← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 3

إعراب القراءات السبع وعللها ط العلمية

ابن خالويه

Полный текст (555 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ومن سورة القمر ..... (١) وقرأَ الباقُون بالياءِ إخبارًا عنْ غَيبٍ: «سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ» أي: البَطِرُ المُتَكَبِّرُ عنْ العِبَادَةِ. وقرأ مُجاهِدٌ: «الُأشُرُ» بضم الشِّين، وهو أبلغُ فِي الذَّمِّ كما يُقال: رجلٌ حَذِرٌ، وهذا عَبدٌ ورجل فَطِنٌ. وروى عنْ بعضهم: «الكذاب الأشر» وهذه اللغة ليست بجيدة مختارةٍ، ولأنَّ العَرَبَ تَستعمل خَيْرًا وشرًا بحذف الَألف من أوله لكثرةِ الاستعمالِ، ولأنَّه لا يَتَصرف منهما فعلٌ عندَ الَأخفش. قَالَ أَبُو حاتِم: وإنما سمعتُ فِي بيتٍ لرُؤبة زَيْد أخير من عَمْرو، فَقَالَ: يا قاسمَ الخَيْرَاتِ أَنْتَ الَأخْيَرُ ... وأَنْتَ مِنْ سَعْدٍ مكان مقفرُ وقولُه تَعَالى: ﴿عَذَاْبِيْ وَنُذُرِ﴾. أثبتَ الياءَ ورشٌ عنْ نافعٍ فِي خمسةِ مواضع فقرأ «ونُذُرِى» فأَثبت الياءَ عَلَى الأصلِ. والباقون يحذفون، لأنَّ رءوسَ الآي فيها واوٌ. والنُّذُرُ: جمعُ نَذيرٍ. والنِذير: القرآن. والنَّذيرُ: النَبِيُّ ﷺ . والنذير: المشيب.

стр. 422

سورة الرَّحْمَن قولُه تَعَالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُوْ العَصْفِ﴾. قرأ ابنُ عامرٍ وحدَه: «والحَبِّ ذُا العَصْفِ والرَّيْحَانَ» نصبا عَلَى تقديرِ: ﴿والسَّمَاءَ رَفَعَها﴾ وخَلَقَ الحَبَّ وأثبتَ الحَبَّ جعله مَفعولًا. وقرأ الباقون: «والحَبُّ» عطفًا عَلَى قولُه: ﴿فيها فاكِهَةٌ﴾ وفيها الحَبُّ. فيكون ابتداء. وقولُه تَعَالى: ﴿والرَّيْحَانُ﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بالخفضِ أي: ذُو العَصْفِ، وذُو الرَّيْحَانِ لأنَّ الحَبَّ: الحِنْطَةُ، وعَصْفُهُ التِّبْنُ، ويُقال: وَرَقُ الزَّرْعِ، والرِّيحانُ الرِّزقُ. تَقُولُ العَرَبٌُ: خرجنا نطلب ريحانَ اللَّه أي: رزقه. وقرأ الباقون: «والريحان» عطفا على الحب وينشد: سلام الِإلهِ وَرَيْحَانُهُ ... وَرَحْمَتُهُ وَسَمَاءٌ دُرَرْ وذَكَّر اللَّه تَعَالى عبادَه نِعَمَهُ فِي هَذِهِ السَّورة، فَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ يعني: آدم، وقيل: مُحَمَّد ﷺ . وقيل: سائرُ النَّاسِ ﴿عَلّمَهُ البَيَانُ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. والآلاءُ: النَّعماءُ، وَيُقَال: العَصِيْفَةُ بمعنى العَصْفِ، والحَبُّ البُرُّ، والحَبُّ: جمعُ حبَّةٍ وهي بَذور البَقل، قَالَ أَبُو النَّجمِ: فِي حَبَّةٍ جَرْفٍ وحَمْضٍ هَيْكَلِ ... والحَبُّ أيضًا القُرْطُ وحدثني أحمد، عن علي، عن أبي عبيد، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشيم، عنْ جُويبر، عنْ الضّحّاكُ: ﴿فَرْوحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ قَالَ الرَّوْحُ: الاستراحةُ والرَّيْحَانُ: الرِّزْقُ. قَالَ: وحدَّثني هُشيم، عنْ عوفٍ، عنْ الحَسن: روح وريحان فِي قولِه: «فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ» قَالَ الرَّوْحُ: الرَّحْمَةُ والرَّيْحَانُ: رَيْحَانْكُمْ هَذَا. وقرأ رَسُول اللَّه ﷺ : «فَرُوْحٌ» بالضم فمَن قرأ بالفَتح فشاهِدُهُ: ﴿لَا تَيْأَسُوا مِن روح الله﴾ وريحان: ووزنه فيعلان، والأصل في ريحان، ريوحان، فلما اجتمعت الواو والياء والسابقُ ساكنٌ قلبُوا من الواوِ ياءً وأدغَمُوا ثُمَّ كَرِهُوا

стр. 423

التَّشديدَ فحذفُوا إحدى الياءَين كما فِي هَين ولَين ومَيت وكَينونة، ولولا أنَّه مخففٌ من مُشدَّدٍ لقيل: كونونة وروحان وميوت. وقولُه تَعَالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَاْ اللُّؤلُؤ والمَرْجَانِ﴾. قرأ أهلُ الكوفةِ وابنُ كثيرٍ وابنُ عامر: «يَخرج» بفتح الياءِ جعلوا الفعلَ للؤلؤ والمَرجان. وقرأ نافعٌ وأبو عَمْرٍو: «يُخرج» عَلَى ما لم يُسم فاعله، والشاهد على هذه القراءة ﴿وتستخرجوا مِنْهُ حِلْيَةً﴾ فهو مفعولةٌ لا فاعلةٌ. والمرجانُ: صغارُ اللُّؤلؤ، والواحدة: مُرجانة. فإن سَأَلَ سائلٌ، فَقَالَ: اللُّؤلؤ يخرج من الماءِ الملح لا من العَذاب فلِمَ قَالَ: منهما؟ ففي ذَلِكَ ثلاثة أجوبة: إحداهنَّ: أَنَّهُ أراد تَعَالى: يخرج مِنْهُ فَقَالَ: منهما كما قَالَ تَعَالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ وإنَّما الرُّسل من الِإنْسِ لا مِنَ الجِنِّ. والجوابُ الثَّانِي: أنْ يكونَ قد خَرَجَ اللُّؤْلُؤُ من العَذْبِ مرَّةً ويخرجه اللَّه مِنْهُ، وإن لم يكن معتادًا كثيرًا ككثرة الملح. والجوابُ الثالث: أَنَّهُ لا تتكون في الصدفة إلا بقطر السَّماء إذا أمطرت، ويعني بالبَحرين بحرُ السَّماءِ، وبَحْرُ الَأرض، وبينهما بَرْزَخٌ أي حاجزٌ لا يبغيان أي لا يَبغي الملح عَلَى العذب فيصير ملحًا. والبرزخ: عَلَى ضربين بَرزخ يُرى، وبرزخ لا يُرى، وصلَّى عليٌّ ﵁ بالنَّاسِ فَنَسِىَ برزخًا، ثُمَّ عاد فانتزع الآية ورجع إلى موضعه. يعني أَنَّهُ ترك ثُمَّ قرأ نحوًا من مائة آية. ثُمَّ ذكر فرجع إلى الآية فقرأها. وقولُه تَعَالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «سَيُفْرُغُ لَكُمْ» بالياء. وقرأ الباقون بالنُّون، فمَن قرأ بالياءِ عَلَى قولِهِ ﴿يسئله مَن فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ومن قرأَ بالنُّون فاللهُ تَعَالى يُخبر عنْ نَفْسِهِ. وفيه قراءةٌ ثالثةٌ: روى حُسَيْنٌ، عنْ أَبِي عَمْرٍو: «سَيُفْرَغُ» بالياء وفتحِ الراءِ، لأنَّ العربَ تَقُولُ فَرَغَ يَفْرُغُ، ويَفْرَغُ للحرفِ الحَلْقِيّ، وهي الغَين، مثل نَهَقَ ينهق، وصبغ

стр. 424

يَصْبَغُ. وحدثنا أَحْمَد، عنْ عليّ، عنْ أَبِي عُبَيْدٍ بذلك. وحدثنا ابنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيّ، عنْ الفَرَّاءِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إسرائيل، عنْ طلحة بْن مطرف «سَيَفْرِغُ لَكُمْ» قَالَ الفَرَّاءُ: وقرأ بعضهم: «سَنَفْرِغُ لَكْمْ» مثل عَلِمَتَ تَعِلمُ. وقد روى فِي شعر العَجَّاجِ. وَفَرِغَا مِنْ حَنْذِه أنْ يَهْرِجَا بكسرِ الماضي، فعلى هَذَا فَعِلَ يَفْعَلُ مثل شَرِبَ يَشْرَبُ. ومعنَى قولِهِ: «سَنَفْرُغُ لَكُمْ» أي: سَنَقْصِدُ لكم بالعَذَابِ وما كَانَ مشغولًا قَطُّ. قَالَ جريرٌ: أَلَانَ وَقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِيْنَ كُنْتُ لَهُ عَذاْبًا أي: سأقصدكم بالهجاءِ والمكروه. والفَرَاغُ عَلَى ضربين: القَصْدُ، وفَراغ من شُغْلٍ. قولُه تَعَالى: ﴿أيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾. قرأ ابنُ عامرٍ وحده: «أيَّهُ الثَّقلان». والباقون: «أيُّهَ» وَقَدْ ذكرتُ علّة ذَلِكَ فِي النُّور والثَّقلان الجِنَّ والِإنْسُ. فإن سألَ سائلٌ فَقَالَ: ما مَعنى قولِ رسولِ اللَّه ﷺ : «إنِّي تاركٌ فيكُمُ الثقَّلين، كتابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي» فما وجهُ تَشْبِيْهِهِمَا بالثّقلَيْنِ؟ فالجوابُ فِي ذَلِكَ ما حَدَّثَنِي أَبُو عُمَر الزَّاهِد عنْ ثعلب - استخراج حسنٌ - أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الأخذ بهما ثَقيْلٌ. وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَهُ الجوار المنشآت﴾. قرا حمزةُ: «المنشِئاتُ» - بكسر الشين - جعل الفِعلَ للسُّفن فِي البحر كالأعلام أي: كالجبال واحدهم علم. وقرأ الباقون: «المنشئات» بالفتح، لأنَّ فِي التفسير الَّذِي قَدْ رفع قِلْعها يعني: الشراع فهي مفعولةٌ، والواحدة منشأة والجوار: سقطت الياء في اللفظ فقلب كما قَالَ: ﴿جُرُفٍ هَاْرٍ﴾ أي: خائرٌ.

стр. 425

وقولُه تَعَالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ وحده: «شَوَاظٌ». وقرأ الباقون بالضَمَّ، لغتان فصيحتان. والشُّواظُ: النَّارُ الخالصةُ المَحضةُ لا دُخان فيها. وأَنشد: إنَّ لَهُمْ مِنْ وَقْعِنَا أقياظا ... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّوَاظَا وقال الخليلُ: الشُّواظ الخَضْرَةُ التي دون النَّار المَحْضَة، والمحضة: اللَّهَبُ وقال آخرون: الخضرة تسمى الكلجبة: والنحاس، الدخان وأنشد: تضيء كَضَوْءِ سِرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فِيهِ نُحَاسَا السَّليطُ: دهنُ السِّمْسِمِ. وقال آخرون: دِهْنُ السَّنامِ المُذاب، قَالَ الفَرَّاء: الاختيار أن يكون السَّلِيْطُ: الزَّيْتُ. وحدَّثني مَنْ أَثِقُ بِهِ أن بعضَ الَأطبّاء ذكر أن بالهند وَردة عليها كتابة خلقة أنّ السَّليطَ ينفعُ لِكُلِّ شيءٍ ولا يضرُّ. وذكر ابْنُ قُتَيْبَة: أن شَجَرَةً بالهند تُخرِجُ ورقًا تُقرأ لا إله إلا اللَّه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه. ورُؤىَ عَلَى ساقِ سُفيان الثَّوريِّ لمَّا ماتَ عروق مُشبكة تقرأ: حَسَبْيَ اللَّه ونِعْمَ الوَكِيْلُ. وحدَّث خِيْثَمَةَ بْن حيدرة أن سُفيان الثَّوري كَانَ بين أصابعه رقعة مكتوبٌ فيها يا سُفْيَان أُذر مقام ربِّك غدًا لا تفارقه. حَدَّثَنَا ابْنُ عُقدة بِسَنَدِه، عنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد ﵇ قَالَ: «عَلَى جِناح كلّ هُدهدٍ مكتوبٌ بالسِّريانية: «آلُ مُحَمَّدٍ خيرُ البَرِيَّة». وحدَّثني أَحْمَد، عنْ عليّ، عنْ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ حَدَّثَنِي هُشيم، عنْ مُغِيرَة، عنْ مُجاهدٍ «ونِحَاسٍ فَلَا تَنْتَصِرَان» بكسر النون. وقرأ بعضُهم: «ونُحِسُّ فلا تنتصران» أي: نستأصل شأفتكم من قوله ﴿إذ تَحُسُّوْنَهُمْ﴾. وقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرٍ: «ونُحاسٍ» عطفًا عَلَى: ﴿مِنْ نَارٍ﴾. وقرأ الباقون: «وَنُحَاسٌ» بالرَّفع عطفًا عَلَى ﴿شُوَاْظٍ﴾. وقولُه تَعَالى: ﴿لمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾. قرأ الكِسَائِيُّ وحده: «لم يطمُثهن» بالضم. وقرأ الباقون بالكسرِ، وهما لُغتان طَمَثَ يَطْمِثُ ويطمُثُ مثل عَكَفَ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ، ومعناه: لم يَمْسَسْهُنَّ قبلهم إنسٌ ولا جانٌ. تَقُولُ العربُ: ما طمثَ هَذِهِ

стр. 426

النَّاقة جملٌ قطُّ، وما قرأت سَلًا قَطُّ؛ أي: لم تَضُمَّ فِي بطنها ولدًَا قَطُّ. وقيل: «لَمْ يَطْمِثْهُنَّ» أي: لم يَفْتَضُّهُنَّ إنسٌ قَبْلَهُمْ ولا جانٌّ فِي هَذِهِ الآية دليلٌ عَلَى أنَّ الجن تَنْكِحُ. وقرأ الْحَسَنُ: «ولا جَأنٌّ» بالهمزِ وَقَدْ ذكرتُ علته فِي «ولا الضّألين». قَالَ ابنُ خَالَوَيْهِ - فِي قولِه تَعَالى - ﴿إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون﴾ قَالَ فِي استماعِ الألحانِ وافتضاض الَأبكارِ. والعربُ تَقُولُ: مَسَّ زيدٌ المرأةَ، وما مَسَّا، وسأَرَهَا، ونكحها، ودحمها، وطمثها، ومَسَحَها، وخَجاها، وحشاها، وعَسَلها، وعاسّها، ورَطَمَهَا، وفَشّلها، وفطأها، وجلحها، وخالطها، ودسها، وكاسمها، ومغسها، وزعبها، ورعبها أيضًُا، وشطبها، وتفشها، وطفشها، وزخها، وكلُّ ذَلِكَ إذا جامعها ويُقال للمَرأة المزَخَّةُ وينشد: لا خَيْرَ فِي الشَّيْخِ إذا ما أجْلَخَّا ... وَدَرَدَتْ أَسْنَانُهُ وكَخَّا وَسالَ غَرْبُ عَيْنِهِ فَلَخَّا ... واَنْثَنت الرِّجْلُ فَصَاْرَت فَخَّا وَعَادَ وَصلْ الغَانِيَات أَخَّا ... وَكَاْنَ أَكْلًا دَائِمًا وشَخَّا بِينَ وُرَاقِ البَيتِ يَغْشَى الدَّخّا ... وَمَالَ مِنْهُ أَيْرُهُ واسْتَرْخَى فَعِنْدَ ذَاكَ لا يُرِيْد زَخَّا والزَخُّ - فِي غير هَذَا الموضع - الدَّفْعُ، وجاءَ فِي الحديثِ: «عَلَيْكُمْ بِتِلَاْوةِ القُرآن والعَمَلَ بما فِيهِ. فإنّ مَنْ تَبعَ القُرآن هَجَمَ بِهِ عَلَى رياضِ الجَنَّةِ، ومن تَبِعَهُ القُرآن زُخّ فِي قَفَاْهُ حتَّى يُدْخِلَهُ النَّارَ» يُقال: زَخَّه يَزُخُّهُ: إذا دَفَعَهُ، ودَعَّهُ بمعنًى واحدٍ ودَخَّه يَدُخُّهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَدْ رُويَ عنْ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَرََأَ: «مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ» وعن عاصِمٍ الجَحْدَرِيّ كذلك، فمن قرأ بهذه

стр. 427

القراءَةِ وجبَ أن لا يصرف؛ لأنَّه جمعٌ بعدَ ألفِهِ أكثرُ من حرفٍ مثل مَسَاجِدَ ومَحَارِيبَ، والذي حَدَّثَنَا بِهِ لَيس بِذَاك فلا أَدري أغَلِطَ الرّاوي، أم أَتى بِهِ عَلَى الَأصل؟ وليس ذَلِكَ مثل قولِه تَعَالى: ﴿قَوَاْرِيْرَا قَوَاْرِيْرَا﴾ لأنَّ ذَلِكَ رأسُ آيةٍ فاعرف الفرق بينهما. وقولُه تَعَالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. قرأ ابْنُ عامرٍ: «ذو الجَلالِ» بالرَّفع نعتًا للاسم وكذلك فِي مَصاحفِ أهلِ الشَّامِ. وقرأ الباقون: «ذِي الجَلالِ» بالياءِ نعتٌ للرَّبِّ .

стр. 428

ومن سورة الواقعة قولُه تَعَالى: ﴿إذا وَقَعَتِ الوَاقِعَةُ﴾. يعني القِيامة: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. اتَّفق القراء السبّعة عَلَى رفعها، وإنما ذكرتُهُ لأنَّ أبا مُحَمَّدٍ اليَزِيدي خالف أبا عَمْرٍو فنَصبها على الحال ﴿خافضة رافعة﴾ ومعنى رافعة أي: رافعةً أهلَ الجَنَّةِ إلى عِلِّيين. وخافِضَةً أهلَ النارِ إلى أسفلِ السَّافلين. وحدثني ابن مجاهد، عن محمد بن هارون، عنْ الفَرَّاء، قَالَ: «كاذبةً» مصدر، وإنما أَتَتْ عَلَى فاعلة نحو عافية. وقولُه تَعَالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾. قرأ حمزةٌ والكِسَائيُّ: «وَحُوْرٍ عِيْنٍ» بالخَفْضِ نَسَقًا عَلَى «بَأَكْوَابٍ» والأَكوابُ: الأباريقُ التي لا خراطيمَ لها. والمُخلدون مسورون. مقرطون، وقيل: مخلَّدون لا يشيبون، يقال: رجلٌ مخلدٌ: إذا بَقِيَ زَمانًا أَسودَ اللّحْيَةِ، ولا يشيبَ والمَعين: الخَمرُ الجارِي. وقرأ الباقون: «وحُورٌ عِينٌ» بالرَّفْعِ. وحجَّتهم: أنَّ الحُور لا يطافُ وإنما يُطاف بالخمرِ. فرفعوا عَلَى تقدير: يُطاف عليهم ولدانٌ مخلدون بأكوابٍ وأباريقُ ولهم مَعَ ذَلِكَ حورٌ عينٌ. وفي حرفِ أُبيِّ: «وحُورًا عِيْنًا» بهِنّ بالنَّصب عَلَى تقدير أعطاهم مَعَ ذَلِكَ حُورًا عِينًا، والحور حَوْرَاءَ والعِيْن: جمعُ عَينَاءَ، وهي الواسعةُ العَيْنين، والحَوَرُ فِي العَين: شدة بياضِ المُقلةِ مَعَ شدَةِ سوادِ الحَدَقَةِ. فإن قيل لَكَ: لِمَ ضَممت الحاءَ فِي «حُور» وكسرت العين فِي «عِين». فقُل: إنَّما كَسروا العَين لتصحَّ الياءَ، كما قيل، أبيَضُ وبِيْضٌ و ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ومثله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ والأصلُ: أَيْدِيٌ، فَقَلَبُوا من الضَّمةِ كسرةً لئلا تَصيرَ الياءُ واوًا. ومن العَربِ مَنْ يَقُوْلُ: حِيرٌ عِيْنٌ عَلَى الِإتباعِ، وينشد: أزمان عَيناء سرور المسرور ... عَيناء حَوراء من العِين الحِيْر

стр. 429

وقولُه تَعَالى: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾. قرأ الكِسَائِيُّ وابنُ عامرٍ: «عُرُبًا» بضمتين وهو الَأصلُ؛ لأنَّه جمعُ عَروبٍ، وفعولٍ، وفعولٌ يُجمع عَلَى فُعُلٍ، كقولك: صبور وصبور، ورَسُوْلٌ ورسلٌ، وعزوبٌ وعُزُبٌ. وقرأ حَمزةَ: «عُرْبًا» ساكِنَةَ الرَّاء تَخفيفًا، كما تَقُولُ رُسْلٌ فِي مَن خفَّفَ. والباقون اختُلف عَنْهُمْ، وأبو بكرٍ، عنْ عاصمٍ مثل حمزة، وحفص مثل ابْنُ كثيرٍ، وقالون، عنْ نافعٍ مثل حَفْص، وإسماعيل مثل حمزة، واليَزِيْدِيُّ، عنْ أَبِي عَمْرٍو يثَقِّل، وشُجاع عنْ أَبِي عَمرٍو يُخفف. ومعنى امْرَأَة عَروب: هِيَ المُتغنّجة المتعشقة لَزوجها، والعَرَبَةُ: النَّفس، تَقُولُ العربُ: أصبحتُ طيَّبَ العَرَبَةٍ. وقولُه: «أترابًا» أي: أقرانًا. حَدَّثَنِي ابنُ عُبَيْدٍ الحافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن زُهَيْر، عنْ مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل، عنْ حَمَّاد بْن سَلَمة، عنْ عليّ بْن يزيد، عنْ سَعِيد بْن المسيب، أن النَّبيّ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِيْنَ عَلَى بدء خلق آدم ثلاث وثلاثون في سبعين باع» وفي غير هَذَا الحديث «أبناءَ ثلاثٍ وثَلاثِيْن سنةً عَلَى خَلْقِ آدمَ سبعينَ باعًا فِي سبع أَذْرُعٍ». وحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عَرَفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحيى القسطاني، قَالَ: حَدَّثَنَا مُبارك الطَّبري، عنْ الْحَسَن البَصري فِي قولُه تَعَالى: ﴿عُرُبًا أَترَابًا﴾ قَالَ: العَرُوبُ: المتعشقة لزوجها وقال أَبُو عُبَيْدَةَ: العَرُوْبُ الحَسَنَةُ التَبَعُّلِ، وأَنشدَ: وفِي الحُدُوجَ عَروبٌ غيرُ فَاحِشَةٍ ... زَبَّاءُ خَوْدٌ يُغَشِّى دونها البصر وقوله تعالى: ﴿يقولون أإذا﴾ ...... ﴿أإنا﴾. قرأ ابن عامر: «أإذا ....... أإنا» بهمزتين أيَضًا خلافَ ما قرأ فِي سائرِ القرآنِ، ولم يَجمع بين استفهامية ابنُ عامرٍ إلا فِي هَذَا الموضع. وقرأ الباقون عَلَى ما أملينا. وقولُه تَعَالى: ﴿شُرْبَ الهِيمِ﴾. قرأ عاصمٌ وحمزةُ ونافعٌ: «شُرْبَ» بالضَمِّ. وقرأ الباقون بالفَتح، وهما لغتان. وحكى الكِسَائِيّ لغةٌ ثالثةٌ: «شِرْب» بالكسرِ، وقال: الشُّرب والشِّرب والشَّرب لُغاتٌ.

стр. 430

وقال آخرون: الشَّربُ: الاسمُ، والشُّرب: المَصدرُ، والشَّرب أيضًا بالفتح: جمعُ شاربٍ مثل تاجرٍ وتَجرٍ، واحتج مَن فَتَحَ بالخبرِ: «إنَّها أيامٌ أكلٍ وشَرْبٍ وبِعَال» يعني أيَّامَ التَّشريق. والبَّعالُ: المُجامعة. هكذا يُروى هَذَا الحرفُ بالفتحِ. وقال مَنْ ضَمّ: إنْ منادي رَسُولِ اللَّه ﷺ نادى إن رَسُولَ اللَّه ﷺ ، يَقُولُ: «إنها أيامُ أكلٍ وشرب ولعب» قَالُوا: فاللَّفظُ لرسولِ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، وليست اللفظ للنَّبي ﷺ فيكون حجَّةً. سمعتُ ابنَ مجاهدٍ يَقُولُ: قَالَ ابنُ جُريجٍ: قلتُ لجعفر بْن مُحَمَّد أنّ يَحيى بْن سعيدٍ الُأموي يقرأ: «شَرْبَ الهِيمِ» فَقَالَ: قَدْ أحَسَنَ، أَوْ ما بلغلك أنَّ رَسُولَ اللَّه بعث بُدَيْلَ بْن وَرْقَاءَ الخُزَاعِيَّ فَنادى: «إنَّها أيَّامُ أَكْلٍ وشَرْبٍ وبِعَالٍ». وفي غيرِ هَذَا الحَديث أنَّ عليًا هُوَ الَّذِي نادى بأمرِ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، فإذا كانَ هكذا فالاختيارُ الفَتح؛ لأنَّ لفظَ عليٍّ - كرّم اللَّه وَجْهَهُ - حُجَّةٌ، والشِّرْبُ بالكسرِ: النَّصِيْبُ ﴿لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾. وسَمِعْتُ أبا عُمَر، يَقُولُ: عنْ ثَعلب، عنْ ابْنُ الَأعرابي: شَربَ زَيْدٌ يَشْرَبُ إذا فَهِمَ، وَيُقَال: اِحلب ثُمَّ اشرب، أي: اكتُب ثُمَّ افهم ومعنى «شُرْبَ الهِيْمِ» جمعُ جَمَلٍ أَهْيَمٍ، وناقةٌ هِيْمَاءَ والجمع هِيم، وهي العِطاش مثل أَبيض، وبَيضاء، والجمعُ بيضٌ. وحدَّثني ابن مجاهد، عن السمري، عن الفراء، قال: الهِيْمُ: السِّهْلَةُ من الرَّمْلِ بكسرِ السّين، وذَلِكَ أنَّها تَشْرَبُ الماءَ كلَّه. وقولُه تَعَالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾. قرأ أَبُو عَمْرٍو فِي رواية الْعَبَّاس: «هَذَا نُزْلُهُمْ» بجزم الزَّاي، والنُّزُلُ، والنُّزْلُ كالرُّعْبُ، والرُّعْبُ، والسَّحُقُ، والسُّحْقُ وجمعه إنزال، وَيُقَالُ مكانٌ نُزُلٌ: إذا وَقَعَ عَلَيْهِ المَطَرُ سال سريعًا لانحداره. ورجلٌ نُزُلٌ: إذا كَانَ خفيفًا أحمقَ. ويُقال: رَجُلٌ نُزُلٌ أيضًا: إذا كانت الضِّيفان تَنْزِلُ بِهِ، وهذا طعامٌ لَهُ نَزَلٌ بالفتح أي: لَهُ رَيْعٌ ونَماءٌ، و «يَومَ الدِّيْنِ» يعني: يومَ الجَزَاءِ والحِسَابِ، وذلك أن الضَّيفَ إذا نَزَلَ بالرَّجُلِ الكريمِ فما يُطعمه فهو نُزُلُهُ. فَجَعَلَ اللَّه تَعَالى نُزلَ الكافر يوم الحساب. جزاء ظلًّا من يَحموم وسمومًا، وحميمًا لا باردًا ولا كريما. ومن كان نزله ها فلا نُزُلَ لَهُ.

стр. 431

وقولُه تَعَالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾. قرأَ ابنُ كثيرٍ وحده: «نَحْنُ قَدَرْنَا» خَفِيْفَةً. وقرأ الباقون: «قَدَّرْنَا» مُشَدَّدًا، وهُما لُغَتَانِ قَدَرْتُ وقَدَّرْتُ، وقد ذكرت الفرق فيما سَلَفَ. وقولُه تَعَالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ﴾. أي: لو أردنا أن نخلقَ خلقًا غيرَكُم لم يَسبقنا سابقة ولا يفوتنا ذَلِكَ ونُنْشِئَكُمْ فيما لا تعلمون، أي: أردنا أن نجعل منكم القِرَدَةَ والخَنازِيرَ، ولم يَفُتْنَا ذَلِكَ، ولا يَسبقنا سابقٌ. وقولُه تَعَالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾. قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «مَوقِعِ» موقع عَلَى التَّوحيد. وقرأ الباقون بالجمع، وهو الاختيار؛ لأن مواقع النجوم هاهنا يعني بها ونُجوم القُرآن ونُزلها من السَّماء الدنيا على محمد ﷺ وكان ينزل نجومًا. قولُه تَعَالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أنكم تكذبون﴾. والباقون: «تُكَذِّبُوْنَ» مشدًّدا ومعناه: إنَّ اللَّه تَعَالى كَانَ إذا أغاثهم ومطرهم وكثر خِصبهم نَسبوا ذَلِكَ المَطَرُ إلى الأنواء من النُّجوم فيقولون: مطرنا بنوء المحدج ونوء السماكين، ونحو ذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: شُكرَ رِزْقِكُمْ. حَدَّثَنَا الشَّيخان الصَّالحان عَبْدُ الرَّحْمَنُ السَرَّاجُ وابنُ مُخْلِدٍ العَطَّارُ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن يزيد، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عُيينة، عنْ عَمْرو بْن عتاب بْن جُبَيْر، عنْ أَبِي سَعِيد الخُدري، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «لو أَمسك اللَّه القَطْرَ عن الناس سبع سنين ثم أمطر عليهم لَأصبحت طائفةٌ منهم بْه كافرين يقولون: «مُطِرْنا بنوءِ المحدج». وقَرأ عليٌّ ﵁: «وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أنَّكُمْ تُكَذِّبُوْنَ.»

стр. 432

سورة الحديد قولُه تَعَالى: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾. قرأ أَبُو عَمْرٍو وحده: «وَقَدْ أُخِذَ مِيْثَاقُكُمْ» بالرَّفع ما لم يُسمَّ فاعِلُه. والباقون: «أَخَذَ مِيْثَاقَكُمْ» بالنَّصب. وأخذُ الميثاق عَلَى العِباد قبل تَوجيهِ الرُّسل هُوَ أنَّ اللَّه تَعَالى أَخرج الذُّرية من صُلبِ آدمَ ﵇، فَقَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فأَجابوه بعقلٍ رَكَّبه فِيهم ﴿قَالُوا بلى﴾. وقوله تعالى: «وَكُلُّ» بالرَّفعِ جعله ابتداءً وعدّى الفعل إلى ضميرٍ، والتَّقدير: وكلٌّ وعدَه اللهُ، كما قَالَ الرّاجز: قَدْ أَصْبَحَتْ أمُّ الخِيَارِ تَدَّعِي ... عَلَيَّ ذَنْبًا كُلَّهُ لَمْ أَصْنَعِ أراد: لم أَصنَعْهُ. فَخَزَلَ الهاءَ. والباقون: «وكلًّا» بالنَّصب: مفعولٌ، لأنَّ قولك كلًّا وعدتُ، ووعدتُ كلًّا، وضربتُ زيدًا، وزيدا سواءٌ فاستعمال اللّفظ أَحرى من اتباعِ المُضمرات، والمَعاني. وقولُه تَعَالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾. قرأ ابْنُ كثير وابن عامرٍ «فَيُضَعِّفَهُ» بغير ألفٍ غير أن ابْنُ كثير يرفع وابن عامرِ ينصب. وقرأ الباقون «فَيُضَاعِفَهُ» بألفٍ. وَقَدْ ذكرتُ علَّة ذَلِكَ فِي البقرة. وقولُه تَعَالى: ﴿لِلَّذِيْنَ آمَنُواْ انْظُرُونَا﴾. قرأ حمزة وحده: «أَنْظِرُونَا» بقطعِ الألفِ وفَتحِها. وقرأ الباقون بوصلِ الألفِ، فمعنى قراءةِ حمزةَ: أَمْهِلُونا أَخرونا، قَالَ الشَّاعِر: أبَا هِنْدٍ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْنَا ... وَأنَظِرْنَا نُخَبِّرْكَ اليَقِينَا والباقون جعلوه من الانتظار كقولِهِ: «غَيرَ نَاظِرِيْنَ» ويُقال نَظَرْتُهُ معنى انْتَظَرْتُهُ. ونظرتُ إِلَيْه بعيني. وَقَدْ جاء: نظرته بعيني. وهذا حرفٌ غريبٌ، قَالَ فُضالة بْن عَبْد اللَّه الغَنًَوِيُّ: خَرجتْ سَوَاسِيةً مساوٍ أمُّها ... خلوًا تَطِيرُ كَمَا تَطِيرُ السَّوذَقُ فأبيتُ أنظرها فما أَبْصرَتْهَا ... مِما ترفَّعُ فِي السَّرَابِ وتَفْرَقُ أراد أبصرها، وفي هَذَا البيتِ شاهدٌ آخرُ، أنَّ السَّواسيةَ المُستوياتُ فِي الخيرِ ردًا

стр. 433

عَلَى من قَالَ: إنَّ السَّواسيةَ المُستوون فِي الشَرِّ. وقولُه تَعَالى: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقَ﴾. قرأ نافعٌ وحفصٌ عنْ عاصم: «وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ» مخففًا. وقرأ الباقون: «وَمَا نَزَّلَ» مشدّدًا وهو الاختيارُ، لأنَّ فِي حرف عبدِ الله «وَمَا نزل مِنَ الحَقِّ» بالضَّمِّ والتَّشديدِ عَلَى ما لم يُسم فاعله. وقولُه تَعَالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ فِي روايةِ أبي بكر مخففةَ الصَّادِ. وقرأ الباقون مشددا في الحرفين جميعا أرادوا: «المتصدقين» التاء في الصاد فالتشديد من أجل ذَلِكَ، وليس فِي تشديد الدَّالِ اختلافٌ؛ لأنَّه عَلَى وزن تَفَعَّل تَصَدَّقَ مثل تَكَبَّرَ، وتَجَبَّرَ، ومَنْ خَفَّفَ حَذَفَ التَّاءَ اختصارًا. وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾. قرأ أَبُو عَمْرٍو: «بِمآ أتَاكُمْ» قصرًا، أي: جاءَكُم. وقرأ الباقون: «ءاتاكم» ممدودًا، أي: أعطاكم. وقولُه تَعَالى: ﴿فإنَّ اللَّه هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيْدُ﴾. قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ: «فإنَّ اللَّه الغَنِيُّ الحَمِيْدُ» بغيرِ هُوَ، وكذلك فِي مَصاحفهم. وقرأ الباقون بزيادة: «هُوَ» وكذلك فِي مصاحف أهلِ الكوفةِ، فمن أسقط جعل «الغَنِيُّ» خبر إن. و «الحميدُ» نعته، ومن زاد «هُوَ» فله مذهبان فِي النحو: أحدُهما: أن تجعل «هُوَ» عمادًا أَوْ فاصلةً زائدةً. والمَذهبُ الثَّاني: أن يجعل «هُوَ» ابتداء و «الغنيُّ» خبره وتكون الجملةُ فِي موضع خبر «إن» ومثله ﴿إنَّ شَاْنِئِكَ هُوَ الَأبْتَرُ﴾ و ﴿أَنَّهُ هُوَ ربُّ الشِّعْرَى﴾ فكلَّما وَرَدَ عليك فِي التَّنزيل فهذا إعرابه. وقولُه تَعَالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيةٌ﴾. قرأ ابنُ عامرٍ وحده: «لا تُؤخَذُ» بالتاء. والباقون بالياءِ. فمَن ذَكَّرَ قَالَ: تأنيثُ غيرُ حَقِيْقِيّ. ومَنْ أنَّث ردَّه عَلَى اللَّفْظِ. وحدَّثني أحمد، عنْ عليّ، عن أبي عبيد أن أبا جعفر قرأ «تُؤْخَذُ» بالتاء. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: اختياري الياءَ لكثرةِ القراءة بها، لِإيْثَارِنَا للتذكير فِي جميع القرآن.

стр. 434

ومن سورة المُجادلة قَالَ أَبو عبدِ اللَّه: إنَّما سُمِّيت المُجادَلَةَ لقوله تَعَالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ وفي حرفِ ابنِ مَسعُودٍ: «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُحَاوِرُكَ» بالحاء. وكانت هَذِهِ المرأة خَولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصَّامت الْأَنْصَارِيّ قَالَ لها: إن لم أَفعل كَذَا وكَذَا قبل أن تَخرجي من بَيْتِكِ فأنت علي كظهر أمي، فأتَت خولةُ رَسُولَ اللَّه ﷺ تَشكو إِلَيْه، فَقَالَت: إنّ أوسَ بْن الصّامت تزوَّجني شابّةً غَنِيَّةً، ثُمَّ قَالَ لي: كذا وكذا، وَقَدْ نَدِمَ فهل من عُذْرٍ، قال رسول الله ﷺ : ما عِندي فِي أمرك شيءٌ. فأنزَلَ اللَّه تَعَالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾. وحدَّثني ابنُ مُجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيّ، عنْ الفَرَّاءِ، قَالَ: قَرَأ عبدُ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ «قَدْ يَسْمَعُ اللَّه قَوْلَ الَّتِي» ومعنى المضارع هاهنا الحالُ، كأنَّ اللَّه أَنزل هَذَا وهي تحاوِرُهُ. وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر النَّيْسَابُوْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حَرب الطَّائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعاوية، عنْ الْأَعْمَش، عنْ تَميم بْن سَلَمَة، عنْ عُروة، عنْ عائِشة، قَالَتْ: الحمدُ لله الَّذِي وسع الَأصواتَ، ولقد جاءَت المُجادلة إلى النَّبيّ ﵇ تُكَلِّمُهُ وأنا في ناحيةِ البَيتِ ما أسمعُ ما تقولُ، فأنزلَ اللَّه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾. ... الآية. وقولُه تَعَالى: ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾. روى المُفضل، عنْ عاصمٍ: «مَّا هُنَّ أُمَّهَاتُهِمْ» برفع التاء؛ وذلك أنَّ بني تَميمٍ لا يُعلمون «ما» فيرفعون ما بعده بالابتداءِ والخبرِ فيقولون: ما زيدٌ قائمٌ. وأهلُ الحِجاز ينصبون خبرَ «ما» فيقولون: ما زيدٌ قائمًا، وبذلك نَزَلَ القُرآن «مَا هَذَا بَشَرًا» فمن كَسَرَ التَّاءَ فِي «مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ» وهي قراءةُ الباقين فموضعها نصبٌ، وكسرت التاءُ لأنَّها غيرُ أصليةٍ ف «ما» حرفُ جحدٍ و «هُنَّ» رفعٌ اسمُ «ما» أُمَّهاتِهِمْ نصبٌ خبره. ولَيس فِي القُرآن خبرُ «ما» منصوبًا إلا فِي هذين المَوضعين. وقولُه تَعَالى: ﴿والَّذِيِْنَ يُظَاهِرُوْنَ﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وأَبو عَمْرٍو: ««يُظَّهِّرُوْنَ» مشدد الظاءُ والهاءُ بغير ألف.

стр. 435

وقرأ عاصمٌ: «يُظَاهِرُوْنَ» مثل يقاتلون. وقرأ الباقون: «يَظَّاهِرُوْنَ» بفتح الياء، وتشديد الظاء. وَقَدْ ذكرتُ علّة ذَلِكَ فِي الأحزاب، وفيه ستُّ قراءاتٍ قَدْ أَثبتها هناك. وقولُه تَعَالى: ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. قرأ حمزةَ: «ويَنْتَجُوْنَ» بغيرِ ألفٍ عَلَى يَفْتَعِلُوْنَ. والأصلُ: يَنْتَجِيُوْنَ، لأنَّ لامَ الفعلِ ياءٌ، من ناجَيْتُ فاستثقلوا الضَمَّةَ عَلَى الياءِ فحركوها وحذفت لسكونِها وسكونِ الواوِ. وقرأ الباقون: «يَتَنَاجَوْنَ» عَلَى يتفاعلون؛ لأن التَّفاعل لا يكون إلا من اثنين فصاعدًا فكذلك المُناجاة بينَ الجماعة والمُفاعلة بين اثنين. وقرأ حمزةُ مثله؛ لأنَّ العربَ تقولُ: اخَتَصمُواْ يَخْتَصِمُونَ وتَخَاصَمُوا يَتَخَاصَمُوْنَ، وكذلك انْتَجَوا وَتَنَاجَوا بمعنًى إلا أن الاختيار عند أولئك صارَ الألفَ، لأنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ صح عَنْهُ «لا يَتَنَاجَى اثنَانِ دونَ الثَّالِثُ»، وَيُقَال: نَاجَيْتُ زيدًا مُناجاة ونَجًا ونَجْوًى. والنَّجوى أيضًا: الجَماعة، قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿وإذْ هُمْ نَجْوَى﴾ وحجَّةُ قولُ النَّبيّ ﷺ : «ما أَنا انْتَجَيْتُهُ ولكنَّ اللَّه انْتَجَاهُ» يعني عليًّا ﵁. وقولُه تَعَالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾. قَرَأَ عاصمٌ وحدَه: «فِي المَجَالِسِ» جعلَه عامًّا، أي: إذا قيلَ لَكُم تَوَسَّعواُ فِي المَجالس، مجالسِ العلمِ والعُلماء فتَفَسَّحُوا، ومثل حديث رسول الله ﷺ : «لا يُقِيَمَنَّ أَحدُكُمْ أَخاه مِن مَجلِسِهِ فَيجلسَ فِيهِ ولكنْ تَوَسَّعُوا وتَفَسَّحُواْ». وقرأ الباقون: «فِي المَجْلِسِ» عَلَى التَّوحيد مجلس رَسُول اللَّهِ ﷺ خاصةً. واتَّفقَ القُراءُ عَلَى: «تفسحوا» إلا الحسن فإنه قرأ «تفاسحوا». وقولُه تَعَالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا﴾. قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وحفصٌ، عنْ عاصمٍ والأعشى، عنْ أَبِي بكرٍ، عنْ عاصمٍ بضمَّةِ الشِّين ﴿انشزُوا فانشُزوا﴾. والباقون بالكسر إلَّا عاصمًا فإنه اختلف عنه.

стр. 436

وحدَّثني ابنُ مجاهدٍ قَالَ: قَالَ يَحيى بْن آدم، عنْ أَبِي بكرٍ لم أَحفظ هَذَا الحَرفَ، عنْ عاصمٍ، فسألتُ الْأَعْمَش، فَقَالَ: «انشِزوا فانشِزُوا» بالكَسر. وقال النَّحويُّون: هما لُغتان نَشَزَ يَنْشُزُ ويَنْشِزُ مثل عَكَفَ يَعْكُفُ ويَعْكِفُ، وعَرَشَ يعرش، وَيُقَال: نَشَزَ: تحرّك، وأنشزَ: إذا أنشزه غيره والنَّشْزُ، والنَّشَزُ: ما ارتفعَ من الأرضِ، وَيُقَال: نَشَزَت المرأةُ عَلَى زَوجها، ونَشَعَتْ، ونَشَنَتْ: إذا فَرَكَتْهُ. وقولُه تَعَالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾. روى المُفضل، عنْ عاصمٍ: «كُتِبَ فِي قُلُوبِهِمُ الِإيمَانِ» عَلَى ما لم يُسمَّ فاعله. والباقون: «كَتَبَ» عَلَى تقدير: كَتَبَ اللَّه فِي قلوبِهِمْ الِإيمان وأَيَّدَهُمْ أي: قوَّاهم ولو كَانَ كُتِبَ لقال: أُيِّدُوا. قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ: «أَنَا وَرُسُلِيْ» بفتحِ الياءِ. والباقون يُسكِّنُونَ الياء.

стр. 437

ومن سورة الحشر قولُه تَعَالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ﴾. قرأَ أَبو عمرٍو وحدَه مشدَّدًا. والباقون مُخفَّفًا. والأمر بينهما قريبٌ، لأنَّ فعلت وأفعلت بمعنًى واحدٍ كقولك: أكرمت وكرَّمت وأخربت وخرَّبت، وَيُقَال: أخربت المكانَ: إذا خرجت مِنْهُ، وتركته وإن كَانَ صحيحًا، وخرَّبته: إذا هدَّمته، والاختيار أن يُحمل عَلَى الهَدْمِ؛ لأنَّ المسلمين لَمَّا أحاطوا ببني النَّضير جعلوا ينقبون عليهم ويخربون دِيَارَهم وجعلوا هُم أيضا ينقبون دورهم ليفروا، فذلك قولُه: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقولُه تَعَالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾. قرأ ابنُ عامرٍ وحده برواية هشامٍ: «كَيْلَا تَكُونَ دُولَةً» بالتاءِ. ورُوي عَنْهُ «يَكون» بالياءِ، و «دُولَةٌ» بالرَّفعِ. والباقون بالياءِ والنّصب. وقولُه تَعَالى: ﴿أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ﴾. قَرَأَ ابنُ كَثِيْرٍ، وأَبو عَمْرٍو: «جِدَارٍ» عَلَى التَّوحيد. وقرأ الباقون: «جُدُرٍ» عَلَى الجمع، مثل ثمار وثُمُرٍ، ومن وحد قَالُوا: جدار ينوب عنْ الجماعة. قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِيِْنَ لَمْ يَظْهَرُواْ﴾. قَالَ ابْنُ خالوية: حَدَّثَنَا ابنُ مجاهدٍ، عنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن حَمَّاد، أَخبرنا يَحيى، عنْ وهيبٍ، قَالَ: قَالَ: هارُون فِي قراءةِ ابنِ كَثيرٍ: «أَوْ مِنْ وَرَاءِ جَدُرٍ» مفتوحةَ الجيمِ مقصورةً.

стр. 438

ومن سُورة المُمْتَحِنَة قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه إنما سُميت هَذِهِ السُّورة باسم المرأة التي كانت مُهاجرة إلى رَسُولِ اللَّه ﷺ من نساء الكُفَّارِ وتَدع زَوجها، فَقَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿فامْتَحِنُوْهُنَّ﴾ لئلا تكون فارقت زَوجها عنْ تَقَالٍ، وإنَّما هاجرت ابتغاءَ الِإسلامِ فكان الرَّسُولُ ﷺ يبايعهن عَلَى أن لا يشركنَ بالله شيئًا، ولا يَسرقن ولا يزَنين، ولا يَقتلن أَولادهن، يعني الموءودة، ولا يأتين بِبُهْتَانٍ يعني: أن تَزني المَرأة فتأتي بولدٍ من غير زَوجها فتنسبه إلى الزَّوج فذلك قولُه تَعَالى: ﴿يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ وكانت هندُ أَتَتْ النَّبيّ ﷺ ، - فلما أراد النَّبيُّ ﷺ أن يُبايِعَها قَالَ لها: أُبايعكِ على أن لا تزني، قالت: وهل تَزنى الحُرَّةُ؟ قَالَ: ولا تَسرقي، قَالَتْ: إلا من مالِ أَبِي سُفيان، قَالَ: ولا تَقتلي أولادَكِ، قَالَتْ: إنْ لم تَقتلهم أنت، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، وكان الحُكم فِي الممتحنة إذا جاءَت مسلمةً أن يَتَزَوَّجها المُسلمُ بغيرِ عِدَّةٍ، ولا تَرجِعُ إلى الكُفَّارِ لا تَحِلّ لَهُ ولا يَحِلُّ لها، ولكنْ يردُّ عَلَيْهِ مَهره. وقولُه تَعَالى: ﴿يَفْصِلُ بَينَكُمْ﴾. قَرَأَ عاصمٌ: «يَفْصِلُ» مثل يَضْرِبُ أي: اللَّه يفصل بينكم وحجَّتُهُ ﴿وَهْوَ خَيرُ الفَاصِلِينَ﴾. وقرأ حَمزةُ والكِسَائِيُّ: «يُفَصِّلُ» بالتَّشديد وكسر الصَّادِ مثل يُكَلِّمُ، لأنَّه شيءٌ بعدَ شيءٍ، وحجَّتُهُما ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الَأيَاتِ﴾. وقرأ ابنُ عامرٍ: «يُفَصِّلُ» مشدّدًا عَلَى ما لم يُسم فاعله مثل يُكَرَّمُ. وقرأ الباقون: «يُفْصَلُ»» عَلَى ما لم يُسم فاعله وتَسكين الفاء مثل يُكْرَمُ. فهذه أربعةُ أوجهٍ، والأمر بينهن قريبٌ. وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ﴾. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وحدَه: «وَلَا تُمَسِّكُواْ» مشدّدًا. وقرأ الباقون مُخففًا. وَقَدْ ذكرتُ علته فِي الَأعراف وإنّما أَعدت ذكره لأن ابن مجاهد حدثني عن السمري، عن الفَرَّاء، قَالَ قَرَأَ الْحَسَنُ: «وَلَا تَمْسِكُواْ بِعِصَمِ»

стр. 439

الكَوَافِرِ» بفتحِ التاءِ يريد: تَتَمَسَّكُواْ فَخَزَلَ تاءً، و «عِصَمِ الكَوَاْفِرِ» يعني: أن المُمتحنة إذا جاءَت مهاجرةً فقد انْقَطَعَتْ العِصْمَةُ بينها وبين زَوجِهَا. وقولُه تَعَالى: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. قَرَأَ عاصمٌ وحده بضمِّ الهَمزةِ. والباقون: «أسوة» وَقَدْ ذكرت علته فِي الأحزاب. وحدَّثني ابنُ مجاهدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الحَنَّاطُ، عنْ الحُلْوَانِيّ، عنْ شَبَابٍ، عنْ أَحْمَد بْن مُوسَى، عنْ أَبِي عمرٍو «إنَّا برآء» بمد وبهمزتين بينهما ألفٌ. قَالَ ابنُ خالويه: وكذلك قرأ الباقون، وهو جمع بريء مثل ظَريفٍ وظُرَفَاءَ، فأمَّا قولُه: «إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ» فإنه مصدر ولا يُثنى ولا يُجمع. والبَراءُ: آخرُ ليلةِ فِي الشهرِ كلُّ ذَلِكَ ممدودٌ، وكذلك البَرَاءُ بْن عازبٍ من أصحاب رسول الله ﷺ . فأما البرا مقصور: الترابُ، تَقُولُ العَرَبُ إذَا دَعَواْ عَلَى رَجُلٍ: بفيه البَرَاء وحُمَّى خَيْبَرَ وشَرٌّ ما تَرَى فإنه خيسرا.

стр. 440

ومن سورة الصف قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: إنّما سُمى بقوله: ﴿فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ فالصَفُّ فِي اللُّغة مُصلى يومِ العِيْد، ويُقال لمصلى يومِ العِيْد: المُشرَّق، قَالَ أَبو ذؤيب: حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ ... بِصَفَا فِي المُشَرِّقِ كلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ الصَفُّ أيضًا: النَّاقةُ الغَزِيْرَةُ، والصَفُّ: صَفُّ الصَّلاة، وصفُّ المَلائكة ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾. حَدَّثَنَا أَبُو عُمَر، عنْ ثَعلب، عنْ ابنِ الأعَّرابيِ، قَالَ: رُوي، عنْ كَعب الَأحبار أن مُوسى الكَليم قَرَأَ فِي سفرِ من الَأسفارِ فِي صفة أمةِ مُحَمَّد ﷺ : «صفوفًا فِي القِتَالِ وفي الصَّلاة، إنْجيْلُهُمْ فِي صُدورهم، يَأكلون القُربان يحمدون الرحمن على السراء والضراء يملئون الأرضَ وأقطَارَهَا من ذكرِ اللَّه». وقال مُوسَى: اجعل هَؤُلَاءِ أمَّتي، قَالَ لَهُ الجبَّارُ: هَؤُلَاءِ أمّةُ حبيبي مُحَمَّدٍ ﷺ . وقولُه تَعَالى: ﴿مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. قَرَأَ حمزة والكسائي وابن عامر وحفص، عن عاصم «من بعدي» بسكون الياءِ. والباقون يفتحون. وَقَدْ ذكرتُ علة ذَلِكَ فِي مواضع. وقال الخَليل بْن أَحْمَد: خمسةٌ من الَأنبياء ذو اسمين مُحَمَّد وأحمد، ويعقوب وإسرائيل، وعيسى والمسيح، وذو النون ويونس، وإلياس وذو الكفل. وللنَّبي ﷺ فِي التَّنزيلِ وغيره أكثرُ من مائةَ اسمٍ قَدْ أفردت لها كتابًا، وذلك نحو المَاحي، والحاشِر، والعاقِب، ونَبي الرَّحمة، ونبي المَلحمة، وعبدُ اللَّه، والمُنادي وأَحد من قولُه: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ﴾ أي: عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ الخليل بْن أَحْمَد: لَيس بين رَسُولِ اللَّه ﷺ وبين أَبِي أحدٌ اسمه أَحْمَد غير أَبِي وسَمِعْتُ أبا عِمران القاضي يَقُولُ ذَلِكَ. حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الحُكَيْمِيُّ، قَالَ: أخبرنا ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ مصعبَ الزَُبَيْريَّ يَقُولُ: أول من سمي فِي الِإسلام عبد الملك عبد الملك بن مَروان، وأول من

стр. 441

سُمي أَحْمَد فِي الِإسلام أَبُو الخَليل العَروضي. وقولُه تَعَالى: ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾. قَرَأَ ابنُ كثيرٍ وحمزةُ والكِسَائِيُّ وحفصٌ، عنْ عاصمٍ بالِإضافة من غيرِ تنوينٍ. والباقون ينونون وينصبون. وَقَدْ ذكرتُ علَّة ذَلِكَ فِي الَأنفال عند قولُه: ﴿مُوْهِنُ كَيْدِ الكَافِرِينَ﴾. وقولُه تَعَالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم﴾. قَرَأَ ابْنُ عامرٍ: «تُنَجِّيكُمْ» مُشدَّدًا من نَجَّي يُنَجّي. وقرأ الباقون مخففًا، وهما سواء. العربُ تَقُولُ: أكرم وكرّم وأَنجى ونَجَّى بمعنى واحد، وقال اللَّه تَعَالى: ﴿فَأَنْجَيناهُ﴾ وفي موضعِ آخر «فَنَجَّينَاهُ» وقال النَّحويون: جوابُ هَلْ قولُه: «يَغْفِرْ لَكُمْ» مجزومٌ، لأن جوابَ الاستفهامِ مَعَ الاستفهام شرطٌ وجزاءٌ كقولك: أَيْنَ بيتك أزرك، والتقدير: أينَ بَيْتُك إنْ تَدْلُلنِي أَزرك، وقولُه تَعَالى: ﴿تُنْجِيكُمْ﴾ رَفْعٌ، لأنَّه تَبْيِيْنٌ للتِّجارة وتَفسيرٌ لها جوابٌ، والتَّقديرُ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارةٍ من صفتها كَيت وكَيت، وهي الِإيمانُ باللهِ والجِهادُ فِي سبيله فإن فعلتم ذَلِكَ يَغفر لكم ذُنوبكم. وقولُه تَعَالى: ﴿أُنْصَارُ اللَّه﴾. قَرَأَ أهلُ الكوفِة وابنُ عامرٍ مضافًا «أَنْصَارُ اللهِ». وقرأ الباقون: «أَنْصَارًا لله» فمَن نوَّن جعله نكره، ومن أَضاف فهو معرفةٌ، وأَنصارٌ: أفعالٌ، واحدها ناصِرٌ، وفاعلٌ عَلَى أَفعالٍ قليلٌ، إنّما جاء صاحب وأصحاب، وشاهدٌ وأشهادٌ، ومعنى «مَنْ أَنْصَارِي إِلى اللَّهِ» أي: مَن أعواني فِي ذاتِ اللَّه، ومن يَنصرني عَلَى أعداءِ اللَّهِ. وحدَّثني أَبُو عُبَيْدٍ الحافظ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أبي خيثمة، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد، عنْ أسباط، عنْ السُّدِّيِّ، قَالَ: ليس اليهود اسمًا قبيحًا إنا سمُّوا بذلك حين قَالُوا: ﴿إنَّا هُدْنا إِليكَ﴾ أي: تُبْنَا وليس النَّصارى باسمٍ قبيحٍ إنما سمُّوا بذلك حين قَالَ عِيسَى ﵇: ﴿مَنْ أَنْصَارِى إلى اللَّه﴾ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: وفي غير هَذَا الحَديث إنما سمُّوا نَصَارى لأنَّهم تَسَمَّواْ إلى قَريةٍ يُقال لها: ناصِرةَ، وواحد النَّصارى نَصراني، والمرأةُ نَصرانِيَّةٌ، وقيل: الواحد نَصرىٌّ مثل رومي.

стр. 442

ومن سورة الجُمعة قَالَ ابنُ مجاهدٍ لم يختلف السَّبعة فيها. وإنما ذكرته لأن أَحْمَد بْن عبدان حَدَّثَنِي عنْ عليّ، عنْ عُبَيْدٍ أن الأعمش قرأ: «نودي للصلاة مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ» بإسكان الميم، وسائر القراء يقرءون «الجُمُعَةِ» مُثَقَّلٌ، وجَمْعُةٌ جُمُعَاتٌ، وجُمْعَاتٌ وجُمَعَاْتٌ. فإن قيل: لِمَ سُميت يوم الجُمعة؟ فقل: لاجتماعِ النَّاسِ للصلاةِ كافةً. فإن قيل: هَلْ يجوزُ أن يُسمى كلَّ يومٍ يجتمعُ الناسُ فِيهِ جمعة؟ فقل: إنَّ العربَ تختص الشيءَ باسمٍ إذا كثرت فِيهِ وتَرَدَّدَ وإن كَانَ غيره يشركه، علامةً وإمارةً وتَفضيلًا لَهُ عَلَى غيره كقولهم للعالم الفَهم فِي الدِّين: فقيهٌ، والعِلمُ بالنَّحو والطِبِّ فقهٌ أيضًا، غير أنهم خصُّوا ذَلِكَ لجلالته، وكذلك يُقال للثريا: النَّجمُ، لشهرته، وإن كَانَ كلُّ واحدٍ منهما قَدْ نَجَمَ أي: طَلَعَ. فإن قيل ذَلِكَ: قَدْ فضَّل اللَّه يومَ الجُمعة عَلَى سائرِ الأيام بأنْ خَلَقَ اللَّه تَعَالى آدم فيها وأَدخله الجَنَّة فيها، وأَخرجه من الجَنَّةِ فيها، فما فَضلُهُ عند إخراجه؟ فالجواب عه: أنه حيث أخرجه من الجنة أخرج من صلبه محمدًا ﷺ فهو أفضل الفضائل. وإنما صار أيضًا يَعظم الناس يوم الجمعة وليلة الجمعة حذار أن تفجأهم الساعة؛ لأنَّ القيامة تقومُ فِي يومَ الجُمعة، فأمَّا السَّاعةُ التي فِي الجمعة التي لا يردُّ فيها الدُّعاءُ فأجمع العلماءُ أنَّها بينَ العَصرِ والمَغربِ.

стр. 443

ومن سُورة المنافقون قولُه تَعَالى: ﴿كَأنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾. قَرَأَ ابنُ كثيرٍ برواية قُنبلٍ وأبو عَمْرٍو والكِسَائِيُّ «خُشْبٌ» مُخففًا. وقرأ الباقون: «خُشُبٌ» مثقَّلًا، ثُمَّ يجمع الخشاب عَلَى خشب، والواحد خَشَبَةٌ وتجمع الخَشَبَةُ عَلَى خشاب، ثُمَّ تجمع أيضا عَلَى خشاب وخشابًا عَلَى خشبٍ، والخشاب فِي غير هَذَا قبيلةٌ، قَالَ جريرٌ: عَدَلْتُ بِهَا طُهَيَّةَ والخِشَابَا قَالَ الفَرَّاءُ يجمع الخَشب خشابًا ثُمَّ تجمع عَلَى خُشُبٍ مثل ثِمَار وثُمُرٍ. وإن شئتَ تجمع خَشَبَةً عَلَى خُشب مثل بَدَنَةٍ وبُدُنٍ، ومن أسكنَ مالَ إلى التَّخفيفِ، يُقال: خُشْبٌ جمع خَشْباء مثل حَمْرَاءَ وحُمْرٍ ومَن أسكنَ الشّينَ فله مذهبان: أحدُهما: أن يكونَ أرادَ المُثَقَّلَ فخفَّف، كما تَقُولُ فِي رُسُل: رُسْل. والوجه الثَّاني: أنَّ العربَ تجمع فَعَلَةَ عَلَى فُعْلٍ، قَالَ اللَّه تَعَالى ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فالواحدة بَدَنَةٌ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: إنما أَجزت التّخفيفَ، لأنَّ الواحدةَ خَشْبَاءَ مثل حَمْرَاءَ، قَالَ أوسُ بْن حَجَرٍ - شاهدًا لأبي عَمرو -: كأنَّهُمُ بَيْنَ السُّمَيْطِ وَصَارَةٍ ... وجُرْثُمِ والسُّوبانِ خُشْبٌ مُصَرَّعُ والوَقف عَلَى قولِهِ: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ ثُمَّ تَبْتَدِئُ ﴿هم العدو فاحذرهم﴾. وقوله تعالى: ﴿لووا رؤسهم﴾. قَرَأَ نافعٌ وحده: «لَوَوْاْ رُءُوسَهُمْ» مخفَّفًا جعله من لَوى يَلْوِيْ والأصلُ: لَوَيواْ فحُذفت الضَّمةُ من الياءِ، فالتَقَى ساكنان الياءُ والواوُ فَحَذَفُواْ الياءَ لالتقاءِ السَّاكنين. وقرأ الباقون: «لَوَّوْاْ» مشدّدًا، ومعناه: ينغضون رءوسهم أي: يحركون، استهزاء بقراء رَسُولِ اللَّه ﷺ والمُصدر من المُخَفَّفُ: لَوَى يَلْوِيْ لَيًّا فهو لاوٍ، والأصلُ: لويًا فقَلبوا من الواوِ ياءً، وأَدغموا الياءَ فِي الياءِ، ولَوَيْتُ غَرِيْمِي أَلوِيه لَيًّا، وليانا، وينشد:

стр. 444

تظلين لياني وأنت مليئة ... فأحسن يا ذات التَّقَاضِيَا وفي حَديثِ رَسُولِ اللَّه ﷺ : «لَيُّ الوَاْجِدُ ظُلْمٌ يُحِلُّ عِرْضُهُ بِعُقَوْبَتِهِ»، فالعِرض نَفسه يحلّ للرجل لزومها والعُقوبة الحَبس. والمصدر من المُشدد لَوَّى يُلَوِّى تَلْوِيَةً وتَلْوِيًّا فهو مُلَوٍّ والأمرُ من هَذَا: لَوِّ، ومن الآخر: ألوِ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: تَقُولُ العَرَبُ مَطَلَهُ، ودَالَكَهُ، ولَواه بمعنًى واحدٍ. وقولُه تَعَالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾. وقرأ أَبو عَمرو وحدَه: «وَأَكُونَ» بالواوِ، والنَّصْبِ جَعله نَسَقًا عَلَى «فَأَصَّدَّقَ» وذلك: أن «لَولا معناه» هلَّا وجوابُ الاستفهامِ والتَّخصيص بالفاءِ يكون منصوبًا، واحتّجَّ بأن فِي حرفِ عبدِ اللَّه وأُبيّ «أَكُونَ» بالواوِ مكتوبًا. قَالَ: إنّما حذفُوا الواوَ فِي الكتابةِ كما حُذفت من كلمون، وكما حذفت الألف من سُليمان. وحدَّثني ابْنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَرَّاء، قَالَ: فِي بعض مَصاحف عبدِ اللَّه «فَقُلَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا» بغير واوٍ، وهو خَطَأٌ، والقِراءَةُ «فَقُوْلَا». وقرأ الباقون بالجَزْمِ: «وَأَكُنْ» وحذفُوا الواوَ واحتَجُّوا بأنّها كُتبت فِي مُصحفِ عُثمان الَّذِي يُقال لَهُ: الْإِمَام بغير واوٍ، فأمَّا جَزمه فبالنَّسَقِ عَلَى موضعِ الفاءِ قبل دخولها والأصلُ: هلَّا أخرتني أَصَّدَّقَ وأَكُنْ، أنشدَ: فأبلوني بَلِيَّتِكُمْ لعلِّي ... أُصَالِحَكُمْ وأَستَدْرِجْ نويا فجزم «استدرجْ» عطفًا عَلَى الموضع فِي: «أصالِحَكُمْ» قبل دخول لعلى، والأصل: فأبلوني بليْتكم أُصالِحْكُم، وأستَدْرجْ ومثلُه قولُ الآخر: مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسْنَا بِالجِبَالِ وَلَا الحَدِيدَا ولم يَختلف القُراء فِي إثبات الياء فِي «أخَّرْتَنِي» فِي وصلٍ ولا وقفٍ. وقولُه تَعَالى: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُوْنَ﴾ فِي آخر السورة. قَرَأَ عاصمٌ فِي روايةِ أَبِي بكرٍ بالياء إخبارًا عنْ غيب والباقون بالتاء أي: أنتم وهم.

стр. 445

ومن سورة التغابن قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: إنَّما سُميت هَذِهِ السُّورة بذلك لقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ ويومَ الجمعِ: يومُ القِيَامَةِ. وذلك أن أهلَ الجنَّةِ غَبنوا أهل النار، واستنقصوا عُقولَهم حينَ عبدُوا مَعَ اللهِ إلهًا آخرَ، يُقال: غُبِنَ الرجلُ فِي الشَّراءِ والبَيع غَبْنًا، وغُبِنَ الرَّجلُ رأْيه يُغْبَن غَبَنًا، فالفاعل غابِنٌ، والمفعول مغبونٌ. وقولُه تَعَالى: ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ﴾. قَرَأَ نافعٌ وابنُ عامرٍ بالنُّون. وقرأ الباقون بالياءِ. وَقَدْ ذكرتُ نحو ذَلِكَ فيما سَلَفَ، وإنما ذكرتُه لأنَّ بعده: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. فحدّثني ابنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيّ، عنْ الفَرَّاءِ، قَالَ: معناه: أنْ تَقولَ عندَ المُصِيْبَةِ ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ فتلك هي الهِدَاية. وقال آخرون: «يَهْدِ قَلْبَهُ» إذا ابتُلى صَبَرَ، وإذا أُنْعِمَ عَلَيْهِ شَكَرَ، وإذا ظُلِمَ عَلَيْهِ غَفَرَ. وروُى عنْ أَبِي بكرٍ الصِّديق ﵁ أَنَّهُ قَرَأَ: «يهدئ قَلْبُهُ» أراد يهدأ أي: يَسكن، يُقال: هدأ يهدأ، والأمر اهدأ يا هَذَا مثل اقرأ، ويُقال: طرقت فلانًا بعد ما هدأتِ الرِّجْلُ أي: بعد ما نامَ النَّاس، وأتيته قبل العُطاس أي: وقت السَّحر قبل أَن يَنْتَبِهَ النّاسُ. وقولُه تَعَالى: ﴿يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾. قَرَأَ ابنُ كثير وابن عامر: «يضعفه» مشدَّدةً بغيرِ ألفٍ. وقرأ الباقون بألفٍ. وَقَدْ ذكرتُ علّته فِي البقرة. وقولُه تَعَالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمُ﴾. فِيهِ ثلاثُ قراءات: رُوى عنْ عَبَّاس وأبي عَمْرٍو بإسكان العين. وقرأ فِي سائر الروايات باختلاس الحركة مثل «يَأمْرُكُمْ» «ويَنْصُرُكُمْ» والباقون يضمون بالإشباع.

стр. 446

ومن سورة الطلاق قولُه تَعَالى: ﴿يُدْخِلْهُ﴾. قَرَأَ نافعٌ وابنُ عامرٍ بالنون. والباقون بالياء. وقولُه تَعَالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾. قَرَأَ ابنُ كثيرٍ وحدَه: «وَكَايِنْ». والباقون «وكَأيِّنْ» وَقَدْ ذكرتُ علة ذَلِكَ فِي آل عِمران. وقولُه تَعَالى: ﴿إنَّ اللَّه بالِغُ أَمْرِهِ﴾. روى حفصٌ عاصمٍ: «بالغُ أمرِهُ» مضافًا. والباقون: «بَالِغٌ أَمْرَهُ» وَقَدْ ذكرتُ علة ذَلِكَ والفرق بينهما فِي الأنفال. وقولُه تَعَالى: ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا﴾. قَرَأَ ابْنُ عامرٍ وحدَه: «نُكُرًا» بضمتين. وقرأ الباقون: «نُّكْرًا» وهما لُغتان كما بينت في سورة الكهف غيرَ أنّ الاختيار فِي هَذِهِ السُّورة الِإسكان ليكون أشبه برءوس الآي، لأن قبله قدرا وعسرا وأمرا كما كَانَ الاختيار فِي سورة القَمر نُكُرْ لقوله: «الدبر» و «مستطر».

стр. 447

ومن سورة التحريم قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: إنّما نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورة، لأنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ لمَّا كَانَ يومَ عَائِشَة ﵂ زارتها حفصة فخلا بها، فبَعث إلى امرأته ماريةَ القِبطية فخَلا معها. فجاءت حفصة فرأت السِتْرَ مُسبلا فخرجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَقَالَ: اكتُمي عليّ ومارية عليَّ حرامٌ، وإن أباك وأبا عائشة يعني أبا بكر خليفتان بَعدي فمرَّت حفصةُ فأخبَرت عائشةُ فَأنزلَ اللَّه فيهما، فقالت حفصة: «مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ» وأَنزل اللَّه ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ يعني ماريةَ القِبْطِيّة، فطلّق رَسُول اللَّه ﷺ حفصة تطليقةً عُقوبةً لها، والميم فِي «لِمَ» مفتوحةً، لأنَّ الأصل: لما، حُذفت الألفُ تَخفيفًا كما يُقال: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُوْنَ﴾ وعلامَ تَذهب، وفيمَ جِئْتَنِي، ويجوزُ لَمْ ساكِنًا وما بإثبات الألفِ. فإن قَالَ قائلٌ: ما معنى قولُهُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ هَلْ كَانَ فِي عهد رسول الله ﷺ نِساءٌ خيرًا من أزواجه؟ . فقل: إنَّما شَرُفَ أَزواجُ النَّبيّ ﷺ عندَ الْإِسْلَام برسولِ اللَّه، فإذا طَلَّقَهْنَّ كَانَ كلُّ من تزوجها الرَّسُول ﷺ بعدَهُنَّ أفضلَ مِنْهُنَّ. وقولُه تَعَالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ﴾. قَرَأَ الكِسَائِيُّ وحده: «عَرَفَ» واحتج بأنَّ أبا عَبْد الرَّحْمَن السُّلمي كَانَ إذا سَمِعَ رجلًا قَرَأَ: «عَرَّفَ بَعْضَهُ» بالتَّشديد حًصَبَهُ، ومعنى عرف: غضب من ذَلِكَ، وجازى عَلَيْهِ حين طّلق حفصَة تطليقةً، وهذا كما تَقُولُ للرَّجُلِ يُسيء إليكَ: أمَا والله لأعرفَّن ذَلِكَ. وقرأ الباقون: «عَرَّفَ» بالتشديد، ومعناه: عرَّف حفصةَ بعضَ الحديث وأعرض عنْ بعضه، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لو كَانَ عَرَفَ بالتَّخفيف لكان عَرَفَ بَعْضَهُ، أَنْكَرَ بعضًا. وقولُه تَعَالى: ﴿إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾. روى عَبَّاسٌ، عنْ أَبِي عَمْرٍو: «إنْ طًّلَقَكُنَّ» مُدغِمًا لقرب القافِ من الكاف.

стр. 448

والباقون يُظهرون. وقولُه تَعَالى: ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ﴾. شدَّده نافعٌ، وأبو عَمْرٍو. وخفَّفه الباقون وقَدْ ذكرت علته فِي الكهف. وقولُه تَعَالى: ﴿تَوْبَةً نَصُوْحًا﴾. قَرَأَ عاصمٌ فِي روايةِ ابْنُ بكرٍ: «نُصُوْحًا» جعله مصدرًا مثل قَعَدَ قُعُوْدًا. وقرأ الباقون: «نَصُوْحًا» بفتح النون جعلوه صفة والتَّوبة النَّصوحُ: هُوَ الَّذِي ينوي الرَّجُلَ إذا تاب أن لا يعودَ. وقال آخرون: هُوَ أن يَنوي أن لا يعود، ولا يعودُ إلى أن يَموت عَلَى ذَلِكَ، فإن نوى أن لا يعودَ، ولم يعد برهةً ثُمَّ عاد لم تكن التُّوبة نصوحًا. قَالَ: إنَّما النَّصوحُ التي يستوجبُ صاحبها بها الجَنّة، وإنما يكون هَذَا عَلَى الخاتِمة. فإن قيل لَكَ: لِمَ لَمْ يقل توبةً نصوحةً، وهي مؤنثةً؟ فقُل: لأنَّ فَعولا قَدْ بُنِيَ عَلَى غير الفعل فيستوي فِيهِ المّذكر والمُؤنث، فتقول: أرض طَهورٌ وماءٌ طهور، ورجلٌ صَبورٌ، وامرأةٌ صَبورٌ، وأرضٌ ذَلولٌ، ولو بنيته عَلَى الفعل لأُنِّثَ، فقلت صبرت فهي صابرةٌ. وقولُه تَعَالى: ﴿وإنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾. قَرَأَ أهلُ الكوفِة بالتَّخفيفِ. وقرأ الباقون بالتَّشديد، فمن شدَّد أراد: تتظاهر فأدغم؛ لأنَّه فعلُ مستقبلٍ وهذا جزمٌ بالشرطِ، وسقطت النُّون للجزم، والفاء جوابُهُ، وعلامةُ الجزمِ حذفُ النُّون، والأصل: تظاهران. ومن خفَّف أسقط تاءً تخفيفًا، وَقَدْ ذكرتُ هَذَا فِي مواضع. وقولُه تَعَالى: ﴿وَكُتُبِهِ﴾. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وحفصٌ، عنْ عاصمٍ بالجمع. والباقون: «وكِتَابه» عَلَى التُّوحيد، وَقَدْ ذكرته فِي البقرة. فإن قيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: من القانتات، ومريم مؤنثة؟ فقل: التَّقدير: وكانت مريم من القَوم القَانتين، ومن الَأنبياء القانتين أي: المطيعين لله.

стр. 449

وقولُه تَعَالى فِي هَذِهِ السُّورة: ﴿فَنَفَخْنَاْ فِيْهِ﴾. فَذَكَّرَ أراد: نَفَخْنَا فِي جَيْبِ درعها. فلذلك ذكر. قَالَ ابنُ مجاهدٍ: اتفق القراء عَلَى فَتْحِ الياءِ فِي ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: نَبَّأَنِيَ، وأنْبَأَنِيَ، وخَبَّرنِيَ، وأَخْبَرَنِيَ، كلُّه بمعنًى. حَدَّثَنَا ابْنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَرَّاءِ، قَالَ: قَرَأَ عَلَى أعرابي والضُّحى، فقال: «وأما بنعمة ربك فحدث» قلت: إنَّما هُوَ فَحَدِّث، قَالَ حدّث وخبّر واحد.

стр. 450

ومن سورة الملك وقولُه تَعَالى: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾. قَرَأَ حمزةُ والكِسَائِيُّ «مِنْ تَفَوُّتٍ» بغيرِ ألفٍ، واحتجوا: «بأن رجلًا تَفَوَّتَ عَلَى أَبِيهِ مالًا» كذا فِي الخَبر. وقرأ الباقون: ««مِنْ تَفَاوتٍ» بألف ومعناه من اختلاف. قَالَ النَّحويون: هما لُغتان تَفاوت وتفوَّت مثل تَعاهد وتعهَّد «ولا تُصَاعِرْ» ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾. حَكى أَبُو زيدٍ لغةً ثلاثةً: «من تَفَاوِتٍ» بكسر الواو. ويقولون: تفاوتَ الأمرُ تفاوتًا. ولغةٌ رابعةٌ: تفاوَت بفتح الواو. ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ إن قيل لَكَ: عَلَى أيِّ شيءٍ عَطَفَ «فَارْجِعِ الْبَصَرَ» وليس قبله فعلٌ يُكرَّرُ عَلَيْهِ؟ فالجوابُ فِي ذَلِكَ: أنَّ معناهُ فانظر وارجع البصر هَلْ ترى من فُطور ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ يُقال: رجلٌ حسيرٌ أي: معنًى كالُّ، وبَعيرٌ حَسِيْرٌ وكالٌّ بمعنى واحد. وقوله تعالى: ﴿وإليه النشور أأمنتم﴾. قرأ أهل الكوفة وابن عامر: «أأمنتم» بهمزتين الألف ألف تقرير، والثانية ألف القطع. وقرأ نافعٌ وأبو عمرو: ««أأمنتم» بتليين الثانية. وأمَّا ابْنُ كثيرٍ فقرأ: «النُّشور وُامِنْتُم» بترك همزة الاستفهام فيصير فِي اللَّفظ واوًا؛ لانضمامِ الراءِ، وكذلكَ «قَالَ فِرْعَوْنُ وُامَنْتُم» وقد ذكرت علته في الأعراف. وقوله تعالى: ﴿فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. قَرَأَ الكِسَائِيُّ: «فَسُحُقًا»، «فَسُحُقًا» يخير لأنَّهما لُغتان مثل الرُّعُب والرُّعْبِ والسُّحُقِ والسحق أسحقه الله وأبعده. ويقال: نخلة سحوق أي: طويلةٌ. فإن قيل لَكَ: بم نصبت فسحقا؟

стр. 451

ففي ذَلِكَ جوابان: أحدُهما: أَن يكون دعاءً: أَلزمه اللَّه سحقًا. والثَّاني: أَن يكونَ مصدرًا، وإن لم يتصرف منه فعل كقولك: تبا له، وويلا، وويحا، وويها، وبعدًا، وسحقًا، وسقيًا لَهُ، ورعيًا لَكَ. وقرأ الباقون: «سُحْقًا» مخففًا. وقولُه تَعَالى: ﴿وَمَنْ مَعِيَ﴾. أسكنها عاصمٌ وحمزةٌ والكِسَائِيُّ. وفتحها الباقون وحفصٌ، عنْ عاصمٍ، وَقَدْ ذكرتُ علته. وأثبت نافع وحدَه الياء فِي رواية ورشٍ «نَذِيْرِي» و «نَكِيْري» عَلَى الَأصلِ. والباقون حَذَفُوا الياءَ اتباعًا لرءوس الآي. ومعناه: فكيف كَانَ إنذاري وإنكاري. وقولُه تَعَالى: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. قَرَأَ الكِسَائِيُّ وحده بالياء، واحتجَّ بان عليًا ﵁ قرأها كذلك. والباقون بالتاءِ عَلَى الخطابِ. وقرأ عاصمٌ فِي روايةِ أَبِي بكرٍ: ««أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ» محركة الياء. وكذلك الباقون إلّا حمزةَ، والمُسيبي، عنْ نافعٍ فإنهما أسكناها.

стр. 452

سورة نَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: إنَّما سُمي بذلك، لأنَّ اللَّه تَعَالى أقسم بنونٍ، وهي الدَّواةُ ﴿والقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ أي: ما يكتبوه من كلام ربّ العالمين. وقيل: النُّون: السَّمَكَةُ، ومن ذَلِكَ سمي يونس: ذا النُّون، لأنَّ الحوت التَقَمَهُ، وجمع النُّون نينان، وجمع الحوت حِيتان. وأخبرني ابْنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيّ، عنْ الفَراء، قَالَ: كلُّ اسمٍ عَلَى فُعْلٍ أوسطه واو. فإن العرب تجمعه عَلَى ثلاثة أوجه، وذلك نحو كوز وأكواز، وكيزان وكَوِزَةٍ، وكذلك نُون، وصُوف، يُقال: صُوْفٌ وأَصواف، وصُوْفٌ، وصِوفةٌ، وصُوْفٌ، وصِيْفَانٌ. وقال آخرون: نونٌ اسمٌ من أسماءِ اللَّه. وقيل: حرفٌ من حروف المعجم. فاختلف القُرَّاءُ فِي اللَّفظِ بِهِ. فقرأ عاصمٌ فِي رواية أَبِي بَكْرٍ والكِسَائِيُّ: «ن وَاَّلْقَلَمِ» مَخفيٌّ غيرُ ظاهرٍ. قَالَ ابنُ مجاهدٍ: والاختيار عنْ عاصمٍ الِإظهار. وقرأ الباقون: «نُ وَالْقَلَمِ» يظهرون، فمَن أظهرَ قَالَ: هُوَ حرفُ هجاءٍ، وحكمه أن يَنفصلَ مما بعده، فبُنِيَ الكلام فِيهِ عَلَى الوقف لا عَلَى الأصل. والباقون أَخفوا، لأنَّهم بَنوا الكلامَ عَلَى الأصلِ. وفيها قراءةٌ ثالثةٌ ورابعةٌ. قَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاق، وعيسى بْن عُمَر «نَ والقَلَمِ» معنى أقرأ ن و «نِ والقَلَمِ» يَجعله قسمًا. وقولُه تَعَالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وبنين﴾. قرأ حمزة: ««أأن كَانَ» بهمزتين الأولى ألفُ تَوبيخٍ، والثَّانية ألفُ أصلٍ فِي الأداة. وقرأ ابنُ عامرٍ برواية هشامٍ مطوَّلةٍ؛ لأنَّه كره الجمع بينهما فليَّن الثانية تخفيفًا. وقرأ الباقون: «أنْ كَانَ» بهمزة واحدة وهي الاختيار؛ لأن التقدير «وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ» لأنّ كَانَ ذا مال وبنين، وبأنْ كَانَ ذَا مالٍ وبنينٍ.

стр. 453

وقولُه تَعَالى: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾. قَرَأَ نافعٌ وحدَه: «لَيَزْلَقُونَكَ» بالفَتحِ من زَلَقَ يُزْلِقُ. وقرأ الباقون: «لَيُزْلِقُوْنَكَ» بالضمّ، هما لغتان يقال: أزلقه، وزَلَقَهُ، وأَزْلَقَهُ: إذا أَصابَه بالعَين، يُقال: لَقَعَهُ بعينه، وعَاْنَهُ، وَزَلَقَهَ، وأَزْلَقَهُ، وأمَّا زَلَقَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ: إذا حَلَقَهُ، فبغيرٍ ألفٍ. وفيها قراءةٌ ثالثةٌ، قَرَأَ ابنُ عباسٍ: «لَيَزْهَقُوْنَكَ بِأَبْصَارِهِمْ» وكان الأصلُ فِي ذَلِكَ أنَّ العربَ كَانَ الرّجل منهم إذا أراد أن يعتان رجلًا تجوع لَهُ ثلاثًا، ثُمَّ يمر بالمال، فيقول ما أسمنَ هَذَا فتسقط مِنْهُ الَأباعر، فأرادوا بالنبي ﷺ مثل ذَلِكَ، فوقّاه اللَّه شرّهم، فلما أَتوه وقفُوا عَلَيْهِ ﷺ فقالوا: ما أَفْصحَ لهجته ما أَحسن بَيانه، فأَنزلَ اللَّه ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾. وقولُه تَعَالى: ﴿يَومَ يُكْشفُ عَنْ سَاقٍ﴾. قَرَأَ ابن كثير وحده: «عنْ سأق» بالهمز، وَقَدْ ذكرت علّته فِي النمل وأنّما أعدتُ ذكره، لأن ابن مجاهد حدثني عن السمري، عن الفراء، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن ابْنُ عَبَّاس أَنَّهُ قَرَأَ: «يَوْمَ تَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ» بالتاء أي: يوم القِيامة تَكشف عنْ أَمرٍ عَظِيمٍ، وأنشد: كَشَفَتْ لَهْمْ عَنْ سَاقِهَا ... وَبَدا مِنَ الَأمْرِ البَرَاحُ وقال الآخرُ: فإِنْ شمّرت لَكَ عنْ ساقِهَا ... فَوَيْهًا رَبِيْعَ وَلَاْ تَسْأَمِ يُقالُ: شمَّرت الحربُ عنْ ساقها، إذا اشتَدَّ الأمرُ وحميَ الوَطِيْسُ. وهذه اللَّفظة أعني: «الآن حَمِيَ الوَطِيْسُ» أول ما سَمِعْتُ من رسول الله ﷺ في حرب هوازن.

стр. 454

ومن سورة الحاقة قَالَ أَبُو عبدِ اللهِ الحاقةُ: اسمُ من أسماءِ القيامة، وكذلك الطّامة والصَّاخة والقَارعة والوقف عَلَى الحاقة حسنٌ ثُمَّ تبدأ: ﴿مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ كلُّ ما فِي القرآن وما أدراك بلفظ الماضي فقد أدراه ﷺ . وما كَانَ وما يدريك فما أداره بعدُ. يُقال: دَرَيت الشيءَ أي: علمته، ودريت الصَّيد أي: خَتَلْتُهُ، وينشد: فإنْ كُنْتَ لا أَدْرِيْ الظِّباءَ فإنَّنِي ... أَدُسُّ لَها تَحْتَ التُّرابِ الدَّوَاهِيَا ودرأته عني أي: دفعته. وقولُه تَعَالى: ﴿وجاءَ فِرْعَونُ ومَنْ قَبْلَهُ﴾. وقرأ أَبُو عَمْرو والكِسَائِيّ وأبان، عنْ عاصمٍ، «ومن قِبَلَهُ» بكسر القاف وفتح الباء، واحتَجوا بقراءةِ أُبَيٍّ: «وَجَاءَ فِرْعَونُ وَمَن مَعَهُ» وبقراءة أَبِي مُوسى الْأَشْعَرِي: «وَجاءَ فِرْعَونُ وَمَنْ تِلْقَاهُ». وقرأ الباقون: «وَمَنْ قَبْلَهُ والمُؤتِفكاتُ بالخَاطِئَةِ» إئتفكت بهم الأرض أي: انقلبت وانخسفت، وتسمى الرياح، المؤتفكات لقلبها الَأرض وقَشرها. قَالَ الَأصْمَعِيُّ: تَقُولُ العربُ: إذا كثرت المؤتفكات زكا الزَّرع. وقولُه تَعَالى: ﴿لَاْ تَخْفَي مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾. قَرَأَ حمزةُ والكِسَائِيُّ بالياء؛ لأنَّ تأنيث الخافِيَةِ غير حقيقي. وقرأ الباقون بالتَّاء لتأنيث الخافية، وخافيةٌ تكون نعتًا لمحذوفٍ أي: لا يخفي منكم عَلَى اللَّه، ولا يَتَوَارَى من اللَّه نفسٌ خافيةٌ، كما قَالَ تَعالى: ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللهِ منهمُ شَيءٌ﴾ وإن شئتَ جعلتَ التَّأنيثَ لفِعله، فالتَّلخيص لا يَخفي منكم فعلة خافية، وجمع الخافية الخَوافي، والخَوافي - أيضًا - الجِنُّ، والخَوَافي الرِّيْشَات فِي جَناح الطَّائر بعد القوادم. وقولُه تَعَالى: ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قَلِيلًا﴾ ... ﴿مَّا تَذَكَّرُونَ﴾. وقرأ ابْنُ كثيرٍ وهشامٌ عنْ ابنِ عامرٍ بالياءِ إخبارًا عنْ غَيْبٌ.

стр. 455

وقرأ الباقُون بالتاءِ عَلَى الخِطَابِ، والوقفُ عَلَى قولُه: ﴿وَمَا هُوَ بِقَولِ شَاعْرٍ﴾ تامٌّ، وكذلك: ﴿ولا بِقَولِِ كَاهِنٍ﴾، ثُمَّ تَبتدئ «قَلِيلًا مَّا تُؤمِنُونَ» لأنَّ «قليلًا» تنتصب ب «تُؤمِنُونَ» وما مَعَ الفعل مصدر، والتقدير: قليلا إيمانهم. وقال آخرون: «ما» صلةٌ، والتَّقديرُ: يؤمنون قليلًا. فإن قيلَ لَكَ: ما ذَلِكَ الِإيْمَانُ القَليل وهُم فِي النَّارِ؟ فالجوابُ: أنَّهم أَقرُّوا بأنَّ اللَّه تَعَالى خلقهم وكفروا بمحمدٍ ﷺ فأبطل إيمانهم بالله كفرهم بمحمد ﷺ . وقال آخرون: لا يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، قَالَ: هَذَا كما تَقُولُ العربُ: مررتُ بأرضٍ قل ما تنبت إلا الكراث، لا تُنبت إلا الكراث. وحَدَّثَنَا ابنُ مجاهدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الخَزَّازُ، عنْ مُحَمَّد بْن يَحيى، عنْ عُبَيْدٍ، عنْ هارون، عنْ أَبِي عَمْرٍو: «قَلِيلًا مَّا يُؤمِنُونَ» و «مَّا يَذَّكَّرُونَ» بالياء. وقولُه تَعَالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. اتَّفق القُراء عَلَى فَتح التَّاءِ، وكسرِ العَين، وفتحِ الياء، وزنه من الفعل تَفْعلها ﴿لنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ نصبٌ بلام كي، والأصل: ولتوعيها؛ لأنَّه من وَعي يَعي: إذا حَفِظَ، فلما وقعت الواو بين الياء والكسرةِ سقَطت، وبقيت العين والياءُ، وفاءُ الفعل ساقطة، وإنما ذكرت هَذَا الحرف لأنَّ القَوَّاس روى عنْ ابْنُ كثيرِ «وَتَعْيَهَا أُذُنٌ واعِيَةٌ» أراد: الكسرة، فأسكن تخفيفا، كما قَرَأَ حَفْص: «ويخشَى اللَّه ويتقْه» بجزم القاف أراد: ويتَّقِهِ فأسكن ومثله أن تَقُولُ فِي مَلِكٍ: ملْك، وفي فَخِذ فَخْذٍ، وينشد. مِنْ مشية في شعر ترجله ... تمشي الملك عليه حلله وما أنزل الله تعالى: ﴿وتعيها أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. قَالَ النَّبيّ ﷺ : «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُا أُذُنَ عليٍّ». فإن قيلَ: كيف تُجمع واعيةٌ؟ فقل: أَواعي، والأصلُ وَوَاعِي، فكرهُوا الجمعَ بين واوين فجَعَلُوا الُأولى همزةً؛ لأن

стр. 456

فاعله تُجمع عَلَى فَوَاعِلٍ. والصَّحيح عنْ ابنِ كثيرٍ ما قرأتُ عَلَى ابنِ مُجاهدٍ عنْ قُنبل: وتَعِيَها عَلَى وَزنِ تَلِيَها. اعلم أن وَعى يَعى، ووَلى يَلِي، ووَني يَنِي، ووَشَى يشي، ووفى بالعهد يفي فعل معتل الطرفين فاؤه واوٌ، ولامه ياءٌ، سقطت الواوُ لوقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ، وسقطت الياءُ للأمرِ، فيتبقى الفعلُ عَلَى حرفٍ فوجب أن يقولَ: عِ كلامي، وشِ ثوبك، وفِ بالعَهد غير أنَّ الكُتَّاب أجَمعوا عَلَى أن كتُبُوا ذَلِكَ بالهاءِ عِهْ وشِهْ وفِهْ، لأنَّ الكتابة مَبناها عَلَى الوقف، ولا يجوزُ الوقف عَلَى حرفٍ واحدٍ.

стр. 457

ومن سورة المعارج قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: أول هَذِهِ السُّورة جواب لقولُه تَعَالى: - حكاية عنْ المُشركين -: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فإنزل اللَّه تَعَالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾. فَقَالَ النَّحويُّون: الباء هاهنا بمعنى عن والتقدير: سَأَلَ سائل عنْ عذابٍ واقعٍ، قَالَ الشاعرِ: دَعِ المُغَمَّرَ لا تَسْأَلْ بِمَصْرَعِهِ ... وَاسْأَلْ بِمَصْقَلَةُ البَكْرِيِّ مَا فَعَلَا وقولُه: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ بغير همزٍ، فيجوز أن يكون أراد سأله بالهمز فترك الهمزَ تخفيفًا، ويجوز أن يكون جعله من السّيل سال يَسيل وسائل: وادٍ في جهنم، كما قَالَ تَعَالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ والغَيُّ: وادٍ فِي جهنم، وكما قَالَ: ﴿قُلْ أَعُوْذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾. والفَلَقُ: جبٌّ فِي جهنم. وأجمع القُراء عَلَى همز «سائِلٌ» لأنَّه إن كَانَ من سَأَلَ فعين الفعل همزةٌ، وإن كَانَ من سال بغير همز فالهمزة بدل من الياءِ، كما يُقال: باع فهو بائعٌ وسار فهو سائرٌ. وقولُه تَعَالى: ﴿نَزَّاعةً للشَّوَى﴾. روا حفصٌ، عنْ عاصمٍ: «نَزَّاعةً للشّوى» لأنَّه جعلها حالًا «كلا إنها لَظى» و «لظى»: اسم لجهنم معرفة، ونزاعة نكرة فقطعتها منها. ومَن رفع جعلها بدلًا من «لَظًى» عَلَى تقدير كلا إنّها لظًى، وكلّا إنها نزاعةٌ للشوى. ويجوز: كلا إنها لظى هِيَ نزاعةٌ للشوى. والشَّوى: الأطرافُ، اليدان والرجلان وجلدة الرأس. قَالَ الشَّاعِر: قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لُهُ ... قَدْ جَلَّلَتْ شَيْبًا شُواتُه والتقى أَبُو عَمْرو بْن العَلاء وأبو الْخَطَّاب الأخفش فِي مجلسٍ فأنشد أَبُو الخطاب: قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لُهُ ... قَدْ جَلَّلَتْ شَيْبًا شُوَاتُه فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: صحَّفت، إنَّما هُوَ سراته فسكت أَبُو الخَّطبِ، ثُمَّ قَالَ: لنا بعدُ، بل صحَّفَ هُوَ، قَالَ: فسألنا بعدَ ذَلِكَ جماعةً من العَرب، فأنشد بعضهم كما قال أبو

стр. 458

عَمْرٍو، وأَنشد آخرون كما قَالَ أَبُو الخطَّاب، فعلمنا أنّهما أصابا وَصَدَقا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ روى ما سَمِعَ. والشّوى أيضًا: الخَسِيسُ من المالِ. وقولُه: «كَلَّا» فِي هَذِهِ السُّورة، حَدَّثَنِي أَبُو القاسم بْن المرزبان، عنْ أَبِي الزَّعراء، عنْ أَبِي عُمر الدُّوري أنَّ الكِسَائِيّ كَانَ لا يقف عَلَى «كلَّا» فِي شيءٍ من القرآن، إلا على هذين الحرفين اللذين فِي سورة ﴿سَأَلَ سائلٌ﴾. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: أعلم أنَّ فِي القُرآن ثلاثةً وثلاثين موضعًا «كلا»، وليس فِي النِّصف الأول مِنْهُ شيءٌ. وَقَدْ ذكرته بعلته فيما سلف. وإن من وقف عَلَيْهِ جعله ردًّا، ومن لم يقف جعله بمعنى حقًّا قَالَ الشّاعر: يَقُلْنَ لَقَدْ بَكَيْتَ فقلتُ كلَّا ... وَهَلْ يَبْكِي من الطَّرَبِ الجَلِيْدُ الطّرب: خفةٌ تُصيب الرّجل لشدَّة الخَوف أَوْ الجَزع أَوْ الفرح قَالَ الشَّاعِر: وأراني طَرِبًا فِي إِثْرِهِمْ ... طربَ الوَالِهُ أَوْ كالمُخْتَبِلْ وقال فِي السُّرور: أَطَرَبًا وأَنْتَ قِنَّسْرِيُّ ... والدَّهرُ بالِإنسان دَوَّارِيُّ أي: أتطَربُ طربًا وأَنت شيخٌ، كما قَالَ جريرٌ: ماذَا مزاحك بعدَ الشيب والدين ... وقد علاك مشيب حين لا حين وقولُه تَعَالى: ﴿ولا يَسئَلُ حَمِيْمٌ حَمِيْمًا﴾. روى نصر، عن البزي ابن كثير بالضم: «ولا يسأل». وقرأ الباقون: «ولا يسأل» بالفتح؛ لأنهم فِي شغل من أنفسهم، عنْ أن يلقى قرين قرينه أو نسيب نسيبه، فكيف أن يسأله ألم تسمعه قولُه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وأبيه﴾. ومن قرأ: «ولا يسأل» بالضمة فمعناه: لا يُطالب قرين بأن يحضر قرينه كما يفعل أهل الدُّنيا أن يؤخذ الجار بالجار والحميم بحميمه؛ لأنَّه لا جور هناك. وقولُه تَعَالى: ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. قَرَأَ ابن كثير وحده: «لأمانتهم» واحدةٌ. وقرأ الباقون بالجمعِ. وَقَدْ ذكرتُ علته في قَدْ أَفلح. وقولُه تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ هُم بشهاداتهم قائمون﴾.

стр. 459

وقرأ الباقون كلهم: «بشهادتهم» عَلَى التَّوحيد، وإنّما ذكرته؛ لأنَّ عَبَّاسًا وعبد الوارث رَويا عنْ أَبِي عَمْرو «بِشَهَادَاتهم» عَلَى الجَمع. وحفصٌ عنْ عاصمٍ كذلك. فأمّا قولُه: ﴿على صلاتهم يُحافِظُوْنَ﴾. فلم يختلف القُرَّاء عَلَى توحيدها، لأنّها كتبت فِي المصحف بلام ألف. والباقي كتب «صلاوة» بالواو أعني الثلاثة المواضع التي اختلفوا فيها، وَقَدْ بيَّنتُها. وقال الفَرَّاء تكتب الصَّلاوة، والزَّكَاوة، والفَلاوة، ومَناوة، بالواوِ. وقولُه تَعَالى: ﴿أنَّ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾. روى المُفضل، عنْ عاصمٍ: «أنْ يَدْخُلَ» بفتح الياء، جعل الفعل لَهُ. وقرأ الباقون: «يُدْخَلَ» بالضَم عَلَى ما لم يسم فاعله والأمرُ بينهما قريبٌ؛ لأنَّ اللَّه تَعَالى إذا أدخل عبدًا الجنة فقد دخل هُوَ. وقولُه تَعَالى: ﴿إلى نُصُبٍ يُوْفِضُوْنَ﴾. قَرَأَ حفص عن عاصم وابنُ عامرٍ: «نُصُبٍ» بضمتين جعلاه جمع نَصْبٍ كَرهِنٍ ورُهُنٍ، والنُّصُبُ: العلم يعني: الصَنَم الَّذِي نصبوه ليعبدوه من دونِ اللَّه. لا نَشرك بالله شيئًا. وقرأ الباقون: «إلى نَصْبٍ» بفتح النون، وجزم الصاد، ومعنى يُوفضون: يسرعون، قَالَ الشَّاعِر: لَأَنْعَتَنْ نعامةً مِيفَاضَا ... خَرْجَاءَ ظَلَّت تَطْلُبُ الِإضاضا الِإضاض بالكسرِ والفتح، ومعناه: الملجأ، والخرجاء: فِي لونها. أخبرني ابنُ مُجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَرَّاء، قَالَ: إذا رَقَّعت قميصك برقعتين حَمراء، وبَيضاء، فهو قميصٌ أَخرجُ، وأنشد أَبُو عُبَيْدةَ لِرُؤبة: كَفَى بِنَا الجِدُّ عَلَى أَوْفَاضِ ولا يجُوز: هُمْ يُؤْفِضُون، لأنَّه من أَوفض يُوفض إيفاضًا فهو مُوفضٌ. ففاءُ الفعلِ واوٌ مثل أَوقد يُوقد، وإنما همزوا هَذَا القَبيل ما كَانَ أول الفعل مِنْهُ الهمزةِ كقولك: يُؤمنون، لأنَّه من آمن، ويؤتون، لأنَّه من آتى، وَقَدْ بيَّنته فيما سلف.

стр. 460

ومن سورة نوح ﵇ قولُه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّه﴾. قَرَأَ عاصمٌ وحمزُة وأبو عَمْرو: «أَنِ اعْبُدُوا اللَّه» بكسر النون. وقرأ الباقون: «أَنُ اعْبُدُوا اللَّه» بالضَّمِّ، فمَن كَسَرَ فلالتقاء السَّاكنين، ومن ضمَّه اتبعَ الضمَّ، وَقَدْ ذكرتُ ذَلِكَ فيما سلف. وقولُه تَعَالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾. قَرَأَ أهلُ الكوفةِ بالمَدِّ، وإسكان الياء. وقرأ الباقون بالمَدِّ وفتحِ الياء، إلَّا ما حَدَّثَنِي ابنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَرَّاء، وخلف والهيثم، عنْ عُبَيْدٍ، عنْ شبل، عنْ ابْنُ كثير أَنَّهُ قَرَأَ: «فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَاءِ» بالقصر، وَقَدْ ذكرت علته فيما تقدم. وقوله تعالى: ﴿ماله وَوَلَدُهُ﴾. قَرَأَ عاصمٌ ونافعٌ وابنُ عامرٍ «وَوَلَدُهُ» بالفتح. وقرأ الباقون: «وَوَلْدُهُ» وهما لغتان الوَلَدُ، والوَلْدُ مثل العَدَمْ، والعَدْمُ. وقال آخرون الوَلْد جمع ولد، وأنشد: وقال آخرون الولد كان في بطن أمه: وليت فلانا كان وَلْدَ حِمَارِ وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾. قَرَأَ نافعٌ وحده بالضَمَّةِ. وقرأ الباقون: «وَدًّا» بالفتح، فَقَالَ أهل اللغة: الوَد والوُد: اسم الصَنَمِ. وقال آخرون: الوُدّ - بالضّمة -: المَحَبَّة والوَدُّ: الصَّنَم، ومن ذَلِكَ قولهم: عَمْرٍو بن عبد ود، والسواع: صنم هاهنا، والسُّواع فِي غيرِ هَذَا السَّاعة من اللَّيل، والسوعاء أيضًا، وصُرِفَتْ سواعًا؛ لأنَّه عربي عَلَى وزن فُعال مثل غُراب، ولم تُصرف يَغوث، ويَعوق للياء الزَّائدة فِي أولها، وفي حرفِ ابنِ مَسْعُود «ولا يغوثًا ولا
следующие страницы →