← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 3

إعراب القراءات السبع وعللها ط العلمية

ابن خالويه

Полный текст (555 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقرأ الباقون: «كَثِيرًا» بالثَّاء، وقد أنبأت عن علته فِي البَقرة عند قوله: «فِيْهِمَا إثْمٌ كبير» ومعنى اللعن: الطَّرْدُ. قَالَ الشَّمَّاخُ: ذَعَرْتُ بِهِ القَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ ... مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجًلِ اللَّعِيْنِ

стр. 352

ومن سورة سبأ قولُه تَعَالى: ﴿عَالِمِ الغَيْبِ﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «عَلَّامِ الغَيْبِ» بالخفضِ نعتٌ للرب تَعَالى فِي قَولُه: «قُلْ بَلَى وَرَبِّي﴾ علَّامِ الغَيْبِ» لأنَّ «بَلَى» صلى للقسمِ، و «رَبِّي» جرٌّ بواوِ القسمِ. و«علَّام» أبلغُ فِي المَدْحِ من «عَلِيْمٍ» و «عالِمٍ» لأنَّ فَعَّالًا لفعلِ وضعَ للتَّكثِيْر والدَّوامِ، والمُبالغة فِي الصِّفة كقوله: جزَّار وحلَّاق، وفلان سبَّاقٌ بالخيرات، واحتجا بما حَدَّثَنِي ابنُ مُجاهدٍ، عن مُحَمَّد بْن هارون، عن يَحيى بْن زيادٍ، قَالَ: فِي حرفِ ابْنُ مَسْعُودٍ «عَلّامُ الغَيْبِ» واحتَجَّا أيضًا بما فِي آخر السُّورة ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذفُ بالحَقِّ عَلَّامُ الغُيُوْبِ﴾. وقال الباقون أعني من قرأ: «عالم الغيب» وهو ابنُ كَثيرٍ وأبو عَمْرٍو وعاصِمٌ «عَلَّامُ الغُيُوبِ» فِي آخرِ السُّورة مضافٌ إلى الجَمعِ فَشُدِّدَتْ للتَّكثرِ والتَّرديد. كما تَقولُ العربُ: أَغْلَقْتُ البابُ مُخَفَّفَا فإن جَمَعُوا قَالُوا غُلِّقَتِ الَأبْوَابُ، وذَبَّحْتُ الشَّاء قَالُوا: والاختِيَارُ «عَالِمِ الغَيْبِ» كما قَالَ تَعَالى فِي قَدْ أَفْلَحَ، ﴿عَالِمِ الغَيْبِ والشِّهَادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُوْنَ﴾. وقرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ: «عَالِمُ الغَيْبِ» بالرَّفْعِ عَلَى الابتداءِ والخَبرِ: هُوَ عالمُ الغَيْبِ. والعَرَبُ تَقُولُ: رجلٌ عالمٌ فإذا زادوا فِي المدح، قَالُوا: عَلِيْمٌ، فإذا بالَغُوا فِي الوصف قَالُوا: علَّامُ، وعلَّامة. وقولُه تَعَالى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾. قرأ الكِسَائِيُّ وحده: «لَا يَعْزِبُ عَنْهُ» بكسرِ الزاي. وقرأ الباقون بالضَمِّ. وهما لُغتان: يَعْزُبُ، ويَعْزِبُ مثل يَعْكُفُ، ويَعْكِفُ، ويَعْرُشُ، ويَعْرِشُ، وقَد ذكرتُ علة ذَلِكَ فِي سورة يُونس. وقولُه تَعَالى: ﴿لَهُمْ عذاب من رجز أليم﴾. قرأ ابن كثير وحفصٌ، عن عاصمٍ: «مِنْ رِجْزٍ أَليمٌ» بالرفع فجعله نعتًا للعذاب أي: لَهُمْ عذابٌ أليمٌ من رجزً، والأليمُ: المؤلِمُ الموجِعُ، يقال: آلمتُ الشَّيء آلم. قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿إنْ تكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُم يَألَمُونَ كَمَا تَألَمُون﴾ وقال: أَليمٌ بمعنى مُؤلم، مثل

стр. 353

سمِيعٍ بمعني مُسمع. كما قَالَ: أَمِن رَيْحَانَةِ الدَّاعىْ السَّمِيْعُ ... يُؤَرِّقُنِيْ وَأَصْحَابِيْ هُجُوْعُ أراد: المُسمع. وقرأ الباقون: «مِنْ رجْزٍ ألِيمٍ» جعلوه نعتًا للرجز يختلف النَّاس فِيهِ، فقالوا: هُوَ بمعنى الرِّجس، وقالوا: كل ما فِي القرآن الرّجس فهو النَتَنُ، وما كان الرِّجز فهو العَذَابُ إلا قولُه: «الرُّجْزَ فاهجُرْ» فإنَّ معناه: وَعَبَدَةِ الأوثَان فاجتنبهم لأن الرجز - هاهنا - الصنم بالضم. وقوله تعالى: ﴿إن نشأ نخسف بِهِمُ الأَرضَ أو نُسقِطْ﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بالياء اختيارا عن اللَّه «إن يَشَأ يَخْسِفْ بِهِمُ». وقرأ الباقون بالنون. الله تعالى يخبر عن نفسه. واتفق القُراء عَلَى إظهار الفاءِ عند الباء، لأنَّ الباء يخرج من بين الشَّفتين، والفاءُ تخرجُ من باطنِ الشَّفةِ السُّفلى والثَّنايا العليا وفيه نَفَسٌ فبطلَ الإِدغامُ لذلك إلا الكِسَائيُّ وحده، فإنه قرأ بالإدغام «نَخْسِفْ بِّهِمُ» فأمَّا إدغام الباءِ فِي الفاءِ فصوابٌ كقراءةِ أَبِي عَمْرٍو: «وإنْ تَعْجَبٌ فعجب قَولُهُمْ» وقَد ذكرنا علة ذَلِكَ فيما سَلَفَ. وقولُه تَعَالى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيْحَ﴾. قرأ عاصمٌ وحده فِي روايةِ أَبِي بكر: «الريح» بالرفع جعله ابتداء، «وله» الخبر ولم يظهر العامل، والأصل بالنصب عَلَى ما قرأ الباقون: «ولسليمان الريح» أي: سَخَّرنا لسليمان الرِّيْحَ «غُدُوُّها شَهْرٌ، وَرَواحُهَا شهر» بالرفع، ولو قيل: «غدوها شهرا، ورواحها شهرًا» بالنصب لكان جائزًا فِي غير القرآن، جعله نصبًا عَلَى الظرف أي: غدوها فِي شهرٍ، غير أن الاختيار فِي الكلام، وفي القرآن الرَّفعُ، إذا كان بالابتداء مصدرًا كقولك صيامي شهر، وصلاتي خمس شهرٌ، قَالَ الشَّاعِر: وإنَّ سُلُوِّى عن جَمِيْلٍ لَسَاعَةٌ ... مِنَ الدّهْرِ مَا حَانَتْ وَلَا حَانَ حِيْنُهَا فرفع «لَساعَةٌ» لأنَّ السلوَّ مصدرٌ، والخبرُ نكرةٌ، فإن جعلت الخبرَ معرفةً فاختيارُ العربِ النَّصبُ. وحدَّثني ابنُ مجاهدٍ، عن السِّمَّرِيِّ، عن الفَرَّاء، قَالَ: تَقُولُ العربُ: ما ترك فلانٌ عن أَبِيهِ غُدُوًّا، ولا رواحًا، ولا مَغْدًى ولا مراحًا بمعنى واحدٌ: إذا نزع فِي الشبه إليه.

стр. 354

وقولُه تَعَالى ﴿وَجِفَانٍ كَالجَوَابِ﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ: «الجوابي» بالياء، وصل أو قف على الأصل، لأن الأصل جبية والجمعُ جوابٍ، قَالَ الشَّاعِر - هُوَ الأعشى -: كَجَابِيَةِ الشَّيْخِ العِرَاقِيِّ تَفْهَقُ والجوابي: الحياض، والجفان: القِصاع الكِبار، والقدور الراسيات الثابتة التي لا تَزِلُّ لعظمها، واستعمالهم إياها دائمة. والباقون يحذفونها وصلًا، ووقفًا اجتزاء بالكسرةِ واتباعًا للكتاب. وكذلك قرأ نافعٌ بروايةِ ورشٍ «الجوابي» بالصلة فِي الوصل. وكان بعضُ الزَّنادقة، يَقُولُ: إن فِي القرآن ما يُوافق الشِّعر كقوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾، ﴿ودانية عليهم ظلالها﴾، ﴿وجفان كالجواب وَقُدُوْرٍ رَاسِيَاتٍ﴾ وهذا الزِّنديق مَعَ كُفره جاهلٌ بمذهبِ العربِ وافتنانها بالمَنظوم والمَنثور. وذلك أنَّ الشَّاعر لا يَقُولُ بيتًا وفي آخره حرف نَسَقٍ لم يَتَقَدَّمْهُ بَيْتٌ قبله، ولا يكونُ الكلامُ شعرًا حتَّى يَقُولُ صاحِبُهُ إني نظمت هَذَا الكلام وجعلتُهُ شعرًا، فأمَّا إذا تكلَّم بكلامٍ موزونٍ لم يُسَمَّ شعرًا، وأنت تجد ذَلِكَ فِي كلام العجم، والعامِيُّ لا يعرف الشعر ربما يتكلم بكلامٍ لو حُمل عَلَى بحور الشعر وعروضه لاتزن، وهذا بيِّنٌ والحمد لله. وقولُه تَعَالى: ﴿إلَّا دابَّةُ الَأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾. قرأ أَبُو عَمْرٍو ونافع الهمزِ تخفيفًا. والأصل الهمز من «مِنْسَأَتَهُ» كما قرأ الباقون. وقرأ ابنُ ذكوان عن ابْنُ عامرٍ «مِنْسَأْتَهُ» بسكون الهمزة. والمِنْسَأَةُ: العَصَا. وحدَّثني ابن مجاهد عن السمري، عن الفراء، قال: حَدَّثَنِي حِبَّان، عن الكَلْبِيّ، عن أَبِي صالحٍ، عن ابْنُ عَبَّاس فِي قولُه: «تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ» قَالَ: عَصَاهُ. قَالَ الشَّاعِرُ - فِي تركِ الهَمْزِ -: إذَا دَبَبْتَ عَلَى المَنْسَاةِ من كِبَرٍ ... فَقَدْ تَبَاْعَدَ عَنْك اللَّهْوُ وَالغَزَلُ وقال بعضهم: لا تُسمي العصا المَنْسَأَةَ إلا عصا الرَّاعي الكبيرة، وإنما قيل لها المَنْسَأَة، لأنَّه يُنسى بها أي: يُؤخر بها الدَّواب يقال: أَنسأ اللَّه أجلك، ونَسَأَ اللَّه فِي أَجَلِكَ أي: أخَّر فِي عمرك وزاد فِيهِ، ويقالُ للَّبَنِ إذا مُزِجَ بالماء ومذقته: النسء

стр. 355

أنشدني ابن دريد: سقوني النسء ثم تكنفوني ... عداة الله من كذب وزور ويقال: نسيت المرأة تنسى وهي نسيء كما ترى، والجمع نسو ونسوء كما تَرى: إذا حَبَلَتْ. فالمَنسأة: كلمةٌ واحدةٌ. قَالَ النحويون: ولو قُرِئَ: من سِئَتِهِ لكان صوابًا، يجعله كلمتين مأخوذ من سِئَةِ القَوْسِ، وهما طرفاها، غيرَ أنَّ القُرآن سنةٌ، ولا يقرأ كل ما يجوزُ فِي النَّحو، إنما يتبع فِيهِ الأئمة. وقولُه تَعَالى: ﴿لَقَدْ كَاْنَ لِسَبَإ﴾. فقد ذكرته فِي سورة النمل وإنما أعدتُ ذكره، لأنَّ بعضَ النَّحويين اختار الصَّرْفَ؛ لأنَّه صحَّ عندنا عن رَسُولِ اللَّه ﷺ أن سبأ رجلٌ وله عشرةُ من البَنين، وله حديث. حَدَّثَنِي أَبُو عبد الله الحكيمي، حدثنا حَمَّاد بْن عبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزيد بْن هارون، قَالَ: أخبرنا أَبُو جنابٍ، عن يَحيى بْن هشام، عن فروة بْن مُسَيْكَة، قَالَ: «أتيت رَسُول اللَّه ﷺ فقلت يا رَسُول اللَّه أرأيت سبأ، أوادٍ هُوَ أم جَبَلٌ؟ قَالَ: لا، بل هُوَ رجلٌ من العَرَب، ولد عَشَرَةٌ، فتيامن ستةٌ وتشاءم أربعة، فتيامن الأَزدُ، والأشعرونَ، وحِمْيرٌ، وكِنْدَةٌ، ومَذْحِجٌ، وأَنْمَارٌ الَّذِي يقال لهم: بَجِيْلَةَ، وخَثْعَم. وتَشاءم أربعةٌ لخمٌ، وجُذَام، وعاملةُ، وغسَّان. وقولُه تَعَالى: ﴿فِيْ مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾. قرأ الكِسَائِيُّ: «فِي مَسْكِنِهِمْ» بكسرِ الكاف جعله اسمُ الموضع الَّذِي يسكنون فِيهِ، كما قَرَأ: «حَتّى مَطْلِعَ الفَجْرِ» أي: فِي مَوضع الطُّلوع، ومثله المَسْجِدُ: موضع السُّجود. وقرأ حمزةُ عن عاصمٍ: «مَسْكَنِهِمْ» بفتح الكاف جعلوه لغتين المَسْكَنُ والمَسْكِنُ، مثل المَنْسَكِ والمَنْسِكِ، والمَهْلَكِ والمَهْلِكِ. وقال آخرون: الاختيار لمَن فَتَحَ لَهُ يجعلَه مصدرًا «لَقَدْ كانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ» أي: سُكناهم و «فِي مَسَكِنِهِمْ» بمعنًى، ومهلكهم وهلاكهم بمعنى، وحتى مطلع الفجر، وحتى طلوع الفجر، وهذا باب قد أحكمناه فِي سورة الكهف. وقرأ الباقون: «فِي مَسَاكِنِهِمْ» بالجماع بألفٍ مثل المَساجد، والسَّكنُ: أهلُ الدارِ،

стр. 356

والسَّكَنُ: الدَّارُ، والسَّكِيْنَةُ: الوَقَارُ. وحدَّثني أَبُو عُمَرٍ، عن ثعلب، عن سلمة، عن الفراء، قال من العربِ من يَقُولُ: «فِيهِ سَكِّيْنَةُ مِنْ رَبِكُمْ» بالتَّشديد، يريد: سكينة. وقولُه تَعَالى: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾. قرأ أَبُو عَمْرٍو وحده مضافًا: «اُكُلِ خَمْطٍ». وقرأ الباقون: «أُكُلٍ خَمْطٍ» منَّونًا. قَالَ النَّحويُّون: وهو الاختيار، لأنَّ الخَمْطَ نعتٌ للأكل والشيء لا يُضاف إلى نعته. ومن أضافَ، قَالَ: الخَمْطُ: جنسٌ من المأكولات، والأُكُلِ أشياءٌ مختلفةٌ فأضفته إلى الخمط، كما يُضاف الأنواع إلى الأجناس، والخميط: ثمرُ الأراك، وهو البَربرُ أيضًا، واحدها بَريرة. وبريرة: جاريةُ عائشةَ، والبَرِيْرُ: شجرُ السِّواك، والأَثل: شجرٌ واحدها أَثْلَةٌ وتجمع أثلات في العدد القليل، قال الشاعر: فيا أثلات القاع من بطن توضح ... حنيني إلى أَوْطَانِكُنَّ طَوِيْلُ ويروى: أطلالكن. وابنُ كثيرٍ ونافعٌ يخففان: «أُكْلٍ خَمْطٍ». والباقون يثقلون: «أُكُلٍ خَمْطٍ» بضم الكاف عَلَى الأصل، كما قَالَ تَعَالى: ﴿أُكُلُهَا دَآِئمٌ﴾. ومن أسكن الكاف مال إلى التَّخفيف، وقد ذكرتُهُ فيما تقدَّمَ. وقولُه تَعَالى: ﴿حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوْبِهِمْ﴾. قرأ ابنُ عامرٍ وحده: «فَزَعَ» بفتح الفاء والزاي، أي فزع الله عن قلوبهم الروعة، خفف عَنْهُمْ ذَلِكَ، وذلك أن الفترةَ بين النَّبي ﷺ ، وعيسى ﵇ كانت ستمائة سنة، فلما نَزَلَ الوحيُ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ سَمِعْتُ الملائكة صليلًا ووقعًا كصلصلة السلسلة عَلَى الألواح، ففزعت، وظنت أن القيامةَ قد قامت. فَقَالَ بعضُهم لبعض: «مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ» فأُجِيْبُواْ: «قَالُوا الحَقّ» أي: قَالَ يشاء الحق وأنزل الحق. وقرأ الباقون: «فُزِّعَ عَنْ قُلُوْبِهِمْ» بضم الفاء وكسر الزاي عَلَى ما لم يُسمَّ فاعله. وحدَّثني أَحْمَد، عن علي، عن أبي عبيد أن الحسن قرأ: «فُزِّغَ عن قلوبهم» بالزَّاي والغين معجمة.

стр. 357

وفيه قراءةٌ رابعة - بخلاف المصحف فلا يجوز القراءة بها -: «حَتَّى إذَا افَْرَنْقَعَ عَنْ قُلُوْبِهِمْ» رُوىَ ذَلِكَ، عن ابْنُ مَسْعُودٍ وروى عن عِيسَى بْن عُمَر، وذلك أَنَّهُ سَقَطَ من حمارة ذات يوم فاجتمع عليه الناس، قال: ما لي أراكم قد تكأكأتم عَلَى كتكأكئكم عَلَى ذي جِنَّةٍ، فافرنقعوا عَنِّي. وقولُه تَعَالى: ﴿وَهَلْ نُجَازِى إلَّا الكَفُورُ﴾. قرأ حمزة والكِسَائِيُّ وحفص، عن عاصم «نُجازي» بالنون، اللَّه تَعَالى يخبر عن نفسه: «إلَّا الكفور» قرأ حمزة والكسائي وحفص، عن عاصم نصب مفعول بِهِ. وقرأ الباقون: «يُجازَي» بالياءِ، وفتحِ الزَّاي عَلَى ما لم يُسم فاعله، و «الكَفُورُ» رفع، وهَلْ فِي هَذَا الموضع بمعنى الجحد، كقولك ما يجازي إلا الكفور، قَالَ الشَّاعِر: فَهَلْ أَنْتُمُ إلَّا أَخُونَا فَتُحزبوا ... عَلَيْنَا إذَا نَابَتْ عَلَيْنَا النَّوَائِبُ ذَلِكَ أن هَلْ تكون استفهامًا وجحًدا وأمرًا. كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُوْنَ﴾ أي: انتهوا. وتكون بمعنى قد كقوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ﴾ قد أتى على الإنسان، وإلا تحقيق بعد جحدٍ، أعنى فِي قولُه: ﴿وَهَل نُجَازِيْ إلَّا الكَفُوْرُ﴾. - وقولُه تَعَالى: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أسْفَارِنَا﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمروٍ وهشام بْن عامرٍ: «ربَّنَا» عَلَى الدعاء، أي: يا ربنا بالنصب. و «رَبَّنَا» بالنَّصب أيضًا «باعِدْ» بألف أيضًا و «باعِدْ» دعاءٌ عَلَى لفظ الأمر، وكذلك «بَعّد، وعلامة الأمر سكون الدّالِ. والمصدر باعدَ يُباعِدُ مباعدةٌ فهو مباعد ومن الأول بَعد يبعد بعدًا فهو مبعد. وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: روى عماد بْن مُحَمَّد، عن الكلبي، عن أَبِي صالح «ربّنا» بالرَّفعِ عَلَى الابتداء «باعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا» عَلَى الخَبَر ف «بَاعَدَ» فعلٌ ماضٍ عَلَى هذه القراءة. حَدَّثَنِي بذلك أَحْمَد، عن عليّ، عن أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: فإن قيلَ لَكَ: باعَدَ خبرٌ، وباعِدْ دعاء، فلم جاز فِي آية من كتاب اللَّه أن يُقرأ بالشيء وضدِّه. فالجوابُ فِي ذَلِكَ: أنَّهم سألوا ربَّهم أن يُباعد بين أسفارهم فلما فَعَلَ اللَّه ذَلِكَ بهم أخبرُوا، فقالوا: ربَّنا باعدَ بين أسفارنا فأنزل اللَّه ذَلِكَ فِي العرضتين فاعرف ذَلِكَ. وله فِي القرآن نظائر.

стр. 358

وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيهِمْ إِبلْيسُ ظَنَّهُ﴾. قرأ أهلُ الكوفةِ: «وَلَقَدْ صدَّق عليهم» بالتّشديد «إبليسُ» بالرَّفعِ «ظنَّه» مفعولٌ، وذلك أن إبليس - لعنه الله - قال ظنيا لا مستيقنا «ولَأمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ» «ولأُضِلَّنَّهُمْ» فلمَّا تبعه من قد سبق شقاؤه عندَ اللَّه صَدَّقَ ظنه، قال ابن عباس: ظن فَصَدَقَ ظَنَّهُ. وقرأ الباقون: «وَلَقَدْ صَدَقَ» مخففًا و «ظنَّه» نصبا أيضًا؛ لأنه يُقال: صدَّقْتُ زيدا وصدقت زيدا وصدقته وكذبته وكذبته وينشد: فصدقتها وَكَذَبْتُها ... والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذَاُبُهْ وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: قرأ أبو الحجاج: «وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيهِمْ إبليسَ ظَنُّهُ» جعل الفعل للظَنِّ ونصب «إبليس» قَالَ النَّحويون: وهو صوابٌ، كما تَقُولُ صدَّقني ظنِّي، وكذَّبني ظنِّي. وقولُه تَعَالى: ﴿إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾. قرأ ابنُ كثير ونافع وابن عامر وحفص، عن عاصم: أَذِنَ بفتح الهمزة وكسر الذال، أي: أذِنَ اللهُ لَهُ. وقرأ الباقون: «أُذِنَ لَهُ» عَلَى ما لم يُسمَّ فاعله، وَيُقَال: أذنت للرجل فِي الشيءِ يفعله بمعنى: أعلمته، وأذنتُهُ أيضًا، وأذنَ زيدٌ إلى عُمَر: إذا استمع إِلَيْه. جاء في الحديث: «مَا أَذِنَ اللَّهُ بِشَيْءٍ قَطُّ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنَ الصَّوتِ يَتَغَنَّى بالقُرْآن». وقولُه تَعَالى: ﴿وَهُمْ فِي الغُرُفاتِ آمِنُوْنَ﴾. قرأ حمزةُ وحده: «فِي الغرفة» بالتوحيد، لأن الله تعالى قال: ﴿أولئك يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بمَِا صَبَرُوا﴾ وفي الجَنَّة غُرفاتٌ وغُرَفٌ. غير أنَّ العَرَب تَجتزئ بالواحد عن الجَماعة فيقولون: «رزقك اللَّه الجنة يريدون الجَنَّات» و «أهلك النَّاس الدِّيْنَارَ والدِّرْهَمْ» يريدون: الدّنانير، والدَّراهم، وقال اللَّه تَعَالى: ﴿والمَلَكُ عَلَى أَرجائهَا﴾ يريد المَلائِكَةَ. وقرأ الباقون: «فِي الغُرُفاتِ» بالجماع. وشاهدهم قولُه: «لَهُمْ غُرَفٌ من فَوْقِهَا غُرَفٌ» فغرفة وغرفات مثل ظلمة وظلمات، وهو جمع قليل، وغرفة وغرف جمعُ كثيرٍ مثل ظُلمة وظُلم، وأجاز النَّحويون غُرْفات وظُلْمَاتٍ بالإِسكان تخفيفًا. وأجاز النحويُّون

стр. 359

ظُلَمات وغُرَفات بفتح اللام والراء، لو قيل فِي الواحد: غرفة وظلمة لجاز، كما قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الجمعة﴾ وقرأ الأعمش: «من يوم الجمعة» بجزم الميم، وكلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ ولله الحمد. وسَمِعْتُ مُحَمَّد بْن أَبِي هاشمٍ، يَقُولُ: سمعتُ ثعلبًا يَقُولُ: إذا ورد الحرف عن السبَّعة. وقد اختلفوا ثُمَّ اخترتُ لم أفضل بعضًا عَلَى بعضٍ، فإذا ورد فِي الكلام اخترتُ، وفَضَّلْتُ. وقولُه تَعَالى: ﴿وأنَّي لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾. كان أَبُو عَمْرٍو يقرأ بين بين وكذلك نافعٌ، وهو إلى الفتح أٌقرب. وحمزة والكِسَائِيُّ بالإمالة «أَنَّي». والباقون يَفتحون. وقولُه تَعَالى: ﴿التَنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيْدٍ﴾. قرأ أهلُ الكوفةِ غير أَبِي بَكْرٍ وأبو عمرو: «التناوش» بالهمز. وقرأ الباقون بتركِ الهمزِ. فاختلف النَّحويون فِي ذَلِكَ، وقال قومٌ: هما لغتان: نشت، ونأشت، وتنوش، وتناش، والتناوش، قَالَ الشَّاعِر: فهيَ تَنُوْشُ الدَّلْوَ نَوْشًا مِنْ عَلَا ... نوشًا بِهِ تَقْطَعُ أجوازَ الفَلَا وقال آخرون: التَّناوشُ - بترك الهمز - التَّناولُ - والتَّناؤش - بالهمز -: التَّباعُدُ، قَالَ رؤبة: كَمْ ساقَ مِنْ امْرِئٍ جَحِيْشِ ... إلَيْكَ نَأْشُ القدر النئوش وقال آخر: تمنيت نُئَيْشًَا أَنْ يَكُونَ أطَاعَنِي ... وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الُأمُوْرِ أُمُوْرُ وفي هذه السُّورة أربعُ ياءاتٍ اختُلف فيها: ﴿مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُوْرُ﴾ و ﴿أَرُوْنِيَ الَّذِيِْنَ أَلْحَقْتُم﴾ و ﴿إنْ أَجْرِيَ إلّا﴾ و ﴿إلى رَبِّي إنَّه سَمِيْعٌ﴾. فتحهن نافعٌ وأبو عَمْرٍو. وفتح ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ والكِسَائِيُّ وابنُ عامر: «مِنْ عِبَادِيَ»، «وأَرُوْنِيَ» وأسكنوا الحرفين، وفتح حمزة: «أَرُوْنِيَ الَّذِيِْنَ» فقط، وفتحَ حفصٌ، عن عاصمٍ، وابنُ عامرٍ «إنْ أجْرِىَ» وقد ذكرتُ علّته فيما سَلَفَ من الكتابِ.

стр. 360

ومن سورة فاطر قولُه تَعَالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غيرُ اللهِ﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ غير بالخفض عَلَى النَّعت. وقرأ الباقون بالرفع، ولهم حجتان. إحداهما: أن يرد، «غير» عَلَى موضع «مِنْ» إذا كانت زائدةٍ لتأكيد الجَحد والتَّقدير: هَلْ خالقُ غيرُ اللَّه، فيكون نعتًا لَهُ قبل دخول «من». والجوابُ الثَّاني: أن «غيرُ» هاهنا بمعنى «إلا» فجعلت إعراب الاسم بإعراب «غيرُ» كقولك: هل من رجل إلا ظريف. ومن من رجل غير ظريف. وو ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله﴾ وهل هاهنا بمعنى «ما» الجحد. وقولُه تَعَالى تَعَالى: ﴿كَذلِك نجزي كل كفور﴾. قرأ أبو عمرو: «يُجْزَي» عَلَى ما لم يُسم فاعله بالياء. و «كلُّ» رفعٌ، لأنَّه أُقيم مقامَ مقامَ الفاعلِ، وهو نصبٌ فِي المعنى، لأنَّه مفعولٌ. وقرأ الباقون: «كذَلِك نَجْزِيْ» بالنُّون، اللَّه تَعَالى يُخبر عن نفسه «كلَّ كَفُوْرٍ» نصبٌ مفعول بهم. وقولُه تَعَالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾. قرأ أبو عمرو عَلَى ما لم يُسم فاعله لقوله: ««يُحَلَّوْنَ فيها» قَالَ: فكلما جاوَزَ شيءٌ شكلَهُ كان رد اللفظ عَلَى اللفظ أولى من المخالفة. وقرأ الباقون: «يَدْخًلُوْنَهَا» بفتح الياء. قَالَ: لأنَّ الدُّخولَ فعلٌ لهم، والتَّسوير والتَّحلية فعلٌ لغيرهم. قولُه تَعَالى: ﴿ولُؤلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيْهَا حَرِيْرٌ﴾. قرأ عاصمٌ ونافعٌ: «ولؤلؤًا» بالنصب. وقرأ الباقون: «ولؤلؤٍ» بالخَفْضِ. والمُعَلَّى عنه «ولؤلوا» ضد أبي بكر بهمز الأولى، ولا يهمز الثانية وقد ذكرتُ علَّته في الحج. وقوله تعالى: ﴿فهم على بينة مِنْهُ﴾. قرأ ابْنُ كثيرٍ وأبو عَمْرٍو وحمزةُ، عن عاصم «بينة» بالتَّوحيد لقوله: قَدْ ﴿جَاءكم﴾

стр. 361

﴿بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وقرأ الباقون: «بَيَّناتٍ» بالجماعِ، لأنَّها مكتوبةٌ فِي المصحف بالألف والتاء. والبينة، والبينات: القُرآن ومحمدٌ ﷺ فِي قولُه: «حتَّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ» وَيُقَال: بانَ الشيءُ وأَبان: إذا تَبَيَّنَ فهو بائنٌ ومبينٌ، وأبنته أَنَا وبيَّنْتُهُ لا غيرُ، والبَيِّنَةُ: وزنها فيعلة فاجتمع ياءان فأدغموا فالتَّشديد من جَلَلِ ذَلِكَ، وليس يجوزُ التَّخفيف، وأمَّا فمن العرب من يَقُولُ: البَيْنَةُ - بالتخفيف - تشبيهات بالدية، والاختيار التِّشديدُ، لأن النَّية وزنها فعلة من نويت، والأصل: نُويَة وصارت الواو ياء لانكسار ما قبلها وهو النُّون فأدغمت الياء المبدلة من الواوِ فِي الياءِ الأصلَّيةِ، فوقعَ التشديد من أجل ذَلِكَ. وقولُه تَعَالى: ﴿ولا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِه﴾. روى عُبَيْدٌ، عنْ أَبِي عَمْرٍو: «من عُمْرِهِ» بجزم الميم. والباقون: «من عُمُره» بضَّمتين، وهما لغتان تَقولُ العربُ: أطالَ اللهُ عُمُرَكَ وعُمْرَكَ. وفيه لغةٌ ثالثةٌ: عَمْرُكَ بفتح العين. والعَمْرُ أيضًا: القِرْطُ، وأيضًا الواحد من عُمور الأسنان. وأمَّا قَولُهُم فِي القَسَمِ: «لَعَمْرُكَ» و «لَعَمْرى» فالفتح لا غيرُ، إلا أن من العربِ من يقدم الرّاء، ويعكس الحروف، فيقول: «رَعَمْلِي»، كما يقال جَذَبَ، وجَبَذَ، وما أَطْيَبَهُ، وأَيْطَبَهُ، وحكى أَبُو زَيْدٍ لغةٌ ثالثةٌ: لعمَرِي بفتح الميم. اختلف النَّاس فِي قولُه: «عُمُرِهِ» الهاء عَلَى مَنْ تعود؟ فَقَالَ قومٌ: عَلَى الأول، وهو المُعمر أي: ما يعمر من معمَّر أي: لا يطول عُمَر أحدٍ، ولا ينقص من عمره، أي: لا يأتي عليه الليل والنهار، فينقصانه إلا ذَلِكَ مَسطورٌ فِي كتابٍ مُبينٍ. والقولُ الآخرُ: ما يُعمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ، ولا يُنقص من عمرِ آخرَ غيرَ الأولِ، وهذا اختيارُ الفراء، وإنما أجازَ أن يعود الذكر عَلَى غير مذكورٍ لأنَّ المعنى مفهومٌ، كما يَقُولُ: لَكَ عَلَيَّ درهمٌ ونِصْفُهُ، أي: نصفُ آخر، ويجوزُ نصفُ الأولِ أي: يزنه نصف الأول.

стр. 362

والقراء جميعا يقرءون: «ولا يُنْقَصُ» بضمِّ الياءِ عَلَى ما لم يُسم فاعله لقَوله: «وما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ «إلا الحسن وقتادة فإنهما يقرءان «ولا يَنْقُصُ» بفتح الياء. وقولُه تَعَالى: ﴿ومَكْرَ السَّيِّئ﴾. قرأ حمزةُ وحده: «السَّيِّئ» بجزم الهمزة، وإنما فعل ذَلِكَ لتوالي الكسرات مَعَ الياء والهمزة، فأسكنه تخفيفا، كما يَفعل أَبُو عَمْرو فِي نَحو: «خَادِعْهُمْ» و «يَنْصُرْكُمْ» و «يَأْمُرْكُمْ» وقد نَسب بعضُ من لا يعرف العربيَّة واتساع العرب حمزة إلى اللَّحْنِ، وليس لحنًا لما أخبرتك. وقرأ الباقون: «السَّيِّئ» بكسر الهمزة عَلَى الأصل. وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: روى شبلٌ عنْ ابْنُ كثيرٍ «السيء»، قَالَ ابْنُ مجاهد: وهو خطأ. واجمعوا عَلَى «ولا يحيق المكر السيئ» أن همزتها مرفوعةً. فإن قيل لَكَ: فهلَّا أسكن حمزة الثاني كما أسكن الأول. فقيل: إنما أسكن الأَول استثقالًا لاجتماع الكسرة مَعَ الياء ولما انضمت الهمزة فِي الثانية لم يستثقل فأتى به على الأصل.

стр. 363

ومن سورة يَس وقولُه تَعَالى: ﴿يَس﴾. قرأ عاصمٌ بروايةِ أَبِي بَكْرِ والكِسَائِيُّ وابنُ عامرٍ وورشٌ: «يَس والقرءانِ الحَكِيْمِ» لا يثبتون النُّونَ عندَ الواوِ، لأنَّ النونَ والتَّنوين إنما يظهران عند حروِف الحَلْقِ. والباقون يُظهرون «يس» و «نونٌ» فإنما أظهروا لأنَّ ياسين كلمةٌ منفردةٌ عمَّا بعدها، وكذلك حروفُ التَّهَجِّي ينوي بها السَّكتُ والانقطاعُ عمَّا بعده. وكان حمزةُ يميلُ «يَس» غيرَ مُفرطٍ، والكِسائيُّ أشدُّ إمالةً مِنْهُ، وقد ذكرتُ ذَلِكَ فيما سَلَفَ من أنَّ حروفَ الهجاءِ تمال وتُفَخَّمُ وتُمَدُّ وتُقْصَرُ وتذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ. حدثني ابن مجاهد عن السمري، عن الفراء، قَالَ: قَالَ الْحَسَن «يَس» معناه: يا رجلُ، وقال غيره: «يَس» يا مُحَمَّد وقال آخرون: «يَس» افتتاحُ السُّورَةِ. وقولُه تَعَالى: ﴿تَنْزيلَ العَزِيْزِ الرَّحِيْمِ﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ وابنُ عامرٍ وحفصٌ عنْ عاصمٍ: «تَنْزِيْلَ» بالنَّصب عَلَى المَصدرِ، كما قَالَ: ﴿صُنْعَ اللَّه الَّذِيْ أَتْقَنَ﴾ وقال الفَرَّاءُ: كما قَالَ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾. وقرأَ الباقُون: «تَنْزِيلُ» بالرَّفعِ جَعَلُوهُ خبرَ ابتداءٍ مضمرٍ عَلَى تقدير: هَذَا تنزيلُ، وهو تنزيلُ. وقولُه تَعَالى: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيِديِهمْ سَدًّا ومِنْ خَلفِهِمْ سَدًّا﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ وحفصٌ، عنْ عاصمٍ «سَدًّا» و «سَدًّا» بالفَتحِ. وقرأ الباقون بالضَمِّ، فَقَالَ قومٌ: هما لغتان: وقال آخرون: ما كانَ من فعلِ بني آدم فهو السُّدُّ، وما وجد مخلوقا فهو السَّدُّ. وقال أَبُو عَمْرٍو: ما كان من فعلِ اللَّه فهو السُّدُّ، بالضم، فما كان فِي العَين فهو من فعلِ اللَّه: فلذلك قرأها هنا: «مِنْ بَينِ أَيدِيْهِمْ سُدًّا» إلا أنَّ قومًا آذوا رَسُولَ اللَّه ﷺ وأرادوه ومكرُوا بِهِ فأغشى اللَّه أبصارهم. يقال: غشَّى وغَطَّى وخَتَمَ وطَبَعَ وسَتَرَ بمعنًى واحدٍ. وقرأ الحَسَنُ وأبو رجاءٍ: «فَأعشَينَاهُمْ» بالعين يقال: عَشِيَتْ العَيْنُ: إذا عَمِشَتْ، وعَشِيَتْ، عَمِيَتْ، تَعْشَى عشيا بالألفِ، يقال: رَجُل أعشى وامرأةٌ عَشْواءُ، والجَميعُ

стр. 364

عُشْوٌ مثل حُمرٍ. وقولُه تَعَالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. قرأ عاصمٌ فِي روايةِ أَبِي بكرٍ: «فَعَزَزْنَا» مخففًا أي: فَغَلَبْنَا من قولِ العَرَبِ: «مَنْ عَزَّ بَزَّ» أي: من غَلَبَ سَلَبَ. وقرأ الباقون: «فَعَزَّزْنَا» بالتَّشديدِ أي: قَوَّيْنَا. وقولُه: «بِثَالِثٍ» أي: بثالثٍ كان قبل الاثنين، وهو فِي التِّلاوة كأنَّه بَعدهما. والتَّقدير: فَعَزَّزْنَا بثالثٍ الَّذِي كان قبل الاثنين، والثالث هو: يوشع بن نون. وحدَّثني ابنُ مُجاهدٍ، عنْ مُحَمَّد بْن هارون، عنْ الفَرَّاء، فِي قراءةِ ابنِ مَسْعُودٍ «فَعَزَّزْنَا بالثَّالثِ» بالألفِ واللَّامِ؛ لأنَّ النَّكرة إذا أعيد ذكرها أعيدت بالألف واللام. وقوله تعالى: ﴿أإن ذُكِّرْتُمْ﴾. قد ذكرتُ الاختلافَ فِي الهَمزتين فِي مواضعَ، وإنَّما أعدتُ ذكره لأنَّ المُفَضَّل روى عنْ عاصمٍ: «أيِنْ ذُكِّرْتُمُ» كقراءة ابنِ كثيرٍ بهمزة مقصورة بعدها ياءٌ مكسورة؛ ولأن أبا رَزين قرأَ: «أَيْنَ ذُكِّرْتُمْ» يريد: الآن؛ ولأنَّ ابْنُ حَوْشَب قرأ: «إنْ ذُكِّرْتُمْ» يريد: لَئِنْ ذُكِّرْتُمْ: وقد استقصيت علل ذَلِكَ فِي كتابِ «الألفات». وحدثني ابن مجاهد، عن محمد بن هارون، عنْ الفَرَّاءِ، قَالَ: قَرَأَ بعضُهُم: «قَالَ طَيْرُكُمْ مَعَكُمْ» أي: شِؤمكم. تَقُولُ العربُ: طائرٌ لا طَيْرُكَ وطائِرٌ لا طائِرُكَ. والطَّيْرُ: جمعُ طائرِ. ورَوى عنْ الْحَسَن، قَالَ: «طَيْرُكُمْ مَعَكُمْ» فالطيْرُ أيضًَا الذُّنُوب، كقوله: ﴿وكلُّ إنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. والطِّيَرَةُ فِي قولِ رَسُولِ اللَّه ﷺ «لا عَدْوَى، وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ، ولا غُوْلَ، ولَا طِيَرَةَ» فإنّه ﷺ كان يتبرك بالفألِ وينهى عنْ الطِّيَرَةِ، والفألُ: أن يكونَ لَكَ عليلٌ وتسمع يا سالِمُ فتَبَرَّكُ بِهِ، والطِّيَرَةُ: أن يخرجَ الرَّجُلُ من منزلِه فَيرى رجلًا أعورَ فيرجعُ إلى منزله تَطَيُّرًا، فيقال: طارَ يَطِيْرَ طيرًا وطيرانًا وطَيْرُوْرَةً ومَطَارًا وطِيَرَةً، وطارَ الرَّجُلُ فِي حاجَتِهِ: إذَا أسرعَ، وفلان لا يطيرُ غُرابه، وهو ساكنُ الطَّيْرِ: إذا كان ذَا وقارٍ وسَمْتٍ سِكِّيْتًا، وفلانٌ ما يطور بنا أي: لا يقر بنا. وما فِي الدَّارِ طُوْرِىُّ، ولا طُوَارِىٌّ أي: أحد.

стр. 365

وفلانٌ قد عَدَا طَوْرَهُ: إذا تَعَدَّى وجاوز مِقْدَارَه. قولُه تَعَالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيِديهِمْ﴾. قرأ أهلُ الكوفةِ إلَّا حَفْصًا: «عَمِلَتْ أَيِديِهمْ» بغير هاءٍ اتَّباعًا لمصحفهم. والباقون «عَمِلَتْهُ» بالهاء اتباعًا لمصاحفهم، والهاء تعود عَلَى «ما» وعملت صلتها، ومَن حَذَفهُ اختصارًا؛ لأنَّه مفعولٌ، وكلُّ مفعولٍ يجوزُ حذفه اختصارًا كقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ يريد: وما قَلَاكَ، ولا سيَّما إذا كان فِي اسمٍ يحتاج إلى صلة فتُحذف الهاءُ لما طال الاسمُ بالصّلة كقولِهِ: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلّمَ اللهُ﴾ يريدُ كَلَّمَهُ اللهُ. وقولُه تَعَالى: ﴿وَالقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنَازِلَ﴾. قرأ أهلُ الكوفةِ وابنُ عامرٍ: «والقَمَرَ» نصبًا بإضمار فعلٍ يُفسره ما بعده أي: قدَّرنا القَمَرَ قدَّرناه. والباقون يَرفعون: «والقَمَرُ» فمن رَفَعَ جَعَلَهُ ابتداء و «قَدَّرْناهُ» خَبَرَهُ، والهاءُ مفعولٌ. قَالَ الشَّاعِرُ: والذِّئْبَ أَخْشَاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ ... وَحْدِيْ وَأَخْشَى الرِّيَاحَ وَالمَطَرَا ومثَّل «القَمَرَ» حين يهل ثُمَّ يَعظُم ويَستديرُ ثُمَّ يَنْقُصُ ويَدقُّ بالعُرجون وهو اليابسُ من الشَّماريخ. وقال الفَرَّاء: العُرْجُوُنُ: ما بين الشَّماريخ إلى النَّابت فِي النَّخلة والقَدِيْمُ هاهنا الَّذِي قد أَتى عَلَيْهِ سَنَةٌ، وأمَّا قولُ الشَّاعِرِ: لوْ يَدِبُّ الحَوْلِيُّ مِنْ وَلَدِ الذَّ ... رِّ عَلَيْهَا لأنْدَبَتْهَاْ الكُلُوْمُ فإنَّ ثعلبًا، قَالَ: الحولي هاهنا: ما أتى عَلَيْهِ يومٌ واحدٌ؛ لأنَّ الذَرَّ لا يعيش سنةً، والعربُ تشبِّه انتقاص المرءِ بعد كبَرِه بزيادة القمرِ ونقصانِهِ. وكذلك إذا ولد؛ لأنَّ القمرَ يهلُّ صغيرًا ثُمَّ يعظم ثُمَّ ينقص، كذلك يكون الرَّجُلُ طفلًا، ثُمَّ شرخًا، ثُمَّ يستوي شبابه، ثُمَّ يشيخ، ثُمَّ يَنْقُصُ، قَالَ الشاعرُ: مَهْمَا يَكُنْ رَيْبُ المُنْوْنِ فإنَّني ... أرى قَمَرَ الدُّنيا المُعَذَّبَ كالفَتَى يَهِلُّ صغيرًا ثُمَّ يعظُمُ ضَوْؤْهُ ... وصُوْرَتُهُ حتّى إذا ما هُوَ انْتَهَى يُقارِبُ يَخْبُو ضَوْؤُهُ وَشَعَاعُهُ ... ويَمْصَحُ حتَّى يَسْتَسِرَّ فَلَا يُرَى

стр. 366

كَذِلِكَ زَيْدُ المَرْءِ ثُمَّ انتِقَاصُهُ ... وتِكْرَارُهُ فِي أَمْرِهِ بعد ما انْقَضَى قَالَ اللَّه تَعَالى وهو أصدقُ قيلًا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾. وقولُه تَعَالى: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُوْنَ﴾. قرأ حَمزةُ وحدَه: «يَخْصِمُوْنَ» مخفَّفًا مثل يَضْرِبُوْنَ. وقرأ ابنُ كَثيرٍ: «يَخَصِّمُوْنَ» بفتحِ الياءِ والخاءِ وتَشدِيْدِ الصَّاد. وقرأ نافعٌ وأبو عمرٍو كذلك، غير أن أبا عمرٍو يختلس الحركة، ونافعٌ يسكّن الخاءَ، واختلف عنْ عاصمٍ فروى عَنْهُ: «يَخِصِّمُوْنَ» بفتح الياء وكسر الخاء، وَرُوِيَ عَنْهُ بكسرِهما، وقد ذَكرتُ علل ذَلِكَ عند ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّيْ﴾. وقولُه تَعَالى: ﴿فِيْ شُغُلٍ فَاكِهُوْنَ﴾. قرأ أهلُ الكوفةِ وابنُ عامرٍ: «شُغُلٍ» بضمتين مثل الرُّعُبِ، والسُّحُتِ. وقرأ الباقون: «شُغْلٍ» ساكنًا، فيكونان لغتين ويجوزُ أن يكونَ الشُّغْلُ مخففا من شُغُلٍ، وَيُقَال: المشغل والشُّغُلُ بمعنى الشُّغْل، ويُنْشَدُ: مَا كَانَ حَبْسِي عَنْكَ إلَّا شُغْلًا وقال المُفَسِّرُوْنَ: فِي قولِه تَعَالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ قيلَ: افِتضَاضُ الأَبكار، وقيل: استماع الأَلحان، ﴿فَاكِهُونَ﴾، أي: قد كَثُرَ ذَلِكَ عندهم، وأنشد: أَغرَزْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنْ ... نَكَ لابِنٌ فِي الصَّيْفِ تَامِرْ أي: كثيرُ اللَّبَنِ وكثيرُ التَّمْرِ. حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ أخو المَحَامِلِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْدِ اللَّه مَوْلَى بني هاشم، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَان الحِمْيَرِيّ، قَالَ: سَمِعْتُ أبا هريرةَ يقرأ «إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُوْنَ» بفتحتين. وقولُه تَعَالى: ﴿فِي ظِلَالٍ﴾. قرأ حمزة والكسائي «ظلل» جمع ظل، والظِّلُّ ما نسخته الشَّمسُ، وهو ما كان من أول النهار، الفيء: ما كان بعدَ الزَّوالِ؛ لأنَّه ظَلٌّ فاء من جانبٍ إلى جانبٍ، أَنْشَدَنِيْ ابنُ عَرَفَةَ:

стр. 367

فَلَا الظِّلَّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعُهُ ... وَلَاْ الفيء مِنْ بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ والظِّلُّ: السِتْرُ: يُقال: أَنَا فِي ظِلِّكَ أي: فِي سِتْرِكَ، وكذلك ظلِّ الجنة، وظلّ الشجرة، وَيُقَال فِي الدُّعاء: «اللهم ظَلِّلْنَا يوم لا ظلَّ إلا ظِلُّكَ» فظِلُّ اللِّيْلِ سوادُهُ، لأنَّه يَستُرُ كلَّ شيءٍ. والعربُ تَقُولُ: فلانٌ خفيفٌ الظِلِّ، أي: خَفيفُ الرُّوحِ مقبولٌ كَيِّسٌ، وتقولُ العربُ فِي شدَّةِ قِصَرِ اللَّيلِ واليَوْمِ: هُوَ «أقصر من ظِلِّ التَلَحَ» «وسالفة الذُّباب» والتَّلَحُ؛ لا ظلَّ لَهُ. وسالفه العُنُق: صفحتاه، والسَّالفةُ لا تكونُ للذُّباب، و «هُوَ أقصرُ من إبْهَامِ القَطَاةِ»؛ لأنَّ القَطاةَ لا إبهام لها، ويُنْشَدُ: وَيَوْمٍ كإبْهَامِ القَطَاةِ مُزَيَّنٌ ... إِلَيَّ صَبَاه غالبٌ لِيَ بَاطِلُهْ وقولُه تَعَالى: ﴿وأَنِ اعْبُدُوْنِيْ﴾. قرأ حمزةُ وعاصمٌ وأبو عَمْرٍو بكسر النُّون لالتقاء الساكنين. وقرأ الباقون بالضَمِّ، وإنَّما ضَمُّوا كَراهِيَةَ أن يَخرجوا من كسرٍ إلى ضمٍّ، ولم يَختلف القُراء فِي إثبات الياءِ فِي: «وَأَنُ اعْبُدُونِي هَذَا» وصلَا ووقفًا؛ لأنَّه ثابتٌ فِي المُصحف. والصِّراطُ المستقيم: هُوَ الدِّين المُستقيم، والطَّريقُ الواضحُ والمِنهاجُ البَيِّنُ. قَالَ الشَّاعُر - هُوَ جريرٌ -: أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنِ عَلَى صِرَاطٍ ... إِذَا اعْوَجَّ المَوَارِدُ مُسْتَقِيْمِ وسُئِلَ ابنُ مسعودٍ عنْ الصِّراطِ المُستَقْيمِ، فَقَالَ: يا ابْنُ آخي أُدن مِنّى، تركنا رَسُول اللَّه ﷺ وأدناه، وطرفُهُ فِي الجَنَّة، وعن يمَينه جَوَادٌّ، وعن يساره جَوَادٌ عليها رجالٌ يدعون مَنْ مَرَّ بِهِمْ: هَلُمَّ إلى الطريق، فمَن أَخَذَ معهم وردوا بِهِ النَّارَ، ومن لَزِمَ الطَّرِيْقَ الأعظمَ والمِنهاج الوَاضِحَ وردَ بِهِ الجَنَّةَ، هُوَ كتابُ اللهِ. وقال علي بن أبي طالب ﵁: اليمينُ والشّمالُ مضلّة، والطَّريق عليها منهجُ كتاب اللَّه، ومنها منفذ السُّنة وإليها مَصيرُ العاقبة. هَذَا اختيارُ المُبَرِّدُ فيما أجاز لي أَبُو العباس بن رَزِيْن الكاتِبَ عَنْهُ. وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيْرًا﴾. قرأ أَبُو عَمْرٍو وابنُ عامرٍ: «جُبْلًا» بضم الجيم وإسكان الباء، قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ: مَنَايًا يُقَرِّبْنَ الحُتُوْفَ لِأَهْلِهَا ... جِهَارًا وَيَسْتَمْتِعْنَ بِالأَنِسِ الجَبِلِ وقرأ ابنُ كَثْيرٍ وحمزةُ والكِسَائِيُّ بِضَمِّ الباءِ والجِيْمِ مُخفَّفًا.

стр. 368

وقرا عاصمٌ ونافعٌ: «جِبِلًّا» بكسرِ الجيمِ، والباءِ، واللَّامُ مشددةٌ كقولِهِ: ﴿وَالجِبِلَّة الَأوَّلِيْنَ﴾ أي: كخلقهم وطبعهم. وقرأ عِيسَى بْن عُمر «جُبُلًّا» بضمتين، وتَشْدِيدَين ومعناها كلها واحدٌ، والجِبِلُّ الخلقُ والخليقةُ، تَقُولُ العربُ: قد عرفتُ نَجْرَ فُلانٍ ونِجَارَهُ ونِحَاسَهُ، ونُحاسه، ونَجِيْحهُ، وعَرِيْكَتَهُ، وحريكته، وسَلِيْقَتَهُ، وتَوزه، وتوسه، ونفسه، ونقيلته، وطانه، وطابه، وحُبْلَتَهُ، وجُبْلَتَهُ، وجُبْلَتَه، وخُبُلَتَه، وحُلَّه بمعنًى واحدٌ. وقوله تعالى: ﴿ومن نعمره ننكسه﴾. قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر: «نُنَكِّسْهُ» مشددًا. وقرأ الباقون: «نُنْكِسْهُ» مخففًا مثل نقتله، فَقَالَ قوم: هما لُغتان نكست، ونكَّست مثل رَدَدْتُ، وَرَدَّدْتُ. غير أنَّ رَدَّدْتُ مرةً بعدَ مرةٍ للتكثيرِ، وَرَدَدْتُ، مرةً واحدةً والمصدرُ من المخفف الرد، ومن المشدد والتَّرْدَادُ والرِّدِّيْدَي مثل الخِلِّيْفَى من الخِلَافَةِ، والظِّلَّيْلَي من الظَّلَالَةِ، قَالَ عُمرُ بْن الخطَّابُِ: «لَوْلَا الخِلِّيْفَى لأحبَبْتُ أَنْ أُؤَذِّنَ»، وقال أَبُو عَمْرو بْن العلاءَ: نَكَّسْتُ بالتَّشديد: أن ينكس الرجل من دابته، وننكسه: نَرُدَّهُ إلى أرذل العُمر: ففرَّق أَبُو عَمرو بينهما. وَيُقَال: نَكَسَ الرَّجُلُ فِي مرضه أي: أَثاب إلى العلَّة، وعادَ إليها، وهو النُّكس. قَالَ الشَّاعِر: كَذَى الضَّنَا عَادَ إِلَى نُكْسِهِ وأنْكَسَ مثل نَكَسَ، وقولُه تَعَالى: ﴿واللهُ أَرْكَسَهْمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: ردَّهم. والنّكس: المعادُ المُرَدَّدُ. ونهى رَسُولُ اللَّه ﷺ عنْ الاستجْمَار بالرَّوْثِ لأنَّه نكس أي: رَجِيْعٌ. وقولُه تَعَالى: أَفَلَاْ ﴿تَعْقِلُوْنَ﴾. قرأ نافعٌ بالتاءِ عَلَى الخطابِ. وقرأ الباقون بالياءِ عَلَى الغَيْبَةِ. وقولُه تَعَالى: ﴿أنَّا حََمَلْنَا ذُرِّيَتَهُمْ﴾. قرأ نافعٌ وابن عامر: «ذرياتهم» على الجمع إذ كان فِي المُصحف مكتوبًا بالألف. وقرأ الباقون بالتوحيد: «ذريتهم» وكذلك فِي مَصاحفهم، وإنما كُسرت التاءُ فِي

стр. 369

جمع؛ لأنَّها غيرُ أصليَّةٍ، وذريته تكفى من الذّريات كما قَالَ: ﴿ذُرِّيَةً بعضُهَا مِنْ بَعضِ﴾. وقوله تعالى: ﴿لمسخناهم على مكانتهم﴾. قرأ عاصم فِي روايةِ أَبِي بَكْرٍ: «مَكَانَاتِهِمْ» جماعًا. وقرأ الباقون: «مَكَانَتِهِمْ» بالتَّوحيد. وقد ذكرت علّته فِي هود وإنما أعدتُ لأنَّ محمدًا حَدَّثَنِي عنْ ثَعلب عنْ سَلَمَةَ عنْ الفَرَّاءِ قَالَ: تَقُولُ العَرَبُ: مَسَخَهُ اللَّه قردًا، ونَسَخهُ قردًا بمعنى، وهذا الحرفُ نادِرٌ. فالمَسخُ بالفتح المَصدر، والمِسخ بالكسر الاسمُ مثل الذَّبح مصدر ذَبَحْتُ ذَبْحًا، والذِّبْحُ المَذْبُوْحُ، قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيْمٍ﴾ فأمَّا كلامٌ بَلغٌ، وبِلغٌ فمعناها واحدٌ، وهو البَلِيْغُ. وقولُه تَعَالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حيًّا﴾. قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ: «لِتُنْذِرَ» بالتَّاء عَلَى الخطاب أي: لتنذر يا مُحَمَّد من كان حيًّا. أي حيَّ القلبِ حيَّ السمعِ. وقرأ الباقون: «ليُنْذِرَ» بالياء أي: ليُنذر القرآن، وذلك أن اللَّه أنزل القرآن بشيرًا، ونذيرًا. فالنذير النَّبيّ، والنَّذير القرآن، والبَشيرُ القرآن، والبَشيرُ النَّبِيِّ وأمَّا قولُه: (كَيْفَ كان نَذِيْرٌ) فمصدرٌ، ومعناه: فكيف كان إنذاري، وأمَّا قوله: ﴿وجاءكم النذير﴾ فقيل: النَّبيُّ ﷺ ، وقيل: النَّذِيْرُ الشّيْبُ، وكان رَسُول اللَّه ﷺ جُلَّ ضحكه التَّبَسُّمُ. فلمَّا رَأَى الشَّيب ما تَبَسَّمَ حَتَّى تَوفَّاهُ اللَّه ، هَذَا قول، واحتَجُّوا بأنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: «شَيْبَتْنِيْ هُوْدُ وأَخَوَاتُها». فأمَّا ابنُ عَرَفَةَ فحدَّثنا، عنْ مُحَمَّد بن عبد الملك، عن يزيد بن هارون، عنْ حُميد، قَالَ: سُئل أنس: هَلْ خَضَبَ رسول الله ﷺ ، فقال: ما شانه الشَّيبُ، فقيل: أَوَشَيْنٌ هُوَ يا أبا حَمزة؟ قَالَ: كُلُّكُمْ يَكْرَهُهُ. والصَّحِيْحُ: أن رَسُولَ اللَّه بعث وهو ابْنُ أربعينَ، وبقى بمكة ثلاثَ عَشْرَةَ سنة، ثُمَّ هاجرَ إلى المدينة، وبقى بها عشر سنين فتوفي النَّبيّ ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنةً، وليس فِي رأسه، ولحيته إلا شعرات بيض نحو بضع عشرة، ويُقال: أول مَنْ شابَ خليلُ الرَّحْمَن ﵇، فأَوحى اللَّه إِلَيْه أشقل وقارًا بالسّريانية

стр. 370

تفسيره: خُذْ وقارًا. وقولُه تَعَالى: ﴿كُنْ فَيَكُوْنُ﴾. قرأ الكِسَائِيُّ وابنُ عامرٍ: «فيكونَ» نصبًا نسقًا» الفاء عَلَى أن يَقُوْلَ لَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُوْنَ﴾. والباقون يَرفعون عَلَى: فهو يكونُ، وكُنْ، فكانَ لأنَّه لا يَصلُحُ أن يجعله جوابًا باللَّامِ.

стр. 371

ومن سورة الصافات قرأ أَبُو عَمْرٍو وحمزةُ: «وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا» «وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا» مدغمًا كلُّ ذَلِكَ لقُربِ التَّاء من الصَّاد والزَّاي والذَّال. وقرأ الباقون بالإظهار؛ لأنَّ التاء قبلها حرفٌ ساكنٌ، وهو الألفُ، ولأنَّ التَّاءَ متحركةٌ لا ساكنةٌ نحو: «قَالَتْ طَّائفَةٌ» ألا تَرى أنَّها لما تَحرَّكت كان الاختيارُ الإظهارَ نحو: «بَيَّتَ طَائِفَةٌ» عَلَى أنَّ أبا عَمْرو وحمزةَ قد أدغما، وجُرّت ذَلِكَ بواو القسم والنسق، وجواب القسم: «إن إلهكم لَوَاحِدٌ» والتَّقدير: وَرَبِّ الصَّافات ورب هذه المذكورات: «إن إلهكم لَوَاحِدٌ» والصَّافات: الملائكة؛ لأنّها مصطفة بين السماء والأرض طاعةً لله لا يفترون عنْ عبادته كما قَالَ: ﴿وإنَّا لَنَحْنُ الصَّآفُّوْنَ﴾، ﴿وإنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحوْنَ﴾ يعني المُصلُّون. وقال أبو عُبَيْدَةَ: كلُّ مُصطفٌ لا ينظم قطراه - أي: جانباه - فهو صافٌّ «والزَّاجِراتِ زَجْرًا» الملائكةُ، وقيل: كلُّ شيءٍ زجر عن معاصي الله فهو زاجرا ت «والتَّالِياتِ ذِكْرًا» التاليات القُرآنِ. فإن سَأَلَ سائلٌ، فَقَالَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ فالتَّالِيَات تلوًا كما قَالَ «والزاجِرَات زجرًا»؟ فالجواب فِي ذَلِكَ: أن التَّالي يكون التَّابعَ، يقال: تلوتُ فلانًا: إذا تَبِعْتُهُ أي: جئتُ بعدَه، كما قَالَ: «والقَمَرِ إذَا تَلَاهَا» ويكونُ التَّالي: القارِئ فلما التَبَس بينه الله أن التاليات - هاهنا - القارِئات ذِكرًا، لا التَّابعات. فإن قيل: لِمَ أنث؟ فقل: على تقدير الملائكة التَّالياتِ، والجماعةِ الصَّافاتِ كما قَالَ: ﴿فَنادَتْهُ المَلَائِكَةُ﴾. ولو قَالَ قائلٌ: إنَّ التاليات وإن كانت عَلَى لفظ الجماعة يريد بِهِ جبريل ﷺ وحده لكان جائزًا؛ لأن قولُه: «فَنادتْهُ المَلَائِكَةُ» يراد بِهِ جبريلُ وحده. وزاد أَبُو عَمْرو عَلَى حَمزة: «فالمُلْقِيَاتْ ذِّكْرًا» «والعاديات ضبحا» ﷺ «فالسَّابِقَاتْ سَّبْقًا» «والسَّابِحَاتْ سَّبْحًا».

стр. 372

وقولُه تَعَالى: ﴿بِزِيْنَةٍ الكَوَاكِبِ﴾. قرأ حمزةُ وحفصٌ: «بزينةٍ» منونًا و «الكَواكِبِ»: خفضًا، جعلًا الكواكبَ هِيَ الزِّينةَ وبدلًا منها. وقرأ عاصمٌ فِي روايةِ أَبِي بكرٍ «بزينةٍ» منونًا أيضًا، «الكَوَاكِبَ» نصبٌ مفعولٌ أي: بزينتنا الكواكبَ فعندَ البَصريين يُنصب «بِزِيْنَةٍ» لأنَّ المصدر يعملُ عملَ الفعلِ وعند الكُوفيين لا يُشقُّ من المَصدر. وقرأ الباقون: «بِزِيْنَةِ الكَوَاكِبِ» مضافًا «وحِفْظًا مِنْ كلِّ شَيْطَانٍ» نُصِبٌ عَلَى المصدرِ، أي: وحفظناها حِفظًا من كلِّ شيطانٍ ماردٍ. وقولُه تَعَالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُوْنَ إلى المَلَإِ الَأعْلَى﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ وحفصٌ، عنْ عاصمٍ: «لَا يسَّمَّعُوْنَ» مُشدَّدَ السينِ والمِيمِ أرادوا: لا يَسْتَمِعُوْنَ فأدغموا التَّاءَ فِي السِّين؛ وذلك أن اللَّه تَعَالى منعهم من الاستماع ورجمهم بالنُّجوم، فَقَالَ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُوْلُوْنَ﴾ ولكنهم كانوا يَتَسَمَّعون، كما قَالَ: ﴿وإنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ للِسَّمْعِ﴾ قبل مولدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ : ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾. وقرأ الباقون: «لا يَسْمَعُوْنَ» مخفَّفًا؛ وذلك أَنَّكَ تَقُولُ تَسَمَّعْتُ إلى فلانٍ، وسمعتُ إِلَيْه بمعنًى، كقولِ العربِ: أَلم تَسمع إلى فلانٍ، ومثله «وأُمِرْتُ أنْ أَكُوْنَ مِنَ المُسْلِمِيْنَ» وإنما أنكرَ بعضهم التَّخفيف. قَالَ: لأنِّي لا أقول سمعتُ إلى فلان، وإنما سَمِعْتُ فلانًا، وهذا وإن كان الأكثر فإن ذَلِكَ جائزٌ عربيٌ «ويُقْذَفُوْنَ» بضمِّ الياء لا غيرُ؛ لأنَّهم مفعولون؛ لأنَّ الشَّياطين تُرجم، ولا تَرجم. يقال: قَذفته بالحجر، وحَذَفْتُهُ بالخشب، وخَذَفْتُهُ بالحَصَى. ﴿مِنْ كلِّ جَانِبٍ دُحُوْرًا﴾ بضمّ الدالِ لا غيرُ، إلا السُّلَمِيُّ والحَسَنُ، فإنهما قرءا: «دَحُوْرًا» أو أحدهما، وقد ذكرت علَّته فيما مضى. وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ. أي: دائِمٌ. وحدَّثنا ابنُ مجاهدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حبَّان، عنْ مُحَمَّد بْن يَزيد، عنْ ابْنُ مَهدي، عنْ سُفْيَان، عنْ الْأَعْمَش، عنْ مُجاهدٍ، عنْ ابْنُ عَبَّاس أَنَّهُ قَرَأ «لا يَسْمَعُوْنَ» بالتَّخفيفِ.

стр. 373

وقولُه تَعَالى: ﴿بَلْ عِجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بضمِّ التَّاء، الفعلُ لله تَعَالى، وذلك لأنَّ اللَّه تَعَالى قد عَجِبَ من فَتًى لا صبوةً لَهُ، و «عجب ربكم من ألِّكُمْ وَقُنُوْطِكُمْ»، وقال لمحمد ﷺ ﴿وإنْ تَعْجَبْ﴾ يا مُحَمَّد ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ غير أنَّ العجبَ من اللَّه تَعَالى عَلَى خلافِ ما يكون من المخلوقين. فالعجبُ من المخلوقين: أن ينظر إلى شيءٍ لم يكن فِي حسابه، وفي علمه فَيَبْهَرُهُ ويُنكره. فَيَتَعَجَّبُ من ذَلِكَ، والله تَعَالى يَعلم الأشياء قبل كونها، فلا تَعُّجب عَلَى هذه الجِهة، ولكن القومَ لما هَربوا من رَسُولِ اللَّه ﷺ وأنكروا البَعثَ والنُّشورَ، أنكرَ اللَّه تَعَالى عليهم فعلهم إذا أتوا بنُكرٍ، وأعجوبة لجُرأتهم وتمرُّدهم. وقرأ الباقون: «بَلْ عَجِبْتَ» بفتح التاء أي: عجبتَ يا مُحَمَّد من وحي اللَّه تَعَالى ويَسخرون هُمْ منك. قَالُوا: وإنما اخترنا هَذَا؛ لأنَّ اللَّه تَعَالى لا يَعجب، وإنما يعجب من لا يَعْلَمُ وقولُه تَعَالى: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ أي: عَجَبٌ عندكم فأمّا عندنا فلا. والقراءتان جائِزَتان لما خبَّرتك، لأنَّ اللَّه تَعَالى قَالَ: ﴿وَمَكَرُوا ومَكْرَ اللَّه﴾ وقال: ﴿نَسُوْا اللَّه فَنَسِيَهُمْ﴾ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ﴿فاتَّبِعُوْنِيْ يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ ونحوه فِي القرآن كثيرٌ. فالمَحَبَّةُ من اللَّه، والمكر والخديعة والاستهزاء: كلُّ ذَلِكَ عَلَى خلاف ما يكون من المَخلوقين، وهو أن يُجازيهم جزاءَ خِدَاعِهِم ومَكرهم، والمَحَبَّةُ من العَبدِ لزومُ الطَّاعَةِ والمَحبَّةُ من اللهِ إكرامه أهلَ طاعَتِهِ بالثُّواب الجزيل. وقولُه تعالى: ﴿أوآباؤنا﴾. وقرأ ابنُ عامرٍ وقالون: «أوْ ءاباؤُنَا» بإسكان الواوِ والباقون بالتَّحريكِ. وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا ينْزَفُوْنَ﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وأبو عَمْرٍو وابنُ عامرٍ: «يُنْزَفُوْنَ» بفتح الزَّاي. وكذلك فِي الواقعة ومعناه: لا تَذْهَبُ عُقُولَهُمْ يقال: نَزَفَ الرّجُلُ: إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، ونَزَفَ: إذا ذَهَبَ دَمُهُ عندَ المَوت، وأَنْزَفَ يُنْزِفُ: إذا ذَهَبَ شرابه ونَفِدَ: قَالَ الشَّاعِرُ: لَعَمْرِي لَئِنْ أنزفتم أو صحوتم ... لبئس الندامى كُنْتُمُ آل أَبْجَرَا وقرأ حمزُة والكِسائيُّ: ««يُنْزِفُوْنَ» بكسر الزّاي عَلَى هذه اللُّغة. وأمَّا عاصمٌ فإنه قرأ فِي الواقعة: «يُنْزِفُوْنَ» بالكسر وفي «الصافات»

стр. 374

«يُنْزَفُوْنَ» بالفتح جمع بين اللُّغتين تخفيفًا فصار يَزِفُ ويَعِدُ ويَزِنُ فإذا أمرت قلتَ: زِفْ وعد وزن. وقوله تعالى: انظر ﴿ماذَا تَرَى﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «تُرى» بضم التّاء وكسر الرّاء من أريتَ تُرِى أي: إذا ما تُشير والأصل: ترأى فنقلوا كسرةَ الهمزةِ إلى الراءِ، وحذفوا الهمزة لسكونها، وسكون الياء. وقرأ الباقون: «مَاذا تَرَى» بالفتح. غير أنّ أبا عَمْرٍو كان يميل الراءَ من أجلِ الياءِ. والباقون يفتَحون جعلوه من الرَّأى والرُّؤية، لا من المَشورة. وكان إِبْرَاهِيم ﷺ رَأَى فِي المَنام فأُمر بذبح ابنِهِ. ورؤيا الأنبياء وحيٌ، فلذلك قَالَ ابنه: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ قَالَ ذَلِكَ وهو ابن ثلاث عشرة سنة. ﴿وتله للجَبِيْنِ﴾ أي: صَرَعَهُ وألقاه عَلَى وَجهه لئلَّا يَرى وجهه فيَرحمه. فلمَّا عرف اللَّه طاعةَ إِبْرَاهِيم ﷺ إيَّاهُ، وطاعة ابنه إيَّاهُ شكَرَ اللَّه تَعَالى لهما بذلك، ففداه بذبحٍ عظيمٍ بكبشٍ قد رَعى فِي الجَنةِ أربعين خريفًا. واختَلف الناسُ فِي الذّبيحُ؟ فَقَالَ قومٌ: إِسْحَاق، وقال آخرون إِسْمَاعِيل ﵉. واحْتجُّوا بقول رَسُولِ اللَّه ﷺ : «أَنا ابنُ الذَّبِيْحَيْنِ» وبقوله تَعَالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بإسْحَاقَ نَبِيًّا من الصَّالِحِيْن﴾، قَالَ: فَكيف تكونُ البِشارة مَعَ الذَّبْحِ؟ ! . واحتَجَّ الآخرون فقالوا: «وفَدَيناهُ» أي: وفدينا إِسْحَاق وبشرنا إِبْرَاهِيم بنبوَّةِ إِسْحَاق بعد أن فداه ﷺ . فمَن قَالَ: إِسْحَاق، فعليٌّ وابنُ مسعودٍ وكعبُ الأحبارِ. ومن قَالَ: إنه إِسْمَاعِيل، فإنَّه عُمر ومحمد بْن كعب القُرَظِيُّ وسعيد بْن المُسَيِّب. ومَن قَالَ: إنه إِسْحَاق قَالَ كان فِي إِسْحَاق بشارتان: فبشرناه بغلامٍ حليمٍ، وبشرناه بإسحاق نبيًا من الصالحين. ومعنى تَلّه: صَرَعَهُ كما أخبرتك. وأمَّا حديثُ رَسُول اللَّه ﷺ : «إنّ جبريل ﵇ أتاه بمفاتيحِ خزائنِ الأرضِ فَتَلَّها فِي يَدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ » فمعناه: صبها.

стр. 375

وقولُه تَعَالى: ﴿وإنَّ إلْيَاسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾. قرأ ابنُ عامر وحده بروايةِ ابْنُ ذكوان «وإنَّ الياس» بوصل الألف. والباقون بالقطع، وهو الاختيار، لأنّ الألف فِي أول الأسماء الأعجمية لا تكون إلا مقطوعة نحو إسرائيل وإبراهيم. قولُه تعالى: ﴿سلام على إل ياسين﴾. بقَطع الألف دلالة عَلَى قطعها هناك، واتفاق الجميع. وقوله تعالى: ﴿سلام على إل ياسين﴾ قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ «سَلامٌ عَلَى آلِ ياسين» كأنّه آل مُحَمَّد كما قِيل فِي: يَاسين، يا مُحَمَّد يا رَجُل. وآل مُحَمَّد: كل من آل إِلَيْه بقرابة أو بحسب. وقال آخرون: آلُ مُحَمَّدٍ كلُّ من كان على دينه. قَالَ: «أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ» وأجمع النُّحويون عَلَى أن آل أصله أهل فقَلبُوا الهاءَ همزةً، وجعلوها مدَّةً، لئلا يجتمع ساكنان، كما قَالَ، والدَّليل عَلَى ذَلِكَ: أنَّك إذا صغرت آل قُلت: أُهَيْلٌ ولا يجوز أُويل، ردُّوا إلى الأصلِ، لا إلى اللَّفظ، وكذلك تَفعل العَرَبُ بأكثر المصغرات أن يردوه إلى أصله، ولا يبقى عَلَى لفظه. وربما تُرك كقولك فِي تصغير عيد: عييد، ولم يقولوا: عويد، وأصله الواو، كما قَالُوا فِي جمعه: أعياد، ولم يقولوا أعواد، لئلا يشتبه بتصغير عود وجمعه، فاعرفه فإنه حسنٌ جدًّا. عَلَى أن الكِسَائِيّ قد حكى تارة عَلَى الأصل، وتارة عَلَى اللَّفظ أويلًا وأهيلًا. وقرأ الباقون: «سَلَامُ عَلَى إلْيَاسِيْن» بكسر الألف وإلياسَ وإن كان جمعًا فِي اللَّفظ فإنه واحدٌ، وهو إدريس النَّبيّ ﷺ . واحتَّج من قرأ بهذه القراءة أنَّ فِي حرف ابْنُ مَسْعُودٍ: «سَلَامٌ عَلَى إدراسين» «وإن إدْريْسَ لَمِنَ المُرْسَلِيْنَ» فَقَالَ الحُذاق من النَّحويين: إن المعروف اسم النَّبيّ ﷺ إدريس، وإلياسين، إنما جمع فقيل: إدراسين وإلياسين؛ لأنه أريد النَّبيّ ومن معه من أهل دينه، كما يقال المسامعة والمهالبة: يريدون مَسِمعًا ومُهلَّبًا ومن معهما، قَالَ الشَّاعِر: قَدْنِي من نصر الخبيبيين قَدِي قَالَ: أرادَ أبا خُبَيْبٍ، وهو ابنُ الزَُبَيْرِ ومن تابعه فجُمع عَلَى ذَلِكَ. هَذَا قول أَحْمَد بْن يَحيى. وقال مُحَمَّد بْن يزيد: من نصر الخبيبيين عَلَى لفظ الاثنين أراد: ابني الزَُبَيْر كما قَالَ: سُنَّة العُمَرَينِ.

стр. 376

وقولُه تَعَالى: ﴿اللَّه رَبَّكَمُ وَرَبَّ آبَائكُمُ الَأوَّلِيْنَ﴾ قرأ حمزة والكِسَائِيّ وحفص عنْ عاصم: «اللَّه» بالنصب بدلًا من قولُه: ﴿وتَذَرُوْنَ أَحْسَنَ الخالِقِيْنَ﴾ لأن «أحسن» مفعول تذرون واسم اللَّه تَعَالى بدل مِنْهُ إذ كان هُوَ هُوَ، لأنَّ أحسن الخالقين هُوَ «اللَّه رَبَّكُمْ» عطف عَلَيْهِ، وَرَبَّ ءابائِكُمُ، وذلك أن اللَّه وبخهم وجهلهم حين عبدوا ما نحتوه بأيديهم، وهو البَعْلُ، فَقَالَ: «أَتَدْعُوْنَ بَعْلًا» أي: صَنَمًا، «وَتَذَرُوْنَ أحْسَنَ الخَالِقِيْنَ» أي: تذرون ربكم وربَّ آبائكم، لأنهم قالوا: ﴿بل وجدنا آباءنا كذلك يَفْعَلُوْنَ﴾ والبَعْلُ: أربعة أشياء؛ البَعْلُ: الزوج والبَعْلُ: السَّماءُ، تَقُولُ العرب: السَّماءُ بعلُ الأرضِ، والبَعْلُ من النَّخْلِ، ما شَرِبَ بعروقه من غيرِ سقيِ السَّماءِ. والبَعْلُ: الصَنَمُ. وقرأ الباقون: «الله ربكم ورب آبائكم» بالرفع على الاستئناف، كما قَالَ الشَّاعِر: فإن لها جارين لَنْ يَغْدُرا بها ... رَبِيْبُ النَّبيّ وابنُ خيرَ الخَلائِفِ فاستأنفَ فرفعَ ربيب عَلَى معنى هما ربيب وابن، وكذلك: «أحسنُ الخالِقِين اللَّهُ»، أي: هُوَ اللَّه تَعَالى، وخلائف: جمع خليفة، وخليف بغيرٍ هاء يجمع خلفاء مثل كريم وكرماء، وَيُقَال للرَّجُلِ: هَذَا خليفةٌ عَلَى المعنى، ويجوز هذه خليفةٌ عَلَى اللفظ والتأنيث، قَالَ الشَّاعِر: أَبُوْكَ خَلِيْفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخرَى ... وأَنْتَ خَلِيْفَةٌ ذاكَ الكَمَالُ وقال أوس بْن حجر - وأتى بالَّلغتين -: إنّ من القومِ موجودًا خَلِيْفَتُهُ ... وما خَلِيْفُ أَبِي وَهْبٍ بِمَوْجُوْدِ وقيلَ لأبي بكرٍ الصدّيق رضوان اللَّه عَلَيْهِ: يا خليفةَ رَسُول اللَّه، فَقَالَ: لستُ خليفته، ولكن خالفته، والخالف: المستقى، والخلف: الاستقاء، والخوالفُ: النّساءُ المغيبات، والخليفة من الإبل: الحامل، وربما قالوا: الخلف للحمل، قال الراجز: ما لك ترغين ولا تَرْغُو للخَلِفْ ... وتَجْزَعِيْنَ والمَطِيُّ مُعْتَرِفْ وقولُه تَعَالى: ﴿وإنَّهم لَكَاذِبُونَ أصطفى﴾. أجمع القراء على قطع هذه الألف، لأنها توبيخ عَلَى لفظ الاستفهام دخلت عَلَى ألف الوصل، والتقدير: أأصطفى فسقطت ألف الوصل، وكذلك: «أطَّلعَ الغَيْبَ» «أَفْتَرَى

стр. 377

عَلَى اللهِ كَذِبًا» «أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّه عهدًا» «أتخذناهُمْ سِخْرِيًّا» و «بِيَدِيَّ أسَتكْبرت» فإنما ذكرته لأن إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر روى عنْ نافع «لَكَاذِبُونَ اصْطَفى» موصولا بحذف الألف ويجعله كلفظ الخبرِ، وذلك رديءٌ، لان ألف الاستفهام لا تُحذف إذا لم يكن عليها دليل. وقال بعضهم: لمَّا أتى بألفٍ بعده فِي قولُه: «أَفَلَا تَعْقِلُوْنَ» أجزئ بها عنْ ذَلِكَ. واختلفوا فِي هذه السورة فِي ثلاث آيات: «إنَي أرى»، «إنِّيَ أَذْبَحُكَ» فتحهما نافع وابن كثير وأبو عَمْرو. والثالث «سَتَجِدُنِي إنْ شاء اللَّه» فتحها نافعٌ. وأسكنها الباقون.

стр. 378

ومن سورة ص، والزمر قوله تعالى: ﴿ما لها مِنْ فَوَاقٍ﴾. قرأ حمزة والكِسَائِيّ: «من فُواق» بضم الفاء. وقرأ الباقون بالفتح، فَقَالَ قومٌ: هما لغتان بمعنى واحدٍ. وقال آخرون: «الفَواق» بالفتح: الراحة، أي: ما لها من راحة، ولا فترة، ولا سكون. والفُواق: ما بين الحلبيتين وذلك أن البهيمة ترضع أمَّها ثُمَّ تدعها ساعة حتى ينزل اللبن فما بين الحلبيتين فُواقٌ. وقولُه تَعَالى: ﴿وقَالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنَا قِطّنَا﴾. القِطُّ: الصَّكُّ والكتاب، لأنَّ اللَّه تَعَالى لما أنزلَ: ﴿وأمَّا مَنْ أُوْتِيَ كِتَابَهُ﴾ بشماله كفر المشركون بذلك وجحدوا بذلك وجحدوا البعث، وقالوا: عجل لنا هَذَا الكتاب الَّذِي تعهدنا بِهِ. فأنزل اللَّه تَعَالى فِي هَذَا ونحوه: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِيِْنَ لَا يُؤْمِنُوْنَ بٍِهَا﴾ والقِطُّ فِي غيرِ هذه: السِّنَّوْرُ، أنشدني ابنُ دُرَيْدٍ: وَكَلْبٌ يَنْبَحُ الطُّرَّاقُ عَنَّى ... أحبُّ إِلَيَّ مِنْ قِطٍّ أَلُوْفِ ولِبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِيْ ... أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ لبس الشفوف والقط بالفتح: مصدر قط الشيء يقطه قَطًّا، كان عليّ ﵁ إذا ضَرَبَ عَرْضًا قَطَّ، وإذا ضَرَبَ طولًا قدَّ. والقَطُّ أيضًا: غَلاء السِّعرِ نعوذُ بالله من قَطِّ الأسعار. وَيُقَال: شعرٌ قَطُّ، وقَطَطٌ ومُقْلَعِطُّ، وهي أشدُّ الجُعُوْدَةِ. وَيُقَال: ما فعلت ذَلِكَ قطُّ، مبني عَلَى الضَمِّ. وقولُه تَعَالى: ﴿ليدبروا آياته﴾. روى حًسين، عنْ أَبِي بَكْر، عنْ عاصمٍ «تتدَبَّرُوا» بالتاء وتَخفيف الدّال. أي: لتدبروا أنتم. وقرأ الباقون: «ليَدَّبَّرُوا» بالياء، وتشديد الدَّالِ أرادوا: ليتدبروا أخبارًا عنْ غيبٍ. فأدغم التاء من الدال فالتشديد من أجل ذَلِكَ ومثله «تذكروا» فالمصدر من الأول تدبر يتدبر تدبرًا فهو مُتدبر ومن الثاني فِي أدَّبر يدّبر إدبارًا فهو مدبرٌ. ومثله أطّوف وادارك وادارأتم، واطيرنا، مصادر ذَلِكَ كله سواء وزنهن تِفَعَّل تَدَبَّرٌ وتطوُّفٌ وتذكُّرٌ، وتطيُّرٌ،

стр. 379

وأدغمت فلحقتها ألف الوصل. قولُه تَعَالى: ﴿بالسُّوْقِ والَأعْنَاْقِ﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ وحده «بالسُّؤق» بهمزة ساكنة، وإن كان ابْنُ مجاهدٍ يراه غَلَطًا، والرّواية الصحيحة عَنْهُ بالسووق عَلَى فعول: فلما انضمت الواو همزها مثل «وقتت»، و «أقتت»، ومثل ذلك: غارت عينه غئورا، ودار، أدؤر. وهذه رواية عَبْد اللَّه بْن عليّ بْن نصر وهو الصّواب. والأول رواية قنبل فتكون الهمزة منقلبةً ضمةً من الواو مثل: وقتت، وأقتت البزي: ««بالسوق» بغير همزٍ مثل قراءة أَبِي عَمْرو - ف «سوق» جمعُ ساقٍ مثل باحة، وبوح، وساعة، وسوح، والساحة، والباحة والصرحة، والعرصة كلٌّ واحدٌ، وكذلك قارة، وقور للجبيل الصغير. والمسح - هاهنا -: الغسل، وذلك أن سُلَيْمَان ﵇ كان مشغوفًا بالخيل فغسل نواصيها وسوقها بالماء. وقال آخرون: «فطفِق مسحًا بالسُّوق والأعناق» أي: عرقبها وقَطَعَ أعناقها، لما فاتته صلاة العصر وشغلته عنْ ذكر اللَّه تَعَالى ﴿حتَّى تَوارتْ بالحِجَابِ﴾ أي: حَتَّى غابت الشمس. فإن قَالَ: إنَّ سُلَيْمَان ﵇ نبي معصوم. فلم عرقب الخيل وهي لم تذنب؟ فأحسن الأجوبة: فَلَمَّا أَجَزْنَا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبث ذي عقاف عقنقل والجَوابُ الثَّاني: أنَّ العربَ تَعدُّ من واحدٍ إلى تسعة وتسميه عشرًا. ثُمَّ تزيد واوًا وتُسمى واو العشر كقوله تعالى: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمنِاتٍ﴾ عد سبعة، ثُمَّ قَالَ: ﴿وأبكارًا﴾. والجواب الثالث: - والاختيار - ما قَالَ المُبَرِّدُ. قَالَ: قَالَ أَبُو الْعَبَّاس إذا وجدتُ حرفًا من كتابِ اللَّه قد اشتَمَلَ عَلَى معنى حسنِ لم أجعله مغلي، ولكن الواو هاهنا واو نَسَقٍ، والتقدير: حَتَّى إذا جاءوها وَصَلُوا وَفُتِحَتْ أبوابُها. وهذا حسنٌ جدُّا. واختلفوا فِي هذه السورة فِي خمس ياءآت: «إنِّي أُمِرْتُ» فتحها نافعٌ. وأسكنها الباقون. و«إنِّي أخافُ» فتحها نافعٌ وابنُ كثيرٍ وأبو عَمْروٍ. و«يا عِبَادي» و «قُلْ يَا عِبَادِيَ» و «أَتأْمُرُونِي» وقد ذكرتُهُنَّ.

стр. 380

ومن سورة حَم المُؤْمِنُ غافر قولُه تَعَالى: ﴿حم﴾. قرأ ابن كثير مفخما «حم». وقرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ وأبو بَكْرٍ، عنْ عاصمٍ وابن عامر ممالًا. واختَلف عنْ الباقين فُروى عنْ أبي عَمْرٍو بالكسرِ والفتحِ. والاختيار عنْ عاصمٍ فِي رواية حفصٍ الفتح. وعن نافعٍ بين بين، لا مفتوح ولا مكسور. وفيها قراءةٌ رابعةٌ: حَمَ بفتح الميم قرأ بِهِ عِيسَى بْن عُمر وجعله اسمًا للسُورة، والتَّقدير: اُتل حمَ، أقرأ حَمَ. وقال آخرون: موضعه جرٌّ، لأنَّه لا ينصرفُ، وهو جرٌّ بالقسم ويُنشد: وَجَدْنَا لَكْمْ فِي آلِ حَمَ آيَةً ... تَأَوَّلَهَا مِنَّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ وقال آخر: يُذَكِرُنِي حَاميمَ والرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فَهَلَّا تَلَا حَامِيْمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ ومن جَزَمَ قَالَ: هذه حروفُ التَّهجي لا يدخلها إعراب هُوَ كما بينت ذلك في صدر الكتاب، والإمالة والتفخيم في هذه القراءة لغتان فصيحتان، واختلف النّاس فِي تفسير «حمَ» فَقَالَ قومٌ: قَضَى والله، حمَ والله. وقال آخرون: حمَ شعارٌ للسورةِ. وقال آخرون: قسمٌ. وقال آخرون: هذه الحُروف من أسماءِ اللَّه تَعَالى: ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيْمُ﴾، فالراءُ والألف، واللام من المَر، وحَم من الحاء والميم، ونون من النون. وقال ابْنُ مسعودٍ: الحواميم ديباجةُ القُرآن، قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «الحَوَامِيْمُ كالحَبِرَاتِ والثِّيَابِ» ونزلت كلُّها بمكةَ واللَّفظ بِ «حَمَ» بتخفيف الميم لا غير، وكذلك طس، ويس بتخفيف السين. وأما ابنُ خالويه: الحواميمُ من كلامِ العامَّةِ لا يجوز جمعُ حاميم عَلَى حَوَامِيْمِ إنما

стр. 381

يُقال: آل حامِيم. فأعرفه. وقولُه تَعَالى: ﴿والَّذِيِْنَ يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِهِ﴾. قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ - رواية هشامٍ - بالتاء عَلَى الخِطاب، أي: قُل لهم يا مُحَمَّد. وقرأ الباقون بالياءِ إخبارًا عنْ غَيْبٍ، والأمرُ بينهما قَريبٌ. وقولُه تَعَالى: ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ .. والتَّنَادِ. كان ابْنُ كثيرٍ يثبت الياء فيهما وَصَلَ أو وَقَفَ عَلَى الأصل، لأنَّه من لَقِيْتُ ونَادَيْتُ. وكان نافعٌ يثبتها وصلًا، ويحذفها وقفًا، لأنَّه تبعُ المُصحَفَ فِي الوقف، والَأصلَ فِي الدَّرْجِ. والباقون يحذفون وَصَلُوا أو وَقَفُواْ اجتزاءً بالكسرة، واتباعًا للمُصحف، ولأنَّها رأس آية. وفي «التَّنَادِ» قراءةٌ رابعةٌ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بن عبدان، عن علي، عن أبي عبيد، قال: أخبرني إبراهيم، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عَبَّاس، «يوم التَّنَادِّ» بتشديد الدال. قَالَ: تَنِدُّ الإِبِلُ، وشاهده قولُه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيْهِ﴾. وحدَّثني ابنُ مجاهد، عنْ السِّمَّرِيّ، عنْ الفَرَّاء، قَالَ: حَدَّثَنَا حبَّان، عنْ الَأجلح، عنْ الضَّحاك بْن مُزاحم، أَنَّهُ قَالَ: تَنْزلُ الملائكةُ من السّماوات فتحيط بأقطار الأرضِ ويجاءُ بَجَهنَّم، فإذا رأوها هالتهم فَنَدُّوا فِي الأرضِ كَمَا تَنِدُّ الإِبل فلا يتوجهون قط إلا رأوا ملائكة فيرجعون من حيث جاءوا وذلك قولُه: ﴿يَاْ مَعْشَرَ الجِنِّ والِإنْسِ إِنِ استَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أقَطَارِ السَّمَاوَاتِ﴾ وذَلِكَ قولُه: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ وذلك قولُه: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا﴾. وقال الأجلح: وقرأ الضَّحاك «يَوْمَ التَّنَادّ» مشددًا قَالَ الشَّاعِرُ: - فِي التَّنادي بإثبات الياءِ، والتَّخفيف -: مَنَعَ النَّوْمَ ذكرُ يومِ التَّنَادِيْ ... وإلى اللَّه مَرْجِعِي وَمَعَادِي يومَ زَادَتْ أضْعَافْهَا الأرضُ مدًّا ... ثُمَّ صَارَتْ قَرَارَ كلِّ العِبَادِ يُريد قَوْلَه تَعَالى: ﴿وَإذَا الَأرْضُ مُدَّتْ﴾ وهو بتبديلها «يَوْمَ تُبَدَّلُ الَأرْضُ غَيْرَ

стр. 382

الَأرْضِ»، «يَوْمَ التَّنَادِ»، «يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ» وفي حَرْفِ أُبِيٍّ: «بارِزونَ لَهُ» وفي حرفِ ابنِ مَسْعُودٍ: «لَاْ يَخْفَي عَلَيْهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ» فأمَّا تَفسِيْرُ: «يَوْمِ التَّلاقِ» فهو يومُ القِيَامَةِ. يَلتقي أهلُ السماءِ، وأهلُ الأرضِ، وذلك قولُه: ﴿يُلْقِىْ الرُّوْحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ فقيل: الرُّوح القْرآن، وقيل: النبوة، وقيل: أمر النبوة، لأنَّ اللَّه تَعَالى أحيا بالقرآن وبالرَّسول أفئدةً صَدِئَةً، وأحيا بهما قلوبًا ميِّتةً؛ لأنَّ اللَّه تَعَالى سَمّى الكافِرَ ميتًا، والمؤمنَ حيًّا، وذلك حيث يقول: ﴿أومن كَانَ مَيتًا﴾ بكفره ﴿فَأَحْيَينَاهُ﴾ بالإِيمان. وقولُه: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عَبَادِهِ﴾ أي: عَلَى من يصطفيه لرسالته (لينذر يوم الحَسْرَةِ). وقال آخرون: لِيُنْذِرَ اللَّه، ومن قرأ بالتَّاء فإنه أراد خطاب رَسُول اللَّه ﷺ أي: لتُنذر أنت يا مُحَمَّد وهي قراءة الحَسَنِ. وقولُه تَعَالى: ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾. قرأ ابنُ عامرٍ وحده: «أشد منكم» بالكاف فِي مصاحِف أهل الشام. فإن سألتَ عنْ خبر كان الأول، والثاني، والثالث. فقل: اسم «كانَ» الأول «عاقِبَةُ» وخبره «كيفَ» وإنما قدّم لأن الاستفهام لَهُ صدرُ الكلامِ، واسمُ كان الثاني الضَّمير الَّذِي دَلّ عَلَيْهِ الواو، وخبره «من قَبْلهُمْ» واسم كان الثالث الضَّمير، وهُمْ فاصلة عند البصريين وعمادٌ عند الكوفيين كما تَقُولُ: كان زيدٌ هُوَ القائِمُ «وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّاْلِميْنَ» و «أشدَّ» خبرُ كان الثالث. فإن قيلَ لَكَ: الفاصلة لا يكون إلا بين معرفتين وأَشَدَّ نكرةٌ فِلمَ صلح ذَلِكَ؟ فقل: لأن أفعل الذي معه من المُضاف المعرفة. قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوْهُ عِنْدَ اللَّه هُو خَيْرًا﴾ لأنَّ خيرًا أَفعل فِي الَاصلِ محذوفُ الهمزِ تخفيفًا، ولا يستعمل إلا ب «من» فِي الأصل كقولك: زيدٌ خير من عَمْرٍو. وقولُه تَعَالى: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ: وأن يَظْهَرَ بفتح الياء الفَسادُ رفعًا. وقرأ أَبُو عَمْرٍو ونافعٌ: يُظهر بضم الياء «الفَسَادَ» نصبًا. وقرأ ابنُ كثيرًا ونافعٌ وأبو عَمْرٍو وابنُ عامرٍ: «وَأَنْ يَظْهَرَ» بغيرِ ألفٍ. وكذلك هِيَ فِي مصاحفهم.

стр. 383

وقرأ الكوفيون: «وَأَنْ يَظْهَرَ» كذلك فِي مصاحفهم. وقرأ عاصمٌ فِي روايةِ أَبِي بكرٍٍ والكِسَائِيُّ: «أو أن يَظهر» بفتح الياء «الفَسَادُ» رفعُا. وروى حَفْصٌ، عنْ عاصمٍ: «أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرض» برفع الياء «الفَسَادَ» نصبًا لَهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ﵀: الاختيار «أَوْ» تكونُ بمعنى الواو كقوله: ﴿إلى مائَةِ ألْفٍ أَوْ يَزِيْدُوْنَ﴾ أي: ويَزِيْدُوَن، وبَلْ يَزِيْدُونَ، ولا تكونُ الواوُ بمعنى «أَوْ». قَالَ أَبُو عبدِ اللَّه: إذا كانت أَوْ إباحةً تكون الواو بمعناها، لأنَّ قولَكَ: جالس الْحَسَنَ أَوْ ابْنُ سِيرِينَ أَوْ الشَّعْبِيّ فمعناه: قد أبحت لَكَ الجُلوس مَعَ هَذَا الضَّربِ من الناس، تَقُولُ: جالس الحسن أو ابن سيرين أو الشعبي بمعنى الإباحة، ومن نَصب الفساد أشَركَهُ مَعَ التَّبديل، أي: أخاف أن يبدل دينكم فإذا بَدَّل ظَهَرَ الفسادُ، وكلتا القراءتين حسنةٌ. وقولُه تَعَالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ﴾. قرءوا كلُّهم بضمِّ الجيمِ، وإنما ذكرتُه لأنَّ ابنَ مُجاهدٍ حدثني، عن الحسن، عن القطيعي، عنْ عُبَيْدٍ، عنْ أَبِي عَمْرٍو: «وَقَالَ رَجْلٌ مؤمن» بإسكان الجيم، وهي لغة كانوا يستثقلون الضَمَّة، كما يُقال كَرْمَ زيْدٌ يريدون كَرُمَ وفي عَضُدٍ عَضْدٌ، قَالَ الشَّاعِر: رَجْلَانِ مَرْضِيَّان أَخْبَرَانَا ... أنَّا رَأيْنَا رَجُلًا عُرْيَانَا أراد: رَجُلَيْنِ، فأسكن. الوقف فِي هذه الآية: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ ثُمَّ يبتدئ ﴿مِنْ آلِ فِرْعَونَ يَكْتُمُ إيْمَانَهُ﴾ لأنَّه لم يكن قِبْطِيًّا، وإنَّما معناه يكتم إيْمانه من آل فرعون. وقال آخرون: بلْ كان من آلِهِ وكان مُؤْمِنًا وحده، كما كانت امرأته مؤمنةً فالوقف عَلَى قراءتهم من آل فرعون. فإن سألَ سائِلٌ فَقَالَ: قَدْ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ ولم يستثن أحدًا، فكيفَ يجوزُ أن يُجعل المُؤْمِنَ من آلِهِ؟ فقُل: عَلَى الجواب الأول لا يَلزمُنا هَذَا السُّؤال، وعلى الجَواب الثاني، تَقديره: أدخلوا آل فِرْعَوْنَ أي: مَنْ كانَ عَلَى دِينِهِ كما أقول: اللَّهم صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعلى آلِهِ،

стр. 384

يعني بِهِ المُؤمنين، وقد كان فِي قراباته كفّارٌ لا يَدْخُلُونَ فِي الدُّعاءِ. وقولُه تَعَالى: ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكِمْ﴾. قرأ أَبُو عَمرٍو وحمزةُ والكِسَائِيُّ بالإِدغام لقُرب الذَّالِ من التَّاءِ. وقرأ الباقون بالِإظهار؛ لأنَّ الحرفين غيرُ مُتجانسين. ومعنى «عُذْتُ بِرَبِّي» أي: اعْتَصَمْتُ واستَعَنْتُ باللهِ من كلِّ مُتَكَبِّرٍ عنْ طاعةٍ اللَّه لا يُؤْمِنُ بيومِ الحسابِ أي: الجَزَاء. فإن قيل لك: ما وزن «عُذْتُ» من الفعل؟ ففي ذَلِكَ ثلاثةُ أجوبةٍ: قَالَ البصريون: وزنه فَعَلْتُ، والأصل: عَوَذْتُ، فصارت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فوجب سقوطها لسكونها وسكون الذال، ولا دلالة عليها، فنقلُوا فَعَلْتُ إلى فَعُلْتُ عَوَذْتُ إلى عَوُذْتُ لتكون الضَّمة دالةً عَلَى المعنى، وعلى الواو إذا أُسقطت، فالضمة عَلَى عُذتُ ضَمَّةُ الواوِ السَّاقطةِ. وقال الكِسَائِيُّ: وزن عَوُذْتُ فعلت غير منقولة. قال الفراء: وزن عوذت: فَعَلْتُ، كما قَالَ البَصريُّون، غير أَنَّهُ جَعَلَ الواو لام الفعل قال: عَوَذْتُ، وكذلك اختلافهم فِي جميع ما شاكلَ هَذَا نحو: قُلتُ، وزلْتُ، وحلْتُ. وعندَ الفَرَّاء قلوت وحلوت، وزلوت، وذلك خطأ عندَ البَصريِّين. وقولُه تَعَالى: ﴿عَلَى كلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾. قرأ أبو عمرو ذكوان، عنْ ابْنُ عامر: «قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ» منونًا جعله نعتًا للقلب؛ لأنَّ القلب إذا تكبَّرَ تكبَّرَ صاحِبُهُ، كما قَالَ: ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَهَاْ خاضعين﴾ لأن الأعناق لما خضعت أخضعت أربابها: مررت بيوم عاصف أي: عاصف ريحه. وقرأ الباقون: «عَلَى كلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرِ» بالإضافة أي: عَلَى كلِّ قلبٍ رَجُلٍ مُتَكَبِّرٍ، واحتَجُّوا بما حدثني ابن مجاهد، عن السمري، الفَرَّاءِ، قَالَ: فِي حرفِ عبدِ اللَّه «كذلك يَطْبَعُ اللَّه عَلَى قَلْبِ كلِّ مُتَكَبِّرٍ جبَّارٍ بِهِ» فهذا شاهدٌ لمن أضاف. قَالَ الفَرَّاءُ: وسمعتُ بعضَ النَّحوِيّين يَقُولُ: إنَّ فُلانًا يرجِّلُ شَعرهُ يومِ كلَّ جمعةٍ فقدم وأخر. والجَبَّارُ فِي اللُّغةِ: الَّذِي يَقْتُلُ عَلَى الغضب لَهُ. فإن سَأَلَ سائلٌ، فَقَالَ: إنَّ صفات اللَّه تَعَالى نَحو: عَلِيْمٍ، وكَبِيْرٍ، وجبَّارٍ، محمودةٌ فلم صار هذا مذموما؟

стр. 385

فقال: إنَ جبَّارًا فِي صفةِ اللَّه هُوَ الَّذِي أَجْبَرَ عباده عَلَى ما أراد وأحيا وأمات، وهي صفةٌ لا تليق إلا بالله. وكذلك الكبر رداء اللَّه فإذا جاء المخلوق ليتشبه بمَن لا يُشبهه شيء وارتكبَ ما ليس لَهُ ونازع اللَّه ﷻ رِدَاءَهُ، وكان مذمومًا لَهُ. فإن قَالَ قائلٌ: فإن أَفعل لا يكون مِنْهُ فعَّال. فقل: قَالَ ثعلبٌ: عنْ سَلَمةَ عنْ الفَرَّاء، قَالَ: قد وجدتُ فعالا من أفعل حرفين أدرك فهو دراك نحو أجبر فهو جبَارٌ ولا ثالث لهما، يُقال: أجبرتُه عَلَى كَذا، أي: قَهَرْتُهُ، وجَبَرْتُ العَظْمَ الفَقِيْرَ فهما مجبوران، والله جابر كل كسر، وجبار. قَالَ ابنُ خالويه: وقد وَجَدْتُ حرفًا ثَالِثًا أَسْأَرَ الشَّرابَ فِي القَدَحَ فهو سَأَرٌ، وقال الأخطل: لا بالحصور ولا فيها بسئار ... ومن رَوى بسوَّار فهو المُعربد وقولُه تَعَالى: ﴿فأطلع إلى إله موسى﴾. روى حَفْصٌ عنْ عاصمٌ: «فَأَطَّلِعَ إلى إِلهِ مُوسَى». روى حَفْصٌ، عنْ عاصمٌ: «فَأَطَّلِعَ إلى إِلهِ مُوسَى» بالنَّصب لأنَّ من العربِ من يَنْصِبُ جوابَ لَعَلَّ بالفَاءِ كما يَنصَبُ جوابُ الاستفهامِ وغيره، وقد قَرَأَ عاصِمٌ أيضًا: «فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى» قَالَ الشَّاعِرُ - شاهدًا لهذه القِرَاءَةِ -: علَّ صُرُوْفَ الدَّهْر أو دولاتها ... يدللننا اللمة من لشماتها فتستريح النفس من زفرتها وفي هَذَا البيت شاهدٌ آخرُ، وهو أَنَّهُ خَفَضَ ب لَعَلَّ وبنى آخره عَلَى الكَسرةِ، وهي لُغةٌ خطَّأها الكُوفُّيون والبَصريُّون، يُقالُ: لعلَّ زيدًا قائمٌ وعلّ زَيْدًا وعلَّ زيدٌ وعَلَّ زيد ولعنك ولأنك ورعنك ورغنك كلُّ ذَلِكَ بمعنى لعلّ. وقرأ الباقُون بالرَّفعِ: فاطلعُ وهو الاختيار نَسَقٌ عَلَى لعلى أبلغُ فأطلع. وحكى الأخفش لو أن قارئًا قرأَ: «يَا هَامَانُ ابنُ لِيْ صَرْحًا» بضَمَّ النُّون لكان صوابًا يُتبع ضمة نون «هَامَانُ» بضمَّةِ ابنُ لأنَّ الألف سَقَطَتْ للوَصلِ والباء ليس حاجزًا قويًّا إذْ كان ساكنًا، وهذا غَلَطٌ عندي، لأنَّ كسرةَ النُّون فِي «ابنِ لِيْ صَرْحًا» دِلَاْلَةٌ عَلَى الياءِ السَّاقِطَةِ فَمَتَى ضَممت ذَهبت العلامةُ أَلا تَرى أنَّ النَّحويين قالُوا: مَنْ

стр. 386

قَرَأَ: «يَا أَبَتِ إنِّي رَأَيْتُ» بكسرِ التَّاءِ لم يَجُز الوقف بالتاءِ، لئَلَّا تذهبَ العلامةُ. وقولُه تَعَالى: ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيْلِ﴾. قرأ أهلُ الكوفة: «وصد» ردا عَلَى قولُه: ﴿وَكَذلِكَ زُيِّنَ﴾. وقَرأَ الباقون: «وَصَدَّ» بالفتح. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وهو الاختيارُ، لأنَّ فِيهِ حُجَّةٌ لأهلِ السُّنَّة. وقولُه تَعَالى: ﴿ادْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ﴾. قرأ نافعٌ وحمزةٌ والكِسَائِيُّ وحفصٌ عنْ عاصمٍ: «ادخلوا» بقطع الألف، لأن الدخول ليس هُوَ ما يشاءونه، ويفتعلونه من ذاتِ أنفسهم، بل الزَّبانية يُدخلونهم بعَسف وعُنف، وضَرب وسَحب. وقرأ الباقون بالوَصلِ: «وَيَوْمَ تَقُوْمُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا» عَلَى تقدير: يُقال لهم: ادخلوا. وقولُه تَعَالى: ﴿يَدْخُلُوْنَ الجَنَّةَ يُرْزَقُوْنَ فِيْهَا﴾. قرأ أَبُو عمرٍو وابنُ كثيرٍ وأبو بكرٍ عنْ عاصمٍ: «يُدْخَلُوْنَ» بالضَمِّ لقُربة من ﴿يُرْزَقُوْنَ﴾. وقرأ الباقون وحفصٌ، عنْ عاصمِ ويحيى، عنْ أَبِي بَكْرٍ: «يَدْخُلُوْنَ» بالفتح. ومعنى هَذَا أنّهم إذا أُدْخِلُوا دَخَلُوا، كما تَقُولُ: أماتَ اللَّه زيدًا فمات هُوَ غيرَ أن مات فعلُ المطاوعةِ والدُّخول فعلٌ عَلَى الحقيقة إذا أُكرهوا عَلَيْهِ. وقولُه تَعَالى: ﴿سَيَدْخُلُوْنَ جَهَنَّمَ﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو بكرٍ، عنْ عاصمٍ: «سَيُدْخَلُوْنَ» بالضَمِّ. والباقون بالفَتح، وعلّته كعلةِ الأولِ ومعنى داخرين: صاغِرين. وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُوْمَ الَأشْهادُ﴾. اتفقوا عَلَى الياء، والأشهادُ: جمعُ شاهدٍ مثل صاحبٍ وأصحاب، وفاعِل وأفعال نادِرٌ، وإنما ذكرته لأنَّ فعل الجماعة إذا تقدم يذكَّرُ ويُؤَنَّثُ. فأمَّا قولُه تَعالى: ﴿يَوْمَ لَاْ يَنْفَعُ الظَّالِمِيْنَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾. فقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو وابنُ عامرٍ بالتاء لتأنيث المَعذرة. وقرأ الباقون بالياء؛ لأنَّ تأنيث المَعذرة غيرُ حقيقيّ، ولأنك قد حلت بين الفعل

стр. 387

المؤنث بحال فصار كالعوض من العلامة. وقولُه تَعَالى: ﴿قَلِيْلًا مَّا تَتَذَكَّرُوْنَ﴾. قرأَ أهلُ الكوفةِ بتاءين. وقرأ الباقون بياءٍ وتاءٍ. قَالَ ابنُ خَالَوَيْهِ: والوقف عَلَى: «وَلَا المُسِيءُ» وقف عَلَيْهِ ابْنُ مُجَاهدٍ، ثُمَّ يَبْتَدِئ «قليلًا» لأنَّه ينتصب «قليلًا» ب «تَتَذَكَّرُوْنَ» و «ما» صلة، هَذَا قول مَعْمَرٍ. وقال آخرون: يجعل «ما» مصدرًا مَعَ الفعل أي: قليلًا تذكرهم، وهذا قد أحكمناه فِي كتابِ المَاءآت. وقولُه تَعَالى: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوْخًا﴾. قرأ ابْنُ كثيرٍ وحمزةُ والكِسَائِيُّ وابنُ ذَكْوَانٍ وأبو بَكْرٍ: «شِيْوخًا» بكسر الشين. والباقون بالضَمِّ. واختلفوا فِي هذه السُّورة: فِي قولُه: ﴿ذَرُونِي أقتل﴾، ﴿وإني أخاف﴾ و ﴿لعلي أبلغ﴾، ﴿ما لي أَدْعُوْكُمْ﴾ ﴿أَمْرِي إلى اللَّه﴾ ﴿أُدْعُوْنِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ و ﴿لَمَّا جاءَنِي البَيِّنَاْتُ﴾. فتح نافعٌ: ﴿إنِّي أخاف﴾ كلّها، و ﴿جاءنَي البَيِّناتُ﴾، و ﴿أمْرِيَ﴾، و ﴿لعلي﴾ و ﴿ما لي﴾. وأبو عَمْرو مثله. وفتح ابْنُ كثير: «ذرونيَ أقتل»، «أدعوني أستَجِب» وجميع ما فتحه نافعٌ إلا «أمري إلى الله» فإنه أسكن. وفتح أهل الكوفة «جاءني البينات» وأسكن البواقي وفتحَ ابنُ عامرٍ بروايةِ ابنِ ذكوان: «ما لي أدعُوكُمْ» و «جاءَنِيَ البَيَّنَاتُ» فقط.

стр. 388

ومن سورة فُصِّلَتْ قد ذكرنا ما قَالَ العلماء فِي تفسير حم وإعرابه وإنَّمَا أعدتُ ذكره لأنَّ بعضَ المُفسرين ذكر أنَّ حم اسمُ اللَّه الأعْظَمُ فعلى هَذَا اسمُ اللَّه الأعظم سبعةُ أشياء حسب ما ذكرته فِي كتاب المُفِيْد يا ذا الجَلَالِ والِإكْرَامِ، يا حَيّ يا قيوم يا شراهيا. وتَفسيره: يا حيُّ يا قَيُّوم الرَّحْمَن الرَّحِيْم. قَالَ الكُوفِيُّون: «حمَ تَنزِيْلٌ من الرَّحْمَن» حم يرتفع ب تنزيل وتنزيل ب حم. وقال الفَرَّاء: يرتفع تنزيل بإضمار: ذَلِكَ تنزيلُ، وهذا تَنزيلُ. وقال البَصْرِيُّون: «تَنْزِيْلُ» يرفع بالابتداء ﴿كتاب فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ خبرُه «وقُرْءَانًا» يكون نصبًا عَلَى المصدر وعلى الحال. وقولُه تَعَالى: ﴿فِي أيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. قرأ ابنُ كَثيرٍ ونافعٌ وأبو عَمْرٍو: «نَحْسَاتٍ» بإسْكَانِ الحاءِ، وشاهِدُهُمْ: «فِي يَومِ نَحْسٍ» أي: فِي يوم شُؤمٍ وبَلاءٍ وهُلْكٍ. ويُقال يوم نحس أربعاءٌ لا يدورُ، ويجوزُ أن يكون أرادوا: نَحِسَاتٍ مثل فَخِذَاتٍ. فأسكنوا تخفيفًا. وقرأ الباقون بكسر الحاءِ، وحجَّتُهُمْ أنَّ النَّحسات صفة تَقُولُ العربُ: يومٌ نَحِسٌ مثل رجلٌ هَرِمٌ، قَالَ الشَّاعِر: أَبْلِغْ جُذَامًا وَلَخْمًا أنَّ إخْوَتَهُمْ ... طَيًّا وبَهْرَاءَ قَومٌ نَصْرُهُمْ نَحِسُ وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾. قرأ نافعٌ وحده: «نَحْشُرُ» بالنُّون. اللَّه تَعَالى يُخبر عنْ نَفسه: «أعْدَاءَ اللهِ» بالنَّصْبِ، وشاهده: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَومَ القِيَامَةِ﴾. وقرأ الباقون: «يُحْشَرُ» بالياءِ عَلَى ما لم يُسمَّ فاعله «أعْدَاءُ اللهِ» بالرَّفْعِ لأنَّه اسمُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعله، وإن كان مفعولًا فِي الأَصلِ، والأعداءُ جمعُ عَدُوٍّ، والعَدُوُّ يكونُ جمعًا، قَالَ اللَّه تَعَالى: وَإِن ﴿كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَكُمْ﴾ ويجمع العدوُّ أيضًا عدى، وعداة ﴿إلى النار فهم يُوزَعُونَ﴾ أي: يحبسون ويُمنعون، ويُلقون يُقالُ: وَزَعْتُ الرَّجُلَ: إذا مَنَعْتُهُ.

стр. 389

وكان الْحَسَن الْبَصْرِيّ تقلد القضاء، فَقَالَ: لا يقربني عونٌ ولا منكبٌ، ولا شرطِيٌّ، والمنكبُ: عون العَريف، وقيل: المنكبُ: قومُ العريف. فازدحم الناس على الحسن فقال: لا بد للناس من وَزَعةٍ. وبعث إلى السُّلطان حَتَّى أَمدَّه بالأَعوانِ. ومَن قَالَ: أنّ رجلًا شتم أبا بَكْر رحمة اللَّه عَلَيْهِ فِي وجهه فَلَطَمَهُ رجلٌ من الأنصارِ، فقالوا لأبي بَكْرٍ: اقتصَّ لنا، فَقَالَ: إني لا اقتَصُّ مِمَّن وَزَعَةِ اللَّه. وشبيهةٌ بهذا أنَ عليًّا صَلَوَاتُ اللَّه عَلَيْهِ لَطَمَ رَجُلًا فِشَجَّهُ فَشَكَا عليا إلى عُمر ﵁، فدعا عليًّا، وقال: ما أردت من هَذَا، فَقَالَ: إنّي رأيته يُسارُّ امرأةَ خاصٍّ من خَوَاصِ اللَّه. فَقَالَ عُمَر: إنَّ لِلهِ عُيُوْنًا فِي أرضه، وإن عليا عين الله في أرضه، أي: خاصَّتُهُ. وفي خبر آخر قَالَ: لِمَ لَطَمْتَهُ يا أَبا الْحَسَن؟ قَالَ رأيتُه ينظر إلى حُرَمِ المُسلمين فِي الطَّوافِ. فَقَالَ للمَلطُوْمِ: وَقَعَتْ عليك عينٌ من عيون اللَّه تَعَالى. قَالَ ثعلبٌ: معناه خاصٌّ وأمَّا قولُه تَعَالى ﴿أَوْزِعْنيْ أَنْ أَشْكُرَ﴾ فمعناه ألْهِمْنِي. وأمَّا قولُ الشاعر: فإني بها يا ذا المَعَارِجِ مُوْزَعُ فمعناه: مُولَعٌ. وَيُقَال: أحكمت الرَّجُلَ بمعنى وَزَعْتُهُ، ومنه حكمة الدَّابة لأنَّها تمنعها وتحبسها، ويُنشَده: وإنَّكُمَا إنْ تُحْكِمَانِيْ وتُرْسِلَا ... عَلَيَّ غُوَاةَ الناس أمت وتضلعا قوله تعالى: ﴿وما تخرج مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾. قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وحفصٌ، عنْ عاصمٍ: «ثَمَراتٍ» عَلَى الجماعة، واحتجُّوا بأنه فِي المَصاحف بالتاءِ. وقرأ الباقون: «من ثَمَرَةٍ» عَلَى التَّوحيد، واحتجوا بأنّه فِي مُصحف عبدِ اللَّه مكتوب بالهاءِ، لأنَّ الثمرة تؤدي عنْ الثمار؛ لأنَّه الجنس. والأَكمامُ: واحدها كمٌّ فِي قول الفَرَّاء، وكمةٌ فِي قولِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وهو الكفرى، والجفرى، ويجوز أن يكون كمَّةٌ واحدَ الكُم، والَأكمامُ جمعُ الجَمْعِ. وقوله: ﴿ء أعجمي وعَرَبِيٌّ﴾. فِيهِ أربعُ قراءاتٍ: قرأ أهلُ الكوفةِ: «أأعجمي»» بهمزتين. الأولى ألف الإنكار والتَّوبيخ عَلَى لفظِ الاستفهامِ. والثانيةُ ألفُ القطع، لأنَّه يُقال: رجلٌ عَجَمِيُّ إذا كان لا يُفصح، وإن كان عربي

стр. 390

الأصل، ورجل أَعْجَمِيٌّ إذا كان منسوبًا إلى العجم وإن كان فصيحًا. وقرأ الباقون: «آعْجَمِيٌّ» بهمزةٍ، ومدّةٍ، لأنهم كرِهُوا الجمعَ بين الهمزتين فليَّنُوا الثانية. وقرأ الْحَسَنُ: «أَعْجَمِيٌّ» بغيرِ استفهامٍ، وأسكن العَين، ومعناه: هَلَّا كان عربيًا والقرآن أعجميًا، والرَّسولُ أعجميًا، والقرآن عربيًا. فَقَالَ اللَّه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء﴾ وعَمًى عَلَى الَّذِيِْنَ كَفَرُواْ، لأنَّهم صُرِفُوا عَنْهُ بعد وضوحِ الحُجَّةٍ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾. وحدَّثني ابنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيّ، عنْ الفَرَّاء، قَالَ: قَرَأَ بَعْضُهُمْ «أَعَجَمِيُّ» بفتح العين، فهذه ألفُ الاستفهامِ، ودخلت عَلَى عَجَمِيّ. وقد فسرتُ لَكَ فرقَ ما بين عَجَمِيّ وأَعْجَمِيّ. قَالَ بعضُهم رجلٌ أَعجم بمعنى: أعْجَمِيِّ، واحتجُّوا بما حَدَّثَنِي أَحْمَد، عنْ عليّ، عنْ عُبَيْدٍ أن الْحَسَن قرآ: «وَلَوْ أنزلناه على بعض الأعجميين» بتشديد الياءِ، إلَّا أن تقولَ: العَجَمُ جمعٌ واحدُهم عَجَمِيٌّ فيكون الفرق بين الواحد والجمع حذف الياء كقولك: عربيٌّ، وعَرَبٌ، ورُوْمِيٌّ ورومٌ وهذا قد أحكمناه فِي كتاب السبعة. وقولُه تعالى: ﴿أرنا الذين﴾. قرأ ابن كثير وأبو بكر، عن عاصم: «أرنا اللذين» بجزم الراء. وقرأ الباقون: «أرِنَا» بجرِّ الرَّاءِ. غيرَ أن أبا عَمْرٍو كان يَختلس الكسرةَ. وقد ذكرنا علَّة ذَلِكَ فيما سلف. فَقَالَ ابنُ خالوية: «أَضَلَّانَا من الجِنّ والإِنْسَ» من الجن: إبليس، ومن الإنس قابيل بْن آدم قاتل هابيل. وسمعتُ ابنُ مجاهدٍ يَقُولُ: قابييل بياءين. وقوله تعالى: ﴿ونأى بجانبه﴾ على وزن نعى، قرأ ابْنُ عامر وابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم - «ونأى» على وزن «ونعى» وقرأ الكِسَائِيّ: «وَنِئِى» عَلَى وزن ونِعِى. واختلف عن حمزة فروي عَنْهُ بفَتْحِ النُّون وكسرِ الهمزةِ، وقد ذكرتُ علَّة ذَلِكَ فِي سبحان.
следующие страницы →