Полный текст (555 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
قَرَأَهُمَا حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالْيَاءِ جَمِيعًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، غَيْرَ أَبِي عَمْرٍو فَإِنَّهُ قَرَأَ «يَبْغُونَ» بِالْيَاءِ «تُرْجَعُونَ» بِالتَّاءِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَمَعْنَاهُ: يَا مُحَمَّدُ، أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
وَمَنْ قَرَأَهُمَا بِالْيَاءِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الِإِخْبَارُ عَنِ الْكُفَّارِ، وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو أَحْذَقَ الْقُرَّاءِ، فَفَرَّقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ، فَقَرَأَ: «أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ» يَعْنِي الْكُفَّارَ، «وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» أَنْتُمْ وَالْكُفَّارُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، «حِجُّ الْبَيْتِ» بِالْكَسْرِ، وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، فَمَنْ فَتَحَ جَعَلَهُ مَصْدَرًا لِحَجَجْتُ، أَحُجُّ حَجًّا، وَالْحَجُّ: الْقَصْدُ، وَالْحِجُّ بِالْكَسْرِ الِاسْمُ، وَالِاخْتِيَارُ الْفَتْحُ، لِاجْتِمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى الَّذِي فِي «الْبَقَرَةِ» أَنَّهَا مَفْتُوحَةٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالْيَاءِ جَمِيعًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ يُخَيِّرُ فِي ذَلِكَ، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ، فَمَنْ وَجَّهَ الْخِطَابَ إِلَى مَنْ بِالْحَضْرَةِ دَخَلَ مَعَهُمْ بِالْغَيْبِ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ دَخَلَ الْمُخَاطَبُونَ مَعَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ خَيَّرَ أَبُو عَمْرٍو بَيْنَ الْيَاءِ وَالتَّاءِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَنَافِعٌ، وَأَبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ وَكَسْرِ الضَّادِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ وَضَمِّ الضَّادِ وَالرَّاءِ، فَيَكُونُ مَوْضِعُهُ رَفْعًا وَجَزْمًا عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِ مُدَّ يَا هَذَا، وَمُدِّ يَا هَذَا، وَمُدُّ يَا هَذَا، وَالْأَصْلُ: يَضْرُرْكُمْ، فَنُقِلَتِ الضَّمَّةُ مِنَ الرَّاءِ الْأُولَى إِلَى الضَّادِ، وَأُدْغِمَتِ الرَّاءُ فِي الرَّاءِ، وَالتَّشْدِيدُ من أجل ذَلِكَ.
وَمَنْ قَرَأَ «لَا يَضِرْكُمْ» فَخَفَّفَ، أَخَذَهُ مِنَ الضَّيْرِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «مُنَزَّلِينَ».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ جَعَلُوهُ اسْمَ الْمَفْعُولَيْنِ مِنْ أَنْزَلَهُمُ اللَّهُ فَهُمْ مُنْزَلُونَ.
стр. 72
وَمَنْ شَدَّدَ جَعَلَهُ اسْمَ الْمَفْعُولَيْنِ مِنْ نَزَّلَ، وَقَالَ قَوْمٌ: أَنْزَلَ وَنَزَّلَ بِمَعْنًى، مِثْلَ كَرَّمَ وَأَكْرَمَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ بِكَسْرِ الْوَاوِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، جَعَلُوُا التَّسْوِيمَ وَهُوَ الْعَلَامَةُ لِلْخَيْلِ، أَيْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ سَوَّمَتِ الْخَيْلَ، أَوْ إِذَا جَعَلْتَ الْفِعْلَ لِلَّهِ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ اللَّهُ سومها، قال الحسن:
مسومين مجزرة النَّوَاصِي، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: جَعَلَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي آذَانِ الْخَيْلِ وَأَذْنَابِهَا الصُّوفَ الْأَبَيْضَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إلى مغفرة﴾.
قرأ نافع، وابن عامر: «وسارعوا» بِغَيْرِ وَاوٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِوَاوٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾.
قَرَأَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ غَيْرَ حَفْصٍ «قُرْحٌ» بِضَمِّ الْقَافِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالْفَتْحِ.
فَقَالَ أَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ: هُمَا لُغَتَانِ: الْقَرْحُ وَالْقُرْحُ مِثْلَ: الْجَهْدُ وَالْجُهْدُ.
وَفَرَّقَ الْكِسَائِيُّ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: الْقَرْحُ: الْجِرَاحَةُ، وَالْقُرْحُ: أَلَمُ الْجِرَاحَةِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحْدَهُ «كَائِنْ» عَلَى وَزْنِ كَاعِنْ.
قَرَأَ الْبَاقُونَ: «وَكَأَيّ» عَلَى وَزْنِ كَحَيّ.
فَمَنْ قَرَأَ كَذَلِكَ وَقَفَ بِالْيَاءِ مُشَدَّدًا، وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنَى «كَمْ»، تَقُولُ الْعَرَبُ: كَمْ مَالُكَ؟ وَكَائِنْ مَالُكَ؟ وَكَأَيِّنْ مَالُكَ؟ .
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَنَافِعٌ، وَأَبُو عَمْرٍو «قُتِلَ مَعَهُ».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «قَاتَلَ» بِأَلِفٍ، فَمَنْ قَرَأَ «قُتِلَ» وَقَفَ عَلَيْهِ وَابْتَدَأَ بِمَا بَعْدَهَ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ أُمَمًا قُتِلَ عَنْهُمْ نَبِيُّهُمْ فَمَا ضَعُفُوا لِمَا أَصَابَهُمْ مِنْ قَتْلِ نَبِيِّهِمْ، وَمَا اسْتَكَانُوا.
стр. 73
وَحُجَّةُ مَنْ قَرَأَ «قَاتَلَ» قَالَ: إِذَا مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مَعَ نَبِيِّهِ، كَانَ مَنْ قَاتَلَ مَعَ نَبِيِّهِ أَمْدَحَ وَأَمْدَحَ.
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوُا الرُّعْبَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ، «الرُّعُبَ» بِضَمَّتَيْنِ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْإِسْكَانُ الْأَصْلُ عَلَى قِرَاءَةِ الْبَاقِينَ، وَهُوَ أَخَفُّ، إِذْ كَانَتِ الْعَرَبُ قَدْ تُخَفِّفُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمَنْ ثَقَّلَ أَتْبَعَ الضَّمَّ الضَّمَّ، لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الْفَخَامَةِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالتَّاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، فَمَنْ ذَكَّرَهُ رَدَّهُ عَلَى النُّعَاسِ، وَمَنْ أَنَّثَهُ رَدَّهُ عَلَى الْأَمَنَةِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «كُلُّهُ لِلَّهِ» بِالرَّفْعِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِنَصْبِ اللَّامِ فَمَنْ نَصَبَ اللَّامَ جَعَلَهُ تَأْكِيدًا لِلْأَمْرِ، وَ «لِلَّهِ» خَبَرُ «إِنَّ».
وَمَنْ ضَمَّ اللَّامَ رَفَعَهُ بِالِابْتِدَاءِ، وَ «لِلَّهِ» الْخَبَرُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ «إِنَّ».
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وحمزة «مِتُّمْ» بِكَسْرِ الْمِيمِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ، فَمَنْ ضَمَّ فَحُجَّتُهُ «يَمُوتُ» وَذَلِكَ أَنَّ «يَفْعُلُ» مِثْلَ قَالَ يَقُولُ، فَتَقُولُ: مُتُّ كَمَا تَقُولُ: قُلْتُ. وَمَنْ كَسَرَ فَحُجَّتُهُ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ تَقُولُ فِي مُضَارِعِهِ: مَاتَ يَمَاتُ، وَحَكَى ذَلِكَ الْفَرَّاءُ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَغَيْرُهُ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا وَزْنُهُ، فَعَلَ يَفْعَلُ مِثْلَ خَافَ يَخَافُ، وَنَامَ يَنَامُ، وَالْأَصْلُ خَوِفَ وَنَوِمَ، فَقَلَبُوُا الْوَاوَ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، وَكَذَلِكَ الْأَصْلُ: مَوِتَ، فَاعْلَمْ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. قَرَأَ حَفْصٌ بِالْيَاءِ. وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، وَقَدْ مَرَّتِ الْحُجَّةُ لِلْيَاءِ وَالتَّاءِ فِي نَظِيرِهَا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِّيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ «أَنْ يَغُلَّ» بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْغَيْنِ.
стр. 74
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «يُغَلَّ» بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ، فَمَنْ ضَمَّ الْيَاءَ فَمَعْنَاهُ: أَنْ يُخَانَ، وَالْأَصْلُ يُخْوَنَ، وَمَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الْيَاءِ «يَغُلَّ» أَيْ: يَخُونَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى التَّاءِ إِلَّا هِشَامًا، فَإِنَّهُ قَرَأَ «يَحْسَبَنَّ» بِالْيَاءِ فِي هَذَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَعْدَهُ، وَشَدَّدَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ التَّاءَ فِي «قُتِّلُوا».
وَخَفَّفَهَا الْبَاقُونَ، فَمَنْ خَفَّفَ بِرِوَايَةِ هِشَامٍ يَكُونُ مَرَّةً وَمِرَارًا، وَمَنْ شَدَّدَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِرَارًا، كَأَنَّهُمْ قَتَلُوهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ «إِنَّ اللَّهَ» بِالْكَسْرِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، فَمَنْ فَتَحَ فَمَوْضِعُ «أَنَّ» خَفْضٌ بِالنَّسَقِ عَلَى قَوْلِهِ:
﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم﴾ ... ﴿و. أن اللَّهَ لَا يُضِيعُ﴾، وَلِأَنَّ اللَّهَ.
وَمَنْ كَسَرَ جَعَلَهَا مُبْتَدَأَةً، وَاعْتَبَرَ قِرَاءَتَهُ بِحَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ «وَاللَّهُ لَا يُضِيعُ».
بِغَيْرِ «إِنَّ».
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «يُحْزِنْكَ» بِضَمِّ الْيَاءِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُمَا لُغَتَانِ: حَزَنَ وَأَحْزَنَ، وَالِاخْتِيَارُ حَزَنَ، لِقَوْلِهِمْ: مَحْزُونٌ، وَلَا يُقَالُ: مُحْزَنٌ، تَقُولُ: حَزِنَ يَحْزَنُ حُزْنًا وَحَزَنًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ بِالتَّاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَإِخْبَارٌ عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَمَوْضِعُ «الَّذِينَ» نَصْبٌ وَ «كَفَرُوا» صِلَتُهُ، «وَأَنَّ» مَعَ مَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي، وَإِنَّمَا فُتِحَتْ «أَنَّ» لِأَنَّ الْفِعْلَ وَاقِعٌ عَلَيْهَا «وَمَا» اسْمُ «أَنَّ» وَ «نُمْلِي» صِلَتُهُ «وَخَيْرٌ» خَبَرُ «أَنَّ»، تَمَّ الْكَلَامُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ «إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ» بِكَسْرِ الْأَلِفِ «لِيَزْدَادُوا إثْمًا».
وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ جَعَلَ الْفِعْلَ لمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَمَوْضِعُ «الذين» نصب
стр. 75
أَيْضًا، وَمَنْ جَعَلَ الْفِعْلَ لِلْكُفَّارِ فَمَوْضِعُ «الَّذِينَ» رَفْعٌ بِفِعْلِهِمْ وَ «كَفَرُوا» صِلَتُهُمْ «وَأَنَّ» مَعَ مَا بَعْدَهُ نَائِبٌ عَنْ مَفْعُولَيْ «يَحْسَبُ» وَذَلِكَ أَنَّ الْحُسْبَانَ يَحْتَاجُ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، «وَأَنَّ» يَحْتَاجُ إِلَى اسْمَيْنِ، فَنَابَ شَيْئَانِ عَنْ شَيْئَيْنِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ بِالتَّاءِ.
وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَمَوْضِعُ «الَّذِينَ» رَفْعٌ، وَ «يَبْخَلُونَ» صِلَةُ «الَّذِينَ» وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ مَصْدَرٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بُخْلَهُمْ خَيْرا لَهْمُ.
وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَ «الَّذِينَ» فِي مَوْضِعِ نصب، وهو المفعول الأول، «خيرا» الْمَفْعُولُ الثَّانِي.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو بِالْيَاءِ، إِخْبَارًا عَنِ الْكَفَرَةِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، أَيْ: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ خَبِيرٌ.
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ «سَيُكْتَبُ مَا قَالُوا وَقَتْلُهُمُ الْأَنْبِيَاءَ» عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ عَلى مَا سُمِّيَ فَاعِلُهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾. وَنَكْتُبُ قَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ، فَ «مَا» مَوْضِعُهَا نَصْبٌ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، وَعَلَى قِرَاءَةِ حَمْزَةَ مَوْضِعُهَا رَفْعٌ، لِأَنَّهُ اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «حَتَّى يُمَيِّزَ» مُشَدَّدَةً.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُخَفَّفَةً، وَهُمَا لُغَتَانِ، مَازَ يَمِيزُ وَمَيَّزَ يُمَيِّزُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «وَبِالزُّبُرِ» بِالْبَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الشَّامِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ بَاءٍ، فَقَالَ قَوْمٌ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَمَرَرْتُ بِزَيْدٍ وَبِعَمْرٍو سَوَاءٌ، وَأَمَّا هِشَامٌ فَإِنَّهُ قَرَأَ «بِالْكِتَابِ» بِزِيَادَةِ الْبَاءِ، وَالْبَاقُونَ بِغَيْرِ زِيَادَةِ الْبَاءِ.
стр. 76
- وقوله تعالى: ﴿لا تحسبن الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالتَّاءِ.
وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو «فَلَا يَحْسَبُنَّهُمْ» بِالْيَاءِ وَضَمِّ الْبَاءِ، وَفِيهِ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ لمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَالْهَاءُ كِنَايَةٌ عَنِ الْكَفَرَةِ.
وَالثَّانِي: فَلَا يَحْسَبُ الْكُفَّارُ أَنْفُسُهُمْ.
وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ أَيْ: فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ يَا مُحَمَّدُ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ، أَيْ: بِبُعْدٍ مِنَ النَّارِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر بالياء، وَحُجَّتُهُمْ: «فَنَبَذُوهُ» رَدُّوهُ عَلَى الْغَيْبِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، جَعَلُوهُ حِكَايَةً لِوَقْتِ أَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَيْهِمْ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ «وَقَاتَلُوا وَقُتِّلُوا» مُشَدَّدَةَ التَّاءِ، أَيْ: مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِلتَّكْثِيرِ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «وقتلوا وقاتلوا» يبدءان بِالْمَفْعُولِينَ قَبْلَ الْفَاعِلَيْنِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَعَاصِمٌ، وَأَبُو عَمْرٍو «وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا» خَفِيفَةَ التَّاءِ مِنْ قَتَلُوا.
واختلف القراء في ست ياءات (١):
«وَجْهِيَ لِلَّهِ» فَتَحَهَا نَافِعٌ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، وأسكنها الباقون.
«وتقبل ﴿مني إنك». стр. 77
فتحها نافع، وأبو عمرو، وأسكنها الباقون.
و﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا﴾
فَتَحَهَا نَافِعٌ وَحْدَهُ، وَأَسْكَنَهَا الْبَاقُونَ.
وَ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾
فَتَحَهَا نَافِعٌ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَأَسْكَنَهَا الْبَاقُونَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِثْبَاتِ يَاءَيْنِ وحذفهما «ومن اتبعن»، «وَخَافُونِ» أَثْبَتَهُمَا أَبُو عَمْرٍو، وَنَافِعٌ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ، وَأَسْقَطَهُمَا الْبَاقُونَ.
стр. 78
وَمِنَ السُّورَةِ الَّتِي تُذْكَرُ فِيهَا
النِّسَاءُ
- قَوْلُهُ تعالى: ﴿تسائلون بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَعَاصِمٌ، «تَسَاءَلُونَ بِهِ» مُخَفَّفَةً، وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو يُخَيِّرُ فِي التَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُشَدَّدًا، وَالْأَصْلُ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ «تتَسَاءَلُونَ» بِتَاءَيْنِ، فَمَنْ خَفَّفَ أَسْقَطَ تَاءً، وَمَنْ شَدَّدَ أَدْغَمَ التَّاءَ فِي السِّينِ، فَالتَّاءُ الْأُولَى لِلِاسْتِقْبَالِ، وَالثَّانِيَةُ هِيَ الَّتِي كَانَتْ مَعَ الْمَاضِي، قَالَ سَيِبَوَيْهِ ﵁: الْمَحْذُوفَةُ الثَّانِيَةُ، وَقَالَ هِشَامٌ: الْأُولَى، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا تُبَالِي أَيُّهُمَا حَذَفْتَ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ «وَالْأَرْحَامِ» بِالْجَرِّ أَرَادَ تَسَاءَلُونُ بِهِ وَبِالْأَرْحَامِ، فَأَضْمَرَ الْخَافِضَ عَلَى قَوْلِ الْعَجَّاجِ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُئِلَ كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَ: خَيْرٍ عَافَاكَ اللَّهُ، يُرِيدُ: بِخَيْرٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ، اتَّقُوُا اللَّهَ وَاتَّقُوُا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا، قَالُوا: وَيَبْطُلُ الْخَفْضُ مِنْ جِهَاتٍ.
إِحْدَاهَا: أَنَّ ظَاهِرَ الْمَخْفُوضِ لَا يُعْطَفُ عَلَى مُكَنَّيَةٍ، لَا يُقَالُ «مَرَرْتُ بِكَ وَزَيْدٍ، لِأَنَّ الْمُضَافَ وَالْمُضَافَ إِلَيْهِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ إِلَّا ضَرُورَةً لِشَاعِرٍ، كَمَا قَالَ:
نُعَلِّقُ فِي مِثْلِ السَّوَارِي سُيُوفَنَا ... وَمَا بَيْنَهَا وَالْكَعْبِ غُوطٌ نَفَانِفُ
وَزَعَمَ الْبَصْرِيُّونَ جَمِيعًا أَنَّهُ لَحْنٌ.
قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ ﵀: وَلَيْسَ لَحْنًا عِنْدِي، لِأَنَّ ابْنَ مُجَاهِدٍ حَدَّثَنَا بِإِسْنَادٍ يُعْزِيهِ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، أنه قرأ: «وَالْأَرْحَامِ» وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ حَمْزَةَ كَانَ لَا يَقْرَأُ حَرْفًا إِلَّا بِأَثَرٍ، غَيْرَ أَنَّ مَنْ أَجَازَ الْخَفْضَ فِي «الْأَرْحَامِ» أَجْمَعَ مَعَ مَنْ لَمْ يُجِزْ أَنَّ النَّصْبَ هُوَ الِاخْتِيَارُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ﴾ ﴿لَكُمْ قِيَامًا﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ «قِيَمًا» بِغَيْرِ أَلِفٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «قِيَامًا»، فَهَذِهِ الْيَاءُ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ، وَالْأَصْلُ قِوَامًا، وقد قرأ بذلك ابن عمر.
стр. 79
- وقوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ بِضَمِّ الْيَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾.
وَقَالَ آخَرُونَ: صَلَيْتُهُ بِالنَّارِ شَوَيْتُهُ، وَأَصْلَيْتُهُ أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ وَأَحْرَقْتُهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةٌ» بِالرَّفْعِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ، فَمَنْ رَفَعَ جَعَلَ «كَانَ» بِمَعْنَى حَدَثَ وَوَقَعَ وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى خَبَرٍ، وَمَنْ نَصَبَ أَضْمَرَ فِي «كَانَ» اسْمًا، وَالتَّقْدِيرُ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَذْكُورَةُ وَاحِدَةً.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ لِكَسْرَةِ اللَّامِ.
قَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ عَلَى الْأَصْلِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
فَقَرَأَ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ، وَالْكِسَائِيُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْإِعْرَابَ وَقَعَ عَلَى التَّاءِ لَا عَلَى الْمِيمِ، وَمَنْ كَسَرَ أَتْبَعَ الْكَسْرَ الْكَسْرَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر «يُوصَى» بِفَتْحِ الصَّادِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ الْمُوصِي قَبْلَهُ.
وَرَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ الْأَوَّلَ بِالْكَسْرِ، وَالثَّانِيَ بِالْفَتْحِ، فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ الْحَرْفَيْنِ بِالنُّونِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَهُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وحده «واللذان» جَعَلَ النُّونَ عِوَضًا مِنَ الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الَّذِي.
وَخَفَّفَهَا الْبَاقُونَ، لِأَنَّ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، أَنْ يَحْذِفُوا وَيُعَوِّضُوا، وَأَنْ يَحْذِفُوا وَلَا يُعَوِّضُوا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِفَاحِشَةٍ مِبَيِّنَةٍ﴾.
قَرَأَ ابن كثير، وعاصم في رواية أبي بكر «مبينة» بالفتح.
стр. 80
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ، فَمَنْ كَسَرَ جَعَلَ الْفَاحِشَةَ هي التي تبين على صاحبها، وَمَنْ فَتَحَ فَهُوَ الِاخْتِيَارُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾. فَاللَّهُ الْمُبَيِّنُ وَالْآَيَاتُ الْمُبَيَّنَاتُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَرِثُوُا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالضَّمِّ، وَكَذلِكَ فِي «التَّوْبَةِ» وَ «الْأَحْقَافِ».
وَقَرَأَ عَاصِمٌ، وَابْنُ عَامِرٍ فِي «الْأَحْقَافِ» بِالضَّمِّ وَالْبَاقِي بِالْفَتْحِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ كُلَّ ذَلِكَ بِالْفَتْحِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُمَا لُغَتَانِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْكَرْهُ: الْمَصْدَرُ، وَالْكُرْهُ: الِاسْمُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ كُلَّهَا فِي الْقُرْآنِ بِالْكَسْرِ إِلَّا هَذِهِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَالْمُحْصِنَاتُ، وَالْمُحْصِنَةُ بِالْكَسْرِ تَكُونُ الْعَفْيِفةَ، وَتَكُونُ الْمُسْلِمَةَ، أَيْ: أَحْصَنَتْ نَفْسَهَا بِالْإِسْلَامِ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْفَتْحِ جَعَلَ الْمُحْصَنَاتُ بِالْأَزْوَاجِ أَيْ: أَحْصَنَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ، فَالْأَزْوَاجُ مُحْصِنُونَ، وَالنِّسَاءُ مُحْصَنَاتٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالنَّصْبِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ عِلَّتَهُ فِي «الْبَقَرَةِ».
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «وَأُحِلَّ لَكُمْ» بِالضَّمِّ.
وَفَتَحَهَا الْبَاقُونَ، فَمَنْ ضَمَّ نَسَقَهُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾. وَمَنْ فَتَحَ، قَالَ:
قَبْلَ الْآيَةِ ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. أَيْ كَتَبَ عَلَيْكُمْ كِتَابًا، وَأَحَلَّ لَكُمْ، قَالَ: وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ الْفَتْحَ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ.
وَمَنْ ضَمَّ قَالَ: إِنَّمَا يَأْتِي مَحْظُورٌ بَعْدَ مُبَاحٍ أَوْ مُبَاحٌ بَعْدَ مَحْظُورٍ، وَأَحَلَّ بَعْدَ مَا حَرَّمَ أَحْسَنُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ بِالْفَتْحِ وَكَذَلِكَ فِي «الْحَجِّ» بِالْفَتْحِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ، جَعَلُوهُ مَصْدَرًا مِنْ أَدْخَلَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مدخل صدق﴾.
стр. 81
وَأَمَّا نَافِعٌ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ دَخَلَ مَدْخَلًا مِثْلَ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ مَطْلَعًا وَدَخَلَتْ مَدْخَلًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ بِرِوَايَةِ حَفْصٍ، وَنَافِعٌ ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ بِالضَّمِّ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ.
- وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وسئلوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَالْكِسَائِيُّ: «وَسَلُوُا اللَّهَ» بِتَرْكِ الْهَمْزِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ إِذَا تَقَدَّمَهُ وَاوٌ أَوْ فَاءٌ، وَيَكُونُ أَمْرًا لِلْمُخَاطَبِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْهَمْزِ، فَحُجَّتُهُ قَالَ: لَمَّا اتَّفَقَتِ الْقُرَّاءُ وَالْمَصَاحِفُ عَلَى حَذْفِ الْأَلِفِ مِنْ ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وَكَانَ هَذَا أَمْرًا مِثْلَهُ خَزَلْتُ أَلِفَ الْوَصْلِ وَالْهَمْزَةِ، وَالْأَصْلُ:
اسْأَلْ فَنَقَلُوا فَتْحَةَ الْهَمْزَةِ إِلَى السِّينِ، فَلَمَّا تَحَرَّكَتِ السِّينُ اسْتَغْنَوْا عَنْ أَلِفِ الْوَصْلِ، وَسَقَطَتِ الْهَمْزَةُ لِسُكُونِهَا، وَسُكُونِ اللَّامِ.
وَمَنْ هَمَزَ قَالَ: وَجَدْتُ الْأَمْرَ يُخْزَلُ مِنْهُ الْأَلِفُ نَحْوَ: سَلْ، وَكُلْ، وَمُرْ، فَإِذَا تَقَدَّمَهُ حَرْفُ نَسَقٍ رَجَعَتِ الْهَمْزَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ «عَقَدَتْ» بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «عَاقَدَتْ» وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ، وَالْمُعَاقَدَةُ: الْمُحَالَفَةُ، وَمَنْ حَذَفَ الْأَلِفَ قَالَ: هُنَاكَ صِفَةٌ مُضْمَرَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ لَهُمْ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، والْكِسَائِيُّ بِالْبَخَلِ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْخَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ «وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً» بِالنَّصْبِ، وَمَنْ نَصَبَ جَعَلَهُ خَبَرًا.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ «يُضْعِفْهَا» بِغَيْرِ أَلِفٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِأَلِفٍ، وَقَدْ مَرَّتْ عِلَّةُ ذَلِكَ فِي «البقرة».
стр. 82
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ «تَسَّوَّى» بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيفِ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «لَوْ تَسَوى» مُمَالَةً خَفِيفَةً أَرَادُوا جَمِيعًا: تَتَسَوَّى فَأَمَّا نَافِعٌ، وَصَاحِبُهُ فَأَدْغَمَا التَّاءَ في السين.
وحمزة وصاحبه خففا لإحدى التاءين تَخْفِيفًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «تُسَوَّى» بِضَمِّ التَّاءِ وَالتَّخْفِيفِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ أَيْ: تَعْلُوهُمْ وَيَدْخُلُونَ فِي جَوْفِهَا، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
- وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، والكسائي: «لمستم» بغير ألف جعل الفعل للرجال دون النساء، وقرأ الباقون «لا مستم» لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُلَامِسُ الرَّجُلَ، وَالرَّجُلَ يُلَامِسُهَا، وَالْمُفَاعَلَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ، وَحُجَّتُهُمْ: جَامَعْتُ الْمَرْأَةَ، وَلَا يُقَالُ: جَمَعْتُ.
وَمَنْ قَرَأَ «لَمَسْتُمْ» فَحُجَّتُهُ: نَكَحْتُ، وَلَا يُقَالُ: نَاكَحْتُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ بكسر النون والواو لالتقاء السَّاكِنَيْنِ، وَهُمَا النُّونُ وَالْقَافُ وَالْوَاوُ وَالْخَاءُ، وَالْأَلِفُ سَقَطَتْ لِلْوَصْلِ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الْوَاوِ وَكَسْرِ النُّونِ، قَالَ: لَمَّا احْتَجْتَ إِلَى حَرَكَتِهَا حَرَّكْتَ الْوَاوَ بِحَرَكَةٍ هِيَ مِنْهَا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ الْحَرْفَيْنِ جَمِيعًا.
قَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: إِنَّمَا حَرَّكُوا بِالضَّمِّ اتِّبَاعًا لِضَمَّةِ التَّاءِ وَالرَّاءِ، وَذَلِكَ غَلَطٌ، لِأَنَّ أَلِفَ الْوَصْلِ تَسْقُطُ مَعَ حَرَكَتِهَا وَلَا تُنْقَلُ حَرَكَتُهَا، وَلَكِنَّ الْحُجَّةَ لِمَنْ ضَمَّ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ:
أَنَّهُمْ كَرِهُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ كَسْرٍ إِلَى ضَمٍّ، فَضَمُّوا لِيُتْبِعُوُا الضَّمَّ الضَّمَّ، كَقَوْلِكَ:
ادْخُلْ، اخْرُجْ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «إِلَّا قَلِيلًا منهم» بالنصب.
стр. 83
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ، وَلِابْنِ عَامِرٍ حُجَّتَانِ.
أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ «قَلِيلًا» يُنْصَبُ بِ «أَنْ» وَلَا يَسُدُّ مَسَدَّ الْخَبَرِ، وَالتَّقْدِيرُ: مَا فَعَلُوهُ أَنْ قَلِيلًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ.
وَالْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْعَرَبَ تَنْصِبُ فِي النَّفْيِ وَالْإِيجَابِ بِضَمِيرِ فِعْلٍ نَابَتْ عَنْهُ «إِلَّا» وَالتَّقْدِيرُ مَا فَعَلُوهُ، اسْتَثْنِي قَلِيلًا، فَهُوَ عَلَى أَصْلِ الِاسْتِثْنَاءِ، غَيْرَ أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ إِذَا كَانَ مَنْفِيًّا وَكَانَ مَا بَعْدَ «إِلَّا» مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهُ الرَّفْعُ عَلَى الْبَدَلِ، كَقَوْلِكَ: مَا فِي الدَّارِ أَحَدٌ إِلَّا زَيْدٌ، وَمَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ، وَإِذَا كَانَ مَا بَعْدَ «إِلَّا» لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهُ اخْتِيرَ لَهُ النَّصْبُ، كَقَوْلِكَ: مَا فِي الدَّارِ أَحَدٌ إِلَّا حِمَارًا. ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، «تَكُنْ» بِالتَّاءِ لِتَأْنِيثِ الْمَوَدَّةِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، لِأَنَّ تَأْنِيثَهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَلِأَنَّ «قَدْ» فَصَلَتْ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ بِفَاصِلٍ، كَقَوْلِكَ: حَضَرَ الْقَاضِي الْيَوْمَ امْرَأَةٌ.
- وقوله تعالى: ﴿ولا تظلمون فَتِيلًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ، إِخْبَارٌ عَنْ غَيْبٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ أَيْ: فَلَا تُظْلَمُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْإِدْغَامِ.
وَالْبَاقُونَ بِالْإِظْهَارِ عَلَى الْأَصْلِ، وَمَنْ أَدْغَمَ فَلِأَنَّ التَّاءَ سَاكِنَةٌ لِلتَّأْنِيثِ، فَلَمَّا كَانَ السُّكُونُ لَهَا لَازِمًا كَانَ الْإِدْغَامُ لَازِمًا، وَلَمَّا كَانَتِ التَّاءُ أَصْلِيَّةٌ فِي «بَيَّتَ طَائِفَةٌ» وَكَانَتْ حَرَكَتُهُ لَازِمَةً وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْإِظْهَارُ أَحْسَنَ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ «بَيَّتْ طَائِفَةٌ» بِالْإِدْغَامِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْإِظْهَارِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «فَتَثَبَّتُوا».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْبَاءِ، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: تَثَبَّتُّ في أمري
стр. 84
وَتَبَيَّنْتُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا إِنَّ التَّبْيِينَ مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَتَبَيَّنُوا».
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ، وَالْكِسَائِيُّ «السَّلَامَ» بِأَلِفٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ أَلِفٍ «السَّلَمَ» وَفَتْحِ اللَّامِ، يَعْنِي الْمَقَادَةَ، وَهُوَ أَنْ يُعْطِي الرَّجُلُ بِيَدِهِ وَيَسْتَسْلِمَ، وَالسَّلَامُ: هُوَ السَّلَامُ الْمَعْرُوفُ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ: لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُ، قَدَّرُوا أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ خَوْفًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَالْكِسَائِيُّ، وَابْنُ عَامِرٍ «غَيْرَ» بِالنَّصْبِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِلْقَاعِدِينَ، وَمَنْ نَصَبَهُ جَعَلَهُ اسْتِثْنَاءً بِمَعْنَى «إِلَّا» وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ حَالَهُ وَضُرَّهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ نُؤتِيهِ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ بِالْيَاءِ كَأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يُخْبِرُ عن الله تعالى.
وقرأ الباقون بالنون، الله تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ «يُصْلِحَا» مِنْ أَفْعَلَ يُفْعِلُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يَصَّالَحَا» يُرِيدُونَ: يَتَصَالَحَا فَأَدْغَمُوا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ بِضَمِّ الْيَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَدَخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ دَخَلَ هُوَ.
- وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بفتحها،
стр. 85
فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾. فَإِنَّ عَاصِمًا وَحَّدَهُ، فَتَحَ النُّونَ وَالْبَاقُونَ ضَمُّوهَا، فَمَنِ اخْتَارَ الضَّمَّ جَعَلَهُ خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا، وَمَنْ فَتَحَ نَسَقَهُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ قَبْلَ الْآيَةِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَحَمْزَةُ بِوَاوٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «تَلْوُوا» بِوَاوَيْنِ جَعَلُوهُ مِنْ لَوَيْتُ حَقَّهُ، وَالْأَصْلُ: تَلْوِيُوا فَاسْتَثْقَلُوُا الضَّمَّةَ عَلَى الْيَاءِ فَخَزَلُوهَا وَحَذَفُوهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، ثُمَّ ضُمَّتِ الْوَاوُ الْأُولَى لِمُجَاوَرَتِهَا الثَّانِيَةَ، وَمَنْ قَرَأَ بِوَاوٍ وَاحِدَةٍ فَلَهُ مَذْهَبَانِ.
أَحَدُهُمَا: أن يكون أراد: تلووا، بِالْهَمْزِ، جَعَلَ الْوَاوَ هَمْزَةً؛ لِانْضِمَامِهَا، ثُمَّ نَقَلَ ضمة الهمزة إلى اللام وحذفها لالتقاء السَّاكِنَيْنِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنَ الْوِلَايَةِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالْإِسْكَانِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ الْأَسِيرُ فِي الْكَلَامِ، وَالدَّرْكُ: الْإِدْرَاكُ، تقول العرب: ما لي فِي الْأَمْرِ دَرْكٌ، قَالَ فِي صِفَةِ الْفَرَسِ:
بِمُقَلَّصٍ دَرْكِ الطَّرِيدَةِ مَتْنُهُ ... كَصَفَا الْخَلِيفَةِ بِالْفَضَاءِ الْأَجْرَدِ
وَمَعْنَى الدَّرْكِ: قِيلَ: دَرَجَةٌ فِي النَّارِ، وَقِيلَ: أَسْفَلُ النَّارِ، لِأَنَّ الْجَنَّةَ دَرَجَاتٌ، وَالنَّارُ دَرَكَاتٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾.
قَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالْيَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ، اللَّهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَهُوَ إِخْبَارٌ عَنِ اللَّهِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةِ وَرْشٍ «تَعَدُّوا» بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ، وَالْأَصْلُ: تَعْتَدُوا تَفْتَعِلُوا مِنَ الْعُدْوَانِ، فَنَقَلَ فَتْحَةَ التَّاءِ إِلَى الْعَيْنِ وَأَدْغَمَ التَّاءَ فِي الدَّالَ، وَمِنْهُ «تَخَطَّفُ أَبْصَارَهُمْ» وَ «أَمَّنْ لَا يَهِدِّي».
وَرَوَى قَالُونٌ عَنْ نَافِعٍ «لَا تَعْدُّوا» بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ فَجَمَعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ، وَهُوَ قَبِيحٌ جِدًّا، لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَجْمَعُ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ إِلَّا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حَرْفَ لين، وكأنه
стр. 86
أَرَادَ الْحَرَكَةَ فَأَسْكَنَ، لِأَنَّ الْفَرَّاءَ حَكَى عَنْ عَبْدِ الْقَيْسِ أَنَّهَا تَقُولُ: أَسَلْ زَيْدًا فَتُدْخِلُ الْأَلِفَ الْوَصْلَ عَلَى مُتَحَرِّكٍ، لِأَنَّهُمْ أَرَادُوُا الْإِسْكَانَ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «لَا تَعْدُوا» عَلَى وَزْنِ لَا تَفْعُوا.
وَالْأَصْلُ فِي الْقِرَاءَاتِ كُلِّهَا: لَا تَعْدُوُوا بِوَاوَيْنِ فَاسْتَثْقَلُوُا الضَّمَّةَ عَلَى الْوَاوِ الْأُولَى فَخَزَلُوهَا، ثُمَّ حَذَفُوُا الْوَاوَ لِسُكُونِهَا، وَسُكُونِ وَاوِ الْجَمْعِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ «زُبُورًا» بِالضَّمِّ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ.
وَالزَّبُورُ، بِالْفَتْحِ: الْكِتَابُ، وَالزُّبُورُ: جَمْعٌ، وَسُمِّيَ الزَّبُورُ زَبُورًا لِأَنَّ مَعْنَى الزَّبْرِ الْكِتَابَةِ، قَالَ الْهُذَلِيُّ:
عَرَفْتُ الدِّيَارَ كرقم الدوا ... ة يُزَبِّرُهُ الْكَاتِبُ الْحِمْيَرِيُّ
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ذَبَرْتُ الْكِتَابَ: قَرَأْتُهُ، وَزَبَّرْتُهُ: كَتَبْتُهُ.
стр. 87
ومن السورة التي تذكر فيها
المائدة
- وقوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم﴾.
قرأ ابن عامر فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «شَنْئَانُ» بِإِسْكَانِ النُّونِ، وَأَنْشَدَ:
فَأَمْسَى كَعْبُهَا كَعْبًا وَكَانَتْ ... مِنَ الشَّنْآنِ قَدْ دُعِيَتْ كِعَابَا
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «شَنَآنُ» مُحَرَّكًا، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْمَصَادِرَ مِمَّا أَوَّلُهُ مَفْتُوحٌ جاء محركا نحو الغيان، وَالنَّزَوَانِ، وَالْهَمَلَانِ، وَالْإِسْكَانُ قَلِيلٌ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ الْمُسْكَنُ فِي الْمَضْمُومِ وَالْمَكْسُورِ.
وَقَالَ آخَرُونَ الشَّنْآنُ، بِالْإِسْكَانِ، الِاسْمُ، وَالشَّنَآنُ بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ، وَالتَّقْدِيرُ: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بَغْضَاءُ قَوْمٍ وَبُغْضُ قَوْمٍ أَنْ تَعْتَدُوا، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: شَنَأْتُهُ أَشْنُؤُهُ شَنَأً وَشِنْأً، وَشُنْأً، وَشُنْآنًا، وَشَنَأَنًا، وَشَنَانًا بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وَيُنْشِدُ:
وَمَا الْعَيْشُ إِلَّا مَا تَلَذُّ وَتَشْتَهِي ... وَإِنْ لَامَ فِيهِ ذو الشنان وفندا
واجتمعت القراء على «يَجْرِمَنَّكُمْ» بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ جَرَمَ: إِذَا كَسَبَ، يُقَالُ: فُلَانٌ جَرِيمَةُ قَوْمِهِ، أَيْ: كَاسِبُهُمْ إِلَّا الأعمش، ويحيى فإنهما قرءا «وَلَا يُجْرِمَنَّكُمْ» بِضَمِّ الْيَاءِ جَعَلُوهُ لُغَتَيْنِ: جَرَمَ وَأَجْرَمَ، وَالِاخْتِيَارُ جَرَمَ، أَيْ: كَسَبَ، وَأَجَازَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ:
أَكْسَبَ، وَهُوَ شَاذٌّ.
- وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو «إِنْ صَدُّوكُمْ» بِالْكَسْرِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ.
فَمَنْ كَسَرَ جَعَلَهُ شَرْطًا، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ فِي مُصَحْفِ عَبْدِ اللَّهِ: «إِنْ يَصُدُّوكُمْ» وَالِاخْتِيَارُ الْفَتْحُ، لِأَنَّ الصُّدُودَ وَقَعَ مِنَ الْكُفَّارِ، وَالْمَائِدَةُ آخِرُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَالتَّقْدِيرُ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ أَنْ تَعْتَدُوا لِأَنْ صَدُّوكُمْ، وَهَذَا بَيِّنٌ جِدًّا.
- وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ «وَأَرْجُلِكُمْ» بِالْكَسْرِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﵁، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ وَالنَّحْوِيُّونَ فِي تأويل هذه
стр. 88
الْآيَةِ، فَمَنْ نَصَبَ نَسَقَهُ عَلَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ .......... ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ بِإِجْمَاعِ الْكَافَّةِ عَلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَحْدُودَ مَعَ الْمَحْدُودِ أَوْلَى أَنْ يُؤْتَيَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ كُلُّ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمَسْحِ فَإِنَّهُ لَمْ يَحُدَّهُ، وَكُلُّ مَا حَدَّهُ فَهُوَ مَغْسُولٌ نَحْوَ «أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ» وَ «وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ».
وَمَنْ كَسَرَ فَحُجَّتُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الْقُرْآنَ بِمَسْحِ الرِّجْلِ، ثُمَّ عَادَتِ السُّنَّةُ إِلَى الْغَسْلِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَنْ قَرَأَ «وَأَرْجُلِكُمْ» بِالْكَسْرِ، لَزِمَهُ أَنْ يَمْسَحَ، وَمَنْ ذَكَرَ أَنَّ مَنْ خَفَضَ «وَأَرْجُلِكُمْ» خَفَضَهُ عَلَى الْجِوَارِ فَهُوَ غَلَطٌ، لِأَنَّ الْخَفْضَ عَلَى الْجِوَارِ لُغَةٌ لَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ لِضَرُورَةِ شَاعِرٍ، أَوْ حَرْفٍ يَجْرِي كَالْمَثَلِ كَقَوْلِهِمْ «جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ» وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْغَسْلَ مَسْحًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾. أَيْ: غَسَلَ أَيْدِيَهَا وَأَرْجُلَهَا مِنَ الْغُبَارِ.
- وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: «قَسِيَّةً» بِغَيْرِ أَلِفٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «قَاسِيَةً» بِأَلِفٍ، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ، فَعِيلَةٌ وَفَاعِلَةٌ مِثْلَ زَكِيَّةٍ وَزَاكِيَةٍ، وَكَقَوْلِهِمْ: عَلِيمٌ وَعَالِمٌ بِمَعْنًى.
وَقَالَ آخَرُونَ: قَسِيَّةً: رَدِيئَةً، مِنْ قَوْلِهِمْ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ، أَيْ: بَهْرَجٌ، وَالْأَصْلُ فِي قَاسِيَةٍ: قَاسِوَةٌ، لِأَنَّهُ مِنْ قَسَا يَقْسُو، فَقَلَبُوا مِنَ الْوَاوِ يَاءً، لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، وَالْأَصْلُ فِي قَسِيَّةٍ: قَسِيوَةٌ فَقَلَبُوا مِنَ الْوَاوِ يَاءً، لِأَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ وَاوٌ وَيَاءٌ وَالسَّابِقُ سَاكِنٌ قَلَبُوا مِنَ الْوَاوِ يَاءً وَأَدْغَمُوُا الْيَاءَ فِي الْيَاءِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِيَاءٍ فِي الْوَصْلِ، وَوَقَفَ بِغَيْرِ يَاءٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ يَاءٍ وَصَلُوا وَوَقَفُوا، فَمَنْ حَذَفَ تَبِعَ الْمُصْحَفَ، وَاجْتَزَأَ بِالْكَسْرَةِ عَنِ الْيَاءِ، وَمَنْ أَثْبَتَهُ وَصْلًا فَعَلَى الْأَصْلِ، وَمَنْ حَذَفَ وَقْفًا اتِّبَاعًا لِلْمُصْحَفِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
قَرَأَ وَرْشٌ، عَنْ نَافِعٍ: «مِنَ اجْلِ ذَلِكَ» فَنَقَلَ فَتْحَةَ الْهَمْزَةِ إِلَى النُّونِ وَأَسْقَطَ الْهَمْزَةَ لَفْظًا، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ نَحْوَ ﴿قَدَ افْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. وَهِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ.
стр. 89
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: تَقُولُ الْعَرَبُ مَنَ ابُوكَ، يُرِيدُونَ: مَنْ أَبُوكَ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ» مَقْطُوعَةَ الْأَلِفِ وَهِيَ أَلِفٌ أَصْلِيَّةٌ.
وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: «مِنِ اجْلِ ذَلِكَ» فَتَقُولُ الْعَرَبُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِكَ وَمِنْ إِجْلِكَ، وَمِنْ جَرَّاكَ وَمِنْ جَرَّائِكَ، وَمِنْ جَلَالِكَ وَمِنْ جَلَلِكَ وَيُنْشِدُ:
رَسْمِ دَارٍ وَقَفْتُ فِي طَلَلِهِ ... كِدْتُ أَقْضِي الْحَيَاةَ مِنْ جَلَلِهِ
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَالْكِسَائِيُّ: «السُّحُتَ» بِضَمَّتَيْنِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «السُّحْتَ» سَاكِنًا، وهما لغتان، نحو: البخل وَالْبُخُلُ.
قَرَأَ بِهِ عِيسَى بْنُ عُمَرَ.
وَرَوَى خَارِجَةُ، عَنْ نَافِعٍ «السَّحْتَ» بِفَتْحِ السِّينِ، وَسُكُونِ الْحَاءِ فَتَكُونُ لُغَةً ثَالِثَةً، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: سَحَتَهُمُ اللَّهُ وَأَسْحَتَهُمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ قُرِئَ بِهِ «فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ» وَ «فَيَسْحَتَكُمْ».
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ: «أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» وَرَفَعَ مَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الِابْتِدَاءِ، ذَهَبَ الْكِسَائِيُّ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَهَا كَذَلِكَ فَنَصَبَ «النَّفْسَ» بِ «أَنَّ» وَاسْتَأْنَفَ مَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الِابْتِدَاءِ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو بِنَصْبِ ذَلِكَ، وَرَفْعًا «وَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ».
أَيْ: كَتَبَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ إِلَى: «السِّنَّ بِالسِّنِّ» ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ: الْجُرُوحُ قِصَاصٌ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ كُلَّ ذَلِكَ بِالنَّصْبِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «بِالْأُذْنِ» سَاكِنَةً.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمَّتَيْنِ، فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثُ حُجَجٍ:
إِحَدَاهُنَّ: أَنْ يَكُونَ اسْتُثْقِلَ بِضَمَّتَيْنِ فَأَسْكَنَ كَمَا قَالَ: «وَأُحِيطَ بِثَمْرِهِ»، وَالْأَصْلُ:
بِثَمَرِهِ، وَكَمَا قَالَ: «فَرُهْنٌ مَقْبُوضَةٌ» وَالْأَصْلُ: رهن، والعرب
قوله تعالى: ﴿وعبد الطاغوت﴾.
стр. 90
قرئ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ» فِعْلًا مَاضِيًا، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ حُجَّتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: النَّسَقُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾. وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ. وَالْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ ابْنَ مسعود وأبيا قرءا «وَعَبَدُوُا الطَّاغُوتَ». فَأَمَّا حَمْزَةُ فَإِنَّهُ جَعَلَ «عَبَدَ» جَمْعُ عَبْدٍ، وَالْعَرَبُ تَجْمَعُ عَبْدًا فَيَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ عَبِيدُ اللَّهِ، وَعِبَادُ اللَّهِ، وَأَعْبُدُ اللَّهِ، وَعَبْدَانُ اللَّهِ، وَعِبَّدِي اللَّهِ، فَمَنْ جَرَّ الطَّاغُوتَ أَضَافَ إِلَيْهِ الْعَبْدَ، وَمَنْ قَرَأَ بِالنَّصْبِ جَعَلَهُ فِعْلًا مَاضِيًا، وَتَلْخِيصُهُ: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَخَدَمَ الطَّاغُوتَ.
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي «الطَّاغُوتِ» فَقَالَ قَوْمٌ: يَكُونُ مُذَكَّرًا وَمُؤَنَّثًا، وَجَمْعًا وَوَاحِدًا، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوُا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾. فَأَنَّثَ، وَقَالَ: «أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ» فَجَمَعَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الطَّاغُوتُ: وَاحِدٌ، وَجَمْعُهَا طَوَاغِيتٌ، وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾. كَمَا قَالَ: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾. فَاجْتَزَأَ بِالْوَاحِدِ عَنِ الْجَمْعِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. وَفِي الْأَنْعَامِ: ﴿حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وَفِي الْأَعْرَافِ: ﴿برسَالَاتِي﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ثَلَاثَهُنَّ بِالتَّوْحِيدِ.
وَقَرَأَ عَاصِمٌ، وَابْنُ عَامِرٍ ثَلَاثَهُنَّ بِالْجَمْعِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ «بِرِسَالَتِي» عَلَى التَّوْحِيدِ، وَجَمَعَ الْبَاقِي.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «رِسَالَتَهُ» بِالتَّوْحِيدِ، وَ «بِرِسَالَاتِي» وَ «حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ» بِالْجَمْعِ فِيهِمَا، فَمَنْ وَحَّدَ جَعَلَ الْخِطَابَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَمَنْ جَمَعَهَا احْتَجَّ بِأَنْ جَعَلَ كُلَّ وَحْيٍ رِسَالَةً، وَالِاخْتِيَارُ أَنْ تُجْمَعَ الَّتِي فِي الْأَنْعَامِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الرُّسُلَ فِيهِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى أَنْ لَيْسَ تَكُونَ فِتْنَةٌ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ، وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ «أَنْ» الْخَفِيفَةَ هَاهُنَا مُخَفَّفَةٌ مِنْ مُشَدَّدَةٍ، وَالْأَصْلُ: أَنَّهُ لَا تَكُونُ فِتْنَةٌ، كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾. أَيْ: أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ ﴿ألا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾. أَيْ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا، وَمَنْ نَصَبَهُ نَصَبَهُ
стр. 91
بِ «أَنْ» وَ «لَا» لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ، فِيهِ كَقَوْلِكَ: أُحِبُّ أَنْ تَذْهَبَ، وَأُحِبُّ أَنْ لَا تَذْهَبَ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ بِرِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ «عَاقَدْتُمُ» بِأَلِفٍ، أَيْ: تَحَالَفْتُمْ فِعْلٌ مِنِ اثْنَيْنِ.
وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ غَيْرَ حَفْصٍ «عَقَدْتُمُ» مُخَفَّفًا فَيَكُونُ مُغْرَمًا عَلَيْهِ وَمُؤَكَّدًا.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَنَافِعٌ: «عَقَّدْتُمُ» أَيْ: أَكَّدْتُمْ، وَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فَأَغْنَى عَنِ الْإِعَادَةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. وَقَدْ مَرَّتِ الْعِلَلُ فِي أَوَّلِ النِّسَاءِ.
سَنُخْبِرُ عَنِ الْقِرَاءَةِ هَاهُنَا، فَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «قِيَمًا».
وَالْبَاقُونَ «قِيَامًا» وَالْيَاءُ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ، وَالْأَصْلُ: قِوَامًا مِثْلَ: ثَوْبٌ وَثِيَابٌ، وَسَوْطٌ وَسِيَاطٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ «فَجَزَاءٌ» بِالتَّنْوِينِ «مِثْلُ» بِالرَّفْعِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُضَافًا، فَمَنْ نَوَّنَ جَعَلَهُ رَفْعًا بِالِابْتِدَاءِ، وَجَعَلَ الْمِثْلَ خَبَرَهُ.
وَالْكُوفِيُّونَ يَقُولُونُ: رَفْعًا بِالصِّفَةِ، وَالْبَصْرِيُّونَ بِالِابْتِدَاءِ، وَمَنْ أضاف فمعناه:
جزاء مثل المقتول.
- وقوله: ﴿كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ «كَفَّارَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ» مُضَافًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُنَوَّنًا، وَرَفَعُوُا الطَّعَامَ، لِأَنَّ الطَّعَامَ هِيَ الْكَفَّارَةُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. رَوَى حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، وَنُصَيْرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ «اسْتَحَقَّ» بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْحَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ.
وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَّا حَفْصًا، عَنْ عَاصِمٍ، وَأَبَا بَكْرٍ وَحَمْزَةَ ««الْأَوَّلَيْنِ».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «الْأَوْلَيَانِ» يَعْنُونَ: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. أَيْ: مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دِينِكُمْ.
стр. 92
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَكُونُ طَيْرًا﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «فَتَكُونُ طَائِرًا» بِالْأَلِفِ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «طَيْرًا» عَلَى الْجَمْعِ، فَطَائِرٌ وَطَيْرٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ، وَقَدْ مَرَّتْ عِلَّةُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
اخْتَلَفُوا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ هَاهُنَا، وَفِي أَوَّلِ يُونُسَ، وَهُودٍ، وَالصَّفِّ، قَرَأَهُنَّ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «سَاحِرٌ» بِأَلِفٍ، يَعْنُونَ النَّبِيَّ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِهِمْ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَعَاصِمٌ فِي أَوَّلِ يُونُسَ «سَاحِرٌ» بِأَلِفٍ، وَالْبَاقِي «سِحْرٌ».
وقَرَأَ الْبَاقُونَ كُلَّ ذَلِكَ «سِحْرٌ» بِغَيْرِ أَلِفٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ «هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ» بِالتَّاءِ وَنَصَبَ «رَبَّكَ» وَمَعْنَاهُ: هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤَالَ رَبِّكَ؟
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «هَلْ يَسْتَطِيعُ» بِالْيَاءِ جَعَلُوُا الْفِعْلَ لَهُ، وَرَبُّكَ: رَفْعٌ، وَإِنَّمَا قَالُوا: هَلْ يسَتْطَيِعُ رَبُّكَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ، وَلَكِنَّ هَذَا كَمَا تَقُولُ لِصَاحِبِكَ: هَلْ تَقْدِرُ أَنْ تَقُومَ مَعِي، أَيْ: قُمْ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَعَاصِمٌ، وَابْنُ عَامِرٍ «مُنَزِّلُهَا» مُشَدَّدَةً مِنْ نَزَّلَ يُنَزِّلُ.
وَمَنْ قَرَأَ «مُنْزِلُهَا» فَمِنْ أَنْزَلَ يُنْزِلُ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْبَاقُونَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ» بِالنَّصْبِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ، فَمَنْ رَفَعَ جَعَلَ هَذَا رَفْعًا بِالِابْتِدَاءِ، وَجَعَلَ الْيَوْمَ خَبَرَهُ، وَمَنْ نَصَبَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ جَعَلَهُ ظَرْفًا، وَالتَّقْدِيرُ: هَذَا يَوْمٌ نَفَعَ الصَّادِقِينَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَضَافَتِ اسْمَ الزَّمَانِ إِلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ فَتَحَتْ، لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إِلَى الْأَفْعَالِ غَيْرُ مَحْضَةٍ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
عَلَى حِينَ عَايَنْتُ الْمَشِيبَ بِمِفْرَقِي ... وَقُلْتُ أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ
стр. 93
فَأَضَافَ اسْمَ الزَّمَانِ إِلَى الْأَفْعَالِ فِي الْمَعْنَى، وَالتَّقْدِيرُ: هَذَا يَوْمُ نَفْعِ الصَّادِقِينَ: لِأَنَّ الْجُمْلَةَ فِي مَعْنَى الْمَصْدَرِ، وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ: زُرْتُكَ أيام الحجاج أمير، أي: وقت إمارته (١). стр. 94
ومن السورة التي تذكر فيها
الأنعام
- وقوله تَعَالَى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِفَتْحِ الْيَاءِ إِلَّا حَفْصًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ.
فَمَنْ فَتَحَهُ فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾. لِأَنَّ فِي ﴿رَحِمَهُ﴾ اسْمُ اللَّهِ مُضْمَرًا، فَكَذَلِكَ ﴿مَنْ يَصْرِفْ﴾.
وَمَنْ ضَمَّ، قَالَ: كَرِهْتُ أَنْ أُضْمِرَ شَيْئَيْنِ، اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعَذَابَ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: مَنْ يَصْرِفِ اللَّهُ عَنْهُ الْعَذَابَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾.
قَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالْيَاءِ هَاهُنَا وَفِي يُونُسَ قَبْلَ الثَّلَاثِينَ، وَقَرَأَ سَائِرَ الْقُرْآنِ بِالنُّونِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ كُلَّ ذَلِكَ بِالنُّونِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالنُّونِ، فَاللَّهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا أَتَى بِلَفْظِ الْجَمْعِ، لِأَنَّ الْمَلِكَ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِلَفْظِ الْجَمَاعةِ تَعْظِيمًا وَتَخْصِيصًا كَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾. وَاللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
- وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «يَكُنْ» بِالْيَاءِ وَنَصَبَا «فِتْنَتَهُمْ».
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، وَابْنُ عَامِرٍ بِالتَّاءِ، وَرَفْعِ الْفِتْنَةِ، فَأَمَّا ابْنُ كَثِيرٍ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْفِتْنَةَ اسْمَ الْكَوْنِ، وَالْخَبَرُ «إِلَّا أَنْ قَالُوا» لِأَنَّ «أَنْ» مَعَ الْفِعْلِ بِتَقْدِيرِ الْمَصْدَرِ، وَتَلْخِيصُهُ: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا قَوْلَهُمْ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ وَنَصْبِ الْفِتْنَةِ، فَأَمَّا حَمْزَةُ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ «أَنْ قَالُوا» الِاسْمَ، وَالْفِتْنَةَ الْخَبَرَ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ لِعِلَّتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْفِتْنَةَ تَكُونُ مَعْرِفَةً وَنَكِرَةً، وَالضَّمِيرُ فِي «أَنْ قَالُوا» لَا يَكُونُ إِلَّا مَعْرِفَةً.
وَأَمَّا حُجَّةُ أَبِي عَمْرٍو وَمَنْ تَبِعَهُ، قَالَ: لَمَّا كَانَتِ الْفِتْنَةُ هِيَ الْقَوْلُ، وَالْقَوْلُ هو
стр. 95
الْفِتْنَةُ جَازَ أَنْ تَحِلَّ مَحَلَّهُ.
- وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «رَبَّنَا» بِالنَّصْبِ عَلَى: وَاللَّهِ يَا رَبَّنَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ نَفْسَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَخَاطَبُوهُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «وَاللَّهِ رَبَّنَا» بِالْخَفْضِ فَجَعَلُوهُ مُقْسَمًا بِهِ تَعَالَى، وَقَالُوا: هَذَا أَحْسَنُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى أَنْ تَقُولَ: وَاللَّهِ الْعَظِيمِ مَا فَعَلْتُ كَيْتَ وَكَيْتَ، مِنْ أَنْ تَقُولَ: وَاللَّهِ يَا أَيُّهَا الْعَظِيمُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَحَفْصٌ «نُكَذِّبَ ........ وَنَكُونَ» بِنَصْبِ الْبَاءِ وَالنُّونِ، وَوَافَقَ شَامِيٌّ فِي النُّونِ، جَعَلُوهُ جَوَابَ التَّمَنِّي، لِأَنَّ الْجَوَابَ بِالْوَاوِ يُنْصَبُ كَمَا يُنْصَبُ بِالْفَاءِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وَكَقِرَاءَةِ الْأَعْرَجِ: «أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكَ الدِّمَاءَ» بِالنَّصْبِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ كُلَّ ذَلِكَ.
فَمَنْ رَفَعَ جَعَلَ الْكَلَامَ كُلَّهُ خَبَرًا، لِأَنَّ الْقَوْمَ تَمَنَّوُا الرَّدَّ، وَلَمْ يَتَمَنَّوُا الْكَذِبَ، وَالتَّقْدِيرُ: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَنَحْنُ لَا نُكَذِّبُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾.
قرأ ابن عامر بحذف لامه الأولى و «الآخرة» بِالْخَفْضِ، وَالْبَاقُونَ بِإِثْبَاتِ اللَّامِ، وَ «الْآخِرَةُ» بِالرَّفْعِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
اخْتَلَفُوا فِي خَمْسٍ؟ كَذَا مَوَاضِعَ، فِي الْأَنْعَامِ، وَالْأَعْرَافِ، وَيُوسُفَ، وَالْقَصَصِ، وَ «يس»، فَقَرَأَهُنَّ كُلَّهُنَّ نَافِعٌ بِالتَّاءِ إِلَّا فِي سُورَةِ يُوسُفَ، وَرُوِيَ عَنْ حَفْصٍ كُلُّ ذَلِكَ بِالتَّاءِ إِلَّا فِي «يس».
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ كُلَّ ذَلِكَ بِالتَّاءِ إِلَّا هِشَامًا فِي «يس»، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ كُلَّ ذَلِكَ بِالْيَاءِ إِلَّا فِي الْقَصَصِ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ يُخَيِّرُ فِي التَّاءِ وَالْيَاءِ، فِي الْقَصَصِ كَمَا خَيَّرَ فِي آلِ عِمْرَانَ، فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَالتَّقْدِيرُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ «أَفَلَا تَعْقِلُونَ» يَا كَفَرَةُ، مَنْ قَرَأَ
стр. 96
بالياء فالله تعالى يخبر عنه أَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَالْكِسَائِيُّ «لَا يَكْذِبُونَكَ» بِالتَّخْفِيفِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ «يُكَذِّبُونَكَ».
فَمَنْ شَدَّدَ فَمَعْنَاهُ: إِنَّهُمْ يُكَذِّبُونَهُ فِي نَفْسِهِ، وَمَنْ خَفَّفَ فَالتَّقْدِيرُ: إِنَّهُمْ لَا يُصِيبُونَكَ كَاذِبًا، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ مَا شَكُّوا فِي صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالُوا: نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «يُحْزِنُكَ» بِالضَّمِّ. وَكَسْرِ الزَّايِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، وَاللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ لِقَوْلِهِمْ: مَحْزُونٌ وَلَا يُقَالُ مُحْزَنٌ، لِأَنَّ مَنْ قَالَ: أَحْزَنْتُ فُلَانًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ مُحْزِنًا وَالْمَفْعُولُ مُحْزَنًا، وَالِاخْتِيَارُ حَزَنَنِي الْأَمْرُ، أَنْشَدَنِي ابْنُ عَرَفَةَ ﵁:
لَا تَحْزُنِينِي بِالْفِرَاقِ فَإِنَّنِي ... لَا تَسْتَهِلُّ مِنَ الْفِرَاقِ شُئُونِي
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ جَمِيعَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الِاسْتِفْهَامِ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ تَخْفِيفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ الْأُولَى: هَمْزَةُ اسْتِفْهَامٍ، وَهِيَ زَائِدَةٌ، وَالثَّانِيَةُ: عَيْنُ الْفِعْلِ، وَهِيَ أَصْلِيَّةٌ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَاضِي، فَأَمَّا الْفِعْلُ الْمُضَارِعُ نَحْوَ يَرَى وَتَرَى فَإِجْمَاعُ الْقُرَّاءِ وَالْعَرَبِ عَلَى تَرْكِ الْهَمْزَةِ إِلَّا الشَّاعِرَ فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَرَّ هَمَزَ عَلَى الْأَصْلِ، كَقَوْلِهِ:
أُرِي عَيْنِي مَا لَمْ تَرْأَيَاهُ ... كِلَانَا عَالِمٌ بالترهات
وأهل الحجاز يقولون في الأمر: ريا زَيْدُ بِرَاءٍ وَاحِدَةٍ، وَتَزِيدُ هَاءً لِلسَّكْتِ، فَتَقُولُ: ره، وتميم ارأ بِالْهَمْزِ يَرُدُّونَ الْهَمْزَةَ.
وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ: «أَرَايْتَ» بِإِسْقَاطِ الْهَمْزَةِ مِنْ غَيْرِ تَلْيِينٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكِسَائِيَّ لَمَّا وَجَدَ الْعَرَبَ مُجْتَمِعَةً عَلَى تَرْكِ الْهَمْزِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَنَى الْمَاضِي عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ مَعَ زِيَادَةِ الْهَمْزَةِ فِي أَوَّلِهَا، وَهِيَ لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَرَيْتَ إِنْ جِئْتُ بِهِ أُمْلُودَا ... مرجلا ويلبس البرودا
стр. 97
قائلن أَحْضِرُوُا الشُّهُودَا
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: «فَتَّحْنَا عَلَيْهِمْ» هُنَا، وَفِي الْأَعْرَافِ، وَالْقَمَرِ، «وَفُتِّحَتْ» فِي الْأَنْبَيَاءِ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ، وَالْبَاقُونَ بِتَخْفِيفِهَا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ، وَابْنُ عَامِرٍ «أَنَّهُ»، «فَأَنَّهُ» بِالْفَتْحِ نَصَبَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ «كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ»، «بِأَنَّهُ» وَ «لَأَنَّهُ» فَلَمَّا سَقَطَ الْخَافِضُ عَمِلَ الْفِعْلُ «وَأَنَّ» الْمَفْتُوحَةُ مَعَ مَا بَعْدَهَا بِمَنْزِلَةِ الْمَصْدَرِ، وَالثَّانِيَةُ نَسَقٌ عَلَى الْأَوَّلِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ «أَنَّهُ» بِالْفَتْحِ «فَإِنَّهُ» بِالْكَسْرِ نَصَبَ الْأَوَّلَ بِ «كَتَبَ» وَجَعَلَ الْفَاءَ جَوَابَ الشَّرْطِ لِ «مَنْ» وَاسْتَأْنَفَ «إِنَّ»، لِأَنَّ مَا بَعْدَ فَاءِ الشَّرْطِ يَكُونُ الْكَلَامُ مِسْتَأْنَفًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾. وَكَقَوْلِكَ: مَنْ يَزُرْ زَيْدًا فَعَبْدُ اللَّهِ عِنْدَهُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «إِنَّهُ»، «فَإِنَّهُ» مَكْسُورَتَيْنِ، جَعَلُوهُ حِكَايَةً، وَلَمْ يُعْمِلُوا «كَتَبَ» كَمَا تَقُولُ: قَالَ زَيْدٌ: عَبْدُ اللَّهِ فِي الدَّارِ، وَ «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» لِمَنْ كَانَ حَالُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «بِالْغُدْوَةِ وَالْعَشِيِّ» بِالْوَاوِ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ وَجَدَهُ فِي الْمُصْحَفِ بِالْوَاوِ، وَإِنَّمَا كُتِبَ بِالْوَاوِ كَمَا كُتِبَ «الصَّلَوةُ» بِالْوَاوِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْوَجْهُ، لِأَنَّ غَدَاةَ نَكِرَةٌ، وَغُدْوَةَ مَعْرِفَةٌ وَلَا يُسْتَعْمَلُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَمُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، أَيْ: غَدَاةَ كُلِّ يَوْمٍ، نَزَلَ ذَلِكَ فِي فُقَرَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ غَيْرَ حَفْصٍ «وَلِيَسْتَبِينَ» بِالْيَاءِ، «سَبِيلُ» بِالرَّفْعِ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَحَفْصٌ بِالتَّاءِ وَالرَّفْعِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ «وَلِتَسْتَبِينَ» بِالتَّاءِ، «سَبِيلَ» بِالنَّصْبِ، وَالْمَعْنَى وَلِتَسْتَبِينَ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ، وَالسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.
стр. 98
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَنَافِعٌ وَعَاصِمٌ «يَقُصُّ الْحَقَّ» بِالصَّادِ، لِأَنَّ فِي الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ يَاءٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «يَقْضِ الْحَقَّ»، قَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَإِنَّمَا قَرَأْتُهَا كَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾. وَالْفَصْلُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا حَذَفْتُ الْيَاءَ خَطًّا لَمَّا سَقَطَتْ لَفْظًا لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ اللَّامِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «وَخِفْيَةً» بِالْكَسْرِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «خُفْيَةً» بِالضَّمِّ، وَهُمَا لُغَتَانِ: خِفْيَةٌ وَخُفْيَةٌ، وَفِيهَا لُغَةٌ ثَالِثَةٌ مَا قَرَأَ بِهَا أَحَدٌ لِخِلَافِ الْمُصْحَفِ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ مُجَاهِدٍ خَبَّرَنِي، عَنِ السِّمَّرِيِّ، عَنِ الْفَرَّاءِ، قَالَ:
يُقَالُ: خُفْيَةٌ وَخِفْيَةٌ وَخُفْوَةٌ وَخِفْوَةٌ بِالْوَاوِ مِثْلُ حُبْوَةٍ وَحِبْوَةٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.
قَرَأَ الْقُرَّاءُ كُلُّهُمْ «يُنَجِّيكُمْ» مُشَدَّدًا إِلَّا عَلِيَّ بْنَ نَصْرٍ فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي عَمْرٍو «يُنْجِيكُمْ» خَفِيفَةً، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ، نَجَّى وَأَنْجَى مِثْلَ كَرَّمَ وَأَكْرَمَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، والْكِسَائِيُّ، وَابْنُ عَامِرٍ بِرِوَايَةِ هِشَامٍ «قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ» مُشَدَّدَةً.
وَالْبَاقُونَ مُخَفَّفَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّشْدِيدُ لِلتَّكْرِيرِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَيَجُوزُ لِأَبِي عَمْرٍو وَغَيْرِهِ لِمَنْ شَدَّدَ الْأُولَى وَخَفَّفَ الثَّانِيَةَ أَنَّهُ أَتَى بِاللُّغَتَيْنِ لِيُعْلِمَ أَنَّ كِلْتَيْهِمَا صَوَابٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لئن أنجانا من هذه﴾.
قرأ الكوفيون «لئن أنجانا» عَلَى لَفْظِ الْخَبَرِ عَنْ غَائِبٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ» عَلَى لَفْظِ الْخِطَابِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ عَاصِمٌ يُفَخِّمُ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ «أَنْجَانَا».
وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ يُمِيلَانِ «أَنْجَانَا» لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «يُنَسِّيَنَّكَ» مِنْ نَسَّى يُنَسِّي، جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «لَا يَقُولَنَّ أحدكم نسيت أنه كَذَا وَكَذَا إِنَّمَا هُوَ يُنَسَّى» وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «ينسينك» بالتخفيف،
стр. 99
يُقَالُ: نَسِيتُ الشَّيْءَ أَنْسَاهُ، وَأَنْسَانِي غَيْرِي وَنَسَّانِي غيري أيضا، ويجوز أن ننسي مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ «اسْتَهْوِيهُ» بِالْيَاءِ.
وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، فَهَذَا فِعْلُ الْجَمَاعَةِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، كَمَا يُقَالُ: قَامَ الرِّجَالُ وَقَامَتِ الرِّجَالُ، وَقَالَ الْأَعْرَابُ وَقَالَتِ الْأَعْرَابُ، كُلُّ ذَلِكَ صَوَابٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةِ وَرْشٍ بَيْنَ الْكَسْرِ وَالْفَتْحِ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، وَابْنُ عَامِرٍ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، بِالتَّفْخِيمِ يَفْتَحُونَ الرَّاءَ وَالْهَمْزَةَ جَمِيعًا.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِخِلَافِ السُّوسِيِّ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْهَمْزَةِ، فَمَنْ فَخَّمَهُ فَعَلَى أصل الكلمة، الأصل: رَأَى مِثْلَ دَعَى فَقُلِبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا فَصَارَتْ أَلِفًا فِي اللَّفْظِ وَيَاءً فِي الْخَطِّ، وَمَنْ أَمَالَ الْهَمْزَةَ فَلِمُجَاوَرَةِ الْيَاءِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ الْأَلِفُ هِيَ الْمُمَالَةُ، أُشِيرَ إِلَى كَسْرَةِ الْهَمْزَةِ كَمَا يُشَارُ إِلَى كَسْرَةِ الْمِيمِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. وَإِنَّمَا أَمَالُوا تَخْفِيفًا، لِيَعْمَلَ اللِّسَانُ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ.
وَمَنْ كَسَرَ الرَّاءَ فَإِنَّهُ أَتْبَعَ الْإِمَالَةَ فَكَسَرَ الْهَمْزَةَ لِمُجَاوَرَةِ الْيَاءِ، وَكَسَرَ الرَّاءَ لِمُجَاوَرَةِ الْهَمْزَةِ، فَإِذَا اسْتَقْبَلَ الْيَاءَ أَلِفٌ وَلَامٌ مِثْلَ ﴿رَأَى القمر﴾. ﴿رأى الشَّمْسَ﴾. وَ ﴿رَأَى الْمُجْرِمُونَ﴾. وَ ﴿رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. وَ ﴿رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. فَإِنَّ الْقُرَّاءَ فَتَحُوا، لِأَنَّ الْإِمَالَةَ كَانَتْ مِنْ أَجْلِ الْيَاءِ، فَلَمَّا سقَطَتِ الْيَاءُ لِاجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ ذَهَبَتِ الْإِمَالَةُ، إِلَّا حَمْزَةَ، وَعَاصِمًا فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبَا عَمْرٍو فِي رِوَايَةِ السُّوسِيِّ بِخِلَافٍ عَنْهُ فَإِنَّهُمَا أَمَالَا الرَّاءَ، وَفَتَحَا الْهَمْزَةَ لِيَدُلَّا عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ مُمَالٌ قَبْلَ الْوَصْلِ.
وَرَوَى خَلَفٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، «رِأِى الْقَمَرَ» وَنَحْوَهَا بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْهَمْزَةِ، وَهُوَ رَدِيءٌ جِدًّا وَنَحْوَهُ قَرَأَ حَمْزَةُ: «وَلَقَدْ رِآِهُ» بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْهَمْزَةِ، وَالِاخْتِيَارُ التَّفْخِيمُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾.
стр. 100
قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ «أَتُحَاجُّونِي» بِتَخْفِيفِ النُّونِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وَالْأَصْلُ: أَتُحَاجُّونَنِي بِنُونَيْنِ، الْأُولَى عَلَامَةُ الرَّفْعِ، وَالثَّانِيَةُ مَعَ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ، وَمِثْلُهُ «أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي» الْأَصْلُ: تَأْمُرُونَنِي فَاجْتَمَعَ حَرْفَانِ مُتَجَانِسَانِ فَأَدْغَمُوا تَخْفِيفًا.
وَأَمَّا نَافِعٌ فَإِنَّهُ لَمَّا كَرِهَ الْجَمْعَ بَيْنَ نُونَيْنِ حذف واحدة.
- وقوله تعالى: ﴿وقد هدان﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ «هَدَانِ» بِالْإِمَالَةِ لِمُجَاوَرَةِ الْكَسْرَةِ وَالْيَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ قَبْلَ اتِّصَالِهَا بِالْمُكَنَّى هَدَى مِثْلَ قَضَى، فَلَمَّا اتَّصَلَتْ بِالْمُكَنَّى وَالنُّونُ مَكْسُورَةٌ بَقَّاهَا عَلَى إِمَالَتِهَا، وَالْأَصْلُ: هَدَيْنِي فَقُلِبَتِ الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وقرأ الْبَاقُونَ «هَدَانِ» بِالتَّفْخِيمِ، عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «هَدَانِي» بِالْيَاءِ فِي الْوَصْلِ، عَلَى الْأَصْلِ، وَوَقَفَ بِغَيْرِ يَاءٍ اتِّبَاعًا لِلْمُصْحَفِ.
وَالْبَاقُونَ يَصِلُونَ بِغَيْرِ يَاءٍ اجْتِزَاءً بِالْكَسْرَةِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نرفع درجات من نشاء﴾.
قرأه أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالتَّنْوِينِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ مُضَافًا مِثْلَ: نَرْفَعُ أَعْمَالَ مَنْ نَشَاءُ، وَمَنْ نَوَّنَ جَعَلَ «مَنْ» نَصْبٌ، وَ «نَشَاءُ» صِلَتُهَا، وَ «دَرَجَاتٍ» مَفْعُولًا ثَانِيًا، أَوْ حَالًا، أَوْ بَدَلًا، أَوْ تَمْيِيزًا، وَالتَّقْدِيرُ: نَرْفَعُ مَنْ نَشَاءُ دَرَجَاتٍ، وَإِنَّمَا كُسِرَتِ التَّاءُ، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأَنَّ الْجَمْعَ جَمْعُ سَلَامَةٍ، وَالتَّاءُ غَيْرُ أَصْلِيَّةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾. وَ ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْيَسَعَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «وَاللَّيَسَعَ» بِلَامَيْنِ، وَالِاخْتِيَارُ «وَالْيَسَعَ» بلام مثل اليحمد:
قبيلة من العرب، الأصل: يَسَعُ مِثْلَ يَزِيدُ وَيَشْكُرُ، وَإِنَّمَا تَدْخُلُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عِنْدَ الْفَرَّاءِ لِلْمَدْحِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَجَدْنَا الْوَلِيدَ بْنَ الْيَزِيدَ مُبَارَكًا ... شَدِيدًا بِأَعْبَاءِ الْخِلَافَةِ كَاهِلُهْ
وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ لَا تَدْخُلُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عَلَى اسْمٍ مَعْرِفَةٍ إِلَّا إِذَا كَانَ صِفَةً نَحْوَ الزُّبَيْرِ
стр. 101
وَالْعَبَّاسِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «اقْتَدِ» بِغَيْرِ هَاءٍ فِي الْوَصْلِ، وَفِي الْوَقْفِ بِالْهَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْهَاءِ وَصَلُوا وَوَقَفُوا، وَهَذِهِ هَاءُ السَّكْتِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ عِلَّتَهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
فَأَمَّا ابْنُ عَامِرٍ فَإِنَّهُ قَرَأَ بِرِوَايَةِ هِشَامٍ «اقْتَدِهِ» بِكَسْرِ الْهَاءِ غَيْرِ صِلَةٍ، وَبِرِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ «اقْتَدِهِي» بِكَسْرِ الْهَاءِ وَصِلَتِهَا، وَغَلِطَ، لِأَنَّ هَاءَ السَّكْتِ لَا يَجُوزُ حَرَكَتُهَا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو بِالْيَاءِ كُلَّ ذَلِكَ، جُعِلَ الْإِخْبَارُ عَنْ غَيْبٍ.
قَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ، فَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «وَلِيُنْذِرَ» بِالْيَاءِ أَيْ: وَلِيُنْذِرَ الْقُرْآنُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، أَيْ: وَلِتُنْذِرَ أَنْتَ يا مُحَمَّدُ أَهْلَ مَكَّةَ، وَشَاهِدُهُ مِنَ الْقُرْآنِ:
«إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ».
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، «بَيْنَكُمْ» بِالنَّصْبِ جَعَلُوهُ ظَرْفًا.
وَفِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ تَصْدِيقُهُ «لَقَدْ تَقَطَّعَ مَا بَيْنَكُمْ» وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «بَيْنُكُمْ» بِالضَّمِّ أَيْ: وَصْلُكُمْ، جَعَلُوهُ اسْمًا، كَمَا يُقَالُ: جَاءَنِي رَجُلٌ دُونَكَ، وَهَذَا رَجُلٌ دُونٌ أَيْ:
خَسِيسٌ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
كَأَنَّ رِمَاحَهُمْ أَشْطَانُ بِئْرٍ ... بَعِيدٍ بَيْنَ جَالَيْهَا جَرُورُ
يُقَالُ: بَيْنَهُمَا بَوْنٌ بَعِيدٌ، وَبَيْنٌ بَعِيدٌ، وَالْبَيْنُ: مَصْدَرُ بَانَ يَبِينُ بَيْنًا، وَالْبِينُ بِالْكَسْرِ، قَدْرُ مَدِّ الْبَصْرِ مِنَ الْأَرْضِ، وَأَنْشَدَ:
بِسَرْوِ حِمْيَرَ أَبْوَالُ الْبِغَالِ بِهِ ... أَنَّى تَسَدَّيْتُ وَهْنًا ذَلِكَ الْبِينَا
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: «وَجَعَلَ اللَّيْلَ» فِعْلًا مَاضِيًا.
стр. 102
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «وَجَاعِلِ اللَّيْلَ» جَعَلُوهُ اسْمَ الْفَاعِلِ مِثْلَ ضَارِبِ وَفَالِقِ، وَرَدُّ فَاعِلٍ عَلَى فَاعِلٍ أَحْسَنُ مِنْ رَدِّ فَعَلَ عَلَى فَاعِلٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو «فَمُسْتَقِرٌّ» بِالْكَسْرِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، فَمَنْ كَسَرَ جَعَلَ الْفِعْلَ لَهُ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: قَرَّ الشَّيْءُ يَقِرُّ، وَاسْتَقَرَّ يَسْتَقِرُّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ «وَمُسْتَوْدَعٌ» مَفْتُوحٌ لَا غَيْرَ، وَإِنَّمَا ارْتَفَعَ، لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ: فَمِنْكُمْ مُسْتَقَرٌ وَلَكُمْ مُسْتَوْدَعٌ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «ثُمُرِهِ» بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، فَثَمَرَةٌ وَثَمَرٌ مِثْلُ شَجَرَةٍ وَشَجَرٍ، الْوَاحِدُ بِالْهَاءِ وَالْجَمْعُ بِحَذْفِ الْهَاءِ، وَثُمُرٌ: جَمْعُ ثِمَارٍ، وَثُمُرٌ مِثْلُ حِمَارٍ وَحُمُرٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ ««وَخَرَّقُوا» بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ.
وَالْبَاقُونَ يُخَفِّفُونَ، فَخَرَّقُوا وَاخْتَرَقُوا، وَخَلَقُوا وَاخْتَلَقُوا، وبشكوا وابتشكوا وكذبوا بمعنى واحد.
- وقوله تَعَالَى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو «دَارَسْتَ» بِأَلِفٍ عَلَى مَعْنَى قَارَأْتَ وَعَالَمْتَ عَلَى فَاعَلْتَ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «دَرَسَتْ» عَلَى مَعْنَى إِمَّحَتْ وَذَهَبَتْ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «دَرَسْتَ» أَيْ: قَرَأْتَ وَتَعَلَّمْتَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُشْعِرَكُمْ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ بِاخْتِلَاسِ الْحَرَكَةِ وَهِيَ الضَّمَّةُ فِي الرَّاءِ كَأَنَّهُ يَجْزِمُهَا تَخْفِيفًا، مِثْلَ «يَأْمُرُكُمْ» وَ «يَنْصُرُكُمْ».
وَالْبَاقُونَ يُشْبِعُونَ الضَّمَّةَ عَلَى الْأَصْلِ «يُشْعِرُكُمْ».
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو «إِنَّهَا» بِالْكَسْرِ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ قَدْ تَمَّ، وَقَالَ يَحْيَى عَنْ أبي بَكْرٍ، لَا أَحْفَظُ عَنْ عَاصِمٍ فِي «أَنَّهَا» شَيْئًا وَرَوَى غَيْرُهُ: «إِنَّهَا» بِالْكَسْرِ.
стр. 103
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: «أَنَهَّا» بِالنَّصْبِ، فَقَالَ الْخَلِيلُ: تَقْدِيرُهُ: وَمَا يُشْعِرُكُمْ لَعَلَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ فَ «أَنَّ» الْمَفْتُوحَةُ بِمَعْنَى «لَعَلَّ».
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَحَمْزَةُ بِالتَّاءِ عَلَى الْخَطَابِ فِي الْكَافِ وَالْمِيمِ فِي «يُشْعِرُكُمْ» وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ لِقَوْلِهِ: «وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ» إِخْبَارٌ عَنْ غَيْبٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَفْئِدَتَكُمْ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ «قِبَلًا» بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ.
وَالْبَاقُونَ بِضَمِّهِمَا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ «كَلِمَتُ» عَلَى التَّوْحِيدِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «كَلِمَاتُ» بِالْجَمْعِ.
فَمَنْ قَرَأَ بِالْجَمْعِ لَمْ يَقِفْ إِلَّا عَلَى التَّاءِ، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّوْحِيدِ جَازَ أَنْ يَقِفَ بِالتَّاءِ وَالْهَاءِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْحَاءِ.
وَقَرَأَهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ «فَصَّلَ» بِالْفَتْحِ، وَ «حُرِّمَ» بِالضَّمِّ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ بِالضَّمِّ جَمِيعًا.
فَمَنْ فَتَحَ جَعَلَ الْفِعْلَ لِلَّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ اسْمُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ قَبْلَ الْآيَةِ، وَمَنْ ضَمَّ لَمْ يُسَمِّ الْفَاعِلَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾.
قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالضَّمِّ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ.
فَمَنْ فَتَحَ الْيَاءَ جَعَلَ الْفِعْلَ لَهُمْ.
وَشَاهِدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾.
وَمَنْ ضَمَّ الْيَاءَ فَتَقْدِيرُهُ: لَيُضِلُّونَ غَيْرَهُمْ، وَكَأَنَّهُ أَبْلَغُ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَضَلَّ غَيْرَهُ، وَكَذَّبَ غَيْرَهُ فَقَدْ كَذَبَ هُوَ وَضَلَّ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقُ الْقُرَّاءِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾. لِأَنَّهُ قَدْ أَضَلَّ غَيْرَهُ.
стр. 104
- وقوله تعالى: ﴿أومن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «مَيِّتًا» بِالتَّشْدِيدِ، وَالْأَصْلُ مَيْوِتٌ عَلَى فَيْعِلٍ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، فقلبوا من الواو ياء وأدغموا الياء في الْيَاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مَيْتًا» بِالتَّخْفِيفِ خَفَّفَ مَنْ ثَقَّلَ كَرَاهِيَةَ التَّشْدِيدِ، يُقَالُ: هَيِّنٌ لَيِّنٌ وَهَيْنٌ لَيْنٌ، وَالْمَيْتُ، هَاهُنَا: الْكَافِرُ فَأَحْيَيْنَاهُ بِالْإِيمَانِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «ضَيْقًا». خَفِيفًا.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «ضَيِّقًا» مُشَدَّدًا، وَكَذَلِكَ فِي الْفُرْقَانِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «حَرِجًا» بِكَسْرِ الرَّاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، فَقَالَ قَوْمٌ: الْحَرِجُ وَالْحَرَجُ لُغَتَانِ مِثْلَ الدَّنِفِ وَالدَّنَفِ، وَقَالَ آخَرُونَ: الْحَرِجُ: الِاسْمُ، وَالْحَرَجُ الْمَصْدَرُ، فَالْحَرَجُ: الضِّيقُ، وَالْحَرَجُ فِي اللُّغَةِ الضِّيقُ، وَمَعْنَى ضَيِّقًا حَرَجًا: الْحَرَجُ أَشَدُّ الضِّيقِ كَأَنَّهُ قَالَ: ضَيِّقًا جِدًّا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «يَصْعَدُ» خَفِيفًا.
وَقَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «يَصَّاعَدُ» بِالْأَلِفِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ أَرَادَ: يَتَصَاعَدُ فَأَدْغَمَ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «يَصَّعَّدُ» بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَالْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، أَرَادُوا يَتَصَعَّدُ فَأَدْغَمُوُا التَّاءَ فِي الصَّادِ، وَمَعْنَاهُنَّ وَاحِدٌ، كُلُّهُ مِنَ الصُّعُودِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: «مَكَانَاتِكُمْ» بِالْجَمْعِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مَكَانَتِكُمْ». وَمَعْنَاهُ: تَمَكُّنُكُمْ وَأَمْرُكُمْ وَحَالُكُمْ، أَيِ اثْبُتُوا عَلَى ذَلِكَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ تكون له عاقبة الدار﴾.
قرأ حمزة، والكسائي بالياء.
وقرأ الباقون بالتاء.
فمن قرأ بالتاء فَلِتَأْنِيثِ الْعَاقِبَةِ.
وَمَنْ قَرَأَهَا بِالْيَاءِ فَلِأَنَّ تَأْنِيثَهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَلِأَنَّكَ فَصَلْتَ بَيْنَ الْعَاقِبَةِ وَفِعْلِهَا
стр. 105
بِ «لَهُ» وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقَصَصِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾.
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ «بِزُعْمِهِمْ».
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا أَحَدٌ «زِعْمِ» بِكَسْرِ الزَّايِ.
وَأَخْبَرَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ، ﵀، عَنِ السِّمَّرِيِّ، عَنِ الْفَرَّاءِ، قَالَ: الْفَتْكُ وَالْفُتْكُ وَالْفِتْكُ ثَلَاثُ لُغَاتٍ بِمَعْنًى، وَكَذَلِكَ الزَّعْمُ وَالزُّعْمُ وَالزِّعْمُ بِمَعْنًى.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ بِالتَّاءِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ بِعِلَّتِهِ فِي الْبَقَرَةِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شَرَكَاؤُهُمْ﴾.
فَالْأَوْلَادُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَشَرَكَاؤُهُمْ: يَرْتَفِعُونَ بِفِعْلِهِمْ، وَفِعْلُهُمُ التَّزْيِينُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ شُرَكَاؤُهُمْ أَنْ قَتْلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَوْلَادَهُمْ فَهَذِهِ قِرَاءَةُ النَّاسِ كُلِّهِمْ إِلَّا أَهْلَ الشَّامِ فَإِنَّهُمْ قَرَءُوا: «وَكَذَلِكَ زُيِّنَ» بِضَمِّ الزَّايِ «قَتْلُ» بِالرَّفْعِ «أَوْلَادَهُمْ» بِالنَّصْبِ «شُرَكَائِهِمْ» بِالْخَفْضِ عَلَى تَقْدِيرٍ: قَتْلُ شُرَكائِهِمْ أَوْلَادَهُمْ، فَفَرَّقُوا بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
فَزَجَجْتُهَا مُتَمَكِّنًا ... زَجَّ الْقَلُوصِ أَبِي مَزَادَهْ
أَرَادَ: زَجَّ أَبِي مَزَادَةَ الْقَلُوصِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «تَكُنْ» بِالتَّاءِ ««مَيْتَةٌ» بِالرَّفْعِ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: «يَكُنْ» بِالْيَاءِ، وَ «مَيْتَةٌ» بِالرَّفْعِ أَيْضًا.
وَقَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «تَكُنْ» بِالتَّاءِ «مَيْتَةً» بِالنَّصْبِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «يَكُنْ» بِالْيَاءِ، وَ «ميتة» فَمَنْ نَصَبَ جَعَلَهَا خَبَرَ «كَانَ» وَالِاسْمُ مُضْمَرٌ فِي «مَا» فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾ فَلِذَلِكَ ذَكَّرَ الْفِعْلَ لِلَّفْظِ «مَا» وَمَنْ أَنَّثَ الْفِعْلَ وَنَصَبَهُ رَدَّهُ عَلَى مَعْنَى «مَا» أَوْ عَلَى الْأَنْعَامِ، وَمَنْ رَفَعَ «مَيْتَةٌ» جَعَلَ «تَكُنْ» تَحْدُثُ وَتَقَعُ، أَيْ: إِلَّا أَنْ تَقَعَ مَيْتَةٌ.
стр. 106
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَابْنُ كَثِيرٍ «قَتَّلُوا» بِالتَّشْدِيدِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُخَفَّفًا، فَمَنْ شَدَّدَ أَرَادَ تَكْرِيرَ الْفِعْلِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ قَتَّالٌ: إِذَا قَتَلَ عَوْدًا بَعْدَ بَدْءٍ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ «حَصَادِهِ» بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَهُمَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ: الْحَصَادُ وَالْحِصَادُ وَالْجَذَاذُ وَالْجِذَاذُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ «مِنَ الْمَعَزِ» بِفَتْحِ الْعَيْنِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَالْأَصْلُ: الْإِسْكَانُ، وَإِنَّمَا جَازَ الْفَتْحُ، لِأَنَّ فِيهَا حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ وَهِيَ الْعَيْنُ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِالتَّاءِ وَالرَّفْعِ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَحَمْزَةُ بِالتَّاءِ وَالنَّصْبِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ وَالنَّصْبِ، وَقَدْ فَسَّرْتُ وَجْهَ التَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ وَالنَّصْبِ قَبْلَ هَذَا، فَأَمَّا الرَّفْعُ هَاهُنَا فَرَدِيءٌ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي الْعَرَبِيَّةِ، لِأَنَّ بَعْدَهُ «دَمًا مَسْفُوحًا». بِالنَّصْبِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو «تَذَّكَّرُونَ» بِالتَّشْدِيدِ، وَكَذَلِكَ «يَذَّكَّرُونَ» وَ «يَذَّكَّرُ» بِتَشْدِيدِ الذَّالِ وَالْكَافِ عَلَى مَعْنَى يَتَذَكَّرُونَ، فَأَدْغَمَ التَّاءَ فِي الذَّالِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَعَاصِمٌ، وَابْنُ عَامِرٍ كَذَلِكَ إِلَّا قَوْلَهُ فِي مَرْيَمَ: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾.
فَإِنَّهُمْ خَفَّفُوهُ جَعَلُوهُ مِنْ ذَكَرَ يَذْكُرُ لَا مِنْ تَذَكَّرَ يَتَذَكَّرُ، وَذَكَرْتُ وَتَذَكَّرْتُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «يَذَّكَّرُونَ» مُشَدَّدًا وَ «تَذَكَّرُونَ» مُخَفَّفًا فِي كُلِّ الْقُرْآنِ، أَرَادَ: تَتَذَكَّرُونَ فَحَذَفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «وَإِنَّ هَذَا» بِالْكَسْرِ على الاستئناف.
وقرأ الباقون «أن هَذَا» بِالْفَتْحِ عَلَى مَعْنَى ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ، وَبِ «أَنَّ»، فَيَكُونُ عَلَى
стр. 107
هَذَا التَّأْوِيلِ نَصْبًا وَخَفْضًا.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «وَأَنَّ هَذَا» بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَسُكُونِ النُّونِ «صِرَاطِي» بِفَتْحِ الْيَاءِ.
وَالْبَاقُونَ يُسْكِنُونَ الْيَاءِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّهَا لَمْ يَسْتَقْبِلْهَا هَمْزَةٌ، وَلِأَنَّ الْكَلِمَةَ قَدْ طَالَتْ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «فَارَقُوا» بِالْأَلِفِ، ذَهَبَا إِلَى قِرَاءَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَرَأَهَا كَذَلِكَ، وَقَالَ: فَارَقُوهُ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «فَرَّقُوا» وَحُجَّتُهُمْ ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أَيْ: صَارُوا أَحْزَابًا وَفِرَقًا.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَنَافِعٌ «قَيِّمًا» مُشَدَّدًا، فَحُجَّتُهُمْ ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «قِيَمًا» بِكَسْرِ الْقَافِ وَالتَّخْفِيفِ، جَمْعُ قيمة وقيم مثل حيلة وحيل.
- وقوله تَعَالَى: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «وَمَحْيَايْ» سَاكِنًا جَمَعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ، وَإِنَّمَا صَلُحَ، لِأَنَّ الْأَلِفَ حَرْفُ لِينٍ، كَمَا قَرَأَ أَبُو عمرو «واللاي يَئِسْنَ» وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «وَمَحْيَايَ» مِثْلَ هُدَايَ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، فَفَتْحُ الْيَاءِ عَلَى أَصْلِهَا، لِئَلَّا يَلْتَقِيَ سَاكِنَانِ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ.
وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، وَالْأَمْرُ وَاحِدٌ، لِأَنَّكَ تُرِيدُ جَمَاعَةَ الْمَلَائِكَةِ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.
فِي هَذِهِ السُّورَةِ ثَمَانِي يَاءَاتٍ إِضَافَةٍ: «إِنِّي أَخَافُ» «إِنِّي أَرَاكَ» فَتَحَهُمَا نَافِعٌ، وَأَبُو عُمَرٍو، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَسْكَنَهُمَا الْبَاقُونَ. «إِنِّيَ أُمِرْتُ» «وَمَمَاتِيَ لِلَّهِ» فَتَحَهُمَا نَافِعٌ، «صِرَاطِيَ مُسْتَقِيمًا» فَتَحَهَا ابْنُ عَامِرٍ.
«رَبِّيَ إِنِّي» فَتَحَهَا نَافِعٌ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَأَسْكَنَهَا الْبَاقُونَ «وَجْهِيَ لِلَّهِ» فَتَحَهَا نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ. وَالِاخْتِيَارُ الْإِسْكَانُ، إِذَا لَمْ يَسْتَقْبِلْهَا هَمْزَةٌ، غَيْرَ أَنَّ
стр. 108
مَنْ فَتَحَهَا كَرِهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَرْبَعِ كَسَرَاتٍ، كَسْرَةِ الْهَاءِ وَاللَّامِ، وَالْيَاءُ تُعَدُّ بِكَسْرَتَيْنِ (١). стр. 109
ومن السورة التي تذكر فيها
الأعراف
- وقوله تَعَالَى: ﴿مَا تَذَكَّرُونَ﴾.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِتَخْفِيفِ الذَّالِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِهَا، إِلَّا أَنَّ ابْنَ عَامِرٍ قَرَأَ: «يَتَذَكَّرُونَ» بِيَاءٍ وَتَاءٍ وَقَدْ بَيَّنْتُ عِلَّةَ ذَلِكَ.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةِ خَارِجَةَ «مَعَائِشَ» بِالْهَمْزَةِ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ.
فَقَالَ النَّحْوِيُّونَ: إِنَّهَا هَمْزَةُ لَحْنٍ، لِأَنَّ الْمِيمَ زَائِدَةٌ وَالْيَاءَ أَصْلِيَّةٌ، وَاحِدُهَا مَعِيشَةٌ، وَالْأَصْلُ: مَعْيِشَةٌ، فَنَقَلُوا كَسْرَةَ الْيَاءِ إِلَى الْعَيْنِ، وَالْيَاءُ أَصْلِيَّةٌ مُتَحَمِّلَةٌ لِلْحَرَكَةِ، فَكَسَرُوا لِلْجَمْعِ، وَإِنَّمَا يُهْمَزُ مِنَ الْيَاءَاتِ مَا كَانَ زَائِدَةً نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.
وَالْمِيمُ أَصْلِيَّةٌ، مِنْ مَدَّنْتُ الْمُدُنَ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْيَاءُ بَعْدَ أَلِفٍ فَاجْتَمَعَ سَاكِنَانِ لَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنْ حَرَكَةِ أَحَدِهِمَا، فَقَلَبُوا مِنَ الْيَاءِ هَمْزَةً، لِأَنَّهَا أَجْلَدُ مِنَ الْيَاءِ وَأَحْمَلُ لِلْحَرَكَةِ، وَكُسِرَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ هَمْزُ نَظِيرِ «مَعَايِشَ» وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ إِلَّا حَرْفًا وَاحِدًا «مَصَائِبُ» وَأَصْلُهُ مَصَاوِبُ، وَإِنَّمَا هُمِزَ تَشْبِيهًا بِصَحِيفَةٍ وَصَحَائِفَ، إِذْ كَانَ لَفْظُهُمَا يُشْبِهُ لَفْظَهُمَا، وَكَذَلِكَ ﴿مَعَايِشَ﴾ مَنْ هَمَزَهَا شَبَّهَهَا بِمَدَائِنَ، وَمَدَائِنُ أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى هَمْزِهَا، وَذَكَرَ الْجَرْمِيُّ، ﵀، فِي كِتَابِ الْأَبْنِيَةِ، أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَدَعُ هَمْزَهَا.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ، فَقَالَ: قَدْ هَمَزُوُا الْيَاءَ فِي بَائِعٍ وَسَائِرٍ وَهِيَ أَصْلِيَّةٌ؟ فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنّ اسْمَ الْفَاعِلِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفِعْلِ فَلَمَّا أَعَلُّوُا الْمَاضِيَ وَالْمُضَارِعَ فِي بَاعَ يَبِيعُ، أَعَلُّوُا الدَّائِمَ، فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. فَلَا يَجُوزُ هَمْزُ الْيَاءِ، لِأَنَّ الْمَاضِي مِنْهُ غَيْرُ مُعْتَلٍّ وَهَوُ بَايَعَ يُبَايِعُ، فَلَمَّا صَحَّ الْمَاضِي صَحَّ الْمُسْتَقْبَلُ، وَالْوَقْفُ عَلَى «مَعَايِشَ» ثُمَّ تَبْتَدِئُ ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. لِأَنَّ ﴿قَلِيلًا﴾ يَنْتَصِبُ بِ ﴿تَشْكُرُونَ﴾.
стр. 110
- وقوله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾.
وَفِي الرُّومِ: «وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ» وَفِي الزُّخْرُفِ، وَالْجَاثِيَةِ.
قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «تَخْرُجُونَ» كُلَّ ذَلِكَ بِالْفَتْحِ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِرِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ فِي الْأَعْرَافِ بِالْفَتْحِ وَ «حم» الْبَاقِي.
وَالْبَاقُونَ يَضُمُّونَ كُلَّ ذَلِكَ، فَمَنْ فَتَحَ الْفَاءَ جَعَلَ الْفِعْلَ لَهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ إِذَا بَعَثَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحْيَاهُمْ، وَأَخْرَجَهُمْ خَرَجُوا هُمْ، كَمَا تَقُولُ: مَاتَ فُلَانٌ.
فَتَنْسِبُ الْفِعْلَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَمَاتَهُ اللَّهُ، وَمَنْ ضَمَّ التَّاءَ لَمْ يُسَمِّ الْفَاعِلَ جَعَلَهُمْ مَفْعُولِينَ مُخْرَجِينَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرُّومِ: ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾. وَفِي سَأَلَ سَائِلٌ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ﴾. فَاتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى فَتْحِهَا، فَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرَّحْمَنِ: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ﴾.
فَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾.
قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَالْكِسَائِيُّ: بِالنَّصْبِ.
وَالْبَاقُونَ: بِالرَّفْعِ.
فَمَنْ نَصَبَ جَعَلَهُ مَفْعُولَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لباسا يواري سوآتكم﴾ وَنَسَقَ الثَّانِي عَلَيْهِ وَ ﴿وَلِبَاسَ التَّقْوَى﴾. قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: هُوَ الْحَيَاءُ.
وَمَنْ رَفَعَهُ جَعَلَهُ ابْتَدَاءً «وَخَيْرٌ» خَبَرُهُ «وَذَلِكَ» نَعْتٌ.
وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: «وَلِبَاسُ التَّقْوَى خَيْرٌ» لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ.
وأَمَّا قَوْلُهُ: «وَرِيشًا» فَأَجْمَعُ الْقُرَّاءُ عَلَى تَرْكِ الْأَلِفِ إِلَّا مَا حَدَّثَنِي بِهِ ابْنُ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي خَلَّادٍ، عَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، أَنَّهُ قَرَأَ «وَرِيَاشًا» بِالْأَلِفِ، وَرُوِيَتْ عَنِ الْحَسَنِ، الرِّيشُ وَالرِّيَاشُ، يَكُونَانِ اسْمَيْنِ وَمَصْدَرَيْنِ، مِثْلَ: قَالَ قِيلًا، وَيَكُونُ رِيَاشٌ: جَمْعَ رِيشٍ وَمَعْنَاهُ: الشَّارَةُ وَالْحُسْنُ كَذَلِكَ: لُبْسٌ وَلِبَاسٌ.
وَأَخْبَرَنِي ابْنُ دريد، ﵀، عن أبي حاتم، عن أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: تَقُولُ الْعَرَبُ: أَعْطَيْتُهُ سَرْجًا وَرَحْلًا بِرِيشِهِ، وَيُقَالُ: قَدْ تَرَيَّشَ فُلَانٌ: إِذَا حَسُنَتْ حَالُهُ، وَقَدْ نَبَتَ رِيشُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ رِيشِ الطَّائِرِ، لِأَنَّ غِنَاهُ وَحَيَاتَهُ بِالرِّيشِ، قَالَ جَرِيرٌ يَمْدَحُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ:
следующие страницы →