← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 3

إعراب القراءات السبع وعللها ط العلمية

ابن خالويه

Полный текст (555 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قَرَأَ: «يَا أَبَتِ إنِّي رَأَيْتُ» بكسرِ التَّاءِ لم يَجُز الوقف بالتاءِ، لئَلَّا تذهبَ العلامةُ. وقولُه تَعَالى: ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيْلِ﴾. قرأ أهلُ الكوفة: «وصد» ردا عَلَى قولُه: ﴿وَكَذلِكَ زُيِّنَ﴾. وقَرأَ الباقون: «وَصَدَّ» بالفتح. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وهو الاختيارُ، لأنَّ فِيهِ حُجَّةٌ لأهلِ السُّنَّة. وقولُه تَعَالى: ﴿ادْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ﴾. قرأ نافعٌ وحمزةٌ والكِسَائِيُّ وحفصٌ عنْ عاصمٍ: «ادخلوا» بقطع الألف، لأن الدخول ليس هُوَ ما يشاءونه، ويفتعلونه من ذاتِ أنفسهم، بل الزَّبانية يُدخلونهم بعَسف وعُنف، وضَرب وسَحب. وقرأ الباقون بالوَصلِ: «وَيَوْمَ تَقُوْمُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا» عَلَى تقدير: يُقال لهم: ادخلوا. وقولُه تَعَالى: ﴿يَدْخُلُوْنَ الجَنَّةَ يُرْزَقُوْنَ فِيْهَا﴾. قرأ أَبُو عمرٍو وابنُ كثيرٍ وأبو بكرٍ عنْ عاصمٍ: «يُدْخَلُوْنَ» بالضَمِّ لقُربة من ﴿يُرْزَقُوْنَ﴾. وقرأ الباقون وحفصٌ، عنْ عاصمِ ويحيى، عنْ أَبِي بَكْرٍ: «يَدْخُلُوْنَ» بالفتح. ومعنى هَذَا أنّهم إذا أُدْخِلُوا دَخَلُوا، كما تَقُولُ: أماتَ اللَّه زيدًا فمات هُوَ غيرَ أن مات فعلُ المطاوعةِ والدُّخول فعلٌ عَلَى الحقيقة إذا أُكرهوا عَلَيْهِ. وقولُه تَعَالى: ﴿سَيَدْخُلُوْنَ جَهَنَّمَ﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو بكرٍ، عنْ عاصمٍ: «سَيُدْخَلُوْنَ» بالضَمِّ. والباقون بالفَتح، وعلّته كعلةِ الأولِ ومعنى داخرين: صاغِرين. وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُوْمَ الَأشْهادُ﴾. اتفقوا عَلَى الياء، والأشهادُ: جمعُ شاهدٍ مثل صاحبٍ وأصحاب، وفاعِل وأفعال نادِرٌ، وإنما ذكرته لأنَّ فعل الجماعة إذا تقدم يذكَّرُ ويُؤَنَّثُ. فأمَّا قولُه تَعالى: ﴿يَوْمَ لَاْ يَنْفَعُ الظَّالِمِيْنَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾. فقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو وابنُ عامرٍ بالتاء لتأنيث المَعذرة. وقرأ الباقون بالياء؛ لأنَّ تأنيث المَعذرة غيرُ حقيقيّ، ولأنك قد حلت بين الفعل

стр. 387

المؤنث بحال فصار كالعوض من العلامة. وقولُه تَعَالى: ﴿قَلِيْلًا مَّا تَتَذَكَّرُوْنَ﴾. قرأَ أهلُ الكوفةِ بتاءين. وقرأ الباقون بياءٍ وتاءٍ. قَالَ ابنُ خَالَوَيْهِ: والوقف عَلَى: «وَلَا المُسِيءُ» وقف عَلَيْهِ ابْنُ مُجَاهدٍ، ثُمَّ يَبْتَدِئ «قليلًا» لأنَّه ينتصب «قليلًا» ب «تَتَذَكَّرُوْنَ» و «ما» صلة، هَذَا قول مَعْمَرٍ. وقال آخرون: يجعل «ما» مصدرًا مَعَ الفعل أي: قليلًا تذكرهم، وهذا قد أحكمناه فِي كتابِ المَاءآت. وقولُه تَعَالى: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوْخًا﴾. قرأ ابْنُ كثيرٍ وحمزةُ والكِسَائِيُّ وابنُ ذَكْوَانٍ وأبو بَكْرٍ: «شِيْوخًا» بكسر الشين. والباقون بالضَمِّ. واختلفوا فِي هذه السُّورة: فِي قولُه: ﴿ذَرُونِي أقتل﴾، ﴿وإني أخاف﴾ و ﴿لعلي أبلغ﴾، ﴿ما لي أَدْعُوْكُمْ﴾ ﴿أَمْرِي إلى اللَّه﴾ ﴿أُدْعُوْنِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ و ﴿لَمَّا جاءَنِي البَيِّنَاْتُ﴾. فتح نافعٌ: ﴿إنِّي أخاف﴾ كلّها، و ﴿جاءنَي البَيِّناتُ﴾، و ﴿أمْرِيَ﴾، و ﴿لعلي﴾ و ﴿ما لي﴾. وأبو عَمْرو مثله. وفتح ابْنُ كثير: «ذرونيَ أقتل»، «أدعوني أستَجِب» وجميع ما فتحه نافعٌ إلا «أمري إلى الله» فإنه أسكن. وفتح أهل الكوفة «جاءني البينات» وأسكن البواقي وفتحَ ابنُ عامرٍ بروايةِ ابنِ ذكوان: «ما لي أدعُوكُمْ» و «جاءَنِيَ البَيَّنَاتُ» فقط.

стр. 388

ومن سورة فُصِّلَتْ قد ذكرنا ما قَالَ العلماء فِي تفسير حم وإعرابه وإنَّمَا أعدتُ ذكره لأنَّ بعضَ المُفسرين ذكر أنَّ حم اسمُ اللَّه الأعْظَمُ فعلى هَذَا اسمُ اللَّه الأعظم سبعةُ أشياء حسب ما ذكرته فِي كتاب المُفِيْد يا ذا الجَلَالِ والِإكْرَامِ، يا حَيّ يا قيوم يا شراهيا. وتَفسيره: يا حيُّ يا قَيُّوم الرَّحْمَن الرَّحِيْم. قَالَ الكُوفِيُّون: «حمَ تَنزِيْلٌ من الرَّحْمَن» حم يرتفع ب تنزيل وتنزيل ب حم. وقال الفَرَّاء: يرتفع تنزيل بإضمار: ذَلِكَ تنزيلُ، وهذا تَنزيلُ. وقال البَصْرِيُّون: «تَنْزِيْلُ» يرفع بالابتداء ﴿كتاب فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ خبرُه «وقُرْءَانًا» يكون نصبًا عَلَى المصدر وعلى الحال. وقولُه تَعَالى: ﴿فِي أيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. قرأ ابنُ كَثيرٍ ونافعٌ وأبو عَمْرٍو: «نَحْسَاتٍ» بإسْكَانِ الحاءِ، وشاهِدُهُمْ: «فِي يَومِ نَحْسٍ» أي: فِي يوم شُؤمٍ وبَلاءٍ وهُلْكٍ. ويُقال يوم نحس أربعاءٌ لا يدورُ، ويجوزُ أن يكون أرادوا: نَحِسَاتٍ مثل فَخِذَاتٍ. فأسكنوا تخفيفًا. وقرأ الباقون بكسر الحاءِ، وحجَّتُهُمْ أنَّ النَّحسات صفة تَقُولُ العربُ: يومٌ نَحِسٌ مثل رجلٌ هَرِمٌ، قَالَ الشَّاعِر: أَبْلِغْ جُذَامًا وَلَخْمًا أنَّ إخْوَتَهُمْ ... طَيًّا وبَهْرَاءَ قَومٌ نَصْرُهُمْ نَحِسُ وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾. قرأ نافعٌ وحده: «نَحْشُرُ» بالنُّون. اللَّه تَعَالى يُخبر عنْ نَفسه: «أعْدَاءَ اللهِ» بالنَّصْبِ، وشاهده: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَومَ القِيَامَةِ﴾. وقرأ الباقون: «يُحْشَرُ» بالياءِ عَلَى ما لم يُسمَّ فاعله «أعْدَاءُ اللهِ» بالرَّفْعِ لأنَّه اسمُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعله، وإن كان مفعولًا فِي الأَصلِ، والأعداءُ جمعُ عَدُوٍّ، والعَدُوُّ يكونُ جمعًا، قَالَ اللَّه تَعَالى: وَإِن ﴿كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَكُمْ﴾ ويجمع العدوُّ أيضًا عدى، وعداة ﴿إلى النار فهم يُوزَعُونَ﴾ أي: يحبسون ويُمنعون، ويُلقون يُقالُ: وَزَعْتُ الرَّجُلَ: إذا مَنَعْتُهُ.

стр. 389

وكان الْحَسَن الْبَصْرِيّ تقلد القضاء، فَقَالَ: لا يقربني عونٌ ولا منكبٌ، ولا شرطِيٌّ، والمنكبُ: عون العَريف، وقيل: المنكبُ: قومُ العريف. فازدحم الناس على الحسن فقال: لا بد للناس من وَزَعةٍ. وبعث إلى السُّلطان حَتَّى أَمدَّه بالأَعوانِ. ومَن قَالَ: أنّ رجلًا شتم أبا بَكْر رحمة اللَّه عَلَيْهِ فِي وجهه فَلَطَمَهُ رجلٌ من الأنصارِ، فقالوا لأبي بَكْرٍ: اقتصَّ لنا، فَقَالَ: إني لا اقتَصُّ مِمَّن وَزَعَةِ اللَّه. وشبيهةٌ بهذا أنَ عليًّا صَلَوَاتُ اللَّه عَلَيْهِ لَطَمَ رَجُلًا فِشَجَّهُ فَشَكَا عليا إلى عُمر ﵁، فدعا عليًّا، وقال: ما أردت من هَذَا، فَقَالَ: إنّي رأيته يُسارُّ امرأةَ خاصٍّ من خَوَاصِ اللَّه. فَقَالَ عُمَر: إنَّ لِلهِ عُيُوْنًا فِي أرضه، وإن عليا عين الله في أرضه، أي: خاصَّتُهُ. وفي خبر آخر قَالَ: لِمَ لَطَمْتَهُ يا أَبا الْحَسَن؟ قَالَ رأيتُه ينظر إلى حُرَمِ المُسلمين فِي الطَّوافِ. فَقَالَ للمَلطُوْمِ: وَقَعَتْ عليك عينٌ من عيون اللَّه تَعَالى. قَالَ ثعلبٌ: معناه خاصٌّ وأمَّا قولُه تَعَالى ﴿أَوْزِعْنيْ أَنْ أَشْكُرَ﴾ فمعناه ألْهِمْنِي. وأمَّا قولُ الشاعر: فإني بها يا ذا المَعَارِجِ مُوْزَعُ فمعناه: مُولَعٌ. وَيُقَال: أحكمت الرَّجُلَ بمعنى وَزَعْتُهُ، ومنه حكمة الدَّابة لأنَّها تمنعها وتحبسها، ويُنشَده: وإنَّكُمَا إنْ تُحْكِمَانِيْ وتُرْسِلَا ... عَلَيَّ غُوَاةَ الناس أمت وتضلعا قوله تعالى: ﴿وما تخرج مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾. قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وحفصٌ، عنْ عاصمٍ: «ثَمَراتٍ» عَلَى الجماعة، واحتجُّوا بأنه فِي المَصاحف بالتاءِ. وقرأ الباقون: «من ثَمَرَةٍ» عَلَى التَّوحيد، واحتجوا بأنّه فِي مُصحف عبدِ اللَّه مكتوب بالهاءِ، لأنَّ الثمرة تؤدي عنْ الثمار؛ لأنَّه الجنس. والأَكمامُ: واحدها كمٌّ فِي قول الفَرَّاء، وكمةٌ فِي قولِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وهو الكفرى، والجفرى، ويجوز أن يكون كمَّةٌ واحدَ الكُم، والَأكمامُ جمعُ الجَمْعِ. وقوله: ﴿ء أعجمي وعَرَبِيٌّ﴾. فِيهِ أربعُ قراءاتٍ: قرأ أهلُ الكوفةِ: «أأعجمي»» بهمزتين. الأولى ألف الإنكار والتَّوبيخ عَلَى لفظِ الاستفهامِ. والثانيةُ ألفُ القطع، لأنَّه يُقال: رجلٌ عَجَمِيُّ إذا كان لا يُفصح، وإن كان عربي

стр. 390

الأصل، ورجل أَعْجَمِيٌّ إذا كان منسوبًا إلى العجم وإن كان فصيحًا. وقرأ الباقون: «آعْجَمِيٌّ» بهمزةٍ، ومدّةٍ، لأنهم كرِهُوا الجمعَ بين الهمزتين فليَّنُوا الثانية. وقرأ الْحَسَنُ: «أَعْجَمِيٌّ» بغيرِ استفهامٍ، وأسكن العَين، ومعناه: هَلَّا كان عربيًا والقرآن أعجميًا، والرَّسولُ أعجميًا، والقرآن عربيًا. فَقَالَ اللَّه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء﴾ وعَمًى عَلَى الَّذِيِْنَ كَفَرُواْ، لأنَّهم صُرِفُوا عَنْهُ بعد وضوحِ الحُجَّةٍ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾. وحدَّثني ابنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيّ، عنْ الفَرَّاء، قَالَ: قَرَأَ بَعْضُهُمْ «أَعَجَمِيُّ» بفتح العين، فهذه ألفُ الاستفهامِ، ودخلت عَلَى عَجَمِيّ. وقد فسرتُ لَكَ فرقَ ما بين عَجَمِيّ وأَعْجَمِيّ. قَالَ بعضُهم رجلٌ أَعجم بمعنى: أعْجَمِيِّ، واحتجُّوا بما حَدَّثَنِي أَحْمَد، عنْ عليّ، عنْ عُبَيْدٍ أن الْحَسَن قرآ: «وَلَوْ أنزلناه على بعض الأعجميين» بتشديد الياءِ، إلَّا أن تقولَ: العَجَمُ جمعٌ واحدُهم عَجَمِيٌّ فيكون الفرق بين الواحد والجمع حذف الياء كقولك: عربيٌّ، وعَرَبٌ، ورُوْمِيٌّ ورومٌ وهذا قد أحكمناه فِي كتاب السبعة. وقولُه تعالى: ﴿أرنا الذين﴾. قرأ ابن كثير وأبو بكر، عن عاصم: «أرنا اللذين» بجزم الراء. وقرأ الباقون: «أرِنَا» بجرِّ الرَّاءِ. غيرَ أن أبا عَمْرٍو كان يَختلس الكسرةَ. وقد ذكرنا علَّة ذَلِكَ فيما سلف. فَقَالَ ابنُ خالوية: «أَضَلَّانَا من الجِنّ والإِنْسَ» من الجن: إبليس، ومن الإنس قابيل بْن آدم قاتل هابيل. وسمعتُ ابنُ مجاهدٍ يَقُولُ: قابييل بياءين. وقوله تعالى: ﴿ونأى بجانبه﴾ على وزن نعى، قرأ ابْنُ عامر وابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم - «ونأى» على وزن «ونعى» وقرأ الكِسَائِيّ: «وَنِئِى» عَلَى وزن ونِعِى. واختلف عن حمزة فروي عَنْهُ بفَتْحِ النُّون وكسرِ الهمزةِ، وقد ذكرتُ علَّة ذَلِكَ فِي سبحان.

стр. 391

واختَلفوا فِي هذه السُّورة فِي ياءين: - ﴿إلى رَبِّى إن لِي﴾ فَتحَها أَبُو عَمْرٍٍو. وأسكنها الباقون. وفتح ابن كثير: «أين شركائي» وقصر، ومد وأسكن الباقون، والاختيار عنْ ابنِ كثير: «شركائي الَّذِيِْنَ» مثل أَبِي عَمْرٍو لَهُ.

стр. 392

ومن سورة عسق الشورى حَدَّثَنِي ابْنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَرَّاء، قَالَ: رأيتُ فِي بعض مصاحفِ عبدِ اللَّه حم سق ليس فيها عين. وكذلك رُوي عنْ ابْنُ عباسٍ، قَالَ السين: كلُّ فرقةٍ، والقاف كلُّ جماعةٍ. وسألتُ ابنَ مجاهدٍ فقلتُ: إن القافَ تَبْعُدْ من النُّون بعدًا من الميمِ فلمَ أظهرَ حمزةُ النُّون فِي طسم ولم يظهر النون عن القاف فِي حم عسق؟ فَقَالَ: والله ما فكَّرتُ فِي هَذَا قطُّ، ولا أرتقيت فِي النحو إلى هاهنا. قَالَ أَبُو عبدِ اللَّه: الحُجَّةُ فِي ذَلِكَ - والله أعلم - أن طس أول سورة النَّمل وجاءت سورتان فيهما الميم، فبين ليُعلم أنَّ الميمَ زائدةٌ عَلَى هجاء السِّين. واتَّفقوا - أعني أهلَ الكوفةِ - عَلَى أن لم يفردوا السين من قاف فبني الكلام هاهنا عَلَى الأصلِ، وليس الحُجَّةُ من جهةِ النَّحو فإن النُّون تُدغم فِي الميمِ، وتُخفي عند القَافَ، والمُخفي بمنزلة الظَّاهر فلمّا كُره التَّشديد فِي طسم أظهروا لما كان المخفيّ بمنزلة الظاهر ولم يَحْتَجْ إظهار قاف وهذا بيِّنٌ والحمدُ لله لَهُ. وقولُه تَعَالى: ﴿كذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ: «يُوْحَى» بفتح الحاء على ما لم يسم فاعله. وقرأ الباقون: «يُوحِي» بكسرِ الحاءِ، واسمُ اللَّه تَعَالى رفعٌ بفعله. فإن قَالَ قائلٌ: فما الرافعُ لاسمِ اللَّهِ إذا لم يُسمَّ الفاعل؟ فقُل: اجعله بدلًا من الضَّمير، أَوْ بإعادة فعلٍ، كما قَالَ الشَّاعِرُ: لِيُبْكَ يَزِيْدٌ ضَارِعٌ لِخُصُوْمِهِ .. يريدُ: ليبكيه ضارعٌ، وكذلك «يُوْحَي إليكَ» يا مُحَمَّد كذلك يُوحيه اللَّه. ويجوزُ أن يجعل اسم الله تعالى خبرا لابتداءِ أي: هُوَ اللَّه العزيزُ الحكيمُ. ويجوزُ أن يكون ابتداء العزيزُ الحكيمُ خبرُهُ. وقولُه تَعَالى: ﴿تَكَاْدُ السَّماوَاتُ يَتَفطَّرْنَ مِنْ﴾ فَوقِهِمْ. وقرأ ابنُ كَثيرٍ وابنُ عامرٍ وحَمزةُ: «تَكَادُ» بالتَّاءِ «يتفطرن» بياء وتاء.

стр. 393

وحفصٌ عنْ عاصمٍ مثله. وقرأ نافعٌ والكِسَائِيُّ: «يَكَادُ» بالياء «يَتَفَطَّرْنَ» بياءٍ وتاءٍ. وقرأ أَبُو عمرو وعاصم في رواية أبي بكرٍ: «تكاد» بالتَّاءِ «يَنْفَطِرْنَ» بياءٍ ونونٌ. وقد ذكرنا التأويل فِي سورة مريم كما ذكرنا التلاوة هاهنا فأغنى عن الإعادة. قوله تعالى: ﴿ويعلم مَا تَفْعَلُونَ﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ وحفصٌ عنْ عاصمٍ: تَفْعَلُونَ بالتاء احتَجُّوا بما حَدَّثَنِي ابْنُ مجاهد، عن السمري، عن الفراء، قال: أخبرني شَبيب أنَّ بكير بْن الأخنس ذكر، عنْ أَبِيهِ، قَالَ: بينا أَنَا عند عَبْدِ اللَّه بْن مَسْعُود إذ جاء رجلٌ فَقَالَ: يا أبا عَبْد الرَّحْمَن ما تَقُولُ فِي رجلٍ ألمَّ بامرأةٍ فِي شبِيَبِتِه ثُمَّ تابَ، هَلْ لَهُ أن يتزوجَها؟ فَقَالَ عَبْد اللَّه: - ورفع بها صوته وهو يَقُولُ - «وهو الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ ويَعْلَمُ مَا تََفْعَلُونَ» بالتَّاءِ. وقرأ الباقون بالياء، لأنَّ اللَّه تَعَالى قَالَ - قبل هذه الآية -: ﴿وهو الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عنْ عِبَأدِهِ﴾ .......... ﴿ويَعْلَمُ مَا تََفْعَلُونَ﴾ فشاهدٌ الأولين ﴿حَتَّى إذا كُنْتُمْ فِيْ الفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ لأنَّ العربَ تُرجع من الخِطاب إلى الغيبة، ومن الغَيبةِ إلى الخطاب. ﴿ويَسْتَجِيْبُ الَّذِيِْنَ آمَنُواْ﴾، «الَّذِيِْنَ» فِي موضعِ النَّصبِ، والله تَعَالى المُجيب يَستجيب فِي معني يُجيب، استجاب اللَّه دعاك، وأجابَ: بمعنًى. وقولُه تَعَالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ﴾. فِيهِ ثلاثُ قراءاتٍ: كان ابنُ كثيرٍ يثبت الياءَ وَصَلَ أَوْ وَقَفَ عَلَى الأصلِ، لأنَّ الجَوارِي: السُّفن، واحدها جاريةٌ، فلام الفعلِ، ياءٌ وهي أصلية، ولكنه كُتِبَ فِي المصحف بغير ياءٍ. وقرأ نافعٌ وأبو عمرٍو بإثبات الياءِ فِي الوَصل، وحذفا فِي الوقف؛ ليكونا مُتبعين الكتاب والأصلِ كليهما. وقرأ الباقون بحذفِ الياءِ وَصَلُواْ أَوْ وقفوا، اتباعا للمصحف واجتزئ بالكسرة من الياءِ، اتَّفقت المَصاحف عَلَى حذفِها، وكذلك التي في «الرحمن» ﴿وله الجوار المنشآت﴾ لأنَّ «الجوارِ» فِي محلِ الرفع فياؤها ساكنةٌ، ولقيتها لام ساكنة فسقطت

стр. 394

بالتقاء الساكنين لفظًا، فأسقطت خطًأ. وفيها قراءةٌ رابعةٌ: «الجَوَارُ» بالرَّفعِ. يروى عنْ ابنِ مسعودٍ، كأنَّه أراد الجوائر فقلت كما قيل جُرُفٍ هارٍ وسلاح شاكٍ والأصل: هائر شاكٍ و «إلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيْمَ» والأصل صائل. وفيها قراءةٌ خامسةٌ: وروى عنْ الكِسَائِيِّ «الجوار» بالِإمالة لكسرِ الراءِ، لأنَّ كلَّ راءٍ مكسورةٍ قبلها ألفٌ. فالعربُ تميلها، نحو قِنطار وجوار وأبرار، ونحو ذَلِكَ. وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾. قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ: «وَيََعْلَمُ» بالرَّفْعِ عَلَى الاستئناف، لأنَّ الشَّرْطَ والجزاءَ قد تَمَّ فجازَ الابتداءُ بعده. وقرأ الباقون: «وَيَعْلَمَ الَّذِيِْنَ» بفتح الميم. فَقَالَ الكوفُّيون: وهو نصبٌ عَلَى الصرفِ من مجزومٍ إلى منصوبٍ كما قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ واحتَجُّوا بقولِ الشَّاعرِ: فإِنْ يَهْلَكْ أَبو قابوسِ يَهْلَكْ ... رَبِيْعُ النَّاسِ والبَلدُ الحَرَامُ ونُمْسِكْ بَعْدَهُ بِذِنَابِ عَيْشٍ ... أَجَبِّ الظَّهرِ لَيْسَ لَهُ سَنَامُ وقال أهل البصرة: يَنتصب بإِضمارِ «إن» معناه: وأن يعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم مِنْ مَحِيْصٍ، أي: من مَعْدَلٍ ومَنجى ومَلْجَأٍ، وينشد: فَلَوْلَا رِجَالٌ مِنْ رِزَامٍ أَعِزَّةٌ ... وآلُ سًبَيْعٍ أَوْ أَسُوْءَكَ عَلْقَمَا أراد: أن أَسُوْءَكَ، وقال آخر: ولِبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِيْ ... أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ لِبْسِ الشُّفُوْفِ أراد: أن تَقَرَّ عَيْنِيْ. وقولُه تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «كَبِيْرُ الِإثْمِ» عَلَى التوَّحيدِ، وفَسَّرَهُ الشِّركِ فقط. وقرأ الباقون: «كَبائِرَ» عَلَى الجَمع. وكذلك ألفاظ الحَديث كلُّ ذَلِكَ وَرَدَ بالجَمْعِ. واختلفَ النَّاسُ فِي الكبائر، فَقَالَ قومٌ: كلما أوعدَ اللَّه عَلَيْهِ النَّار فهي كبيرةٌ. وقال آخرون: كلما نهى اللَّه عَنْهُ فهي كبيرةٌ. وقال آخرون: كبائرُ الِإثم أشياءٌ مخصوصةٌ؛ الشِّركُ بالله تَعَالى، وقتلُ النَّفسِ التي حرَّمَ

стр. 395

اللَّه، وقذفُ المُحْصَنَةُ، وشربُ الخَمْرِ، والفِرَارُ من الزَّحْفِ، وعُقُوْقُ الوَالِدَيْنِ، والزِّنَا. قَالَ ابنُ عَبَّاسِ: الكبائرُ لأنَّ تكونَ سبعين أَحرى من أن تَكونَ سبعةً. وقال آخرون: الكبائر من أول النساء إلى قولُه: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تنهون عنه﴾ فإذا كانت المعاصي كبائر وصغائر وجب فِي القياس أن يكون للطَّاعات كبائر وصغائر، وأكبر الطاعات شهادةُ أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك لَهُ، كما كان أكبر الكبائر الشرك بالله، وأصغر الطَّاعات إماطة الَأذى عنْ الطَّريق، كما أن أصغر الذنوب الطَّرفة واللَّمحة. سمعتُ أبا عِمْرَان القاضي يَقُولُ: أعظم من الشّرك بالله إدعاء الرُّبوبية، كقولة فرعون - لعنه اللَّه -: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الَأعْلَى﴾. وقال إِسْمَاعِيل القاضي: قَالَ ابْنُ المَاجِشُون: كبائر الذُّنوب الجُراحات، والشِّرك، والقَتل، وقال: صغائر الذنوب إذا اجتمعت كانت كبيرةً، وأَنشد: وَسَيِّئآتِ المَرْءِ إنْ جُمِعَتْ ... صِغَارُها حلَّت محلَّ الكَبَارِ وقال آخر: قَدْ يَلْحق الصَّغير بالجَلِيْلِ ... وإنّما القَرْمُ مِن الأفيل وسُحْق النَّخْلِ من الفَسِيْلِ الأفيل: يَعني وَلَدَ النَّاقةِ. وكان يُقال: إياكم والمُحَقَّرات فإن لها من اللَّه طالبا. وقال ابنُ عَوْنٍ، عنْ الْحَسَن: قدم عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن العاص من مِصر عَلَى عُمر رحمةُ اللَّه عَلَيْهِ فِي ناس فلما دَخَلَ المدينة، قَالَ: تفرَّقوا فِي الطُّرق، فإني لا أدري ما تُرْمَوْنَ بِهِ من عُمَر، ثُمَّ دخل عَلَيْهِ، فَقَالَ: إن ناسًا زعموا أنهم يرون فِي القرآن شيئًا أمر أن يعمل بها فأرادوا أن يذكروا ذَلِكَ لَكَ، قَالَ: فأين هُم؟ أجمعهم. فأَتى بهم، فأخذ عُمر أدناهم إِلَيْه، فَقَالَ: أنشدك بالله هَلْ قرأتَ القُرآن؟ قَالَ: نَعم، قَالَ: أجمعته، قَالَ: نَعم، قَالَ: فأقمته فِي نَفسك وفي بَصرك، قَالَ: لا. فأخذَ الَّذِي يليه حَتَّى استقرأهم كذلك، فيقولون: لا، قَالَ: ثَكِلَتْ عُمَرُ أمَّه تكلفونه أن يقيم أمرَ اللَّه فِي أُمَّة مُحَمَّد ﷺ ثُمَّ تَلا: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فقد عَلِمَ اللَّه تَعَالى أن سيكون لي سيئات هَلْ علم بكم أحد؟ قالوا: لَا، قَالَ: والذي نَفسي بيده لو عَلِمَ بكم أحدٌ لوعظتكم. واختلف النَّاسُ فِي الكبائر، فَقَالَ قوم: كلُّ من أرتكبٍ كبيرةً فهو فِي النار خالدًا

стр. 396

مخلّدًا، وقال أهلُ السنة: كل من ارتكب ذنبًا صغيرًا أَوْ كبيرًا ليس الشِّركَ بالله فإنَّ اللَّه تَعَالى جائزٌ أن يَغْفِرَ لَهُ، لأنَّ اللَّه تَعَالى قَالَ: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ وحديثُ رَسُولِ اللَّه ﷺ : «أنّ رجلًا ممن كانَ قَبْلَكُمْ قَتَلَ مائَةَ حَنِيْفٍ إلا واحدًا، ثُمَّ جاءَ إلى راهبٍ فَقَالَ يا راهب إنّي قَتَلْتُ مائَة حنِيْفٍ إلا واحدًا، فهل من توبة؟ فَقَالَ: لا أَرى لَكَ تَوْبَةً، فاغتاظ، وقَتَلَ الرَّاهِبَ فجاءَ إلى راهبٍ، فَقَالَ: يا راهب، إني قتلت تسعة وتسعين حنيفا فأتممتهم مائة براهبٍ، هَلْ من تَوبة؟ قَالَ: نَعَم فالزمني وافْعَلْ ما أَفعلُ، قَالَ: فَلَزِمَهُ، فكان يُصلّي إذا صلّى، ويَصومُ إذا صامَ فأمره الرَّاهب يومًا أن يُسجرَ تنورًا فجاء إِلَيْه الراهب ضجرًا، فَقَالَ: قد سَجَرتُ التنَّورَ، فأعاد عَلَيْهِ مرارًا، فَقَالَ الرَّاهِبُ بضجرٍ: مر فأجلس فِيهِ فذهب فألقى نفسه فِي التنَّور فصارً عَلَيْهِ بردًا وسلامًا، فجاءَ الرَّاهب فرأى التنور يتأجج ولم يصب الرجل فلح النَّار، فَقَالَ: بأبي أخرج فأنتَ خيرٌ مني، قَالَ: لا، ولكنْ أخدمك لأنَّك خيرٌ مِني، قَالَ: فَدعني أفارقُك، قَالَ: ذاك إليكَ، فساح فِي البَراري فكان يَأنس بالوَحش، ولا يَضُرّه السّباع حيث قبل اللَّه توبته. وقولُه تَعَالى: ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُوْلًا﴾. قرأ نافعٌ: «أوْ يُرْسِلُ» بالرَّفْعِ «فَيُوحِىْ» بإسكان الياءِ نسقٌ عَلَى «فَيُرْسِلَ» وذلك أنَّ العربَ إذا طال النَّسَقُ خَرَجُوا من النَّصبِ إلى الرِّفعِ. فأمَّا قولُه تَعَالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وَحْيًا﴾ هُوَ أن يُلهم اللَّه النَّبيّ ﵇: أَوْ يوحي اللَّه فِي نومه ﴿أَوْ من وراء حجابٍ﴾ يعني: مُوسَى ﵇ ﴿أَوْ يُرسلَ رسولًا﴾ يعني ملكًا، كجبريل إلى مُحَمَّد صلّى اللَّه عليهما. وقرأ الباقون: «أَوْ يُرْسِلَ» «فَيُوْحِيَ» بالنَّصبِ، وليس نسقًا عَلَى أن «أنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ» لأنَّك لو قدرت هَذَا التَّقدير كان فاسدًا؛ لأنَّه كان يصير: وما كان لبشرٍ أن يكلِّمه اللَّه إلا أن يوحي إِلَيْه. ولكنْ نَسَقَهُ عَلَى الوَحي، والتَّأويل: وما كان لبَشَرٍ أن يُكَلِّمَهُ اللهُ إلا أن يُوحي إِلَيْه وحيًا أَوْ يُرْسَلَ رَسُولًا وهذا واضحٌ بحمدِ اللهِ. قَالَ ابنُ مجاهدٍ: فِي هذه السورة ياءٌ واحدةٌ «ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي» لم يختلف فيها.

стр. 397

ومن سورة الزُّخرف قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: قد ذكرتُ ألفاظَ السَّبعةِ فِي «حَمَ» وإنما أعدتُ ذكره لأنِّي سَمِعْتُ ابنَ مجاهدٍ يَقُولُ: قرأ ابنُ أَبِي إِسْحَاق: «حم والكتابِ المبين» بالكسرِ جعله قَسَمًا. وقرأ عِيسَى بْن عُمر: «حم»، وقد ذكرت علّته. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لي الْعَبَّاسُ: قَالَ لي: المُصطفى ﷺ يوم حنين: «ناولني كنارا من حصباء، قال: فكأن البغلة فهمت فانْحَضَجَتْ أي: انْبَسَطَتْ فتَناول هُوَ ﷺ ما أراد ثُمَّ رَمَى فِي وُجُوهِ الكُفَّارِ، وقال: شاهَتِ الوُجُوْهُ، أيْ: قَبُحَتْ «حم لا يُنْصِرُوْنَ» «قَالَ: فانهزَمَ النَّاسُ، وكانُوا ثلاثين ألفًا، قَالَ عليٌّ ﵁ فِي المعمعة قبل الهزيمة: وقد بقينا سبعةَ نَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، وقد حَزِنَنَا الَأمرُ فقلتُ: تقدم رَسُول اللَّه أمامنا فما هُوَ أن تكلم بكلامه، ورمى حتَّى أَعَطُوا الأكتافَ، والَأقْفَاءَ، فأَنزلَ اللَّه تَعَالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾ قَالَ: المُبَرِّدُ: وما رميتَ بقوّتك يا مُحَمَّد إذ رَميت يا محّمد ولكنْ بقوّةِ اللَّه رميتَ. وقال ثَعلبُ: وما قَذفتَ الرُّعبَ فِي قلوبِهم يا مُحَمَّد ولكنَّ اللَّه قَذَفَ فِي قلوبهم الرُّعب حَتَّى انهزموا. وقال غيرها: لما رَمَى رَسُولُ اللَّه ﷺ الكفّ من الحَصْبَاءِ صارَ فِي عينِ كلِّ واحدٍ من الكَفَرَةِ غَشَاوَةٌ وظُلمَةٌ، وظَلَّوا يَمسحون التُّراب عنْ وُجوههم، قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ أي: لم تَكُنْ لتُوصل التُّراب إلى عيونٍ ثلاثينَ أَلفًا ولكن اللَّه أوصله. ويُقال: الَّذِي رَمى فِي ذَلِكَ اليوم علي بن أبي طالب ﵁. وقولُه تَعَالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ﴾. قرأ نافعٌ وحَمزةُ والكِسَائِيُّ: «إنْ كُنْتُمْ قَوْمًا» بكسر الهمزةِ جعلوه مستأنفًا شرطًا. وقرأ الباقون: «أنْ كُنْتُمْ» جعلوه فِعلًا ماضيًا أراد: إذْ كنتم، كما قَالَ: ﴿أنْ جَاءَهُ الَأعْمَى﴾ أي: إذْ جاءه الَأعمى. وكذلك: أَسُبُّك أنْ حَرَمْتَنِيْ، فموضع «أنْ» نصبٌ عند البَصريّين، جَرٌّ عندَ الكُوفيّين؛ لأنَّ التَّقديرَ: الذِّكرَ صفحا

стр. 398

لأن كُنتم وبأن كُنتم قومًا مسرفين، والمُسرف: الَّذِي يُنفق فِي مَعْصِيَةٍ ولا إسرافَ فِي طاعةِ اللهِ. وقال ﷺ : «لا إسراف فِي المَأكول والمَشْرُوْبِ». وقرأ الناسُ كلُّهم: «الذِّكْرَ صَفْحًا» بفتحِ الصَّادِ إلَّا سُمَيْطُ بن عمير وشبيل بن عزرة فإنهما قرءا «صُفْحًا» بضمِ الصَّادِ، وهما لُغتان: الصَّفح، والصُّفح، وضربته بصَفح السَّيف وصُفحه أي: بعَرضه، وضَربتُهُ بالسيف مُصَفَّحًا، وشُبَيْلُ بْن عَزْرَةَ هَذَا القارِئُ: ﴿وادكر بعد أمة﴾ وهذا الذي روى عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَثلُ الجَلِيْس الصَّالحِ مِثلُ العطار إنْ أصبتَ من عِطْرِهِ، وإلّا أصبت من رائِحَتِهِ ... » حَدَّثَنَا أَبُو بكرٍ بْنُ الَأشعث، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأزهر أَحْمَد بْن الأزهر، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْن عامرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُبَيْلُ بْن عَزْرَةَ، عنْ أنس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «مثل الجليس الصَّالح مثل العطَّار إن لم تُصب من عطره أصبت من ريحه». وقوله تعالى: ﴿أومن يُنَشَّؤُا فِي الحِلْيَةِ﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ وحفصٌ، عن عاصم: «ينشأ» بالتشديد جَعَلُوا «مَنْ» فِي موضعِ مفعولٍ؛ لأنَّ اللَّه تَعَالى قَالَ: «إنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً» فأنشأتُ وَنشَأْتُ بمعنًى: إذا رَبَّيْتُ، يُقال: قد نَشَأَ فلانٌ، ونشَّأه غيرُهُ، ويُقال: غُلامٌ ناشئٌ، إذا أدرك، وَيُقَال: قد أشهد الغُلام: إذا احتَلَمَ، وبلغَ أَشُدَّه، وقيل: احتَلَم، وقيل: بَلَغَ ثمانِي عشرة سنةً، وقيل خمسًا وثلاثين سنةً، وبلغ الغُلام السَّعْيَ: إذا احتَلَمَ. قيل: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ قَالَ: كان ابنُ ثلاثَ عَشْرَة، ويُقال قد أخْضَرَّ إزارُهُ: إذا احتَلَمَ، وذلك أن ابْنُ عُمر أُتِيَ بغلامٍ قد سَرَقَ، فَقَالَ: إن كان قد اخْضَرَّ إِزاره فاقْطَعُوه. قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: إنما كَنَّى بنبَاتِ شعرِ عانَتِه، كما تَقُولُ العَرَبُ: فلانٌ عفيفُ الإِزار: إذا كان صائِنًا لفَرجه، ويُقال: أنبت: إذا احْتَلَمَ، وقيل فِي قولِهِ تَعَالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قَالَ: هُوَ نَبَاتُ شِعْرته وإبطه. وقرأ الباقون: «أو من ينشأ» جعلوا الفعلَ لهم؛ لأنَّ اللَّه أنشأهم فَنَشَئُوا، وَيُقالُ للجواري المِلاح: النَّشْأُ، قَالَ نُصَيْبٌ: وَلَوْلَا أن يقال صبا نصيب ... لقلت بنفسي النشأ الصِّغَارُ وقرأ عَبْدُ اللَّه بْن مسعودٍ: «ولا يُنَشَّئُوا إلا فِي الحِلْيَةِ» وذلك أن اللَّه تعالى احتج

стр. 399

عليهم وَوَبَّخَهُمْ حين جَعَلُوا لَهُ من عبادِهِ جُزءًا أي: نَصِيْبًا. وقيل: جزءًا أي: بِنْتًا. قَالَ اللَّه: كيفَ رَضِيْتُمْ لله تَعَالى ما لا تَرضون لأنْفُسِكُم وأَحدكم إذا بُشر بالَأنثى ظلَّ وجهُهُ مسودًا. ويُقال: أجزأت المرأة إذا ولدت بنتًا، وأنشدوا: إنْ أجْزَأَتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلَا عَجَبٌ ... قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أحْيَانًا وقولُه تَعَالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾. قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وابنُ كثيرٍ: «عندَ الرَّحْمَن» وحجَّتهم قولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. وقرأ الباقون: «عِبادُ» جمع عَبْدٍ، لأنَّ اللَّه تَعَالى قَالَ: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلَا الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ولأنَّ اللَّه إنما كذبهم فِي أنَّ الملائكة ليسوا بناتِهِ، ولكنهم عِبَادُه. وحدَّثني أَحْمَد، عن علي، عن أبي عبيد، قال: حدثنا هُشيم، عنْ أَبِي بشرٍ، عنْ سَعِيد بْن جُبَيْر، قَالَ: قلتُ لابنِ عَبَّاس: إن فِي مصحفي «عِبَادُ الرَّحْمَن» قَالَ: حُكَّهُ. وقولُه تَعَالى: ﴿أشهدوا خلقهم﴾. قرأ نافع وحده: «أأشهدوا خَلْقَهْمْ» من أَشهد يشهد. وقرأ الباقون: «أَشَهِدُوا» من شهد يشهد ف «أَشَهِدُواْ» الفعلُ لهُم أأشهدوا مفعولون، قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿مَاْ أَشْهَدْتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ والَأرْضِ﴾. فهذا شاهدٌ لنافعٍ «وَلَاْ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ» فمن أينَ عَلِمُوا أنّ المَلائِكَةَ بناتُ اللَّه إذا لم يَشْهَدُوا ولم يُخبرهم بذلك مخبرٌ، وهذا نِهايةٌ فِي الحُجَّةِ عليهم. وقولُه تعالى: ﴿كذلك تخرجون﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ وابنُ عامرٍ: «تَخْرُجُوْنَ» بفتح التَّاءِ. والباقون بالضَّمة، وقد ذكرتُ علّة ذَلِكَ فِي مواضعَ شتَّى. وقولُه تَعَالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بَأَهْدَى﴾. قرأ ابنُ عامرٍ وحفصٌ، عنْ عاصمٍ: «قَال أَوَ لو جِئْتُكُمْ» عَلَى الخَبَرِ. وقرأ الباقون: «قُلْ» عَلَى الَأمرِ. وقرأ النَّاس كلُّهم بالتاء، إلا ما حَدَّثَنِي أَحْمَد، عنْ علي، عن أبي عبيد أن أبا جعفر

стр. 400

قرأ: «أو لو جئناكم» اللَّه تَعَالى يُخبر عنْ نَفسه بلفظِ الجَمعِ؛ لأنَّها كلمةُ مَلِكٍ، ومثله: «بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ» و «بَلْ مَتَّعْنَاْ»، و «كَمْ من قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا» و «أَهْلَكْتُها». وقولُه تَعَالى: ﴿لِبُيُوْتِهِمْ سُقُفًا﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عُمَرٍو: «سَقْفًا» عَلَى التَّوحيدِ. وقرأ الباقون: «سُقُفًا» بضمتين عَلَى الجمعِ، فسقف يكون جمع سَقِيْفَةٍ، وسقيفٍ. وقال آخرون: هُوَ جمعُ سَقْفٍ مثل رَهْنٍ، ورُهُنٍ، وحَلْق، وحُلُق وأَنْشَدَ: حتَّى إذا أَبْلَتْ حَلَاْقِيْمَ الحُلُقْ ... أَهْوىَ لَأدْنى فَقرةٍ عَلَى شَفَقْ وحدَّثني ابنُ مجاهدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ خَالِد اللَّبَّاد، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عليّ بْن الْحَسَن بْن شقيق، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عنْ الْحُسَيْن بْن واقدٍ، عنْ أَبِي أُمية، عنْ مُجاهد، عنْ ابنِ عَبَّاس، قَالَ: ما كان من أمرِ الدُّنيا هُوَ السِّقُفْ، كما قَالَ: «السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوْظًا». وما كان من البُيُوْت فهو السُّقُفُ. قال أبو عبد الله: فأما السُّقْفُ بإسكان القاف فهو جَمع رَجُل أُسْقُفٍ، وهو الطَّوِيْلُ. وقولُه تَعَالى: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قرأ عاصمٌ وحمزةُ بالتَّشديد: «لَمَّا» بمعنى «ألّا». وقرأ الباقون: «لَمَا» مُخفّفًا، جعلوا «ما» صلةً، إلّا ابنَ عامرٍ فإنَّه شدَّد، وخَفَّفَ. وقولُه تَعَالى: ﴿حتَّى إذا جَاءَنا﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٍ وابنُ عامرٍ وعاصمٌ فِي رواية أَبِي بَكْر «جاءنَا» عَلَى الاثنين يعني الكافرَ وقرينه، كقوله: ﴿وإذَا النُّفُوْسُ زُوَّجَتْ﴾ أي: قُرنت بنظيرها من الشَّياطين، الدَّليل على ذلك قوله: ﴿يا ليت بَيْنِيْ وَبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ يعني مشرق الصيّف والشّتاء، قَالَ الفَرّاء: الاختيارُ، بعد المَشرق، والمَغرب. فَقَالَ: المَشرقين كما قَالَ سُنَّة العُمرين، يعني أبا بكرٍ وعمر. وكما قيل: بين الأذانين، يعني: الأذان والإقامة، وأنشد: أخذنا السَّمَاءِ عَلَيْكُمُ ... لَنَا قَمَرَاْهَا والنُّجُوْمُ الطَّوَاْلِعُ

стр. 401

يعني: الشَّمسَ والقَمرَ، وقال المُفضل: يعني بالقَمرين محمدًا، وإبراهيمَ خليلُ الرَّحْمَن ﵉، قَالَ ابْنُ خالويه: من قَالَ سُنَّة العُمرين عُمَر بْن عَبْد العزيز فقد أخطأ؛ لأن قَتَادَةَ قَالَ: قد قيلَ: سُنَّة العُمرين قبل أن يُولد عُمَر بْن عَبْد العزيز. وقالوا لعلي: سُنّ سُنَّةَ العُمرين، يعنُون أبا بكرٍ وعمرَ، ونحوه قول العرب: الأصرمان: الذئب والغُراب، والَأقْهَبَانِ: الفِيْلُ والجاموسُ، والأسودان: التّمرُ والماءُ، والأصفران: الذَّهبُ والزَّعْفَرَانُ، وأهْلَكَ الرّجالَ الأحمران: اللّحمُ والخَمْرُ، والجديدان: اللَّيْلُ والنَّهار، وينشد: إنَّ الجَدِيْدَيْنِ إِذَا ما اسُتَوْلَيَا ... عَلَى جَدِيْدٍ أَدْنَيَاهُ لِلْبِلَى ويُقال: ذَهَبَ مِنْهُ الأَطْيَبَان: الأكلُ والنِّكاحُ، وَيُقَال: الخَمرُ والزِّنا. وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾. يعني الكافَر وقَرينه. وذلك أنَّ حكُمَ المشتركين فِي المصيبة والبلاء أن يخفف ذَلِكَ عليهما ليتسلى بعضٌ ببعضٍ كما قَالَتْ الخنساء: يُذَكِّرُنِي طُلُوعُ الشَّمسِ صَخْرًا ... وَأَذْكُرُهُ بِكُلِّ مَغِيبِ شَمْسِ وَلَوْلَا كَثْرَةُ البَاكِيْنَ حَوْلِى ... عَلَى أَحْبَابِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِيْ وَمَا يَبْكُوْنَ مِثْلَ أَخِيْ وَلَكِنْ ... أُعزّى النَّفْسَ عَنْهُ بالتَّأَسِّ فَقَالَ اللَّه تعالى: إن اشتراكهم فِي النّار لن يَنْفَعَهُم ولن يُسلِّيْهمْ. وقرأ الباقون: «حتَّى إذا جاءَنَا» عَلَى التَّوحيدِ وإنما أُفرد بالخطاب لأنَّه الَّذِي أُفرد بالخطاب فِي الدنيا، أقيمت عَلَيْهِ الحُجة بتوجيه الرَّسُول إِلَيْه، فأجتزأ بالواحد عنْ الاثنين كما قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿لَيْنْبَذَنَّ فِي الحُطَمَةِ﴾ والأصل، ليُنبذانِ بمعنى هُوَ وماله. وقولُه تَعَالى: ﴿أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾. قرأ عاصمٌ فِي روايةٍ حَفْصٍ: «أَسْوِرَةٌ» وقد رُويت عنْ الحسن كذلك، ف «أسورة» جمع سوار. قَالَ أَبُو عُبَيْد: وقد يكون أسوار جمع أَسورة، وفي حرف عَبْدِ اللَّه «أساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ» بغير هاء شاهدٌ لمن جمع. قولُه: ﴿فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «سُلُفًا» جمع سليف.

стр. 402

وقرأ الباقون: «سَلَفًا» وهو الأسير فِي كلامهم. وسَمِعْتُ ابنَ أبزون الحَمْزِيَّ يَقُولُ: قيلَ لحَمزة: مَنْ قرأ: «سُلُفًا» قَالَ النَّاسُ، قيل: من هُم؟ قَالَ: أَنا. وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: حَدَّثَنِي ابن مجاهد، عن السمري، عن الفراء، قال: أخبرني سُفيان بنُ عُيَيْنَةَ أنَّ الأعرجَ قرأ «سُلَفًا» بفتح اللَّام جعله جمعَ سُلْفَيةٍ مثل غُرفة وغُرَف، وكذلك «زُلَفًا مِنَ اللَّيْل» جمع زُلْفَةٍ. وقولُه تَعَالى: ﴿إذا قُوْمُك مِنْهُ يَصِدُّوْنَ﴾. قرأ نافعٌ والكِسَائِيُّ وابنُ عامرٍ: «يصُدون» بضم الصاد، ومعناه يعرضون ويعدلون، وشاهدهم: ﴿كبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾. وقرأ الباقون: «يَصِدُّوْنَ» بكسرٍ الصادِ أي: يضجُّون قَالُوا: لأنَّه يُقال: ضجَّ من ذَلِكَ، ولا يُقال: صدَّ من ذَلِكَ، إنما يُقال: صَدّ عنْ ذَلِكَ، وقال الكِسَائِيُّ: صدّ يصُدُّ، وصدّ يَصَدُّ بمعنًى واحدٍ، جعلهما لُغتين. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: يقال: صدّني عنْ ذَلِكَ الأمرُ، وأَصدَّني لُغتان فصيحتان. وقولُه تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾. قرأ ابْنُ عامر وحده: «يَا أَيُّهُ» اتباعًا للمُصحف. وقرأ الباقون: «يا أيها». فإن قيلَ لَكَ: خاطبوا نَبيهم بالسَّاحر. وقد سألوه أن يدعو لهم؟ ففي ذَلِكَ أجوبةٌ: أحدهما: أنهم قالوا يا أيها الفَطِنُ العالمُ؛ لأنَّ السّحر عندهم دقَّةُ النّظر والعلم بالشّيء كالسّحر الحلال، يُقال: فلان يسحر بكلامه. وقال آخرون: معناه: أنّهم خاطبوه بما تقدم لهم من التَّشبيه لهم إياه بالسَّاحر. وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ﴾. قرأ ابْنُ عامرٍ وحده بكسر الألِف جعله تمام الآية، والوقف عَلَى قولِهِ: «إذْ ظَلَمْتُمْ» ثُمَّ استأنف «إِنَّكُمْ» لأنَّ «إنّ» إذا كانت مبتدأةً كانت مكسورةً. وقرأ الباقون: «أَنَّكُمْ» بالفتحِ، جعلوا «أنّ» اسمًا في موضعِ رفعٍ، ولن ينفعكم اليوم اشتراككم فِي النَّارِ حيث ظلمتم أنفسكم فِي الدُّنيا.

стр. 403

وقولُه تَعَالى: ﴿يا عبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾. قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: «يا عباد» بغير ياء وصلوا أَوْ وقفوا؛ لأنَّه نداءٌ، مثل يا قوم، ويا رب. وقرأ الباقون: «يا عبادي» بالياء. وكلُّهم أسكن الياء إلا عاصمًا، فإنه فتح الياء، فيجب عَلَى قراءته الوقف بالياءِ وعلى قراءةِ الباقين يجوزُ الوقفُ بالياءِ وبغيرِ الياءِ. وقال ابنُ مجاهدٍ: روى ابْنُ اليزيدي، عنْ أَبِيهِ، عنْ أَبِي عَمْرو أَنَّهُ وقف بالياء «يا عبادي». وقولُه تَعَالى: ﴿وفِيَها مَا تَشْتَهِيهِ الَأنْفُسُ﴾. قرأ نافع وابن عامر وحفص، عنْ عاصم: «ما تَشْتَهِيهِ» ف «ما» بمعنى «الَّذِي»، وهو رفعٌ بالابتداء، و «تشتهي» صلة ما، والهاء عائد «ما»، وهو مفعول «تشتهي». وقرأ الباقون: بحذفٍ الهاء اختصارًا، لأنَّه قد صار الاسم مَعَ صلته أربعةُ أشياء شيئًا واحدًا، فلما طال بصلته حذفت الهاء اختصارًا، كما قَالَ: ذَروني إنما خطئي وصوبي ... على وإن ما أهلكت مالُ يريد: الَّذِي أهلكته. وسَمِعْتُ بعضَ العلماء بكتابِ اللَّه يقرأ فِي وصف الجنة بصفات مختلفة فِي آي متفرقة ثُمَّ جمع تلك الصفات كلها فِي حرف من كتابِ اللَّه وهو قولُه: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾. وسأل أعرابي رَسُول اللَّه ﷺ فَقَالَ: إني سَمِعْتُ اللَّه يَقُولُ: وفيها ما تشتهي الَأنفس، أنّي رجلٌ اشتهي النَّومَ فهل فِي الجَنّةِ نومٌ؟ فَقَالَ ﷺ : «إِنّ النَّوم أخُ الموت، ولا موت فِي الجنة». وسأل آخر: هَلْ تُموت الحورُ؟ فَقَالَ: «إن الحورَ ثوابُ الأعمال والثَّواب لا يموت». وقولُه تَعَالى: ﴿وإِلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ﴾. قرأ أَبُو عَمْرو، وعاصم، ونافع وابن عامر: «تُرجعون» بالتاء.

стр. 404

والباقون بالياء، خطابٌ عنْ غيبٍ ولم يختلفوا في الضم. وقوله تعالى: ﴿وقيله يا رب﴾. قرأ عاصم وحمزة: «وقِيْلِه» خفضًا عَلَى معنى وعنده علم الساعة، وعلم قيله. وقرأ الباقون بالنَّصب ردًّا عَلَى قولُه: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾. وقال آخرون: نصبٌ عَلَى المصدرِ. فالأول قُول الأخفشِ والثَّاني قولُ سائرِ النَّاس. وفيها قول ثالث: ﴿أم يحسبون أنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ونَجْواهُمْ﴾. بعلمهم، وقيله: لأنَّه لما قَالَ: ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ كان التَّقدير: ويعلم قيله. وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: «وقِيْلُهُ» بالرفع. روى عنْ قَتَادَة جعله اللَّه ابتداء. وقولُه تَعَالى: ﴿وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ بالتَّاء. وقرأ الباقون بالياء و «سَلامٌ» رفعٌ بإضمار: وعليكم سلامٌ، قَالَ الفَرَّاءُ: ولو قَرَأَ قارِئٌ: قُلْ سلامًا بالنَّصبِ جاز. وقولُه تَعَالى: ﴿آلِهَتُنَا﴾. روى قالون، عنْ نافع: «أآلهتنا» بهمزة بعدها مدة. قَالَ أَبُو عبدِ اللَّه: فهي ثلاثُ ألفاتٍ، الأولى: ألف التَّوبيخ فِي لفظ الاستفهام. والثانية: ألف جمع. والثالثة: أصلية والأصل: إله، ثُمَّ يُجمع فتقولُ: آلهة مثل حمار وأحمرة، والأصل: أألهة فصارت الهمزةُ الثَّانيةُ مدَّةً، ثُمَّ دخلتُ ألفُ الاستفهام فقلت «أآلهتنا» وكذلك قرأها أَبُو عمرٍو. فأمَّا أهل الكوفة وابن عامر «أآلهتنا» بهمزتين والثالثة مدة. واختُلفت فِي قولُه: «أَفَلَا يُبْصِرُونَ، أَمْ أَنا خَيرٌ» فِي «أم» سبعةُ أقوال قد ذكرتها في كتاب المفيد.

стр. 405

ومن سورة الدُّخان قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: قد ذكرتُ التأويل والتّلاوة فِي «حَم» وإنما أعدتُ ذكره؛ لأن اللَّه تَعَالى قَالَ فِي هذه السُّورة: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ فَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ: قد مضى الدُّخان والبَطْشَةُ وانْشِقَاقُ القَمَرِ. وذلكَ أنَّ المشركين سأَلُوا رَسُولَ اللَّه ﷺ أنْ يُرِيَهُمْ آيةً فصار القَمَرُ نِصْفَيْن. فَقَالوا سَحَرَ القَمَرَ، والبطشةُ الكُبرى والدُّخان هُوَ دعاء رَسُول اللَّه ﷺ حين قَالَ: «اللَّهُمَ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، واجْعَلها عَلَيهِم سِنْينَ كسِنِيّ يُوسِفَ» فكان يَتَغَشَّاهُمْ من الحرَبِ والجُوع كالدُّخان. وحدَّثني مُحَمَّد بْن حَمْدان المُقْرِئ، قَالَ: غَزَا المُعتصمُ الرُّومَ ذات مرةٍ فلما نَزَلَ بساحتهم صُدِعَ فبلغَ ذَلِكَ ملك الرُّوم، فبعث بقلنسوة فحين وضعها على رأسه برئ فنتقت فإذا فيها رقعةٌ مكتوبٌ فيها «بسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيْم كم من نعمةٍ للهِ عَلَى عبدِ شاكرٍ وغيرِ شاكرٍ فِي عرق ساكنٍ وغيرِ ساكنٍ. حم عَسَقَ لا يصدُّعُون عَنْهُ ولا يُنزفون من كلام الرَّحْمَن خَمدَتِ النّيران نارُ التهبت فسمِعَت صوتَ الرَّحْمَن فهَمَدَت ولا حولَ ولا قوةَ إلَّا بالله تَعَالى» خَمَدَتْ: سَكَنَ لَهَبُهَا وبَقِيَ الجَمْرُ، وَهَمْدَتْ: انْطَفَأَ الجَمْرُ وسَكَنَ اللَّهَبُ. وقولُه تَعَالى: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والَأرضِ﴾. قرأها أهلُ الكوفةِ: «ربِّ» بالخفضِ، وكذلك فِي «المُزّمّل» و «عمّ يتساءلون». وقرا الباقون بالرَِّفعِ فمن رَفَعَ ردَّه عَلَى قولُه: ﴿إنّه هُوَ السِّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ومن جرّ جعله بدلًا من ﴿رَبِّكَ﴾. وقولُه تَعَالى: ﴿فِي لَيلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾. أنزلَ اللَّه تَعَالى القُرآن من اللَّوح المَحفوظ فِي ليلةِ القدرِ إلى سماءِ الدُّنيا جُملةً، ثُمَّ نَزَل عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فِي نَيِّفٍ وعشرين سنةً. وقولُه تَعَالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. أي: فِي لَيْلَةِ القَدْرِ يَقْسمُ اللَّه تَعَالى أرزاقَ عِبادِهِ، ويفرغ من كلِّ أمرٍ إلى ليلةِ القَدْرِ فِي السَّنة المُقبلة «وَرَحْمَةً» تنتصب عَلَى الحالِ من «أنَزْلْناهُ» رحمةً.

стр. 406

وقولُه تَعَالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾. قرأ نافعٌ وابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ: «فاعتُلُوهُ» بالضمة. وقرأ الباقون بالكَسر، وهما لُغتان عَتَلَ يَعْتِلُ ويَعْتُلُ مثل عَكَفَ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ، لأنَّ الماضي إذا كان على فعل بالفتح جاء المستقبل عَلَى الضَمِّ والكَسْرِ. مثل عَكَفَ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ، وعَتَلَ يَعْتِلُ ويَعْتُلُ. والعَتْلُ فِي اللُّغةِ: أن يساق إلى النارِ بعسفٍ وشدَّةٍ والعُتُلّ: الغَلِيْظُ الشديدُ من قولُه: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ والزَّنِيْمُ: وَلَدُ الزِّنا، قَالَ حسَّانُ: زَنْيِمٌ تَدَاعَاهُ الرجال زيادة ... كما زيد في عرض الأديم الَأكارِعُ وسَوَاءُ الجحِيْمِ: وَسْطَهُ. والسَّوَاءُ أيضًا بمعنى سِوَى، والسَّوَاءُ العَدْلُ من قولُه: ﴿إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾. وقولُه تَعَالى: ﴿ذُقْ إنَّكَ﴾. قرأ الكِسَائِيُّ وحده: «ذُقْ أَنَّكَ» بالفتح، أراد: ذق لأنَّك وبأنَّك أنت العزيزُ الكريمُ عندَ نفسِكَ فِي دعواك، فأَمَّا عندنا فلستَ عزيزًا ولا كريمًا. وذلك أنَّ أبا جهلٍ - لعنه اللَّه - كان يَقُولُ ما بالوَادِي أعزّ مِنّي ولا أَكرم. وقال آخرون: ذُق إنك أنتَ السَّفيهُ الأحمقُ فعبّر اللَّه تَعَالى وكَنّى بأحسنِ لفظٍ كما خاطبَ قومُ شعيبٍ شعيبًا: ﴿إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ومن أحسن ما جاءَ فِي الكِناية: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ كَنَّى اللَّه تَعَالى عنْ الغائِطِ، والبَوْل، وكما كنّى عنْ الفَرج بالَأرض: ﴿وأرضا لم تطؤها﴾ وبالجِلْدِ عنْ الفَرج من قَولِهِ: ﴿وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وذهبَ الكِسَائِيُّ إلى ما سَمِعْتُ ابنَ مجاهدٍ يَقُولُ: روى حجر عنْ أَبِي قَتَادَة الْأَنْصَارِيّ، عنْ أَبِيهِ، قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَن بن علي يقرأ: «ذق أنك.» وقرأ الباقون: «ذق إنك» بالكسر جعلوا «ذق» أمرًا تمام الكلمة «وإن» مستأنفة. وكلُّ ما في القرآن من «إن» المكسورة فلا تخلو من أن تكون مستأنفةً أَوْ جائِيَةً بعد قولٍ أَوْ قد استقبلتها لام الخَبر أَوْ جوابُ القَسم. وقد فسّرت ذَلِكَ فيما سلف من الكتاب.

стр. 407

وقولُه تَعَالى: ﴿كَالمُهْلِ يَغْلِى﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ وحفصٌُ، عنْ عاصمٍ: «يَغْلِي» بالياءِ ردًّا عَلَى المُهلِ، والمُهْلُ: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. وَيُقَال: إنَّ المُهْلَ كلَّ ما أُذِيْبَ من النُّحاس والفِضَّة ونحوهما. وقرأَ الباقون: «تََغْلِى» بالتَّاء ردًّا عَلَى الشجرة: ﴿إن شجرة الزقوم طعام الأثيم﴾ والأثيم - هاهنا -: أَبُو جَهْلٍ. والزَّقُّومُ عندَ العَرَبِ: الزُّبد بالرُّطَبِ، فلما أنزل اللَّه تَعَالى هذه الآية دعا أَبُو جهلٍ بزُبْدٍ وتَمرٍ. وقال: تَزَقَّمُواْ من هَذا الزَّقُّوم الَّذِي يَعِدُكُمْ بِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقولُه تَعَالى: ﴿فِي مَقَامٍ أمِينٍ﴾. قرأ نافعٌ وابنُ عامر بالضَمّ. وقرأ الباقون بالفتح، وقد ذكرتُ علته فِي سورة مريم فأغنى عن الإعادة هاهنا. واختلفُوا فِي هذه السُّورة فِي ياءين: فِإنْ ﴿لَمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَاعْتَزِلُوْنِ﴾ فَتحها نافعٌ فِي رواية ورشٍ. وأسكنها الباقون. والحرفُ الثَّاني: ﴿إِنِّي آتِيْكُمْ﴾. فَتَحها أَبُو عَمْرٍو ونافعٌ وابنُ كثيرٍ. وأسكنها الباقون. ومعنى «فَاعُتَزِلُوْنِ» أي: لا لِيْ ولا علي.

стр. 408

سورة الجَاثِيَة قولُه تَعَالى: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ﴾ ........ ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بخفضِ التَّاء عَلَى أَنَّهُ فِي موضعِ نَصْبٍ ردًّا عَلَى «إنّ»، وإنّما كُسرت التاءُ، لأنَّها غيرُ أصليَّةٍ. وقال المُبَرِّدُ: هُوَ لحنٌ عندي، لأنه عطف على عاملين على إن وفي. وكان الأخفش يرَى العَطفَ عَلَى عاملين فيقول: مررت بزيد في الجدار، والحُجْرَةِ عَمْرٌو. واحتَجَّ بقولِ الشَّاعِرِ: أَكُلَّ امْرِئ تَحْسَبِينَ امْرًأ ... ونارٍ تَأَجَّجُ لِلْحَرْبِ نَارًا ومن خفض التاء فله حجةٌ أجود مما مَضَى. وذلكَ أَنَّهُ يجعل «ءايات» الثانية بدلًا من الُأولى. فيكون غيرَ عاطفٍ عَلَى عاملين. وكأنَّ أبا الْعَبَّاس ذَهَبَ هَذَا عَلَيْهِ حتّى لَحَّنَ مَنْ كَسَرَ، وقد قرأ بذلك إمامان. وقرأ الباقون: «ءايات» بالرفع. فإن سألَ سائلٌ فَقَالَ: كيفَِ يجوزُ أن يجعل التي فِي الَأرضِ بدلًا من آياتٍ فِي السَّماء؟ فالجوابُ فِي ذَلِكَ: أنَّهما وإن اختلفتا من هذه الجهة فقد اتفقتا أنَّهما مخلوقاتُهُ، دوال على وحدانيته. وقوله تعالى: ﴿وآياته يؤمنون﴾. قرأ أهلُ الكوفة وابنُ عامرٍ بالتاء عَلَى الخطاب، أي: قل لهم يا محمد ذَلِكَ. وقرأ الباقون بالياءِ لقَوله: «لآياتٍ للمُؤْمِنِينَ.» وقولُه تَعَالى: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ وابنُ عامرٍ بالنُّون. اللَّه تَعَالى يُخبر عنْ نَفْسِهِ. وقرأ الباقون بالياءِ، أي: قُل لَهُمْ يا مُحَمَّد، ليَجْزِيَ اللهُ قومًا. وفيها قراءةٌ ثالثةٌ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: قرأ أَبُو جَعْفَر: «لِيُجْزَي قَوْمًا» عَلَى ما لَم يُسَمَّ فاعله. فإن قيلَ: لِمَ نصب قوما؟

стр. 409

فقل: أضمر المَصْدَرَ، والتَّقديرُ: لِيُجْزَى الجَزَاءُ قومًا. فإن قيلَ: لِمَ أسكنَ اليَاءَ فِي لِيُجْزَى قومًا عَلَى ما لم يُسم فاعله، واللَّامُ لامُ كَيْ؟ فالجوابُ فِي ذَلِكَ: أن هذه الياءَ، وإن كانت مكتوبةً فِي الخَطَّ ياءً فإنها ألفٌ منقلبةٌ من الياء، والأصل: ليجزيَ مثل ليضربَ فصارت الياءُ ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. وقولُه تَعَالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ وحفصٌ وعاصمٍ بالرَّفعِ للعذابِ. وقرأ الباقون بالخَفْضِ رَدًّا عَلَى رَجْزٍ. وقد فسرتُ نظير ذَلِكَ فيما تقدم. وقوله: ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ﴾. قرأ حمزةُ والكِسائيُّ وحفصٌ، عنْ عاصمٍ: «سَوَاءً» نصبا يجعلونه مفعولًا ثانيًا من «يَجْعَلُهُمْ»، والهاء، والميم المفعول الأول فإن جعلت «كالَّذِيِْنَ آمنوا» المفعول الثَّاني نصبتَ «سواءً» عَلَى الحالِ، وهو وقفٌ حسنٌ، وترفع «مَحْيَاهُمْ» بمعنى استَوى ومماتهم والأصلُ: فِي محياهم محييهم لأنَّ وزنَهُ مفعلهم من الحَياة، فانقلبت الياءُ ألفًا لتحركها، وانفتاحِ ما قبلها كما قَالَ: ﴿ونُسُكِيْ ومحياي ومماتي﴾ والأصل: محييي بثلاث ياءات، الأول: عين الفعلِ، والثانيةُ: لامُ الفعلِ، والأخيرة، ياءُ الِإضافةِ. ومن قرأ «فَمَنْ تَبعَ هُدَيَّ» قرأ «ومحيي» وقد قرأ ابْنُ أَبِي إِسْحَاق؛ لأنَّه خط الألف إلى الياءِ أدغم إذ كان الحرفُ قد لقي شكله. وقرأ الباقون: «سواء» بالرفع جعلوه مبتدئا وما بعده خبرا عَنْهُ. ويكونُ الوقفُ عَلَى قَولِهِ: «وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ» تامًّا. وقولُه تَعَالى: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ «غَشْوَةً» جعلاه كالرّجعة والخَطفة. وقرأ الباقون: «غِشَاوَة» جعلوه مصدرًا مجهولًا والفَعلة من المَرَّةِ الواحدِة. وقال آخرون: الغِشاوة والغَشاوة والغُشاوة، والغَشوة والغِشوة والغُشوة بمعنًى واحد، وهو الغطاء. قال الشاعر: صحبتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نَفْسِيْ أَلُومُهَا وقال بعضُ أهلِ النَّظَر: إنما قيلِ: غِشاوة عَلَى فِعالة لاشتمالها عَلَى البَصر بظلمتها، وكلُّ ما اشتمل عَلَى الشيءِ فإنه يبني عَلَى فِعالة، قَالَ: وكذلك الصّناعات عنْ الخياطة

стр. 410

والصِياغةِ. وقولُه تَعَالى: ﴿وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾. قرأ حمزةُ وحدَه: «السَّاعَةَ» نصبًا نسقًا عَلَى ﴿إنَّ وَعْدَ اللهِ﴾. وقرأ الباقون بالرَّفعِ، وهو الاختِيَارُ، لأنَّ الكلامَ قد تَمَّ دونَهُ وهو قولُهُ: ﴿إنَّ وَعْدَ اللهِ حقٌّ﴾ لأنَّ الاختيار إذا عطفت بعد خبر ﴿أن﴾ تَرْفَعَ؛ ولأنَّ المَعطوف عَلَى الشَّيْءِ يجبُ أن يكونَ فِي معناه، فإذا اختلف المَعنى اختِيْرَ القَطْعُ من الَأوَّلِ والاستئنافُ والرَّيْبُ الشَّكُّ، وأَنْشَدَ: لَيْسَ فِيْ المَوْتِ يا أُمَيْمَةَ رَيْبٌ ... إنّما الرَّيْبُ مَاْ يَقُوْلُ الحَسُوْدُ وقولُه تَعَالى: ﴿فَاليَومَ لَاْ يَخْرَجُونَ مِنْهَا﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «تَخْرُجُونَ» بالفتح. وقرأ الباقون بالضَمِّ، وقد فسرتُ ذلك في مواضع من الكتاب.

стр. 411

ومن سورة الأحقاف قولُه تَعَالى: ﴿بِوالِديه إِحْسانًا﴾. قرأ أهلُ الكُوفة: «إِحْسانًا» اتباعًا لمصاحفهم. وقرأ الباقون: «حُسْنًا» جعلوه مصدرَ حَسُنَ يَحْسُنُ حُسْنًا. والباقون جَعلوه مصدرَ أحْسَنَ يُحْسِنُ إحسانًا. قَالَ بعضُ النَّحويين: الاختيار «حُسْنًا» لاتّفاقهم عَلَى قولِهِ فِي العَنْكَبُوت: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا﴾. وقوله تعالى: ﴿لينذر الَّذِيِْنَ ظَلَمُوا﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ بروايةِ قُنبل وأبو عَمْرو وأهلُ الكوفةِ «ليُنْذِرَ» بالياء فيكون المَعنى ليُنْذِرَ القُرآن، وليُنْذِرَ اللهُ تَعَالى، ولِيُنْذِرَ مُحَمَّد ﷺ . وقرأ البزي «لتنذر» بالتاء، والياء كليهما. وقرأ نافع وابن عامر بالتاء «لتنذر» أنت يا مُحَمَّد وحجة هذه القراءة ﴿إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هاد﴾ أي: داع يدعوهم. فقيل: الهادي هاهنا مُحَمَّد ﵇، وقيل: عليّ ﵁، وقيلَ اللَّه تَعَالى. وقولُه تَعَالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾. قرأ أَبُو عَمرو وهشام، عن ابن عامر ونافعٌ وابنُ كثيرٍ، بالفتح. وقرأ الباقون بالضَمِّ. وقد ذكرتُ علّة ذَلِكَ فيما سلف. وقولُه تعالى: ﴿وحمله وفصاله﴾. اتفق القراء على هذه إلا الْحَسَن، فإنه قرأ: «وَفَصْلُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا». وأكثرُ كلامِ العرب فِصَالٌ، فِي الحَدِيْثِ: «لا رَضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ» ﴿حتَّى إذَا بَلَغَ أشَدَّهُ﴾ واحدُ الَأشُدِّ شدّ فأعلم، فِي قول النحويين إلا الأخفش فإنه قَالَ: شدّة وأَشُدٌّ مثل نعمة وأنعم. وقال المُفسرون: بلغ أَشُدّة اثنتي عشرة سنةً، وقيل ثمانِ عشرةَ سنةً، وقيل: ثلاثين سنة، وقيل: أربعين سنة: ﴿قال رب أوزعني أن أشكر﴾: ألهمني.

стр. 412

وقولُه تَعَالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ﴾. قرأ حمزةُ، والكِسَائِيُّ وحفصٌ، عنْ عاصمٍ «نَتَقَبَّل» «ونَتَجَاوَزُ» بالنون، اللَّه تَعَالى يُخبر عنْ نَفسه، وإنما اختاروا هذه القِراءة لقوله «وَوَصَّيْنا.» وقرأ الباقون: «يُتَقَبَّلُ» «ويُتَجَاوز» بالياءِ على ما لم يسم فاعله و «أحسن» اسمه. ومَن قَرَأَ بالنُّون نصب «أحسنَ» لأنَّه مفعول بِهِ. وقولُه تَعَالى: ﴿أُفٍ لَكُمَا﴾. قرأ نافعٌ وحفصٌ عنْ عاصمٍ «أُفٍّ» منونًا. وقرأ ابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ: «أُفًّا» نصبًا. والباقون: «أفٍّ» وقد ذكرت علله فِي «سبحان» وإنما ذكرته أيضًا، لأنَّ بعضَ المفسرين قَالَ: «والَّذِي قَالَ لِوالديه أفٍّ لَكُمَا» هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر الصِّديق قبل أن يُسلم، وذلك غَلَطٌ، إنّما نزل فِي الكافرِ العاقِّ. وقولُه تَعَالى: ﴿أَتَعِدَاننِي﴾. اتَّفَقَ القُراء عَلَى كسرِ النُّون، وإنما ذكرته، لأنَّ ابْنُ مجاهدٍ حَدَّثَنِي عنْ أَحْمَد بْن زُهَيْرٍ، عنْ القَصِبِيّ مُحَمَّد بْن عُمَر، عنْ عَبْد الوارث، عنْ أَبِي عمرو، أنه قال: «أتعدنني» بفتح النون. قَالَ: وهي لغةٌ يعني فتح النون. قال الشاهر: عَلَى أَحْوَذِيَّينَ اسِتَقَلَّتْ عَلَيهِمَا ... فَمَا هِيَ إلَّا لَمْحَةً فَتَغِيبُ ففتح نُون الاثنين. وأكثرُ النَّحويين يرونه لحنًا، فإذا عُورضوا بهذا البيت قَالُوا: إنما جازَ بهذا لأنَّ قبل النُّون ياءُ، والياءُ أختُ الكسرةِ. فتفر العربُ من كسرةٍ إلى فتحةٍ، وهذا خطأ، لأنَّ الآخرَ قد قَالَ: تَعْرِفُ مِنْهَا الجِيْدَ وَالعَيْنَانَا ... وَمَنْخِرَانَ أَشْبَهَا ظَبْيَانَا فَقَالَ أصحابُ القولِ الأولِ: الأصلُ نصبُ العينين فأتوا بألف عَلَى لغةِ من يقولُ: حبست بين يداه، وأعطيته درهمان، والاختيار كسرُ النُّون الأولى لالتقاء الساكنين، وهي علامةُ الرَّفع، والنون الثانيةُ مَعَ الياء اسمُ المتكلم فِي موضع نصب، وهي لا تكون إلا مكسورة أبدًا؛ لمجاورة الياءِ. ويجوز فِي النّحو «أَتَعِدَانِّي» مدغمًا، ويجوز أَتِعدَانِيْ بنونٍ واحدةٍ خفيفةٍ، ولم يقرأ بِهِ أحدٌ. قَالَ ابنُ مجاهدٍ: وحدَّثني ابْنُ مِهْرَان قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن يزيد، عنْ أَبِي مَعمر، عنْ عَبْد الوارث، عنْ أَبِي عَمْرو: «أَتَعِدَانَنِي» بفتح النون وإرسال الياءِ.

стр. 413

وقوله تعالى: ﴿وليوفيهم أَعْمَالهُمْ﴾. قرأ عاصمٌ وهشامٌ، عنْ ابنِ عُمَرَ، وأبو عَمْرٍو، وابنُ كثيرٍ بالياء أي ليوفيهم اللَّه. وقرأ الباقُون بالنُّون، اللَّه تَعَالى يُخبر عنْ نفسه وليوفيهم نصبٌ بلام كي. وقولُه تَعَالى: ﴿لَا يُرَى إلّا مَسَاكِنُهُمْ﴾. قرأ عاصمٌ وحمزةُ: «لا يُرَى إلَّا مَسَاكِنُهُمْ» بالياء عَلَى ما لم يُسم فاعله. ومساكنهم بالرّفع عَلَى تقدير لا يرى شيءٌ إلا مساكنهم. وقرأ الباقون: «لا تَرى» بالتاء عَلَى خطاب النَّبيّ ﷺ : «إلا مَسَاكِنَهُمْ» بالنَّصب مفعولٌ بها. أي: قد هَلَكُوا فلا يُحَسُّ لَهُمْ أَثَرٌ خلا المَنَازِلَ والمساكنَ. واحتجَّ أصحابُ هذه القراءَة بما حَدَّثَنِي ابنُ مجاهدٍ عنْ السِّمَّرِيّ، عنْ الفَرَّاءَ. قَالَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الفضل الخراساني، عنْ عطاءٍ، عنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن، قَالَ: سَمِعْتُ عليًّا ﵁ يقرأ: «لا تَرَى إلَّا مَسَاكِنَهُمْ». وفيها قراءةٌ ثالثةٌ، قرأ الْحَسَن: «لا تُرى» بالتاء والضم لتأنيث المساكن. وقولُه تَعَالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾. قرأ ابنُ عامرٍ: «أَأَذْهَبْتُمْ» بهمزتين الأولى ألفُ توبيخٍ بلفظ الاستفهامِ، ولا يكون فِي القرآن استفهامٌ، لأنَّ الاستفهام استعلام ما لا يُعلم والله تَعَالى يعلم الأشياء قبلَ كونِها فإذا وردَ عليك لفظةٌ من ذلك فلا تخلو من أن يكونَ توبيخًا أَوْ تقريرًا، أَوْ تعجبًا أَوْ تسويةً أَوْ إيجابًا أَوْ أمرًا. فالتّوبيخ «أأذهبتم»، والتَّقرير ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ والتَّعَجُّبُ ﴿القَارِعةُ ما القَارِعَةُ﴾ و ﴿الحاقة مَا الحَاقَّةُ﴾ و ﴿كيف تكفرون﴾ والتسوية ﴿سَوَاْءٌ عليهم أأنذرتهم﴾ والإيجاب ﴿أَتَجْعَلُ فِيْهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيْهَا﴾ والَأمرُ ﴿أأسلمتم﴾ معناه: أَسلِمُوا، والألف الثّانية ألفُ القَطع. فإذا اجتمع همزتان فأكثرُ العرب والقراء يُلينون الثانية تخفيفًا. فلذلك قرأ ابنُ كثير «آذْهَبْتُمْ» بألفِ مُطولة. وقرأ الباقون: «أَذْهَبْتُم» عَلَى لفظِ الخبرِ بألفٍ واحدةٍ، فيحتمل هَذَا أن يكونوا أرادوا: أَأَذهَبْتُم فخزلوا ألفًا تخفيفًا. ويجوز أن يكونَ تأويلُه: ويوم يُعرض الَّذِيِْنَ كفَروا عَلَى النَّارِ، يُقالُ لهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ، قَالَ عُمَر بْن الخطاب رحمة اللَّه عليّه لو شِئْتُ أن

стр. 414

يدهمق إلى الطعام لدعوت بصَلَّاءٍ أي شواء وصناب، وهو الخردل بالزبيب، وكراكر وأفلاذ وهو الحزة من اللحم يعني القطعة من اللحم، ولكني سمعتُ اللَّه يَقُولُ: ﴿أَذهِبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾. حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَن بْن عُبَيْد، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيل القاضي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن حَرب، عنْ أَبِي هلال، عنْ الْحَسَن، قَالَ: قَالُوا لعُمر بْن الخطاب: يا أمير المؤمنين أَلا تُصيب من طيّبِ الطَّعام، فَقَالَ: إني سَمِعْتُ اللَّه ذكر قومًا فَقَالَ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾ فو الله لولا ذَلِكَ لشركتكم فِي طيِّب الطعام. وقال: كان عُمَر ﵁ رجلًا يخاصم بالقرآن قَالَ: وحدثنا إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن حرب، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو هلال، عنْ حميد بْن هلال بْن حفَص بْن القاضِي أَنَّهُ كان يَشْهَدُ طعامَ عُمَر ﵁ فلا يأكلُ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَر: يا أبا حفص ما لك لا تأكل من طَعَامِنَا، قَالَ: يا أميرَ المُؤمنين أرجع إلى بيتي إلى طعام هُوَ أطيبُ من طَعامِك وأكثرُ، قَالَ ثَكِلَتْك أُمُّك أَتَرَانِي أَعجز أن آخذ شاةً فأنزَعَ شعرتها ثُمَّ أعمد إلى صاعٍ من زبيب فألقيه فِي سقاء حَتَّى إذا كان مثل دَمِ الغَزال شَرِبْتُهُ، وآخذ من البقي كذا، وكذا. قَالَ يا أمير المؤمنين أراك عالمًا بالعَيش، قَالَ: والله لولا أن ينقصَ من حسناتنا لشَركناكُم فِي طيِّب الطّعام. قَالَ: وحدَّثني إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدَّثَنِي منجاب، عنْ عليّ بْن مسهر، عنْ الْأَعْمَش، عنْ زيِد بْن وهبٍ، عنْ حُذيفة، قَالَ: أتيت عُمَر بْن الخطاب وقد قرب قصعة ليُطعم الناس، فَقَالَ لي: اجلس فجلستُ فلما فرغ دعاني ودعا بقصعةٍ من ثريد بخَلٍّ وزَيْتٍ فَقَالَ لِي: كُلْ. فقلت: يا أميرَ المؤمنين مَنَعْتَنِي من الطَّعام الطَّيِّبِ، قال: ذاكَ طعامُ النَّاس، وإنّما أُطعمك من طَعامي. قَالَ: وحدثنا إسماعيل، قال: حَدَّثَنَا الوليد بْن هشام المعيطي، عنْ معدان بْن طلحة اليَعمري، قَالَ: قدمت عَلَى عمر بن الخطاب بقطائف وطعام فأمر بِهِ فقُسم، ثُمَّ قَالَ: اللهم إنك لَتَعْلَمُ أنِّي لم أرزأ فيهم، ولم أَستأثر عليهم إلا أضع يدي مَعَ أَيديهم فِي جفنةِ العامَّة وقد خِفت أن تجعله نارًا فِي بَطْنِ عُمر.

стр. 415

وقولُه تَعَالى: ﴿أَوْزِعْنِي أنْ﴾. فتحَ الياءَ ابنُ كثيرٍ فِي رواية القَواس، ونافعُ فِي رواية أَحْمَد بْن صالح، وفتحَ الياءَ من «أَتَعِدَانِنيَ» نافع والبزي. والباقون يسكنون، واتَّفقوا عَلَى ضَمِّ الهمزة من «أن أُخْرَجَ» إلا الْحَسَن الْبَصْرِيّ فإنَّه قرأ: «أَنْ أَخْرُجَ» بفتحِ الهمزةِ. وفتحِ الياء من: «ولكني أراكم» نافع وابن كثير. وحرك الياء من: «إني أخاف» نافع وابن كثير.

стр. 416

سورة محمد ﵇ وقوله تَعَالى: ﴿والَّذِيِْنَ قُتِلُواْ فِيْ سَبِيلِ اللهِ﴾. أربعٌ قراءاتٍ: - قرأ أَبُو عَمْرٍو -: «قُتِلُواْ» عَلَى ما لم يُسمَّ فاعله، وحفصٌ عنْ عاصمٍ مثله. وقرأ الباقون: «قَاتَلوُا» بألفٍ. وقرأ الْحَسَنُ: «قُتِّلُواْ» مشدَّدًا. وقرأ عاصمٌ الجَحْدَرِيُّ: «قَتَلُوا» مخفَّفًا، بفتح القاف والمعاني فيها قريبةٌ. وقولُه تَعَالى: ﴿مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسنٍ﴾. قرا ابنُ كثيرٍ وحده: «مِنْ مَاءٍ غيرِ أَسِنٍ» مقصور كقولك: هَرِمَ فهو هَرِمٌ، وعَرِجَ فهو عَرِجٌ، وأَسِنَ فهو أَسِنٌ: إذا تغيَّر الماءُ يأسَنُ ويأسِنُ أُسُوْنًا. وقرأ الباقون: «ءاسن» بالمدَّ عَلَى فاعل فالهمزة الُأولى فاءُ الفعِل. والألف الثانية مزيدةٌ، فالمدَّةُ من أجل ذَلِكَ مثل أجن يأجَنُ أُجُونًا فهو آجِنٌ، ومعناهما واحدٌ. وقولُه تَعَالى: هَلْ ﴿يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم﴾. اتفق القُراءُ عَلَى فتح الهَمزة من «أن»، وإنما ذكرته لأن ابن مجاهد حدثني عن السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَرَّاء، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَر الرواسي، قَالَ: سألتُ أبا عمرٍو بْن العلاء: لِمَ دَخَلَتِ الفاءُ فِي قولِه تَعَالى: ﴿فَقَدْ جَاْءَ أَشْرَاطُهَاْ﴾. قَالَ: جوابُ الشَّرْطِ. قلتُ: فأَيْنَ الشَّرط. قَالَ: «أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً»، قَالَ: وأراني أن تلك أَخذها عنْ أهلِ مكَّة، وكذلك فِي مَصاحفهم. قَالَ ابنُ خالويه: حَدَّثَنِي ابنُ مجاهدٍ، عنْ نَصْرٍ، عنْ البَزّي، عنْ ابنِ كثيرٍ «مَاذَا قَالَ أنِفًا» مقصورُ الألفِ، والذي قرأتُ عَلَيْهِ ممدودٌ مثل أَبِي عَمْرٍو. وحدَّثني الزَّاهِدُ، عن ثعلب: «ماذا قال ءانفا» أي: من ساعةٍ، ومن ذَلِكَ حديثُ رَسُولِ اللَّه ﷺ : «قَالَ لِيْ جِبْرِيْلُ آنِفًا كَذَاْ وَكَذَاْ» أي: منذ ساعةٍ.

стр. 417

وقولُه تَعَالى: ﴿وَأَمْلَى لَهْمْ﴾. فِيهِ ثلاثٌ قراءاتٍ: قرأ أَبُو عمرٍو وحده: «وأُمْلِيَ لَهُمْ» عَلَى ما لم يُسم فاعله. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: وما قرأتُ حرفًا من كتاب اللَّه برأي إلّا قولُه: ﴿وَأُمْلِيْ لَهْمْ﴾ فَوَجَدْتُ النَّاسَ قد سَبَقُوني إِلَيْه. وما زدتُ فِي شعرِ العَرب إلَّا بيتًا واحدًا فِي أول قصيدة الأعشى: فَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكَرَتْ ... مِنَ الحَوَادِثِ إلَّا الشَّيبَ والصُّلَعَا وقرأ الباقون: «وأَمْلَىْ لَهُمْ» بفتح الهمزةِ، ردًّا عَلَى قولِه: ﴿الشيطان سول لَهُمْ وأَملى لهم﴾. وقرأ مجاهدٌ: «وأُمْلى لهم» بضمِّ الهمزةِ، وإسكان المِيم اللَّه تَعَالى يُخبر عنْ نَفسه، أي: أُملى أَنا؛ لأنّ اللَّه تَعَالى قَد ذَكَرَ فِي مواضعَ أخرَ: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ وفي الأعراف، ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ وكلُّ ذَلِكَ صوابٌ بحمدِ اللَّه. وقولُه تَعَالى: ﴿واللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ وحفصٌ، عنْ عاصمٍ: «إسْرَارَهُمْ» بكسر الهمزةِ جعلاهُ مصدر أَسرِّ يُسِرُّ إسرارًا. والباقون بالفتح جمعُ سرٍّ، يُقال: أَسْرَرْتُ الشَّيءَ: أخفيته وأسررته: أظهرته. وسررت زيدا، وسَرَرْتُ الصَبِىَّ: قطعتُ سَرَرَهُ والذي تَبقى: السُّرةُ. وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ ... ﴿ونَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ﴾. قرأ عاصمٌ وحده بالياء أي: الله تعالى يبلو ويَخْتَبِرُ. وقرأ الباقون بالنُّون، اللَّه تَعَالى يُخبر عنْ نَفسه. فإن قيلَ: اللَّه تَعَالى يعلمُ الأشياءُ قبلَ كونِها، فلمَ قَالَ: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾؟ فالجوابُ فِي ذَلِكَ أن معناه: حتَّى تَعلموا أَنتم، وهذا تَحسينٌ فِي اللَّفْظِ، كما يَجتمعُ عاقلٌ وأحمقُ. فيقول الأَحمقُ: الحطبُ يُحرقُ النَّارَ، ويقولُ العاقلُ: بل النَّارُ تُحرقُ الحَطَبَ، فيقولُ العاقلُ: نجمعُ بينَ النَّارِ والحطبِ لنعلمَ أيُّهما يحرقُ صاحبه. أي: لتَعلمه أَنت.

стр. 418

وقولُه تَعَالى: ﴿وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾. قرأ عاصمٌ وحمزةُ بالكسرة. والباقون بالفَتح. وقد ذكرتُ علَّته فيما سلف. وروى عنْ نَصرٍ، عنْ أَبِي عمرو «ها أنتم» بقطع الألِف كقراءة أهِل الكوفةِ، والصَّحيح من قراءته «هآنْتُمْ» بمدَّةٍ خَفيفةٍ من غيرِ همزةٍ.

стр. 419

سورة الفَتح وقولُه تَعَالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ ..... ﴿وليؤمنوا﴾. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالياء إخبارا عن غيب. وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب. ومعنى تُعَزِّرُوهُ: تَنصروه أي: بالسَّيف، وَيُقَال: عزَّرتُ الرَّجُل، وعَزَرتُهُ: إذَا أكرمتُهُ وعظَّمْتُهُ. وقرأ الجَحْدَرِيُّ «وتعزروه» مخفَّفًا، كأنه لغةٌ ثالثةٌ أَعزر يُعزر، وفَعَل وأفعل بمعنى واحد ككرم وأكرم والتعزير أيضًا: الضَّرْبُ دونَ الحَدِّ، ضربَ التَّأديبِ. ومعنى تسبحوه، أي: تصلوا لَهُ بكرةً وأَصِيْلًا، والتَّسبيحُ أربعةُ أشياءَ: الصَّلاةُ، والتَّنزيهُ، والنُّورُ، والاستثناء. وقولُه تَعَالى: ﴿دائرَةُ السَّوْءِ﴾. «السُّوْءِ» بالضم. وقرأ الباقون بالفَتح، فالسَّوْءُ: الاسمُ، والسُّوء: المَصْدَرُ. وقال آخرون السَّوْءُ بالفتح: الفَسَادُ، مثل ظن السّوء ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ وذلك أنهم ظنوا أن لن يعود رَسُول اللَّه إلى مولده أبدًا. وقال آخرون: بل غَزا غزوةَ الحُدَيْبِيَةِ، وكانوا فِي كثرةٍ، أعني العدوُّ، فَقَالَ المُنافقون: ﴿لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أي: سيِّئًا وظَنَّ الفَسَادِ ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ أي: هَلْكَى. وقال آخرون: السُّوء بالضَّمِّ: الشّرُّ. وقولُه تَعَالى: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قرأ أهلُ الكوفةِ وأبو عَمْرٍو بالياء إخبارا عن الله تعالى. وقرأ الباقون بالنون اللَّه يخبرُ عنْ نفسه. وقولُه تَعَالى: ﴿بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّه﴾. روى حفصٌ، عنْ عاصمٍ بالضَمِّ عَلَى أصلِ حركةِ الهاءِ. وقرأ الباقون: «عَلَيْهِ» بالكسرِ لمجاورةِ الياءِ.

стр. 420

وأول الآية: ﴿يَدُ اللهِ فَوقَ أَيِديهِمْ﴾. فِيهِ ثلاثُ أقوالٍ: أي: يَدُ اللَّه بالمِنَّةِ عليهم. أن هَذَا هُوَ الْإِسْلَام أعظمُ من يَدِهِمْ بالطَّاعَةِ. وقيلَ: يدُ اللَّه بالوَفاء بِمَا وَعَدَهُمْ. وقيلَ: يدُ اللَّه فوق أيديهم بالثَّوابِ. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ وقيل: كانُوا ألفًا ومائتين، وقيل: أربعمائة وقيل أَربعةُ آلافٍ، والشَّجرةُ كانت سَمُرَةً. وأما قولُه: ﴿سِدْرَةِ المُنْتَهَى﴾ فشجرةُ النَّبْقِ، النَّبْقُ: الأصلُ. وأمَّا شجرةُ طُوْبَى فساقُها: الذَّهب، وثمارُها: الدُّرُّ، وأما شجرة الزقوم التي ﴿طلعها كأنه رؤس الشياطين﴾ فقيل: الشياطين حيات وحشة الخلقة، وقيل: نباتٌ وحشُ المنظرِ. وأمَّا قولُه تَعَالى: ﴿ولا تَقْرَبَاْ هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فقيل: البُرَّةُ، وقيل: الكرمةُ. وأمَّا قولُه: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ فهي النَّخلةُ، ضربت مثلًا للمُؤمن، والشَّجَرَةُ الخَبِيْثَةُ: الحَنْظَلُ. فإن سأَل سائِلٌ فَقَالَ: إن أهلَ العراقِ زَعَمُواْ أنَّ الرَّجُلَ إذا قَالَ لآخرٍ: يا خبيثُ وَجَبَ أنْ يُعَزَّرَ. فما معنى الخَبِيْثُ فِي اللُّغة؟ . فالجوابُ فِي ذَلِكَ أنَّ أصلَ الخَبِيْثِ: كلُّ مكروهٍ. فإن كَانَ فِي الكَلامِ فهو الشَّتْمُ والقَذْفُ، وإن كَانَ فِي الدِّين فهو الكفرُ والبِدْعَةُ وإن كَانَ فِي الطَّعامِ فهو الضَّارُّ. وإن كَانَ فِي الأموالِ فهو الحَرَامُ فلأنَّ خَبِيْثَ النَّفْسِ إذا كانت نَفْسُهُ غير طيبة يُقال: خبثت نفسُهم وغثت ولقست وتقست وتبعثرت. وَيُقَال: فلانٌ خَبيثٌ فِي نفسِهِ ومُخْبِثٌ لَهُ أصحابُ خُبَثَاءُ. قَالَ الأخفشُ: خَبِيثٌ من الرِّجال يُجمع خُبَثَاء، وخبيثٌ من غيرِ الآدميين يجمعُ خُبَاْثًا. ويُروى عنْ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثتُ نَفْسي وَلكِنْ يَقُوْلُ: لَقِسَتْ» وقولُه: ﴿شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ فهو البِطِّيخُ والقَرَعُ والحَنظَلُ وكلُّ ما لا يقوم على ساق. وأما ﴿والشجرة المَلعُونَةَ﴾ قيل: شجرةُ الزَّقُّومِ. وقال آخرون: بل يعني قوما بأعيانهم.

стр. 421

ومن سورة القمر ..... (١) وقرأَ الباقُون بالياءِ إخبارًا عنْ غَيبٍ: «سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ» أي: البَطِرُ المُتَكَبِّرُ عنْ العِبَادَةِ. وقرأ مُجاهِدٌ: «الُأشُرُ» بضم الشِّين، وهو أبلغُ فِي الذَّمِّ كما يُقال: رجلٌ حَذِرٌ، وهذا عَبدٌ ورجل فَطِنٌ. وروى عنْ بعضهم: «الكذاب الأشر» وهذه اللغة ليست بجيدة مختارةٍ، ولأنَّ العَرَبَ تَستعمل خَيْرًا وشرًا بحذف الَألف من أوله لكثرةِ الاستعمالِ، ولأنَّه لا يَتَصرف منهما فعلٌ عندَ الَأخفش. قَالَ أَبُو حاتِم: وإنما سمعتُ فِي بيتٍ لرُؤبة زَيْد أخير من عَمْرو، فَقَالَ: يا قاسمَ الخَيْرَاتِ أَنْتَ الَأخْيَرُ ... وأَنْتَ مِنْ سَعْدٍ مكان مقفرُ وقولُه تَعَالى: ﴿عَذَاْبِيْ وَنُذُرِ﴾. أثبتَ الياءَ ورشٌ عنْ نافعٍ فِي خمسةِ مواضع فقرأ «ونُذُرِى» فأَثبت الياءَ عَلَى الأصلِ. والباقون يحذفون، لأنَّ رءوسَ الآي فيها واوٌ. والنُّذُرُ: جمعُ نَذيرٍ. والنِذير: القرآن. والنَّذيرُ: النَبِيُّ ﷺ . والنذير: المشيب.

стр. 422

سورة الرَّحْمَن قولُه تَعَالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُوْ العَصْفِ﴾. قرأ ابنُ عامرٍ وحدَه: «والحَبِّ ذُا العَصْفِ والرَّيْحَانَ» نصبا عَلَى تقديرِ: ﴿والسَّمَاءَ رَفَعَها﴾ وخَلَقَ الحَبَّ وأثبتَ الحَبَّ جعله مَفعولًا. وقرأ الباقون: «والحَبُّ» عطفًا عَلَى قولُه: ﴿فيها فاكِهَةٌ﴾ وفيها الحَبُّ. فيكون ابتداء. وقولُه تَعَالى: ﴿والرَّيْحَانُ﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بالخفضِ أي: ذُو العَصْفِ، وذُو الرَّيْحَانِ لأنَّ الحَبَّ: الحِنْطَةُ، وعَصْفُهُ التِّبْنُ، ويُقال: وَرَقُ الزَّرْعِ، والرِّيحانُ الرِّزقُ. تَقُولُ العَرَبٌُ: خرجنا نطلب ريحانَ اللَّه أي: رزقه. وقرأ الباقون: «والريحان» عطفا على الحب وينشد: سلام الِإلهِ وَرَيْحَانُهُ ... وَرَحْمَتُهُ وَسَمَاءٌ دُرَرْ وذَكَّر اللَّه تَعَالى عبادَه نِعَمَهُ فِي هَذِهِ السَّورة، فَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ يعني: آدم، وقيل: مُحَمَّد ﷺ . وقيل: سائرُ النَّاسِ ﴿عَلّمَهُ البَيَانُ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. والآلاءُ: النَّعماءُ، وَيُقَال: العَصِيْفَةُ بمعنى العَصْفِ، والحَبُّ البُرُّ، والحَبُّ: جمعُ حبَّةٍ وهي بَذور البَقل، قَالَ أَبُو النَّجمِ: فِي حَبَّةٍ جَرْفٍ وحَمْضٍ هَيْكَلِ ... والحَبُّ أيضًا القُرْطُ وحدثني أحمد، عن علي، عن أبي عبيد، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشيم، عنْ جُويبر، عنْ الضّحّاكُ: ﴿فَرْوحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ قَالَ الرَّوْحُ: الاستراحةُ والرَّيْحَانُ: الرِّزْقُ. قَالَ: وحدَّثني هُشيم، عنْ عوفٍ، عنْ الحَسن: روح وريحان فِي قولِه: «فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ» قَالَ الرَّوْحُ: الرَّحْمَةُ والرَّيْحَانُ: رَيْحَانْكُمْ هَذَا. وقرأ رَسُول اللَّه ﷺ : «فَرُوْحٌ» بالضم فمَن قرأ بالفَتح فشاهِدُهُ: ﴿لَا تَيْأَسُوا مِن روح الله﴾ وريحان: ووزنه فيعلان، والأصل في ريحان، ريوحان، فلما اجتمعت الواو والياء والسابقُ ساكنٌ قلبُوا من الواوِ ياءً وأدغَمُوا ثُمَّ كَرِهُوا

стр. 423

التَّشديدَ فحذفُوا إحدى الياءَين كما فِي هَين ولَين ومَيت وكَينونة، ولولا أنَّه مخففٌ من مُشدَّدٍ لقيل: كونونة وروحان وميوت. وقولُه تَعَالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَاْ اللُّؤلُؤ والمَرْجَانِ﴾. قرأ أهلُ الكوفةِ وابنُ كثيرٍ وابنُ عامر: «يَخرج» بفتح الياءِ جعلوا الفعلَ للؤلؤ والمَرجان. وقرأ نافعٌ وأبو عَمْرٍو: «يُخرج» عَلَى ما لم يُسم فاعله، والشاهد على هذه القراءة ﴿وتستخرجوا مِنْهُ حِلْيَةً﴾ فهو مفعولةٌ لا فاعلةٌ. والمرجانُ: صغارُ اللُّؤلؤ، والواحدة: مُرجانة. فإن سَأَلَ سائلٌ، فَقَالَ: اللُّؤلؤ يخرج من الماءِ الملح لا من العَذاب فلِمَ قَالَ: منهما؟ ففي ذَلِكَ ثلاثة أجوبة: إحداهنَّ: أَنَّهُ أراد تَعَالى: يخرج مِنْهُ فَقَالَ: منهما كما قَالَ تَعَالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ وإنَّما الرُّسل من الِإنْسِ لا مِنَ الجِنِّ. والجوابُ الثَّانِي: أنْ يكونَ قد خَرَجَ اللُّؤْلُؤُ من العَذْبِ مرَّةً ويخرجه اللَّه مِنْهُ، وإن لم يكن معتادًا كثيرًا ككثرة الملح. والجوابُ الثالث: أَنَّهُ لا تتكون في الصدفة إلا بقطر السَّماء إذا أمطرت، ويعني بالبَحرين بحرُ السَّماءِ، وبَحْرُ الَأرض، وبينهما بَرْزَخٌ أي حاجزٌ لا يبغيان أي لا يَبغي الملح عَلَى العذب فيصير ملحًا. والبرزخ: عَلَى ضربين بَرزخ يُرى، وبرزخ لا يُرى، وصلَّى عليٌّ ﵁ بالنَّاسِ فَنَسِىَ برزخًا، ثُمَّ عاد فانتزع الآية ورجع إلى موضعه. يعني أَنَّهُ ترك ثُمَّ قرأ نحوًا من مائة آية. ثُمَّ ذكر فرجع إلى الآية فقرأها. وقولُه تَعَالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «سَيُفْرُغُ لَكُمْ» بالياء. وقرأ الباقون بالنُّون، فمَن قرأ بالياءِ عَلَى قولِهِ ﴿يسئله مَن فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ومن قرأَ بالنُّون فاللهُ تَعَالى يُخبر عنْ نَفْسِهِ. وفيه قراءةٌ ثالثةٌ: روى حُسَيْنٌ، عنْ أَبِي عَمْرٍو: «سَيُفْرَغُ» بالياء وفتحِ الراءِ، لأنَّ العربَ تَقُولُ فَرَغَ يَفْرُغُ، ويَفْرَغُ للحرفِ الحَلْقِيّ، وهي الغَين، مثل نَهَقَ ينهق، وصبغ

стр. 424

يَصْبَغُ. وحدثنا أَحْمَد، عنْ عليّ، عنْ أَبِي عُبَيْدٍ بذلك. وحدثنا ابنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيّ، عنْ الفَرَّاءِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إسرائيل، عنْ طلحة بْن مطرف «سَيَفْرِغُ لَكُمْ» قَالَ الفَرَّاءُ: وقرأ بعضهم: «سَنَفْرِغُ لَكْمْ» مثل عَلِمَتَ تَعِلمُ. وقد روى فِي شعر العَجَّاجِ. وَفَرِغَا مِنْ حَنْذِه أنْ يَهْرِجَا بكسرِ الماضي، فعلى هَذَا فَعِلَ يَفْعَلُ مثل شَرِبَ يَشْرَبُ. ومعنَى قولِهِ: «سَنَفْرُغُ لَكُمْ» أي: سَنَقْصِدُ لكم بالعَذَابِ وما كَانَ مشغولًا قَطُّ. قَالَ جريرٌ: أَلَانَ وَقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِيْنَ كُنْتُ لَهُ عَذاْبًا أي: سأقصدكم بالهجاءِ والمكروه. والفَرَاغُ عَلَى ضربين: القَصْدُ، وفَراغ من شُغْلٍ. قولُه تَعَالى: ﴿أيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾. قرأ ابنُ عامرٍ وحده: «أيَّهُ الثَّقلان». والباقون: «أيُّهَ» وَقَدْ ذكرتُ علّة ذَلِكَ فِي النُّور والثَّقلان الجِنَّ والِإنْسُ. فإن سألَ سائلٌ فَقَالَ: ما مَعنى قولِ رسولِ اللَّه ﷺ : «إنِّي تاركٌ فيكُمُ الثقَّلين، كتابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي» فما وجهُ تَشْبِيْهِهِمَا بالثّقلَيْنِ؟ فالجوابُ فِي ذَلِكَ ما حَدَّثَنِي أَبُو عُمَر الزَّاهِد عنْ ثعلب - استخراج حسنٌ - أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الأخذ بهما ثَقيْلٌ. وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَهُ الجوار المنشآت﴾. قرا حمزةُ: «المنشِئاتُ» - بكسر الشين - جعل الفِعلَ للسُّفن فِي البحر كالأعلام أي: كالجبال واحدهم علم. وقرأ الباقون: «المنشئات» بالفتح، لأنَّ فِي التفسير الَّذِي قَدْ رفع قِلْعها يعني: الشراع فهي مفعولةٌ، والواحدة منشأة والجوار: سقطت الياء في اللفظ فقلب كما قَالَ: ﴿جُرُفٍ هَاْرٍ﴾ أي: خائرٌ.

стр. 425

وقولُه تَعَالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ وحده: «شَوَاظٌ». وقرأ الباقون بالضَمَّ، لغتان فصيحتان. والشُّواظُ: النَّارُ الخالصةُ المَحضةُ لا دُخان فيها. وأَنشد: إنَّ لَهُمْ مِنْ وَقْعِنَا أقياظا ... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّوَاظَا وقال الخليلُ: الشُّواظ الخَضْرَةُ التي دون النَّار المَحْضَة، والمحضة: اللَّهَبُ وقال آخرون: الخضرة تسمى الكلجبة: والنحاس، الدخان وأنشد: تضيء كَضَوْءِ سِرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فِيهِ نُحَاسَا السَّليطُ: دهنُ السِّمْسِمِ. وقال آخرون: دِهْنُ السَّنامِ المُذاب، قَالَ الفَرَّاء: الاختيار أن يكون السَّلِيْطُ: الزَّيْتُ. وحدَّثني مَنْ أَثِقُ بِهِ أن بعضَ الَأطبّاء ذكر أن بالهند وَردة عليها كتابة خلقة أنّ السَّليطَ ينفعُ لِكُلِّ شيءٍ ولا يضرُّ. وذكر ابْنُ قُتَيْبَة: أن شَجَرَةً بالهند تُخرِجُ ورقًا تُقرأ لا إله إلا اللَّه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه. ورُؤىَ عَلَى ساقِ سُفيان الثَّوريِّ لمَّا ماتَ عروق مُشبكة تقرأ: حَسَبْيَ اللَّه ونِعْمَ الوَكِيْلُ. وحدَّث خِيْثَمَةَ بْن حيدرة أن سُفيان الثَّوري كَانَ بين أصابعه رقعة مكتوبٌ فيها يا سُفْيَان أُذر مقام ربِّك غدًا لا تفارقه. حَدَّثَنَا ابْنُ عُقدة بِسَنَدِه، عنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد ﵇ قَالَ: «عَلَى جِناح كلّ هُدهدٍ مكتوبٌ بالسِّريانية: «آلُ مُحَمَّدٍ خيرُ البَرِيَّة». وحدَّثني أَحْمَد، عنْ عليّ، عنْ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ حَدَّثَنِي هُشيم، عنْ مُغِيرَة، عنْ مُجاهدٍ «ونِحَاسٍ فَلَا تَنْتَصِرَان» بكسر النون. وقرأ بعضُهم: «ونُحِسُّ فلا تنتصران» أي: نستأصل شأفتكم من قوله ﴿إذ تَحُسُّوْنَهُمْ﴾. وقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرٍ: «ونُحاسٍ» عطفًا عَلَى: ﴿مِنْ نَارٍ﴾. وقرأ الباقون: «وَنُحَاسٌ» بالرَّفع عطفًا عَلَى ﴿شُوَاْظٍ﴾. وقولُه تَعَالى: ﴿لمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾. قرأ الكِسَائِيُّ وحده: «لم يطمُثهن» بالضم. وقرأ الباقون بالكسرِ، وهما لُغتان طَمَثَ يَطْمِثُ ويطمُثُ مثل عَكَفَ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ، ومعناه: لم يَمْسَسْهُنَّ قبلهم إنسٌ ولا جانٌ. تَقُولُ العربُ: ما طمثَ هَذِهِ
следующие страницы →