Полный текст (555 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ومن سورة النمل
قوله تَعَالى: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾.
قرأَ أهلُ الكوفةِ مُنوَّنًا.
وقرأ الباقون: غيرَ منونٍ.
فمَنْ نوَّنَ جَعَلَ قَبَسًا نعتًا للشهابِ، وشهاب قبس: شعلةُ قبسٍ قَالَ الشَّاعِرُ:
فِيْ كَفِّهِ صَعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ ... فِيْهَا سِنَانٌ كَشُعْلَةِ القَبَسِ
وكلُّ أبيض يُورى فهو شِهَابٌ، وجمعه شُهُبٌ، والأشهب من الألوان: بياضٌ يخلطه سوادٌ. ويقال: سَنَةٌ شهباء وكَحلاء وحَمراء إِذَا كانت جَدبةً.
وقرأ الباقون: «بِشِهْابِ قَبَسٍ» مضافًا فيكون عَلَى ضربين: بشهاب من قبس، أو يكون قد أضافَ الشَّيءَ إلى نَفْسِهِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿هُدْى وبُشْرَى لِلْمُؤْمِنينَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وعاصمٌ وابنُ عامرٍ: «بُشْرَى» بلا إمالة عَلَى الَأصلِ.
وقرأ الباقون بالإمالة. وموضعُ «هُدًى وبُشْرَى» نصبٌ عَلَى الحالِ، تلك آيات القرآن هاديةً ومبشرةً.
قَالَ النَّحويون جميعًا: ويجوزُ أن يكونَ رفعًا عَلَى الابتداء، وخبرًا لابتداء أو تجعله خبرًا بعدَ خبرٍ، تلك آياتٌ تلك هُدًى وبشرى.
قوله تعالى: ﴿رآها تهتز﴾.
قرأ أبو عمرو بفتح التاء وكسر الهمزة. وإنما أمال من أجلِ الياء.
وقرأ أهل الكوفة إلا حفصا: «رءاها» بكسرِ الراءِ والهَمزة أمالوا الهمزةَ من أجلِ الياء، وأمالوا الرضاء لمجاورة الهمزة. وهذا يسمى إمالة كَمَا يقال فِيْ رمى رمى.
وقولُه تَعَالى: ﴿ما لي لَا أَرَى الهُدْهُدَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ - برواية البزي - وابنُ عامرٍ - من روايةِ هشام - وعاصمً والكسائي بفتح الياء هاهنا وفي «يس».
وقرأ نافعٌ وَأَبُو عَمْرٍو بإسكان الياء هاهنا وفتحها هناك.
وأسكنها الباقون.
стр. 317
فمن أسكنها ذهب إلى التَّخفيف، ومن فَتَحَ فعلى أصلِ الكلمةِ، لأنَّ الياءَ اسمٌ مكني، وكلُّ مكني فإنه يُبنى عَلَى حركةٍ نحو الكاف فِيْ كَذَلِكَ، والتاء فِيْ قمت وذهب، وإنَّما السُّؤال فِيْ قراءة أبي عَمْرٍو لِمَ فتحَ حرفًا وأسكن آخر وهما سيَّان؟
ففي ذَلِكَ ثلاثةُ أجوبةٍ:
قَالَ أَبُو عَمْرٍو: إنَّمَا فرَّقتُ بينهما؛ لأنَّ الذي فِيْ النَّمل استفهام، والذي فِيْ يس انتفاء، ولم يذكر لم وجب أن يكون كَذَلِكَ.
وَقَالَ آخرون: جَمَعَ بين اللُّغتين ليُعلم أنَّهما جائزتان.
والقولُ الثالثُ: أن «ما لي لَا أَرَىَ الهُدْهُدَ» استفهام، يصلح الوقف عَلَى ما لي وما لك، فإذا وقفت سكنت الياء «وما لي لَا أَعْبَدُ» بني الكلام فيه عَلَى الوصل فحرك الياء إِذَا لم ينو الوقف.
وقيل لابن عَبَّاس: لم تَفَقَّدَ سليمانُ الهُدهدَ من بني الطير؟
فَقَالَ: لأنَّه كان قُناقنًا، أي: يعرف مواضع المياه. تَقُولُ العرب للذي يحفر الآبار: رجل قنقن وقناقن. وإنَّما رَفَعَ اللهُ العَذَابَ عن الهُدْهد لبرِّه بأبَوَيْه.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَوْ لَيَأَتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾.
قرأ ابن كثير: «أو ليأتينَّنِي» بنونين، الأولى مشدَّدةٌ نونُ التَّوكيد، والثَّانيةُ مَعَ الياءِ اسمُ المتكلم.
وقرأ الباقون: «أو لَيَأْتِيَنِّي» بنونٍ واحدةٍ كرهوا الجمعَ بين ثلاثِ نوناتٍ فخَزَلُوا واحدةً كَمَا قَالَ: ﴿إنَّا أَعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ والأصلُ: إنَّنا. ومعنى «بِسُلْطَانٍ مُبِيْنٍ» أي: بحجَّةٍ بيِّنةٍ. وكلُّ سلطانٍ فِيْ القرآن فهو حجَّةٌ.
حَدَّثَنَا ابنُ مجاهدٍ عَنْ السِّمَّرِيِّ، عَنْ الفَرَّاءِ، قَالَ: السُّلطانُ: الخليفةُ يُذَكَّرُ ويؤنَّثُ، يُقال: قَضَتْ بِهِ عليك السَّلطان وقضى.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيْدٍ﴾.
قرأ عاصمٌ وحده: «فمكث» بالفتح.
وقرأ الباقون: «فمكث» بالضم، وهما لغتان مَكَثَ ومَكُثَ وحَمَضَ وحَمُضَ وكَمَلَ وكَمُلَ فهو ماكثٌ وحامضٌ وكاملٌ. والاختيار فَعَلَ بالفتح؛ لأنَّ فَعُلَ بالضَمِّ أكثرُ ما يأتي الاسم عَلَى فَعِيْل نحو ظَرُفَ وكَرْمَ فهو ظريف وكريم، وقد حكي لغةٌ ثالثةٌ فِيْ
стр. 318
كَمُلَ بالكسر وكُّل ذات صوابٌ. ومعنى ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍْ﴾ أي: غيرَ طويلٍ.
والبَعِيْدُ والطَّوِيْلُ بمعنًى.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾.
روى عَبْدٌ عَنْ أبي عَمْرٍو: «لَاْ يَحْطِمَنْكُمْ» بتخفيف النون وإسكانها جعلها نون التَّأكيد خفيفةً مثل اِضْرِبَنْ واذْهَبَنْ.
والباقون يشدِّدون، وهو أبلغُ فِيْ التأكيد. والعرب تَقُولُ: اضرب يا فتى فإذا كثر قالوا: اضربَنْ فإذا زادوا عَلَى التأكيد تأكيدًا قالوا: إضربَنَّ بالتَّشديد. ومثله «وَلَا يَغُرَنَّكُمْ بالله الغرور» و «ولا يَغُرَّنْكُمْ» وأَصل الحَطْمِ: الكَسْرُ يقال: حَطَمَ يَحْطِمُ وحَطَمَ يَحْطُمُ، وفلانٌ حَطَّمَتْهُ السِنُّ.
وقولُه تَعَالى: ﴿من سبإ بنبإ يقين﴾.
فيه ثلاث قراءات:
قرأ أَبُو عَمْرٍو وابنُ كثيرٍ: «مِنْ سَبَأَ» غيرَ منصرفٍ جعلاهُ اسم أرضٍ، أَبُو بلدةٍ، أو امرأةٍ. قَالَ الفَرَّاءُ: سُئِلَ أَبُو عمرٍو لِمَ لَمْ تَصرف سبأ؟ فَقَالَ: لأنِّي لا أعرفه. فقال الفراء: وقد جرى؛ لأن العربَ إِذَا لم تَعْرِفْ الاسم تَرَكَتْ صَرْفَهُ.
وقرأ الباقون: «من سبأٍ» مصروفًا، وكذلك اختلافهم فِيْ سورة سبأ، أَنشدَ ابنُ عَرَفَةَ - حجَّةً لمَنْ صَرَفَ -:
الوَارِدُوْنَ وَثَيْمٌ فِيْ ذُرى سَبَأٍ ... قَدْ عَضَّ أَعْنَاقُهُمْ جِلْدُ الجَوَامِيْسِ
والقراءةُ الثانيةُ: ما قرأت على ابن مجاهد عن قنبل، عَنْ ابن كثيرٍ «سَبَأْ بنبأٍ يَقِيْنٍ» ساكنةَ الهمزةِ، وإنما أسكَنه لأنَّ الاسمَ مؤنثٌ وهو ثقيلٌ والهمزةُ ثقيلةٌ فلما اجتمع ثقيلان أسكن الهمزة تخفيفا. ومثله «فتوبوا إلى بارئكم» قراءة أبي عَمْرٍو «ومَكْرُ السَّيءْ وَلَا يَحِيْقُ» كذلك قرأها حمزة.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُواْ لله﴾.
قرأ الكِسَائِيُّ بتخفيف ألا جعله تنبيها وقف. ألا يا زَيْد، ألا يا هَؤُلَاءِ اسجُدوا، تقولُ العربُ: ألا يرحمونا، يريدون: ألا يا هَؤُلَاءِ ارحمونا. وإنما اختارَ الكسائيُّ التَّخفِيْفَ ولفظَ الأمرِ، لأنَّها سَجْدَةٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا يَا اسلمي يا دارمي عَلَى البَلَا ... ولا زَاْلَ مُنْهَلًّا بِجَرْعَائِكِ القطْرُ
стр. 319
وقال آخر:
ألا يا اسلمي يَا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي بَدْرِ ... وإنْ كانَ حيانا عدى آخر الدهر
يريد: ألا يا هَذِهِ اسلمي، واحتجَّ الكسائيّ بما حدثني ابن مجاهد عن السمري، عن الفَرَّاء، قَالَ: فِيْ حرفِ عبدِ الله: «هَلَّا يسجدون» ف «هلا» تحضيض من السُّجودِ. وفي حرف أُبيّ: «ألا تَسجدون للذي يَعْلمُ سرَّكُم وجَهْرَكُمْ» وفي مصحفنا: «الذي يُخرجُ الخَبْءَ فِيْ السَّمَاوَاتِ» المَطَرُ. وفي الأرضِ: النَّباتُ.
وقرأ الباقون: «ألَّا يَسْجُدُوا» ف «يَسْجُدُوا» نصبٌ ب «أن» وعلامة النَّصب حذف النًُّون. وتلخيصه: وزين لهم ألَّا يَسْجُدُوا. فمن قرأ بهذه القراءة لَزِمَه أن لا يَسجد فِيْ هَذِهِ الآية، سَمعتُ ابنَ مجاهدٍ يَقُولُ ذَلِكَ، وكذلك قَالَ غيره من العُلماء، لأنَّه خبرٌ لا أَمرٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَعْلمُ ما تُخْفُوْنَ وَمَا تُعْلِنُوْن﴾.
قرأ الكسائيُّ وحفصٌ عَنْ عاصمٍ بالتاء أي: قُل لهم يا مُحَمَّد. والله تَعَالى يعلم السِّرَّ وأَخفى. قِيلَ: وأَخفى أي: ما حدَّثت بها أَنفسها. والسِرُّ: ما تُخفيه عَنْ المخلوقين.
وقرأ الباقون بالياءِ، ومعناه: الله يعلم ما يُسر ويُعلن هَؤُلَاءِ الكَفَرَة؛ لأنَّهم كانُوا يزنون فِيْ السِّرِّ، ولا يَزنون فِيْ العَلانِيَةِ، يتوهمون أنَّهم لا يُطالبون بذلك، وكانُوا يخفون عَنْ المَخلوقين ولا يَستحيون من الله، فأعلمهم الله تَعَالى أَنَّهُ يطالبهم ويعذِّبهم عَلَى السِرّ والجَهْرِ، وأنَّه لا يَخْفَى عَلَيْهِ خافيةً، وَقَالَ: ﴿يَسْتَخْفُوْنَ مِنَ النَّاسِ وَلَاْ يَسْتَخْفُوْنَ مِنَ اللهِ» و ﴿إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿فأَلْقِهْ إِلَيهِمْ﴾.
أسكنَ الهاءَ حَمزةُ وعاصمٌ وَأَبُو عَمْرٍو.
وكسرَ الهاءَ من غير ياءٍ نافعٍ فِيْ رواية قالون.
وقرأ ابنُ كَثيرٍ والكِسَائِيُّ وورشٌ، عَنْ نافعٍ، «فَأَلْقِهِيْ إِلَيهِمْ» بياءٍ بعد الكسرة.
وقد ذكرت علة ذَلِكَ فِيْ آل عمران.
ومعنى «ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ» أي: اختفِ عَنْهُمْ، ثُمَّ انظر ماذَا يقولون.
وَقَالَ آخرون: معناه: التَّقديم والتَّأخير أي: فانظر ماذا يرجعون. ثُمَّ تَوَلّ عنهم.
стр. 320
وقولُه تَعَالى: ﴿أتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾.
قرأ حمزةُ: «أَتُمِدُّونِّي» بنون مشدَّدةٍ. وأَثبت اليَاءَ وَصَلَ أَوْ وَقَفَ.
والأَصلُ: «أَتُمِدُّوِْنَِنيْ»، النُّون الأول علامة الرّفعِ، والثانيةُ مَعَ الياءِ اسمُ المُتَكَلِّمِ.
ومعنى «أَتُمِدُّونَنِ» تَقُولُ العرب فِيْ الخير أَمْدَدْتُهُ وفي الشر مَدَدْتُهُ. قال الله تعالى:
﴿ويمدهم فِيْ طُغْيَانِهِمْ يَعْمهُوْنَ﴾.
وقرأ أَبُو عَمْرو والكِسَائِيُّ ونافع وابن كثير وابن عامر - برواية هشام - وأما هشام وابن كثير فأثبتاها فِيْ الحالين «أَتُمِدُّونَنِ» أظهروا ولم يدغموا غيرَ أنّهم يحذفون الياءَ من الوقفِ، لأنها لَيست ثابتةً فِيْ المصحف.
وقرأ الباقون: «أَتُمِدُّونَنِ» بنونين أيضًا، غير أنهم اجتزءوا بالكسرةِ عَنْ الياءِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَمَا آتَانِيَ الله خَيْرٌ﴾.
قرأ نَافعٌ وَأَبُو عَمرو وحفصٌ عن عاصم: «ءاتاني» بفتح الياء.
وقرأ الباقون: «ءاتان اللهُ» بغيرِ ياءٍِ إتباعًا للمُصحف.
والباقون أثبتوا وفَتَحُوا لئَلَّا تَسقطَ لالتقاءِ السَّاكنين أعنى: الياءَ واللَّامَ من اسمِ الله تَعَالى.
وكان الكِسَائِيُّ وحده يميل «ءاتاني الله» من أجل الياء «ءاتيك» الأَصلُ فِيهِ:
أَئْتِيْكَ به فَكَرِهُوا الجَمْعَ بين همزتين. الثَّانِيَةَ، و «ما» بمعنى الَّذِي وهو ابتداء، و «آتاني» صلةُ «ما»، «وخيرٌ»: خبرُ الابتداء، والتَّقدير: والذي آتاني اللَّه خيرٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ﴾.
قرأها حمزةُ بالِإمالة «ءاتيك».
والباقون يفخمون.
فإن سألَ سائِلٌ قوله: «فَمَا آتاني اللَّه» مددته لأنّه من الإعطاء.
فلم مَدَدْتَ «أنا ءاتيك بِهِ» وهو من المَجِيْءِ أي: أَنَا أجيئك بِهِ؟
فالجوابُ فِي ذلك: أنَّ المَقصورَ فِي الماضي من المَجِيْءِ، تَقُولُ: أتى زيدٌ عَمْرًا، وأَتَيْتُ زيدًا، فإذا رددت الماضي إلى المستقبل زادت على الهمزةِ همزةً، الأولى علامة استقبال، والثانية فاء الفعل، فصيرت الثانية مدة، فلذلك صارت ممدودًا «أَنَا آتيك بِهِ» وكذلك تَقُولُ: «قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إليك طَرْفُكَ» يعني: مدى ما ينظر الرَّجُلُ أمامه،
стр. 321
و «قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَاْمِكَ» يعني: قبل أن تقومَ من مَجْلِسِ حُكْمِكَ.
وكان يجلس من صلاة الغداة إلى الظهر. و «الذي عنده علم من الكتاب»:
آصف بْن برخيا وكان عنده اسمُ اللَّه الأعظم «يا حي يا قيوم يا ذَا الجَلَالِ والِإكْرَامِ».
وقولُه تَعَالى: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ - برواية قنبل - بالهمز.
قرأ الباقون بترك الهمز. فقالَ قومٌ: هما لُغتان مثل الكأس.
وقال آخرون: ساق مثل باب. والأصل: سوق، فانقلبت الواوُ ألفًا، فلا يجوز همزهما. وهذا مما تغلط العربُ فِيهِ فتهمز ما لا يهمز تشبيها بما يهمز فكأس، ورأس، سواق وزنها واحدٌ، فَتُشَبِّهُ بعضًا ببعضٍ، أَلا ترى أنَّ العرب تَقُولُ: حلَّأتُ السَّويق والأصل: حَلَّيْتُ تشبيهًا بحلأت الْإِنْسَان عن الماء والإِبل. وجمع الساق فِي القلب أَسوق بغيرِ همزٍ، وإن شئت أسؤق بالهمز، لانضمام الواوِ، كما تقولُ: ثوبٌ وأثؤُبٌ ومثله: «وَإذا الرُّسُلُ أُقِتَتْ» والأصلُ: وُقِّتت، فصارت الواوُ همزةً لانضمامها.
ولابنِ كثيرٍ حُجَّةٌ أُخرى: وذَلك أنَّ العربَ تعمد إلى حرف المد واللين فيقلبون بعضا من بعض؛ لاشتراكهما في اللفظ، ويقلبونها همزةً، والهمز تُقلب حرفَ لينٍ، كان العجاج، من لغته أن يقول: جاء العألم، وأنشد:
بخندف هامة تُضَارِعُها نحو ... بِسِمْسِمٍ أَوْ عَنْ يَمِيْنِ سِمْسِمِ
وأمَّا قوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ﴾ فقرأها ابنُ كثير بالسوق مهموزًا أيضًا، فهذه الواو وإن كانت ساكنةً فإنه شبهها بيؤمنون، لأنَّهما فِي الهجاء واوٌ.
قال ابنُ مُجاهد: وهذا غَلَطٌ. والاختيارُ فِي قراءَةِ ابن كثيرٍ «طَفِقَ مَسْحًا بالسُّووقِ والأَعنَاقِ» على فُعُول فيجتمع واوان الأولى أصليةٌ عينُ الفعل، والثانيةُ مزيدةٌ ساكنةٌ، فانقلبت الأولى همزةً لانضمامها، كما تقول: خال بين الخئولة وغارت عينُه غوورًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿لنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُوْلَنَّ﴾.
قرأ حمزة والكِسَائِيّ بالتاءِ، ومعناه: تَقَاسَمُوا بالله قالُوا حلفوا لتُبيتنه وأهله.
ومعناه: أنهم تحالفوا ليقتلن صالحًا وأهله أي: قومه، ولنهلكنهم «ثُمَّ لَنَقُوْلَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ» أي: ما فَعَلْنَا ذلك. فذلك مكرهم فأرسل اللَّه عليهم صخرة فدمغَتْهُمْ فقال تَعَالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
стр. 322
وقرأ الباقون: «لنُبَيِّتَنَّهُ ... ثُمَّ لَنَقُوْلَنَّ» بالنون.
وفيها قراءة ثالثة: حدثني أحمد، عن علي، عن أبي عبيد أن حميدا قرأ:
«لنبيتنه .. ثُمَّ لَنَقُوْلَنَّ» بالياء جعل الإخبار عن غَيْبٍ. وهذه النُّون مشدَّدةٌ فِي يبيِّتنُ ويقولُن أسقطت الواو، والأصل ليبيِّتون، وليقولون، فسقطت الواو لالتقاء الساكنين.
ويقال: باتَ فلان يفعل كذا: إذا فعله ليلًا. وظلَّ فلانٌ يفعل كَذَا: إذا فعل نَهارًا.
ويٌُقال: طَرَقُهْم أتاهم لَيلًا، أَوَّبَهُمْ أتاهم نهارًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿مَاْ شَهِدْنَاْ مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾.
فِيهِ ثلاث قراءات:
قرأ عاصم - فِي رواية أَبِي بَكْر -: «مَهْلَك» بفتح اللام والميم.
وقرأ فِي رواية حفص: «مَهِلكَ» بكسر اللام وفتح الميم.
وقرأ الباقون: «مُهلَك» بضمّ الميم، وفتح اللام.
فمن ضمَّ جعله مصدرًا من أَهلك مُهلكًا، مثل: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ ومن كَسَرَ اللَّامَ أو فَتَحَها على قراءةِ عاصمٍ مصدرَ هَلَكَ ثلاثيًا لا رباعيًا. وقد أحكمتُ هذا فِي سورة «الكهف» ويقال: هَلَكَ زيدٌ، ماتَ، وهَلَكَ إذا وقع فِي بَلِيَّةٍ، وجمع هالك: هُلَّاك وهالكون، وأما قولهم فِي المثل: «هالك فِي الهوالك» فإن هذا جَرى كالمثل لا يٌقاس عليه، لأنَّ فواعل جمع لفاعِلَةٍ لا لفاعل وإنما جاءَ فارسٌ، وفوارس، لأنَّ الفروسية تكون فِي الرِّجال دون النّساء، فأَمِنُوا اللَّبسَ و ﴿رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ قال المُبَرِّدُ: كلُّ صفةٍ على فاعل نحو ضارب وجالس فإنه لا يجمعه على فواعل إلا نحو ضوارب، وجوالس فرقًا بين المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، تَقُولُ المؤنث: امْرَأَة صالحة، وضاربة، والجمع صوالح، وضوارب، وجوالس، قرأ طَلْحَةَ: «فالصَّوَالحْ، قَوَانتْ حوافظ للغيب» فأما قولُ الشّاعِرُ:
وإذَا الرِّجَالُ رَأَوا يَزِيْدَ رَأَيْتَهُمْ ... خَضُعَ الرِّقاب نَوَاكِسَ الأَبْصَارِ
فإنه اضطُرَّ إلى ذلك. ويُقالُ: تَهَالَك الرَّجل لِفُلانٍ: إذا تواضع له، وامرأةٌ هلوكٌ:
فاسدةٌ. ويُقال: اهتلك يَهْتَلِكُ: إذا اجتهد فِي الطّيران وغيره، قال: زُهير يَصِفُ صَقْرًا:
دونَ السَّماءِ وفوقَ الأَرضِ قَدْرُهُمَا ... عند الذنابى فلا فوت ولا درك
стр. 323
ينقد عندَ الذُّنَابَي لا صوتٌ وأزمَلَةٌ ... تكادُ تخطَفُهُ طورًا وتَهْتَلِكُ
وقولُه تَعَالى: ﴿أنَّا دَمَّرنَاهُمْ﴾.
قرأ أهل الكوفِة: «أنًّا» بفتح الألف.
وقرأ الباقون: «إنَّا» بالكسرِ. فمَن كسر استأنف وابتدأ، ومن فَتَحَ جعله فِي موضعِ نَصبٍ على تقديرٍ: فانظر كيف كان عاقبة مكرهم بأنَّا دمَّرناهم، فلما سقطت الباء حكمت عليها بالنَّصب فِي قول النَّحويين إلا الكِسَائِيّ، فإنه يَجعل موضِعه خفضًا مع سقوطِ الباءِ.
وقال آخرون: مَن فَتح «أنَّا» جعل «أنَّا» مع ما بعدها فِي موضع اسم، وجعله خبر «كان»، وتلخيصه: فانظر كيف كان عاقبة مكرهم التَّدمير.
وقولُه تعالى: ﴿أإنكم لَتَأْتُوْنَ﴾ الفَاحشةَ.
قرأ ابنُ كثيرٍ: «أَيِنَّكم» بياء بعد الهمزة.
وقرأ نافعٌ وأبو عَمْرٍو: «آينكم» ممدودا.
وقرأ الباقون: «أإنكم» بهمزتين. وقد أحكمنا علته فيما سلف. ومعنى قوله:
﴿لَتأتُونَ الفَاحِشَةَ﴾: اللِّواط وما كان يعرف هذا الفعل قبلَ قومِ لوطٍ، قولُه تَعَالى: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا من أَحَدٍ مِنَ العَالَمِين﴾ فأنذرهم لَوْطٌ ﵇ عذابَ اللَّه. فلم يرعووا حَتَّى أرسل اللَّه تَعَالى نقمته وأهلكهم. واللواط كالزِّنا سواءً، يحدُّ فاعله. وقد حرَّق أَبُو بَكْر رحمةُ اللَّه عَلَيْهِ رجلًا لُوطِيًا بالنَّارِ. وكذلك عليٌّ ﵁ هَدَمَ على لُوطِيٍّ حائطًا. والعربُ تَقُولُ: هذا أليط بقلبي بالياء، وأصله الواو، لئلا يلتبس بألوط من الِّلوَاطِ عَلَى أَنَّهُ قد جاء فِي الحديث: «الوَلَدُ أَلْوَطُ بالقَلْبِ» أي: أَلْصَقُ بالقَلْبِ من غيره. ويقال: لاطَ زيدٌ حَوْضَه يَلُوْطُ: إذا أصلحه بالمُدر لئلا يخرج الماء. والفاحشة فِي غير هذا الموضع الَّذِي قال اللَّه تعالى: ﴿واللاتي يَأْتِيْنَ الفَاحِشَةَ﴾. الزِّنا وسَمِعْتُ بعضَ النَّحويين، يَقُولُ: اللُّوطِيُّ هذا المَفعول بِهِ، لأنَّه يلصق فِي الأرض، وسُمي الفاعل أيضًا للصوقه بالمفعول بِهِ، لأنَّه يلصق فِي الأرض، وسُمي الفاعل أيضًا للصوقه بالمفعول وفي جزءٍ آخر يقتل الفاعل والمفعول. وكذلك من أَتى بهيمةً حُدَّ وذُبحت البهيمة؛ لأنَّ بني فَزارة خاصةً كانوا يأتون النُّوق، فولدت مرةً ناقةٌ بإنسانٍ، فقال شاعِرُهُم:
стр. 324
خذ بيدي خذ بيدان ... إنَّ بني فَزارة بن بيان
قد وَلَدَتْ ناقتهم بإنسان ... مُشنَّأ أعجب بخَلْق الرَّحمن
وقال آخر يهجو بني فزارة:
لا تَأْمَنَنَّ فَزَاْرِيًّا خَلَوْتَ بِهِ ... عَلَى قَلْوْصُكَ واكْتُبْهَا بأَسْيَارِ
معنى واكتبها، أي: اشُدد بها. يقال: كتبت القربة: إذا خَرزتها، ويقال: كتبتُ الكتابَ، أي: ضمَمْتُ الحروفُ بعضها إلى بعضٍ وجمعتُها تَشبيهًا بالخَرْزِ. وسُمِّيَتِ الكتيبةُ كتيبةً لاجتِمَاعها. قال ذو الرُّمة:
وَفْرَاءَ غُرْفِيَّةٍ أَثْأَى خَوَارِزْهَا ... مُشَلْشَلٌ ضيَّعَتْهُ بينَها الكنب
وقولُه تَعَالى: ﴿قَدَّرْناها مِنَ الغابِريْنَ﴾.
قرأ عاصمٌ فِي رواية أَبِي بكرٍ: «قَدَرْناهَا» مخففا كقوله: «فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُوْنَ﴾ «ولو كان» «قدَّرْنَاهَا» مُشدَّدًا لقال: «فنعم المُقَدِّرُوْنَ».
وقرأ الباقون مشدّدًا.
والعربُ تَقُولُ: قَدَرْتَ. وقَدَّرْتُ بمعنى التَّقدير. وقَدَرَ يَقْدُرُ وقدر يقدر مشددا، أو مخففًا بمعنى ضيَّق عَلَيْهِ من قوله: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ وقد قرأ «فقدَّر عَلَيْهِ رِزْقَهُ» بالتَّشديِد أَبُو جَعفر المَدَنِيُّ، وابنُ عامرٍ.
وقولُهُ تَعَالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّاَ يُشْرِكُوْنَ﴾.
قرأ عاصمٌ وأبو عَمْرٍو: «يُشركون» بالياء.
والباقون بالتَّاءَ، فأمَّا قولُه: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ فاتَّفقوا عَلَى تَخْفِيْفِه، وأمَّا قولُه: ﴿فُظَنَّ أَنْ لَنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ فقرأ الحَسَنُ: «أنْ لَنْ نُّقَدِّرَ عَلَيْهِ» بالتَّشديد أي: أن لن نضيِّق عليه.
وقوله تعالى: ﴿أإله مَعَ الله قَلِيْلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾.
قرأ أَبُو عمرو وحده: «يذكرون» إخبارًا عن غيبٍ.
وقرأ الباقون: «تَذَكَّرُون» عَلَى الخطاب بالتاء.
غير أن حمزة والكِسَائِيّ وحفصًا يخففون الذَّالَ، لأنهم أسقطوا التاء.
والباقون شدَّدُوا ذلك؛ لأنَّهم أدغموا التاء فِي الذال وجميع ما في هذه السورة أإله فإنّك تقف عَلَى كل ما يأتي فِي هذه السورة أإله مَعَ اللهِ. وذلك أنَّ اللَّه تَعَالى ذكرَّهم
стр. 325
نَعَمَهُ، وعدَّدهم عليهم، فَقَالَ: ﴿أَمَّنْ يُجِيْبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاْهُ﴾، ﴿أَمَّن خَلَقَ السَّماواتِ﴾، ﴿أَمَّنْ يَهْدِيْكُمْ﴾. أإله مَعَ اللَّه يا مَعشَرَ الجَهَلَةِ، فلِمَ تَعبدون معه غيره من لا يقدر عَلَى ضرٍّ ولا نفع؟ ! فالوقف على «أإله مَعَ اللهِ» تامٌ، والهَمْزَةُ الأولى ألفُ توبيخٍ فِي لَفْظٍ الاستفهامِ والثانيةُ: أَصْلِيَّةٌ، فاءُ الفعل إلهٌ وآلهةٌ مثل رداء وأردية، ومن همز قوله: «أأنذرتهم»، «أإذا» قرأ «أإله» ومن مدّ هناك مد هُنا ومن لين الثانية هناك لين هاهنا.
وقولُه تَعَالى: ﴿بَلْ أدّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخرة﴾.
فِيهِ ستُّ قراءات:
قرأ أهلُ الكوفةِ ونافعٌ وابنُ عامرٍ: «بَلْ ادارك» أرادوا: بل تَدَارَكَ علمهم فأدغَمُوا التاءَ فِي الدَّالِ بعد أن قلبوها دالًا، وأتوا بألفِ الوصلِ لسكون الحَرف المُدغم، ومثله: «قَاْلُوا اطَّيَّرْنَا» بمعنى: تطيرنا «فادارأتم فيها» والأصل: تدارأتم، واحتجوا بقراءة أُبَيٍّ: «بل تَدَارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ».
وقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرٍو: «بلا أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ» من أَفعل يُفعل. وتَدارك زيدٌ أمرَهُ وأدرَك بمعنًى، ومثله: «إنَّا لَمُدْرَكُوْنَ» «ولمَّدَرَكُوْنَ» عَلَى قراءةِ الأَعْرَج. فعلى قراءة أَبِي عَمْرو: الألفُ ألف القطعِ. وعلى قراءة الباقين الألفُ ألفُ الوصلِ وكسرة اللّامِ من بل لسكونها. وسكون الدَّالِ المدغمة.
وحدثني أحمد بن علي، عن أبي عبيد أن عطاء بْن يَسار قرأ: «بَلَ ادَّرَكَ عِلْمُهُمْ» موصول الألف: أراد: بل أدرك، فنقل فتحة الهمزة إلى اللام، فانفتحت اللامُ وسقطت الهمزةُ. كما قرأ وَرْشٌ: «قَدَ افْلَحَ المُؤْمُنِوْنَ» يريد: قد أفلح وكقولِ العربِ مَنَ ابُوك؟ يريدون: مَنْ أَبُوْكَ.
والقراءة الخامسة: قراءة ابن محيصن: «بل آدرك علمهم» ممدودٌ عَلَى الاستفهامِ، قال النَّحويون: غَلَطٌ لأن «بل» تَحقيقٌ وإيجاب، و «آدرك» بالمدّ نفي الإِدراكِ، فلا يلي المَنفى موجبًا.
والقِراءةُ السَّادِسَةُ: قراءةُ ابنِ عبَّاس: «بَلَى أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ» ف «بلى» جوابُ الجَحْدِ ويَصلحُ الوقفُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يبدأ بألفِ الاستفهامِ والتَّوبيخِ أَدْرَكَ أَمْ لم يدرك؟
стр. 326
وقوله تعالى: ﴿أإذا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرٍو: «أيِذَا ... أيِنَّا» جمعا بين الاستفهامين غيرِ أنَّ ابنَ كثيرٍ يقصرُ، وأَبُو عمروٍ يمدُّ.
وقرأ حمزةُ وعاصمٌ بالجمع بين الاستفهامين، وبهمزتين عَلَى أصل الكلمة، وقد أحكمت عللَ هذا فيما تقدم، فأغنى عن الإعادة.
وقرأ نافعٌ: «إذا» بغيرِ استفهامٍ «آيِنَّا» خلافُ أصله واحدة عَلَى الخبر.
وقرأ الكسائي وابن عامر «أإذا» بالاستفهام والهمزتين «أإننا» بنونين عَلَى الجر.
وقولُه تَعَالى: ﴿ولا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾.
قرأ ابن كثير والمسيبي عن نافع: «في ضيق» بكسر الضاد.
وقرأ الباقون: «فِي ضَيق» وقد فسرته فِي النحل.
وقولُه تَعَالى: ﴿ولا تُسمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
قرأ ابن كثير وحده: «وَلَا يَسْمَعُ» بالياء، «الصمُّ» بالرفع جعلهم هُمْ الفاعلين.
وقرأ الباقون: «وَلَا تُسْمَعُ» أنت يا مُحَمَّد بالتَّاءِ خطابًا لرسولِ اللَّه ﷺ ، «الصم» بالنصب مفعول بِهِ أي: ولا تسمع أنتَ يا مُحَمَّد القومَ الصُّمَّ «الدُّعَاءَ» مفعول ثانٍ. والصُّمُّ مثلٌ، لأنَّهم لو لَم يَسمعوا ولَم يُبصروا ما وَجَبَتْ الحُجَّةُ عليهم، ولكنَّه لما خَاطبهم وَوَعَظَهُمْ فَتَكَبَّرُوا عن المَوْعِظَةِ ومَجَّتْها آذانهم صارُوا بمنزلة من لا يسمع.
وقولُه تَعالى: ﴿ومَا أنْتَ بِهادِي العُمْىِ﴾.
قرأ حمزةُ وحده: «وَمَا أَنتْ تَهْدِي العُمْىَ» جعله فعلًا مضارعًا وكذلك فِي الرُّوم فيلزم من قرأ بقراءة حمزة أن يقف بالياء فِي السورتين كليهما.
وقرأ الباقون: «بهادِي» ف «هادي» اسم فاعل، وهو فِي موضع جرٍّ بالباء وهو خبر «ما» كأنه يَقُولُ: ما أنت بقائم، ولو أسقطت الباء لقلت ما أنت قائمًا، فإذا قلتَ: ما أنت تقوم ف «تقومُ» نصبٌ فِي المعنى، رفعٌ فِي اللَّفْظِ.
وكتبت «بهادي» بالياء على الأصل. وكتبت فِي الرُّوم «بهادِ» بغير ياء عَلَى الوقف، والاختيار أن تقف هاهنا بالياء، وثم بغير ياء على الوقف، اتباعًا للمُصحف. ويجوزُ فِي النَّحو إسقاط الياء من الجميع، وأثباتها.
стр. 327
حَدَّثَنَا ابْنُ مجاهدٍ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحيى الكِسَائِيّ، عن خلف، قال: كان الكِسَائِيّ، يَقُولُ: من قَرَأ «تَهْدِي» بالتاء وقف عليهما بالياء. قال: خلف: وسَمِعْتُ الكِسَائِيّ يقف عليهما جميعًا.
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَرَفَةَ، قال: حَدَّثَنِي المُبَرِّدُ، قال: سمعتُ عُمارة بْن عَقيل بْن بلال بْن جَرير يقرأ: «وَمَا أَنْتَ بِهادٍ العُمْىِ» وهو جيِّدٌ فِي العَرَبِيَّة. كما تَقُولُ: براكبٍ الفرسَ، وبراكبِ الفرسِ، فعلى هذا القراءة تقف «هادٍ» بغير ياءٍ مثل «ولا مَوْلُوْدٌ هُوَ جَازٍ»، «فاقضِ ما أَنْتَ قَاضٍ».
وقولُه تَعَالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ أنَّ النَّاسَ﴾.
قرأ أهل الكوفة بالفتح، واحتجوا بقراءة ابْنُ مَسْعُود «تُكَلِّمُهُمْ بِأَنَّ النَّاسَ» بالباء فلما سقطت الباء حكمت عليهما بالنَّصبِ، و «أنّ» إذا كانت فِي موضع اسم كانت فِي موضع الرَّفع والنَّصب والجَرّ، لأنها تعرب كسائر الأسماء.
وقرأ الباقون بالكسرِ عَلَى الاستئناف، لأنَّهم جعلوا الكلام عند قوله «تُكَلِّمُهُمْ» تامًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾.
اتفق القراءُ عَلَى تشديدِ اللَّام إلا ابنَ عباس فإنه قرأ: «أخرجنا لهم دَآبَّةً من الَأرْضِ تَكْلِمُهُمْ» مخففا، أي تَسِمُهُم؛ تَجْرَحُهُمْ. تَقُولُ العرب: كلمتُ زيدًا أي: جَرَحْتُهُ، وكلَّمْتُهُ من الكَلَامِ. وربما قيل فِي الجراحة: كلَّمته بالتَّشديد، ولا يقال: كلمته فِي الكلام بالتَّخفيف.
وقولُه تَعَالى: ﴿وُكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِيْنَ﴾.
قرأ حمزةُ وحفصٌ، عن عاصمٍ «وكلُّ أَتَوْهُ دَاخِرِيْنَ» جعلوه فعلًا ماضيًا، كما تَقُولُ: غَزَوْهُ، قَضَوْهُ، والأصل: أتيوه، وقضيوه وغزووه، فاستثقلوا الضمَّ عَلَى الياءِ والواو فخزلوها، وحذفوا الياءَ والواوَ لِسُكونِها وسكون واو الجمع.
وقرأ الباقون: «وكل ءاتوه» بالمَدّ عَلَى فاعلوه مثل ضاربوه، والأصل: آتَيُونَهُ فذهبت الياءُ لما أعلمتك، والنون للإِضافةِ. ومددت أول الكلمةِ، لأنَّ الهمزةَ الأُولى فِي أوله فاءُ الفعلِ، والألفُ الثانيةُ ألفُ فاعلينُ زائدةُ مجهولةٌ. ولو قرأ قارئ «وكلُّ»
стр. 328
ءَآتاهُ» فوحد جازَ، لأنَّ «كلَّ» له لفظٌ ومعنى فلفظه التَّوحيد ومعناه الجَمْع، فمَن جَمَعَ ردَّه إلى معناه ومن وحده ردَّه إلى لَفظه. كما قال: ﴿وُكُلُّهُمْ آتِيْهِ يَوْمَ القِيَامَةٍ فَرْدًا﴾. فوحَّد رد إلى اللفظ. ولو قرأ قارئٌ «وكلُّ آتِيْهِ» كان صوابًا غيرَ أنَّ القراءة سنة يأخذها آخر عن أول، ولا تُحمل عَلَى قياس العربية ومَنْ فَعَلَ ذلكَ كان عندَ العُلماء مَعِيْبًا مُبْتَدِعًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿خَبِيْرٌ بما تَفْعَلُوْنَ﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ بالياء، إخبارًا عن غيبٍ، والخبير بالشيءِ: العالمُ بِهِ من جميع أقطاره، يقال: خَبِرٌ يخبر فهو خبر مثل فَطِنٌ، وخبر فهو خابرٌ: إذا عرف أقطار الأرضِ ومصالح الزِّراعة؛ لأنَّ الأَكَّارُ يقال له: الخبير. والخبر: المزادة الواسِعَةُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾.
قرأ أهلُ الكوفة: «مِنْ فَزَعٍ» منونًا ب «يَوْمَئِذٍ» نصبًا فمَنْ نون لم يُجز فِي الميمِ إلَّا النَّصب.
وقرأ أَبُو عَمْروٍ وابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ: «من فَزَعِ يَوْمِئِذٍ» بكسر الميمِ غير منون جعلوه مضافًا.
وروى إِسْمَاعِيل، عن نافعٍ «مِنْ فَزَعِ يومئذ» لم ينون وفتح الميم، لأنَّه جعلَ «يومَ» مَعَ «إذ» كالاسمِ الواحدِ؛ ولأنَّ إضافة «يومَ» إلى «إذ» غير محضة؛ لأنَّ الحروف لا يُضاف إليها ولا إلى الأفعال، لا يقال: هذا غلامُ يقوم، ولا يقال: هذا غلام إذا، وإنما أجازوا فِي أسماء الزَّمان الإضافة إلى الحروف وإلى الأفعال نحو «هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِيْنَ» لعلَّةٍ قد ذكرتها.
وقولُه تَعَالى: ﴿بغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُوْنَ﴾ فِي آخر النمل.
قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وحفصٌ عن عاصمٍ «تَعْمَلُوْنَ» بالتَّاء.
وقرأ الباقون بالياء.
وفي هذه السورة ستُّ ياءات إضافة:
«إني آنَسْتُ نارًا» «أَوْزِعْنِيَ أنْ» «ما لي لا أرى» «إني ألقي إلي» «ءاتان الله» «ليبلوني أأشكر».
стр. 329
فَتَحَهْنَّ نافعٌ فِي رواية ورش.
وفتحَ ابنُ كثير «أوزعني» و «إني» و «ما لي» وأسكن الباقي.
وحرَّك أَبُو عَمْرٍو حرفين «إنيَ ءانست» و «ءاتان الله».
وفتح عاصم والكسائي: «ما لي» وأسكن الباقي.
وفتح حفص «ءاتان اللَّه».
وأما حمزة وابنُ عامرٍ فإنهما أسكنا كل ذلك.
стр. 330
ومن سورة القصص
قوله تَعَالى: ﴿وَنُرِىَ فِرْعَونَ وَهامانَ﴾.
وقرأ حمزة والكِسَائِيُّ «ويَرَى»: بالياء: «فِرْعَوْنُ» «بالرَّفعِ، وكذلك الأسماء التي بعدها.
وقرأ الباقون: «ونُرِىَ فِرْعَوْنَ» بالنون ونصب الأسماء.
فَمن قرا بالنّون فحجته: «ونريد أنْ نَمُنَّ ... ونَرِىَ فِرْعَوْنَ»، «ونُرِيَ» فعلٌ معتلٌّ والأصل: نرئي فنقلوا كسرة الهمزة إلى الراء وسقطت الهمزة لسكونها، وسكون الياء.
ومَنْ قَرَأَ: «وَيَرَىَ فِرْعَوْنُ» فيكون موضعه رفعًا ونصبًا فمَنْ جَعَلَ موضِعَه نصبًا نَسَقَهُ عَلَى «أَنْ نَمُنَ وأنَّ نرى فرعون والأصل وأن نرئي فنقلوا فتحة الهمزة إلى الراءِ فصارت ألفًا لانفتاح ما قبلها.
وقولُه تَعَالى: ﴿عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «وحُزْنًا» بضم الحاء وجزم الزاي.
وقرأ الباقون: «وحَزَنًا» ففي ذلك ثلاثة أقوال:
قال قوم: هما لغتان، الحزن، مثل: العُدْمُ والعَدَمُ والسُّقْمُ والسَّقَمُ.
وقال آخرون: الحُزْنُ: الإِثْم، والحَزَنُ: المَصْدَرُ، يقال: حَزْنَ حَزَنًا.
والقولُ الثَّالِثُ: - قولُ الخَلِيْلِ - أنَّ الاختيارَ فِي موضعِ النَّصبِ أن تَقُولَ: الحَزَنُ بالنَّصب كقوله: «الحَمْدُ لله الذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ» ولم يَقُلْ: الحُزْن؛ لأنَّه فِي موضعِ نَصْبٍ، وفي موضع الرفع والجر: الحزُن؛ لأن الضمة والكسرة لا يلتقيان فخفف الزَّاي.
وحدَّثني أَبُو الْحَسَن بْن عُبَيْدٍ الحافظُ، قال: حَدَّثَنِي يَحيى بن أَبِي طالبٍ، عن يَزيد بْن هارون، عن جويبر، عن الضَّحاك فِي قوله: «يا أَسَفَى عَلَى يوسف» قال:
وا حزنا.
قوله تَعَالى: ﴿حتَّى يُصْدِرَ الرِّعآءُ﴾.
قرأ أَبُو عَمْرٍو وابن عامرٍ «يَصدر» بفتح الياء.
وقرأ الباقون: «حتَّى يُصْدِرَ الرِّعَآءُ» بضم الياء.
فمن فتح جعل الفعل للرِّعآء، والرِّعآء: جمع راعٍ: مثل صاحب وصحاب،
стр. 331
ويقال: راعٍ ورعاةٌ مثل قاضٍ وقضاةٍ، وراعٍ وراعون مثل قاض وقاضون.
فإن سأل سائلٌ فَقَالَ: ما مثال رُعاة من الصَّحيح؟ فقل: لا مثال له من الصَّحيح عند البصريين؛ لأنَّ وزنَ رعاةٍ فُعَلَه، وعند الكوفيين فُعَّلٌ مثل غُزًّى فِي جمع غاز، والأصل: رُعَّىٌ، فحذفوا حرفًا كراهية التشديد وعوَضُوا الهاءَ فِي آخر. ومثل رُعًى فِي جمع راع بُدًى فِي الأعراب يريدون: «بادُون» قرأ بذلك ابْنُ مَسْعُود.
ومَنْ قَرَأ: «يُصْدِرَ» بالضّمة فمعناه: حَتَّى يصدروا إبلهم ومواشيهم عن الماء، يقال: ورد زيد الماء يرده ورودا وارِدٌ، وصَدَرَ عن الماءِ يًصْدُرُ صَدَرًا فهو صادِرٌ.
وأصْدَرَ: صدَّر غيره وأَورده يُصدره ويُورده إصدارًا وإيرادًا، والموضع: المَصدرُ والمَوردُ.
وقرأ حمزة والكِسَائِيُّ: «حتَّى يُصْدِرَ الرِّعَآءُ» بإشمام الراء.
ومن العربِ مَن يَقُولُ: حَتَّى يُزْدِرَ الرَّعَآءُ بالزاي خالصًا أنشدني ابنُ دُرَيْدٍ:
ولا تُهَيِّبُنِيْ المَوْمَاةُ أَرْكَبْهَا ... إِذَا تَجَاوَبَتِ الأَزْدَاءُ بالسَّحَرِ
يريدون بأزداء: الأصداء، وهو جمع صَدًى. الصَّدَى: ذَكَرُ البُوْمِ، والصَّدَى:
الصًّوْتُ الَّذِي يُجيبك فِي الحمام والصَّحراء. والصَّدَى: العَطَشُ، والصَّدَى: القِيَامُ بأمرِ المَعَاش، يقال: فلانٌ صَدَى مالٍ. والصَّدَى: عِظامُ المَيِّتِ إذا بَلِيَ، قال أَبُو دُؤَادٍ:
سُلِّط الموتُ والمنونُ عَلَيهم ... فَلَهُمْ فِي صَدَى المَقَاْبِرِ هَامُ
والصَّدَى - أيضًا -: من أَلوان الخَيْلِ، يقال: فَرَسٌ أَصْدَى والأُنثى صَدَّاء. والصَّدأ - بالهمز - صَدَأُ الحَدِيْدِ والسَّيْفِ، قال النَّابِغَةُ:
سَهِكْينَ مِنْ صَدَإِ الحَدِيْدِ كَأنَّهُمْ ... تَحْتَ السَّنَوَّرِ جَنَّةً البَقَّارِ
تقولُ العربُ: يدي من الحديد سَهكه ومن الأشنان فَضيضه. ومن المراد روطه، ومن الخَمر وحده، ومن الزَّعفران ردعه، ومن المسك والطيب عَبقه، ومن الزُّبد وضره، ومن اللَّحم زهمه، ومن الغُثات قَشمه، وقال النَّضر بْن شُميل:
يُقال: لخمرِ العجين إذا حمض: الوصد.
قرأ حمزة وحده: «أو جُذوة» بالضم، وجمعها جُذًى.
وقرأ عاصمٌ: «جَذوة» بالفَتْحِ، وجمعها جُذًى.
وقرأ الباقون: «جِذوة» بالكسر وجمعها جُذًى، قال الشاعر:
стр. 332
باتت حواطب ليلى يلتمسن لها ... جزل الجذى غيرَ خوَّارٍ ولا دَعرِ
الدَّعُرِ من الحَطَب: المدخن المؤذي. ويُسمى الرَّجُلُ العَيَّاب المؤذى الداعر تشبيها بالعود الدَّعِر، والعامةُ تصحف فتقول: ذاعر بالذال، وهو خطأ.
وإنما الذَّاعر المفزع، يقال: ذَعَرَ فلانٌ فلانًا: إذا أفزعه. قال الشَّاعِر:
وماءٍ قَدْ وَرَدتُ لِوَصْلِ أَرْوَى ... عَلَيْهِ الطَّيْرُ كالوَرِقِ اللُّجَيْنِ
ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كَالرَّجُلُ اللَّعِيْنِ
فجَذوة وجِذوة وجُذوة لغات ثلاث بمعنًى، وهو الخشب فِي رأسه نار، ومثله رغوة اللبن، ورغوة، ورغوة.
وقوله تعالى: ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾.
قرأ أهلُ الكوفة وابنُ عامرٍ بضم الرَّاء.
وقرأ الباقون: «من الرَّهَبِ» بفتح الراء، والهاء.
وروى حَفْصٌ عن عاصمٍ: «من الرَّهْبِ» بفتح الراء، وجزم الهاء، فَقَالَ قومٌ: هُنَّ لغاتٌ ثلاثٌ معناه: الفزع والرهبة، أي: اضمم إليك يديك، وهما جناحا الرجل. كما أن الأذن قمع، والعين مسلحة، والقلب أمير؛ لأنه لما ألقى عصاه ﷺ فصارت جانًّا تَثَنَى رَهِبَ وفَزِعَ فأمره اللَّه أن يضمَّ إليه جناحَيْه ليذهبَ عَنْهُ الفَزَعُ.
فَقَالَ مجاهدٌ: كُلُّ من فَزِعَ من شيءٍ فضمَّ جَنَاحَهُ إليه - أي: يَدَيْه - وقرأ هذه الآية ذهب عَنْهُ الفَزَعُ، ومن آوى إلى مضجعه فقرأ: «قل يا أيها الكَافِرُوْنَ» لم يَفْزَع فِي نَوْمِهِ.
وقال آخرون: الرُّهْبُ بالضَمِّ: الكُمُّ: يقال للكُمِّ: رِدْنٌ وأردانٌ ورُهْبٌ ورُهْبَانٌ وقِنٌّ وأَقْنَانٌ.
قال الشَّعْبِيُّ: دخلتُ حيًّا من أحياءِ العَرَبِ لأَسألهم عن الرُّهب فدللتُ إلى أفصحِ مَن فِي الحَيِّ فصادَفُتهُ غائبًا عن بيته. وخرجت بُنَيَّةٌ له تروّح عشراوية فقلتُ لها: أيْ بُنَيَّة أينَ أبوك؟
فَقَالت: إن دَلَلْتُكَ عَلَى أَبِي أنطيتني ما فِي رُهْبِكَ؟ فنَثَرْتُ كسرات كانت فِي كُمِّي، فأعطيتها ورَجَعْتُ. وقال قومٌ: الرَّهْبُ بالإِسكان لا يكون مخففًا من مُثَقَّلٍ، لأنَّ العَرَبَ
стр. 333
تُسكِّن المَضموم والمَكسور ولا يُسكِّنون المَفتوح.
وقال الأَصْمَعِيُّ: فسألتُ أبا عَمرٍو: لِمَ لَم تقرأ: «وَيَدْعُوْنَنَا رَغْبًا ورَهْبًا» مَعَ مَيلك إلى التَّخفيف؟ فَقَالَ: ويَلك أَجَمَلٌ أخف أم جَمْلٌ ويقال: ناقة رهب: إذا كانت غَزِيرة.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانانِ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرو: «فَذَانِّكَ» مشددًا، وهو تَثنية ذلك باللام فأُدغمت اللام فِي النُّون.
وقال آخرون: لما قلَّت حروف الاسم قوَّوها بالتَّشديد.
وقرأ الباقون: «فَذَانِكَ» خفيفةً، وهو تثنية ذاك بغيرِ لامٍ.
وروى شبلٌ عن ابْنُ كثيرٍ: «فذانِيك بُرهانانِ» والبرهانان: البيانان، وهما: اليَدُ والعَصَا، وذلك أن مُوسَى أعطي تسع آيات بينات: اليد، والعَصَا، والقُمَّلَ، والضَّفَادِعَ، والدَّمَ، وفلقَ البحرِ، والطُّوفان، والجَرَادَ، وانفجارَ الماءِ من الحَجَر.
وحدَّثني أَبُو الْحَسَن الحافِظُ، قَالَ حَدَّثَنِي يَحيى بْن أَبِي طَالِب، قَالَ: أخبرنا يَزيد بْن هارون، عن جُويبر، عن الضَّحاك فِي قوله: ﴿آتَيْنَا مُوْسَى تِسْعَ آياتٍ بيِّنَاتٍ﴾ قَالَ: خمسٌ فِي الأعراف عَصا مُوسَى، ويَده، وعِقْدَة لسانِه، قَالَ الضحاك:
والقُمَّلُ: الدَّبا يعني: صِغَار الجَرَاد.
وقولُه تَعَالى: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾.
قرأ عاصمٌ وحمزةُ: «يُصَدِّقُنِيْ» بالرَّفْعِ، ولم يجعلاه جوابًا للأمر، ولكن حالًا، وصلة للرَّدء، والتقدير: ردءًا مصدِّقًا لي. قَالَ قُطْرُبُ: يُقال: رَدَأْتُ الرَّجُلَ وأَرْدَأته:
إذا أعنته.
وقرأ الباقون: «رِدْءًا يُصَدِّقْنِي» بالجزمِ جوابًا للأمر، أرسله ردءًا يصدِّقْنِي، وإنما يجزم جوابُ الأمر، لأنَّه فِي تقدير شرطٍ وجزاءٍ أي: إنك إن أرسلته صَدَّقني.
وأمَّا قوله: «رِدْءًا» فإن القراء يهمزونه إلا نافعًا فإنه قرأ «رِدًا يُصَدِّقُني» بترك الهمزِ.
تَقُولُ العربُ: أردأه يرديه إرداءةً: إذا أعانه.
وقال آخرون: رداه. فأما ردى يردى فهو عدو الفرس.
стр. 334
وقال الأصمعي: سألت منتجة بْن نَبهان عن رَدَيَان الفَرس، فَقَالَ: هُوَ عدوٌ بين آريه ومتمعكه.
وسُئل الأصمعي عن معنى قولِ النَّبي ﷺ :
«إذَا أذَّن المُؤَذِّنُ خَرَجَ الشَّيْطَانُ له حُصَاصٌ» قَالَ أما رَأَيْت الحمار إذا حرَّك ذَنَبَهُ فِي عَدوِهِ، ونفخَ الأَصَمعِيُّ شِدْقَيه.
وأما ردى - يردى - بغير همز - فمعناه: هَلَكَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَقَاْلَ مُوْسَى رَبِّي أَعْلَمُ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ: «قال موسى» بغير واو. وكذلك مصاحف أهلِ مكة.
وقرأ الباقُون بالواو.
وقولُه تعالى: ﴿ومن تكون له عاقبة الدار﴾.
قرأ حمزة، والكسائي «مَنْ يَكُوْنُ» بالياءِ؛ لأنَّ تأنيثَ العاقبة غيرُ حقيقي، ولأنَّه قد حَجَزَ بين الاسمِ والفعلِ حاجزٌ.
وقرأ الباقون بالتاء، لتأنيث العاقبة.
وقولُه تعالى: ﴿أنهم إلينا لا يَرْجِعُوْنَ﴾.
قرأ نافع وحمزة والكِسَائِيُّ: «لا يُرجعون» أي: لا يصيرون.
وقرأ الباقون: «لا يَرجعون» أي: لا يردون. تَقُولُ العرب: رجع زيدٌ عمرًا، وسلَّمتُ عَلَى زيدٍ، فَرَجَعَ زيدٌ السلامَ إِلَيَّ قَالَ ذُو الرُّمة:
وَهَلْ يُرْجِعُ التَّسْلِيْمَ أو يَكْشِفُ العَمَى ... ثَلَاثُ الَأثَافِي والدِّيَارُ البَلَاقِعُ
والرجعُ: المَطَرُ، قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿والسَّماءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ بالمطرِ، ﴿والأرضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ بالنَّبات، والرجع: جمعُ رجعةٍ، وهي الإِبل يرثها الإِنسان عن أَبِيهِ فيبيعها ويشتري غيرها فيَضعف رأيه. ويسمى الَّذِي اشترى الطارف، والذي باع التالد.
وقولُه تَعَالى: ﴿قَالُواْ سِحْرَانِ﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ: «سحران» يريدون كتابيه؛ التوراة والفرقان، ﴿تظاهرا﴾ أي:
تعاونا.
وقرأ الباقون: «ساحِراَن» بألف يريدون محمدًا وموسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهُما -. ولا يجوزُ التَّشديد فِي «تَظَاهرَا» لأنه فعل ماض، ولو كان مستقبلا لكان تظاهران بالنون؛
стр. 335
لأن الفعل المضارع لا بد له من نونٍ فِي تثنيته وجمعه إذَا استتر فِيهِ الاسم، كقولك:
الرَّجُلانِ يقومان، والرِّجال يقومون.
وقولُه تَعَالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كلِّ شَيْءٍ﴾.
قرا نافعٌ: «تُجْبى» بالتاء لتأنيث الثمرات.
وقرأ الباقون بالياء لثلاثِ عللٍ:
إحداهن: أَنَّهُ فعل مقدم فشبه بمقام النسوة.
والعلَّةُ الثانيةُ: أنك قد حجزت بين الاسم والفعل بحاجزٍ.
والعلةُ الثالثةُ: إن كان علمُ التَّأنيث فِي الثمرات التاءَ فإنّ تأنِيْثَها غيرُ حقيقي.
فإن قيلَ لك: قد قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْه ثَمَراتُ كلِّ شيءٍ﴾ وقد رأينا بَعضًا من الثمرات لا يجبى إليه كقوله: الجَبَل، وخراسان.
ففي ذلك جوابان:
أحدهما: أن «كلَّ» بمعنى بعض، كما قَالَ: ﴿يأتيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: من بعض الأمكنة.
وقال آخرون: إن الثمرات تصل إِلَيْه من كل مكان، ومن كلّ قطرٍ من أقطار الَأرض ما يشاء، إما يابسا، وإما رطبا، وإما مقدّدًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ﴾.
قرأ عاصمٌ فِي روايةِ حفصٍ: «لَخَسَفَ بِنَا» كأنه أضمر الفاعل لَخَسَفَ اللهُ بِهِمْ.
وقرأ الباقون: «لَخُسِفَ» عَلَى ما لم يُسم فاعله وحجتهم ما حَدَّثَنِي أَحْمَد، عن عليّ، عن أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: فِي حرف عَبْد الله «لا خسف بِنَا» والخَسْفُ فِي اللُّغة: أن تَنقلب الأرضُ عَلَيْهِ، أو تَبْتَلعَهُ الأرضُ. ومن ذلك قوله تَعَالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وبدَارِهِ الأَرْضَ﴾.
هذه الهاء كناية عن قارون. وكان ابنُ عمِّ مُوسَى، وعالمًا بالتَّوراة فحسد مُوسَى وبَغَي عَلَيْهِ لكثرةِ ماله لأنَّه أوتي من الكُنوز ما إنَّ مفاتحه لتنوء بالعُصْبَةِ أي: لتثقل العُصبة، والعُصبة الأربعون. وكذلك بلغ من بَغْيِهِ أن امرأةً كانت فِي ذلك الزمان وكانت بغيًّا فاجرةً بذل لها مالًا ورغَّبها وقال لها: صيري إلى مُوسَى فِي يوم مجلسه، وقولي أن مُوسَى رَاودني عن نَفسي فبلغَ ذلك مُوسَى ﵇، وأمر اللَّه الأرض أن تطيع
стр. 336
مُوسَى، فلمّا صارت إلى المجلس وَجَدت قارون فِي المجلس، فأدركتها العصمه وهابت مُوسَى، وقالت فِي نفسها ليس لي يومُ توبةٍ أشرفَ من هَذَا، فقالت: إنَّ قارُون حَمَلَني عَلَى أن أَدَّعي عَلَى مُوسَى ذَيت وذَيت، فَقَالَ مُوسَى للأرضِ: خُذِيْه، فاخذته إلى ساقه، فَقَالَ: يا مُوسَى سألتك باللهِ والرَّحِم، فَقَالَ للأرض: خذيه: فابتلعته فهو يتجلجل فيها إلى يومِ القيامة.
فذلك قوله: «فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ» وقرأ شَيْبَةُ: «فَخَسَفْنَا بِهُ» بضم الهاء.
وقد أنبأت بعلَّةِ ذلك فيما سلف من الكتاب.
فأمَّا قولُه: ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾، ففيه قولان؛ يكون متصلًا، ومنفصلًا، فاختار أهلُ البصرةِ أن تَقِفَ عَلَى «وَيْ» ثُمَّ تبتدئ: كأنَّه، و «وَىْ» كلمة حُزْنٍ عندهم. قَالَ الشَّاعِر:
سألتاني الطلاق أن رأتاني ... قل ما لي قَدْ جِئْتُمَانِي بِنُكْرِ
وَيْ كَأَنَّ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يِحْ ... بَبْ وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ
واختارَ الكوفيُّون أن يجعلون «وَيْكَأَنَّهُ» كلمةٌ واحدةٌ؛ لأنهم وجدوه كذلك فِي المُصحف مكتوبا، ومعنى «ويكأنه»: ألم تر أنه.
وقال آخرون: «ويْكَأَنَّه» معناه: ويْلَكَ إنَّه فحذف اللام تخفيفًا.
حَدَّثَنِي ابنُ مجاهدٍ، عن السِّمَّرِيِّ، عن الفَرَّاءِ، قَالَ: سألتْ امرأةٌ من الأعراب زوجها عن ابنه، فقال: ويكأنه وراء الحائط، ومعناه: ألا ترينه، وأ لم تَرَىْ أَنَّهُ وراء الحائط.
وفي هذه السُّورة من الياءات المختلف فيها: ﴿أنِّيَ أُرِيْدُ﴾.
فتحها نافعٌ.
وأسكنها الباقون.
و﴿سَتَجِدُنِي﴾، و ﴿إنَّي آنست نارا لعلي آتيكم﴾، و ﴿إني أنا الله﴾ وو ﴿معي رِدْءًا﴾، و ﴿عَسَى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي﴾، ﴿إنِّي أخاف﴾، ﴿ربي أعلم﴾، ﴿لعلي أطلع﴾، ﴿عندي أولم﴾، ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ﴾، فَتَحَهُنَّ نافعٌ إلا قوله: ﴿مَعِي رِدْءًا﴾.
وفتح ابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو تسعًا، الباقون «ستجدني» «وإنِّي أريد»، و «مَعِيْ رِدْءًا»، وفتح عاصمٌ فِي رواية حفصٍ «مَعِيَ رِدْءًا» وأسكن الباقون كلَّ ذَلِكَ.
стр. 337
ومن سورة العَنْكَبُوْت
قولُه تَعَالى: ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
قرأ عاصمٌ بروايةِ أَبِي بَكْرٍ: «يَرْجِعُونَ» بالياء.
والباقُون بالتَّاءِ.
قولُه تَعَالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيْدُهُ﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ بالتَّاءِ عَلَى الخِطَاب. أي: قُل لهم يا مُحَمَّد حين أنكروا البعث والنشور أو لم تروا كيف يبدئ اللَّه الخلق أي: إذا أنكرتم الإِعادة كان الابتداء أولى بالنكرة، فهو مقرون بأنَّ اللَّه خالقهم ومثله: ﴿ينْشِئُ النَّشْأَةَ الَأخِرَةَ﴾.
وقرأ الباقون بالياءِ. أخبر عَنْهُمْ. و «يبدئ» فِيهِ لُغتان فصيحتان أتى بهما القرآن.
بدأ اللَّه الخَلْقَ، وأبدأهم، وشاهده: ﴿وهوَ الذّي يَبْدؤُاْ الخلق﴾ و ﴿كيف يبدئ الله﴾ والمصدر من أبدأ مبدئ إبداء فهو مبدئ، ومن بدأ يبدأ بدأَ وبدوًا فهو بادئٌ، والمفهوم مبدوء، يقال: «رجع عوده عَلَى بدئه» بالهَمْزِ. وأمَّا بَدَا يبدو بغيرِ همزٍ، قَالَ: ومعناه: ظهر: وسمعتُ أبا عُمَر يَقُولُ: ويجوز «رَجَعَ عَوْدُهُ عَلَى بَدْوِهْ» بغير همزٍ، قَالَ: ومعناه: الظُّهور، وهو كقولهم: «مَا عَدَا مِمَّا بَدَا» فقلت له: لم جمعه بين لفظتين بمعنًى. فَقَالَ: هَذَا كقولهم: «كَذِبًا ومَيْنًا» فَجَمَعَ بين اللّفظتين لما اختلفتا.
وقولُه: ﴿يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الأخِرَةَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرٍو: «النَّشآءة» بالمد مثل سقم سقامةً. والنَّشأة: المَرَّةُ الواحدةُ سقم سقمة، قَالَ: وهو مثل قوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ يقال: نشأ الغلام فهو ناشئ وامرأة ناشئة، والجمعُ نواشئ. ويقال للجواري الصِّغار الملاح: النَّشأ، قَالَ نصيب:
ولولا أن يقال صبا نصيب ... لقلت بنفسي النشأ الصغار
وأنشأهم اللَّه ينشئهم إنشاءً فهو منشئٌ كما قال: ﴿إنا أَنَشْأَنْاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ ويقال نشيتُ ريحًا طيِّبَةً بغير همز، ورجل نشوان من الشراب، ورجل نشيان الخبر: إذا كان يتخير الأخبار. حَدَّثَنِي ابنُ عرفة وغيره عن ثعلب.
стр. 338
وقولُه تَعَالى: ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُوْنِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾.
فِيهِ ستُّ قِرَاءَاتٍ:
قرأ حمزةُ وحفصٌ عن عاصمٍ: «مَوَدَّةَ» بالنَّصب والإضافة.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وأبو بكرٍ، عن عاصمٍ: «مودةً» بالنَّصب والتنوين، ونصب «بينَكُم» عَلَى الظَّرف.
وقرأ ابنُ كثير وأبو عَمْرٍو والكِسَائِيُّ ««مودةُ بينكم» بالرَّفع والإضافة.
وروى الْأَعْمَش عن أَبِي بكرٍ، عن عاصمٍ «مودةٌ» بالرفع والتَّنوين ويَنصب بينَكُم فمن رفع فله مَذْهَبَان:
أحدُهما: يجعل إنما كلمتين ويكون: «ما» بمعنى «الَّذِي»، وهو اسمُ «إن» و «مودةُ» خبرُ «إن» ومفعول «اتخذتم» «ها» محذوفة، وتلخيصه: إن الَّذِي اتخذتموه مودةُ بينكم، قَالَ الشَّاعِرُ:
ذَرِيْنيْ إنَّما خطئي وصوبي ... على وإن ما أهلكت مال
يريد: أن الَّذِي أهلكه هُوَ مالٌ.
والمذهبُ الثاني: أن يرفعها بالابتداء و «في الحياة الدُّنيا» خبرها.
ومَنْ نصب جعل «المَوَدَّةَ» مفعول «اتخذتم»، ومن أضاف جعل «البين» الوصل.
ومن نوّن ولم يضف جعل «البين» ظرفًا، وهو الفِراقُ أيضًا، يقال: بينهما بينٌ بعيدٌ، وبونٌ بعيدٌ، وجلس زيدٌ بيننا، وبَيْنا بالإِدغام.
أخبرني ابن دريد، عن أبي حاتم عن الأصمعي: يقال: بان زيد عمرًا:
إذا فارقه بيونةً وبونًا. قَالَ الشَّاعِر:
كأنَّ عيني وقَدْ بَانُوا ... غَرْبًا يَضُوْحُ عندَ مجنون
والقراءةُ الخامسةُ: ما حَدَّثَنِي أَحْمَد، عن عليّ، عن أَبِي عُبَيْد أن ابْنُ مَسْعُود قرأ «إنما اتخذتم من دون اللَّه إنَّما مَوَدَّةُ بَيْنِكُم».
وفي قراءة أُبَيِّ «إنَّما مَوَدَّةُ بَيْنِهم» فهذه القراءة السَّادسة.
وقولُه تَعَالى: ﴿ولُوْطًا إذْ قَالَ لِقَومِهِ إنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾.
قرأ نافعٌ وابن كثير وابن عامر وحفص، عن عاصم «إنكم» على الخبر من غير استفهام «أإنكم» بالاستفهام.
стр. 339
غير أنَّ ابنَ كثيرٍ لا يمدُّ، ونافعٌ يمدُّ، وحفصٌ عن عاصمٍ، وابن عامرٍ بهمزتين وأبو عَمْرٍو يستفهم بهما جميعًا. غير أَنَّهُ يمد «أئنكم» وقد ذكرتُ علّة ذَلِكَ فيما مضى.
فإن قيل: بم نُصبَ لُوْطًا؟
فقيل: بإضمار فعلٍ، والتَّقديرُ: واذكر لوطًا إذ قَالَ لقومه.
وإن قيل: لِمَ صرفت لوطًا، وهو عَجَمِيٌّ؟
فقل: لمَا كان اسمًا عَلَى ثلاثةِ أحرفٍ وأوسطه ساكنٌ خفَّ فصرف لِذَلِكَ، وكذلك نُوْحٌ، فأمَّا هودٌ فعربيٌّ.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾، و ﴿إنَّا مُنَجُّوْكَ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بتخفيف الحَرفين كليهما.
وقرأ نافعٌ وأبو عَمْرٍو وابنُ عامرٍ وحفصٌ، عن عاصمٍ بتشديد الحرفين كليهما.
وقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو بَكْر، عن عاصم: «لننجِّينه» مشدّدًا و «إنا مُنْجُوْكَ» مخفَّفًا، فمن خففها جعلها من أَنجى يُنجى مثل أَقام يُقيم، كما تقولُ: نَجا زيدٌ من الغَرق، وقام زيدٌ وأنجاه اللَّه، وأَقامه، وشاهده: «فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِيْنَة» و «لَئِنْ انْجَانَا مِنْ هَذِهِ».
ومَنْ شدَّدها جعلها من نَجِّى يُنَجِّى، وهو بمعنى أندى، مثل كرَّم، وأكرم، ونَزَّل وأنزل. غير أن نَجَّى وكَرَّمَ أبلغُ، لأنه مَرَّةً بعدَ مرةٍ؛ ومن خَفَّفَ واحدًا وشدَّد الآخر جمع بين اللُّغتين؛ ليُعلم أنهما جائزتان.
فإن سَأَلَ سائلٌ فَقَالَ: لِمَ قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿مُنَجُّوْكَ وأَهلَك﴾ بفتح اللَّام، وقال: ﴿قُواْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ بكسرِ اللَّام. وموضعهما نصبٌ؟
فالجوابُ فِي ذَلِكَ: أنَّ العربَ، تَقُولُ: رأيتُ أَهلك يريدون جميع القرابات، ومنهم من يَقُولُ: رَأَيْت أهلين، فجمع أهلًا عَلَى أهلين فقوله: ﴿وأهليكم﴾ يريد تَعَالى:
وأهلينكم، فذهبت النون للإضافة والياء علامةُ الجمعِ والنَّصب، واللام كسرت لمجاورة الياء، ومن ذَلِكَ الحَدِيْثُ: «إنَّ لله أهلين قِيْلَ: من هُمْ؟ قَالَ: أهلُ القرآن هُمْ أهل اللَّه وخاصته» من العرب من يجمع أهلا أهلات، أَنشدني ابنُ مُجاهدٍ:
فهُمْ أَهَلَاْتٌ حَوْلَ قيس بن عاصم ... إذا أدلجوا بالليل يدعون كوثرا
стр. 340
والصَّواب: أن تجعل أهلات جمع أهلية.
فإن قيل لك: يجوز أن تَقُولُ: أهلون بفتح الهاء كما تَقُولُ: أرضون إذ كان الأصل فِيهِ أرضات؟
فالجوابُ فِي ذَلِكَ قَالَ سيبويه: إنما جمعت أرضون عَلَى فتح الرَّاءِ؛ لأن الأصل أرضات. فلما عُدل إلى جمع السلامة بالواو والنون تركت الفتحة التي كانت فِي أرضات؛ لأن ما لا يعقل لا يجمع بالواو وبالنون.
وأجازَ الفَرَّاءُ أَرْضُونَ، وأَرَضُون، ولغة ثالثة آراض.
واعلم أن «أهل» مذكر تصغيره: أهيل. وابن «أرض» لمؤنثه، وتصغيرها: أُريضة.
فالتَّاء سائغة ممتنعة فِي المذكر، فهذا فَصْلُ ما بنيهما وما علمت أحدًا تكلَّم فِيهِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿إنَّا مُنْزِلُونَ﴾.
قرأ ابْنُ عامر وحده «منزِّلُون» مشدَّدًا من نَزَّل ينزِّلُ.
والباقون: «مُنْزِلُونَ» مخففًا من أنزل. وقد ذكرته بعامة فِي غير موضع.
وقولُه تَعَالى: ﴿إنَّ اللَّه يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ ونافعٌ وابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ: «إنَّ اللَّه يَعْلَمُ ما تَدْعُوْنَ» بالتاء عَلَى الخطاب.
وقرأ عاصمٌ وأبو عمرٍو: «يدعون» بالياء إخبارًا عن غَيْبٍ. و «ما» فِي موضع نصب بمعنى «الَّذِي»، كناية عن الصَنَمِ والوثن وغير ذلك مما جعلوه إلها من دونِ اللهِ، ولا نُشرك باللهِ شيئًا. فالوَثَنُ ما كان من صفرٍ أو حديدٍ أو خشبٍ. والصنم: ما كان من ذهب «يَدْعُوْنَ» صلة ما.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَقَالُواْ لَولَا أنزل عليه آيات﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وحمزةُ والكِسَائِيُّ وعاصِمٌ فِي روايةِ أَبِي بكرٍ: بالّتَوحيد.
وقرأ الباقون بالجَمعِ فمن جمع فحجَّتُهُ «قُل إنّما الأيَاتُ» ومن وحد اجتزأ بالواحدة عن الجميع. والآية فِي اللُّغة: العَلَامةُ، تقولُ العربُ: بيني وبينَ فلانٍ آيةٌ أي علامةٌ.
قَالَ الشَّاعرُ:
تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا ... لِسِتَّةِ أَعْوَاْمٍ وَذَا العَامُ سابعُ
стр. 341
وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَقُولُ ذُوقُواْ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرٍو وابنُ عامرٍ: «وَنَقُوْلُ» بالنون اللَّه تَعَالى يُخبر عن نفسه.
وقرأ الباقون: ««وَيَقُولُ» بالياء.
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: حَدَّثَنِي ابنُ مجاهدٍ عن السِّري، عن الفَرَّاء فِي قراءةِ عبدِ اللَّه «ويُقَالُ ذُوْقُواْ» عَلَى ما لَمْ يُسَمَّ فاعله.
وقولُه تَعَالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
بفتح الياء.
قرأ عاصمٌ ونافعٌ وابنُ كثيرٍ وابن عامر هاهنا وكذلك فِي الزُّمر ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذْيِنَ أَسْرَفُوا﴾.
وقرأ أَبُو عَمْرو وحمزة والكِسَائِيّ: «يَا عِبَاديْ» بإسكان الياء فِي السُّورتين، فمَن فَتَحَ الياءَ قَالَ: أَتيت بالكلمةِ عَلَى أَصلها؛ لأنَّ أصلَ كل ياء الفتح، ولئلا يقطع لالتقاء الساكنين، ومن أسكن وحذفه لفظًا، قَالَ: لأنَّ النَّداءَ مبناه عَلَى الحذفِ، كما تَقُولُ: يا ربِّ، ويا قومِ، فمَن فَتَحَ لم يجز أن يقف إلا عَلَى الياء، ومَن أسكن جاز أن يقف بغير ياءٍ. ويبني الوصل عَلَى الوقف والاختيار فِي قراءاتهم جميعًا أن يقفوا بالياء؛ لأنَّ الياءَ ثابتة فِي المصاحف فِي هاتين السُّورتين. فأمَّا فِي الزُّخرف ﴿يَا عِبَادِ لا خوفٌ﴾ فنذكره فِي موضعه - إن شاء اللَّه - كما ذكره ابنُ مجاهدٍ لأنَّا نَحْنُ مَّتبعون لشيوخنا لا مُبتدعون.
وقولُه تَعَالى: ﴿إنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ﴾.
قرأ ابْنُ عامرٍ: «إنَّ أرضى» بفتح الياءِ عَلَى أصل الكلمة.
والباقون يسكنون الياء تخفيفًا، ومعنى هذه الآية أن المسلمين بمكة فِي صدر الْإِسْلَام وأوله كانُوا لا يجسرون عَلَى إظهار الْإِسْلَام من المشركين. فأمرهم اللَّه بالهجرة. فَقَالَ: ﴿يا عِبَادِيَ الذين آمنوا إنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿ثُمَّ إلَيْنَا تُرْجَعُوْنَ﴾.
قرأ عاصمٌ فِي روايةِ أَبِي بَكْر «يُرْجَعُوْنَ» بالياء.
وقرأ الباقون وحفص، عن عاصم بالتاء. وقد فسرته.
وقوله تعالى: ﴿لنبوئنهم﴾ بالتاء.
وقرأ الباقون بالياء ومَعْنَاهُمَا واحدٌ.
стр. 342
تَقُولُ العَرَبُ: بوأتُ فلانًا منزلًا، أي: أنزلته، تبوأ فلانٌ المنزل، قَالَ اللَّه تَعَالى:
﴿والَّذِيِْنَ تبوؤا الدَّارَ والإِيْمانَ﴾. وقال رَسُول اللَّه ﷺ : «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»
ومن قرأ بالتاء. فإن العربَ تَقُولُ: ثويتُ المكان: إذا نَزَلْتُ، وأنَا ثاوِ، وقال اللَّه تَعَالى: ﴿ومَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾. ومنَ العَرَب مَنْ يَقُولُ: أَثْوَيْتُ. قَالَ الأعشى:
أثْوِى وقَصَّرَ لَيْلَةً لِيُزَوَّدَا ... وَمَضَى وأَخْلَفَ من قُتَيْلَةَ مَوْعِدًا
وقال آخرون: الرواية الصحيحة «أَثَوَى» بفتح الثاء فيكون الألفُ ألفَ الاستفهام، وأَثواه اللَّه لا غيرُ، وقريب منه التَّبيُّن فِي الأمر، والتَّثَبُّتُ بمعنى، قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأٍ فََتَبَيَّنُوا﴾ وتقرأ «فَتَثَبَّتُوا» وقد ذكرتُه فِي النِّساء، وقال رَسُولُ اللَّه ﷺ «ألا إنَّ التَّبين من اللَّه والعَجَلَةُ من الشَّيْطَان فَتَثَبَّتُوا» التبينُ فِي الأمرِ: التَّثبُّتُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلِيَتَمَتَّعوا﴾.
قرأ ابنُ كثير ونافع برواية قالون وحمزة والكسائي: «وليتمتعوا» بجزم اللَّام؛ لأنه لام وعيدٍ فِي لفظ الأمر لأن اللَّه تَعَالى ما أمرهم بالإِصرار عَلَى المعاصي، والكفر، ولكنه كقوله: ﴿اِعْمَلُواْ مَاْ شِئْتُمْ﴾ عَلَى الوعيد وهذا لا يكون ابتداء وهو كما تَقُولُ للآخر:
لا تَدْخُل هذه الدار فيقول: لا بد لي من دخولها فتَقُول: أدخلها وأنتَ رجلٌ.
وقرأ الباقون: «وَلِيَتَمَتَعُوا» بكسر اللام، فَقَالَ قومٌ: هِيَ لامُ «كي»، والاختيار أن تجعلها لامَ أمرٍ ووعيدٍ كالأولى سواء، ولكنَّ العربَ لها فِي الأمرِ لُغتان: الكسرُ عَلَى الأصل والجَزْمُ تخفيفًا، وقد ذكرتُ ذَلِكَ فِي الحجّ، والبقرة وأنبأت عن علته.
وقال ابنُ مجاهدٍ: واختلف عن نافعٍ. فروى ورش: «وَلِيَتَمَتَّعُواْ» بكسرِ اللام.
وروى الباقون عنه بالإسكان.
وقال بعضُ أهلِ العلمِ: الاختيارُ أن تجعله لامَ «كي» نسقًا عَلَى قوله: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَا أتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ﴾.
وقولُه: ﴿إنِّي مُهَاجِرٌ إلى رَبِّي﴾.
فتح الياء نافع وأبو عَمْرو.
وأسكنها الباقون.
стр. 343
ومن سورة الروم
قولُه تَعَالى: ﴿ثُمَّ كان عاقبة الذين أساؤا السُّوأى﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ وابنُ عامرٍ «عاقبةَ» بالنصب جعلوها خبر «كان» واسم «كان»، «السُّوأى» والسوأى: العذاب هاهنا و «أن كَذَّبُواْ» فِي موضعِ نصبٍ. والتَّقدير: ثُمَّ كان عاقبتهم العذاب لكذبهم، لأنْ كذَّبُوا بآيات الله.
وقرأ الباقون: «عاقبة» بالرفع جعلوها اسم «كان» والخَبر «السُّوأىَ»، والخبرُ والاسمُ هاهنا معرفتان. وإذا اجتمع اسمان نظرت فإن كان أحدُهما معرفةً والآخرةُ نكرةٌ جعلت النكرة الخَبَرَ، والمَعْرِفَةَ الاسمَ. وإذا كانا معرفتين كنتَ بالخِيَارِِ أيهما شئت جعلته خبرا، وأيُّهما شئتَ جعلته اسمًا، و «السُّوأى» اسمٌ على فعلى مثل قصوى.
وأبو عمرو يقرؤها بين بين.
وحمزةُ والكِسَائِيُّ يميلان.
والباقون يفخمون، قَالَ أُفنون التَّغلبي شاهدًا لأبي عمرٍو - والأفنون فِي اللُّغة:
الحَيَّةُ، والعَجُوْزُ:
أَنَّى جَزَوا عامرًا سُوْأَىْ لِفِعْلِهِمُ ... أَمْ كَيْفَ يَجْزُونَنِي السُّوْأَى مِنَ الحَسَنِ
أَمْ كَيْفَ يَنْفَعُ ما تُعْطِى العَلُوقَ بِهِ ... رِئْمَانُ أَنْفٍ إذَا مَا ضُنَّ باللَّبَنِ
وقولُه تَعَالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ﴾.
قرأ أَبُو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر بالياء. أي: يُرَدُّون.
وقرأ الباقون: «تُرْجَعُوْنَ» أي: تُردُّون.
وقولُه تَعَالى: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَأَيَاتٍ لِلْعالِمِيْنَ﴾.
قرأ عاصمٌ فِي روايةِ حَفْص: «لِلْعَالِمِيْنَ» بكسر اللام جمع عالِمٍ، لأنَّ العالِمَ بالشيءِ يكون أحسنَ اعتبارًا من الجاهل كما قَالَ تَعَالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إلَّا العَالِمُوْنَ﴾.
وقرأ الباقون: «لَأَيَاتٍ لِلْعَالَمِيْنَ» بفتح اللَّامِ، والعالَمُ: هُوَ كلُّ ما خلق الله من الإنس والجن وحيوانٍ وطائرٍ وجامدٍ.
فإن قيل لَكَ: فإذا كان العالَم كما قد فسرت فكيف تكون العبرة من الجَماد والطَّائِر والبَهيمة؟
стр. 344
فالجوابُ فِي ذَلِكَ: أن اللَّفظَ، وإن كان عامًّا، فإنه يراد بِهِ الخَاصُّ، والتَّقدير:
لآياتٍ للعالمين العقلاء، كما قال تعالى: ﴿وهو فَضَّلَكُمْ عَلَى العالَمِينَ﴾ أي: عالمي زمانهم من النِّساء، والرِّجال. ولم يُرد اللَّه تَعَالى أي: فَضَّلتكم عَلَى الجَماد. وإن كان اللَّه تَعَالى قد فضَّل الْإِنْسَان عَلَى كلِّ ما خَلَقَ عَلَى أن القرآن عِمْرَانَ العالم، الملائكة والإنس والجن.
وحدثنا أَبُو الْعَبَّاس بْن عُقْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن نوح، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا أميرُ المؤمنين أَبُو جَعْفَر المنَصور، عن أَبِيهِ، عن جَدّه، عن ابْنُ عَبَّاس فِي قولِهِ: ﴿الحَمْدُ للهِ ربِّ العالَمِيْنَ﴾ قَالَ الجنُّ والإنسُ.
وقولُهُ تَعَالى: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُوْنَ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «تَخرُجُونَ» بفتح التاءِ. جعل الفعل لَهُم؛ لأنَّ اللَّه تَعَالى إذا أخرجهم خَرَجُوا هُمْ، كما تَقُولُ: ماتَ زيدٌ. وإن كان اللَّه أماته، ودَخَلَ زيدٌ الجنةَ، وإن كان الله أدخله، لأنَّ المفعولَ بِهِ فاعلٌ إما بمطاوعةٍ أو حركةٍ.
وقرأ الباقون: ««تُخْرَجُونْ» بضمِّ التَّاءِ، وفتح الراءِ عَلَى ما لم يُسمَّ فاعله، وحجَّةُ الأولين قولُه تَعَالى: ﴿يَوْمَ يخرجون من الأجداث سراعا﴾.
وقوله تعالى: و ﴿كذلك نُفَصِّلُ الآَياتِ﴾.
اتَّفقُوا عَلَى النُّون. وإنَّما ذكرتُهُ لأنَّ عباسًا رَوَى عن أَبِي عَمْرٍو «وَكَذَلِكَ يُفَصِّلُ الآَياتِ» بالياءِ أي: قُل يا محمد وكذلك يفصل اللَّهُ الآياتِ أي: يُبينها.
ومن قرأ بالنُّون فالله تَعَالى يخبر عن نفسه، يقال: فصَّل الحكم إذا قطعه وفصّل الآيات، أي: بينها، وكذلك تَفصيل الجمل فِي الحساب إنما هُوَ التَّبين والتَّلخيص، والمفصل سُمِّي لكثرةِ الفُصُول فيها ب ﴿بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحيم﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿وما آتيتم مِنْ رِبًا﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ وحده: «أتَيْتُمْ» مقصورًا.
وقرأ الباقون بالمَدِّ؛ لأنَّه من الإِعطاء. وهما ألفان، ألف الأولى ألفُ قطعٍ، والثانية أَصْلِيَةٌ، آاتيتم. فلينت الثانية فصارت مدة والدَّليلُ على ذلك الحرف الذي بعده «وما آتيتم من زكاة» لأنهم لم يختلفوا في مده. والربا - هاهنا - ربا حلالٍ، وليس
стр. 345
حرامًا، لأنَّ الرّبا الحَرَامَ هُوَ أن يُعطى الرجل هديةً ليكافئه المُهدى إِلَيْه بأضعافها، لأنَّه يُهدى إِلَيْه ابتغاءَ وجهِ اللَّه. فهذا لا يَربو عندَ اللهِ، فأمَّا الزَّكاة والصدقة الهدية لله تَعَالى فإنه يَربو عندَ اللَّه. فكذلك قوله: ﴿وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هُمُ المُضْعِفُوْنَ﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿لِيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ الناس﴾.
قرأ نافع: «لتربو» بالتاء، وإسكان الواو فالتاء هاهنا للمُخاطبين، والواو واوُ الجمعِ، والواوُ التي هِيَ لام الفعلِ ساقطةٌ؛ لسكونِها وسكونِ هذه، والأصلُ: لتربووا فانقلبت الواوُ ياءً لانكسارِ ما قبلها، وحُذفت لسكونِها وسكونِ الواوِ، وإنما قرأَها كذلك، لأنَّهم كَتَبُوْها فِي المُصحف بألفٍ بعد الواوِ.
وقرأ الباقون: «ليربو» بالياء وفتح الواو. فيكون فعلا لربا، أي: ليربوا الرّبا.
وعلامةُ النصبِ فِي قراءةِ نافعٍ حذفُ النُّونِ، والأصلُ: لتربوون، فَسَقَطَتِ النُّون علامةُ للنصبِ وحجَّتهم: الحرف الَّذِي بعده «فَلَاْ يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ» بالياء ولم يَقُل «فلا يَرْبُونَ».
وقولُه تَعَالى: ﴿فَلَا يَرْبُواْ﴾.
«لا» بمعنى ليس، و «يربو» فعلٌ مستقبل، وعلامةُ رفعه سكون الواوِ وإن شئت.
стр. 346
ومن سورة الأحزاب
وقولُه تَعَالى: ﴿يُضَاعِفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾.
تَعَالى يخبر عن نفسه، ومَنْ شدد قال: تَقُولُ: أضعفت لَكَ الدّراهم، وضعَّفتُها إذا جعلتها مِثْلَيْها، وكان أبو عَمْرٍو يَقُولُ: إنَّما اخترتُ التَّشديد فِي هَذَا الحرفِ فقط لقوله مرَّتين، ومن قرأ بألفٍ فكأنه ضاعف لها العذاب أضعافًا مضاعفةً.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ﴾.
اتَّفق القُراء عَلَى الياءِ. قَالَ ابنُ مجاهدٍ: وهي قراءةٍ النَّاسِ كِّلهم لأنَّ مَنْ وإن كانت كناية عن مؤنث هاهنا فإن لفظها لفظ واحدٍ مذكَّرٍ. فقيل «ومن يقنت» عَلَى اللَّفظ.
ولو رُدَّ عَلَى المعنى لقيل: «ومن تَقْنِت» بالتاء، وإنما ذكرت هَذَا الحرف لأنَّ أبا حاتِمِ السِّجستاني روى فِي الشُّذوذِ عن أبي جعفرٍ. وشيبة، ونافع بالتاءِ «وَمَنْ تَقْنُتْ» وهو صَوابٌ فِي العَرَبِيَّةِ خطأٌ فِي الرِّواية، فأمَّا:
قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿تَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «ويَعمَلْ .... يُؤْتِهَا» بالياء فردًّا عَلَى لفظِ «مَن» يؤتها بالياءِ اسمُ اللَّه تَعَالى أي: يؤتها اللَّه أجرها مرّتين.
وقرأ الباقون: «وتَعْمَلْ» بالتاءِ، لأنَّه لما قيل: «مِنْكُنَّ» فظهر التأنيث كان الاختيار و «تَعْمَلْ» لأن اللَّفْظَةَ إذَا نُسِقَتْ عَلَى شَكْلِهَا وما قَرُبَ مِنْها أحرى وأولى من أن تُنَْسَقَ على ما بعدها، وقرءوا «نؤْتِهَا» بالنون، اللَّه تَعَالى يخبر عن نفسه، وهو الاختيار، لقوله بعد الآية: ﴿وَأعْتَدْنَا لَهَا رِزِْقًا﴾ ولم يَقُل ويُعتد لها، وهذا واضحٌ.
فإن قيلَ لَكَ: ما المَصدر من اعتدى ومن أعتدنا؟ .
فالجواب فِي ذَلِكَ: أن اعتدى التاء زائدةٌ، وألفها ألفُ وصلٍ، والمصَدر: اعتدى يعتدى اعتداءً فهو معتد: اعتد يا هَذَا، وهو افتعل من العُدوان والظُلم، وألف اعتدنا ألفُ قطعٍ والتاء أَصلية، وكذلك: «وَأَعْتَدَتْ لهن متكأ» المصدر من اعتد يُعْتِدُ إعتادًا. فهو معتِدٌ مثل أَكْرَمَ يُكْرِمُ إكرامًا فهو مُكْرِمٌ والأمر: أعتدِ مثل أكرِمْ، ومثله: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عتيد﴾. أي: معه معتد، وعتيد: فعيلٌ بمعنى مفعول، فعلى هَذَا يقال: عَتَدَ يعتد، وأعتد يعتد. والأمر يا هذا.
стр. 347
وقولُه تَعَالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوْتِكُنَّ﴾.
قرأ عاصمٌ ونافعٌ بفتح القاف جعلاه من الاستقرار، لا من الوقار، والأصل:
واقررن براءين مثل اقررن يا نسوة، واغضضن فحذف إحدى الراءين تخفيفًا كما قال: ﴿فظلتم تفكهون﴾. والأصل: فظلتم، تقول العرب: حسيت بالشيء وأحسست ومَسَسْتُ الثوب ومسيتُه، كأنَّهم يكرهون اجتماعَ حرفين فيحذفون واحدًا، قَالَ الشَّاعِرُ:
خَلَا أنَّ العِتَاقَ مِنَ المَطَايَا ... أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إِلَيْهِ شُوْسُ
وقرأ الباقون: «وقِرْنَ فِيْ بُيُوْتِكُنَّ» بكسر القاف جعلوه من الوَقار، والأصل أن تَقُولُ: وقر يَقِرُ مثل وَزَرَ يَزِرُ، وَوَعَدَ يَعِدُ، والأمر: قِر، مثل عِد وزِن، وقِرُوا للرجال مثل زِنُوا وقِرْنَ يا نِّسْوَهِ مثل عِدْنَ.
وفيه قول آخر - ما علمتُ أحدًا ذكره - وهو أن يكون من قِرَّ بكسر القافِ، أراد: الاستقرار؛ لأن الكِسَائِيّ حكى أن من العرب مَن يَقُولُ: قررت فِي المَكان أَقِرُّ، والأمر من هَذَا قِرَّ فِي بيتك يا فتى، واقرر، وأقررن، ثُمَّ نقل كسرة الراء إلى القاف، وحذف إحدى الراءين تخفيفًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَا تَبَرَجْنَ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ بالتَّشديد برواية البزي.
والباقون بتخفيفها.
وقولُه تَعَالى: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾.
قرأ أهلُ الكوفةِ وهشامٌ، عن ابْنُ عامرٍ بالياء، لأن تأنيث الخيرة غير حقيقي.
وقرأ الباقون بالتاء التأنيث: «الخيرة» ومن العرب من يسكن الياء، فيقول: خِيْرَة.
فأمَّا الخيرُ فجمع خيرة، والخَيْرُ بتسكين الياء: الكرم، والأصل أن يقال: فلانٌ كريمُ الخير والخيم، قَالَ المُنَخَّل:
إنْ كُنْتِ عاذِلَتِي فَسِيْرِى ... نَحْوَ العِرَاقِ وَلَاْ تَحُوْرِىْ
لَا تَسْأَلِي عَنْ جُلَّ مَالِيْ ... وانْظُرِيْ حَسَبِيْ وَخَيْرِيْ
فأمَّا قولُه: «فِيْهِنَّ خَيراتٌ حِسَانٌ» فالواحدة خير بسكون الياء وفتح الخاء.
وروى: «فِيْهِنَّ خَيِّراتٌ حِسَانٌ» فالواحدة خيرة، والمذكر خَيِّرٌ مثل سَيِّدٌ. فأمَّا الخيرُ
стр. 348
فجمعه خُيُوْرٌ مثل بَحر وبحورٌ. وأمَّا قولُه تَعَالى: ﴿وإنَّهُمْ عِنْدَنَا لِمَنَ المُصْطَفَينَ الأَخْيَارِ﴾ فجمعُ خيرٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخَاتَمَ النَبِيِّينَ﴾.
قرأ عاصمٌ وحده: «وخاتَم» بفتح التاء، واحتج بأن عليَّا ﵁ مرَّ بأبي عَبْد الرَّحمن السُّلَمِيُّ، وهو يُقرئ الْحَسَن والحسين ﵉ «ولكن رَسُولَ اللهِ وخَاتِمَ النَّبِيِّينَ» فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن حبيب أقرئهما: «وخاتَم النَّبيين» بفتح التاء.
وقرأ الباقون: «وخاتِمَ» بالكسر، وهو الاختيار؛ لأنَّه فاعل من ختم الأنبياءَ، فهو خاتِمُهم ﷺ مثل جمعهم فهو جامِعهم. والحُجَّةُ فِي ذَلِكَ: أن ابنَ مَسْعُود قرأ: «ولَكِنْ نَّبِيًّا خَتَمَ النَّبيين» إلا أن يَصِحَّ الخبرُ عن عليّ ﵁، وإنكاره عَلَى أَبِي عَبْدِ الرحمن فيصير الاختيار الفتحة كما قَالَ عليٌّ ﵁. فأمَّا الخاتَمُ الَّذِي يلبس فِي الأصبع فيقال لَهُ: الخاتَم، والخاتِم، مثل الدَّانَق والدَّانِق والطَّابَق والطَّابِق وسمعتُ ابْنُ حبّان يَقُولُ: فِيهِ أربعُ لغات، خاتم وخاتم، وخاتام، وينشد:
يا خدل ذات الجورب المُنْشَقِّ ... أَخَذْتِ خَاتَامي بِغَيْرِ حَقٍّ
ويقال: تختَّم: إذا تعمم، وجاء فلان متختما أي: متهما، ويقال لخاتم الملك خاصة، الحِلْقُ، ويُنشَدُ:
وأُعْطِيَ مِنَّ الحِلْقَ أَبْيَضُ مَاجدٌ ... رَبِيبُ مُلُوْكٍ ما تَغَبُّ نَوافِلُهْ
فإن قيلَ: بما انتَصَبَ «رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ»؟
فقُلْ: بإضمارِ كان إذ كان نسقًا عَلَى كان والتقدير: ولكن كان رَسُولَ اللَّه وخاتمَ النَّبيين.
وروى عَبْد الوارث، عن أَبِي عَمْرو «ولكنَّ رَسُولَ اللهِ» بتشديد النون.
ف «رَسُولَ اللَّه» فِي هذه القراءة ينتصب ب «لكنَّ» المشددة.
وسمعتُ ابنُ مجاهدٍ يَقُولُ: لو قرأَ قارِئٌ: «ولكن رَسُولُ اللَّه وخَاتمُ النَّبِيِّينَ» بالرفع لكان صوابًا، عَلَى تقديرِ: ما كان محمدًا أبا أحدٍ من رجالكم ولكن هُوَ رَسُولُ اللَّه وخاتَمُ النَّبِيِّينَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
قرأ حمزة والكِسَائِيّ: «تماسوهن» بألف.
стр. 349
والباقون بغير ألف. وقد ذكرت علته فِي البقرة.
وقولُه تَعَالى: ﴿تَعْتَدُّونَهَاْ﴾.
روى ابْنُ أَبِي بزة عن ابْنُ كثير «تَعْتَدُونَهَا» خفيفًا.
قَالَ ابنُ مجاهدٍ: وهو غَلَطٌ.
وقرأ الباقون بالتَّشديدِ، وهو الصَّواب؛ لأنَّ وزنه تفتعلونها فأدغمت التاءَ في الدال، فالتشديد من أجل ذَلِكَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿تُرْجِى مَنْ تَشَاءُ﴾.
قرأ نافعٌ وحمزةُ والكِسَائِيُّ وحفصٌ بترك الهمزة. ومعناه: تُؤَخِّرُ.
وقرأ الباقون بالهَمْزِ، وهما لُغتان: أرجأت، وأرجيت ويجوز لمن ترك الهمز أن يكونَ أراد الهمز فلين، كما يقال: أقرأت الكتاب، وأقريته، فيحولون الهمزة ياء.
فإن سَأَلَ سائلٌ عن قولُه تَعَالى: ﴿وتُؤْوِى إلَيكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: تلين الهمزةِ الساكنةِ نحو: «يُؤتون» و «يُؤمنون» و «تُؤثرون» فهل يجوز ترك الهمزة هاهنا؟ . فقل: إنَّ أبا عمرٍو ترك الهمز فِي «يُؤْمِنُونَ» و «يُؤثِرُونَ» تخفيفًا، فإذا كان ترك الهمز أثقل من الهمز لم يدع الهمزة ألا ترى أنك لو لينت «وتووي» لا يلتقي واوان قبلهما ضمة، فثَقُلت. فترك الهمزِ فِيهِ خطأٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾.
قرأ أَبُو عَمْرٍو وحده بالتاء.
وقرأ الباقون بالياء. فمن ذَكَّره قَالَ: شاهِدُهُ: «وَقَالَ نِسْوَةٌ» ولم يَقُل: وقالَت، ومَن أنَّثَ قَالَ: النِّسْوَةُ جمعٌ قليلٌ والعربُ تَقُولُ: قامَ الجواري إذا كُنّ قليلات، وقامت، إذا كُنَّ كثيراتٍ. وهذا مذهب الكوفيين، فقيل لثَعلب: لِمَ ذكِّر إذا كان قليلًا.
فَقَالَ: لأنَّ القليلَ قبل الكثير، كما أنَّ المُذَكَّرَ قبل المؤنث فجعلوه الأول للأول.
وهذا لطيفٌ حَسَنٌ، قَالَ الشاعر:
فحف لكل محصنة هداء ... فإن تكن النساء مخبآت
...... وفداء
وقال البَصريُّون: النِّساءُ، والنِّسْوَةُ، والرِّجالُ فِي الجمع سواءٌ، والتَّذكير والتَّأنيث سواءٌ. فتقول العرب: قامَ الرِّجالُ وقامت الرِّجالُ، وقال النِّساء وقالتِ النساء، إنما
стр. 350
يريد قامَتْ جماعةُ الرِّجالِ، وجماعةُ النِّساءِ، وتأنيث الجَماعة غيرُ حقيقيٍّ فتؤنث عَلَى اللَّفظ تارةً، وتذكر عَلَى المَعنى أُخرى.
فِيهِ جوابٌ رابعٌ: قَالَ بعضُ المَشْيَخَةِ: الاختيارُ الياء فِي: «لا يَحِلُ لك النِّسَاءُ» لأنَّه أراد: لا يحل لَكَ شيءٌ من النِّساء كما قَالَ «لَنْ يَنَالَ اللَّه لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا» وإنما التٌَّقدير: لم يَنال اللَّه شيئًا من لحومها.
وقولُه تعالى: ﴿ولا أن تبدل بهن﴾.
والباقون بالتخفيف.
وقوله تعالى: ﴿غير ناظرين إناه﴾.
قرأ حمزة والكسائي وهشام: «إناه» بالإمالة، لأنه من أَنى يأنى: إذا انتهى نُضجُهُ، وبلوغُ غايته. فالهاء كناية عن الطّعام، وكان ابنُ كثيرٍ يُلحق الهاءَ واوًا عَلَى ما شرط فيقول «إناهوا».
وقرأ الباقون بالتَّفخيم، لأنَّ الياءَ قد انقلبت ألفًا والأصل: أنية و «غير نَاظِرينَ» نصبٌ عَلَى الحالِ، أي: غيرَ مُنتظرين نضجه، تقولُ العربُ: أني لك أن تفعل ذَلِكَ يأني أي: حان وقرب من قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ووني زيدٌ يني:
ضَعُفَ من قوله: ﴿ولا تَِنَيا﴾ والأمر: نِ يا زيدُ، بنون مكسورة فقط مثل ع كلامي، وش ثوبَك، من وَعَى يَعِيْ وَوَشَى يَشِيْ فإذا وقفتَ قلتَ فِي هَذَا كله: نه وعه وشه.
والأمرُ من أنى يأنى إئنِ يا زَيْد مثل ايتِ، لأن يأني مثل يأتي.
وقولُه تَعَالى: ﴿إنَّا أطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾.
قرأ ابنُ عامرٍ وحده: «سَاداتِنَا» بالألف وكسر التاءِ، كأنه جعله جمع الجمع، لأن سادة جمع سيِّدٍ، وسادات جمع الجمع، فسادة جمع التكسير يجري آخره، بِوُجُوه الإِعرابِ، ومن قَالَ: سادات فهو جمعُ السلامة نصبه كجرِّه، فالتاء مكسورة فِي حال النصب، كقوله: رَأَيْت بناتك و «إن السَّمَاواتِ والأرْضَ كانَتَا رَتْقًا».
وحدَّثني أَحْمَد بْن عليّ، عن أَبِي عُبَيْدٍ أنَّ الْحُسَيْن قرأ: «أطَعْنَا سَاداتِنَا» مثلُ ابنِ عامر.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَالعَنْهُمْ لَعْنا كَبِيرًا﴾.
قرأ عاصمٌ وابنُ عامر بالباء.
стр. 351
وقرأ الباقون: «كَثِيرًا» بالثَّاء، وقد أنبأت عن علته فِي البَقرة عند قوله: «فِيْهِمَا إثْمٌ كبير» ومعنى اللعن: الطَّرْدُ.
قَالَ الشَّمَّاخُ:
ذَعَرْتُ بِهِ القَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ ... مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجًلِ اللَّعِيْنِ
стр. 352
ومن سورة سبأ
قولُه تَعَالى: ﴿عَالِمِ الغَيْبِ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «عَلَّامِ الغَيْبِ» بالخفضِ نعتٌ للرب تَعَالى فِي قَولُه: «قُلْ بَلَى وَرَبِّي﴾ علَّامِ الغَيْبِ» لأنَّ «بَلَى» صلى للقسمِ، و «رَبِّي» جرٌّ بواوِ القسمِ.
و«علَّام» أبلغُ فِي المَدْحِ من «عَلِيْمٍ» و «عالِمٍ» لأنَّ فَعَّالًا لفعلِ وضعَ للتَّكثِيْر والدَّوامِ، والمُبالغة فِي الصِّفة كقوله: جزَّار وحلَّاق، وفلان سبَّاقٌ بالخيرات، واحتجا بما حَدَّثَنِي ابنُ مُجاهدٍ، عن مُحَمَّد بْن هارون، عن يَحيى بْن زيادٍ، قَالَ: فِي حرفِ ابْنُ مَسْعُودٍ «عَلّامُ الغَيْبِ» واحتَجَّا أيضًا بما فِي آخر السُّورة ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذفُ بالحَقِّ عَلَّامُ الغُيُوْبِ﴾.
وقال الباقون أعني من قرأ: «عالم الغيب» وهو ابنُ كَثيرٍ وأبو عَمْرٍو وعاصِمٌ «عَلَّامُ الغُيُوبِ» فِي آخرِ السُّورة مضافٌ إلى الجَمعِ فَشُدِّدَتْ للتَّكثرِ والتَّرديد. كما تَقولُ العربُ: أَغْلَقْتُ البابُ مُخَفَّفَا فإن جَمَعُوا قَالُوا غُلِّقَتِ الَأبْوَابُ، وذَبَّحْتُ الشَّاء قَالُوا:
والاختِيَارُ «عَالِمِ الغَيْبِ» كما قَالَ تَعَالى فِي قَدْ أَفْلَحَ، ﴿عَالِمِ الغَيْبِ والشِّهَادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُوْنَ﴾.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ: «عَالِمُ الغَيْبِ» بالرَّفْعِ عَلَى الابتداءِ والخَبرِ: هُوَ عالمُ الغَيْبِ.
والعَرَبُ تَقُولُ: رجلٌ عالمٌ فإذا زادوا فِي المدح، قَالُوا: عَلِيْمٌ، فإذا بالَغُوا فِي الوصف قَالُوا: علَّامُ، وعلَّامة.
وقولُه تَعَالى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾.
قرأ الكِسَائِيُّ وحده: «لَا يَعْزِبُ عَنْهُ» بكسرِ الزاي.
وقرأ الباقون بالضَمِّ. وهما لُغتان: يَعْزُبُ، ويَعْزِبُ مثل يَعْكُفُ، ويَعْكِفُ، ويَعْرُشُ، ويَعْرِشُ، وقَد ذكرتُ علة ذَلِكَ فِي سورة يُونس.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَهُمْ عذاب من رجز أليم﴾.
قرأ ابن كثير وحفصٌ، عن عاصمٍ: «مِنْ رِجْزٍ أَليمٌ» بالرفع فجعله نعتًا للعذاب أي: لَهُمْ عذابٌ أليمٌ من رجزً، والأليمُ: المؤلِمُ الموجِعُ، يقال: آلمتُ الشَّيء آلم. قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿إنْ تكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُم يَألَمُونَ كَمَا تَألَمُون﴾ وقال: أَليمٌ بمعنى مُؤلم، مثل
стр. 353
سمِيعٍ بمعني مُسمع. كما قَالَ:
أَمِن رَيْحَانَةِ الدَّاعىْ السَّمِيْعُ ... يُؤَرِّقُنِيْ وَأَصْحَابِيْ هُجُوْعُ
أراد: المُسمع.
وقرأ الباقون: «مِنْ رجْزٍ ألِيمٍ» جعلوه نعتًا للرجز يختلف النَّاس فِيهِ، فقالوا: هُوَ بمعنى الرِّجس، وقالوا: كل ما فِي القرآن الرّجس فهو النَتَنُ، وما كان الرِّجز فهو العَذَابُ إلا قولُه: «الرُّجْزَ فاهجُرْ» فإنَّ معناه: وَعَبَدَةِ الأوثَان فاجتنبهم لأن الرجز - هاهنا - الصنم بالضم.
وقوله تعالى: ﴿إن نشأ نخسف بِهِمُ الأَرضَ أو نُسقِطْ﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بالياء اختيارا عن اللَّه «إن يَشَأ يَخْسِفْ بِهِمُ».
وقرأ الباقون بالنون. الله تعالى يخبر عن نفسه. واتفق القُراء عَلَى إظهار الفاءِ عند الباء، لأنَّ الباء يخرج من بين الشَّفتين، والفاءُ تخرجُ من باطنِ الشَّفةِ السُّفلى والثَّنايا العليا وفيه نَفَسٌ فبطلَ الإِدغامُ لذلك إلا الكِسَائيُّ وحده، فإنه قرأ بالإدغام «نَخْسِفْ بِّهِمُ» فأمَّا إدغام الباءِ فِي الفاءِ فصوابٌ كقراءةِ أَبِي عَمْرٍو: «وإنْ تَعْجَبٌ فعجب قَولُهُمْ» وقَد ذكرنا علة ذَلِكَ فيما سَلَفَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيْحَ﴾.
قرأ عاصمٌ وحده فِي روايةِ أَبِي بكر: «الريح» بالرفع جعله ابتداء، «وله» الخبر ولم يظهر العامل، والأصل بالنصب عَلَى ما قرأ الباقون: «ولسليمان الريح» أي:
سَخَّرنا لسليمان الرِّيْحَ «غُدُوُّها شَهْرٌ، وَرَواحُهَا شهر» بالرفع، ولو قيل: «غدوها شهرا، ورواحها شهرًا» بالنصب لكان جائزًا فِي غير القرآن، جعله نصبًا عَلَى الظرف أي: غدوها فِي شهرٍ، غير أن الاختيار فِي الكلام، وفي القرآن الرَّفعُ، إذا كان بالابتداء مصدرًا كقولك صيامي شهر، وصلاتي خمس شهرٌ، قَالَ الشَّاعِر:
وإنَّ سُلُوِّى عن جَمِيْلٍ لَسَاعَةٌ ... مِنَ الدّهْرِ مَا حَانَتْ وَلَا حَانَ حِيْنُهَا
فرفع «لَساعَةٌ» لأنَّ السلوَّ مصدرٌ، والخبرُ نكرةٌ، فإن جعلت الخبرَ معرفةً فاختيارُ العربِ النَّصبُ.
وحدَّثني ابنُ مجاهدٍ، عن السِّمَّرِيِّ، عن الفَرَّاء، قَالَ: تَقُولُ العربُ: ما ترك فلانٌ عن أَبِيهِ غُدُوًّا، ولا رواحًا، ولا مَغْدًى ولا مراحًا بمعنى واحدٌ: إذا نزع فِي الشبه إليه.
стр. 354
وقولُه تَعَالى ﴿وَجِفَانٍ كَالجَوَابِ﴾.
قرأ ابنُ كثيرٍ: «الجوابي» بالياء، وصل أو قف على الأصل، لأن الأصل جبية والجمعُ جوابٍ، قَالَ الشَّاعِر - هُوَ الأعشى -:
كَجَابِيَةِ الشَّيْخِ العِرَاقِيِّ تَفْهَقُ
والجوابي: الحياض، والجفان: القِصاع الكِبار، والقدور الراسيات الثابتة التي لا تَزِلُّ لعظمها، واستعمالهم إياها دائمة.
والباقون يحذفونها وصلًا، ووقفًا اجتزاء بالكسرةِ واتباعًا للكتاب.
وكذلك قرأ نافعٌ بروايةِ ورشٍ «الجوابي» بالصلة فِي الوصل.
وكان بعضُ الزَّنادقة، يَقُولُ: إن فِي القرآن ما يُوافق الشِّعر كقوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾، ﴿ودانية عليهم ظلالها﴾، ﴿وجفان كالجواب وَقُدُوْرٍ رَاسِيَاتٍ﴾ وهذا الزِّنديق مَعَ كُفره جاهلٌ بمذهبِ العربِ وافتنانها بالمَنظوم والمَنثور.
وذلك أنَّ الشَّاعر لا يَقُولُ بيتًا وفي آخره حرف نَسَقٍ لم يَتَقَدَّمْهُ بَيْتٌ قبله، ولا يكونُ الكلامُ شعرًا حتَّى يَقُولُ صاحِبُهُ إني نظمت هَذَا الكلام وجعلتُهُ شعرًا، فأمَّا إذا تكلَّم بكلامٍ موزونٍ لم يُسَمَّ شعرًا، وأنت تجد ذَلِكَ فِي كلام العجم، والعامِيُّ لا يعرف الشعر ربما يتكلم بكلامٍ لو حُمل عَلَى بحور الشعر وعروضه لاتزن، وهذا بيِّنٌ والحمد لله.
وقولُه تَعَالى: ﴿إلَّا دابَّةُ الَأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾.
قرأ أَبُو عَمْرٍو ونافع الهمزِ تخفيفًا. والأصل الهمز من «مِنْسَأَتَهُ» كما قرأ الباقون.
وقرأ ابنُ ذكوان عن ابْنُ عامرٍ «مِنْسَأْتَهُ» بسكون الهمزة.
والمِنْسَأَةُ: العَصَا.
وحدَّثني ابن مجاهد عن السمري، عن الفراء، قال: حَدَّثَنِي حِبَّان، عن الكَلْبِيّ، عن أَبِي صالحٍ، عن ابْنُ عَبَّاس فِي قولُه: «تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ» قَالَ: عَصَاهُ. قَالَ الشَّاعِرُ - فِي تركِ الهَمْزِ -:
إذَا دَبَبْتَ عَلَى المَنْسَاةِ من كِبَرٍ ... فَقَدْ تَبَاْعَدَ عَنْك اللَّهْوُ وَالغَزَلُ
وقال بعضهم: لا تُسمي العصا المَنْسَأَةَ إلا عصا الرَّاعي الكبيرة، وإنما قيل لها المَنْسَأَة، لأنَّه يُنسى بها أي: يُؤخر بها الدَّواب يقال: أَنسأ اللَّه أجلك، ونَسَأَ اللَّه فِي أَجَلِكَ أي: أخَّر فِي عمرك وزاد فِيهِ، ويقالُ للَّبَنِ إذا مُزِجَ بالماء ومذقته: النسء
стр. 355
أنشدني ابن دريد:
سقوني النسء ثم تكنفوني ... عداة الله من كذب وزور
ويقال: نسيت المرأة تنسى وهي نسيء كما ترى، والجمع نسو ونسوء كما تَرى:
إذا حَبَلَتْ. فالمَنسأة: كلمةٌ واحدةٌ. قَالَ النحويون: ولو قُرِئَ: من سِئَتِهِ لكان صوابًا، يجعله كلمتين مأخوذ من سِئَةِ القَوْسِ، وهما طرفاها، غيرَ أنَّ القُرآن سنةٌ، ولا يقرأ كل ما يجوزُ فِي النَّحو، إنما يتبع فِيهِ الأئمة.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَقَدْ كَاْنَ لِسَبَإ﴾.
فقد ذكرته فِي سورة النمل وإنما أعدتُ ذكره، لأنَّ بعضَ النَّحويين اختار الصَّرْفَ؛ لأنَّه صحَّ عندنا عن رَسُولِ اللَّه ﷺ أن سبأ رجلٌ وله عشرةُ من البَنين، وله حديث.
حَدَّثَنِي أَبُو عبد الله الحكيمي، حدثنا حَمَّاد بْن عبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزيد بْن هارون، قَالَ: أخبرنا أَبُو جنابٍ، عن يَحيى بْن هشام، عن فروة بْن مُسَيْكَة، قَالَ: «أتيت رَسُول اللَّه ﷺ فقلت يا رَسُول اللَّه أرأيت سبأ، أوادٍ هُوَ أم جَبَلٌ؟ قَالَ: لا، بل هُوَ رجلٌ من العَرَب، ولد عَشَرَةٌ، فتيامن ستةٌ وتشاءم أربعة، فتيامن الأَزدُ، والأشعرونَ، وحِمْيرٌ، وكِنْدَةٌ، ومَذْحِجٌ، وأَنْمَارٌ الَّذِي يقال لهم: بَجِيْلَةَ، وخَثْعَم. وتَشاءم أربعةٌ لخمٌ، وجُذَام، وعاملةُ، وغسَّان.
وقولُه تَعَالى: ﴿فِيْ مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾.
قرأ الكِسَائِيُّ: «فِي مَسْكِنِهِمْ» بكسرِ الكاف جعله اسمُ الموضع الَّذِي يسكنون فِيهِ، كما قَرَأ: «حَتّى مَطْلِعَ الفَجْرِ» أي: فِي مَوضع الطُّلوع، ومثله المَسْجِدُ: موضع السُّجود.
وقرأ حمزةُ عن عاصمٍ: «مَسْكَنِهِمْ» بفتح الكاف جعلوه لغتين المَسْكَنُ والمَسْكِنُ، مثل المَنْسَكِ والمَنْسِكِ، والمَهْلَكِ والمَهْلِكِ.
وقال آخرون: الاختيار لمَن فَتَحَ لَهُ يجعلَه مصدرًا «لَقَدْ كانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ» أي: سُكناهم و «فِي مَسَكِنِهِمْ» بمعنًى، ومهلكهم وهلاكهم بمعنى، وحتى مطلع الفجر، وحتى طلوع الفجر، وهذا باب قد أحكمناه فِي سورة الكهف.
وقرأ الباقون: «فِي مَسَاكِنِهِمْ» بالجماع بألفٍ مثل المَساجد، والسَّكنُ: أهلُ الدارِ،
следующие страницы →