وقوله تَعَالى: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيرُ﴾.
قرأ نافعٌ «فتخطَّفُهُ الطَّيرُ».
أراد فاختطفه، لأنه نقل فتحة التاءِ إلى الخَاءِ. وأَدغمَ التَّاء في الطَّاءِ فالتَّشديد من خَللِ ذلك.
وقرأ الباقون «فتخطفه الطير» «مخففا، وهو الاختيار، لقوله تَعَالى: ﴿إلَّا مَنْ خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾. ولم يَقْلْ اختَطَفَ.
وقد وافقَ نافعٌ الجميعَ على التَّخفيف في قوله: ﴿يكًادُ البَرْقُ يَخْطَفُ﴾. والقرآن يَشهد بعضُه لِبَعضِ، وإنْ كانت اللُّغتان فَصيحتين، تقولُ العَرَبُ: خَطَفَ يَخْطَفُ، واخْتَطَفَ يََخْتَطِفُ، واستَلَبَ يَسْتَلِبُ، وامتَلَعَ يَمْتَلِعُ بمعنًى.
وقولُه تَعَالى: ﴿جَعَلنَاْ مَنْسَكًا﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بكسرِ السِّيْنِ.
والباقُون بالفتح.
وهما لُغتان، المَنْسَكُ والمَنسِكُ - وهما المكان المُعتاد المألوف يقصده النَّاس وقتًا بعدَ وقتٍ، وَقَالَ آخرون: النَّسيكة الذَّبيحة، يقال: نَسكتُ الشَّاة ذبحتها، فكأنَّ المَذْبَحَ الموضعُ الذي يُذبحُ فيه، وهو الاختيار في كلّ ما كان على فَعَلَ يَفْعَلُ مثل قَتَلَ يَقْتُلُ أن يجيءَ المصدَرُ واسمُ المَكان على مَفْعَل مثل المَقْتَل، ولا يقال إلَّا في أحرفٍ جئْنَ نَوَادِرَ وهي المَسْجِدُ والمَنْسِكُ والمَجْزِرُ. وقد ذكرتُ علة ذَلِكَ في سورة الكهف فأغنى عن الإعادة هاهنا.
قولُه تَعَالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٍ «لَهُدِّمَتْ» خَفِيْفًا.
وقرأ الباقون مشدّدًا، وهما لُغتان، وغير أن التَّشديد للتّكثير. هدّمتُ شيئًا بعد شيء مثل ذبحت، قال الحسن: تهديما: فهذا شاهدٌ لمن شدَّد.
فإن قيلَ لك: كيفَ تهدم الصلوات؟
ففي ذَلِكَ جوابان:
أحدهما: أن تهدم موضع الصلاة وهي المساجد، فإن هدموا موضعَ الصَّلوات فقد هَدَمُوا الصَّلاةَ وأبطلوها.
стр. 282
والجواب الآخر: أن الصلوات هاهنا بيوتُ النَّصارى يسمُّونها، صلواتًا.
حدَّثني ابنُ مجاهدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إدريس، عَنْ خَلف، عَنْ مَحبوب، عَنْ داود، عَنْ أبي العالية في قوله: ﴿وَصَلَواتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ قَالَ: الصَّلَوَاتُ: بيوتُ الصَّابِئينِ يُسمونها صَلَوَاتًا. قَالَ الشَّاعِرُ:
إتَّقِ الله والصَّلاةَ فَدَعْهَا ... إنَّ في الصَّومِ والصَّلاةِ فَسَادَا
يَعنى بالصَّلاة في هذا البيت: بيتُ النَّصارى، وبالصَّوْمِ ذَوْقُ النَّعامِ.
قولُه تَعَالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ الله النَّاسَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ، وَأَبُو عَمْرو، يَقُولُ: «دَفْعُ اللهِ» بغير ألفٍ. «وإن الله يدْفْع» كمثل.
وكان أبو عمرو يقول: «يدفع» لَحْنٌ.
وقرأ نافعٌ «يُدافِعُ»، «وَلَوْلَا دِفَاعُ اللهِ» بألفٍ فيهما.
وقرأ الباقون، «يُدافِعُ» بألفٍ «وَلولَا دَفْعُ الله» بغيرِ ألفٍ، وهما لُغتان غير أن الدِّفاعَ: فعلُ من اثنين دافعته مثل ناظَرته، والدَّفعُ: من واحدٍ. وقد يكونُ فاعلت من واحدٍ، كقولهم: طارقتُ النَّعلَ، وعافاك الله وقد أشبعتُ ذَلِكَ في سورة البقرة.
وقولُه تَعَالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ، وحمزة، والكِسَائِيُّ، أَذِنَ بفتح الألف، ويُقَاتِلُونَ بكسر التاء، والتقدير: أَذَنَ الله تَعَالى لِلَّذِيْنَ يُقَاتٍِلُوْنَ مَنْ ظَلَمَهُمْ، وكذلك التّقدير في قراءةِ الباقين.
وقرأ أَبُو عَمْروٍ، وَأَبُو بَكْر، عَنْ عاصمٍ، بكسرِ التَّاء، وضمِّ الألف.
وقرأ ابنُ عامرٍ: بفتح التاء، والألفِ جميعًا.
وقرأ عاصمٌ في رواية حفص ونافع: «أذن» بالضم «يقاتلون» بالفَتحِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿أهْلَكْنَاهَا﴾.
قرأ أَبُو عَمْروٍ وحده «أهلكتُها» «بالتاء كقوله» «فَكَيْفَ كانَ نَكِير» الله تعالى يخبر عن نفسه بلفظ الواحد.
وقرأ الباقون «أَهْلَكْنَاها» بالنّون على لفظ الجمع، وإن كان الله هو المخبر عَنْ نفسه. كَمَا قَالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيْشَتَهُمْ﴾ والقريةُ لا تهلك، إنَّمَا يهلك أهلها. فإذا هَلَكَ الأهلُ تعطَّلت القرية.
стр. 283
وقوله تعالى: ﴿وبئر معطلة﴾.
كان نافعٌ لا يهمز «البئر» في رواية ورش.
وَأَبُو عَمْرو يُخَيِّرُ فيها إذا قرأ بترك الهمز.
والباقون يهمزون وهو الأصل. تَقُول العرب: بَأرْتُ البِئْرَ أَبْْأرُ وجمعُ البئر: أبأرٌ.
ويقال لحفرة تحفر كالشَّور: البؤرة بالهمز تشبيهًا بذلك. ويقال: للبئرُ الجُبُّ، ويقال لناحيتها الجالُ.
ويقال لها الرَّكِيَّة، والطَوِيُّ. وبئر ذمّة قليلة الماء، والماتِحُ الذي يسقى الماء، والمائح الذي ينزل إلى أسفل البئر فيغرف الماءَ بيده إذا قل ماء الركية.
قال الشاعر:
يا أيها الماتِحُ دَلْوِيْ دُوْنكَا ... إنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُوْنَكَا
يثنون خيرا ويمجدونكا.
ويُقالُ البِئْرُ: الجِهِنَّام والرِّسُ والبئرُ مؤنَّثةٌ، تصغيرها بُئيرة.
سمعتُ ابنُ مُجاهدٍ يَقُولُ: قَالَ الأصْمَعِيُّ: سألتُ نافعًا عَنْ همز البئر، فَقَالَ: إن كانت العرب تهمزها فأهمزها. ويقال للبئر إذا كانت كثيرة الماء: بِئْر زغرب وَغَيَلَّم، وقليذم، وعرية. كل ذَلِكَ بمعنى قليذم.
وقولُه تَعَالى: ﴿كألفِ سنةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء.
وقرأ الباقون بالتاء «مما تَعدّون» فالتاء للخطاب، والياء للغيب. ولم يختلفوا في «السّجْدَة».
فإن قَالَ قائلٌ: لم قَالَ تَعَالى: ﴿وإنَّ يومًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾. وَقَالَ في موضع آخر: ﴿فِيْ يَومٍ كَان مِقْدَارُهُ خَمْسِين أَلْفَ سَنَة﴾؟ .
فالجوابُ في ذَلِكَ: أنَّ يوم القيامة طويلٌ له أول، ولا آخر له. فقيل «خَمْسين ألفَ سَنة» أي: في شدَّة العذاب، لأنَّ له منتهى.
وقولُه تَعَالى: ﴿في آياتِنَا مُعَاجِزينَ﴾ في كل القرآن. ومعناه مبطئين عن رسول الله ﷺ .
وقرأ الباقون «مُعَاجِزِيْنَ» بألفٍ على معنى: مُعاندين، وهو الاعتداد عند المشيخة،
стр. 284
لأنَّ العناد يدخل فيه الكفر، والمشاقة، والتَّثبيط، والتعجيز، إنَّمَا هو في نوعٍ من الخلاف فالعناد عامٌّ، والتثبيطُ خاصٌّ.
قَالَ أَبُو عبدِ الله: وأمَّا أنا فأراه سَوَاءً، لأنّ من بطَّأ عن رسول الله ﷺ فقد عانده. وأمّا قوله: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُوْنُوا مُعْجِزِينَ في الأَرْض﴾.
فأجمع القراء على ذَلِكَ، ولا يجوز معاجزين هاهنا، لأنَّها تصير إلى معنى أُولئك لم يكونوا معاندين، وذلك خطأ، لأنهم قد عاندوا الله ورسوله، ومعنى معجزين أي:
سابقين. يقال أعجزني الشيء سبقني وفاتني، وهذا بيِّنٌ واضحٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿ثُمَّ قُتِلُوا أَو مَاتُوا﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ وحده ثُمَّ «قُتَّلُوا» مشدَّدةً أي: مرةً بعدَ مرةٍ.
وقرأ الباقون مُخففًا.
وقولُه تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا﴾.
قرأ نافعٌ وحده «مَدْخَلًا» بفتح الميم جَعَلَهُ مصدرًا، أو اسمَ المكانِ من دَخَلَ يَدْخُلُ.
وقرأ الباقون «مُدْخَلًا» بالضَمَّ، وهو الاختيار لقوله: «لِيُدْخِلَنَّهُمْ» لأنَّه من أدخل يُدخل. كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾. ولم يقل: مَدْخَلَ.
وقولُه تعالى: ﴿وأن ما يَدْعُونَ من دُونِهِ﴾.
قرأ أَبُو عَمْروٍ وحفصٍ، عَنْ عاصم بالياءِ. وكذلك في المُؤمن ولُقمان والعَنكبوت.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ ضدّ ذَلِكَ.
وقرأ ابنُ كثيرٍ بالياء في كلِّ ذَلِكَ إلا في المُؤمن.
وقرأ حمزة، والكِسَائِيّ في العنكبوت بالتَّاء.
وقرأ عاصمٌ في روايةِ أبي بكرٍ في الحج، ولقمان بالتاء. فمن قرأ بالياء فهو إخبارٌ، عَنْ غيبٍ. ومن قرأ بالتاء فمعناه: قل يا مُحَمَّد لهَؤُلَاءِ الكفرة الَّذِيْنَ يعبدون الأصنام من دونِ الله إن الذي تَدعون من دونِ الله هو الباطلُ. إذ كان لا يُعقل خطابًا، ولا يَسمع صوتًا، ولا يَنفعُ، ولا يَضُرُّ. وإنما هو شيء يفتعلونه وينحتونه بأيديهم. فأيُّ جهلٍ أجهل من هذا؟ !
وفي هذه السورة ياء واحدة ﴿بيتي للطائفين﴾.
стр. 285
فتحها نافعٌ، وحفص، وأسكنها الباقون. قد أعللت ذَلِكَ فيما سَلَفَ.
ويحذف من هذه السورة ياءآن.
﴿البادِ﴾ وقد ذكرته.
والثانية فإنَّ ﴿الله لهاد الذين آمنوا﴾.
كتب في المصحف «لهاد» فالوقف عليه بغير ياء. والوصل كَذَلِكَ؛ لأنَّ الياء سقطت في الدّرج، لسكونها وسكون اللَاّم، فحذفت خَطًّا لما سقطت لفظًا (١).
стр. 286
ومن سورة المؤمنون
قولُه تَعَالى: ﴿لَأمَاناتِهم وَعَهْدِهِمْ﴾.
قرأ ابن كثير وحده «أمانتهم» وحجَّته، «وَعَهْدِهِمْ» ولم يَقُلْ وعهودهم؛ وذلك أنَّ العربَ تَجتزي بالواحدِ عَنْ الجماعةِ كقوله: ﴿أَوِ الطفل الذين لم يظهروا﴾.
وقرأ الباقون «أماناتهم» جِماعًا. وحجَّتُهُمْ ﴿إن الله يأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّواْ الأَمَاناتِ إلى أَهْلِهَا﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿عَلَى صَلَواتِهِمْ يحافظون﴾.
قرأ حمزة والكسائي «صلاتهم» واحدة.
والباقون «صَلَواتِهِمْ» جماعًا. وقد ذكرتُ علته في براءة.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾.
قرأ عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامرٍ «الْعِظْمَ لَحْمًا» في هذا الحرف عَلَى التَّوحيد، لأنَّ العَظْمَ تَجري عَلَى العِظام، مثل الأمانات، والأمانة.
قَالَ الشَّاعِرُ:
بِهَا جِيَفُ الحَسْرَى فَأمَّا عِظَامُها ... فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ
ولم يقل: جلودها.
وقرأ الباقون «الْعِظَامَ لَحْمًا» عَلَى الجِماع بالألف. وحجتهم ﴿عِظَامًا نَخِرَةً﴾.
وحدَّثني أَحْمَد، عن علي، عن أبي عبيد، قال: في حرف ابن مَسْعُود «فكسونا العَظامَ لحمًا وَعَصَبًا فتبارك الله أحسن الخالقين» ويقال: إنَّ العظم، والعصب يخلقهما الله تَعَالى من ماءِ الرَّجُلِ، ويخلق الدَّم واللَّحم والشَّعر من ماء المرأة؛ لأن ماء المرأة أصفر رقيق، وماء الرَّجل أبيض ثخين. فإن جامع الرَّجل المرأة فغلب ماء الرجل ماء المرأة أذكر بإذن الله، وإذا غلب ماءها أنَّث بإذن الله.
والعرب تستحب للرجل أن يأتي المرأة وهي لا تَشتهى، أو يفرعها أو يغصبها، أو يأخذها على غفلة، لينزع الشبَّه إلى الأبِ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
مِمَّنْ حَمَلْنَ به وهن عواقد ... حبك النطاق فشب غير مهيل
стр. 287
حَمَلَتْ بِهِ في لَيْلَةٍ مَرْدُوْفَة ... كَرْهًا وعِقْدُ نِطَاقِهَا لَمْ يُحْلَلِ
وقولُه تَعَالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾
قَالَ المُفَسِّرُون: هو نبات أُبطه وشِعْرَتِهِ ولِحْيَتِهِ وشَيْبَتِه.
وَقَالَ آخرون «ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ» إلى أن مشى.
قولُه تَعَالى: ﴿سَينَاءَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ، وَأَبُو عَمْرو، ونافعٌ بكسر السِّين. وحجَّتهم ﴿وطُورِ سينِيْنَ﴾ بكسرِ السين. والسِّيْنَاءُ، والسِّيْنِيْنُ، الحُسْنُ. وكل جَبَلٍ ينبت الثِّمار فهو سِينِيْن.
وقرأ الباقون «سَيناءَ» بفتح السِّين. وهما لُغتان، وأصله سريانيّ.
وقولُه تَعَالى: ﴿تَنْبُتُ بالدُّهْنِ﴾.
قرأ أَبُو عَمْروٍ، وابنُ كَثيرٍ بضمِّ التاء، كأنَّه لم يعتدَّ بالياء، وأراد: تُنبت الدُّهنَ، قَالَ الشَّاعِر:
رأيتُ ذَوِي الحَاجَاتِ حَولَ بُيُوْتِهِمْ ... قَطِنيًا لَهُمْ حتَّى إذَا أَنبتَ البَقْلُ
وقرأ الباقون: «تَنْبُتُ» بفتح التاء وهو الاختيار، لأن العرب تَقُولُ:
ذهبت بزيد وأذهبتُ زيدًا فيخزلون الباء مَعَ الهمزة.
وقولُه تَعَالى: ﴿نُسْقِيْكُمْ مما في بطونها﴾.
قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وابنُ عامرٍ «نَسْقِيكُمْ» بفتح النون.
وقرأ الباقون بالضَمِّ، فجعلها بعضهم لُغتين سَقَيْتُ وأَسْقَيتُ واحتجَّ بقول الشَّاعِرِ:
سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأَسْقَى ... نُمَيْرًا والقَبَائِلَ من هِلَالِ
والاختيار: أن يكون سَقَيْتُ للشَّفه، وأسقيت للأنهار والأنعام، وتقولُ دعوت الله أن يَسقيه. وقد بيَّنت ذَلِكَ في سورة النَّحل بأكثر من هذا.
فإن سَأَلَ سائلٌ فَقَالَ: لِمَ قَالَ تَعَالى: ﴿مِمَّا في بُطُونِهِ﴾ في موضعٍ. وَقَالَ في موضع آخر ﴿بُطُونِهَا﴾؟
فالجوابُ في ذَلِكَ: أن مَنْ أنّث سقط السؤال عنه. ومَنْ ذكر فله حججٌ، إحداهن:
أن الأنعامَ والنَّعم بمعنى فذكَّره لذلك.
والحجة الأخرى: أن التَّقديرَ نسقيكم من بعضِ ما في بطونه.
стр. 288
وقولُه تَعَالى: ﴿أَنْزِلْني مُنْزَلًا مُّبَارَكًا﴾.
قرأ عاصمٌ ونافع في روايةِ أبي بَكْر «مَنْزلًا» جعله اسمًا للمكان ومصدرٌ ثلاثيٌّ.
وقرأ الباقون مُنزلًا لأنَّه مصدر، أنزلت، إنزالًا، ومنزلًا مثل «أَدْخِلْني مُدْخَلَ صِدْقٍ» وإدخال صِدْقٍ «وأنتَ خيرُ المُنْزِلِينَ» فلو قرأ قارئٌ وأَنْتَ خيرُ المُنَزِّلِينَ لكان صَوابًا عَلَى تقدير وأنت خيرُ المُنَزِّلين بِهِ، كَمَا تَقُولُ أنزلتُ حوائجي بك.
وقولُه تَعَالى: ﴿مِنْ كلِّ زَوجَيْنِ اثْنَينِ﴾.
روى حفصٌ، عَنْ عاصمٍ «مِنْ كلِّ زَوْجَيْنِ» مُنونًا عَلَى تقدير: اسلك فيها زوجين اثنين من كلٍّ أي: من كل جِنْسٍ، ومن كل الحَيَوَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿وَلِكُلٍّ وُجْهَةٌ﴾ أي:
«ولكل إنسانٍ قبلةٌ هو موليها»، لأنَّ «كلٍّ» و «بعضًا» يقتضيان مضافًا إليهما.
وقرأ الباقون «مِنْ كلِّ زَوجِينِ» مضافا.
وقوله تعالى: ﴿رسلنا تترا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وَأَبُو عَمرو «تترًى» منونًا. والوقف على قراءتهما بالألف. قَالَ ابنُ مجاهد: ومن نوَّن لم يقف إلا بألفٍ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: قد يَجوزُ أن يقفَ بالألِف وهو الاختيار كَمَا قَالَ، إذا جعل الألف عوضًا من التنوين، كَمَا تَقُول: رَأَيْت عمرًا تقف عمرا غير ممالٍ ولا يجوز عمري.
ومن جعل الألف للإلحاق نحو أرطى ومعزى يجوز له أن يقف بالإمالة.
و«تترى» يكون فَعْلَى مثل: سكرى، ويكون فعلى مثل: أرطى. ويكون فَعْلًا مثل:
عَمْرًا، وهو الاختيار، لأنَّه مصدر وَتَرَ، يَتِرُ، وَتْرًا، ثُمَّ قُلب من الواوِ تاءً فقيل: تَتْرا كَمَا قِيلَ تُراث، ووارث.
وقرأ الباقون «تَتْرَى» عَلَى وزن سَكْرى غير منون، فعلى قراءة هَؤُلَاءِ يجوز الوقف بالتّفخيم، وبالِإمالة ألفًا وياءً.
ومَنْ نَوَّن فله حجّةٌ أخرى أن المصحفَ كُتب فيه بالألف.
وأجاز سيبويه تعلمت علمي، ورأيت زيدًا بالِإمالة من أجلِ الكسرة والياء. ولا يجوزُ رَأَيْت عَمْرَا، لأنَّها لا كسرةَ هناك ولا ياءَ فأفخم.
وقولُه تَعَالى: ﴿زُبُرًا كلُّ حِزْبٍ﴾. قرأ ابنُ عامرٍ وحده «زَبْرًًا» جمع زَبْرَةٍ، وهي القِطعة من الحَديد وغيره. وقرأ الباقون زُبُرًا. وقد ذكرت علته في النساء.
стр. 289
وقولُه تَعَالى: ﴿نُسَاْرِعُ لَهُمْ فِيْ الخَيراتِ﴾.
روى أبو عمرو، عن الكسائي «نسارع لهم بالخيرات» من أجلِ كسرةِ التاءِ.
وقرأ الباقُون مفخمًا.
وفيها قراءة ثالثة، حدثني أحمد، عن علي، عَنْ عُبَيْدٍ أنّ عَبْد الرحمن بْن أبي بَكْرَةَ قرأ «يُسَارِعُ لهم» ومعنى هذه القراءة أي: يُسارع لهم إمدادنا إيَّاهُمْ بالمال، والبنين.
يقال: أمددته بالخيرِ، ومددته فِيْ الشِّر، كقوله تَعَالى: ﴿ويَمُدُّهُمْ فِيْ طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُوْنَ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿إلى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ﴾.
قرأ عاصمٌ، وابنُ عامرٍ بفتح الرّاء.
والباقون بالضَمِّ.
وقد ذكرت علة ذَلِكَ فِيْ البقرة وفيها سبعُ لُغاتٍ قد ذَكرتُهنَّ هناك. ومعنى «ذَاتِ قَرَارٍ»، أي: إلى ربوةٍ: منحنى مرتفع، ذات قرار، أي: حول الرَّبوة منبسط يجري فيها الماء. المعين يكون مفعولًا من العيون، ويكون فعيلًا من الماعون. والمعنى: قَالَ أَبُو عُبَيْدةَ: تَقُولُ العربُ: فلانٌ فِيْ رَبْوَةٍ من أهله أي: فِيْ عِزٍّ، ومَنَعَةٍ، وشَرَفٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾.
قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكِسَائِيُّ «إنّ» بالكسرةِ، جعلوه استئنافًا، وتمامُ الكلامِ ﴿بما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
وقرأ ابنُ كثيرٍ، ونافعٌ، وَأَبُو عَمْرو «وأنَّ» بالنَّصب عَلَى تقدير: «بأن الله بما تعملون عليم». ولأنَّ هذه، ف «أنَّ» اسم مَعَ ما بعدها فِيْ موضع نصب، لمَّا فقدت الخافض، وجرٌّ عند الكسائي، وهذه نصب بأن. وأمتكم: خبر إنِّ، وأمةً بدلٌ منها.
وواحدة: نعتٌ الأمة فِيْ مَنْ رفع. وهي قراءة الحسن، وقراءة سائر الناس. «أمةً واحدةً» بالنصب عَلَى الحال.
وقرأ ابنُ عامرٍ «وأنْ هَذِهِ» بفتحِ الألفِ وتخفيِف النُّون عَلَى تقدير. ولأن هَذِهِ أُمتكم أو يكونُ مخففًا مِنْ مشدَّدٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾.
قرأ نافع «تُهْجَرُونَ» بالضَمِّ من أَهجر إهْجارًا: إذا أهذى. يقال أهجر المريضُ:
стр. 290
إذا تكلّم بما لا يفهم.
وكان الكّفارُ إذا سَمِعُوا قراءةَ رَسُولِ الله ﷺ تكلَّمُوا بالفحش، وهَذَوا وسَبُّوا. فَقَالَ الله جلَّ وعزَّ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ أي: بالقرآن. وقيل: بالبَيتِ العتيق، سامرًا وجَمعه: سُمَّارٌ، وهم الَّذِيْنَ يتحدثون باللَّيْلِ فِيْ السَّمرَ. والسَّمَرُ: ظِلُّ القمر، يقال له: الفخت، والدارة حول القمرِ: الهالةُ والسّاهور: غلافُ القَمَرِ. وقد قرئ «مستكبرين به سمارا تهجرون» و ﴿سامرا تَهْجُرُونَ﴾. فمن قرأ سُمَّرًا جعله جمع سامرٍ مثل غائبٍ، وغُيَّبٍ.
وقد جَعَلَ بعضُهم الِإهجار هاهنا. التَّرْكُ.
وقرأ الباقون «تَهْجُرُونَ» من الهجران. يقال: هجر فلان فُلانًا: إذا صَرَمَهُ، وهَجَرَ بلاده: إِذَا خَرَجَ منها وتَركها، فشبَّه الله تَعَالى من تَرَكَ القرآنَ والعَمَل بِهِ كالمُهاجر لِرُشْدِهِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيرٌ﴾.
قرأ ابن عامر، «خَرْجًا فَخَرجُ ربِّكَ».
وقرأ ابن كثيرٍ ونافعٌ وَأَبُو عَمْرو وعاصمٌ: «خَرْجًا فخراج ربِّكَ».
وقرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ «خَراجًا. فَخَراجٌ رَبِّكَ» وقد ذكرتُ علّته فِيْ الكَهْفِ وهي الأتاوة التي يأخذها السُّلطان من بعض الرّعيّة.
وقولُه تَعَالى: ﴿سَيَقُولُونَ لِلهِ﴾.
قرأ أَبُو عَمْرو وحدة «سَيَقُولُونَ الله» بألفٍ فِيْ الحرفين الأخيرين، وكذلك فِيْ مصاحِف أهلِ البصرةِ. وذلكَ أنَّ القائلَ إِذَا قَالَ لِمَنْ هَذِهِ الضّيعة؟ جازَ أن تقولَ:
لفلانٍ، أو صاحبها فلانٌ، أنشدَني ابنُ مجاهد:
وأَعْلَمُ أنَّي سأكونُ رِمْسًا ... إِذَا سَارَ النَّواجِعُ لا يَسِيْرُ
فَقَالَ السَّائِلُون لِمَنْ حَفَرْتُمْ ... فَقَالَ المُخْبِرُوْنَ لَهُمْ وزير
وقرأ الباقون: «لِله»، «لِله»، «لِله» ثلاثها، واحتَجُّوا بمُصْحَفِ عُثْمَان الذي يُقالُ: إنه الإمام كَذَلِكَ كُتبت فيه، وكذلك مصاحفُ أهلِ الحِجَاز والكوفةَ والأمر فيهما واحد، وهو صواب ولله الحمد.
стр. 291
وقولُه تَعَالى: ﴿عَالِمِ الغَيبِ﴾.
قَالَ أَبُو عَمْرو، وابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم بالخفض، «سبحان الله ... عَالِمِ الغَيبِ».
وقرأ الباقون «عَالِمُ الغَيبِ» بالرّفع عَلَى الاستئناف، لأنّ بعد تمام أية، وشبيه بهذا «إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾. الله» و «الله» كَذَلِكَ «عَمَّا يَصْفُوْنَ عالم» و «عَالِمِ».
وقولُه تَعَالى: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيّ «شِقَاوتُنا» بالألف.
والباقون: «شِقْوَتُنا» فيكونان مصدرين واسمين، قَالَ الشَّاعِر:
كَلَّفَ مِنْ عَنَائِهِ وشِقْوَتِهْ ... بِنْتَ ثَمَانِ عَشْرَةٍ مِنْ حِجَّتِهْ
وما قرأ أحدٌ «شَقوتنا» بفتح الشين، وكان بعضهم لا يجيزه البّتة فِيْ قراءة، ولا عرّبته. وهو عندي جائز؛ لأنه المَرة الواحدة من المصدر شَقِيَ، شَقْوَةً، ونام، نَوْمةً، وزقا الدِّيُك زَقوة. وقام زَيْد قَومة. إِلَا أنّ القراءةَ سنّةٌ لا يقرأ إلا بما قد قُرِئَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿فاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًا﴾.
قرأ نافع، وحمزة، والكسائي بالضم هاهنا وفي ص.
والباقون بالكسرِ، فمَنْ كَسَرَ جَعَلَهُ من الهُزْءِ والسُّخرية. ومن ضَمَّ جَعَلَهُ من السّخر.
وَقَالَ بعضُ العلماء: الاختيارُ الضَّمُّ لاتفاقِ الجميعِ عَلَى التي فِيْ الزُّخرف ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًا﴾.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: وقد قرأ التي فِيْ الزّخرف بالكسرِ ابنُ محيصن المَكيّ فيما حدَّثني عَنْهُ أَحْمَد بْن عبدَان، عَنْ عليّ، عَنْ أبي عُبَيْدٍ.
وحدَّثني ابنُ عَرَفَةَ، عَنْ ثَعلب، قَالَ: تَقُولُ العَرَبُ: رجلٌ سُخرةٌ: إِذَا كان النَّاسُ يسخرون منه. ورَجُلٌ سُخَرة - بفتح الخاء - إِذَا كان يَسخر من الناس. فالمفعولُ ساكنٌ، والفاعلُ متحركٌ. وكذلك رجلٌ هُزْأَةٌ وهُزَاَةٌ وضُحْكةٌ، وضُحَكةٌ. وامرأة طُلعْة قُبعْة إِذَا كانت كثيرةَ الاطلاع، فإذا أبصرها إنسان قَبعت أي: أدخلت رأسها. ورجلٌ نُكْحه: إِذَا كان كَثيرَ النِّكاح.
وقولُه تَعَالى: ﴿إنَّهُمْ هُمُ الفَائِزُوْنَ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «إنِّهم» بالكسر عَلَى الابتداء و «إن» إذا كانت مبتدأة كانت
стр. 292
مكسورة، والكلام قد تمَّ عند قوله: ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَومَ بِمَا صَبَرُوا﴾ تلخيصه: إنِّي جزيتهم اليوم: الفوزَ بصبرهم، كَمَا يقال: اليومَ أجزيك بصنيعكَ حيث أحسنت إليَّ.
وقرأ الباقون بالفتحِ عَلَى تقديرِ: أنّي جزيتهم اليوم بما صبروا بأنهم هُمْ الفائِزُون.
ولأنَّهم. وروى خارجة، عَنْ نافعٍ مثل حمزة.
وقولُه تَعَالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾، ﴿قَالَ إنْ لَبِثْتُمْ﴾.
قرأها حمزةُ والكِسَائِيّ «قُل»، «قُل» عَلَى الأمرِ جميعًا.
وقرأ ابنُ كثيرٍ الأول عَلَى الأمرِ. والثانيِ عَلَى الخَبَرِ.
وقرأهما الباقون «قَالَ»، «قَالَ» عَلَى الخبرِ.
وكان ابنُ كثيرٍ، ونافعٌ، وعاصمٌ يظهرون الثَّاء عند التَّاء فِيْ «كَمْ لَبِثْتُمْ» إذ كانا غير متجانسين.
والباقون يُدغمون لقُرب التّاءِ من الثّاءِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾.
وقرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو هاهنا. وفي القصص. ترجعون، ويرجعون بضم التاء، والياء.
قرأ حمزة والكسائي بفتحهما فترجعون: تردون. ويرجعون: يصيرون.
وقرأ نافع هاهنا بالضمِّ. وفي القَصصِ بالفتح.
واختلفوا فِيْ ياءٍ واحدةٍ فِيْ هَذِهِ السُّورة.
﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ﴾.
فتحها نافع وابنُ كثيرٍ، وَأَبُو عَمْرو. وأسكنها الباقون. الأصل: لَعَلِّنِي أَعْمَلُ صالحًا. غير أن النّون أخت الّلام فخزلوا النُّون مَعَ اللَّام كَمَا تُحذف مَعَ النًُّون مثلِ إنّي قائمٌ، تريد: إنني.
стр. 293
ومن سورة النور
قولُه تَعَالى: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾.
قرأ ابن كثير وَأَبُو عَمْرو مشدّدًا.
وقرأ الباقون مخفّفًا. فمن شدَّدَ فمعناه: بيَّناها وفصَّلناها وأحكمناها فرائض مختلفة.
وَقَالَ الفراء: من شدَّد فمعناه: فرضناه عليك وعلى من يَجيءُ بعدك.
فالتَّشديدُ للتَّكثِيرِ، والدَّوامِ، ومَنْ خفَّف يجعله من الفَرْضِ فرضنا؛ لأن الله تَعَالى ألزم العباد بِهِ لزومًا لا يفارقهم حتَّى الممات، مأخوذ من فرض القوم، وهو الحزُّ الذي فيه الوتر. والفَرْضُ فِيْ غير هذا: صِنْفٌ من التَّمْرِ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا أَكَلْتُ سَمَكًا وفَرْضًا ... ذَهَبْتُ طَوْلًا وذَهَبْتُ عَرْضًا
والفَرْضُ أيضًا: نُزُول القرآن. قَالَ الله تعالى: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: إلى وَطَنِكَ بِمَكَّةَ، و ﴿سورة أنزلناها﴾. يرفعه عند الكوفيين والبصريين بإضمار هَذِهِ سورةٌ، لأنّ النَّكِرَةَ لا يُبتدأ بها.
وقرأ عِيْسى بْن عُمر «سورةً أنزلناهَا» بإضمار فعل تقديره: أنزلنا سورةً.
وقولُه تَعَالى: ﴿ولا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةً﴾.
فيه أربع قراءات:
قرأ أَبُو عَمْروٍ: «رافةً» بترك الهمزةِ إِذَا نَزَلَ.
وقرأ ابنُ كَثِيْرٍ: «رأَفةً» بفتح الهمز من غيرِ مدٍّ.
وقرأ سائِرُ النَّاسِ: «رَأْفَةً» بالهَمْزِ، والجَزْمِ، وهو الأصلُ، يقال: رؤف الرجل بالأجراء: إذا سَقِمَ سَقَاْمَةً، ورَؤُفَ رَأَفًا مثل كَرُمَ كَرَمًا.
فأما ابن كثير أدخل الهاء وبقاه عَلَى الفَتْحِ. كَمَا قرأ حفص: «سَبْعَ سِنِيْنَ دَأَبًا».
وحدَّثني ابنُ مُجاهدٍ، عَنْ السِّمَّرِيِّ، عَنْ الفَرَّاءِ، قَالَ: تَقُولُ العربُ: السَّأَمةُ، والسَّآمةُ، والرأفةُ، والرآفة، فالرأفة، المرَّة الواحدة. والرآفة المصدر المجهول.
وحَدَّثَنَا الصُّوليّ، قَالَ حَدَّثَنَا: الطبري النَّحوي، عَنْ المازِنيُّ، عَنْ أبي زيدٍ، قَالَ:
سمعتُ ابنَ جُرَيْجٍ يقرأ «وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَآفَةً فِيْ دِيْنِ الله» بالمدِّ مَصدر رَؤُفَ رَآفةً.
стр. 294
وقرأَ النَّاسُ كلُّهم: «وَلَا تَأْخُذْكُمْ» بالتاءِ إلا أبا عَبْد الرّحمن السُّلميّ فإنه قَرَأَ «وَلَا يَأخُذْكُمْ» بالياء. فمَن أنَّثَ فَلِتأنيثِ الرَّأفةِ لَفْظًا. ومن ذكر فلأنَّ تأنيثَها غيرُ حقيقي.
وسَمِعْتُ ابنُ عَرَفَةَ، يَقُولُ: الرَّأفةُ رِقَّةُ الرَّحمةِ، واعلم أن الرآفة بالمدّ: لغةٌ لا قراءةٌ، إلَّا ما ذكرتُهُ، عَنْ ابنِ جُرَيْجٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بِاللهِ﴾.
قرأ حمزةُ، والكِسَائِيُّ، وحفصٌ، عَنْ عاصمٍ «أَرْبَعُ» بالرَّفعِ، جعلوه خبرَ الابتداء، والمبتدأ «فَشَهَادَةُ».
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مَنْ رَفَعَ فقد لَحَنَ؛ لأنَّ الشَّهادة واحدةٌ. وقد أخبر عَنْهَا بجمعٍ.
ولا يَجوزُ هذا كَمَا لا يجوزُ زيدٌ إخوتُكَ. وغَلِطَ، لأنَّ الشهادةَ وإن كانت واحدةً فِيْ اللَّفظِ فمعناها الجَمْعُ، وهذا كقولِهِ صلاتِي أجمعين، وصَوْمِي شَهْرٌ.
وقرأ الباقون: أَرْبَعَ بالنَّصب، جعلوهُ مفعولًا، أي: تَشهد أربعَ شهاداتٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿والخامسة أن لعنت اللهِ عَلَيْهِ﴾، و ﴿أنَّ غَضَبَ اللهِ﴾.
قرأن نافعٌ وحده بتخفيف «أن» و «لَعْنَةٌ» رفعٌ بالابتداء، وغضب فعل ماض.
واسمُ الله تَعَالى رفعٌ بفعله.
وقرأ الباقون بتَشديدِ «أنَّ» ونصبِ الغَضَبِ واللَّعْنَةِ.
ومعنى هَذِهِ الآية أن مَن قَذَفَ محصنَةً مسلِمةً بفاحشةٍ فلم يأتِ بأربعةِ شُهداء جُلِدَ ثمانين، ومَن رمى امرأته بفاحشةٍ تَلَاعَنَا. والمُلاعنة: أن يبدأ الرَّجُلُ فيحلف بالله الذي لا إله إلا هو أَنَّهُ صادِقٌ فيما رَماها بِهِ، ويشهد الخامسةُ أنَّ لعنةَ الله عَلَيْهِ إن كان من الكاذِبين فيما رمَاها بِهِ، وتَشهد المرأة أربعُ شهاداتٍ بالله إنه من الكاذبين فيما رماها بِهِ، وتشهد الخامسة أنَّ غَضَبَ الله عليها إن كان من الصادقين. ثُمَّ يفرق بينهما فلا يجتمعان أَبدًا.
فأمَّا مَنْ قذف مُسلمة فلا تُقبَلُ شهادته أَبَدًا. ويقبل الله توبته. وَقَالَ آخرون: تقبل شهادته إن كان الله قد قبل توبته. فيجعل الاستثناء فِيْ قوله: ﴿أولئك هُمْ الفاسِقُون﴾.
﴿إلّا الَّذِيْنَ تابوا﴾ استثناءً متصلًا. وقرأ حفصٌ وحده، والخامِسَةَ بالنَّصب عَلَى تأويل.
وتشهد الخامسةَ.
والباقون يرفعون عَلَى الابتداء والخبر.
стр. 295
وقولُه تَعَالى: ﴿إذْ تَلَقَّونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾.
فيه خمسُ قراءاتٍ:
قرأ أَبُو عَمْروٍ وحمزةُ والكِسَائِيُّ «إذْ تَّلَقَّونَهُ» بإدغام الذَّال فِيْ التاء لقربهِما وبسكون الذَّال.
وقرأ الباقون: ««إذْ تَلَقَّونه» بالإظهار؛ لأنَّ الذالَ ليست أختًا للتاء. وهما من كلمتين.
وقرأ ابنُ كثيرٍ: «إذْ تَّلَقَّونَهُ» بتشديد التّاء. أراد: تتلقونه فأدغم وليس بجيِّدٍ، لأنَّه جمع بين ساكنين.
وقرأ ابنُ مسعودٍ وأُبِّيُّ: «تَتَلقَّونَهُ» بتاءين عَلَى الأصلِ، تاء أبي عَمْروٍ أيضًا.
والقراءةُ الخامسةُ قراءةُ عَائِشَة: «إذْ تَلِقُونَهُ» مُخَفَّفٌ من الولق في السير، وفي تكذب، وهو السُّرعة، والأصل: تولقونه، فوقعت الواو بين تاءٍ وكسرةٍ فخزلت.
قَالَ الشَّاعِر:
إنّ الجُلَيدَ زَلِقٌ وزُمَّلِقْ ... جاءَت بِهِ عَنْسٌ من الشَّامِ تلق
مجوع البطن كلابي الخلق
ومَن شدَّد، فَقَالَ: تَلَقَّوْنَهُ فمعناه: تقبلونه وتأخذونَه كَمَا قَالَ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتِ﴾ أي: قَبِلَها وأخذها. وكان الأصل فِيْ ذَلِكَ أنَّ النَّاس لما أفاضوا فِيْ الإِفك، وحديث عَائِشَة كان الرَّجُلُ يلقى الآخر فيقولُ: أما بَلَغَك حديث عَائِشَة؟ لتشيع الفاحشة فِيْ الَّذِيْنَ آمنوا، فأنزلَ الله تَعَالى فِيْ بَراءَتِهَا، وأرغم أنوف المنافقين.
فقال: ﴿أولئك مبرؤن مِمَّا يَقُولُونَ»، يعني عَائِشَة وصَفوان بْن المُعَطِّلِ.
وفيها قراءةٌ سادسةٌ وسابعةٌ، وثامنةٌ وتاسعةٌ عدَّدْتُها فِيْ البَدِيْعِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بالياء، لأنَّ الفعلَ متقدمٌ فيشبّهُ بقولهم: قامَ الرِّجالُ، ولأنَّ اللسانَ مذكرٌ.
وقرأ الباقون: «تَشهد» بالتاء لتأنيثِ الألسنة، والعرب تذكر اللسن، والذّراع، وتؤنثهما، فمَن ذكره، فَقَالَ: أَلْسُنٌ وأذرعٌ، ومَنْ أنَّث، قَالَ: ألسنةً، وأذرعةٌ.
وحدَّثني ابن مجاهد، عن السمري، عن الفراء، قال: هَذِهِ لسان ذهب بها إلى
стр. 296
الرِّسالة.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾.
روى عَبَّاسُ، عَنْ أبي عَمْروٍ: «وَلِيَضْرِبْنَ» بكسرِ اللَّامِ عَلَى معنى كي. وتكون لامُ الأمرِ، فيكسر عَلَى الأصلِ كَمَا قُرئ: «وَلِيَطَّوَّفُواْ» ومعنى ذَلِكَ: أنَّ نساءَ الجاهليَّةِ كُنَّ يُسدلن خُمُرِهِنَّ من وراء، ويكشفن صدورهن، ونحورهن، فأمرهنَّ الله تَعَالى بالاسْتِتَار. فَقَالَ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زَيْنَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ عَينها، وكُحلها، وخِضَابُها. وقيلَ: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ القلب والفتحة. والقَلْبُ: السِّوارُ، والفَتْخَةُ:
الخاتَمُ. كان نساءُ العربِ يلبسنه في الأصابع العشر، قَالَ الشَّاعِر:
تَسْقُطُ مِنه فَتَخِيْ فِيْ كُمِّي
فلا يجب أن تُبديَ زينتَها إلا لبعلها، وأبوها. ومَنْ ذكر الله تَعَالى إلى قولِه تَعَالى:
﴿أو التّابِعِيْنَ غَيْرِ أُوِلِى الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ يعني بالتابعين: المتصرف مَعَ الرِّجال لا أربَ له فِيْ النِّساء يكون شريسًا أي: عنينًا، أو شيخًا كبيرًا، أو غُلامًا لم يَشهد بعدَ، أي:
لم يَحْتَلِمْ. يُقال: أَشهد فلان: إذا احتلم. يجب على المرأة أن تَسْتُرَ عَنْ كلِّ أحدٍ سِوَى هَؤُلَاءِ المَذكورين. وكذلكَ تَسْتَتِرُ عَنْ المرأة اليَهُوْدِيَّة والنَّصرانية.
وقولُه تَعَالى: ﴿غَيْرَ أُولِي الإِرْبَةِ﴾.
قرأ عاصمٌ برواية أبي بكرٍ وابنُ عامرٍ غيرَ بالنَّصب فيكون نصبه عَلَى الحال، وعلى الاستثناء.
وقرأ الباقون غير بالكسر جعلوه نعتا للتابعين. ومن الإِربة حديث عَائِشَة: كان رَسُول الله ﷺ يُقَبِّلُ وهو صائم وكان أملككم لإربه أي: لعُضْوِهِ، ولحاجَتِهِ إلى النِّساء.
وسُئِلَ ابنُ عَبَّاس، لم رخِّصَتْ للشَّيخ إِذَا كان صائمًا، وكُرِهَتْ للشَّاب؟ ! فَقَالَ: إنّ عرق الذكر معلق بعرنين الأنف. إذا شمَّ تحرَّك. وقيل: فِيْ قوله: ﴿من شرٍّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ قَالَ: مِنْ شرِّ الذَّكر إِذَا قامَ.
وأكثر المُفَسِّرِيْنَ عَلَى اللَّيل إِذَا دَخَلَ بظُلمته، ويحتجُّون بحديثِ عائِشَةَ أنَّ النَّبيّ ﷺ قَالَ لها: - وقد نظر إلى القمر -: «تعوَّذي يا عائِشَةَ بِهَذَا فإنه الغاسق إذا وقب.
стр. 297
وقوله تعالى: ﴿أيها المُؤْمِنُونَ﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ: «أيُّهْ المُؤْمِنُونَ» ويقفُ كَذَلِكَ اتباعًا للمُصحف؛ لأنَّها كَذَلِكَ كتبت، وكذلك: ﴿أيه الثقلان﴾، «يا أيه السَّاحِرُ».
وقرأ الباقون «أيُّها» بألفٍ. ويجب عَلَى قرائهم أن يَقِفوا بألفٍ إِذَا اضطُر إلى ذَلِكَ.
قَالَ ابنُ مُجاهدٍ، لا ينبغي لأحدٍ أن يتعمَّد الوقف عَلَيْهِ، لأن الألف قد سقطت لالتقاء الساكنين لفظًا. قَالَ: وحدَّثني مُحَمَّد بْن يحيى الوراق، عن محمد بْن سعدان، عَنْ الكسائي، «أيُّهَا المؤمنون» وقف بألف.
وقولُه تَعَالى: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا﴾.
روى أَبُو عَمْرو، عَنْ الكسائي كمشكاة ممالا.
وقرأ الباقون مُفخمًا والمِشكاة: الكُوَّة التي لا تنفذ، وفيها المصباح فشبَّه الله تَعَالى قَلْبَ المُؤْمِنِ، وما أَوْدَعَهُ من النُّورِ بذلِكَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿كَأَنَّها كَوكَبٌ دُرِّيٌّ﴾.
فيه أربعُ قراءاتٍ:
قرأ أَبُو عَمْرو، والكِسَائِيُّ «دِرَّيءٌ» بكسر الدال، والهمز، والمدُّ جعلاه من الدَّراري من النُّجوم، وهي التي تَجيءُ وتَذْهَبُ.
وَقَالَ آخرون: بل هي أحدُ النَّجومِ الخَمسة المُضيئة زُحل، وبُهرام، والمُشتري، وعُطارد، والزُّهرة. أَنْشَدَنِي ابنُ دُرَيْدٍ:
إلّا خَصَائِصَ كالدَّرَا ... ري المُحزَئِلَّاتِ الفِرَادِ
وقرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وابنُ كثيرٍ، وحفصٌ، عَنْ عاصمٍ «دُرِّيٍ» بضم الدَّال، وترك الهمز منسوبٌ إلى الدُّرِّ.
وقرأ حمزةُ وعاصمٌ فِيْ رواية أبي بكرٍ «دُرِّيءٌ» بالضَمِّ مَعَ الهَمْزِ. قَالَ الفَراء: لا وَجْهَ له عِنْدِيْ؛ لأنَّ فُعِّيْل لَيْسَ فِيْ كلام العَرَبِ. إنما هو من الأسماء الأعجمية مثل مُرِّيْق.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وله عِنْدِي وَجْهٌ أن يكون دَرِّيٌ بفتح الدّال كأنَّه فَعيل منه.
قَالَ سيبويه: وليس فِيْ كلام فَعِّيل إنّما هو فِعّيل مثل سكيتٍ: كثير السُّكوت.
وفِسِّيْقٌ، وخِمِّيرٌ.
стр. 298
وقوله تعالى: ﴿يوقد مِنْ شَجَرَةٍ﴾.
فيه أربعُ قراءاتٍ:
قرأ ابنُ عامرٍ: ونافعٌ، وحفصٌ، عَنْ عاصمٍ «يُوقَدُ» ردًّا عَلَى الكواكب وقرأ ابن مُحَيْصن «تُوقَدُ» برفع الدال ردًّا عَلَى الزُّجاجة. أراد: تتوقد فحذف إحدى التاءين، والمصدرُ من تَوَقَّدَ تَوَقُّدًا والمصدر من تُوقد ويُوقد ايقادًا.
وقرأ ابنُ كثيرٍ، وَأَبُو عَمْرو «تَوَقَّدَ» فعل ماضٍ.
وقرأ حمزةُ، والكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصمٍ «توقد».
والناس كلهم يضمون الزاي فِيْ الزُّجاجة إلى نصر بْن عاصم، فإنه قرأ «زِجَاجة» بكسر الزاي، والزِّجاج فِيْ كلام العرب فِيْ غير الموضع جمع زِجّ.
وقولُه تَعَالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيْهَا بالغدو﴾.
قرأ عاصم - في رواية أبي بكر وابن عامر «يسبح له» على ما لم يمض فاعله.
فعلى قراءتهما تَرتفع «الرَّجال» من وجهين:
أحدهما: أنَّ الكلامَ قَد تَمَّ عند «الَأصال». ثُمَّ يَقُول: ﴿رجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ، وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ الله﴾ فالتِّجارة الجَلب، والبَيع ما يَبيع الرَّجُلُ عَلَى يده.
والوجه الثاني: أن ترفع الرجال بإضْمَارِ فعلٍ فيكون الكلام تامًّا عَلَى «والأَصال»، ثُمَّ يتبدى: رجالٌ أي: يسبِّحه رجالٌ.
وقرأ الباقون: «يُسبِّحُ» بكسر الباء «رجال»: برفع، فعلى هَذِهِ القراءة لا يكون الوقف إلا عَلَى الرِّجال. والاختيار يُسبَّح بكسر الباء، لأنّ فتحَ الباءَ ما روى إلا عَنْ عاصمٍ وابن عامر، وقد روى عَنْ عاصم الكسر أيضًا.
وحدَّثني ابنُ مجاهدٍ، قَالَ: حدَّثني إدريس وابن أبي خَيْثَمَةَ، عَنْ خلف، عَنْ الضَّحاك بْن ميمون، عَنْ عاصمِ بْن أبي النُّجود «يُسبِّح» بكسر» الباء. وأمَّا «الأَصَال» فجمعُ أصيلٍ، وهو قراءة الناس إلا أبا مجلز قرأ «بالغُدُوِّ والِإصَالِ» بكسر الألف جعله مصدرًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿واللهُ خَلَقَ كلِّ دَآبَةٍ من ماءٍ﴾.
قرأ حمزة، والكِسَائِيُّ «خالِقُ كلِّ دآبةٍ» عَلَى فاعل، وهو مضاف إلى ما بعده.
وقرأ الباقون «خَلَقَ» فعل ماضٍ. «وكلَّ» نصب مفعول. و «من» جر فإنَّ
стр. 299
موضع «كلَّ» منصوب فِيْ المعنى، وإن كان جرًّا فِيْ اللَّفظ كَمَا تَقُولُ: هذا راكبُ فرسٍ. والأصل راكبٌ فرسًا. ولو قرأ قارئ: «والله خالِقٌ كلَّ دابة» كان سائغًا فِيْ النحو مثل: «كَاشِفَاتٌ ضُرَّهُ» إلا أنَّ القراءةَ سنةٌ لا تُحمل عَلَى قياسِ العَرَبِيَّةِ إنَّمَا يتبع بِهِ الأئمَّة.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَهُمْ﴾.
قرأ ابن كثير، وَأَبُو بَكْر، عَنْ عاصم «يُبْدِلنَّهُمْ» خفيفًا.
وقرأ الباقون، وحفص عَنْ عاصم مشدَّدًا. وقد ذكرت الفرق بينهما فِيْ سورة النّساء، والكهف فأغنى عن الإعادة هاهنا.
وقوله تعالى: ﴿ويخش اللهَ وَيَتَّقْهِ﴾.
فيه أربعُ قراءاتٍ:
قرأ ابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ فِيْ روايةِ أبي بكرٍ، وحمزةٌ، وابنُ عامرٍ «يَتَّقِهْ» ساكنًا، وذلك أن الياء لما اختلطت بالفعل وصارت من دَرْجِهِ ثَقُلت الكلمة، فخُفّفت بالإسكان.
وَقَالَ آخرون: بل تَوَهَّمُوا أنَّ الجزمَ واقعٌ عَلَى الهاءِ.
وقرأ نافعٌ - فِيْ روايةِ ورشٍ - وابنُ كثيرٍ والكِسَائِيّ «وَيَتَّقِهِيْ» بكسر الهاء لمجاورة القاف المكسورة يتبعون الهاء ياءً تقوية.
وروى قالون عَنْ نافعٍ «وَيَتَّقْهِ» باختلاس الحركة، وهو الاختيار عند النَّحويين، لأنَّ الأصلَ فِيْ الفعلِ قبلَ الجزمِ أن يكونَ يتَّقِيْهِ بالاختلاس فلما سقطت الياء للجزمِ بقيت الحركةُ مختلسةً كأول وَهلةٍ.
والقراءةُ الرَّابِعَةُ: روى حفصٌ، عَنْ عاصمٍ «وَيَتَّقْهِ» بإسكان القاف وكسر الهاء، وله حُجَّتان:
أحدهما: أَنَّهُ كره الكسرة في القاف، فأسكنها تخفيفًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
عَجِبْتُ لمولودٍ وليس له أب ... ومن ولد لم يلده أبوان
يعني: آدم وعيسى ﵉. أراد «لم يَلِدْهُ فأسكن اللَّام».
ويجوز أن يكونَ أسكنَ القافَ والهاءُ ساكنةٌ فكسر الهاءَ لالتقاءِ الساكنين.
كما قرأ عاصمٌ فِيْ أول الكَهف «مِنْ لَدُنْهِ» بكسر الهاء لسكونها، وسكون النون.
стр. 300
وفيها حجَّةٌ ثالثةٌ: أنَّ من العربِ مَنْ يقولُ: زيدٌ لم يَتَّقْ فجزم القاف بعد حذف الياء، توهمًا أن القاف آخر الكلمة، وينشد:
وَمَنْ يَتَّقْ فإنَّ الله مَعْهُ ... ورِزْقُ اللهِ مؤتابٌ وغادِى
وقولُه تَعَالى: ﴿سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ﴾.
روى قُنبل، عَنْ ابنُ كثيرٍ «سَحَابٌ ظلماتٌ» عَلَى الابتداء، وروى غيره عَنْ ابن كثير «سَحابُ ظُلُماتِ» بالكسرِ مضافًا غيرَ منونٍ. وقرأ الباقون: «سَحَابٌ ظُلُماتٌ» بالرّفع عَلَى النّعت، فشبه الله تَعَالى الكفر بظلمات، كَمَا شبه المؤمن بالمصباح.
﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾
فيه قولان:
قَالَ بعضهم: يراها بعد إبطاءٍ لشِدَّةِ الظُّلمة.
وَقَالَ آخرون: لم يَرَهَا وَلَمْ يَكَدْ.
فأمَّا ابنُ كثيرٍ إذَا نوّن «سحابٌ» وخفض «ظُلُمَاتٍ» فإنَّه يجعلها بدلًا من الظَّلمات التي قبلها. والتَّقدير: أو كظلماتٍ .... ظلماتٍ.
ومن أضافَ ولم يُنَوِّن جعل السِّحاب غيرَ الظُّلمات.
وقوله تعالى: ﴿لا تحسبن الذين كفروا مُعْجِزِينَ﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ وحمزةُ بالياء.
وقرأها الباقون بالتَّاءِ فموضع «الَّذِيْنَ» نصبٌ، و «مُعْجِزِينَ» المفعول الثاني، والمفعول الثّاني لمن قرأ بالياء «فِيْ الأرْضِ».
وَقَالَ الَأخفشُ: من قرأ بالياء يجوز أن يكون «الَّذِيْنَ» فِيْ موضع نصبٍ عَلَى تقدير: «ولا يَحسبنَ الَّذِيْنَ» مُحَمَّد ﷺ الفاعل.
وقولُه تَعَالى: ﴿كَمَا اسْتخَلَفَ الَّذِيْنَ﴾.
قرأ عاصمٌ - فِيْ رواية أبي بَكْرٍ - «كَمَاْ اسْتُخْلِفَ» بضمّ التاء عَلَى ما لم يُسَمَّ فاعله.
وقرأ الباقون «كَمَا استَخْلَفَ» بفتح التاءِ لذكرِ الله تَعَالى قبل ذَلِكَ وبعده. فمَن ضمَّ التَّاء ف «الَّذِيْنَ» فِيْ موضع رفعٍ. ومن فَتَحَ التاء: «فالذين» فِيْ موضع نصب.
стр. 301
وقوله تعالى: ﴿ثلاث عَوْراتٍ لكُمْ﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ إلا حَفصًا: بالنَّصب ردًا عَلَى ما قبله، أي: فليستأذنوا ثلاث مرّات.
وقرأ الباقون: بالرَّفع عَلَى الابتداء.
قَالَ ابنُ مجاهدٍ: واتفق الناس عَلَى إسكان الواو فِيْ «عَوْرَاتٍ» ولا يجوز غير ذَلِكَ. فقلتُ لَهُ: قرأ الأعمش «ثَلاثُ عَوَراتٍ» بفتح الواو. فَقَالَ: هو غَلَطٌ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: إن كانَ جَعَلَهُ غَلَطًا من جهةِ الرِّوايةِ فقد أصاب. وإن كان غلَّطه من جهة العَرَبيَّةِ فليس غَلَطًا؛ لأنَّ المُبَرِّد ذكرَ أن هُذَيْلًا من طابخة يقولون فِيْ جَمْعِ جَوْزَةٍ ولَوْزَةٍ وَعَوْرِةٍ: عَوَرات ولَوَزات وجَوَزات.
وأجمعَ النَّحويون أنَّ الإسكانَ أجودُ، ليفرَّق بين الصَّحيح والمُعتل، لأنَّ الواوَ إذَا تَحَرَّكت، وانفتح ما قبلها صارت ألفًا، فوجبَ أن يُقال: عارات، وجازات، ولازات، وذوات الياءِ نحو بَيْضَةٍ، وبَيْضَات فيها ما فِيْ ذوات الواو، والاختيار الإسكان، ألا تَرى أنَّ قَوله: «فِيْ روْضَاتِ الجَنَّاتِ» ما قرأ أحدٌ رَوَضَات، وكذلك عَوْرَاتِ مثل رَوْضَات.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَومَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾.
قرأ أَبُو عَمْروٍ فِيْ رواية نَصرٍ، وعُبيد، وهارون: «وَيَومَ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ» وروى اليزيدي، وعبد الوارث: «وَيَوْمَ يُرْجَعُوْنَ إِلَيْهِ» بالضَّم أي: يردُّون. كَذَلِكَ قرأ الباقون» «يُرْجَعُوْنَ».
وفي هَذِهِ السُّورة ياءان:
﴿يَعْبُدُوْنَنِيْ لا يشركون بي شيئًا﴾.
اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى إسكانِها تخفيفًا.
стр. 302
ومن سورة الفرقان
قوله تَعَالى: ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بالنُّون. وقرأ الباقون بالياء. فمن قرأ بالنون أخبر المتكلم عَنْ نفسه مَعَ جماعة.
ومن قرأ بالياء أخبرَ الله تَعَالى عَنْ غائبٍ مفردٍ، وهو الاختيارُ، لأنّ الله تَعَالى خصَّ بالخطابِ رجلًا فَقَالَ: «إنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ» ولم يَقُل: لَكُمْ. والقِرَاءَتَانِ صَحِيْحَتَانِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَجْعَلَ لَكَ قُصُورًا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ فِيْ روايةِ أبي بكرٍ، وابنُ عامرٍ: «ويَجْعَلُ لَكَ قُصُوْرًا» بالرَّفعِ عَلَى الاستئناف.
وقرأ الباقون: «وَيَجْعَلْ لَكَ» جَزْمًا عَلَى الشَّرْطِ الذي قبله نَسَقٌ، لأنَّ موضعَ «إنْ شَاَء» جزمٌ لو كان مستقبلًا، والتقدير: إن يشأ يجعل، ف «إن» حرفُ شرطٍ، و «شاءَ» فعلٌ ماضٍ لفظًا ومعناه الاستقبال، و «يَجْعَلْ» جزمٌ جوابُ الشرطِ، «جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الَأنْهَارُ» كلامٌ تامٌّ، فمن رَفَعَ استأنف، ومن جَزَمَ عطفَ «وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوْرًا» عَلَى يَجْعَلَ لَكَ جَنَّاتٍ ولو قرأ قارئٌ «وَيَجْعَلْ لَّكَ» بالإدغام وإشمام الضم لكان جائزا مثل: «لا تأمنا» فيدغم، لأنَّه يريد: يَجْعَلُ لَكَ وتَأمَنُنَا فيدغم، ومن جَزَم لم يجز لَهُ الإظهارُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَومَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وحفصٌ، عَنْ عاصمٍ بالياء كليهما، أي: قل يا مُحَمَّد: ويومَ يحشرهم الله ويَحشر الَّذِيْنَ يعبدون، يعني: الأصنام. قِيلَ: حَشْرُهَا: فَنَاؤُهَا. وقيل:
يَحْشُرُهَا كَمَا يَحْشُرُ كلَّ شيءٍ ليبكتَ بها مَنْ جَعَلَهَا إلهًا من دُوْنِ الله. فأمَّا قوله: ﴿إنَّكُمْ ومَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حًصَبُ جَهَنَّمَ﴾ فإنَّ جماعةً من المنافقين والكفَّار خاصَمُوا رَسُولَ الله ﷺ وقالوا قَدْ ذَكَرْتَ أن الله قَدْ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ: ﴿إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وقد عبدَ قومٌ عيسى وعزيرا فأنزل الله تَعَالى: ﴿إن الَّذِيْنَ سَبَقَتْ لَهْمْ مِنَّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُوْنَ﴾ فهذا فِيْ التَّفسير. وَقَالَ أهلُ النَّحوِ: هذا السُّؤال لا يلزمُ، لأنَّ الله تَعَالى قَالَ: «وَمَاْ﴾
стр. 303
﴿تَعْبُدُونَ» و «ما» لغيرِ الإِنس. ولو دخلَ عيسى وعزيزٌ فيمن عُبد فِيْ هَذِهِ الآية لقيل:
«إنكم ومَنْ تعبدون»، لأن «مَنْ» للإنس خاصةً. وبلغَ الفرزدقُ أنَّ جريرًا قَالَ:
يَا حَبَّذَا جَبَلُ الرَّيَّان من جَبَلٍ ... وَحَبَّذَا سَاكِنُ الرَّيَّانِ مَنْ كَانَا
فَقَالَ الفَرزدقُ: لو كانوا قُرُودًا؟
فَقَالَ جريرٌ: أخطأ، ولو كانُوا قرودًا لقلتُ: «ما»، و «إنَّمَا» قلت: «مَنْ».
وقرأ الباقون: «وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ» بالنُّونِ، الله تَعَالى يُخبر عَنْ نفسه. «وَمَا يَعْبُدُونَ» بالياءِ مثل الأولين.
وقَرَأ ابنُ عامرٍ: «وَيَومَ نحشرهم ... فَنَقُولُ» بالنُّون أيضًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾.
قرأ ابن كَثيرٍ بروايةِ قُنبل «ضَيْقًا».
وقرأ الباقون «ضَيِّقًا».
فَقَالَ قومٌ: الضَّيْقُ والضَّيِّقُ: لغتان.
وَقَالَ آخرون: الضِّيِّق: فما يرى لَهُ حدٌّ، والضَّيْق: فيما لا يرى ولا يجد فتَقُولُ:
بيت ضَيِّقٌ وفيه ضَيْقٌ، وصدرٌ ضَيْقٌ.
وفيه قول آخر: يجوز أن يكون مكانًا ضَيْقًا - بالتَّخفيف - أراد ضَيِّقًا، كَمَا تَقُولُ: هَيْنٌ لَيْنٌ مَيْتٌ، والأصل: هَيِّنٌ لَيِّنٌ مَيِّتٌ.
واتَّفقُوا عَلَى «مقُرنين» بالياء، لأنَّه نصبٌ عَلَى الحالِ، إلا أبا شَيْبَة المَهْرِي فإنه قرأ مُقَرَّنُونَ بالواو، أي: هو مقرنون.
وقولُه تَعَالى: ﴿تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمَامِ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٍ وابنُ عامر «تشقق» مشددا أرادوا: تشقق فأدغموا، ومعناه:
تتشقق السماءُ، عَنْ الغمام الأبيض، ثُمَّ تنزل منه الملائكة، ف «عَنْ» و «الباء» تتعاقبان كقولهم: سَأَلَ زيدٌ بكذا يريدون: عَنْ كَذَا. قَالَ الله تَعَالى: ﴿سَأل سَائلٌ بِعَذَاْبٍ وَاْقعٍ﴾ أي: عَنْ عذابٍ وأنشد.
دَعِ المغمر لا تسأل بمصرعه ... واسأل بمصقلة البكري ما فَعَلا
وقرأ الباقون «تَشَقَّقُ» مخفَّفًا أرادوا - أيضًا -: التاءين فخزلوا واحدةً.
стр. 304
- وقولُه تَعَالى: ﴿ونَزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيْلًا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وحده «ونُنْزِلُ المَلائكَةَ» بالنَّصب و «نُنْزِلُ» بنونين، الأُولى علمُ الاستقبال. والثاني سنخيَّةٌ، الله تَعَالى يخبرُ عَنْ نفسِه أي: ونُنْزِلُ نحنُ الملائكةَ.
وقرأ الباقون ««ونُزِّلَ المَلائكَةُ» على ما لم يسم فاعله.
والملائكة رفعٌ، اسم ما لم يسمَّ فاعله، وهو الاختيار، لأن «تنزيلا» لا يكون إلا مصدرًا لنزَّل، لو قرأ ابنُ كثير وننزل - بالتشديد - لوافق تنزيلا.
وقوله تعالى: ﴿يا ليتني اتخذت﴾.
فتح الياء أبو عمرو. وأسكنها الباقون. وكذلك ابن خليد عَنْ نافعٍ، فتحه، وهذا القول من الظالم يوم القيامة الذي ذكره الله تَعَالى، فَقَالَ: ﴿يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾. وذلكَ أن رجلًا من سادات قُريش اتَّخَذَ وَلِيْمَةً فَدَعا أشرافَ قومِهِ ودَعا النَّبيّ ﷺ فدخل أُبَيُّ بن خلف المنافق، فقال: والله لا أجلسن عندك حتَّى تخرج مُحَمَّدًا وبصق فِيْ وجهه، وقال: أتدعو مثلَ هذا؟ ! فحزِنَ رَسُولُ الله ﷺ فامره الله بالصبر وعرفه ما أعدَّ للظَّالِم فِيْ الآخرة، وإنما كان فَعَلَ ذَلِكَ تَشَفِّيًا لآخر كان مَعَهُ، وهو الذي كنَّى الله تَعَالى عَنْ اسمه، فَقَالَ: ﴿لَيتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾.
أخبرني ابنُ دُريدٍ، عَنْ أبي حاتِمٍ، عَنْ العَرَب إنَّمَا تكنى عَنْ كل مذكَّرٍ بفلان، وفلانة، عَنْ مؤنَّثة، فإذا كَنَّوا عَنْ البهائم، قالوا: الفلان والفلانة، كقولك: السَّرج للفلانة، تريد: البَغلة والدابة. وقيل: ﴿لَمْ أَتَِّخذْ فُلَانًا خَلِيْلًا﴾ يعني: الشَّيْطَانُ.
وقولُه تعالى: ﴿يا ويلتى لَيْتَنِي﴾.
فيه ثلاث قراءات:
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «يا ويلتي» بالإمالة مثل: يا عَجبي، وذلك أنَّ العربَ تميل نحو ذلك ولا تنون، وكان الأصمعي يُنشد هذا البيت:
فَيَا رَاكِبَا إمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ ... نَدَامَايَ مِنْ نَجْرَانَ أَلَّا تَلَاقِيَا
بالإِمالة وتَرك التنوين، يجعلها معرفةً.
والباقون ينشدون: فيا راكبًا بالتَّنوين، فَقَالَ ابنُ مجاهدً: من أمال «يا ويلاتي» إنَّمَا وقعت الإمالة عَلَى الألف فمالت التاء بميل الألف.
стр. 305
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: أكثرُ النَّحويين عَلَى أن الإمالة لا تكون إلا في الألف فقط.
وقرأ الباقون: «يا ويلتي» بالتفخيم.
والقراءة الثالثة ««يا ويلتي» بالإضافة إلى النفس وكسرِ التاء، قرأ بذلِكَ الحَسَن وقتادة.
وقولُه تَعَالى: ﴿إنَّ قَومِي اتَّخَذُواْ﴾.
فتح الياء فِيْ «قومَي» أَبُو عَمْروٍ ونافعٌ وابنُ كثيرٍ فِيْ رواية البزي.
وأسكنها الباقون وقُنبل، ومعنى هَذِهِ الآية أنّهم تركوا القرآن وتلاوته والعمل بِهِ وهجروه فصار مهجورًا. وَقَالَ آخرون: بل جعلوه كالهذيان، كَمَا يقال: أهجر المريض والنائم: إِذَا ردَّدَ الكلمةَ بعدَ الكلمةَ.
وقوله تعالى: ﴿أرسل الرياح بُشْرًا﴾.
قد ذكرت العلل والقراءة فِيْ البقرة والأعراف بما أغنى، عن الإعادة هاهنا.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيَنُهمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيّ «ليَذْكُرُوا» خفيفًا.
وقرأ الباقون «لِيَذَّكَّرُوا» مشدَّدًا، أرادوا: لِيَتَذَكَّرواُ فأدغَمُوا، وهو الاختيار، لأنَّ التَّذَكُّرَ والإدَّكارَ فِيْ معنى الاتعاظ وليس الذكر كذلك.
قرأ حمزة والكسائي بالياء.
وقرأ الباقون بالتاء، فمن قرأ بالتَّاء جعل الفعل للنَّبِيّ ﷺ ، ومن قرأ بالياء أراد: بمسيلمة الكذَّاب وذلك أَنَّهُ سمَّي نَفْسَهُ الرَّحْمَن، فَقَالُوا للنَّبِيّ ﷺ : إنَّا لا نعرف الرَّحْمَن إلَّا نَبِيَّ اليَمامة، فأنزل الله تَعَالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ وَقَالَ آخرون: التقدير المصدر:
أي: السَّجدُ لأمرك.
وقولُه تَعَالى: ﴿سِرَاجًا وقمرًا منيرًا﴾.
قرأ حمزة والكِسَائِيّ: «سُرُجًا» بالجمع.
وقرأ الباقون «سِراجًا» بالتوحيد، فمن وحد أراد بالسراج: الشمس، كَمَا قَالَ:
تَعَالى: ﴿وجَعَلَ الشَّمسَ سِراجًا﴾ بالتوحيد، ومن جمع جاز أن يريد المصابيح من النجوم وهي المضيئة العظام الدَّراري. ويجوز أن يكون أراد النجوم الكبار مَعَ الشمس
стр. 306
والقمر، واتفقوا عَلَى «وقَمَرًا» إلا الحَسَن فإنه قرأ «وقُمْرا مُنِيْرا» فيجوز أن يكون جعله جمعًا، ويجوز أن يكون لغتين مثل وَلَدٍ ووُلْدٍ.
والقمر: جمعه الذي لا تعرف العرب غيره أقمارٌ، أنشدني ابن عرفة:
دَعِ الأَقْمَارَ تَخبُوا أو تُنِيرُ ... لَنَا بَدْرٌ تُقِرُّ لَهُ البُدُورُ
وتصغيره: قُمَيْرٌ، ويُقال للقمر: هلالٌ وزبرقانُ وبدرٌ. والسَّواد الذي فِيْ القمر:
المَحْوُ. وضوءُ القمر: الضحو. وظلُّ القمر: السَّمَرُ. وليلةٌ عفراء: ليلة ثلاث عشرة.
والساهرون: غلافُ القمر. والدَّارة التي حول القمر: الهالَةُ. وقد حجر القمر: إِذَا استداَر. وليلة قمراء ومقمرة وأضحيان: بمعنًى واحد. والليلة المقمرة يقالُ لها: ابن نمير. والليلة المظلمة: فحمة بْن جُمَيْرٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾.
فيه ثلاثُ قراءات:
قرأ ابنُ كثيرٍ وَأَبُو عمروٍ: «وَلَمْ يَقْتِرُواْ» من قَتَرَ يَقْتِرُ مثل ضرب يضرِبُ.
وقرأ نافع وابن عامر: «يُقْتِرُواْ» من أَقْتَرَ يُقْتِرُ.
وقرأ الباقون: «ولم يَقْتُرُواْ» بضمِّ التاءِ من قَتَرَ يَقْتُرُ فالأول مثل ضَرَبَ يَضْرِبُ.
والثاني مثل أَكْرَمُ يُكْرِمُ. والثالث مثل قَتَلَ يَقْتُلُ. ولو قُرئَ: ولم يقتِّرُواْ - بالتَّشديد - جاز لأنَّ كلَّ ما جازَ فيه فَعَلَ وأَفْعَلَ صلح أن تعرض عَلَيْهِ يفعِّلُ، قَالَ الشَّاعِرُ حجَّةً لنافع فِيْ الإِقتار:
تَالله لَوْلَا صِبْيَةٌ صِغَارُ ... كأنَّما وُجُوْهَهُمْ أَقْمَارُ
تَضُمُّهُمْ مِنَ العَتِيْكَ دَارُ ... أَخَافُ أَنْ يَمَسَّهُمْ إِقْتَارُ
أَوْ لَاطِمٌ بِكَفِّهِ أَسْوَاْرُ ... لَمَا رَآنِي مَلِكٌ جَبَّارُ
بِبَابِهِ ما وَضَحَ النَّهَارُ
واختلف الناس فِيْ السَّرَفِ فِيْ النَّفَقَةِ، فَقَالَ قومٌ: الإِسرافُ: كلُّ ما أُنفق فِيْ غيرِ طاعةِ الله كقولِه: ﴿إنَّ المُبَذِّرِيْنَ كَاْنُوا إِخْوانَ الشَّيَاطِيْنِ﴾. وَقَالَ عليٌّ ﵁: «لَيْسَ فِيْ المأكول والمشروب سرفٌ وإن كان كثيرًا».
وَقَالَ الآخرون: الإسرافُ فِيْ الحلالِ فقط؛ لأنَّ الحرامَ لا يجوزُ منه الذَّرة فما فوقها، واحتجوا بحديثِ رَسُولِ الله ﷺ : «أنَّ جاريةً أتته وهو فِيْ
стр. 307
مَنزله ﵇، فقالت: إنّ أمي تَقرأ عليك السَّلَام يا رَسُول الله، وتقول: أَعطِنا ممَّا رَزَقَكَ اللهُ، فَنَظَرَ رَسُولُ الله ﷺ فِيْ بيته فلم يَجِدْ شيئا، قال:
قولي لَها: لَيْسَ عندنا شيءٌ، قالت: فإنها تَقُولُ لَكَ، فأعطِنَا قَمِيْصَكَ حتَّى نَبِيْعَهُ، فَنَزَعَ رَسُولُ الله ﷺ قميصه وجلس فِيْ البيت عُريانًا. فأنزل الله تَعَالى:
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾. فأمره الله تَعَالى بالاقتصاد، وأن ينفق من فضلٍ، وأخذ بأدب الله. ثُمَّ أتته سائِلَةٌ أُخرى ففعلَ بها مثلَ ذَلِكَ فأنزل الله تَعَالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيْمٍ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿يُضاعِفْ لَهُ العَذَابُ﴾.
قرأ ابن كثير: «يُضَعَّفْ» بالتَّشديدِ والجَزْمِ.
وقرأ ابنُ عامرٍ: «يُضَعَّفُ» بالرَّفع والتَّشديد.
وقرأ عاصمٌ برواية أبي بكرٍ: «يُضَاعِفُ» بالرفع والألف.
وقرأ الباقون: «يُضَاعَفْ» بالجزم والألف، وقد ذكرت علّة التَّخفيف والتَّشديد فِيْ البقرة وإنما أذكر علة الرفع والجزم هاهنا فمَنْ جَزَمَ جعله بدلًا من جوابِ الشَّرطِ، لأن «وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلك» وجوابه «يَلْقَ أَثَامًا» ف «يَلْقَ» جزمٌ، لأنَّه جوابُ الشَّرطِ، وسقط الألف من آخره علامةً للجزم، و «يُضاعَفْ» بدلٌ من يَلْقَ و «يَخْلُدْ» نسقٌ عَلَيْهِ. ومَنْ رَفَع فقد استغنى بالكَلامِ وتَمَّ جوابُ الشَّرطِ فاستأنف «يُضاعَفُ».
وَقَالَ آخرون: إِذَا جئتَ بعدَ جوابِ الشَّرط بأجوبةٍ كنت مخيرًا فيها إن شئت استأنفت، وإن شئت أبدلت، وإن شئت عطفت إِذَا كان بالواو والفاء، وإن شئتَ نصبت عَلَى الظَّرف فِيْ قولِ الكوفيين، وبإضمار «إن» فِيْ قولِ البَصريين، ولو قرأ قارئٌ «ويَخْلُدَ فيه مُهَانًا» بالنَّصْب لكان صوابًا فِيْ العَرَبِيَّةِ، ولا أعلم أنَّ أحدًا قرأ بِهِ، غير أن الرفع والجزم مقروءان فالرَّفعُ «ويَخْلُدُ» عَنْ عاصمٍ وابنِ عامرٍ والجَزْمُ عَنْ الباقين.
وفيها قراءةٌ ثالثة: روى حُسَين الجُعفي عَنْ أبي عَمْرو «ويُخْلَدُ» بضم الياء وفتح اللام عَلَى ما لم يُسم فاعله.
قَالَ ابنُ مجاهدٍ: وهو غَلَطٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿فِيْهِ مُهَانَا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وحفصٌ عَنْ عاصمٍ «فِيْهِيْ مُهَانًا» يصلان الهاءَ بياءٍ.
стр. 308
والباقون: «فِيْهِ مُهَانًا» يختلسون كسرة الهاء وقد ذكرتُ علة ذَلِكَ فِيْ أول البقرة.
وقولُه تَعَالى: ﴿مِن أَزْواجِنَا وَذُرِّيَاتِنَا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وابنُ عامرٍ وحفصٌ عَنْ عاصمٍ: «وُذُرِّيَاتِنَا» جماعًا.
وقرأ الباقون: «ذُرِّيَتِنَا» واحدة.
فمَن جَمَعَ قَالَ: الجَمْعُ للأزواجِ. ومن وحّد قَالَ: الذُّرية فِيْ معنى جمع. والزَّوجُ الواحد، فردَّ إلى قولِ الله تَعَالى: ﴿ذُرِّيَةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾.
كلُّ ما تقرُّ بِهِ عينُ الإنسان، ومعنى ذَلِكَ: أن الرَّجُلَ إِذَا فَرِحَ بالشَّيءِ خَرَجَ من عينه ماءٌ بارِدٌ، وهو القَرُّ، وإذا أُغتَمَّ وبَكَى خَرَجَ من عَينِهِ ماءٌ ساخِنٌ فيقال: «سخَّن الله عينه»: إِذَا دعوا عَلَيْهِ «وسخنت عينه» وإذا دَعوا لَهُ «أقرَّ الله عينه» و «قرَّتْ عَيْنُهُ» ويقال: معنى أقرَّ الله عَيْنُهُ: أي غَنمَ، لأنَّ قرةَ العينِ: ناقةٌ تُنحر قَبْلَ المَقْسَمِ وقيل: أَقَّرَ الله عينه أي: بَلَّغَهُ اللهُ مُراده حتَّى تقر عينه فلا تَطمح إلى شيءٍ وتستقرّ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَيُلَقَّونَ فِيْهَا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وحفصٌ عَنْ عاصمٍ وابنُ عامرٍ «ويُلَقَّونَ» مشدَّدًا.
وقرأ الباقون مخفَّفًا: «يَلْقَوْنَ» بفتح الياءِ، فمن شدَّد - وهو الاختيار - قَالَ:
يُلَّقَون فِيْ الجَنّة التَّحية والسَّلام مرةً بعدَ مرةٍ فالتشديد للتَّكثير، وشاهدهم قولُه تَعَالى:
﴿وَلقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوْرًا﴾ والنَّضْرَةُ عند أهل اللُّغةِ: الحُسنُ والبَهاءُ وإشراقُ الوجهِ من الفَرَحِ، كَمَا قَالَ: ﴿وُجُوْهٌ يَوْمَئذٍِ نَّاضِرَةٌ إلى ربِّها نَاظِرَةٌ﴾. والعربُ تقولُ: كلُّ لونٍ إِذَا حسن: ناضر، فيقال: أخضر ناضر، وأصفر ناضرٌ، وأبيضُ ناضرٌ، والنُّضَارُ:
الذَّهَبُ. فأمَّا المُفَسِّرُوُن فَقَالُوا: «النّضرة»: مَلَكٌ إِذَا نُشِرَ المُؤْمِنُ يومَ القيامة من قَبره استَقبله النّضرةُ فِيْ أَحْسَنِ صورةٍ وبشَّره بالجَنَّةِ.
стр. 309
من سورة الشعراء
قولُه تَعَالى: ﴿طَسَم﴾.
قرأ حمزة والكِسَائِيُّ وَأَبُو بكرٍ، عَنْ عاصمٍ بالإِدغام.
وقرأ الباقون: «طسم» بالتَّفخيم، عَلَى أن أهل المدينة أعنى نافعًا يقرأ بينَ بينَ، وكلُّ ذَلِكَ صوابٌ، وقد ذكرته فيما سَلَفَ، والسِّينُ خفيفة والميم مشددة، لأنك قد أدغمت فيه نونًا، والأصلُ ط سين ميم قرأها حمزةُ بإظهار النُّون عند الميم.
والباقون يدغمون مثل ﴿عمَّ يَتَساءَلُونَ﴾.
فإن سَأَلَ سائلٌ فَقَالَ: إنَّ النونَ لا تظهرُ إلا عند حروف الحلق فلمَ أظهر حمزةُ عند الميمِ، أنت لا تَقُولُ: «مِنْ دُوْنِهِ مِنْ وَاْلٍ» ولا «عَن ما يَتَساءَلُون»؟
فالجَوابُ فِيْ ذَلِكَ: أن حروفَ التَّهجي بنيت عَلَى التقطيع، والتهجي قطعُ الحروف بعضها من بعضٍ، وإذا نطق الإنسانُ ثُمَّ وَقَفَ عندَ كلِّ حرفٍ نحو: ط هـ، وألف لام وط سين. قَالَ أَبُو النَّجمِ:
أَقْبَلْتُ من عندِ زَيادٍ كالخَرِفْ ... تَخُطُّ رِجْلَايَ بخط مختلف
تكتبان في الطريق لام ألف
فهذا حُجَّةٌ لحمزة.
ومعنى طسم: أنَّ كلَّ حرفٍ اسمٌ من أسماءِ الله الحُسنى فالطاءُ من الطّيب، والسينُ من السّيد، والميمُ من المَلِك.
وقولُه تَعالى: ﴿وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾.
روى عُبَيْدٌ عَنْ أبي عَمْروٍ: «عُمْرِكَ» خفيفًا.
وقرأ الباقون: «مِنْ عُمُرِكَ سِنِيْنَ» بضمَّتين، وفيه ثلاثُ لغاتٍ: أطالَ عُمْرَكَ وعُمُرَكَ وعَمْرَكَ، والعمر أيضا القرط. والعمر - أيضا -: واحد عمرو الإنسان، وهو اللَّحم الذي بين كلِّ سنَّين، فأمَّا قولُهم فِيْ القسم «لَعَمْرُكَ لأَقُوْمَنَّ» معناه: وبقاؤك وحيَاتك. ولم يُستعمل الضَمّ فيه، غير أنَّ من العربِ من يَقلب فيقول: رَعَمْلُكَ لأقومن يريدُ: لَعَمْرُكَ، كَمَا يُقال: جَبَذَ وجَذَبَ، وبَضَّ وضَبَّ، وما أطيَبَهُ وأيْطَبَهُ. وحكى
стр. 310
أَبُو زَيْدٍ لغةً ثلاثةً: لَعَمرُكَ لأقومن - بفتح الميم - وهو حرفٌ نادرٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾.
قرأ الشَّعْبِيُّ «فِعْلَتَكَ» بالكسرِ.
وقرأ الباقون بالفتح.
وإنما ذكرته وإن لم يختلف السَّبعة فيه، لأن الفِعلة الحال، والفَعلة: المصدر إِذَا ردت المرة الواحدة، مثل قوله: ركبت رَكْبَةً واحدةً بالفتح وما أحسن رِكبته بالكسر.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَإذَا هي تَلْقَفُ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ: «تَلْقَفُ» بتشديد التاء فِيْ رواية البَزِّيِّ، وقنبل يخففه.
وقرأ حفصٌ عَنْ عاصم: «فَإذَا هِيَ تَلْقَفُ» ساكنة.
والباقون: «تَلَقَّفُ» وقد ذكرتُ علّة ذَلِكَ فِيْ طه.
وقولُه تَعَالى: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِيْن﴾.
روى حفصٌ عَنْ عاصمٍ: «مَعِيَ» بفتح الياءِ، وكذلك جميع ما فِيْ القرآن.
والباقون يسكنون الياء.
فمَنْ أسكن الياء ذهبَ إلى التَّخفيف، ومَنْ فَتَحَ فعلى أصل الكلمةِ؛ ولأنَّ الإسمَ عَلَى حرفٍ واحدٍ فقواه بالحركة، إذْ كان متصلًا بكلمةٍ عَلَى حرفين.
وكان أصحاب موسى ﵇ فزعوا من فرعون بأن يدركهم فأعلموا موسى ﵇ فَقَالُوا: «إنَّا لَمُدْرَكُوْنَ» فقال لهم موسى - ثقةً بالله -: «كلَّا» أي: لَيْسَ كَمَا تقولون: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين﴾.
حدَّثني أحمد، عن علي، عن أبي عبيد: أن الأعرج قرأ «لَمُدَّرَكُوْنَ» مُفْتَعَلُوْنَ من الإدّراك فأدغمت التاء فِيْ الدال.
قَالَ الفَرَّاءُ: أدركتُ إدراكًا، وادَّركتُ إدَّراكًا بمعنى واحدٍ، كَمَا تقولُ: حفرتُ واحتفرتُ بمعنًى.
وقولُه تَعَالى: ﴿وإنَّا لَجَمِيْعٌ حاذِرُوْنَ﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ، وابنُ عامرٍ - برواية ابنُ ذكوان -: «حاذِرُوْنَ» بألفِ اسمِ الفاعل من حَذِرَ مثل شَرِبَ فهو شارب وحَذِرَ فهو حاذِرٌ.
وَقَالَ آخرون: بل معنى قولهم: رَجُلٌ حاذِرٌ فيما يستقبل وليس حاذرًا بالوقت،
стр. 311
فإذا كان الحَذَرُ لَهُ لازمًا قِيلَ: رَجُلٌ وطَمِعٌ وسَبِد، ورجلٌ طامعٌ وسابِدٌ وحاذرٌ فيما يستقبل.
وقرأ الباقون: «لَجَمِيْعٌ حَذِرُوْنَ» بغير ألفٍ، وقد فسرناه.
ولو قرأ قارئ «حَذُرُوْنَ» - بضمِّ الذَّالِ - لجاز إلا أنَّ القراءةَ سنةٌ، لأنَّ العرب تَقُولُ: رَجُلٌ حَذِرُ وحَذُرٌ وحَذْرٌ وفَطِنٌ وفَطْنٌ ويَقِظٌ ويَقْظٌ ونَدِسٌ ونَدُسٌ.
وفيها قراءة ثالثة: «حادِرون» بالدَّال. قرأ بذلك عَبْد الله بْن السَّائب، ومعناه:
نَحن أَقوياءُ غلاظُ الأجسامِ؛ لأنَّ العربَ تقولُ: رجلٌ حادِرٌ: أي: سَمين، وعينٌ حدرة بدرة: إِذَا كانت واسعةً عظيمةَ المُقلة، قَالَ امرؤ القيس:
وَعَيْنٌ لَهَا حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ ... شُقَّتْ مَآقِِيْهَا مِنْ أُخَرْ
فالدَّال والذَّال فِيْ حاذرون وحادرون بمعنَيَيْن. فَأمَّا قولهم: خردلت اللَّحم وخرذلته، أي: قطّعتُهُ صغارًا. وشرذمة وشردمة، وشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ، وشرذْ بهم بمعنًى واحدٍ، الذَّال والدَّال.
وقولُه تَعَالى: ﴿فلمَّا تَرَاءَا الجمعان﴾.
قرأ حمزة وحده «تراءى الجمعان» بالكسر.
وقرأ الباقون بالفتح «تراءى الجَمْعَانَ» عَلَى وزن تَدَاعَى؛ لأنَّه تفاعل من الرُّؤية، كَمَا تَقُولُ: تَقَابل الجمعان، وهو فعل ماضٍ موحّد، وليس مثنَّى، لأنَّه فعل متقدِّمٌ عَلَى الاسم، ولو كان مثنى لقلت: ترآءيا. والقراء تختلف فِيْ الوقف عَلَيْهِ عَلَى ثلاثةِ أوجه:
فوقف حمزة: «تراء» بكسر الراء ممدود قليلًا؛ وذلك أن من شرطه ترك الهمز فِيْ الوقف فتَرَكَ الهمزة التي بعد الألف وكأنَّه يريدها، فلذلك مدَّ قليلًا كَمَا قَالَ: «من السَّماء مآ» إِذَا وقَف بألفٍ واحدةٍ وتشير إلى المَدّ.
ووقف الكسائي: «فلما تراءى» بالإمالة مثل تداعى وتقاضى.
ووقف الباقون: «تراءا» بألفين عَلَى الأصل ويُنشد:
يا راكبا أقبل من ثهمد ... كيف تركت الإبل والشاء
وقال آخر:
يا ضوء طالع معي الأضواء ... لا غَرْوَ أن ترتقب العماءا
أما ترى لبرقه لألاء ... على أن تجعله صلاء
стр. 312
وكذلك جميع ما في القرآن: ﴿أنشأناهن إنشاء﴾، ﴿وأنزلنا من السماء ماء﴾ كلُّ ذَلِكَ تَقِفُ بالمدّ بألفين، وعلى مذهبِ حمزة بألفٍ واحدةٍ، فأمّاَ إِذَا كانت الهمزةُ بالتأنيث فإنك تسقط الهمزة فِيْ الوقف فِيْ قراءة جميعِ الناس نحو ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِيْنَ﴾ تقف «بيضا»، و ﴿إنها بقرة صفراء فاقع﴾ «صفرا» «الأخلاء» تقف الأخلاء فتبقى ضمة فِيْ موضع الرفع، ولا يشم الفتح فِيْ النَّصب كقولك: هَذِهِ بيضاءُ، ولا تَقُولُ شربت بيضآ فأعرف ذَلِكَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَنْ أسْرِ بِعِبَادِي﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٍ: «أنِ أسْرِ» بوصل الألفِ وكسرِ النُّون لالتقاءِ السَّاكنين.
وقرأ الباقون: «أَنْ أسْرِ» بقطعِ الألف وإسكان النُّون، وهما لغتان سرى وأسرى يَسري ويُسرى: إِذَا سارَ ليلًا، قَالَ الله تَعَالى: ﴿سُبْحانَ الذِيْ أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا﴾ حجّة لمن قطع. وقولهُ تَعَالى: ﴿واللَّيْلِ إذَا﴾ يَسْرِي حجَّة لمَن وَصَلَ، وَقَالَ:
سَرَى لَيلًا خَيالٌ من سُلَيمَى ... فَأرَّقَنِي وأَصْحَابِي هُجُوْعُ
وقولُه تَعَالى: ﴿إنْ هَذا إلَّا خُلُقُ الأَوَّلِيْنَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وَأَبُو عَمْرو والكِسَائِيُّ: «خَلْقُ الأَوَّلِيْنَ» بفتح الخاء جعلوه مصدرَ خَلَقَ خَلْقًا مثل كَذَبَ كَذْبًا واختَلَقَ اختِلَاقًا كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿إنْ هَذَا إلّا اختلاق﴾ تقول العرب: أخلق العربُ: أخلقَ الرَّجُلُ وكَذَبَ وبَشَكَ وابْتَشَكَ وسَرَجَ، ورجل كذاب وكاذب وكذوب وكيذبان وكذبذب وسراج ومَجَّاجٌ: إِذَا كان كذَّابًا، ويقال: كذبٌ حَنْبَرِيْتٌ: إِذَا كان خالصًا.
وقرأ الباقون: «إلَّا خُلُقُ الأَوَّلِيْنَ» فالخُلُقُ: العادةُ: أي: كان عادةَ مَنْ تَقَدَّمَ كَذَلِكَ. قَالَ الفَرَّاءُ قراءَتِي: «إلا خُلُقُ» بضمتين لأنَّ العرب تَقُولُ: حَدَّثَنَا فلانٌ بالخَلْقُ أو بالخرافات، والعربُ تَقُولُ: فلانٌ حسنُ الخُلُق وسيئ الخُلُق، فأمَّا قولُه تَعَالى لمحمَّدٍ ﷺ : ﴿وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فكان خلقه ﷺ القرآن.
قولُه تَعَالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبَال بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ وابنُ عامرٍ: «فَارِهِيْنَ» بألف من الفَراهة والحِذق فِيْ العَمل أي:
حاذِقين فارِهين.
стр. 313
وقرأ الباقون: «فَرِهِيِن» بغير ألفٍ أي: أشرين بطرين يقال: رجل فره أي: بر، ورجل فارةٌ: أي حاذقٌ، ورجل فاهر الهاء قبل الراء: إِذَا جامع جاريةً فإذا قارب الفَراغ تحوَّل إلى أخرى، والحاءُ من «تنْحِتُون» مكسورةٌ إلا الحَسَنَ فإنه قرأ:
«وتَنْحَتُونَ» بفتحِ الحاء لغتان يَنْحِتُ ويَنْحَتُ مثل: صَبَغَ يَصبِغُ ويَصْبَغُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَصْحَابُ الأَيكَةِ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وابنُ عامر: «لَيكَةَ» بفتح اللام والهاء بغيرِ ألفٍ، وكذلك فِيْ «صَ» اتَّبعوا المُصحف، ولأنهم جعلوا «لَيكَة» اسمُ موضعٍ بعينه فلم يَصرفوها للتأنيث والتعريف، وتجمع «لَيكة» لَيْكًا مثل بَيْضةٍ وبَيْضٍ. هذا قول، والأجود أن يجعل «ليكة» مخفَّفا من الأَيْكَةِ، فنقلوا فتحة الهمزة إلى اللام وأسقطوا كَمَا تَقُولُ: هذا زَيْد الأحمرُ، ثُمَّ يُخفف فتقول: هذا زيدٌ اَلَأحْمَر فكذلك أصحاب الأيْكَهِ. وكذلك قرأها ورشٌ أعني فِيْ «الحجر» «وأصحابُ الَيْكَةِ» ثلاثُ لُغَاتٍ فاعرف ذَلِكَ.
وقرأ الباقون جميعَ ما فِيْ القرآن: «وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ» بالهمز وكسرِ الهاء.
والأيْكَةُ فِيْ اللُّغة: أرضٌ ذاتُ شَجَرٍ ملتَفٍّ كثيرٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوْحُ الأمِيْنُ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وَأَبُو عَمْروٍٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصمٍ «نَزَلَ» خَفِيْفًا.
وقرأ الباقون: «نَزَّلَ» مشدَّدًا. فمن شدَّد قَالَ: شاهدُه: ﴿فإنَّه نزَّلهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإذْن اللهِ﴾. ولم يقل: نَزَل، وشاهده أيضًا قوله: ﴿وإنَّه لَتَنْزِيْلُ رَبِّ العَالَمِيْنَ﴾.
وتنزيل مَصدرُ نَزَّل بالتَّشديِد.
وحجَّةُ مَنْ خفَّفَ قَالَ: تنزيل فعل الله تَعَالى، وهذا فعلٌ لجبريل ﵇، فيقال: نزَّل لله جبريل ونزل جبريل. وأمَّا قوله: ﴿فَإنَّه نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ بالتَّشديد ولم يَقُل نَزَلَهُ فإنه من أجل حذف الباء، لأنَّك تَقُولُ: نَزَلْتُ بِهِ وأَنْزَلْتُه كَمَا تَقُولُ كرمت بِهِ وكرَّمته، وكلتا القراءتين حَسَنَةٌ والحمدُ لله. من شدَّد نصب الروحَ أي: نَزَّلَ اللهُ الرُّوْحَ وهو جبريل، ومن خفَّف رفع الروح جعل الفعل له.
وقوله تعالى: ﴿أولم يَكُنْ لَهُمْ آيَةً﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ وحده «أو لم تكن» بالتاء «لهم ءاية» بالرَّفع جعلها اسم تكونُ وخبرُ يكون «أَنْ يَعْلَمَهُ» لأن أن مَعَ الفعل مصدر، والتَّقدير: أو لم يكن لهم آية علمه بني
стр. 314
إسرائيل، ومعناه: أو لم يكن آية مُعجزة ودلالة ظاهرة عَلَى بني إسرائيل بمحمَّدٍ ﷺ فِيْ الكُتُب إلى الأنبياء قبله أَنَّهُ نَبِيٌّ، وأن هذا القُرآن من عندِ الله ، ولكنه لَمَّا ﴿جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ عَلَى بَصيرةٍ ليكون أوكد فِيْ الحجة عليهم.
وقرأ الباقون: «أَوَ لم يكن» بالياء «ءاية» بالنَّصب خبر كان واسم كان «أَنْ يَعْلَمَهُ» وهو الاختيار لأن «ءاية» نكرةٌ و «أن يعلمه» معرفةٌ، وإذا اجتمعت معرفة ونكرة اختير أن يجعل المعرفة اسمَ كان والنكرة خبره. وسيبويه لا يجوز ذَلِكَ إلا فِيْ ضرورة شاعر نحو قول حسان:
كأنَّ سُلَافَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسِ ... يَكُوْنُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ
قوله: «من بَيْتِ رَأْسٍ» أي: من بيتِ رئيسٍ تُسمى العَرَبُ السَّيدُ رأسًا، قَالَ عَمْرٌو:
بِرَأْسٍ مِنْ بَنِيْ جُشَمٍ بنِ بَكْرٍ
و«بيتُ رأسٍ» موضعٌ بالشَّامِ تتخذ فيه الخمر.
قرأ نافع وابن عامر: «فَتَوَكَّلْ» بالفاء وكذلك فِيْ مصاحف أهل المدينة والشَّام.
وقرأ الباقون: «وتوكل» بالواو، وكذلك فِيْ مصاحفهم: والتُّوكُّلُ عَلَى الله هو:
أن يقطعَ العبدُ جميع آماله من المخلوقين إلا منه، فيرزقه الله من حيث لا يحتسب، ألم تسمع قوله: ﴿ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهْوَ حَسْبُهُ﴾. وقيل فِيْ قوله: ﴿اتقوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. قَالَ: هو أن نتوكَّل عَلَى الله ونُطيعه ولا نَعْصيه ونَذْكُرُه ولا نَنْساه ونَشكره ولا نَكفره. جاء فِيْ الحديث: «لو اتَّكَلْتُمْ عَلَى اللهِ حقَّ التَّوَكُّلِ لَغَرَّكُمْ كَمَا يَغِرُّ الطَّائِرُ فَرْخَهُ» أي لزقكم كَمَا يزقُ الطَّائر فرخه، وجاءَ فِيْ حديثٍ آخر: كَمَا يزق الطَّائِرُ بُجَّهُ»، والبُجُّ: الفَرْخُ، والبُجُّ: الشَقُّ، فأما البَجَّةُ فاسمُ صَنَمٍ قَالَ النَّبيُّ ﷺ : «أخرجوا صدقاتكم فإنَّ الله أراحكم من السَجَّة والبَجَّة».
وقولُه تَعَالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾.
قرأ نافع واحده: «يَتْبَعُهُمُ» مخففًا من تَبعَ يَتْبَعُ.
وقرأ الباقون: «يَتَّبِعُهُمْ» من اتَّبَعَ يتبعُ. فتَبعَ: سارَ فِيْ أثره واتَّبعه لَحِقَه ذُهُوْلًا.
والشُّعراء: هُمْ الكُفَّارُ الَّذِيْنَ كَاْنُوا يهجون رَسُول الله ﷺ -
стр. 315
ويقولون بالكذبِ الصُراح وما لا يَفعلون، والشَّيطان كان يقذف فِيْ لسانهم ويعينهم عَلَى قول الفُحشِ والهجاءِ، كَمَا أن المَلَكُ يعين شاعر رَسُول الله ومَنْ يُنافِحُ عَنْ دين الله ، ألم تَسمع قولَ رَسُولِ الله ﷺ : «اهجُهُم وجِبْرِيْلُ مَعَكَ»؟ فشعراءُ المسلمين خارجون من هَذِهِ الآية لقوله: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ وقد كان أَبُو بكرٍ شاعرًا وعمر شاعرًا وعلى أشعر الثلاثة. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الشعرُ كلامٌ منظومٌ بمنزلة المنثور من الكلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح، فإذا قَالَ الرجلُ شِعْرًا وفيه رَفَثٌ وفُحْشٌ سقطت عدالته وإذا قَالَ شعرًا فيه الغَزَل الذي لَيْسَ بمكروه أو مدح رجلًا قُبلت عدالته.
وفي هَذِهِ السُّورة من الياءات:
«إنيَ أخاف» أرسلها أهل الكوفة وابن عامر وفتحها الباقون.
«أن معيَ رَبِّي» فتحها حفصٌ عَنْ عاصمٍ وحده.
«عدوٌّ لي إلا» فتحها نافع وأبو عمرو وأسكنها الباقون. وكذلك «اغفر لأبِي إنَّه» وكذلك «إن أَجْرِيَ» فِيْ كل ما فِيْ السورة وحفص معهم، وفتح ابن كثير ونافع وَأَبُو عَمْرو «إنِّيَ أخاف» فِيْ ثلاثة مواضع من هَذِهِ السورة.
وأَرسلها الباقون.
стр. 316
ومن سورة النمل
قوله تَعَالى: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾.
قرأَ أهلُ الكوفةِ مُنوَّنًا.
وقرأ الباقون: غيرَ منونٍ.
فمَنْ نوَّنَ جَعَلَ قَبَسًا نعتًا للشهابِ، وشهاب قبس: شعلةُ قبسٍ قَالَ الشَّاعِرُ:
فِيْ كَفِّهِ صَعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ ... فِيْهَا سِنَانٌ كَشُعْلَةِ القَبَسِ
وكلُّ أبيض يُورى فهو شِهَابٌ، وجمعه شُهُبٌ، والأشهب من الألوان: بياضٌ يخلطه سوادٌ. ويقال: سَنَةٌ شهباء وكَحلاء وحَمراء إِذَا كانت جَدبةً.
وقرأ الباقون: «بِشِهْابِ قَبَسٍ» مضافًا فيكون عَلَى ضربين: بشهاب من قبس، أو يكون قد أضافَ الشَّيءَ إلى نَفْسِهِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿هُدْى وبُشْرَى لِلْمُؤْمِنينَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وعاصمٌ وابنُ عامرٍ: «بُشْرَى» بلا إمالة عَلَى الَأصلِ.
وقرأ الباقون بالإمالة. وموضعُ «هُدًى وبُشْرَى» نصبٌ عَلَى الحالِ، تلك آيات القرآن هاديةً ومبشرةً.
قَالَ النَّحويون جميعًا: ويجوزُ أن يكونَ رفعًا عَلَى الابتداء، وخبرًا لابتداء أو تجعله خبرًا بعدَ خبرٍ، تلك آياتٌ تلك هُدًى وبشرى.
قوله تعالى: ﴿رآها تهتز﴾.
قرأ أبو عمرو بفتح التاء وكسر الهمزة. وإنما أمال من أجلِ الياء.
وقرأ أهل الكوفة إلا حفصا: «رءاها» بكسرِ الراءِ والهَمزة أمالوا الهمزةَ من أجلِ الياء، وأمالوا الرضاء لمجاورة الهمزة. وهذا يسمى إمالة كَمَا يقال فِيْ رمى رمى.
وقولُه تَعَالى: ﴿ما لي لَا أَرَى الهُدْهُدَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ - برواية البزي - وابنُ عامرٍ - من روايةِ هشام - وعاصمً والكسائي بفتح الياء هاهنا وفي «يس».
وقرأ نافعٌ وَأَبُو عَمْرٍو بإسكان الياء هاهنا وفتحها هناك.
وأسكنها الباقون.
стр. 317
فمن أسكنها ذهب إلى التَّخفيف، ومن فَتَحَ فعلى أصلِ الكلمةِ، لأنَّ الياءَ اسمٌ مكني، وكلُّ مكني فإنه يُبنى عَلَى حركةٍ نحو الكاف فِيْ كَذَلِكَ، والتاء فِيْ قمت وذهب، وإنَّما السُّؤال فِيْ قراءة أبي عَمْرٍو لِمَ فتحَ حرفًا وأسكن آخر وهما سيَّان؟
ففي ذَلِكَ ثلاثةُ أجوبةٍ:
قَالَ أَبُو عَمْرٍو: إنَّمَا فرَّقتُ بينهما؛ لأنَّ الذي فِيْ النَّمل استفهام، والذي فِيْ يس انتفاء، ولم يذكر لم وجب أن يكون كَذَلِكَ.
وَقَالَ آخرون: جَمَعَ بين اللُّغتين ليُعلم أنَّهما جائزتان.
والقولُ الثالثُ: أن «ما لي لَا أَرَىَ الهُدْهُدَ» استفهام، يصلح الوقف عَلَى ما لي وما لك، فإذا وقفت سكنت الياء «وما لي لَا أَعْبَدُ» بني الكلام فيه عَلَى الوصل فحرك الياء إِذَا لم ينو الوقف.
وقيل لابن عَبَّاس: لم تَفَقَّدَ سليمانُ الهُدهدَ من بني الطير؟
فَقَالَ: لأنَّه كان قُناقنًا، أي: يعرف مواضع المياه. تَقُولُ العرب للذي يحفر الآبار: رجل قنقن وقناقن. وإنَّما رَفَعَ اللهُ العَذَابَ عن الهُدْهد لبرِّه بأبَوَيْه.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَوْ لَيَأَتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾.
قرأ ابن كثير: «أو ليأتينَّنِي» بنونين، الأولى مشدَّدةٌ نونُ التَّوكيد، والثَّانيةُ مَعَ الياءِ اسمُ المتكلم.
وقرأ الباقون: «أو لَيَأْتِيَنِّي» بنونٍ واحدةٍ كرهوا الجمعَ بين ثلاثِ نوناتٍ فخَزَلُوا واحدةً كَمَا قَالَ: ﴿إنَّا أَعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ والأصلُ: إنَّنا. ومعنى «بِسُلْطَانٍ مُبِيْنٍ» أي: بحجَّةٍ بيِّنةٍ. وكلُّ سلطانٍ فِيْ القرآن فهو حجَّةٌ.
حَدَّثَنَا ابنُ مجاهدٍ عَنْ السِّمَّرِيِّ، عَنْ الفَرَّاءِ، قَالَ: السُّلطانُ: الخليفةُ يُذَكَّرُ ويؤنَّثُ، يُقال: قَضَتْ بِهِ عليك السَّلطان وقضى.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيْدٍ﴾.
قرأ عاصمٌ وحده: «فمكث» بالفتح.
وقرأ الباقون: «فمكث» بالضم، وهما لغتان مَكَثَ ومَكُثَ وحَمَضَ وحَمُضَ وكَمَلَ وكَمُلَ فهو ماكثٌ وحامضٌ وكاملٌ. والاختيار فَعَلَ بالفتح؛ لأنَّ فَعُلَ بالضَمِّ أكثرُ ما يأتي الاسم عَلَى فَعِيْل نحو ظَرُفَ وكَرْمَ فهو ظريف وكريم، وقد حكي لغةٌ ثالثةٌ فِيْ
стр. 318
كَمُلَ بالكسر وكُّل ذات صوابٌ. ومعنى ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍْ﴾ أي: غيرَ طويلٍ.
والبَعِيْدُ والطَّوِيْلُ بمعنًى.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾.
روى عَبْدٌ عَنْ أبي عَمْرٍو: «لَاْ يَحْطِمَنْكُمْ» بتخفيف النون وإسكانها جعلها نون التَّأكيد خفيفةً مثل اِضْرِبَنْ واذْهَبَنْ.
والباقون يشدِّدون، وهو أبلغُ فِيْ التأكيد. والعرب تَقُولُ: اضرب يا فتى فإذا كثر قالوا: اضربَنْ فإذا زادوا عَلَى التأكيد تأكيدًا قالوا: إضربَنَّ بالتَّشديد. ومثله «وَلَا يَغُرَنَّكُمْ بالله الغرور» و «ولا يَغُرَّنْكُمْ» وأَصل الحَطْمِ: الكَسْرُ يقال: حَطَمَ يَحْطِمُ وحَطَمَ يَحْطُمُ، وفلانٌ حَطَّمَتْهُ السِنُّ.
وقولُه تَعَالى: ﴿من سبإ بنبإ يقين﴾.
فيه ثلاث قراءات:
قرأ أَبُو عَمْرٍو وابنُ كثيرٍ: «مِنْ سَبَأَ» غيرَ منصرفٍ جعلاهُ اسم أرضٍ، أَبُو بلدةٍ، أو امرأةٍ. قَالَ الفَرَّاءُ: سُئِلَ أَبُو عمرٍو لِمَ لَمْ تَصرف سبأ؟ فَقَالَ: لأنِّي لا أعرفه. فقال الفراء: وقد جرى؛ لأن العربَ إِذَا لم تَعْرِفْ الاسم تَرَكَتْ صَرْفَهُ.
وقرأ الباقون: «من سبأٍ» مصروفًا، وكذلك اختلافهم فِيْ سورة سبأ، أَنشدَ ابنُ عَرَفَةَ - حجَّةً لمَنْ صَرَفَ -:
الوَارِدُوْنَ وَثَيْمٌ فِيْ ذُرى سَبَأٍ ... قَدْ عَضَّ أَعْنَاقُهُمْ جِلْدُ الجَوَامِيْسِ
والقراءةُ الثانيةُ: ما قرأت على ابن مجاهد عن قنبل، عَنْ ابن كثيرٍ «سَبَأْ بنبأٍ يَقِيْنٍ» ساكنةَ الهمزةِ، وإنما أسكَنه لأنَّ الاسمَ مؤنثٌ وهو ثقيلٌ والهمزةُ ثقيلةٌ فلما اجتمع ثقيلان أسكن الهمزة تخفيفا. ومثله «فتوبوا إلى بارئكم» قراءة أبي عَمْرٍو «ومَكْرُ السَّيءْ وَلَا يَحِيْقُ» كذلك قرأها حمزة.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُواْ لله﴾.
قرأ الكِسَائِيُّ بتخفيف ألا جعله تنبيها وقف. ألا يا زَيْد، ألا يا هَؤُلَاءِ اسجُدوا، تقولُ العربُ: ألا يرحمونا، يريدون: ألا يا هَؤُلَاءِ ارحمونا. وإنما اختارَ الكسائيُّ التَّخفِيْفَ ولفظَ الأمرِ، لأنَّها سَجْدَةٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا يَا اسلمي يا دارمي عَلَى البَلَا ... ولا زَاْلَ مُنْهَلًّا بِجَرْعَائِكِ القطْرُ
стр. 319
وقال آخر:
ألا يا اسلمي يَا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي بَدْرِ ... وإنْ كانَ حيانا عدى آخر الدهر
يريد: ألا يا هَذِهِ اسلمي، واحتجَّ الكسائيّ بما حدثني ابن مجاهد عن السمري، عن الفَرَّاء، قَالَ: فِيْ حرفِ عبدِ الله: «هَلَّا يسجدون» ف «هلا» تحضيض من السُّجودِ. وفي حرف أُبيّ: «ألا تَسجدون للذي يَعْلمُ سرَّكُم وجَهْرَكُمْ» وفي مصحفنا: «الذي يُخرجُ الخَبْءَ فِيْ السَّمَاوَاتِ» المَطَرُ. وفي الأرضِ: النَّباتُ.
وقرأ الباقون: «ألَّا يَسْجُدُوا» ف «يَسْجُدُوا» نصبٌ ب «أن» وعلامة النَّصب حذف النًُّون. وتلخيصه: وزين لهم ألَّا يَسْجُدُوا. فمن قرأ بهذه القراءة لَزِمَه أن لا يَسجد فِيْ هَذِهِ الآية، سَمعتُ ابنَ مجاهدٍ يَقُولُ ذَلِكَ، وكذلك قَالَ غيره من العُلماء، لأنَّه خبرٌ لا أَمرٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَعْلمُ ما تُخْفُوْنَ وَمَا تُعْلِنُوْن﴾.
قرأ الكسائيُّ وحفصٌ عَنْ عاصمٍ بالتاء أي: قُل لهم يا مُحَمَّد. والله تَعَالى يعلم السِّرَّ وأَخفى. قِيلَ: وأَخفى أي: ما حدَّثت بها أَنفسها. والسِرُّ: ما تُخفيه عَنْ المخلوقين.
وقرأ الباقون بالياءِ، ومعناه: الله يعلم ما يُسر ويُعلن هَؤُلَاءِ الكَفَرَة؛ لأنَّهم كانُوا يزنون فِيْ السِّرِّ، ولا يَزنون فِيْ العَلانِيَةِ، يتوهمون أنَّهم لا يُطالبون بذلك، وكانُوا يخفون عَنْ المَخلوقين ولا يَستحيون من الله، فأعلمهم الله تَعَالى أَنَّهُ يطالبهم ويعذِّبهم عَلَى السِرّ والجَهْرِ، وأنَّه لا يَخْفَى عَلَيْهِ خافيةً، وَقَالَ: ﴿يَسْتَخْفُوْنَ مِنَ النَّاسِ وَلَاْ يَسْتَخْفُوْنَ مِنَ اللهِ» و ﴿إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿فأَلْقِهْ إِلَيهِمْ﴾.
أسكنَ الهاءَ حَمزةُ وعاصمٌ وَأَبُو عَمْرٍو.
وكسرَ الهاءَ من غير ياءٍ نافعٍ فِيْ رواية قالون.
وقرأ ابنُ كَثيرٍ والكِسَائِيُّ وورشٌ، عَنْ نافعٍ، «فَأَلْقِهِيْ إِلَيهِمْ» بياءٍ بعد الكسرة.
وقد ذكرت علة ذَلِكَ فِيْ آل عمران.
ومعنى «ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ» أي: اختفِ عَنْهُمْ، ثُمَّ انظر ماذَا يقولون.
وَقَالَ آخرون: معناه: التَّقديم والتَّأخير أي: فانظر ماذا يرجعون. ثُمَّ تَوَلّ عنهم.
стр. 320
وقولُه تَعَالى: ﴿أتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾.
قرأ حمزةُ: «أَتُمِدُّونِّي» بنون مشدَّدةٍ. وأَثبت اليَاءَ وَصَلَ أَوْ وَقَفَ.
والأَصلُ: «أَتُمِدُّوِْنَِنيْ»، النُّون الأول علامة الرّفعِ، والثانيةُ مَعَ الياءِ اسمُ المُتَكَلِّمِ.
ومعنى «أَتُمِدُّونَنِ» تَقُولُ العرب فِيْ الخير أَمْدَدْتُهُ وفي الشر مَدَدْتُهُ. قال الله تعالى:
﴿ويمدهم فِيْ طُغْيَانِهِمْ يَعْمهُوْنَ﴾.
وقرأ أَبُو عَمْرو والكِسَائِيُّ ونافع وابن كثير وابن عامر - برواية هشام - وأما هشام وابن كثير فأثبتاها فِيْ الحالين «أَتُمِدُّونَنِ» أظهروا ولم يدغموا غيرَ أنّهم يحذفون الياءَ من الوقفِ، لأنها لَيست ثابتةً فِيْ المصحف.
وقرأ الباقون: «أَتُمِدُّونَنِ» بنونين أيضًا، غير أنهم اجتزءوا بالكسرةِ عَنْ الياءِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَمَا آتَانِيَ الله خَيْرٌ﴾.
قرأ نَافعٌ وَأَبُو عَمرو وحفصٌ عن عاصم: «ءاتاني» بفتح الياء.
وقرأ الباقون: «ءاتان اللهُ» بغيرِ ياءٍِ إتباعًا للمُصحف.
والباقون أثبتوا وفَتَحُوا لئَلَّا تَسقطَ لالتقاءِ السَّاكنين أعنى: الياءَ واللَّامَ من اسمِ الله تَعَالى.
وكان الكِسَائِيُّ وحده يميل «ءاتاني الله» من أجل الياء «ءاتيك» الأَصلُ فِيهِ:
أَئْتِيْكَ به فَكَرِهُوا الجَمْعَ بين همزتين. الثَّانِيَةَ، و «ما» بمعنى الَّذِي وهو ابتداء، و «آتاني» صلةُ «ما»، «وخيرٌ»: خبرُ الابتداء، والتَّقدير: والذي آتاني اللَّه خيرٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ﴾.
قرأها حمزةُ بالِإمالة «ءاتيك».
والباقون يفخمون.
فإن سألَ سائِلٌ قوله: «فَمَا آتاني اللَّه» مددته لأنّه من الإعطاء.
فلم مَدَدْتَ «أنا ءاتيك بِهِ» وهو من المَجِيْءِ أي: أَنَا أجيئك بِهِ؟
فالجوابُ فِي ذلك: أنَّ المَقصورَ فِي الماضي من المَجِيْءِ، تَقُولُ: أتى زيدٌ عَمْرًا، وأَتَيْتُ زيدًا، فإذا رددت الماضي إلى المستقبل زادت على الهمزةِ همزةً، الأولى علامة استقبال، والثانية فاء الفعل، فصيرت الثانية مدة، فلذلك صارت ممدودًا «أَنَا آتيك بِهِ» وكذلك تَقُولُ: «قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إليك طَرْفُكَ» يعني: مدى ما ينظر الرَّجُلُ أمامه،