونا البَرْنَكاني، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا عبد اللَّه بن جعفر بن يحيى البرمكي، قال: حدثنا معن بن عيسى، قال: حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (٣). ٤٢ - وحدثنا جعفر بن الليث، ومحمد بن يحيى بن حبان (٤)، قالا: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ ، وقال فيه: "لا كفارة لها إلا ذلك" (٥).

стр. 670

وهذا معنى هذه الآية، أن من نسي صلاةً أو نام عنها، فليصلها حين يذكرها، فذلك وقتها، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 671

ومن سورة الأنبياء ﵈

стр. 672

٧٨ - ٧٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إلى قوله: ﴿حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [إفساد البهائم] قال أبو حنيفة وصاحباه: ليس في هذه الآية ضمان، وإنما هو حكم في أُمة قبلنا، وأما الحكم في هذه الأُمَّة، فما جاء عن النبي ﷺ : "العجماء جُبار" (١)، فأخطأوا ما أريد بالعجماء، لأن النبي ﷺ قال: "العجماء جرحها جُبار، والمعدن جُبار"، وفي بعض الحديث: "العجماء الرجل جُبار"، أي (٢): إذا أصابت الدابة برجلها، فعُلم أن ذلك بعضه من بعض. وليس الحرث وإفسادة من هذا الباب في شيء، لأن الحرث كل مزروع ومغروس، فلا يمكن أربابه حفظه وحراسته من الأنعام والمواشي والدواب بالليل والنهار، ولا بد لأربابها من أن تسرحها بالنهار ولا يمكنهم ضبطها، فإذا جاء الليل ضمّوها إلى مُراحاتها فأمكنهم حفظها، فجعل على أهل المواشي حفظها بالليل، وعلى أصحاب الحرث حفظها بالنهار. وهذه الآية هي الأصل في ذلك، وحَكم به رسول اللَّه ﷺ ، فليس لأحد مخالفة الكتاب والسنة، رواه مالك، وابن عيينة، وغيرهما، عن الزهري، عن

стр. 673

سعيد بن المسيب، وحرام بن سعد بن مُحَيِّصة، أن ناقةً للبراء بن عازب دخلت حائط قوم فأفسدت، فقضى رسول اللَّه ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن على أهل المواشي ما أصابت بالليل (١). وقال شُريح، ومسروق، والشعبي، وعطاء، ومجاهد، بمثل ما قال مالك من إلزام أربابِ المواشي ما أفسدت بالليل (٢)، ولا أعلم أحدًا ممن تكلم في هذه الآية قال ما قاله أبو حنيفة، ويشبهه بالعجماء، والعجماء الدابة. ٤٣ - نا أحمد بن موسى، قال: نا القعنبي، قال حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "العجماء جُبار، والبئر جُبار، والمعدن جُبار، وفي الرِّكاز الخمُس" (٣)، وطرق هذا الحديث كثيرة. وقال فيه سفيان بن حسين عن الزهري بإسناده: "والرجل جُبار"، فهذا إنما أريد به ما جنت العجماء مما لا صنع فيه للراكب، ألا ترى أن الراكب لو عنف أو فعل فعلًا وقعت منه جناية، لكان ضامنًا، ولذلك ذكر القائد والسائق، ولم تختلف الرواية أن سليمان صلى اللَّه عليه ضمَّن، وقد قال اللَّه ﵎: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، ولا اختلفت الرواية أن النبي ﷺ ضمَّن أرباب المواشي ما فعلته بالليل.

стр. 674

قال بكر: ورأيت أبا حنيفة يفعل في الحديث ما يفعله أهل الكلام، فيجعل بعضها معارضًا لبعض، وقد فعل ذلك في غير شيء، فمن ذلك هذه القصة، فإنه لو هدي لرشده لكان جرح العجماء في الدابة، وفعلها في الطريق تحت راكبها، وحكم في المواشي بالليل بما حكم به رسول اللَّه ﷺ ، إذ وجد لكل حديث معنى غير الآخر، وقدر على العمل بها. وكذلك قال في قوله ﷺ : "من باع نخلًا قد أُبِّرَت، فتمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع" (١)، وقوله ﷺ : "نهى عن بيع التمر حتى يبدو صلاحه" (٢)، فجعل الخبرين متعارضين، وليس كما ظن، إنما نهى عن بيع التمر منفردًا لأنهما قصدا إلى الغرر، ما لم يبدُ الصَّلاح، إذ لا منفعة للمشتري فيه، فإذا بدا صلاحُه قارن الغرر الترفق، لم وإذا بايع مع النخل فإنما هو بيع لغيره، ولم يعمد المتبايعان الغرر، وإنما نهى عن الغرر المقصود. وكذا قال وأصحابه في الإشعار أنه معارض لنهيه عن المُثْلَة (٣)، وإنما نهي عن المثلة في بني آدم، وعن المثلة في البهائم التي كانت العرب تفعله بها، من البَحْر، والصَّرْم، وما أشبه ذلك، فأما ما وجب للَّه ولا بد من نحره، فلم ينه

стр. 675

عن سمته، وقد فعله ﷺ في حجة الوداع، وهي آخر أفعاله، ولا أحسب ذا دين يدع فعل رسول اللَّه ﷺ لقول أبي حنيفة. وقال أيضًا في بيع العرايا بخِرْصِها (١): إنه معارض للنهي عن المُزابَنة، وهو رجل لا يعرف العرايا ولا هي ببلده، وأصل العَرِيَّة: أن يُعْرِيَ، وهو: أن يهَب الرجل رجلًا نخلات من حائطه، دون خمسة أوسق، فيريد المُعْرِي أن يبقيه ليكون تمرًا لعياله، فأجيز لواهبه أن يشتريه بخِرْصِها تمرًا، إذا كان أصله معروفًا، فلم يضيق عليه كما ضيق على غيره، وحصل أنه نقل الهبة إلى هبة غيرها، وهذه الأشياء فأبو حنيفة غريب فيها. * * *

стр. 676

ومن سورة الحج

стр. 677

٥ - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إلى: ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ خلق اللَّه تعالى آدم ﷺ من تراب، وإنما سُمّي آدم، لأنه خُلق من أَديم الأرض، من ماء وطين، لم ومن طين لازب، ثم استخرج ذريته، كلُّ فريق من تربتهم الذي خلقهم منها، وفيها يدفنون، يرجعون إلى التربة التي خلقوا منها. وأما قوله عز مِن قائل: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾، فالنطفة إذا وقع العُلوق، مكثت أربعين يومًا، ثم علَقة أربعين يومًا، ثم مضغة أربعين، مخلقةً وغير مخلقةً، ثم ينشئه اللَّه خلقًا آخر، ونفخ فيه الروح فيأتي الملَك فيكتب رزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، كذلك رواه الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد اللَّه، ورواه أبو وائل، والشعبي، وجماعة (١). والنطفة إذا لم يُرد اللَّه ﵎ منها خلقًا، بطلت في الرحم كما تبطل في الأرض، وإذا أراد اللَّه منها خلقًا، كانت كما ذكر زيد بن وهب. [بم تكون أمُّ الولد ؟ ] وقد اختُلف فيها إذا لم يتم الخلق: فقال قوم: لا تصير أم ولد بذلك.

стр. 678

وقال مالك ﵁: تكون أم ولد بالمُضغة التي يُعلم بأنها مُضغة، واحتج بقول اللَّه : ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ (١)، وقال في المعتدة إذا أسقطت: إنها تكون بذلك خارجة من العِدّة كانت مُخَلّقة أو غير مُخَلّقة، إذا عُلم أنه من أوائل الحمل وهو المضغة، فأما النُّطفة والعلقة فهي دم، فليس ذلك براءة، وكذلك قال في أم الولد: إنها تعتق بما تخرج به الحرة من العدة إذا مات سيدها. وقد عارضنا قوم فقالوا: فإن ألقت نطفة؟ فقلنا: قال النبي ﷺ وقد سئل عن العزل: "ليس كل وطء يكون منه الحمل" (٢)، وقد نرى ذلك ونعلمه، والإنسان يطأ الوطء الكبير فلا يرزق الولد، والنطفة إذا لم يرد اللَّه ﵎ أن يخلق منها أبطلها. فأما إذا تبين من الخلق شيء وإن قل، فهذا يكفَّن ويغسَّل إذا تبين الرأس إلى عَجْبِ الذَّنَب (٣) وإن لم يتم الخلق، وهذا قول مالك، والحجة فيه القرآن

стр. 679

وقوله : ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾، فأخبرنا عز وعلا أن غير المُخَلّقة لها حكم المُخَلّقة في أن يُحْكم لأمه بحكم أم الولد، وكذلك ما جُعل في إملاص المرأة (١) غُرَّة عبد أو أمة إذا تبيّن بعض الخَلق، واللَّه أعلم. * * *

стр. 680

٢٥ - قال اللَّه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سُكنى الحاج] قال ابن عباس وابن عمر: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] في المسجد الحرام. وقال جماعة من المفسرين مثل ذلك (١). وأما العاكف: فهم أهل مكة، وأما البادي: فهم أهل البادية ومن سلكها من أهل القرى وسائر الأمصار. وقال آخرون: الناس في رِباع (٢) مكة سواء، من احتاج سَكَن، ورُوي ذلك من طرق الشيوخ أن رسول اللَّه ﷺ ، وأبا بكر، وعمر رحمة اللَّه عليهما قُبضوا وما تُدعى رِباع مكة إلا السّوائب، من احتاج سَكَن ومن استغنى أَسكن. وروى عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر كان نهى أن تغلق دور مكة في زمان الحاج، وأن الناسَ كانوا يَنزِلون منها حيثما وجدوه فارغًا، حتى كانوا يضطربون البساط في جوف الدور.

стр. 681

وقال ابن عباس: إن عمر ﵁ جعل أسفل الوادي وأعلاه مَناخًا للحاج، وجعل جِياد (١)، وقُعَيقِعان (٢) للمريحين ومذاهب الناس. وقال عكرمة وسئل عن كراء منازل مكة: لا بأس بذلك، قد اشترى عمر ابن الخطاب ﵁ بأربعة آلاف جعلها سجنًا. وقال عطاء: كانوا يكرهون أجرة الدور بمكة. وروى الأسود: أن عائشة كانت تنزل بالأَبْطَح، وتُدعى إلى الدور فتأبى. قال إسماعيل: قد تأول قوم في بيوت مكة ما ذكرنا، والقرآن يوجب أنه المسجد الذي يكون فيه قضاء النسك وفضل الصلاة، قال اللَّه ﵎: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، أي: يصدون عن المسجد الحرام، وقال: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥]، وقال سبحانه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي: وعن المسجد الحرام. فدل ذلك كله على أنه المسجد الحرام، لتملك قريش عليه وادعائهم أنهم أربابه وولاته وأنهم يمنعون من أرادوا ظلمًا، فأعلم اللَّه أن الناس كلهم فيه سواء. وأما المنازل فلم يزل لأهل مكة المنازل والدور، غير أن المواساة تجب إذا كانت الضرورة، ولعل عمر ﵀ فعل ذلك على طريق المواساة عند الحاجة، واللَّه أعلم.

стр. 682

٢٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال قوم في هذه الآية: إن الإلحاد فيه: الشرك (١). وقال آخرون: كل ظلم، حتى كان عبد اللَّه بن عمرو يتوقى معاتبة أحد بمكة حتى يخرج إلى الحِل (٢). وقال بعض المفسرين: فلو همَّ بظلم بمكة لأذاقه اللَّه عذابًا أليمًا (٣). والمعروف في اللغة أن كل من جار أو مال عن الحق إلى الباطل فقد ألحد، واللحْد في القبر مأخوذ من هذه الآية، أميل إلى شق القبر، وقد ذكر اللَّه في كتابه ما يدل على هذا، قال اللَّه : ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. وقد قُريء: ﴿يَلحَدونَ﴾ و ﴿يُلْحِدُونَ﴾ (٤).

стр. 683

وأما قوله: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾، فهذه الباء تجعلها العرب صلة في الكلام، ويجعلون إثباتها وإسقاطها سواء. ومعنى إلحاد وبإلحاد واحد، وكذلك "ما"، مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]، وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فيجعلون "ما" صِلَة في الكلام، ويجعلون إثباتها وإسقاطها سواء. * * *

стр. 684

٢٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ قال ابن عباس ﵁: لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت قيل له: أذن في الناس بالحج، قال: رب، وما يبلغ صوتي؟ ! قال: أذِّن وعليّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم ﷺ : يا أيها الناس، كتب اللَّه عليكم الحج إلى البيت العتيق، قال: فسمعه ما بين السماء والأرض (١). وقال سعيد بن جبير، ومجاهد، وغيرهما: قام إبراهيم ﵇ على المقام فأذّن بالحج، فأجاب الناس والجنُّ بلبيك ربنا، فكل من حَجّ البيت أو يَحجُّه فهو مَن أجاب يومئذ (٢)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 685

٢٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ قال ابن عباس ﵁: هم المشاة والركبان، يأتون من كل فج عميق (١). قال الزيادي: المعمق: الذاهب على وجه الأرض. قال المازني (٢): يقال عميق ومعمق. وقال رؤبة (٣): . . . . . . . . . . . ... وقائم الأعْماقِ خاوي المخترَق (٤) فالأعماق: جمع عمق، والمعمق هاهنا: الذاهب على وجه الأرض، المخترق حيث صار خرقًا، والخرق: الفلاة تنخرق في الفلاة. وقال قتادة: من مكان بعيد (٥)، وقوله يشبه قول أبي إسحاق الزيادي أنه الموضع البعيد على وجه الأرض، وقال الشاعر:

стр. 686

. . ... يقطعن بُعْدَ النازحِ العميقِ (١) قال مجاهد: حج إبراهيم هاسماعيل صلى اللَّه عليهما مُشاة (٢)، وقال أهبط آدم ﷺ بالهند، فحج البيت على قدميه أربعين حجة. * * *

стр. 687

٢٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو رَزين: المنافع: التجارة (١). وقال أبو جعفر محمد بن علي: المغفرة. وقول من قال: التجارة، فبعيد من القلب بُعدًا شديدًا، لأنه (٢) يصير المعنى أنهم يأتون من كل فج عميق ليتجروا، لا لشيء سوى ذلك، ولو كان ذلك كذلك، لذهب المعنى الذي أجابوا إليه حين دعاهم إبراهيم ﵇ في قوله عز من قائل: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ [فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ] (٣) عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨]، فيصير الناس إنما أَتوا لغير ما دعوا إليه، وهذا ما لم أكن أحب أن أذكره رواية عمن قدمت ذكره، ولكن كرهت أن يُظن بي إغفالًا. وإنما المعنى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ شهود عرفة، ومزدلفة، ومنى، وطواف الإفاضة، هذه هي المنافع التي يأتون ليشهدوها، ولينحروا ما كان معهم من الهدي، فهذه الأفعال كلها خالصة للَّه، وأرخص لهم بعد ذلك في التجارة

стр. 688

حين تَوَقَّى الناس أن يتشاغلوا بها في الحج الذي قصدوا إليه لربهم، وأنزل عليهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُم﴾ [البقرة: ١٩٨]، فأرخص لهم في ذلك، إذ لا يشغلهم عن أعمال الحج التي قصدوا لها. وقد كانت الجاهلية لا يستحلون التجارة في الحج، فإذا كانت التجارة هذا حكمها، فكيف يكون أن يقال في قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾، أنها التجارة، واللَّه أعلم. * * *

стр. 689

٢٨ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ قد تكلمنا في هذه الآية في سورة البقرة، قولُه سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] بما فيه كفاية إن شاء اللَّه. * * *

стр. 690

٢٨ - قال اللَّه جل وعلا: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ قال الحسن: البائس الفقير: الذي لا تُغْنيه اللقمة. وقال مجاهد: الذي يمدُّ إليك يده (١). * * *

стр. 691

٢٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ قال ابن عمر: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾: ما عليهم من الحج (١)، وأن يأخذ من شاربه وأظفاره. وقال ابن عباس: التفث: الحلق، والتقصير، والرمي، والذبح، وقص الشارب، ونتف الإبط، وقص الأظفار (٢). وحكى عنه عكرمة مجمِلًا، قال: المناسك (٣). وقال مجاهد: حلق الرأس وما ضارعه من تفث البدن (٤). وقال الحسن: التّفَث: حلق الرأس (٥). وقال محمد بن كعب: حلق الأشعار والأظفار (٦). قال بكر: والصحيح من ذلك حلق الرأس، إذ كان من شرائط الحج والعمرة، قال اللَّه جل وعز: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]،

стр. 692

فالحلق والتقصير لا بد منهما، ألا ترى النبي ﷺ قال: "يرحم اللَّه المحلِّقين"، ثلاثًا، ثم قال: "والمقصِّرين" في الرابعة (١). فالتَّفَث الذي في معنى الآية هو هذا، وما عداه من تقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب، وما أشبهه، يدخل بالمعنى، لأنه تفث البدن، وكذلك حلق العانة، واللَّه أعلم. * * *

стр. 693

٢٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال مجاهد: نَذْر الحج والهدي، وما نَذَر الإنسان من شيء يكون في الحج (١). قال إسماعيل: كل شيء واجب على الإنسان فهو يسمى نذرًا، فكأنه قيل: وليوفوا ما وجب عليهم من أمر الحج. قال بكر: والمعنى في هذه الآية -واللَّه أعلم- أنه رمي الجِمار، وجَمرة العقبة خاصة، إذ كانت بها يُتحلَّل من الإحرام، وقد يجوز أن يدخل غيرُها في معناها، واللَّه أعلم. * * *

стр. 694

٢٩ - قال اللَّه : ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ [طواف الإفاضة] هذا الطواف هو المفروض، وهو: طواف الإفاضة، لأنه يقع بعد الرجوع من عرفة وبعد رمي جمرة العقبة، وأهل العراق يسمونه طواف الزيارة، فهو الواجب في الحج الذي لا يجزئ الحج إلا به. فأما الطواف قبل عرفة فهو سُنة، وإن فات بعذر مثل من يأتي وهو مُراهِق (١) يخاف فوات عرفة، ومثل الحائض، فليس عليهم في ترك ذلك شيء. وأما طواف الإفاضة فهو الواجب الذي لا يجوز تركه، وقد أمر اللَّه به وأكده، وقال النبي ﷺ في قصة صفية: "حابِستُنا هي؟ " قالوا: إنها قد أفاضت، قال: "فلا إذًا" (٢). * * *

стр. 695

٣٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ قال مجاهد: الحرمة: مكة، والحج، والعمرة، وما نهى اللَّه عنه من معاصيه كلِّها (١). وقال زيد بن أسلم: الحرمات خمس: الكعبة، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والمُحْرِم حتى يحِل (٢). * * *

стр. 696

٣٠ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قال قتادة: الميتة وما لم يُذكَر اسم اللَّه عليه (١). وقال إسماعيل: قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]، وقال اللَّه ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِير﴾ إلى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، وقال في سورة البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ (٢) عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة: ١٧٣]، الآية، فأحسب -واللَّه أعلم- هو ما يُتلى عليهم. * * *

стр. 697

٣٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "عدلت شهادة الزور بالإشراك باللَّه" ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (١) [الحج: ٣٠ - ٣١]. وروي عن ابن مسعود ﵁: عُدِلت شهادة الزور بالشرك، ثم قرأ الآية (٢). قال بكر: والكذب كله زور، فأعلاه الإشراك باللَّه، ولعل الآية أُريد بها الكفر في هذا الموضع، ألا تراه قال جل وعز: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾، وكل كذبٍ وشَهادةٍ بغير حَقِّ فهو زور.

стр. 698

والروايتان اللتان ذكرناهما عن النبي ﷺ ، وعن ابن مسعود، روايات الشيوخ، لولا ذلك لم يجر الكلام في إثرهما بغير ما ذكر في الحديثين، واللَّه أعلم، ويجوز أن يكون معنى الحديثين لا بالآية ولكن بالمعنى، واللَّه أعلم. * * *

стр. 699

٣٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب﴾ شعائر اللَّه هاهنا: فرائض الحج وسننُه، وتعظيمها واستحسانها من التقوى، فمن عرف ذلك من قلبه فقد آتاه اللَّه تقواه، فليشكر اللَّه على ما أعطاه. * * *

стр. 700

٣٣ - قال اللَّه : ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية قال ابن عباس ﵁: لهم فيها منافع إلى أن تصير بُدنًا (١). وقال مجاهد: ظهورُها وألبانُها وأصوافُها. وقال عطاء: ظهورها وألبانها وأصوافها، وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، إلى مكة. والأسانيد عنهم ليست بالقوبة، وقد رأى النبي ﷺ رجلًا يسوق بدنة قال: "اركبها"، قال: إنها بدنة، قال: "اركبها" ثلاثًا (٢). وقول من قال: إنه ينتفع بها إلى أن تصير بدنة، فهذا ليس بأجَل مسمًّى، لأن المسمى معلوم وقته، والبُدن قبل الإيجاب لا تسمى بدنة، فكيف يقال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ أنها البُدْن، ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؟ وإنما هي إبل ليس فيها إيجاب، ولا تكون بُدنًا حتى تُوجب، وإنما البدن أحد شعائر اللَّه ، فكأنه قيل: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]، ولكم في كل شعائر اللَّه خير، من عرفة، والمَشعَر، ورمي الجمار، والطواف، وهذه أشياء لابد منها في الحج، وقد يحج الحاج ولا يسوق بدنًا ولا تجب عليه، فإذا فعل ذلك دخل في جملة الشعائر. وقد سئل عطاء عن الشعائر فقال: حرمات اللَّه، اجتناب سخط اللَّه واتباع طاعته، فذلك شعائر اللَّه (٣).

стр. 701

وقال زيد بن أسلم: الشعائر ست: الصفا والمروة، والبدن، والجمار، والمشعر الحرام، وعرفة، والركن والحرمات خمس: الكعبة، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والمُحْرِم حتى يحل (١). وقال أبو مصعب: قال مالك: إذا مضت عشية عرفة وليلة المزدلفة والوقوف بالمزدلفة حين الوقوف بها، فلا معتمل لأحد في شيء من ذلك، لأن اللَّه ﵎ [قال] (٢): ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٢ - ٣٣]، فمن شعائر اللَّه: عرفة والمزدلفة، قال اللَّه : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، فلا مُعتمل لأحد في شيء من هذا بعد أن يمضي الأجل المسمّى (٣). وإذا مضت أيام منى فلا تُرمى الجمار بعد ذلك، لأن اللَّه ﵎ قال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، فإنما منافع تلك الشعائر انقضاؤها إلى ذلك الأجل المسمى، فإذا مضى الأجل فليس هناك مُعتمل، وانقضاء الأيام قول اللَّه : ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. والذي قاله مالك ﵁ قول واضح، يشهد له القرآن ومعانيه، فالمنفعة بعرفةَ إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر، والمنفعة في رَمي الجِمار إلى انقضاء أيام منى، والمنفعة للمَشعَر الحرام إلى أن تَطلُع الشمس، فكل هذه من الشعائر، وفي كل صنف منها المنفعة إلى وقت معلوم، ثم محِلّها كلُّها إلى البيت العتيق، فإذا أطاف الحاج بعد هذه المشاعر فقد حلَّ بالبيت العتيق.

стр. 702

٣٤ - قال اللَّه : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وقال في الموضع الآخر: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧]. قال مجاهد: هراقة دماء الهدي (١)، قال: وهو كقوله: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢]، يعني: صلاتي وذبحي. وقال عكرمة: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾، قال: ذبحًا هم ذابحوه. ولما قالا وجه، وقد يجوز أن يكون قوله: ﴿مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ يريد: الذبح، ويكون قوله: ﴿مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ يراد به: منهاجًا من الدين، لقوله عز من قائل: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ [الحج: ٦٧]، أي: لا يخالفوا عليك فيما تُعلِّمهم من مناسكهم، ولذلك قال النبي ﷺ في حجة الوداع: "خذوا عني مناسككم" (٢)، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك. وقد قال إبراهيم النخعي في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْر﴾ [الحج: ٣٦]، قال: من احتاج إلى ظهر البُدْن ركب، ومن احتاج إلى لبنها شَرِب (٣). والدنيا والآخرة، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، قد ذكر اللَّه ﵎ الخير في مواضع من القرآن يريد الدنيا وما فيها، ولكن الخير في هذه الآية

стр. 703

لخير الآخرة، ولو كان القصد (١) إلى منافع الدنيا لكان تركُها من غير أن يوجب بُدْنًا أنفع لهم في دنياهم، قال اللَّه عز من قائل: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩]، هي: التوحيد، فله خير منها، يريد: أنه يعتاض منها خيرًا، وهو الجنة، أخيَر من التوحيد، وإنما هو خير يورثه التوحيد، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ [النمل: ٩٠]، فهي: الشرك. وقال جماعة من المفسرين: الحسنة: لا إله إلا اللَّه، والسيئة: الشرك (٢). * * *

стр. 704

٣٦ - قال اللَّه جل وعز: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: قيامًا معقولة، قال أبو ظَبْيان: فقلت له: فما أقول؟ قال: قل: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، اللهم مِنكَ ولك (١). وقد قرئت: ﴿صَوَافَّ﴾، وقرئت: (صَوافِن) (٢). فمن قرأها (صوافن) فمعناه: معقولة قائمة على ثلاث. ومن قرأها: ﴿صَوَافَّ﴾ قيامًا على أربعتها. وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان ينحر هديه بيده، يصُفُّهُن قيامًا، ويوجههن للقبلة، ثم يأكل ويطعم (٣). وقد روى سعيد بن جبير، أن ابن عمر كان ينحر البُدن وهي على ثلاث قوائم يعقل يدها (٤).

стр. 705

وقرأها سعيد: ﴿فاذكروا اسم اللَّه عليها صوافن﴾. والصحيح عن ابن عمر ما رواه نافع. [صفة النحر] والذي يختاره مالك: أن تنحر قائمة غير معقولة، فإن تعذر النحر وهي قائمة غير معقولة عقلها، فكل ذلك واسع غير محرم، لأن من قرأ: ﴿صَوَافَّ﴾ أراد: مُصطفة، ومن قرأ: ﴿صوافن﴾ أراد: معقولة، إلا أن القراءة على لفظ مصحفنا أعم وأصوب، إذ المعروف في اللغة أن الصوافن والصافنات نعت (١) للخيل، فإن أُدْخِلت الإبل في ذلك فعلى التشبيه، ولا ضرورة بالناس إليه، إذ لم يكن الخط في المصحف على صوافن، وليس يجوز أن يخالف لفظ المصحف المُجتمَع عليه برواية، واللَّه أعلم. * * *
следующие страницы →