← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 39

أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي

بكر بن العلاء

Полный текст (1 204 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

٤٠ - قال اللَّه : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال قتادة ومجاهد: ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ أي: صلِّ (١) فيه. وقال الحارث عن علي: نهاني رسول اللَّه ﷺ عن أربع، وسألته عن أربع، سألته عن ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾، و ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾، فقال: "أدبارُ السجود: الركعتان بعد المغرب، و (إدبار النجوم): الركعتان قبل الغداة"، وسألته عن الحج الأكبر فقال: "هو يوم النحر"، وسألته عن الصلاة الوسطى فقال: "هي صلاة العصر التي فرط فيها سليمان ﵇" (٢). وقال أبو هريرة والحسن ومجاهد في أدبار النجوم أدبار السجود، مثل ما روي عن علي رضوان اللَّه عليه (٣). وكان ابن عباس يقول: التسبيح في إثر الصلوات (٤). وكان زيد بن أسلم يقول: النوافل خلف الصلوات (٥). وكل ذلك حسن إن شاء اللَّه.

стр. 947

ومن سورة والذاريات

стр. 948

١٧ - قوله : ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ قال أنس بن مالك: كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء (١). وقال مالك بن دينار: سألت سالم بن عبد اللَّه عن النوم قبل العتمة فانتهرني وقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، ما بين صلاة المغرب إلى العشاء ما ينامون. وقال موسى بن يسار في قوله : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ قال: ما بين المغرب والعشاء، كانت الأنصار يصلون المغرب فينصرفون إلى قباء، ثم أقاموا حتى يصلوا العِشاء، فنزلت فيهم الآية، ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يغدون من قُباء، فيصلّون في مسجد رسول اللَّه ﷺ . وقال مُطرّف بن الشّخّير، ومجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل. وقال الحسن: مَدّوا الصلاةَ إلى السَّحَر، ثم جلسوا في الدعاء والاستِكانة والاستغفار (٢). وقال إبراهيم: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ يعني: ينامون قليلًا منه (٣). وقال أبو العالية: كانوا يصيبون حظًا من الليل (٤).

стр. 949

وقال الضحاك: قليلًا من الناس (١). وقال مطرّف: قَلّ ليلةٌ تأتي عليهم لا يُصلّون فيها (٢). وقال بكلِّ قول من ذلك جماعةٌ مُتابِعة لمَن قاله، واللَّه أعلم بما أراد. وكلٌّ يدخل في المعنى، من يتنفل بين العشاءين، ومن تنفل بالليل، فكلُّ إن شاء اللَّه داخل في المعنى، ورابحٌ فاعِلُه. * * *

стр. 950

١٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ يعني الزكاة، تكتب في "سأل سائل" إن شاء اللَّه. * * *

стр. 951

٥٦ - ٥٧ - قال اللَّه : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ قيل لعامر بن عبد قيس: لو تزوجتَ، وتلا عليه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾، فقال: سمعتُ اللَّه يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. وقال غيره وأبو الجَوزاء: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾: أن يرزقوا أنفسهم، وأن يُطعِموا أنفسهم، أنا أرزُقُهم وأُطْعِمهم، ما خلقتهم إلا ليعبدون (١). وقال مجاهد: إلا ليعرفوني (٢). وقال الضحاك: هذا خاص للمؤمنين. وقول مجاهد: إلا ليعرفوني حسَن، لأن كلَّ الخلق قد عرَفوه، وعلموا أن لهم خالقًا ورازقًا. وقد يجوز أن يكون أراد ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾: استعبدهم بذلك فأَبْلُوَهم أيهم أحسن عملا، وقد كان ذلك.

стр. 952

وأما قوله سبحانه: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾، فمعناه: ما أَكِلُهم في أرزاقهم وطعامِهم إلى أنفسهم، فتكفل بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾، وقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، فأوجب ذلك على نفسه لهم، تبارك وجل عن المُطعِم. * * *

стр. 953

ومن سورة والطور

стр. 954

٢١ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: المؤمن يُرْفع له ذريته ليَقَرّ به عينُه، وإن كان دونه في العمل، ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال: ما أنقصناهم من أجل الذرية (١). وقال إبراهيم وغيره، قال: أُعطوا مثل أجور اَبائهم، ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئًا (٢). وقاله الشعبي أيضًا (٣). وقال ابن مسعود مثل قول ابن عباس. وقال قتادة: ما ظلمناهم (٤). وقاله أبو عبيدة، وقال: فيها ثلاثُ لُغات: أَلَتَ يَأْلِتُ، وأَلات يُلِيتُ، ولَاتَ يَلِيتُ (٥).

стр. 955

٤٨ - ٤٩ - قال اللَّه عز وعلا: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ قال محمد بن كعب: حين تقوم إلى الصلاة. وقال أبو الجوزاء: حين تقوم من منامك. وقال أبو الأحوص: حين تقوم من كل مكان تقول: سبحانك وبحمدك (١). وقال مجاهد: الليل كله. واللَّه أعلم بما أراد، إلا أنه حين تقوم من فراشك، يعني: صلاة الغداة، أحسن ما في ذلك، وذِكرُ اللَّه حسَنٌ في كلِّ حال. * * *

стр. 956

من سورة والنجم

стр. 957

٣٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ سئل ابن عباس ﵁ عن اللَّمَم فقال: لم أر شيئًا أشبه به من قول أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إن اللَّه ﵎ كتب على ابن آدم حظَّه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزِنا اليدين البطش، وزِنا اللسان المنطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يُصدِّق ذلك أو يكذِّبه" (١). وسئل أبو هريرة عن اللَّمَم فقال: النظرة، والغمزة، والقُبلة، والمباشرة، إذا مس الخِتانُ الخِتانَ فقد وجب الغسل، وهو الزنا (٢). وروى المَقْبُري، عن أبي هريرة قال: اللمم: الجِماع، قال: ثم يتوب من الزنا فلا يعود، واللَّمة من شرب الخمر، ثم يتوب ولا يعود، واللَّمة من السرقة، ثم يتوب فلا يعود، قال الحسن: وتلك الإلمام (٣). وقال زيد بن أسلم: اللَّمم لَمَم أهل الجاهلية، ولا تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف.

стр. 958

وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: الزيادة من الإلمام، ألستم عربًا؟ وهو أن يُلِم المرة. وسئل زيد بن ثابت عن اللَّمَم فقال: حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن (١). وقال عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي: هو ما دون الشرك (٢). وقال الشعبي: هو ما دون الزنا (٣). وقال مجاهد: يلم بالذنب ثم ينزع عنه، قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت ويقولون: إن تغفر اللهم تغفر جَمًّا ... وأي عبد لك لا أَلمّا (٤) وقال مثل ذلك عروة وغيره. وقال الحسن: اللَّمة من الزنا ثم يتوب، فذاك يُتجاوز عنه (٥). وقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش: الزنا، تركوا ذلك حين دخلوا في الإسلام، فغُفِر لهم ما كان قبل الإسلام (٦). وقد ذكرنا ما انتهى إلينا [عن] (٧) من تكلَّم في اللمم.

стр. 959

وحُكِي لي عن بعض أهل العلم أنه قال: يجتنبون كبائر الإثم والفواحش واللمم، وهو قول فاسد، لأنه يُبطل قولَه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢]، فإذا اجتنبوا اللَّمَم فأي شيء يغفر لهم؟ واللَّمَم عند العرب، ألا يكون الإنسان مقيمًا على الشيء، يقال: ما فعل ذلك إلا لَمَمًا، وإلا لَمّا، على الحين بعد الحين، ويقال: مُصِرٌّ، إذا كان الفعل له عادة، فإن تركه ونزع عنه كان تائبًا، قال اللَّه : ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، ثم ضمن لهم الثواب فقال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦]، وقال بعقب اللمم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَة﴾، فذم المُصِر، ومدح التائب. قال أبو صالح: سئلت عن قول اللَّه : ﴿يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ فقلت: هو الرجل يُلم بالذنب أو الخطيئة ثم لا يعاود، فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: لقد أعانك عليها مَلَك كريم (١). فجاء هذا التفسير على تعارف العرب، وتلقّاه ابنُ عباس بعرَبيته التي نزل بها القرآن، والعرب تقول: إنما زيارتك لِمام، وإنما تفعل لِمامًا، قال جرير: بنفسي من تَجَنُّبُه عزيزٌ ... عليَّ ومَن زيارتُه لِمامُ (٢) وقال وَضّاح اليمن: فما نَوَّلْتُ حتى تضرعْتُ حولَها ... وخَبَّرْتُها ما رخصَّ اللَّه في اللَّمَمِ (٣) فاللَّمَمُ عندي واللَّه أعلم، التي تكون فيندَم عليها ولا يُعاوِدها المُذنِب، وهو أصحُّ الوجوه في ذلك.

стр. 960

٣٧ - ٣٨ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ قال بعض المفسرين: ﴿وَفَّى﴾: بَلَّغ وأدى ما أرسِل به (١). وقال آخرون: منع أن يُؤخذ إنسان بذنب غيره، وكانوا قبل ذلك يفعلونه (٢). وقال آخرون: وَفَّى بما أُمِر به (٣). وقال أبو أمامة، عن النبي ﷺ : "أربع ركعات كان يُصلّيها في أول النهار" (٤). وقال ابن جبير: وَفَّى بذبح ابنِه. وقال إبراهيم مثل ذلك. وقال آخرون: جعل على نفسه ألا يقعُد لِطعامٍ إلا ومعه يتيم أو مسكين. وكل ذلك حسن، وَفَّى بما أُمر به، وبلّغ رسالة ربه، وبما أوجبه على نفسه من أعمال البر، فلم يسأمها فيدعها، واللَّه أعلم.

стр. 961

ومن سورة الرحمن

стр. 962

٧ - ٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ إلى: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ مرّ ابن عباس ﵁ بسوق المدينة فقال: يا معشر الموالي إنكم ابتُليتم بأمرَين أهلك اللَّه فيهما أُمَّتين من الأمم: الكَيْل والميزان (١). ومرّ برجل يَزِن فرآه قد أرجح فقال: أَقِمِ اللسان كما قال اللَّه: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (٢). وقال مجاهد: قوله: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ قال: العدل (٣). * * *

стр. 963

ومن سورة الواقعة

стр. 964

٧٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قال أبو العالية: الكتاب المكنون، ليس أنتم، أنتم أصحاب الذنوب (١). وقال ابن جبير: الملائكة (٢). وقاله مجاهد، والضحاك (٣). وقال مالك بن أنس ﵁ في قوله سبحانه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾: إنها بمنزلة التي في عبس ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٤). [مَسُّ المُحْدِث المصحفَ] وقال سلمان الفارِسي: لا يمسُّه إلا طاهر، وسئل عن آية فقال: سلوني، فلستُ أمَسُّه إنما أقرأه، وكان قد أحدَثَ ولم يتوضأ (٥).

стр. 965

وقد جاء في مسّ المصحف اختلاف، فقال بعضهم: لا يمسه من الناس إلا طاهر تطَهُّر الوضوء والصلاة. وقال بعضهم: يمسه، منهم ابن عباس والشعبي (١). وأما من كره أن يمس المصحف إلا طاهر، ففي كتاب عمرو بن حزم: "لا يمس القرآن إلا طاهر" (٢)، وهو الكتاب الذي كتبه رسول اللَّه ﷺ لعمرو بن حزم، روي ذلك من وجوه كثيرة (٣).

стр. 966

ورواه في غير الكتاب الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، أن رسول اللَّه ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابًا ذكر فيه الفرائض والسنن والديات، وفي الكتاب: "ولا يمس القرآن إلا طاهر" (١). وروى مالك، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن مصعب بن سعد قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال: لعلك مسست ذكرك؟ فقلت: نعم، فقال: قم فتوضأ، فقمت وتوضأت ثم رجعت (٢). وقال بعضهم فيه: قم فاغسل يدك (٣). وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا وهو طاهر (٤). وقال مثل ذلك إبراهيم، والحكم، وحماد. وقال مالك بن أنس: لا يحمل أحد المصحف (٥) بعِلاقته (٦)، ولا على وسادة، إلا وهو طاهر (٧).

стр. 967

وإنما كره ذلك إكرامًا للقرآن وتعظيمًا له، وقد يحتمل أن يكون اللَّه ﵎ أراد الكتاب الذي عنده، ويُعظَّم هذا لأنه نسخته، وهو كلام اللَّه ﷻ ، فلا يمسُّه منا إلا طاهر، إذ كان الأصل يمسه المطهرون، واللَّه أعلم. * * *

стр. 968

٨٢ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال ابن عباس: بالأَنْواء، يقولون: مُطِرْنا بِنَوْءَ كذا ونَوْءِ كذا، ذلك كفر بما أنعم به عليهم (١). وقال الحسن، ومجاهد: مُطِرْنا بِنَوْءَ كذا، يقول: قولوا: من عند اللَّه ورزقه (٢). قال عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن زيد بن خالد: مُطِرَ الناس ليلًا فأصبح رسول اللَّه ﷺ فقال: "ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟ قال: ما أنعمتُ على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، فأما من آمن بي وحمدني على سُقْياي، فذلك الذي آمن بي وكفر بالكوكب، ومن قال: بِنَوْء كذا وكذا، فذلك الذي آمن بالكوكب وكفر بي، أو كفر بنعمتي" (٣). وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "لو حبس اللَّه القطر سبع سنين ثم أرسله عليهم أصبحت طائفة منهم بي كافرين، قالوا: مطرنا بنوء المِجْدَح" (٤). والمِجْدَح: الكوكب الذي خلف الدَّبَران (٥).

стр. 969

ومن سورة الحديد

стр. 970

١٩ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [معنى الشهيد] قيل لعبد اللَّه بن مسعود: فلان شهيد، وقُتل فلان شهيدًا، فقال عبد اللَّه: إن الرجل يقاتِل للمَغنم، والرجل يقاتل ليُعرف، وإن الرجل يموت على فراشه وهو شهيد، ثم تلا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (١). قال أبو هريرة: الشهيد الذي لو مات على فراشه دخل الجنة (٢). وقال ابن عباس: الشهيد في هؤلاء التسع: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ [الْحَامِدُونَ] (٣) السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]. وقال مجاهد: كل مؤمن شهيد، وقرأ الآية (٤). وقال مسروق: هي خاصة للشهداء (٥).

стр. 971

وقال عمرو بن ميمون: كل مؤمن صِدِّيق، وتلا: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ﴾ (١). وقال مجاهد: ﴿الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بالإيمان على أنفسهم للَّه جل وعز (٢). قال بكر: القرآن يدل على أن الصديقين والشهداء نعت للذين آمنوا باللَّه ورسله، لقوله سبحانه: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾، والصديقون: هم الذين يتلون الأنبياء، والشهداء يتلونه، ثم يتلوهم الصالحون، قال اللَّه : ﴿فَأُولَئِكَ (٣) مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. وقد يجوز أن تكون هذه الآية التي في الحديد، في جملة من صدق الرسل، ويجوز أن يكون عنى بالشهداء من شهد بالتوحيد، ويكون الصِّديقون الذين يتلون الأنبياء، يتجاوزون هؤلاء الذين سَموا بالتوحيد والإيمان، والشهداء لربهم بوحدانيته بأعمالهم وأحوالهم، فيكون صِدّيق فوق صِدّيق في الدرجات، كما قال النبي ﷺ : "إن أهل الدرجات العُلا ليراهم من دونهم كما يرى أحدكم الكوكب الدُّرّي في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر لمنهُم وأَنْعَما" (٤). * * *

стр. 972

٢٧ - قال اللَّه ﵎: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [البدعة في الدين] كل مُحْدِث مبتدع، ألا ترى اللَّه قال: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]، مبتدَعان، فالشَّر قال فيه رسول اللَّه ﷺ : "إنه ضلالة تجر صاحبها إلى النار" (١)، والخير مبتدَع من فاعله، إذا لم يكن من كتاب ولا سنة، ففاعله ابتدعه، فينبغي إذا فعله أن يدوم عليه، فإنه إن تركه وعدل عنه إلى ضده كان داخلًا في معنى هذه الآية: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. ولذلك قال أبو أمامة الباهلي لما سَنَّ عمرُ القيام في شهر رمضان: فدوموا عليه إذ فعلتموه ولا تتركوه، فإن ناسًا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعًا لم يكتبها اللَّه عليهم ابتغاء رضوان اللَّه، فما رعوها فعاقبهم (٢).

стр. 973

فمن سَنّ سُنة حسنة، وجب عليه رعايتُها. فأما قيام شهر رمضان فإن رسول اللَّه ﷺ قامه، ثم خشي أن يُفرض فتركه، فلما توفي رسول اللَّه ﷺ ، وعُدِم نزول الوحي، أقامه للناس عمر ﵀، وقد كان رسول اللَّه ﷺ حَثّ عليه وأمر به فقال: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (١). * * *

стр. 974

٢٩ - ٢٨ - قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِه﴾ إلى: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال مجاهد: ضعفين (١). قال قتادة: لما نزلت حسدَنا أهل والكتاب، فأنزل: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٢). وقال ابن عباس: أجرَين (٣). وقال في قوله: ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾: من أمر اللَّه. وقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ إنما هو ليعلم، ﴿لِئَلَّا﴾ زائدة، إنما هو مثل قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وما أشبه هذا، وهو في القرآن كثير، وفي كلام العرب. * * *

стр. 975

١٠ - قال اللَّه ﵎: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ روى زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: فلما أصبحنا ليلة نزلوا الحديبية، قام رسول اللَّه ﷺ فصلى الصبح وصلينا معه، فلما انصرف حمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: "والذي نفسي بيده لقد غفر اللَّه للركب الليلة أجمعين، إلا رويكب واحد ليس منهم"، قال: فذهبنا ننظر فإذا أعرابي على قعود له قد نزل بين ظهراني القوم، ثم قال: "إنه سيأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم"، قلنا: يا رسول اللَّه أهم خير منا؟ قال: "لا، لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه"، ثم قال بيده: "ألا إن هذا فصل ما بيننا وبين الناس، ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ " (١). قال الشعبي: الفتح ها هنا الحديبية، وهم الذين غُفر لهم (٢). وقال النبي ﷺ : "لا يدخل أحد ممن بايعني تحت الشجرة النار" (٣).

стр. 976

قال مجاهد: ليس من هاجر كمن لم يهاجر (١). وقال قتادة: فتح مكة (٢). [مراتب الصحابة] واللَّه أعلم بما أراد من ذلك، إلا أنه لا اختلاف بين العلماء أن العشرة أفضل الصحابة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، وهم ألف وأربعمائة، ثم من أسلم وهاجر قبل فتح مكة، ثم يتلوهم الذين جاؤوا أفواجًا، واللَّه أعلم. * * *

стр. 977

١٦ - قال اللَّه : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ قال ابن مسعود ﵁: ما كان بعد أن أسلمنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين (١)، فجعل بعضنا ينظر إلى بعض، وسأل بعضنا بعضًا ما أحدثنا؟ (٢) وقيل: كثُر وظهر في أصحاب النبي ﷺ المُزاحُ والضَّحِك، فنزلت الآية (٣). قال ابن أبي رَوّاد: إن قومًا صحبوا عمر بن عبد العزيز في سفر فقال: عليكم بتقوى اللَّه، وإياي والمزاح فإنه يجر القبيح، ويورث الضغينة، وتجالسوا بالقرآن وتحدثوا به، فإن ثَقُل عليكم فحديث من حديث الرجال حسن، سيروا بسم اللَّه (٤). وكان شداد بن أوس يقول: أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع (٥). وقال أبو الدرداء: نعوذ باللَّه من خشوع النفاق، ترى الجسد خاشعًا والقلبَ ليس بخاشع (٦).

стр. 978

ومن سورة المجادلة

стр. 979

١ - ٢ - قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [أحكام الظهار] أعلمنا اللَّه ﵎ أن الذين قالوا هذا القول، قالوا منكرًا من القول وزورًا لأنهم صَيَّروا أزواجهم كأمهاتهم، وهن لا يصرن كأمهاتهم، ولا كذي أرحامهم أبدًا، لأنهن لا يحللن له أبدًا، والأجنبيات ليس كذلك، وكان من طلاق الجاهلية، فأخرجه اللَّه ﵎ من باب الطلاق إلى باب الكفارات، ثم أعلمنا كيف الحكم على الناس كلهم إذا قالوا هذا القول، فقال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، الآية وما بعدها. وقد رُوِيَت أخبار فيمن تظاهر على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فكان ظاهر بعض ذلك يدل على أنهم فعلوا ذلك قبل نزول القرآن، وكان ظاهر بعضها يمكن أن يكون ذلك منهم قبل نزول القرآن، ويمكن أن يكون بعده. وقد روى عروة، عن عائشة ﵂ قالت: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إن المرأة لتناجي رسول اللَّه ﷺ أسمع بعض كلامها ويخفى علي بعضه، إذ أنزل اللَّه ﵎: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (١).

стр. 980

وقال مَعْمَر بن عبد اللَّه، عن يوسف بن عبد اللَّه بن سَلام قال: حدثتني خولة امرأة أوس بن الصامت قالت: كان بيني وبين زوجي شيء، فقال: أنت عليَّ كظهر أمي، ثم خرج إلى نادي قومه، ثم رجع فراودني عن نفسي، فقلت: كلا والذي نفسي بيده حتى ينتهي أمري وأمرك إلى رسول اللَّه ﷺ فيقضي فيَّ وفيك أمره، وكان شيخًا كبيرًا رقيقًا، فغلبْتُه بما تَغلب به المرأة الرجلَ الضعيف، ثم خرجت إلى جارة لي فاستعرت ثيابها، فأتيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه حتى جلست بين يديه، فذكرت له أمره، فما برحت حتى نزل القرآن على رسول اللَّه ﷺ ، فقال حين قلت: لا نقدر على ذلك: "إنا سنعينه بعَرَقٍ (١) من تمر، وأنا أعينه بعَرَق آخر"، فأطعم ستين مسكينًا (٢). وهذه القصة الأحاديث فيها كثيرة، والباب يتَّسِع. وقيل في الحديث: لما ظاهر أوس بن الصامت من امرأته خولة قالت له: واللَّه ما أراك إلا قد أثِمت في شأني، لبِسْتَ جِدَّتِي، وأفنيتَ شبابي، وأكلتَ مالي، حتى إذا كَبِرَت سني، ورق عظمي، واحتجْتُ إليك فارقتني، قال: فما أَكْرَهَني لذلك، اذهبي لرسول اللَّه ﷺ فانظري هل تجدين عنده شيئًا في أمري. فأتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: "ما أراك إلا قد بِنْت منه"، قالت: إلى اللَّه أشكو فاقتي إلى زوجي، قالت عائشة: فإني لأُرَجِّل رأس رسول اللَّه ﷺ يخفي علي بعض كلامها وأسمع بعضه، إذ نزل الوحي: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي

стр. 981

تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾، فأمره رسول اللَّه ﷺ بعتق رقبة، إلى آخر الحديث (١). وقال سليمان بن يسار، عن سَلَمَة بن صخر، قال: ظاهرتُ من امرأتي، فوقعت بها قبل أن أُكَفر، فخرجت إلى قومي فأخبرتهم خبري وقلت: امشوا معي إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: لا واللَّه لا نمشي معك، وما نأمن أن ينزل فيك القرآن، ويكون من رسول اللَّه ﷺ فيك مقالة يَلزمُنا عارُها، ولَنُسلِمنَّك بجريرتك، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فأخبرته خبري، فقال: "أنت بذاك يا سلمة" يرددها ثلاثًا، فقلت: ما أنا صائر للَّه (٢) إليه، فاحكم بما أراك اللَّه، فقال: "حرِّر رقبة" قال: سليمان عن سلمة: وكنت امرأً أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل رمضان خِفت الفتنة فظاهرت (٣). وقال الحسن في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] قال: الغشَيان (٤). وقاله الزهري، ومالك، وقتادة، وأبو العالية (٥).

стр. 982

فكان الذي حرم اللَّه ﵎ بالظهار الوطءَ. [نيابة الحروف عن بعضها] فقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾: يعود لما حَرَّم، كما قيل: "العائد في هِبَته"، وهو الراجع إليها يتملكها، تقول العرب: رجعت في قولي ورجعت عنه، وحروف الإضافة قد تُبدل بعضها من بعض، كقوله: نزلت به، ونزلت عليه، قال اللَّه : ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، وقال : ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٨٠]، فقال في موضع: ﴿فِيهَا﴾، وقال في موضع آخر: ﴿وَعَلَيْهَا﴾، وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، أي: على جذوع النخل، وقال سبحانه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، أي: بأمر اللَّه، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨]، أي: عليه. فمعنى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾: إلى الغشيان، لأنه إذا قصد لأن يغشى، فقد قصد إلى إبطال ما كان منه من التحريم، فقد عاد في ذلك القول الذي لفظ به من التحريم، يريد الرجوع عنه. وقال الشافعي: إذا ظاهر الرجل من امرأته ثم لم يطلق طلاقًا متصلًا بالظهار، فقد وجبت عليه الكفارة (١)، وهو قول فاسد، لأن المُظاهِر على نية الظهار إلى أن ينقضي لفظه، فإن أراد الطلاق بعد الظهار، فأقرب ما يمكن فيه أن ينوي حين انقضاء لفظه بالظهار أن يُطلِّق ثم يُطلِّق، فلا يقع الطلاق إلا وبينه

стр. 983

وبين الظهار فُرْجَة قَلَّت أم كثُرت، لأن الفعل في كل شيء إنما يكون بعد النية، وليس يُعقل أن يكون التظاهر من إنسان إلا لمعنى، وهو أن يغضب فيظاهر ليمنعها الوطء، أو يمنع نفسه منه، فإذا أوصل النية بالظهار فلا فائدة له في الظهار، إذ كان يريد الطلاق وإن كان يريد الإقامة التي يلزمه تيسيرها الكفارةَ عقيب اللفظ بالظهار، فلا فائدة له في الظهار يشفي به نفسه من غضبه، وإنما شق على نفسه بأن ألزمها كفارة لغير معنى. مع أن قوله: إن لم يطلق بعقب الظهار لزمته الكفارة خطأٌ، يدل عليه الكتاب، واللغة، وأصحابه يَدَّعون له علم اللغة، لأن اللَّه قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾، وثم إنما تقع بعد الشيء على تَراخ، لأنه لا اختلاف بين أهل اللغة أن الواو توجب الاجتماع ولا توجب التبدئة به، لأن قول القائل: لقيتُ زيدًا وعَمرًا، يوجب أن يكون لقيهما، وقد يجوز أن يكون زيد قبل عمرو، وعمرو قبل زيد، وإذا قال: لقيت زيدًا فعمرًا، فذلك يوجب لقاء زيد قبل عمرو بغير تَراخ، وإذا قال: لقيت زيدًا ثم عمرًا، فهذا يوجب عندهم التراخي، وأن يكون لقاؤه عمرًا بعد زمان. وقوله أيضًا خطأ من وجه آخر، لأنه لما قيل: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، لم يخل بأن يعود بفعل أو نِيّة، ولو كان المعنى في ذلك إنما هو ألا يطلقوا، لكان وجه الكلام: ثم لم يطلقوا، والقرآن يَجل عن أن تكون فيه لفظة غيرُها أبلغ منها وأشفى. وقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ إيجاب، و"لم يطلِّقوا" نفي، فلو كان معنى ﴿يَعُودُونَ﴾ معنى "لم يطلِّقوا"، لكان الإيجاب هو النفي والنفي هو الإيجاب، وهذا محال، ولو كان إذا ظاهر ثم لم يطلِّق عائدًا بأنه ممسك، لكان في حال الظِّهار مُمسِكًا، لأنه لم يطلِّق وإنما ظاهَر.

стр. 984

ويَفسُد أيضًا قولُه من وجه آخر، لأن قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ يوجب أن يحدث منهم شيء، والمظاهِر لم يطلِّق في حال ظهاره ولا قبل ذلك، فإذا تظاهر ثم لم يطلِّق بعد الظهار، فهو كما كان، لم يَحدث منه شيء، لا فعلٌ ولا قولٌ، فيستحيل معنى ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾، لأن العائد إنما يعود إلى شيء قد كان فارَقه، والمظاهِر لم يفاردتى زوجته في حال الظهار ولا قبله ولا بعده، وإنما فارق المَسيس، فهو يريد أن يعود إليه. وقد احتج له أحمد بن عمر بن سُرَيْج بأن العَوْد تركها زوجة، وأن اللَّه ﵎ قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]، وبقوله سبحانه: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، وأن العَوْد إقرارُهم فيها، فهذا يحتمل أن يكون منهم تحاملًا للخروج، كاضطراب المجلود فتأخذُه المَقامع فيعود إلى حاله. ويجوز ما قال وليس فيه حجة له، لأن اللَّه لما نقل التحريم إلى الظهار قد أقرها زوجة، وألزمها الكفارة بالقول، مع مُضامة العَوْد إلى منع نفسه منه، ولم يجعل الظِّهار منعًا من الزوجية، وإنما جعله منعًا من الوطء، فإذا أراده متصلًا بانقضاء الكفارة، وحل له الوطء، إذ شرط عليه أن يكون قبل الوطء، وإنما يقال: إن طلق وإلا فقد لزمته الكفارة، لمن قيل له: طَلِّق أو كَفِّر، كما يقال للمُولي: فِئ أو طَلِّق. فأما أن يقال لرجل ظاهر: إن لم تطلِّق لزمتك الكفارة، يقول: اللَّه برحمته نقل طلاقي إلى الظهار الذي فيه الكفارة، رحمةً منه بنا، فلِمَ يَلزمني إن لم أُطلِّق أن أُكفِّر ولم أَعُد؟ وإنما يكون العَوْد الإمساك لو كان الإمساك لم يثبت بحكم اللَّه عليَّ، أو لو كان قد أوجب عليَّ أن أطلِّق أو أُكفِّر، فأما والإمساك قد ثبت بأمر اللَّه، فأي الإمساك يكون مني، وأي ترك للطلاق أكون به ممسكًا لمن لم يجب عليه الطلاق؟ وهذا قول من لم يتدبر ما احتجَّ به، واللَّه أعلم.

стр. 985

والحجة عليه من قول الشافعي، لأنه قال: والظهار كان طلاق الجاهلية، فنُقل إلى الكفارة، فأي شيء أَبْيَن من هذا؟ ولو كان إذا لم يُطلِّق لزمته الكفارة فصارت في ذمته، لما كان لقوله للواطئ قبل أن يكفر: "أمسك حتى تُكَفِّر" (١)، وحاشاه ﵇ أن يقول قولًا لا فائدة فيه، نسأل اللَّه التوفيق برحمته. وقد سمى اللَّه الفعل قولًا، فبذلك يكون ﴿يَعُودُونَ﴾: يريدون الوطء، ومخالفةَ ما منعوا أنفسهم منه، قال سبحانه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، يعني: الكفرَ والمعاصي، فسماها قولًا. ويفسد أيضًا من وجه آخر، لأن قوله يوجب أنه إذا أمسكها بعد انقضاء اللفظ بالظهار طرفة عين فما فوقها، فقد وجبت عليه الكفارة، عاشت أو ماتت، أم طلَّق بعد ذلك أو لم يطلِّق، وقد قال اللَّه : ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، فإذا مات أو ماتت عُلم أنه لا يكون مَسيس، فإذا لم يكن مَسيس لم يكن له قبل، وإذا لم يكن له قبل لم تجب الكفارة، لأن الحال التي جُعِلَت موضعًا للكفارة لم تكن، وكذلك إذا كان لا يريد أن يَمَسَّ فلا كفارة عليه، لأنها إنما وجبت عليه قبل أن يَمَس، فلا يجب عليه حتى يأتي موضعها، ولو كانت تجب عليه وهو لا يريد أن يمس لبطل معنى قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، لأن الكفارة قد استقر وجوبها عليه وصارت في ذمته، فإن أخّرها كان آثمًا في تأخيرها، حيث أثمه في تأخيرها ما وجب عليه، وليس هي الآن من المَسيس في شيء، ولا هي مما يحل به المَسيس فيزول معنى ﴿قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، ولو مَس قبل أن يُكفِّر لما وجب أن يكون آثمًا عنده في المَسيس، وإنما يكون آثما في تأخير الكفارة التي كانت وجبت مَسَّ أو لم يَمَس.
следующие страницы →