وقال زيد بن أسلم: الشعائر ست: الصفا والمروة، والبدن، والجمار، والمشعر الحرام، وعرفة، والركن والحرمات خمس: الكعبة، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والمُحْرِم حتى يحل (١).
وقال أبو مصعب: قال مالك: إذا مضت عشية عرفة وليلة المزدلفة والوقوف بالمزدلفة حين الوقوف بها، فلا معتمل لأحد في شيء من ذلك، لأن اللَّه ﵎ [قال] (٢): ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٢ - ٣٣]، فمن شعائر اللَّه: عرفة والمزدلفة، قال اللَّه : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، فلا مُعتمل لأحد في شيء من هذا بعد أن يمضي الأجل المسمّى (٣).
وإذا مضت أيام منى فلا تُرمى الجمار بعد ذلك، لأن اللَّه ﵎ قال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، فإنما منافع تلك الشعائر انقضاؤها إلى ذلك الأجل المسمى، فإذا مضى الأجل فليس هناك مُعتمل، وانقضاء الأيام قول اللَّه : ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
والذي قاله مالك ﵁ قول واضح، يشهد له القرآن ومعانيه، فالمنفعة بعرفةَ إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر، والمنفعة في رَمي الجِمار إلى انقضاء أيام منى، والمنفعة للمَشعَر الحرام إلى أن تَطلُع الشمس، فكل هذه من الشعائر، وفي كل صنف منها المنفعة إلى وقت معلوم، ثم محِلّها كلُّها إلى البيت العتيق، فإذا أطاف الحاج بعد هذه المشاعر فقد حلَّ بالبيت العتيق.
стр. 702
٣٤ - قال اللَّه : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾
وقال في الموضع الآخر: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧].
قال مجاهد: هراقة دماء الهدي (١)، قال: وهو كقوله: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢]، يعني: صلاتي وذبحي.
وقال عكرمة: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾، قال: ذبحًا هم ذابحوه.
ولما قالا وجه، وقد يجوز أن يكون قوله: ﴿مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ يريد: الذبح، ويكون قوله: ﴿مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ يراد به: منهاجًا من الدين، لقوله عز من قائل: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ [الحج: ٦٧]، أي: لا يخالفوا عليك فيما تُعلِّمهم من مناسكهم، ولذلك قال النبي ﷺ في حجة الوداع: "خذوا عني مناسككم" (٢)، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.
وقد قال إبراهيم النخعي في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْر﴾ [الحج: ٣٦]، قال: من احتاج إلى ظهر البُدْن ركب، ومن احتاج إلى لبنها شَرِب (٣).
والدنيا والآخرة، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، قد ذكر اللَّه ﵎ الخير في مواضع من القرآن يريد الدنيا وما فيها، ولكن الخير في هذه الآية
стр. 703
لخير الآخرة، ولو كان القصد (١) إلى منافع الدنيا لكان تركُها من غير أن يوجب بُدْنًا أنفع لهم في دنياهم، قال اللَّه عز من قائل: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩]، هي: التوحيد، فله خير منها، يريد: أنه يعتاض منها خيرًا، وهو الجنة، أخيَر من التوحيد، وإنما هو خير يورثه التوحيد، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ [النمل: ٩٠]، فهي: الشرك.
وقال جماعة من المفسرين: الحسنة: لا إله إلا اللَّه، والسيئة: الشرك (٢).
* * *
стр. 704
٣٦ - قال اللَّه جل وعز: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾
روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: قيامًا معقولة، قال أبو ظَبْيان: فقلت له: فما أقول؟ قال: قل: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، اللهم مِنكَ ولك (١).
وقد قرئت: ﴿صَوَافَّ﴾، وقرئت: (صَوافِن) (٢).
فمن قرأها (صوافن) فمعناه: معقولة قائمة على ثلاث.
ومن قرأها: ﴿صَوَافَّ﴾ قيامًا على أربعتها.
وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان ينحر هديه بيده، يصُفُّهُن قيامًا، ويوجههن للقبلة، ثم يأكل ويطعم (٣).
وقد روى سعيد بن جبير، أن ابن عمر كان ينحر البُدن وهي على ثلاث قوائم يعقل يدها (٤).
стр. 705
وقرأها سعيد: ﴿فاذكروا اسم اللَّه عليها صوافن﴾.
والصحيح عن ابن عمر ما رواه نافع.
[صفة النحر]
والذي يختاره مالك: أن تنحر قائمة غير معقولة، فإن تعذر النحر وهي قائمة غير معقولة عقلها، فكل ذلك واسع غير محرم، لأن من قرأ: ﴿صَوَافَّ﴾ أراد: مُصطفة، ومن قرأ: ﴿صوافن﴾ أراد: معقولة، إلا أن القراءة على لفظ مصحفنا أعم وأصوب، إذ المعروف في اللغة أن الصوافن والصافنات نعت (١) للخيل، فإن أُدْخِلت الإبل في ذلك فعلى التشبيه، ولا ضرورة بالناس إليه، إذ لم يكن الخط في المصحف على صوافن، وليس يجوز أن يخالف لفظ المصحف المُجتمَع عليه برواية، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 706
٣٦ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾
قال مِقْسَم، عن ابن عباس، وقاله مجاهد، والضحاك: إذا وقعت على الأرض وأُضجعت، وزاد الضحاك: نُحرت (١).
وروي عن عبد اللَّه بن مسعود: إذا أُسقطت على جنبها، يريد: بعد النحر.
قال إسماعيل: المعروف في اللغة ﴿إذا وجبت جنوبها﴾ أي: سقطت، ومنه وجوب الشمس، وكذلك يقال لكل شيء سقط، وقال قيس بن الخَطيم:
أطاعت بنو عوف أميرًا نهاهمُ ... عن السلام حتى كان أوّل واجب (٢)
أي: مقتولٍ سقط إلى الأرض، وكذلك البُدْن إذا نُحرت سقطت لجنوبها.
* * *
стр. 707
٣٦ - قال اللَّه : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾
[الأكل من النسيكة]
كان عطاء لا يرى الأكل واجبًا.
وكان الضحاك، ومجاهد يرون الأكل إباحة، وتابعه على ذلك الحسن، ومجاهد، وجماعة من المفسرين (١).
وروي أن ابن عمر قسم لحم نسكه، ثم أفاض قبل أن يأكل منه (٢).
ومن أخرج شيئًا للَّه لم يجُز له أن يعود في شيء منه، وإنما أُذن لهم في الأكل على وجه الإباحة، فمن شاء أكل من بدنته وأضحيته، ومن شاء ترك، فلولا الإذن من اللَّه جل وعلا ما جاز الأكل منها.
وكان مالك يستحب ألا يأكل من البدن التي لا بذل منها للمساكين، مثل: جَزاء الصَّيد، وفِدية الأذى، من غير عذر ولا تكبر عن الأكل، رجوت أن يكون في سعة، على ما ذكر من الأحاديث في هذا الباب.
فأما القانع والمُعْتَرّ، فإنه روي عن ابن عباس قال: القانع: الذي يسأل، والمُعْتَرّ: الذي يَعْتَرّ ولا يَسأل (٣).
стр. 708
وروي عنه: أن القانع: من يقنع بما أرسلت إليه في بيته، والمعتر: الذي يعتريك (١)، وهذا أشبه القولين.
وقال مثل ذلك الحسن، وقال مجاهد نحو ذلك (٢).
وقيل: المعتر الذي يعتريك فيسألك (٣)، وقال بكل قول من ذلك جماعة.
والصحيح واللَّه أعلم، أن القانع يقع على من يسأل فيرضى بما يرزق بمسألته، ويقع على من يقنع ولا يسأل، فإن اللغة تجمعهما، يقال: قنع يقنع قناعة إذا صبر عن المسألة، وقنع يقنع قنوعًا إذا سأل، قال: وقال الشاعر:
فمالُ المرءِ يُصلِحه فيُغني ... مَفاقِرَه أعَفُّ من القُنوعِ (٤)
قال: يعني أنه أعف من السؤال، فالبيت يدل على أن القانع هو القانع بالفقر لا بالرضا بما يُعطاه.
وأما المُعْتَرّ فكل من اعتَرّ بك من معترض، أو سائل، أو طالب حاجة في أمر من الأمور، فقد اعتَرَّ بك في ذلك.
* * *
стр. 709
٣٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾
قال النخعي: ما أريد به وجه اللَّه (١).
وهذا كلام مختصر، ولم أجد عن غيره فيه شيئًا، والمعنى واللَّه أعلم أنه لا منفعة له فيها، وإنما نفعُها لمن أراد بها وجه اللَّه وجزيلَ ثوابه، فله أجر الدماء، وهو قول رسول اللَّه ﷺ : "أفضل الحج العَجُّ والثَّجُّ" (٢)، فالثَّجُّ: إراقة الدماء، وله أيضًا أجر اللحوم وما يأكل منها وما يطعم، تفضل اللَّه على عباده بذلك.
* * *
стр. 710
٣٩ - ٤١ - قال اللَّه ﵎: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ إلى: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور﴾
[الأمر بالقتال]
كانت الآيات الليِّنة تنزل بمكة، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وما أشبه ذلك، فلما أخرجت قريش نبي اللَّه ﷺ والمهاجرين الأولين من مكة ووصل إلى المدينة، كان أول آية نزلت عليه يؤمر فيها بالقتال هذه الآيات: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
وكان أبو بكر الصديق ﵁ لما أُخرجوا قال: سيؤذن لنا في القتال، فنزلت الآيات إلى قوله عز من قائل: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾، فأمر اللَّه تعالى نبيه ﷺ بالجهاد والغِلظة (١).
وقد احتج صعصعة بن صُوحان على عثمان ﵁ بهذه الآية، وقال له عثمان: فينا نزلت، لما أخرجنا من مكة مُكِّنّا وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، قال عثمان ﵀: فهذه الآية لي ولأصحابي، وليست لك ولا لأصحابك (٢).
стр. 711
٧٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾
روي عن ابن عباس ﵁ في قوله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ قال: هذا في تقديم الأَهِلَّة وتأخيرها، ونُقصان الشهر وتمامه، في الفطر والأضحى، وفي الصوم (١).
وروى سعيد بن جبير، أن عبيد بن عمير سأل ابن عباس عن الحرَج فقال له: ألستم العرب؟ ثم قال: ادعوا لي برجل من هُذَيل، فسأله عن الحرج، قال: ما لا مخرج له (٢).
قال ابن عباس ﵁: إنما ذلك سَعة الإسلام، ما جعل اللَّه ﵎ من التوبة والكفارات (٣).
وقال في رواية أخرى: الحرج: الشيء الضيق.
وكذلك قال زيد بن أسلم: إن عمر قال في الحرج: الضِّيق (٤).
стр. 712
فالحرج عند العرب، وعلى ما قاله أيضًا جماعة من المفسرين: الضيق، فلم يُضَيِّق اللَّه على هذه الأمة، ولم يحمل عليهم الإصر الذي حمله على من كان قبلَهم، خفف عنهم فرائضهم، وأوجبها على حسب طاقاتهم ودون ذلك، ثم تجاوز عنهم فيما حدثوا به أنفسهم، ما لم يعملوا به، ثم غفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، ثم جعل للكبائر والصغائر كفارات من الأعمال، من التوبة والندم والاستغفار، فلله الحمد على ما مَنَّ به من ذلك.
* * *
стр. 713
سورة المؤمنين
стр. 714
١ - ٢ - قوله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
سُئلت عائشة ﵂ عن خُلق رسول اللَّه ﷺ فقالت: كان خُلقه القرآن، ثم قرأت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾، قالت: هكذا كان خُلق رسول اللَّه ﷺ (١).
[الخشوع في الصلاة]
قال أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال رسول اللَّه ﷺ : "هل ترون قِبْلتي هاهنا؟ فما يخفى عليَّ خشوعكم ولا ركوعكم" (٢).
وقال جماعة من المفسرين: الخشوع في الصلاة: أن لا يلتفت الإنسان يمينًا ولا شمالًا، يقوم كأنه عود من الخشوع (٣).
وقال آخرون: ينظر إلى موضع سجوده (٤).
стр. 715
وكان ابن الزبير يأتي حَجر المَنجنيق فيقع عن يمينه وشماله يُحادُّ كتفَه فلا يلتفت.
وقال آخرون: سكون المرء في صلاته (١).
وكل ذلك يدور على الخشوع في الصلاة التشاغل بها، وقلة الفكر في أمور الدنيا.
وقال مسلم بن يسار: وهل يجوز أن يَعلم ما في الدنيا من يناجي ربه ؟
فالخشوع: التشاغل بها والاستكانة فيها.
فأما قول من قال: ينظر إلى موضع سجوده، فشديد لا يجوز تكليفه، لأن النبي ﷺ قد كان يَلحظ ويَلمح ببصره الشيء ولا يلتفت، وقد رُوي مثل ذلك عن جماعة من التابعين.
والذي يراه مالك ﵁: أن يكون بصر المصلي إلى قبلته على التوسعة، ولأن اللَّه ﵎ قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وإنما هو قصد الكعبة.
وقيل لابن عمر: إن ابن الزبير إذا صلى لم يقل هكذا ولا هكذا، فقال: لكنا نقول هكذا وهكذا، ونكون مثل الناس، رواه سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة، عن حُميد، عن معاوية بن قُرة.
٤٤ - ونا أحمد بن موسى، قال: حدثنا القعنبي، قال: نا مالك، عن نافع، أن ابن عمر كان لا يلتفت في صلاته حتى يقضيها (٢).
стр. 716
قال القاضي: فالالتفات مخالف لما أمر اللَّه به من التوجه (١) إلى الكعبة، فأما اللمح فلا يخرج عن المأمور به، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 717
٩ - قال اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾
قال مسروق: كل شيء في القرآن ﴿دَائِمُونَ﴾، ﴿حَافِظُونَ﴾، ﴿سَاهُونَ﴾ فعلى مواقيتها.
وقال عبد اللَّه بن مسعود: هو ترك الوقت وإضاعته.
وقال سعد بن أبي وقاص وسئل عن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥]، أهو السهو في الصلاة؟ قال: لا، ولكنه الذي لا يصليها حتى يذهب وقتها (١).
قال بكر: والمحافظة على الصلاة المفروضة على وقتها من أوله إلى آخره.
قال ابن عمر: الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله (٢).
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: إن المصلي ليصلي الصلاة وما فاتته، ولَمَا فاته من وقتها أعظم أو أفضل من أهله وماله (٣).
стр. 718
٦٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾
رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول اللَّه ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، أهو الرجل يشرب الخمر ويسرق؟ وقال: "لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل الذي يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف ألا يقبل منه"، رواه نصر بن علي، عن وكيع، عن مالك بن مِغْوَل، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن عائشة (١).
ورواه أبو عاصم، عن المثنى بن الصباح، عن عطاء، دخلتُ مع عبيد بن عمير، عن عائشة (٢).
وقال سعيد بن جبير: يعطون ما أعطوا وقلوبهم وجِلة خوفًا (٣) من الحساب والموقف (٤).
стр. 719
وقال مجاهد: يخافون ألا يتقبل منهم (١).
وقال الحسن: كانوا يخافون ألا تنجيهم أعمال البر من عذاب ربهم وألا يتقبل منهم (٢)، وقال نحو ذلك جماعة من المفسرين (٣).
٤٥ - ونا إبراهيم بن حماد، قال: نا إسماعيل، قال نا حجاج قال: نا حماد، عن حميد قال: قرأت القراَن كلَّه على الحسن في بيت أبي خليفة ففسره أجمع على الإثبات، وسألته عن قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ, (٤) فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢]، قال: الشرك سلكه في قلوبهم، وسألته عن قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣]، قال: أعمال سيعملونها لم يعملوها، وسألته عن قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾، قال: ما أنتم عليه بالمُضلين، إلا من هو صال الجحيم (٥).
والصحيح في قوله: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، أي: وجِلَت قلوبهم من خشية ربهم، عند مرجوعهم إلى ربهم، أن تغلب سيئاتهم حسناتهم فيُشفقون (٦)
стр. 720
بها، فهم يجتهدون وهم خائفون، ومن وصف المؤمنين الخوف مقرونًا بالرجاء، قال اللَّه جل وعز: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، فلا ينبغي للمؤمن أن يكون إلا خائفًا، لكي لا يتكل فيَقِلَّ عمله الصالح، ألا ترى النبي ﷺ قال لعلي رحمة اللَّه عليه في شيخَيْ الأمَّة، صديقها وفاروقها رحمة اللَّه عليهما: "هذان سَيِّدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين، يا علي، لا تخبرهما" (١) إشفاقًا عليهما من أن يتَّكلا، فالخائف يعمل ما لا يعمله الراجي بلا خوف، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 721
٦٧ - قال اللَّه : ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾
تكلم المفسرون في ذلك بكلام مختلف، فمنهم من قال: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾: حِلَقًا تتحدثون، قاله ابن عباس، وقال: حِلَقًا حِلَقًا (١)، وقال: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ يقولون: نحن أهله، ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ولا تَعْمُرونه (٢).
وقال الحسن: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ بِحَرَمي (٣)، تَهجُرون بيتي أي: لا تطوفون به.
وقال معمر عن الحسن: تهجُرون رسول اللَّه ﷺ .
وقال سهل السراج، عن الحسن: تهجُرون القرآنَ، وذِكرَ اللَّه (٤).
وقال مجاهد: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ بالبلد، ﴿تَهْجُرُونَ﴾ بالقول السيء بالقرآن (٥).
стр. 722
[حكم السَّمَر]
فأما السَّمَر فقد اختُلف فيه، فروى أبو بَرْزَة، عن النبي ﷺ ، أنه كان يكرَه النومَ قبلَها والحديث بعدَها (١).
وروى خَيثَمة، عن عبد اللَّه، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا سَمَرَ إلا لأحد رَجلَين: مُصَلٍّ (٢)، أو مسافر" (٣).
وروى جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "إياكم والسَّمَرَ بعد هَدْأة الرِّجل، أغلقوا الأبواب، وأَوْكوا السِّقاء (٤)، وخَمِّروا الإناء، وأطفئوا المِصباح" (٥).
وكان عمر رحمة اللَّه عليه يَجْدِب (٦) لنا السَّمَر بعد صلاة النوم، رواه سلمان بن ربيعة (٧).
стр. 723
وقال خَرَشَة بن الحُرّ (١): رأيت عمر بن الخطاب يضرب الناس على الحديث بعد العشاء، ويقول: أسمرًا أول الليل ونومًا آخرَه (٢)؟ !
وقال سعيد بن المسيب: كان عمر يطوف في المسجد بعد عشاء الآخرة يقول: الحقوا برِحالكم، عسى اللَّه أن يرزقكم صلاة في ليلتكم (٣).
وكان سعد يقول: أَريحوا كُتّابَكُم.
وكان عبد اللَّه، يَعُسُّ (٤) في المسجد، فما يدَع فيه سوادًا إلا أخرجه إلا رَجلًا يصلي (٥).
وكان حذيفة، وعبد اللَّه بن عمرو، وشدّاد بن أوس، يكرهون الحديث بعدها.
وقال شدّاد بن أوس: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرضَ بيتَ شِعر بعد العشاء لم يقبل له تلك الليلة صلاة" (٦).
стр. 724
قال بكر: وهذا كله فيمن سَمَرَ في غير مرضاة اللَّه، فأما من جعل سمَره مذاكرة لعلم أو ما لا يَسخَطه اللَّه ويدخل في مرضاته فلا بأس به.
روى أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قال: عمر قال: كان النبي ﷺ لا يزال يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين (١).
وقال عمران بن حصين: كان النبي ﷺ يحدثنا عامَّة ليلِه عن بني إسرائيل (٢).
قال بكر: فالذي كُره من السِّمَر ما لم يكن فيه رضى اللَّه ومنافعُ للعباد، وعِلمٌ وآدابٌ، والآية إنما نزلت في كفار قريش، لأنهم كانوا يَهجُرون الطواف ويجلسون في نواديهم، وهي الحِلَق، فيتكلمون في رسول اللَّه ﷺ وفي القرآن، فسماه اللَّه هَجْرًا.
قال سفيان: كان عمرو بن دينار يَسمُر في المسجد إلى نصف الليل، وأيوب السختياني معه (٣).
وقال هشام بن حسان: كنا نسمُر بعد العشاء مع محمد بن سيرين (٤).
وقال عروة: كنا نتحدث عند حجرة عائشة ﵂، وكانت تنادينا: يا ابن أختي قد طلع الفجر (٥).
стр. 725
ومن سورة النور
стр. 726
١ - قال اللَّه : ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾
معنى ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ هاهنا: بيَّناها، وشرحنا ما فيها من الحلال والحرام والنهي، وأوجبناها بإلزام فروضها، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 727
٢ - قال اللَّه : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾
[حد الزنا]
هذه آخر آية نزلت في حد الزاني، ناسخة لقوله سبحانه: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، ولقوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله : ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، فلما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ : "خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثّيب بالثّيب جلدُ مائة والرَّجْم" (١).
فكان الرجم بأمر اللَّه ، لأن عمر ﵁ أخبرنا أنهم كانوا يقرؤونها، فظنها قرآنا، وقد كان وحيًا، فعلمنا بذلك أنه من عند اللَّه، وأن الرسول ﷺ سنَّ مع الرجم كما سن مع جلد البكر التغريبَ.
ومن شأن السُّنة أن تنسخ السُّنة، والسُّنة لا تنسخ القرآن، وإنما ينسخ القرآن القرآن، والسُّنة فقد تشرح خفي القرآن ولا تنسخه، فلو كان جَلْد الثَّيِّب بالقرآن، لما جاز نسخه إلا بالقرآن، فنسخ رسول اللَّه ﷺ ما سَنَّ من جَلْد الثيب بسُنته، لما رواه أبو هريرة وغيره أن النبي ﷺ رجم ماعزًا ولم يجلده (٢).
стр. 728
وروى أبو هريرة، وزيد بن خالد، وزاد ابن عيينة: وشبل بن سعيد، أن النبي ﷺ قال في قصة العَسيف (١): "واغْدُ يا أُنَيْس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" (٢).
قال بكر: فصار هذان الخبران ناسخين للجلد في الثَّيِّب، وبقي الرجم على ما أنزل اللَّه ﵎ إذ القتل يأتي على كل شيء.
ولا اختلاف بين علماء الأمصار أن من شرب خمرًا وزنى وهو محصن فالحَدّان عندهم جميعًا للَّه ﷻ ، فيسقط جَلْد الشّرب ويأتي الرجم على ذلك كلِّه، فلما كان ذلك كذلك، وكانت الحدود إذا اجتمعت للَّه ﵎ ليس لآدمي فيها حق، مثل القذف وما أشبهه، دخل بعضها في بعض، وأتى القتل على جميعِها، كان ذلك سبب إسقاط الجَلْد عن الثَّيِّب، فنَسخت سُنَّتُه سُنَّتَه.
ولا أعلم في سقوط الجَلْد بين فقهاء الأمصار خلافًا، وإنما تكلمت في ذلك على متأخر (٣) تعلق بحديث عُبادة، متَّبِعًا للشواذ من الأخبار، ومتعلقًا بالمنسوخ ليُعْرَف، ومع ذلك فحديث عُبادة في بدء الهجرة بعد ثلاث منها، وحديث أبي هريرةَ وصاحبيه بعد ذلك، لأن إسلام أبي هريرة في أول سنة سبع
стр. 729
من الهجرة، بعد فتح خيبر وفي وقتها، وكذلك صاحباه إسلامهما متأخر، وعُبادة من النُّقَباء الاثني عشر ليلة العقبة، فروايته وقت نزول آية الجَلْد في سورة النور، وأمر العَسيف بعد ذلك بسنين، فقد نسخ السُّنةُ السُّنةَ، فهذا ناسخ لحديث عُبادة، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 730
٣ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾
[العفو عن الحد]
معنى هذه الآية عند أكثر المفسرين: لا يُعطَّل الحَدُّ برحمة تدخل القلب، قال ذلك: الحسن، وعطاء، وجماعة (١).
وقال آخرون: إقامةُ الحد بالقتل.
وقال زيد بن أسلم: لا تَدَعوهما برحمة لهما من إقامة الحَدِّ عليهما (٢).
وهذه الآية مخاطِبة للإمام، ليس له إذا ثبت الحَدّ عنده العفو عنه، ويجوز ذلك لسائر الرعية تركُ رفعهما إلى الإمام، ألا ترى أن النبي ﷺ قال لصفوان بن أمية: "فهَلَّا قبل أن تأتينا به" (٣).
وقال لهَزّال: "هَلَّا سترته بثوبك" (٤).
стр. 731
وقال في ماعز أيضًا: "هَلَّا تركتموه" (١)، يريد: لعله يؤدي إلى ما يزيل الحد.
فالحاكم والإمام لا يجوز لهما العفو عن حقوق اللَّه في الحدود الموجبة بالأفعال.
قال عبد اللَّه بن مسعود: يؤتى بالزائد في حدود اللَّه يوم القيامة فيقال له: "لم زدت في حدودي؟ " فيقول: غضبًا لك، فيقول اللَّه : "أأنت أشد غضبًا مني لنفسي؟ اذهبوا به إلى النار"، ويؤتى بالناقص من حدود اللَّه فيقول اللَّه ﵎ له: "لم نقصت من حدودي؟ " فيقول رحمة لعبادك، فيقول: "أأنت أرحم بهم مني؟ اذهبوا به إلى النار".
* * *
стр. 732
٣ - قال اللَّه ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
قال عطاء: الطائفة: رجلان (١).
وقال مجاهد: رجل إلى ألف (٢).
وقال الزهري: ثلاثة فصاعدًا (٣).
وقال قتادة: نفرٌ من المسلمين (٤).
وقال الحسن: عشرة (٥).
وقال مالك بن أنس: أربعة من الرجال المسلمين فصاعدًا (٦).
[شُهود الحدّ]
قال بكر: فالذي قال: رجل فما فوقه، احتجَّ بقول اللَّه ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، فسلك بالآية غير طريقهما، لأن كل طائفةٍ جماعة، وإنما يدخل الواحد في ذلك بالمعنى، واللفظ فللجماعة.
стр. 733
ومما يدل على أن اللفظ للجماعة قوله : ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا﴾ [الحجرات: ٩]، فجاء اللفظ على تأنيث الجماعة، وأمرت الجماعة أن تصلح بين الطائفتين.
واحتج آخر بقول اللَّه : ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة: ٦٦]، وهذا غلط أيضًا، لأن المخاطبة لجماعة، قال اللَّه : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ (٦٥) قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]، فعلم أنهم جماعة، وأنه إن يُعْفَ عن طائفة منهم بالتوبة مما كانوا فيه من الكفر الذي وصف اللَّه، تُعَذَّب طائفة ممن لم تتب، فإن كان الذي تاب منهم رجلًا فما فوقه دخل في المعنى، وإن كان الذي لم يتب رجلًا فما فوقه دخل في المعنى، إذ كانوا إنما يستحقون ذلك بأفعالهم.
والطائفة التي تحضر عذاب الزاني، لم يحضروا لفعلٍ كان منهم في أنفسهم، وإنما أُحضروا ليكونوا شهودًا لعذاب غيرهم، فإن كان الواحد من الشهود يقوم مقام الجماعة، فينبغي أن يُقاس عليه، وإن لم يكن يقوم مقامهم خرج من حكمهم بالمعنى واللفظ جميعًا، لأن الشهود يُحتاج إليهم فيما يحدث بين المحدود وغيره، وهو أن يقذفه قاذف بعدما يقام عليه حَدّ الزنا، فإذا أتى القاذف بأربعة فشهدوا أن حاكمًا قد حَدَّ المقذوف في الزنا سقط الحد عن القاذف.
وكذلك لو كانت أمة لرجل فحدها سيّدُها في الزنا ثم أُعتقت فقذفها رجل، فأتى القاذف باربعة فشهدوا أنها كانت أَمة، وأن سيدها قد كان حدها في الزنا لسقط عن القاذف الحَدُّ، فهذا هو الظاهر الذي يدل عليه معنى حضور
стр. 734
الشهود عذاب الزاني، فليس تدل الآية إلا على ما وصفنا، لأنه تحصيل حكم بين الناس.
وإذا حدث شيء فيه، حكم بحَدَث كان أغلب مما لا حكم فيه، قال اللَّه : ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]، وكانوا بني سَلَمة وبني حارثة، وكانا بجناحي المدينة، فلم يكونوا وراء رسول اللَّه ﷺ يوم الخندق، وقال : ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]، وقال: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١١٣].
ولا يختلف أهل اللسان أن الرجل إذا قال: رأيت طائفة، أنه يعني جماعة، فحكم قوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أربعة من الرجال الأحرار الذين تجوز شهادتهم في الزنا فصاعدًا، واللَّه أعلم بما أراد من ذلك.
* * *
стр. 735
٤ - قال اللَّه ﵎: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾
[نكاح الزّانِيَيْن]
اختلف السلف في هذه الآية: فزعم قوم منهم إبن مسعود وغيره، أن الزانيين إذا تزوّجا (١) بعد ذلك لا يزالا زانيين ما اصطحبا (٢)، ويجوز أن يكون أراد أنه ينظر كلُّ واحد منهما إلى صاحبه بعين الزنا.
ومنهم من رأى التزويج صوابًا، وزوَّج الزانيين، ورأى الجمع بينهما بالنكاح، منهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، وجماعة من المفسرين (٣).
ومنهم من جعل الآية فيمن كانت له امرأة فزنت، أنه يفارقها ولا يقيم عليها، منهم: علي بن أبي طالب، وابن عمر، وجماعة (٤).
стр. 736
ورُوي عن النبي ﷺ حديث، منهم من أرسله عن عُبيد بن عُمير، ومنهم من وصله، فذكر ابن عباس أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي لا تمنع يد لامس فقال: "طلقها"، فقال: إني أحبها، قال: "أمسكها"، فرد ذلك ثلاثًا (١).
وقال بعضهم: إن المجلود لا ينكِح إلا مجلودة، فممن قال ذلك: عبد اللَّه بن عمرو (٢).
وقال الحسن البصري، ورواه عمرو بن شعيب، عن سعيد المقبُري (٣)، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "لا ينكح المجلود إلا مثله" (٤)، ورواه عطاء، عن أبي هريرة موقوفًا عليه، وكان أبو هريرة يقوله، وقال لرجل أراد أن يتزوج مجلودة: لا تتزوجها إلا أن تكون قد فعلت مثل فعلها.
وروى ليث، عن ابن سابِط، أن عليًّا أُتي بمحدود تزوج امرأة غير محدودة ففرق بينهما (٥)، وفي الحديث ليث بن أبي سُلَيْم، ومثله لا تثبت به حجة، واللَّه أعلم.
стр. 737
وروى الشيباني، عن عبد اللَّه بن شداد، عن ابن عباس، أنه أمر بنحو من ذلك.
وقال آخرون: لا بأس أن ينكح غيرُ المحدودِ المحدودةَ، منهم: سعيد بن المسيب، وعمر بن الخطاب، وأُبَيُّ بن كعب (١).
ورُوي أن ابن عباس ﵁ وطئ جارية له بعدما فَجَرَت.
وقال آخرون: إن الآية نزلت في بغايا كُنَّ في الجاهلية لهن رايات، منهن كوافر، بل كُنَّ كلُّهن قبل الإسلام كوافر، وكان يَمُرُّ بهن المسافرون فيطؤوهن، وكُنَّ إماء، وكانت العرب تستنجب منهن العبيد بذلك الزنا، فنزلت الآية، الزاني لا يطيعه إلى الزنا إلا زانية أو مشركة، والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك (٢).
ويحتمل أن يكون أُريد: إلا زان مشرك وزانية مشركة، يجتمع ذلك فيهما.
وقال آخرون: كُنَّ بغايا معروفات بالزنا، فأراد قوم من المسلمين نكاحهن، فنزلت الآية من أجل ذلك (٣).
وقال آخرون: ذِكر النكاح هاهنا الغشيان دون العقود، وهو الزنا، منهم: ابن عباس، وقال: العقود لم تُرَد، وإنما أُريد الوطء المحرَّم، وتابعه على ذلك أصحابه المشهورون به.
стр. 738
والنكاح في اللغة هو: الوطء، وهو ولوج الشيء في الشيء، وقد سمى اللَّه العقودَ باسم النكاح في مواضع من القرآن، لأن المبتغى من العقد الوطء، ولكن قوله : ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾، يوجب ألا يَعقِد الرجل على امرأة يعلم أنها مقيمة على الزنا، ولا بأس بذلك بعد التوبة، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 739
٤ - ٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[شهادة القاذف]
قال أبو حنيفة وأصحابه: إن القاذف إذا تاب لم تقبل شهادته، واحتجوا بأن الاستثناء لم يقع على كل ما ذكر في القرآن، وأن الدليل على ذلك، أنه لو تاب لم يسقط عنه الحد (١)، فغلطوا من حيث لا يُشكِل، وذلك أن القاذف إنما أوجب اللَّه ﵎ ألا تقبل شهادته، وأنه من الفاسقين بعد الحد، وبيَّن ذلك في كتابه بقوله سبحانه: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، فإنما ذلك بعد الجَلْد، وإنما يكون محدودًا في القذف بعد الجلد، فأما قبل الجلد وبعد ما قذف فهو على أمره الذي كان، لأنه لا يُدرى إلى ما يفضي أمرُه، إذ كان قد يأتي بأربعة شهداء بأن المقذوف زان، أو أنه قد كان حُدَّ في الزنا، ويخاف المقذوف أن تقوم عليه بينة فيمسك عن المطالبة فَيُدفع عنه الحد.
٤٦ - أخبرنا إسماعيل، قال: نا نصر بن علي، عن وكيع، عن محمد بن قيس، عن الشعبي في القاذف إذا لم يُحد جازت شهادته، فإذا عجز القاذف عن البينة وطالبه المقذوف بالحد فجلد، وجب فيه حكم اللَّه، بأن لا تقبل شهادته أبدًا، وأنه من الفاسقين، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾، فالاستثناء واقع على ذلك كلِّه.
стр. 740
وإنما قيل: ﴿لَا تَقْبَلُوا لَهُمْ (١) شَهَادَةً أَبَدًا﴾ لأنه من الفاسقين، نعت استَحق أن يُنعَت به لِما كان منه، فإذا زال النعت عنهم وجب على الحاكم قَبولُ شهادتهم، لأن شهادتهم إنما سقطت للوصف الذي وصفهم اللَّه ﵎ به، وليس بوصف الإنسان بالفسق، لأن الحاكم لا يقبل شهادته، وإذا وقع عليه اسم الفسق وجب على الحاكم رد شهادته، لأن اسم الفسق توجبه أفعال الفاسق لا أفعال غيره فيه.
فأما قولهم: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾، يقع على زوال اسم الفسق خاصة، ولا يقع على قبول الشهادة، فشيء لا تقوم به حجة من كتاب ولا سنة ولا قياس، والنظر يوجب أن من أزال اللَّه ﵎ عنه الفسق وغفر له ورحمه مقبولُ القول، لأنه لا يبلغ أحد من العدالة أكثر من هذه الصفة.
وقد قال اللَّه في المُحارِب: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤]، فقد يمكن أن يقول قائل: إنما وقع الاستثناء عن إزالة العذاب العظيم عنهم في الآخرة، وأما ما وجب في الدنيا من المحدود فثابت، ولا يجعل الاستثناء واقعًا على جميع الكلام، وهذا ما لا يقوله أحد، فإن من غفر اللَّه له ورحمه فقد زال عنه كل عقوبة من عقوبات الدنيا والَاخرة، وهو مَرضيٌّ عدل، وقد جاء أن "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (٢)، فلا بد أن يكون التائب من القذف الذي قد ثبت حكمه كمن لم يَقذِف، إذ قد أقيم عليه الحد الذي صار به قاذِفًا بغير شبهة.
قال سعيد بن المسيب: إن عمر بن الخطاب ﵁ لما جلد أبا بكرة، وشبل بن مَعْبَد، ونافعًا، قَذَفَة المغيرة قد استتابهم بعد الجلد، وقال لهم: من