ورُوي عن النبي ﷺ حديث، منهم من أرسله عن عُبيد بن عُمير، ومنهم من وصله، فذكر ابن عباس أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي لا تمنع يد لامس فقال: "طلقها"، فقال: إني أحبها، قال: "أمسكها"، فرد ذلك ثلاثًا (١).
وقال بعضهم: إن المجلود لا ينكِح إلا مجلودة، فممن قال ذلك: عبد اللَّه بن عمرو (٢).
وقال الحسن البصري، ورواه عمرو بن شعيب، عن سعيد المقبُري (٣)، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "لا ينكح المجلود إلا مثله" (٤)، ورواه عطاء، عن أبي هريرة موقوفًا عليه، وكان أبو هريرة يقوله، وقال لرجل أراد أن يتزوج مجلودة: لا تتزوجها إلا أن تكون قد فعلت مثل فعلها.
وروى ليث، عن ابن سابِط، أن عليًّا أُتي بمحدود تزوج امرأة غير محدودة ففرق بينهما (٥)، وفي الحديث ليث بن أبي سُلَيْم، ومثله لا تثبت به حجة، واللَّه أعلم.
стр. 737
وروى الشيباني، عن عبد اللَّه بن شداد، عن ابن عباس، أنه أمر بنحو من ذلك.
وقال آخرون: لا بأس أن ينكح غيرُ المحدودِ المحدودةَ، منهم: سعيد بن المسيب، وعمر بن الخطاب، وأُبَيُّ بن كعب (١).
ورُوي أن ابن عباس ﵁ وطئ جارية له بعدما فَجَرَت.
وقال آخرون: إن الآية نزلت في بغايا كُنَّ في الجاهلية لهن رايات، منهن كوافر، بل كُنَّ كلُّهن قبل الإسلام كوافر، وكان يَمُرُّ بهن المسافرون فيطؤوهن، وكُنَّ إماء، وكانت العرب تستنجب منهن العبيد بذلك الزنا، فنزلت الآية، الزاني لا يطيعه إلى الزنا إلا زانية أو مشركة، والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك (٢).
ويحتمل أن يكون أُريد: إلا زان مشرك وزانية مشركة، يجتمع ذلك فيهما.
وقال آخرون: كُنَّ بغايا معروفات بالزنا، فأراد قوم من المسلمين نكاحهن، فنزلت الآية من أجل ذلك (٣).
وقال آخرون: ذِكر النكاح هاهنا الغشيان دون العقود، وهو الزنا، منهم: ابن عباس، وقال: العقود لم تُرَد، وإنما أُريد الوطء المحرَّم، وتابعه على ذلك أصحابه المشهورون به.
стр. 738
والنكاح في اللغة هو: الوطء، وهو ولوج الشيء في الشيء، وقد سمى اللَّه العقودَ باسم النكاح في مواضع من القرآن، لأن المبتغى من العقد الوطء، ولكن قوله : ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾، يوجب ألا يَعقِد الرجل على امرأة يعلم أنها مقيمة على الزنا، ولا بأس بذلك بعد التوبة، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 739
٤ - ٥ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[شهادة القاذف]
قال أبو حنيفة وأصحابه: إن القاذف إذا تاب لم تقبل شهادته، واحتجوا بأن الاستثناء لم يقع على كل ما ذكر في القرآن، وأن الدليل على ذلك، أنه لو تاب لم يسقط عنه الحد (١)، فغلطوا من حيث لا يُشكِل، وذلك أن القاذف إنما أوجب اللَّه ﵎ ألا تقبل شهادته، وأنه من الفاسقين بعد الحد، وبيَّن ذلك في كتابه بقوله سبحانه: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، فإنما ذلك بعد الجَلْد، وإنما يكون محدودًا في القذف بعد الجلد، فأما قبل الجلد وبعد ما قذف فهو على أمره الذي كان، لأنه لا يُدرى إلى ما يفضي أمرُه، إذ كان قد يأتي بأربعة شهداء بأن المقذوف زان، أو أنه قد كان حُدَّ في الزنا، ويخاف المقذوف أن تقوم عليه بينة فيمسك عن المطالبة فَيُدفع عنه الحد.
٤٦ - أخبرنا إسماعيل، قال: نا نصر بن علي، عن وكيع، عن محمد بن قيس، عن الشعبي في القاذف إذا لم يُحد جازت شهادته، فإذا عجز القاذف عن البينة وطالبه المقذوف بالحد فجلد، وجب فيه حكم اللَّه، بأن لا تقبل شهادته أبدًا، وأنه من الفاسقين، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾، فالاستثناء واقع على ذلك كلِّه.
стр. 740
وإنما قيل: ﴿لَا تَقْبَلُوا لَهُمْ (١) شَهَادَةً أَبَدًا﴾ لأنه من الفاسقين، نعت استَحق أن يُنعَت به لِما كان منه، فإذا زال النعت عنهم وجب على الحاكم قَبولُ شهادتهم، لأن شهادتهم إنما سقطت للوصف الذي وصفهم اللَّه ﵎ به، وليس بوصف الإنسان بالفسق، لأن الحاكم لا يقبل شهادته، وإذا وقع عليه اسم الفسق وجب على الحاكم رد شهادته، لأن اسم الفسق توجبه أفعال الفاسق لا أفعال غيره فيه.
فأما قولهم: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾، يقع على زوال اسم الفسق خاصة، ولا يقع على قبول الشهادة، فشيء لا تقوم به حجة من كتاب ولا سنة ولا قياس، والنظر يوجب أن من أزال اللَّه ﵎ عنه الفسق وغفر له ورحمه مقبولُ القول، لأنه لا يبلغ أحد من العدالة أكثر من هذه الصفة.
وقد قال اللَّه في المُحارِب: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤]، فقد يمكن أن يقول قائل: إنما وقع الاستثناء عن إزالة العذاب العظيم عنهم في الآخرة، وأما ما وجب في الدنيا من المحدود فثابت، ولا يجعل الاستثناء واقعًا على جميع الكلام، وهذا ما لا يقوله أحد، فإن من غفر اللَّه له ورحمه فقد زال عنه كل عقوبة من عقوبات الدنيا والَاخرة، وهو مَرضيٌّ عدل، وقد جاء أن "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (٢)، فلا بد أن يكون التائب من القذف الذي قد ثبت حكمه كمن لم يَقذِف، إذ قد أقيم عليه الحد الذي صار به قاذِفًا بغير شبهة.
قال سعيد بن المسيب: إن عمر بن الخطاب ﵁ لما جلد أبا بكرة، وشبل بن مَعْبَد، ونافعًا، قَذَفَة المغيرة قد استتابهم بعد الجلد، وقال لهم: من
стр. 741
تاب منكم قبلت شهادته، قال سعيد: فتاب منهم اثنان، وأبى أبو بكرة، فكانت لا تجوز شهادته (١).
قال إسماعيل: والتوبة من ذلك أن يقول: قد رجعت عما قلت.
وقال الشعبي، وطاوس، وعطاء، ومسروق، وعكرمة، وسليمان بن يسار، وابن شهاب، والضحاك، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جُبير، وعبد اللَّه بن عتبة، ومجاهد: كلهم يُجَوِّز شهادة القاذف إذا تاب (٢).
وقد روي غير ذلك، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا محدود في الإسلام" (٣)، وهذا الحديث فلو صح لكان صحيفة، ومع ذلك فدون عمرٍو حجاجٌ الصَّوّاف، وهو ضعيف، ودون حَجاجٍ مُعَمَّر الرَّقّي وهو كذلك، فلو صح أيضًا لعُلم أنه منسوخ، لأن الإجماع على قبول شهادة الزاني إذا تاب بعد الحَدِّ وعلى سائر الحدود، والاختلاف في القاذف حسْب.
وكان أبو بَكرة إذا جاء من يُشهده قال: أَشهِد غيري، فإن المسلمين فسَّقوني.
وكان شُريْح لا يجيز (٤) شهادة القاذف بقبول (٥) توبته بينه وبين ربه.
стр. 742
وتابعه على ذلك سعيد بن جبير، وإبراهيم، وروايته عن مسروق تخالف الأول، وعن الحسن مثل ذلك (١).
فأما حديث عمرو بن شعيب فقد ذكرنا ما فيه، وفيه أيضًا: "خائن وخائنة"، وكلنا يجيز شهادتهما إذا تابا، وتوبة القاذف مخالفة لتوبة الخائن، وسائرِ المحدودين في الحدود كلِّها، لأن توبة القاذف إكذاب نفسه، وتوبة الآخرين بأفعال تَظهَر منهم وندم.
وأما مسروق، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، فعنهم اختلاف وقد ذكرناه.
وأما شُريْح، وإبراهيم، فكان عندهما أن توبة القاذف تكون كتوبة غيره، تخفى عنهم، لقولهما: إنها بينه وبين ربه .
وهذا قول من لم يتأمل أمر القاذف، القاذف لم نجلده لأنه كاذب لا محالة، قد يجوز أن يكون في قذفه بَرًّا صادقًا، وإنما حَدَدَناه لخفاء صدقه، وعجزه عن الشهداء، وأنه قد كان يجوز له ستر ما علمه إن كان علمه، بل يلزمه ذلك إذا لم تدعه إليه ضرورة، كما تدعو الرجل في زوجته إذا رأى ذلك منها، فذلك مباح له الرمي، لأن له مخرجًا منه باللِّعان، فلما كان ذلك كذلك حددناه بظاهر الأمر، فتوبته رجوعُه عن القول، لم تَكْفِ فيه الحقيقة، كما لم نحُدَّه بالحقيقة.
وهذا القول يَلْزَمُ شريحًا القول به فيمن زنى وسرق وأشباه ذلك، إذا كانوا مُسْتَسِرِّين بفعلهم ألا تُقبل شهادتهم، لأن توبتهم بينهم وبين ربهم عز وعلا، وهو وغيره يقبلون شهادتهم إذا ظهر الخير منهم، وعُرِف بالظاهر الندم على ما كان منهم.
стр. 743
وبلغني عن الفهمي (١) احتج لذلك بقول اللَّه : ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾، فهذا يوجب أن يكون القاذف فاسقًا حين قذف إلى أن يأتي بالشهداء، وأصحابُه لا يجعلون القاذف فاسقًا مردودَ الشهادة إلا بعد أن يُحَد، فأدخل شيئًا في غير بابه، لأن هذه الآيات نزلت في عائشة زوج النبي ﷺ تنزيهًا لها لموضعها من الدين والطهارة، وعاتبَ القومَ في أمرها وألزمهم لمعرفتهم بها وجلالتها أن يقولوا ذلك، ولم يعن بذلك سائر الناس، والذي رمى عائشة لم يقله عن تيقن، وإنما قاله لتخلفها عن الجيش ولم يقبَل عذرها، وقالوا بأفواههم ما ليس لهم به علم كما وصف اللَّه ، وكان هذا عظيمًا في امرأة من أفناء الناس، فكيف في امرأة شبهها اللَّه ﵎ في الطهارة برسول اللَّه ﷺ فقال عز من قائل: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦]، الطيبات: عائشة، والطيبون: الرسول ﷺ ، ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ﴾: عائشة، وصفوان بن مُعَطِّل، وسائر الناس لا يُشَبَّهُون بها، لأن القاذف قد يكون صادقًا، وإنما يُحَدُّ بالظاهر، وأنه كان يَسَعُه السكوت إذا عجز عن البينة، بل له أن يسكت وإن كانت البينة يقدر عليها، لما أمر اللَّه به من الستر على عباده.
وإنه لعظيم عندي أن ينطلق لساني بالاحتجاج بقصة عائشة ﵂ المطهرة، ولكن دعت الضرورة لتشبيه هذا الإنسان القاذف بأمر عائشة، التي عاتب اللَّه ﵎ الخلق في أمرها ووعظ غاية الوعظ، لأن أصله تخَرُّصٌ من غير أصل، وكل قاذف ليس كذلك، لأن منهم من يجوز أن يكون قد رأى، أو منهم من يقدر على الشهداء، فليس يقال له: إنه من الفُسّاق حتى يعجِز، وما لم يُحد فقد يجوز أن يأتي تصديقُه، وإنما يُحد ليُكَذَّب عن المقذوف، ويحكم على
стр. 744
القاذف بالكذب، وليس يحكم على القاذف بنفس القذف حتى يعجِزَ عن البينة ويُحَد، ألا ترى أنه لو قذف صبيًّا لم يبلغ ولا يجوز منه الوطء، أو مَجْبوبًا (١) لا يكون منه الوطء، لكُنا قد علمنا أنه كاذب، فلم نحتج إلى أن يُكَذَّب عنه بالحد لعِلمنا بكذبه.
وليس يجوزأن يجعل في الحكم فاسقًا غير مقبول الشهادة، إلا في الوقت الذي أمر اللَّه به، وهو بعد إقامة الحد، فإذا أقيم الحد فقد ثبت الحكم، وإلا فهو على أصل عدالته وسِتره، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 745
٦ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية
[أحكام الملاعنة]
٤٧ - نا إبراهيم بن حماد، قال: نا إسماعيل بن إسحاق، قال: نا سليمان بن حرب، قال: نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: لما فرق رسول اللَّه ﷺ بين أخَوي بني العَجْلان قال: "اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ " (١).
ورواه عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، فقال فيه رسول اللَّه ﷺ للمتلاعنَين: "حسابكما على اللَّه وأحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها"، قال: يا رسول اللَّه مالي، قال: "لا مال لك، إن كنت صدقت عليها، فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها، فذلك أبعد لك منه" (٢).
وطرق هذا الحديث كثيرة.
٤٨ - نا أحمد بن موسى، وابن فهد، قالا: نا القعنبي، قال: نا مالك، عن ابن شهاب.
стр. 746
٤٩ - وأخبرناه القاضي إسماعيل، قال: نا أبو مصعب، قال: نا مالك، عن ابن شهاب.
٥٠ - ونا الحارثي، قال: نا إسحاق بن موسى، قال: نا معن بن عيسى، قال: نا مالك عن ابن شهاب، أن سعد بن سعد الساعدي أخبره أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: يا عاصم، لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ سل يا عاصم عن ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فسأل عاصم رسول اللَّه ﷺ عن ذلك فكره رسول اللَّه ﷺ المسائل وعابها، حتى كَبُر على عاصم ما سمع من رسول اللَّه ﷺ ، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال له: يا عاصم ماذا قال لك رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال عاصم لعويمر: لم تأت بخير قد كره رسول اللَّه ﷺ المسألة التي سألت عنها، فقال عويمر: واللَّه لا أنتهي حتى أسأله عنها، فجاء عويمر ورسول اللَّه ﷺ وسط الناس، فقال: يا رسول اللَّه أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "قد أنزل اللَّه فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها"، قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول اللَّه ﷺ ، فلما فرغا من تلاعنهما، قال عويمر: كذبتُ عليها يا رسول اللَّه إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول اللَّه ﷺ .
قال مالك: قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين (١).
ولهذا الحديث طرق، رواه عن الزهري جماعة، إلا أن إبراهيم بن سعد زاد: فيه: ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "أنظروها، فإن جاءت به أَسْحَم (٢) أدَيْعِجَ
стр. 747
العينين (١)، عظيم الأَليتين، فلا أراه إلا وقد صدق، وإن جاءت به أُحَيْمر كأنه وَحَرَة (٢) فلا أُراه إلا كاذبًا"، قال: فجاءت به على النعت المكروه.
٥١ - ونا زياد بن الخليل، أو عثمان بن عمر الضبي، أحدهما قال: نا مسدَّد، قال: نا سليمان، عن الزهري، عن سهل بن سعد قال: شهدت المتلاعنين على عهد رسول اللَّه ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة ففرق بينهما النبي ﷺ حيث تلاعنا (٣).
قد روى نحو ذلك، أعني نحو حديث إبراهيم بن سعد، عبدُ الرحمن بن القاسم، عن ابن عباس، وإن اختلفت الألفاظ، فالمعنى واحد.
وكذلك رواه ابن مسعود، ورواه أنس بن مالك فقال فيه: رماها بشريك بن سَحْماء، وكان أخا البراء بن مالك لأمه، وذكر أنها جاءت به على النعت المكروه.
قال ابن عباس ﵁: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] قال سعد بن عُبادة: يا رسول اللَّه هكذا أنزلت؟ فلو وجدت لَكاعًا (٤) مُتَفَخِّذها رجل، لم يكن لي أُحركَه ولا أُهَيِجَه حتى اَتي بأربعة شهداء؟ ! فواللَّه لا آتي بأربعة شهداء حتى يقضي حاجته، فقال
стр. 748
رسول اللَّه ﷺ : "يا معشر الأنصار، ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم؟ " قالوا: يا نبي اللَّه لا تلمه فإنه غيور، واللَّه ما تزوج فينا قط إلا عذراء، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد: واللَّه يا رسول اللَّه إني لأعلم أنها من اللَّه، وأنها حق، ولكني عجبت.
فإن نبي اللَّه ﷺ لَكذلك، إذ جاءه هلال بن أمية فقال: يا رسول اللَّه إني جئت البارحة عشيًّا من حائط لي كنت فيه، فرأيت مع أهلي رجلًا فرأيته بعيني وسمعته بأذني، قال: فكره رسول اللَّه ﷺ ما جاء به، فقيل: يُجلد هلال، وتبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال: يا رسول اللَّه إني لأرى في وجهك أنك تكره ما جئتك به، وإني لأرجو أن يجعل اللَّه لي فرجًا.
فإن نبي اللَّه ﷺ لَكذلك، إذ نزل عليه الوحي وكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه إذا نزل عليه الوحي، تَرَبَّد لذلك وجهه (١) وجسده، فأمسك عنه أصحابه فلم يكلمه أحد منهم، فلما رُفع الوحي قال رسول اللَّه ﷺ : "أبشر يا هلال، فقد جعل اللَّه لك فرجًا"، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "ادعوها"، فدُعيت، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه ﵎ لَيعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ " فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا هلال"، فقال هلال: واللَّه ما قلت إلا حقًّا ولقد صدقتُ، فقالت هي عند ذلك: كذب، فقيل لهلال: أشهد، فشهد أربع شهادات باللَّه إنه لمن الصادقين، وقيل له عند الخامسة: اتق اللَّه يا هلال، فإن عذاب اللَّه أشد من عذاب الناس، وإن هذه الموجبةُ التي توجب عليك العذاب، فقال: واللَّه لا يعذبني اللَّه عليها أبدًا كما لم يجلدني عليها، فشهد الخامسة أن لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين، وقيل لها: اشهدي، فشهدت أربع شهادات باللَّه إنه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة: يا هذه، اتق اللَّه فإن عذاب اللَّه أشد من عذاب الناس، وإن هذه الموجبةُ التي توجب عليك
стр. 749
العذاب، فتلكأت ساعة، ثم قالت: واللَّه لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة أن غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين.
قال: ونهى رسول اللَّه ﷺ أن ترمى، ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها جُلد الحد، وليس لها عليه قوت ولا سكنى، من أجل أنهما يتفرقان بغير طلاق (١).
٥٢ - نا إبراهيم بن حماد، ومحمد بن يوسف، قالا: نا إسماعيل، قال: نا محمد بن أبي بكر، قال: نا سليمان بن داود، قال: نا عبّاد بن منصور، قال: نا عكرمة، عن ابن عباس بهذا الحديث بطوله.
وفي هذا الباب أحاديث كثيرة.
[المحدود في القذف هل يلاعِن ؟ ]
وزعم أبو حنيفة وأصحابه أن المحدود في القذف إذا قذف زوجته لم يكن بينهما لعان، لأن شهادته لا تقبل، قالوا: وكذلك العبد إذا قذف زوجته، لأنه لا تقبل شهادته (٢)، فأدخلوا شيئًا في غير بابه، بأن اللَّه قال في القَذَفَة: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، فعُلم أنه عَنى بذلك ألا تُقبل شهادتهم لغيرهم، لأن القاذف والعدل المرضي لا يكون شاهدًا لنفسه، ولا تقبل شهادة واحد منهما لنفسه، لأن الشاهد عدل بين خصمين، فإن كان عدلًا قُبلت شهادته، وإن كان غير عدل لم تقبل شهادته، والشاهد لنفسه إنما هو خصم لا يُقبَل قولُه على خَصمه، ولو كان أعدل الناس، فكيف يدخل قاذف زوجته في باب من تقبل شهادته عليها وهو خصم لها.
стр. 750
ولو كان اللِّعان يجري مجرى الشهادات، لما لُوعن بينهما حتى تثبت عدالتهما، إنما جعل اللَّه اللِّعان رحمة لعباده، إذ كان الأزواج لا يجرون مجرى غيرهم من سائر الناس الذين أُخذ عليهم، ومنعوا من الرمي، إذ كانوا لا ضرر عليهم في أنفسهم فيما عاينوه، والزوج يلزمه من إظهار ما رأى وعاين ما لا يلزم غيرَه، لأنه يخاف أن يَلحق به نسب ليس منه، فجُعل له إذا أنكر حملًا، ولم يعرف له نسب أن ينكره، وجُعل له إذا عاين أو شاهد الزنا أن يخبر به، ثم جُعل له المخرج من ذلك باللِّعان، ولم يجُعل ذلك لغيره لضرورته إليه، ولا ضرورة لغير الزوج إلى ذلك.
وإنما قيل: يشهد أربع شهادات باللَّه، لأن ما حكاه مأخوذ من باب المشاهدة بالأبصار أو بالقلب، فسمي شهادة لهذه العلة، ولذلك قال مالك ﵁: إن من قال لامرأته: يا زانية، ولم يقل: رأيت ولا نفى حملًا، أنه يُحَدّ ولا يلاعِن، لأن ذلك أُخذ من باب المشاهدة، فالرجل يقول في لعانه: أشهد باللَّه لقد رأيتها تزني، وأشهد باللَّه ما هذا الولد مني، فهذه الأُولى مأخوذة من باب النظر، والثانية من باب مشاهدة القلب، قال اللَّه : ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، والشهادتان جميعًا عن علم منه بهما، وشهادتها (١) عن علم منها بصدقه أو كذبه، فكل واحد منهما موكول إلى علمه، وإن كان أحدُهما كاذبًا (٢) لا محالة، فإذا كان اللعان أيمانًا على مشاهدة، فكيف تجعل شهادة، والعدل لا تقبل شهادته لنفسه؟ وكيف شبهوا اللعان بالشهادة؟ والشاهد لو قال: أشهد باللَّه مائة مرة لزيد على عمرو درهم واحد، ما جازت شهادته، لأن الشاهد إذا حلف كان مُتَّهَمًا.
وكل من حُكم عليه بيمين أو حُكِم له بيمين، فالبَرُّ والفاجر والحر والعبد فيهما سواء، والمسلم والذمي، وقد عمَّ اللَّه ﵎ في كتابه
стр. 751
الأزواج فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، فكل هؤلاء من الأزواج. ولو أن رجلًا فاسقًا ظاهر الفسق قذف امرأته لوجب بينه وبينها اللِّعان في قولهم، وهم لا يقبلون شهادته، وكذلك الأعمى في قولهم، وهم لا يقبلون شهادته، فقد أخرجوهما من باب الشهادات.
ولو أن رجلًا شهد على امرأته بالزنا وهو عدل، وشهد معه على ذلك ثلاثة شهود، لما قبلت شهادتهم عليها، حتى يشهد عليها أربعة سواه، لأن اللَّه يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾، فالشهداء على الزنا أربعة، فإذا لم يكونوا أربعة سواه لم تقبل شهادتهم، فكيف يجري أمره وحده مجرى الشهادات.
وقالوا: لا يكون بين الزوجين لعان حتى يكونا حُرَّيْن مسلمَيْن، لأن الرجل المسلم إذا قذف زوجته النصرانية، لم يكن عليه حَدّ، وكذلك إذا قذف زوجته الأمة (١) لم يكن عليه حدّ.
هذا القول إنما يجوز لقائله أن يقول، إذا علم أن اللَّه ﵎ إنما أوجب اللِّعان من أجل الجَلْد خاصة، وليس في هذا دليل من كتاب اللَّه ولا سنة نبيه ﷺ ، وليس الرمي الموجب للِّعان القذفُ بما لم يشاهد، المسلِم -عندنا- إذا قذف زوجته المسلمة وقال: لم أر ولا تيقنت جُلد ولم يلاعِن، وإنما الذي يلاعِن من يقول: رأيت وتبينت، كما في الحديث.
فإن قال قائل: قال اللَّه ﵎: ﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ كما قال: ﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾.
стр. 752
قلنا: اللفظ قد يستوي ويفترق والمعاني، قد قيل: "البينة على المدعي" (١)، ويكون مدعي بحق، ومدعي بباطل، فمن أتى ببينة وإن كانت في الظاهر بيانًا، فليس كمن لم يأت ببيان، واللَّه أعلم.
وقد سمى اللَّه ﵎ رامي زوجته شاهدًا، ولم يسم رامي الأجنبية شاهدًا، فهذا بذلك على ما قلناه، وإنما المعنى في اللِّعان ما يسقط به الولد عن الزوج إذا نفاه ولاعن زوجته.
وقد أسقط رسول اللَّه ﷺ الولد وجعله لأمه، ومنع أبو حنيفة وأصحابه، إذا كانت زوجته أَمَة أو نصرانية نفي الولد وألزموه ذلك، وجعلوا الولد إذا كان من أَمَة أو نصرانية ألزمَ له من أن يكون من زوجة حرة مسلمة (٢)، وجعلوا قول الزوج للنبي ﷺ : أرأيت إن وجد مع امرأته رجلًا، فإن تكلم به تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك، ولو كان اللِّعان لدرء الحدِّ لما كان الزوج إن سكت سكت على أمر عظيم، ولم يعلموا ما يخص الزوج من ذلك مما هو فيه مباين لسائر الناس.
وقالوا أيضًا: إن اللِّعان لا يوجب الفُرقة حتى يطلِّق الزوج (٣)، واحتجوا بحديث سهل بن سعد وهو عليهم، لأن سهلًا قال في الحديث: فطلقها من غير أن يأمره رسول اللَّه ﷺ بذلك، وذهب عنهم ما رواه ابن عمر.
٥٣ - [نا] (٤) أحمد بن موسى، قال: حدثني القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رجلًا لاعن امرأته في زمان رسول اللَّه ﷺ وانتفى من ولدها، ففرق رسول اللَّه ﷺ بينهما، وألحق الولد بالمرأة (٥).
стр. 753
ولا نعلم بين التابعين ممن فسر الآية خلافًا في ذلك: أن كل زوج يلاعِن، إلا شيئًا (١) يُروى عن إبراهيم النخعي، ولا أظنه يثبُت.
[نُكُول المرأة]
وزعم العراقيون: أن الزوج إذا التَعَن ولم تَلْتَعِن المرأة لم يقم عليها الحَدّ وحُبست (٢)، وتركوا قول اللَّه ﵎: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٨]، والألف واللام لا تدخل إلا للمعرفة، فعُلِم أن العذاب هو العذاب المعروف بعينه، وقد ذكر اللَّه ﵎ في أول السورة فقال عز من قائل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال ﵎: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وكل هذا مشارٌ به إلى حد الزنا لأنه شيء بعينه، ولأن المرأة إنما رميت بالزنا، وحلف عليه الزوج، فما كان في ذلك من عذاب (٣) فإنما هو العذاب المعروف بالألف واللام.
وقد تأول لهم متأول منهم: أن العذاب هو السجن، بقول اللَّه ﵎: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥]، ولم يعرف ما احتج به، لأن العذاب الذي ذكر اللَّه ﵎ غير السجن، وليس بمُعَيَّن، وإنما قال: قالت: كذا أو كذا، ويمكن أن تكون المرأة أرادت جنسًا من أجناس العذاب، لأنه يُكْره.
стр. 754
وأبو حنيفة وأصحابه يحكمون بالنُّكول في الحقوق بغير يمين من الطالب، وجعلوه بمنزلة الإقرار، والمُلاعِن قد تقدمت أيمانه على ما ادعى، ثم لا يحكمون على المرأة بنكولها، وقد أُنْزل فيها من القرآن ما أنزل.
وممن انتهى إلينا تفسيره ممن فسر هذه الآية قالوا: إذا لم تُلاعن جُلدت أو رُجمت، وقول النبي ﷺ للملاعِن: "عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة" عند الجلد، وكذلك قوله للمرأة: "عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة" (١) إنما أرادوا الحدّ، ودخول الحبْس، فما بين ذلك لا أعرف له وجهًا، وقوله للمرأة: "عذاب الدنيا أيسر" أراد الحبْس عندهم إن أقَرَّت، ما هذا عذاب من أقرّ بالزنا.
[الفُرقة في اللعان]
فأما الشافعي فخالفنا في هذه المسألة في موضعين، أحدهما: الحجاج فيه قد مضى على أبي حنيفة وعليه أيضًا، والآخر: أنه زعم أن الزوج إذا تم لعانه وقعت الفُرقة من قَبْلِ أن تلتعن المرأة (٢)، والمرأة لو شهد عليها بما رماها به الزوج أربعة شهداء، وَحَقَّ عليها الزنا لما لزمه بذلك فراق، فكيف يكون بتحقيقه هو وأيمانه عليها بالزنا مفارقًا لها؟ ! ليس الحلف على الزنا موجبًا للطلاق ولا للفراق، ولا لعنه لنفسه إن كان كاذبًا موجب للفراق، وقد يكون صادقًا في حلفه.
وزعم أنه قال ذلك من قِبَل أن الفراق إنما يكون بالرجال، وهو مع ذلك يقول: إن الرجل إذا مَلَّك امرأته الطلاقَ فطَلَّقَت، كان هو المطَلِّق، فأقامها مقام الوكيل فيما جعله إليها، فإن ملَّكها فلم تُطَلِّق لم يلزمه طلاق، فهلَّا قال: إنه لما الْتَعَن جعل إليها أن تلتعن، فإن لم تلتعن بقِيَتْ على الزوجية، إلى أن يُحكم عليها فتُحَدّ، وإن التعنت فكأنها فارقت بما جعله إليها وفي يدها.
стр. 755
وقد قال مالك: إن الفُرقة تقع بتمام اللِّعان بينهما، من أجل الغضب، واللعنة قد حقَّت على أحدهما، واللَّعْن للكفار، وهما وإن لم يكونا بذلك كافرَيْن ولا أحدهما وهو الكاذب -هو أو هي- فقد حَقَّت اللعنة، فلا يجوز أن تكون مسلمة تحت ملعون، ولا ملعونة تحت مسلم، إذ وقع التشبيه باللعن، قال اللَّه ﵎: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، والظالمون هاهنا: الكافرون، قال ذلك ترجمان القرآن ابن عباس ﵀، ولو أن الشافعي اتبع لسلِم، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 756
٢٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾
قال أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله : ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ إنما هو: تستأذنوا وتسلموا على أهلها، وقال: غلط الكاتب (١).
وقال جماعة من المفسرين من مجاهد، وعطاء، وغيرهم نحو ذلك، ولم يذكروا غلط الكاتب (٢).
وقال بعضهم: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ هو: أن يعلم الداخل أن المدخول عليه لا يكره دخوله، وهذا أصح في المعنى، أن يكون الاستئناس أليقه بالمقصود.
[وجوب الاستئذان]
ومع ذلك، فلا بد من الاستئذان، ألا ترى أن ابن عباس روى أنه قال لعمر بن الخطاب ﵁: مَن اللتان تظاهرتا على رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال له: عائشة، وحفصة، ثم قصَّ عمر القصة، فذكر أنه أتى النبي ﷺ وهو في مَشْرُبة (٣)، وغلام أسود واقف، فقال له عمر: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج فقال: قد ذكرتك له فصمت، فعل ذلك ثلاثًا، فلما ولَّى عمر اتَّبعه الغلام فقال: قد أذن لك، وذكر القصة بطولها (٤)، ومع ذلك فإن أبا موسى الأشعري استأذن
стр. 757
على عمر ثلاثًا فلم يؤذن له، فانصرف فرده عمر فسأله عن انصرافه، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "الاستئذان ثلاثًا"، فقال له عمر: لتأتين على ذلك ببينة وإلا، فأتاه بأبي سعيد الخدري فشهِد له (١).
وهذان حديثان مرفوعان يدفعان ما رُوي عن ابن عباس، من أنه غلط من الكاتب، أنه: تستأذنوا، وأن الكاتب غلِط فكتب: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾، ورجع معنى تستأنسوا إلى معنى تستأذنوا، لأن الإذن إيناس.
وكل رواية جاءت مخالفة لمصحفنا رُدت على راويها، دون من حكي عنه ذلك من الصحابة، لأن مَن دُونَه أولى بالخطأ منه، والصحيح ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾، ومعناه: تستأذنوا، وهو موافق لما قاله جماعة من المفسرين: أن يكون المدخول عليه لا يكره دخول المستأذن عليه، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 758
٢٩ - قال اللَّه : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾
هي: الخانات، والدور التي فيها أسواق التجار (١).
ومعنى ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾، يعني: تجارات لكم، واللَّه أعلم.
﴿لَكُمْ﴾ مثلُ قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، يأكل بعضكم أموال بعض، كذلك ﴿مَتَاعٌ لَكُمْ﴾، أي: لجماعتكم متاع بعضكم من بعض.
قال مجاهد وغيره: يدخل بغير إذن.
وقال عكرمة: كان ابن عمر يستأذن في مثل هذه، وفي القباب التي تضرب بمنى، وعلى الطريق للتجارات، فسُهِّلِ ذلك من أجل أن ليس فيها حُرم، أن يسلِّم الإنسان ويدخل.
والأحسن في ذلك أن يدخل الخانات بغير إذن، فأما بيوت الخانات والقباب وما أشبه ذلك مما ينفرد به الإنسان لنفسه ومتاعه، فلا يدخل إلا بإذن واللَّه أعلم، يقول: السلام عليكم، أَأَلِج؟ فإذا أُذن له دخل، هذا ألْيَق بالسُّنَّة.
* * *
стр. 759
٣٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
يغضوا من أبصارهم عن جميع ما لا يحِلّ لهم النظرُ إليه، وعما لا يأمَنوا الفتنة به، وعلى المرأة من ذلك فوق ما على الرجل.
* * *
стр. 760
٣١ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾
أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأُتْفوي، قال: أخبرنا أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري القاضي، قراءة عليه بمصر في منزله وأنا أسمع، قال:
قال عبد اللَّه بن مسعود: الثياب (١)، وقال: الزينة زينتان، زينة باطنة، وزينة ظاهرة، فالباطنة كلها للزوج، كل ما تزينت به المرأة، والظاهرة (٢) لسائر الناس على وجه المعروف (٣)، هذا معنى قوله.
وقال ابن عباس: الوجه والكفان ما ظهر، والخاتم (٤).
وقال ابن عمر: الوجه والكفان (٥).
وقال المفسرون بكل قول من ذلك (٦).
стр. 761
والذي عندي واللَّه أعلم، أنه الوجه والكفان على وجه المعروف، لا على تأمل المحاسن، لقول النبي -صلي اللَّه عليه وسلم-: "لك الأولى وليست لك الثانية" (١)، والتَخَفُّرُ أيضًا لفساد الناس واجب على المرأة في الوجه والكفين، فأما الثياب فأمرها سهل، والمحاسن في الوجه، فتأمُّلُه محظور، على من خاف الفتنة، وكذلك الكَفّان، قال الشاعر:
هِلالية الأطراف مُرِّية الحشا ... فَزارية العينين طائية (٢) الفم (٣)
وقال الأصمعي: الحُسن في العينين، والجمال في الأنف، والمَلاحَة في الفم.
* * *
стр. 762
٣١ - قال اللَّه : ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾
دخلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر على عائشة زوج النبي ﷺ وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فتناولته عائشة فشقته عليها وقالت: أما تعلمين ما أنزل اللَّه ﵎ في سورة النور؟ ! ودعت بخمار فكستها إياه (١).
وقال جابر: تلبس ما لا يشِفُّ شعَرًا، ولا يُبدي نحْرًا.
* * *
стр. 763
٣١ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية
ما شارك فيه الزوجُ من ذلك الأبَ والابنَ والأخَ، إلى آخر الآية، فإنما هو: الوجه واليدان إلى المرفقين، والعنق، والشعر، وما أشبه ذلك، يستوي فيه الزوج وغيرُه من المسمَّين بالرحم، على وجه المعروف وإتباع النظرِ النظرَ، ويجوز للأب إذا كان مأمونًا أن يُقبِّل منها هذه المحاسن فقد كان رسول اللَّه ﷺ يُقبِّل من فاطمة ﵂ فاها (١)، ويجوز مثل ذلك للولد إذا كان مأمونًا، ولا يجوز ذلك للأخ ومَن دونه ممن ذكر في الآية من ذوي الأرحام، ويختص الزوج بالتلذذ دون الجماعة، وبالنظر إلى ما تحت الإزار من سائر البدن إلا الفرج فإنه لا ينظر إليه ذو دِين، واختلف المفسرون في بعض ذلك، والذي توجبه الآية عندي ما ذكرته.
[ما يرى العبد من سيدته]
وأما قوله سبحانه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ (٢)﴾ فإن سعيد بن المسيب قال: الإماء دون الذكور من العبيد (٣).
وقال الشعبي وغيرُه: يرى الذكور من العبيد الوجه والكفين، دون الشعر وما أشبهه.
стр. 764
وروى الزهري عن نبهان مولى أم سلمة زوج النبي ﷺ ، أنه حدثه أنه بينما هو يسير مع أم سلمة بطريق مكة، وقد بقي عليه من كتابته ألفا درهم، قال: فكنت أتمسك بهما كي ما أدخل عليها فأراها، فقالت وهي تسير: ماذا بقي من كتابتك؟ قلت: ألفا درهم، قالت: هما عندك؟ قلت: نعم، قالت: فادفع ما بقي من كتابتك إلى محمد بن عبد اللَّه بن أبي أمية فإني قد أعنته بهما على نكاحه، وعليك السلام، ثم ألقت دوني الحجاب، قال: فبكيت ثم قلت: لا واللَّه لا أعطيه إياها أبدًا، قالت: واللَّه يا بني إنك لا تراني أبدًا، إن رسول اللَّه ﷺ عهد إلينا أن إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء بما بقي من كتابته فاضربن دونه الحجاب (١).
ففي هذا الحديث بيان أن العبد يرى سيدته ما كان عبدًا، والذي يراه الوجه والكفين، وليس بمَحرم لها، فيجوز له أن يسافر بها، لأن حرمته منها لا تدوم، وقد قال اللَّه ﵎: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨]، فأجرى ما ملكت أيمانهم مجرى الذين لم يبلغوا الحلُم منهم، وأمروا بالاستئذان في العورات الثلاث، لأن الناس يطرحون ثيابهم في هذه الأوقات، ولا يكونون في التستر فيها كما يكونون في غيرها، فهذا حكم العبد فيما يراه من سيدته، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 765
٣١ - قال اللَّه ﵎: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾
قال الزهري، عن عروة، عن عائشة، وعن علي بن الحسين: إن مُخَنَّثًا كان يدخل على أزواج رسول اللَّه ﷺ ويَرَيْنَه من غير أولي الإربة من الرجال، حتى دخل رسول اللَّه ﷺ ذات يوم على أزواجه، فوجده يذكر بادية بنت غيلان الثقفيِّ امرأةَ عبد الرحمن بن عوف، وهو ينعتها أنها تلبت (١) بالذكر والأنثى، وأنها تُقْبِل بأربع وتُدْبِر بثمان، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا أرى يحسن ما هاهنا، لا يدخُلَنَّ عليكن"، فحجبنه (٢).
وروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة قالت: دخل عليها رسول اللَّه ﷺ وعندها أخوها عبد اللَّه، وعندها مخنث وهو يقول له: يا عبد اللَّه إن فتح اللَّه عليكم الطائف غدًا، فعليك بابنة غيلان، فإنها تُقْبِل بأربع وتُدْبِر بثمان، فقال: "لا يدخل هذا عليك" (٣).
стр. 766
وقال المفسرون: قال عكرمة: الذي لا يَقوم إِرْبُه (١).
وقال مجاهد والشعبي: من لا أَرَب له في النساء (٢).
وقال الحسن: الأحمق (٣).
وروي عن مجاهد أيضًا: المعتوه الذي لا يَعقِل شيئًا من أمر النساء (٤).
وقال سعيد بن جبير: هو الذي لا يَقُوم ذكرُه ولا ينتشر، والمعتوه (٥).
وقال طاوس: الأحمق الذي ليس له في النساء حاجة (٦).
وقال الأوزاعي والليث: المختلط عقلُه.
قال بكر: قد ذكرنا ما رُوي في ذلك، وإذا كان التابع ممن لا يَرغب النساءُ في مثله وحشةً وبلادة، دخل في المعنى، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 767
٣٢ - قال اللَّه : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
[الولاية في النكاح]
حدثنا القاضي بكر قال: أخبرنا إسماعيل القاضي قال: روى المقبري، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ثلاثة كلهم حق على اللَّه عونه: المجاهد في سبيل اللَّه، والناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء" (١)، فهذا الحديث يدل على أن اللَّه ﵎ يُعِين الثلاثةَ بالرزق والمال.
ودلت الآية على أنه لا يجوز لأحد من المخاطب فيهن أن يزوج نفسه إذا كانت المخاطبة لغيرهم في إنكاحهم، فكان المخاطب في الأيامى وهن: كل امرأة لا زوج لها بِكرًا كانت أو ثَيِّبًا، لا يختلف أهل اللغة في ذلك، بل تُوجبه الآية عندهم، ولولا ذلك لكانت البِكر لم يؤمر بإنكاحها في شيء من القرآن، قال الشاعر:
فإن تَنكِحي (٢) أَنكِح وإن تَتأيَّمي ... وإن كنت أفْتى منكمُ أتَأَيمُ (٣)
стр. 768
فالعرب تقول للرجل لا زوجة له: أَيِّم.
والمخاطَب: العبد والأمة، والعقد عليهم للسّادة، ثم فسر النبي ﷺ في الأيامى، إذ الآية تحتمل أن تُزوج الأَيِّم شاءت أو كرهت، وتحتمل بأمرهن، بأن قال: "الأَيِّم -وهي كل امرأة لا زوج لها من بكر وثيِّب- أحق بنفسها من وليها الذي ليس له أن يزوجها إلا بأمرها" (١)، فأثبت الولاية عليها، وأنه ليس لها (٢) أن تُزوج نفسها، ولا لوليها أن يفتات عليها بالعقد قبل إذنها، إذ هي أحق بنفسها منه فلها الاختيار، والعقد به وإليه.
ثم قسم صلى اللَّه عليه الأيامى قسمين: منهن ثيِّب، وأبكار، فقال في جنس الأبكار إذ كان الحياء يمنعهن من الاختيار وطلب الزوج: "والبكر تُستأذن وإذنها صُماتها" (٣)، فقيل في هذا الجنس: إن الولي يختار ويستأذن، وجعل للحياءِ الصُّماتَ الإذن.
قال محمد بن مسلمة، عن مالك: وليس كل امرأة [صمتت] يُعْلَمُ (٤) أن إذنها صُماتها، فينبغي للولي أن يقول لها: صماتُك إذْنٌ؟ فإذا صمتت بعد ذلك زوّجها (٥).
стр. 769
فقد ثبتت الولاية على كل أيم بالآية والسُّنة، وبآية أخرى وهي قوله سبحانه: ﴿فَلَا (١) تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فلو كان أمرها إليها أيُّ عَضْل كان يلحقها؟ وما وجب العتاب في النهي عن العضْل، فأمرها إليها.
وهذه الآية نزلت في معقل بن يسار، وذِكرُها في موضعها إن شاء اللَّه.
فأما الأب فلا يدخل في معنى الحديث في قوله: "البكر تستأذن"، لأن الأب يزوجها صغيرة، ويجوز ذلك عليها أحبَّت أو كرهت، إذا كان الأب رشيدًا، وقد تزوج رسول ﷺ عائشة من أبي بكر رحمة اللَّه عليهما وهي ابنة سبع، ودخل عليها وهي ابنة تسع.
وأجمع أهل العلم على جواز ذلك في الصغيرة (٢) للأب (٣)، إلا شيئًا ذُكر عن داود الأصبهاني، وفيه طعن على نكاح رسول اللَّه ﷺ عائشةَ ﵂، ورأيت من أصحابه من ينكر ذلك، ومنهم من يُقِرُّ به، وعلى أنه لو قاله ما كان قولُه خلافًا، لأن العلم يؤخذ عن الأكابر لا عن الأصاغر، ومن يأتي ليس بخلاف على من مضى.
ولما قال اللَّه : ﴿الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، عُلم أنهن الحرائر وهن لا يملكهن، وللأب أن يعقد عند مالك على ابنته ما كان نفقتُها عليه واجبة، فإذا زالت النفقة عليه بانتقالها إلى غيره لم يعقد عليها إلا بأمرها.
قال الحسن البصري: الأب يزوج الثَّيِّب -أيضًا- وهي كارهة، ولقوله وجه صحيح، ولكنه انفرد به، والعمل على الإجماع أولًا، ومثله يكون خلافًا.
стр. 770
فأما العبد والأَمَة فإن مالكًا يرى أن يعقد السَّيِّد عليهما شاءا أم أبَيا لأنه مالكٌ لهما ولنَسْلِهِما، وله أن يبتغي ذلك منهما، وقال جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قالوا: يُكرِهون المملوكين على النكاح، ويُغلَق عليهم الباب.
وقد قال أبو حنيفة وأصحابُه في الأيامى قولًا دعاهم إليه قلة علمهم بالقرآن والسُّنن، وبنائهم على أصول لم يعرفوا أسبابَها، وخالفوا في البِكر أيضًا، والروايات في البِكر تُخرج الأب من الخبر، لأن أكثر من رواه قال فيه: "واليتيمة تُستأذَن"، والكلام في ذلك يأتي إن شاء اللَّه.
* * *
стр. 771
٣٣ - قال اللَّه تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾
[حكم المكاتَبة]
اختلف المفسرون في هذه الآية، فمنهم من قال: إذا ابتغى العبد الكِتابَةَ، وكان له مال، وجب على السَّيِّد أن يُكاتبه (١).
ومنهم من قال: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾: مالًا (٢).
ومنهم من قال: أداءً وأمانةً (٣)، وقال: إذا ابتغى منه الكتابة وعَلِم منه ذلك، لزمه أن يُكاتبه.
ومنهم من قال: ليس يلزمُه أن يُكاتبه إلا أن يشاء، وإن علم أداءً وأمانةً (٤).
стр. 772
ومنهم من قال: ليس له أن يُكاتبه إلا أن يبتغي الكتابة.
ومنهم من قال: له أن يكاتبه كَرهًا إذا علم أداءً وأمانةً وقدرةً على ما يُكاتِبُه عليه.
وقال مالك: ليس على السيد أن يكاتبه كَرهًا، وله أن يكاتب عبده كرهًا (١).
فأما قول من قال: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ مالًا، فالخير لعَمري المالُ، إلا أن مال العبد للسيد أن ينتزعه، ويبقى عنده بغير مال، فكيف يُكاتبه على شيء له أن يأخذه بغير كتابة؟
وأما قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾، وإن كان بلفظ الأمر، فقد يأتي لفظ الأمر يُراد به الإطلاق من حظْرٍ والإذن والنهي (٢)، قال اللَّه : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وقال سبحانه: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وقال ﵎: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥]، وهذا غاية الوعيد والنهي والزجر.
وقد رُوي أن عمر حلف على أنس أن يكاتب سيرين (٣)، وهذا من عمر على وجه النظر لأنس، والرغبة له في الخير، ولو كان يراه واجبًا لألزمه وحكم به عليه، ولم يحلف عليه، وإنما يمينه فعل الوالد ونظره لولده، لا على وجه الإجبار، فعمر ﵀ للناس جميعًا كالأب الشفيق، ولو كان أنس يعلم أن ذلك واجب (٤) عليه لما امتنع منه، وإنما أُمر بذلك على وجه الندب، ورُدّ إلى
стр. 773
علم السادة، فقيل: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، يعني أداء وأمانة، فلا مدخل للحاكم في ذلك، وما ليس للحكام فيه مدخل فيما يتنازع الناس فيه، فليس بواجب، وإذا لم يجب ارتفع التنازع.
وقد حُكي عن الشافعي أنه قال في المملوك يسأل سيِّدَه المكاتبة: أن ذلك لا يجب على السَيِّد، وأنه إذا كاتبه وجب أن يُجبَر السيدُ على أن يضع عنه مما عقد عليه الكتابة شيئًا ما كان، قال: وهذا واللَّه أعلم عندي مثل قول اللَّه : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، قال: فإن مات قبل أن يضع جُبِر ورثتُه على ذلك، وإن كانوا صغارًا وَضع عنهم الحاكمُ أقلَّ (١) ما يقع عليه اسم الشيء من كتابته، فجعل الشافعي الفرع أوجب من الأصل، وليس يكاد شيء (٢) من (٣) كلام العرب يُعطف بعضُه على بعض، يكون أولُه غيرَ واجب وآخرُه واجب، هذا لا يكاد يُعرف.
وقد يكون الكلام أولُه واجب وآخره غير واجب، قال اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، فبدأ بالعدل وهو واجب، ثم ذكر الإحسانَ بعدَه، وقال : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ (٤) إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فبدأ بالواجب، ثم ذكر التفضل بعدَه.
وهذه الآية التي تأوَّلها الشافعي قد رُويت فيها الأحاديث، فمنهم من قال: يضع عنه الرُّبع، وقال هذا القائل بعد ذلك: إنه لا يراه واجبًا (٥).
стр. 774
وروي عن بعضهم أنه كان يختار أن يضع عن المكاتَب آخر نجومه (١).
ومنهم من رأى أن يعطيه من عنده من غير مال المكاتَبة (٢).
ومنهم من قال: عنى بهذه الآية الناس جميعًا من مولاه وغيره (٣)، فكان ظاهر ما روي عنهم يدل على الاختيار من غير إيجاب.
وأما المتعة فقد رُغِّب المُطَلِّق في ذلك، وقد مضى الكلام في موضعه.
وأما المكاتَب إنما هو شيء في قول الشافعي يسقط من شيء يكون قد وجب للسيِّد، وليس يجوز أن يَسقط من شيء معلومٍ شيءٌ مجهول لا يُعرف مقداره، وكيف يجوز أن يكتب على العبد مثلًا أربعةً آلاف ويشهد عليه بها، وهي أقل من أربعة آلاف؟ قد عملوا على ذلك، وحكم الكتاب أن يكون عدلًا بين المتعاملين، فإن كان الذي كُتب عليه حقًا، فليس يجب على السَّيد شيء سواه، وإن كان باطلًا فإن الكتابة منفسخة.
والشافعي يزعم أن المكاتَب عبد ما بقي عليه درهم مما كوتب عليه (٤)، فإن كان يعني أنه عبد ما بقي عليه درهم سوى ما يجب أن يُسقط عنه، وجب أن يكون ما يُسقط عنه معلومًا في أصل الكتابة، حتى يعلم الحال التي يعتق فيها من الحال التي لا يعتق فيها، لأن هذا حكم بين رجلين، إذا أداه المكاتَب عُتق، فلا بد أن يكون معلومًا كما كانت الكتابة معلومة.
стр. 775
والشافعي يجعله مجهولًا، وقال: أقل ما يقع عليه اسم شيء من الكتابة، فقد يجوز أن يجعله دانِق فضة من عشرة آلاف درهم، فهل يجوز في عقل عاقل أن يأمر اللَّه ﵎ في مثل هذا بهذا؟ وقد يجوز أن يُلزَم في ذلك أن يَحُطَّ حَبَّة، وأحسبه لم يفكر فيما وضع في كتابه من ذلك.
وتأمّلتُ الرواياتِ في ذلك من عمرَ وعليٍّ صلوات اللَّه عليهما ومَن دونَهما، فوجدتُها كلَّها على التكرُّم وعلى غير الإيجاب، وكذلك روي عن عثمان، وقد كاتب عثمان ﵁ عبدًا له على مائة ألف درهم فلم يحط منها شيئًا واستوفاها، وكاتب أنسٌ سيرينَ فاستوفى، ولم يَحُطَّ عنه شيئًا، ونظائر هذا كثير، وهو شيء أمر اللَّه به وندب إليه وأحبه من عباده الأصل والفرع، فلا ينبغي لذي علم أو دين أن يخرج من ذلك إلى المستقبَح، إلا أن يكون قد نظر لعبده حين كاتَبه نظرًا يؤديه إلى العتق، فيجوز له أن يدع ويجوز ألا يدع له شيئًا، كما فعل عثمان وأنس وغيرُهما.
وقد ذكرنا في أول هذه المسألة قول من قال: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ﴾ مالًا، وهو مذهب، وقد جعلوا للعبد مالًا، لأن تفسيرهم وقع على أن للعبد مالًا (١) قبل أن يُكاتب.
والذين قالوا الخيرُ: الصلاحُ، فهو مذهب حسن، وقد قال اللَّه : ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، فدل أيضًا على أن العبد يملك المال، لأنه لا يوصف بالغنى والفقر إلا وهو ممن يملك المالَ.
فإن قيل: إن الفقر المذكور في الآية قد يمكن أن يكون في الأيامى خاصة.