← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 3

إعراب القراءات السبع وعللها ط العلمية

ابن خالويه

Полный текст (555 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يُشِمُّ الصَّادَ زَايًا، وَذَلِكَ أَنَّ الزَّايَ تُؤَاخِي السِّينَ فِي الصَّفِيرِ، وَتُؤَاخِي الصَّادَ فِي الْجَهْرِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ بِإِشْمَامِ الزَّايِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ دُرَيْدٍ ﵁: وَلَا تهي بني الْمَوْمَاةُ أَرْكَبُهَا ... إِذَا تَجَاوَبَتِ الْأَزْدَاءُ بِالسَّحَرِ جَعَلَهَا زَايًا خَالِصَةً وَهِيَ لُغَةٌ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهُمْ﴾ بِضَمِّ الْهَاءِ وَجَزْمِ الْمِيمِ، وَكَذَلِكَ: «إِلَيْهُمْ» وَ «لَدَيْهُمْ» وَهِيَ لُغَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّمَا ضَمُّ الْهَاءُ فِي أَصْلِ الْكَلِمَةِ قَبْلَ أَنْ تَتَّصِلَ بِهَا عَلَى كَمَا تَقُولُ «هُمْ» فَلَمَّا أَدْخَلْتَ عَلَى فَقُلْتَ: «عَلَيْهُمْ» بَقِيَتْ عَلَى حَالِهَا. قَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ: إِنَّمَا خَصَّ حَمْزَةُ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ الْأَحْرُفَ بِالضَّمِّ دُونَ غَيْرِهِنَّ أَعْنِي: «عَلَيْهُمْ» وَ «لَدَيْهُمْ» وَ «إِلَيْهُمْ» مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْحُرُوفِ، لِأَنَّهُنَّ إِذَا وليهن ظاهر صارت هن أَلِفَاتٍ، وَلَا يَجُوزُ كَسْرُ الْهَاءِ إِذَا كَانَ قَبْلَهَا أَلِفٌ، فَعَامَلَ الْهَاءَ مَعَ الْمُكَنَّى مُعَامَلَةَ الظَّاهِرِ، إِذَا كَانَ مَا قَبْلَ الْهَاءِ يَاءٌ فَإِذَا صَارَتْ أَلِفًا لَمْ يَجُزْ كَسْرُ الْهَاءِ، فَإِذَا جَاوَزَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ الْأَحْرُفَ وَلَقِيَ الْهَاءَ وَالْمِيمَ سَاكِنٌ ضَمَّهَا، فَإِذَا لَمْ يَلْقَ الْمِيمَ سَاكِنٌ كَسَرَ الْهَاءَ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ وَ ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ وَعِنْدَ السَّاكِنِ ﴿عن قبلتهم التي﴾ ﴿عليهم الذلة﴾ ﴿إليهم اثْنَيْنِ﴾ وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ كَافٌ وَمِيمٌ لَمْ يَجُز كَسْرُهُمَا إِلَّا فِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ لَا تَدْخُلُ فِي الْقِرَاءَةِ لِبُعْدِ الْكَافِ مِنَ الْيَاءِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «عَلَيْهِمْ» بِكَسْرِ الْهَاءِ، وَإِنَّمَا كَسَرُوهَا لِمُجَاوَرَةِ الْيَاءِ كَرَاهَةَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ كَسْرٍ إِلَى ضَمٍّ، كَمَا قَالُوا: مَرَرْتُ بِهِمْ وَفِيهِمْ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «عَلَيْهُمُوا» بِالْوَاوِ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، لِأَنَّ الْوَاوَ عَلَمُ الْجَمْعِ، كَمَا كَانَتِ الْأَلِفُ عَلَمَ التَّثْنِيَةِ، إِذَا قُلْتَ: عَلَيْهِمَا، وَمِثْلَهُ قَامَا قَامُوا، وَكَانَ نَافِعٌ يُخَيِّرُ بَيْنَ جَزْمِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: بِإِسْكَانِ الْمِيمِ وَحَذْفِ الْوَاوِ، فَحُجَّةُ مَنْ حَذَفَ، قَالَ: لِأَنَّ الْوَاوَ مُتَطَرِّفَةٌ فَحَذَفْتُهَا إِذْ كُنْتُ مُسْتَغْنِيًا عَنْهَا، لِأَنَّ الْأَلِفَ دَلَّتْ عَلَى التَّثْنِيَةِ، وَلَا مِيمَ فِي الْوَاحِدِ إِذْ قُلْتَ: «عَلَيْهِ» فَلَمَّا لَزِمْتَ الْمِيمَ لِجَمْعٍ حَذَفْتَهَا اخْتِصَارًا، فَإِنْ حَلَّتْ هَذِهِ الْوَاوُ غَيْرَ طَرَفٍ لَمْ يَجُزْ حَذْفُهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ فَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ «غَيْرَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» بِالنَّصْبِ، فَإِنَّهُ نَصَبَهُ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي

стр. 37

«عَلَيْهِمْ» وَيَكُونُ نَصْبًا عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِ الْأَخْفَشِ، وَمَنْ قَرَأَ «غَيْرِ» بِالْخَفْضِ فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ بَدَلًا مِنَ «الَّذِينَ» وَصِفَةً لَهُمْ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ «غَيْرَ» إِذَا كَانَتْ صِفَةً أَوْ كَانَتِ اسْتِثْنَاءً حَسَنٌ إِلَّا فِي مَوَاضِعِهَا، كَقَوْلِكَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ غَيْرُ دَانِقٍ، وَعِنْدِي دِرْهَمٌ غَيْرُ زَائِفٍ، لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ أَنْ تَقُولَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ إِلَّا زَائِفًا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَدَّةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ إِنَّمَا أُتِيَ بِهَا لِتَحْجُزَ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ وَهِيَ اللَّامُ الْمُدْغَمَةُ وَالْأَلِفُ الَّتِي قَبْلَهَا. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الْمَدَّةُ عِوَضٌ مِنَ اللَّامَيْنِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: لَمَّا كَانَتِ الْأَلِفُ خَفِيَّةً وَالْمُدْغَمُ خَفِيٌّ قَوَّوْهُمَا بِالْمَدِّ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﵁: وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْعَلُ الْمَدَّةَ هَمْزَةً فَيَقُولُ: «وَلَا الضَّأْلِينَ»، وَقَدْ قَرَأَ بِذَلِكَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ. أَنْشَدَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ ﵁: حمار قبان يسوق أرنبا ... لقد رأيت يا لقوم عجبا خِطَامُهَا زَأَمَّهَا أَنْ تَذْهَبَا يُرِيدُ: زَامَهَا. وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الْحَرْفَ وَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفِ السَّبْعَةُ فِيهِ، لِأَنَّ بَعْضَ النَّحْوِيِّينَ يَمُدُّ هَذَا وَنَحْوَهَ مَدًّا مُفْرَطًا، وَالْمَدُّ فِيهِ وَسَطٌ، كَذَلِكَ كَانَ لَفْظُ ابْنِ مُجَاهِدٍ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ «وَلَا جَأْنٌّ» مَهْمُوزٌ غَيْرُ مَمْدُودٍ، وَالنُّونُ مُشَدَّدَةٌ. حَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ، قَالَ: رَوَى لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنِي ظَفَرُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ: قَالَ: صَلَّى بِنَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ الْفَجْرَ فَقَرَأَ «إِنْسٌ وَلَا جَأْنٌّ» فَهَمَزَ فَلَمَّا سَلَّمَ، قُلْتُ: لِمَ هَمَزْتَ؟ قَالَ: فَرَرْتُ مِنِ اجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ. قال أبو عبد الله ﵁: كَانَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ يُؤْتَى مِنْ قِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَكْرَهُ اجْتِمَاعَ السَّاكِنَيْنِ، إِذَا كَانَ أَحَدُ السَّاكِنَيْنِ حَرْفَ لِينٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ وَقَدْ كَانَ كَلَّمَ أبا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا حَتَّى فَهَّمَهُ أَبُو عَمْرٍو، وَقَالَ: وَيْحَكَ إِنَّ الرَّجُلَ الْعَرَبِيَّ إِذَا وَعَدَ أَنْ يُسِيءَ إِلَى رَجُلٍ، ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ يُقَالُ: عَفَا وَتَكَرَّمَ، وَلَا يُقَالُ: كَذَبَ، وَأَنْشَدَ: وَإِنِّي إِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي

стр. 38

سُورَةُ الْبَقَرَةِ - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى﴾. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «فِيهْ هُدًى» بِإِدْغَامِ الْهَاءِ فِي الْهَاءِ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِالْحَرْفَيْنِ إِذَا الْتَقَيَا، مُتَجَانِسَيْنِ كَانَا أَوْ مُتَقَارِبَيْنِ، فَالْمُتَجَانِسَانِ نَحْوَ: ﴿جَعَلْ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا، ﴾ ﴿وَلَا نُكَذِّبْ بآيات ربنا﴾ وذهب ﴿بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ وَإِنْ كَانَ الْحَرْفُ الْأَوَّلُ مُشَدَّدًا لَمْ يُدْغِمْ نَحْوَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ وَ ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ أَوْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ مَحْذُوفَةَ عَيْنِ الْفِعْلِ نحو: ﴿كدت تركن إليهم﴾ و ﴿كنت ترجوا﴾ أَوْ خَفَّتِ الْكَلِمَةُ بَعْضَ الْخِفَّةِ. فَأَمَّا الْمُتَقَارِبَانِ نحو ﴿خلقكم ثم رزقكم﴾ وأعلم ﴿بالشاكرين﴾ و ﴿مريم بهتانا عظيما﴾. قرأ الْبَاقُونَ كُلَّ ذَلِكَ بِالْإِظْهَارِ، فَحُجَّةُ مَنْ أَدْغَمَ، قَالَ: إِظْهَارُ الْكَلِمَتَيْنِ كَإِعَادَةِ الْحَدِيثِ مَرَّتَيْنِ أَوْ كَخَطْوِ الْمُقَيَّدِ، فَأَسْكَنَ الْحَرْفَ الْأَوَّلَ وَأَدْغَمَهُ فِي الثَّانِي لِيُعْمِلَ اللِّسَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَأَمَّا مَنْ أَظْهَرَ فَإِنَّهُ أَتَى بِالْكَلَامِ عَلَى أَصْلِهِ لِتَكْثُرَ حَسَنَاتُهُ، إِذْ كَانَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَإِنَّمَا الِإدْغَامُ تَخْفِيفٌ وَتَقْلِيلُ الْكَثِيرِ، وَاتَّفَقَ الْقُرَّاءُ جَمِيعًا عَلَى إِدْغَامِ الْحَرْفَيْنِ الْمُتَجَانِسَيْنِ، وَالْأَوَّلُ سَاكِنٌ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ﴾. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو إِذَا حَدَرَ الْقِرَاءَةَ أَوْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ «يؤمنون» بِتَرْكِ الْهَمْزِ تَخْفِيفًا، إِذْ كَانَتِ الْهَمْزَةُ تَخْرُجُ مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ وَفِي إِخْرَاجِهَا كُلْفَةٌ، وَأَكْثَرُ الْعَرَبِ يُلَيِّنُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْذِفُهَا جُمْلَةً، فَإِذَا حَقَّقَ الْقِرَاءَةَ هَمَزَ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالْهَمَزَاتِ السَّاكِنَاتِ، وَإِذَا كَانَ سُكُونُ الْهَمْزَةِ عَلَامَةً لِلْجَزْمِ، نحو قوله تعالى ﴿أو ننسها، ﴾ ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ لَمْ يَدَعِ الْهَمْزَةَ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الْحَرْفِ لُغَتَانِ، نَحْوَ: ﴿مؤصدة﴾ لِأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ لُغَةٍ إِلَى لُغَةٍ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ تَرْكُ الْهَمْزِ أَثْقَلَ مِنَ الْهَمْزِ لَمْ يَدَعِ الْهَمْزَةَ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ وَكَانَ حَمْزَةُ لَا يَهْمِزُ إِذَا وَقَفَ، وَيَهْمِزُ إِذَا أَدْرَجَ وَلَا يُبَالِي إِذَا كَانَتِ الْهَمْزَةُ سَاكِنَةً أَوْ مُتَحَرِّكَةً، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ يَقْفِ «مَوْلًا»، ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ يَقِفُ «الْمَشْمَةِ»، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ اتِّبَاعًا

стр. 39

لِلْمُصْحَفِ، لِأَنَّ ﴿الْمَشْئَمَةَ﴾ كُتِبَ فِي الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ ألف و ﴿موئلا﴾ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَقِفُ منهن جرا بغير واو، ويقف ﴿هزوا﴾ و ﴿كفوا﴾ بِوَاوٍ، لِأَنَّهَا كَذَلِكَ كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ. وَرَوَى وَرْشٌ، عَنْ نَافِعٍ بِتَرْكِ الْهَمَزَاتِ السَّاكِنَاتِ وَالْمُتَحَرِّكَاتِ، وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْهَمْزَةَ الْمُتَحَرِّكَةَ أَثْقَلُ مِنَ الْهَمْزَةِ السَّاكِنَةِ، وَكَانَ يَقْرَأُ: «وَيُوَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ»، «وَيُوَدِّهِي إِلَيْكَ» وَكَانَ يَنْقُلُ حَرَكَاتِ الْهَمَزَاتِ إِلَى السَّاكِنِ قَبْلَهَا وَكَانَ يَقْرَأُ «قَدَ أَفْلَحَ» يُرِيدُ: «قَدْ أَفْلَحَ» وَكَذَلِكَ: «فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أحدهم ملء الَارْضِ» أَنْشَدَنِي ابْنُ عَرَفَةَ شَاهِدًا لِوَرْشٍ: تَضَوَّعَ مِسْكًا بَطْنُ نَعْمَانَ أَنْ مَشَتْ ... بِهِ زَيْنَبٌ فِي نِسْوَةٍ عَطِرَاتِ وَلَمَّا رَأَتْ رَكْبَ النُّمَيْرِيِّ أَعْرَضَتْ ... وَكُنَّ مِنَ أَنْ يَلْقَيْنَهُ حَذِرَاتِ أَرَادَ: «مِنْ أَنْ» بِنَقْلِ فَتْحَةِ الْهَمْزَةِ إِلَى النُّونِ. وقرأ الباقون: «يؤمنون»، «وَيُؤْثِرُونَ»، «وَيُؤَخِّرْكُمْ» وَ «وَيَأْلَتْكُمْ» وَ «وَالْكَأْسَ» «وَالْبَأْسَ». كُلُّ ذَلِكَ مَهْمُوزٌ عَلَى الْأَصْلِ. وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو فِي الْأَسْمَاءِ الْمَهْمُوزَةِ، فَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِتَرْكِ الْهَمْزِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ مُجَاهِدٍ، وَرَوَى عَنْهُ آخَرُونَ بِالْهَمْزِ. فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ: لِمَ هَمَزَ أَبُو عَمْرٍو «الْكَأْسَ» «وَالْبَأْسَ» وَلَمْ يهمز «يؤمنون»، «وَيُوتُونَ»؟ فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ ثَقِيلٌ، وَالْهَمْزَةُ ثَقِيلَةٌ، وَالِاسْمُ خَفِيفٌ، فَحَذَفُوا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَثْقَلُوهُ وَأَثْبَتُوا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَخَفُّوهُ. - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحْدَهُ «بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ» لَا يَمُدُّ حَرْفًا لِحَرْفٍ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْمَدِّ. فَمَنْ مَدَّ، قال: الألف خفيفة، والهمزة فَقَوَّوْهُمَا بِالْمَدِّ. وَمَنْ لَمْ يَمُدَّ حَرْفًا لِحَرْفٍ أَتَى بِالْكَلِمَةِ عَلَى أَصْلِهَا، لِأَنَّ الْكَلِمَتَيْنِ مِنْ حَرْفَيْنِ، وَشَبَّهَهُ بِالْإِدْغَامِ فِي حَرْفَيْنِ وَفِي حَرْفٍ، فَإِذَا كَانَ مِنْ كَلِمَةٍ لَمْ يَجُزْ إِلَّا الْإِدْغَامُ، نَحْوَ: فَرَّ وَمَدَّ، وَإِذَا كَانَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ كُنْتَ بِالْخِيَارِ، كَقَوْلِكَ: جَعَلَ لَكَ، وَجَعَلْ لك، واتفقوا

стр. 40

جَمِيعًا عَلَى مَدِّ الْحَرْفِ إِذَا كَانَ مِنْ كَلِمَةٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ و ﴿أولاء تُحِبُّونَهُمْ، ﴾ ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْحُرُوفَ اللَّوَاتِي تَكُونُ بِهَا الْمَدُّ ثَلَاثَةٌ: الْوَاوُ وَالْيَاءُ وَالْأَلِفُ، فَوَاوٌ قَبْلَهَا ضَمَّةٌ، وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ، وَيَاءٌ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ، وَأَلِفٌ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ، وَلَا يَكُونُ مَا قَبْلَهَا إِلَّا مَفْتُوحًا، فَالْأَلِفُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِمَا أنزل إليك﴾ و ﴿ها أنتم أولاء﴾ وَالْوَاوُ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ وَالْيَاءُ نحو: و ﴿في آذانهم وقر﴾. - قوله تعالى: ﴿أأنذرتهم﴾. قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي «أأنذرتهم» بِهَمْزَتَيْنِ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، فَالْهَمْزَةُ الْأُولَى أَلِفُ التَّسْوِيَةِ عَلَى لَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ، وَالْأَلِفُ الثَّانِيَةُ أَلِفُ الْقَطْعِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «آأَنْذَرْتَهُمْ» بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مَدَّةٌ كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ وَأَنْ يَحْذِفَ إِحَدَاهُمَا. قَالَ الشَّاعِرُ، شَاهِدًا لِقِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ: تَطَالَلْتُ فَاسْتَشْرَفْتُهُ فَعَرَفْتُهُ ... فَقُلْتُ لَهُ آأَنْتَ زَيْدُ الْأَرَاقِمِ وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَنَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ «آنْذَرْتَهُمْ» كَرِهُوُا الْجَمْعَ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ فَلَيَّنُوُا الثَّانِيَةَ، كَمَا تَقُولُ: آمَنَ، وَآدَمَ، وَآزَرَ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ كَثِيرٍ أَقْصَرُ مَدًّا مِنْ أَبِي عَمْرٍو، وَنَافِعٍ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: آنْ تَوَسَّمْتَ مِنْ خَرْقَاءَ مَنْزِلَةً ... مَاءُ الصَّبَابَةِ مِنْ عينيك مسجوم - قوله تعالى: ﴿وعلى أبصارهم﴾. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: «وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ» مُمَالَةً، وَنَحْوَهَ إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ الْجَرِّ نَحْوَ الْقِنْطَارِ وَالدِّينَارِ وَالْأَبْرَارِ وَالْأَشْرَارِ وَالْفُجَّارِ وَالنَّارِ، وذَلِكَ أَنَّ الْكَسْرَةَ فِي آخِرِ الِاسْمِ مُنْخَفِضَةٌ، وَالْأَلِفُ مُسْتَعْلِيَةٌ، فَأَمَالَ أَوَّلَ الْكَلِمَةِ لِيَكُونَ كَآخِرِهَا. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ. وَقَدْ تَابَعَهُ الْكِسَائِيُّ فِي «الْأَشْرَارِ» وَ «الْأَبْرَارِ» وَمَا تَكَرَّرَتْ فِيهِ الرَّاءُ. فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ: لِمَ أَمَالَ أَبُو عَمْرٍو «أَصْحَابُ النَّارِ» وَلَمْ يُمِلْ «الْجَارِ الْجُنُبِ» وَأَلِفُهُمَا مُنْقَلِبَتَانِ مِنَ الْوَاوِ وَوَزْنُهُمَا سِيَّانِ، وَالْأَصْلُ فِيهِمَا، نَوَرَ، جَوَرَ، فَقُلِبُوا مِنَ الْوَاوِ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا؟

стр. 41

فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ النَّارَ كَثُرَ دَوْرُهَا فِي الْقُرْآنِ فَأَمَالَهُ تَخْفِيفًا، وَالْجَارُ لَمَّا قَلَّ دَوْرُهُ فِي الْقُرْآنِ تَرَكَهُ عَلَى أَصْلِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو يُمِيلُ «الْكَافِرِينَ» فِي مَوْضِعِ الْجَرِّ وَالنَّصْبِ لِكَثْرَةِ دَوْرِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا يُمِيلُ «الْجَبَّارِينِ» فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ، لِأَنَّهُ فِي الْقُرْآنِ فِي مَوْضِعَيْنِ ﴿إِنَّ فِيهَا قوما جبارين، ﴾ ﴿وإذا بطشتم بطشتم جبارين﴾. - قوله تَعَالَى ﴿غِشَاوَةً﴾. قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ الْمُفَضَّلِ «وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً» بِالنَّصْبِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «غِشَاوَةٌ» بِالرَّفْعِ، فَمَنْ نَصَبَ أَضْمَرَ فِعْلًا، وَالتَّقْدِيرُ: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَجَعَلَ عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَاثِيَةِ: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ وَالْعَرَبُ تُضْمِرُ الْفِعْلَ إِذَا كَانَ فِي الْكَلَامِ دَلِيلٌ، قَالَ الشَّاعِرُ: سَقَوْا جَارَكَ الْغَيْمَانَ لَمَّا جَفَوْتَهُ ... وَقَلَّصَ عَنْ بَرْدِ الشَّرَابِ مَشَافِرُهُ سَنَامًا وَمَحْضًا أَنْبَتَا اللَّحْمَ فَاكْتَسَتْ ... عِظَامُ امْرِئٍ مَا كَانَ يَشْبَعُ طَائِرُهُ فَالتَّقْدِيرُ: سَقَوْا جَارَكَ لَبَنًا وَأَطْعَمُوهُ سَنَامًا، لِأَنَّ السَّنَامَ لَا يُسْقَى، وَقَالَ آخَرُ: وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا مَعْنَاهُ: حَامِلًا رُمْحًا، لِأَنَّ الرُّمْحَ لَا يُتَقَلَّدُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ بِالنَّصْبِ كَذَلِكَ قَرَأَ الْأَعْرَجُ عَلَى تَقْدِيرِ: وَسَخَّرْنَا الطَّيْرَ. وَمَنْ رَفَعَ «غِشَاوَةٌ» فَجَعَلَهُ ابْتِدَاءً وَ «عَلَى» خَبْرَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: غِشَاوَةٌ عَلَى أَبْصَارِهِمْ: كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ فِي الدَّارِ، وَعَلَى أَبِيكَ ثَوْبٌ، وَثَوْبٌ عَلَى أَبِيكَ، وَالْغِشَاوَةُ: الْغِطَاءُ، قَالَ الشَّاعِرُ: تَبِعْتُكَ إِذْ عَيْنِي عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «مَنْ يَقُولُ» بِإِدْغَامِ النُّونِ فِي الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ غُنَّةٍ. وَالْبَاقُونَ يُدْغِمُونَ بِغُنَّةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ النُّونَ الْخَفِيفَةَ السَّاكِنَةَ وَالتَّنْوِينَ تُظْهَرَانِ عِنْدَ سِتَّةِ أَحْرُفٍ، وَيُدْغَمَانِ عِنْدَ سِتَّةٍ، وَيُخْفَيَانِ عِنْدَ بَاقِي حُرُوفِ الْمُعْجَمِ. فَالْأَحْرُفُ السِّتَّةُ اللَّوَاتِي تُظْهَرُ «ن» عِنْدَهُنَّ هِيَ حُرُوفُ الْحَلْقِ: الْهَمْزَةُ وَالْهَاءُ، وَالْعَيْنُ وَالْحَاءُ، وَالْخَاءُ وَالْغَيْنُ، وَاللَّوَاتِي تُدْغَمَانِ عِنْدَهُنَّ الْيَاءُ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ، وَاللَّامُ بغير

стр. 42

غُنَّةٍ نَحْوَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وَالرَّاءُ بِغَيْرِ غُنَّةٍ نَحْوَ: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾. وَالْوَاوُ بِغَيْرِ غُنَّةٍ فِي قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَحْدَهُ، والْبَاقُونَ بِغُنَّةٍ نَحْوَ ﴿غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ﴾ وَ ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ وَعِنْدَ الْمَيِمِ بِغُنَّةٍ لَا غَيْرَ نَحْوَ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وَعِنْدَ النُّونِ مِثْلَهَا بِغُنَّةٍ لَا غَيْرَ، نَحْوَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ، ﴾ ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو: «يُخَادِعُونَ» بِالْأَلِفِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ الْأَلِفِ. - وَحَدَّثَنِي أبو بكر بن الأعرابي، قال: وحدثنا الْمُبَرِّدُ ﵀ قَالَ: يَخْدَعُونَ وَيُخَادِعُونَ الْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ، غَيْرَ أَنَّ يُخَادِعُونَ بِالْأَلِفِ الِاخْتِيَارُ، لِتُعْطَفَ لَفْظَةٌ عَلَى شَكْلِهَا. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي «يُخَادِعُونَ» فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُفَاعِلُونَ وَفَاعَلْتَ فِعْلٌ مِنِ اثْنَيْنِ، وَرُبَّمَا جَاءَ الْوَاحِدُ كَقَوْلِهِمْ: طَارَقْتُ النَّعْلَ، وَعَافَاكَ اللَّهُ مِنْ ذَاكَ، وَمِنْ ذَلِكَ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، أَيْ: قَتَلَهُمُ اللَّهُ، وَيُخَادِعُونَ بِمَعْنَى: يَخْدَعُونَ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّحْوِ: فَاعَلْتَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ، فَمُخَادَعَةُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ أَنْ يُجَازِيَهُمْ جَزَاءَ خَدْعِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿نَسُوُا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾. - حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ، عَنِ الْمُبَرِّدِ ﵄، أَنَّ مُؤَرِّقًا الْعِجْلِيَّ، قَرَأَ: «وَمَا يُخَدِّعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ» وَكَانَ مُوَرِّقٌ أَسَدَّ النَّاسِ. - حَدَّثَنَا ابْنُ عَرَفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى الْخُلْقَانِيُّ، قَالَ: كَانَ مُؤَرِّقٌ الْعِجْلِيُّ يَجِيءُ بِالصُّرَّةِ إِلَى الرَّجُلِ، فَيَقُولُ، إِذَا نَفِدَتْ أَمْدَدْنَاكَ، وَكَانَ يُودِعُ الصُّرَّةَ الْإِنْسَانَ ثُمَّ يَجِيءُ فَيَقُولُ: أَنْتَ فِي حِلٍّ. وَيُقَالُ: خَدَعَتِ الْعَيْنُ: نَامَتْ، وَ «بَيْنَ يَدَيِ الدَّجَّالِ سُنُونَ خَدَّاعَةٌ»، أَيْ: نَاقِصَةُ النَّمَاءِ وَالزَّكَاءِ، وَخَدَعَ الرِّيقُ: نَقَصَ وَتَغَيَّرَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا نَقَصَ خَثُرَ، أَيْ: غَلُظَ، وَإِذَا خَثُرَ جَفَّ وَتَغَيَّرَ، وَبِذَلِكَ يَخْلُفُ فَمُ الصَّائِمِ، قَالَ سُوَيْدٌ: أَبْيَضَ اللَّوْنِ لَذِيذًا طَعْمُهُ ... طَيِّبَ الرِّيحِ إِذَا الرِّيقُ خَدَعْ - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَابْنُ عَامِرٍ بِرِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ «فَزَادَهُمُ اللَّهُ» بِالْإِمَالَةِ، وَكَذَلِكَ شَاءَ وَجَاءَ، وَفَتْحِ الْبَاقِي، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ كُلُّهُمْ بِفَتْحِ ذَلِكَ كُلِّهِ.

стр. 43

فَمَنْ كَسَرَ فَحُجَّتُهُ أَنَّ عَيْنَ الْفِعْلِ مِنْهَا مَكْسُورَةٌ، وَإِذَا رَدَّهَا الْمُتَكَلِّمُ إِلَى نَفْسِهِ كَانَتْ أَلِفًا مَكْسُورَةً نَحْوَ: زَادَ وَزِدْتُ، وَطَابَ وَطِبْتُ، وَشَاءَ وَشِئْتُ، فَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ قَرَأَ حَمْزَةُ «فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ» بِالْإِمَالَةِ «أَزَاغَ اللَّهُ» بِالْفَتْحِ، لِأَنَّكَ تَقُولُ زِغْتُ وَأَزَغْتُ، وَكَذَلِكَ ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ وَلَمْ يَقْرَأْ «فَأَجَاءَهَا» بِالْإِمَالَةِ، لِأَنَّكَ تَقُولُ: أَجَأْتُ. وَمَنْ فَتَحَ أَوَائِلَهَا فَإِنَّهُ أَتَى بِالْكَلِمَةِ عَلَى أَصْلِهَا، وَأَصْلُ كُلِّ فِعْلٍ إِذَا كَانَ ثُلَاثِيًّا أَنْ يَكُونَ أَوَّلُهُ مَفْتُوحًا. وَمَنْ كَسَرَ بَعْضًا وَفَتَحَ بَعْضًا فَإِنَّهُ أَتَى بِاللُّغَتَيْنِ لِيُعْلِمَ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ، وَأَنْ لَا يُخْرَجَ الْقَارِئُ إِذَا قَرَأَ بِأَحَدِهِمَا أَوْ بِهِمَا، كَمَا رُوِيَ عن رسول الله ﷺ : «مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ» وَ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، ونَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ «يُكَذِّبُونَ» مُشَدَّدَةً وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «يَكْذِبُونَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﵁، سَمِعْتُ ابْنَ مُجَاهِدٍ، يَقُولُ: مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ مُتَقَارِبٌ، لِأَنَّ مَنْ كَذَّبَ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَدْ كَذَّبَ غَيْرَهُ، لِأَنَّ كَذَبَ فِعْلٌ لِازِمٌ، يُقَالُ: كَذَبَ زَيْدٌ فِي نَفْسِهِ، وَكَذَّبَ وَأَكْذَبَ غَيْرَهَ، وَفَرَّقَ الْكِسَائِيُّ بَيْنَ كَذَّبَ وَأَكْذَبَ فَقَالَ: يُقَالُ: أَكْذَبْتَ فُلَانًا إِذَا أَخْبَرْتَ أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ كَذِبٌ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِي نَفْسِهِ، وَكَانَ يَقْرَأُ: «فَإِنَّهُمْ لَا يَكْذِبُونَكَ». وَقَالَ الْآخَرُونَ: كَذَبَ زَيْدٌ فِي نَفْسِهِ وَكَذَّبَ غَيْرَهُ وَأَكْذَبَهُ: إِذَا صَادَفَهُ كَاذِبًا، كَمَا يُقَالُ: أَحْمَقْتُ زَيْدًا، أَيْ صَادَفْتُهُ أَحْمَقَ، وَكَذَلِكَ أَحْمَدْتُهُ أَيْ أَصَبْتُهُ مَحْمُودًا، كَمَا قَالَ الْقَائِلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : «لَقَدْ سَأَلْنَاكُمْ فَمَا أَبْخَلْنَاكُمْ، وَقَاتَلْنَاكُمْ فَمَا أَجْبَنَّاكُمْ»، أَيْ: مَا صَادَفْنَاكُمْ بُخَلَاءَ جُبَنَاءَ مَمْدُودَانِ، وَالصَّوَابُ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ مَعْدِيكَرِبَ قَالَ لِقَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ هَذَا. أَخْبَرَنَا ابْنُ دُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ التُّوَّزِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ مَعْدِيكَرِبَ أَتَى مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ، بِالْبَصْرَةِ يَسْأَلُهُ الصِّلَةَ، فَقَالَ: اذْكُرْ حَاجَتَكَ. فَقَالَ: حَاجَتِي صِلَةُ مِثْلِي، فَأَعْطَاهُ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَفَرَسًا مِنْ بَنَاتِ الْغَمْرَاءِ، وَسَيْفًا قَيَامِيًا، وَغُلَامًا خَبَّازًا، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ لَهُ أَهْلُ الْمَجْلِسِ: كَيْفَ وَجَدْتَ

стр. 44

صَاحِبَكَ؟ قَالَ: لِلَّهِ دَرُّ بَنِي سُلَيْمٍ مَا أَشَدَّ فِي الْهَيْجَاءِ قِتَالَهَا، وَأَكْرَمَ فِي اللَّزَبَاتِ عَطَاءَهَا، وَأَثْبَتَ فِي الْمَكْرُمَاتِ بِنَاءَهَا، وَاللَّهِ لَقَدْ قَاتَلْتُهَا، فَمَا أَجْبَنْتُهَا، وَسَأَلْتُهَا فَمَا أَبْخَلْتُهَا وَهَاجَيْتُهَا فَمَا أَفْحَشْتُهَا، فَأَمَّا قَوْلُ الشَّاعِرِ: لَسْتُ أُبَالِي أَنْ أَكُونَ مُحْمِقَهْ ... إِذَا رَأَيْتُ خِصْيَةً مُعَلَّقَهْ فَإِنَّهُ يُقَالُ: أَحْمَقَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا وَلَدَتِ الْحَمْقَى، فَتَقُولُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ: لَسْتُ أُبَالِي إِذَا وَلَدْتُ ذَكَرًا أَنْ يَكُونَ أَحْمَقَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾. قَرَأَ الْكِسَائِيُّ: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ» بإشمام القاف الضم، وكذلك «وسيق» و «جيء» وَ «حِيلَ» وَ «وَسِيءَ» وَ «وَسِيئَتْ» وَ «وغيض» وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَحْرُفٍ بِالضَّمِّ، وَكَسَرَ الْبَاقِي «سِيقَ» «وَحِيلَ» «وَسِيءَ» وَ «وَسِيئَتْ». وَقَرَأَ مِنْ ذَلِكَ حَرْفَيْنِ نَافِعٌ بِالضَّمِّ «وسيئ» «وَسِيئَتْ». وَالْبَاقُونَ يَكْسِرُونَ أَوَائِلَ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَمَنْ كَسَرَ يَقُولُ: هُوَ فِعْلٌ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَالْأَصْلُ قُوِلَ مِثْلُ ضُرِبَ فَاسْتَثْقَلُوُا الْكَسْرَةَ عَلَى الْوَاوِ فَنُقِلَتْ إِلَى الْقَافِ بَعْدَ أَنْ أَزَالُوا حَرَكَةَ الْقَافِ، ثُمَّ قَلَبُوُا الْوَاوَ يَاءً لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، كَمَا قَالُوا: مِيزَانٌ وَمِيعَادٌ، وَمِيقَاتٌ، وَالْأَصْلُ: مِوْزَانٌ، وَمِوْعَادٌ، وَمِوْقَاتٌ، فَقَلَبُوُا الْوَاوَ يَاءً لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا. وَمَنْ ضَمَّ أَوَّلَهَا، قَالَ: بَقِيَتْ عَلَامَةُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَأَمَّا مَنْ كَسَرَ بَعْضًا وَضَمَّ بَعْضًا، فَقَدْ قُلْتُ فِيمَا تَقَدَّمَ: إِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، فَأَمَّا قَوْلُ الشَّاعِرِ: وَاسْتُعْجِمَتْ عَجَلٌ وَأُمُّ الرَّحَّالْ ... وَقُولَ لَا أَهْلَ لَهَا وَلَا مَالْ فَإِنَّ هَذِهِ لُغَةُ قَوْمٍ يُشْبِعُونَ ضَمَّةَ أَوَّلِ الْحَرْفِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، فَتُقْلَبُ الْيَاءُ وَاوًا، وَهِيَ لَا تَدْخُلُ فِي الْقِرَاءَةِ بِخِلَافِ الْمُصْحَفِ، وَلِأَنَّهَا لُغَةٌ رَدِيئَةٌ شَاذَّةٌ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿السُّفَهَاءُ أَلَا﴾. قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ والْكِسَائِيُّ وَابْنُ عَامِرٍ بِهَمْزَتَيْنِ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، هَمْزَةُ «أَلَا» وَهِيَ مَفْتُوحَةٌ، وَهْمَزَةُ «السُّفَهَاءُ» وَهِيَ مَضْمُومَةٌ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيَّنُوُا الثَّانِيَةَ كَرَاهَةً لِاجْتِمَاعِ هَمْزَتَيْنِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا إِذَا كَانَتِ الْهَمْزَتَانِ مُتَّفِقَتَيِ الْحَرَكَتْيِنِ، وَهُمَا: أَنْ يَكُونَا مَضْمُومَتَيْنِ، نَحْوَ: ﴿أَوْلِيَاءُ﴾

стр. 45

﴿أُولَئِكَ﴾ أَوْ مَكْسُورَتَيْنِ نَحْوَ: ﴿هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادقين﴾ أو مفتوحتين نحو: ﴿أأنذرتهم﴾ فَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَوَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ، بِتَلْيِينِ الثَّانِيَةِ وَهَمْزِ الْأُولَى، نَحْوَ: «هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ» «ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ» وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخَلِيلِ ﵀ شَبَّهَةُ بِآزَرَ وَآدَمَ، أَعْنِي فِي تَلْيِينِ الثَّانِيَةِ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ الأولى تخفيفا «هؤلاء إِنْ كُنْتُمْ» «شَا أَنْشَرَهُ» وَ «أَوْلِيَا أُولَئِكَ». وَقَرَأَ نَافِعٌ بِلَفْظَةٍ كَالْيَاءِ، أَعْنِي الْهَمْزَةَ الْأُولَى إِذَا كَانَتْ مَكْسُورَةً، وَبِلَفْظَةٍ كَالْوَاوِ إِذَا كَانَتْ مَضْمُومَةً فِي رِوَايَةِ قَالُونٍ، وَالْمُسَيَّبِيِّ، نَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ، ﴾ ﴿أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ﴾ لِأَنَّهُ كَمَا لَيَّنَ الْهَمْزَةَ جَعَلَهَا شِبْهَ الْوَاوِ وَالْيَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ. - وقوله تعالى: ﴿إنما نحن مستهزؤن﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ: إِذَا وَقَفَ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ وَإِشْمَامِ الزَّايِ الْكَسْرَ، وَبِجَعْلِ الْهَمْزَةِ بَيْنَ الْوَاوِ وَالْيَاءِ، وَلَا يَضْبِطُ ذَلِكَ الْكِتَابُ، إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَالْبَاقُونَ يَقِفُونَ كَمَا يَصِلُونَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ «فِي طُغْيَانِهِمْ» بِالْإِمَالَةِ، وَكَذَلِكَ «فِي آذَانِهِمْ». وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، فَحُجَّةُ الْكِسَائِيِّ فِي إِمَالَةِ طُغَيَانِهِمْ كَسْرَةُ النُّونِ وَالْيَاءِ، وَلِأَنَّ الطُّغْيَانَ وَالطَّغْوَى بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ أَرَادَ: بِطُغْيَانِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ قِيلَ: الطَّغْوَى لِيُشَاكِلَ رُءُوسَ الْآيِ فِي السُّورَةِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْكَافِرُونُ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ فَجَمَعَ كَافِرًا عَلَى كَفَرَةٍ لِيُوَافِقَ رُءُوسَ الْآيِ. فَأَمَّا إِمَالَةُ «آذَانِهِمْ» فَإِنْ كَانَ الْكِسَائِيُّ أَمَالَهُ سَمَاعًا فَقَدْ زَالَ السُّؤَالُ وَإِنْ كَانَ أَمَالَهُ قِيَاسًا فَقَدْ أَخْطَأَ الْقِيَاسَ، لِأَنَّ أَلْأَلِفَ فِي آذَانِ الَّتِي بَعْدَ الذَّالِ أَلِفُ الْجَمْعِ، وَأَلِفُ الْجَمْعِ لَا تُمَالُ وَيَلْزَمْهُ أَنْ يُمِيلَ «بِأَسْمَائِهِمْ»، «وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ» فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ فإن الألف أميلت، لأن بعدها رَاءٌ، وَقَدْ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزَّعْرَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ، عَنِ الْكِسَائِيِّ، قَالَ: لِلْعَرَبِ فِي إِمَالَةِ ذوات

стр. 46

الرَّاءِ رَغْبَةٌ لَيْسَتْ لَهُمْ فِي غَيْرِهَا حَتَّى أَمَالُوا: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ وَ ﴿قَدْ نَرَى﴾ وَلِذَلِكَ فَرَّقَ أَبُو عَمْرٍو بَيْنَ ذَوَاتِ الرَّاءِ وَغَيْرِهَا، فَقَرَأَ: «وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا» فَأَمَالَ ذَوَاتِ الرَّاءِ وَلَمْ يُمِلْ غَيْرَهَا. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِإِمَالَةِ ذَوَاتِ الْيَاءِ، نَحْوَ: الْهُدَى، وَالْحِمَى، وَالدُّنْيَا، وَغَزَى «إِذَا تَوَلَّى سَعَى» وَمُوسَى، وَعِيسَى. وَقَرَأَ نَافِعٌ بَيْنَ التَّفْخِيمِ وَالْإِمَالَةِ وَهُوَ إِلَى الْفَتْحِ أَقْرَبُ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فِي رُءُوسِ الْآيِ نَحْوَ آيَاتِ ﴿طه﴾ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، ﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ بَيْنَ بَيْنَ، أَوْ كَانَ الِاسْمُ عَلَى فُعْلَى نَحْوَ: الدُّنْيَا، أَوْ على فعلى، نحو: «شتى» وعلى فِعْلَى نَحْوَ: «عِيسَى»، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، فَمَنْ فَتَحَ فَعَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، وَمَنْ أَضْجَعَ وَأَمَالَ فَلِأَنْ يُعْمِلَ لِسَانَهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، إِذْ كَانَتِ الْإِمَالَةُ تَقْرُبُ مِنَ الْيَاءِ، فَأَمَّا حَمْزَةُ فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ ذَوَاتِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ فَقَرَأَ: «وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا» بِالْفَتْحِ، «وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا» بِالْإِمَالَةِ، وَالْعَرَبُ إِذَا اجْتَمَعَ فِي أَوَاخِرِ الْآيِ أَوْ قَرُبَتْ ذَوَاتُ الْيَاءِ مِنَ الْوَاوِ أَتْبَعُوا بعضا بَعْضًا، أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عَنِ السِّمَّرِيِّ، عَنِ الْفَرَّاءِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحْدَهُ «فِيهِي» بِيَاءٍ بَعْدَ الْهَاءِ، وَكَذَلِكَ مَا شَاكَلَ ذَلِكَ نَحْوَ عَلَيْهِي، وَالْبَاقُونَ بِاخْتِلَاسِ الْحَرَكَةِ فِي غَيْرِ يَاءٍ، فَقِرَاءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّ الْهَاءَ حَرْفٌ خَفِيٌّ، فَقَوَّوْهَا بِحَرَكَةٍ وَحَرْفٍ، فَإِذَا انْفَتَحَ مَا قَبْلَ الْهَاءِ أَتْبَعُوهَا ضَمَّةً وَوَاوًا، كَقَوْلِهِ: «فَقَدَّرَهُو، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُو» فَإِنْ سَكَنَ مَا قَبْلَهَا فَابْنُ كَثِيرٍ يُبْقِي الْوَاوَ، نَحْوَ: «مِنْهُو آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ» وَ «وَاجْتَبَاهُو وَهَدَاهُو» عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، وَمَنْ حَذَفَ الْوَاوَ وَالْيَاءَ، قَالَ: كَرِهْتُ الْجَمْعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ إِلَّا الْهَاءُ، وَهِيَ حَرْفٌ خَفِيٌ ضَعِيفٌ، وَالْأَصْلُ فِي الْهَاءِ الضَّمُّ، وَإِنَّمَا تُكْسَرُ إِذَا تَقَدَّمَتْهَا كَسْرَةٌ أَوْ يَاءٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﵁: وَجَدْتُ فِي الْقُرْآنِ خَمْسَةَ أَحْرُفٍ، قَدْ ضُمَّتِ الْهَاءُ فِيهَا عَلَى الْأَصْلِ، مِنْ ذَلِكَ: قِرَاءَةُ حَمْزَةَ «لِأَهْلِهُ امْكُثُوا» وَقَرَأَ حَفْصٌ: ««بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ» «وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ» وَرَوَى أَبُو قُرَّةَ عَنْ نَافِعٍ: «بِهُ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ»

стр. 47

الْآيَاتِ». وَأَمَّا غَيْرُ السَّبْعَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَضُمُّ كُلَّ هَاءٍ فِي الْقُرْآنِ، مِنْهُمْ مُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ، قَرَأَ «لَا رَيْبَ فِيهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ» وَقَرَأَ شَيْبَةُ: «فَخَسَفْنَا بِهُ وَبِدَارِهُ الْأَرْضَ» فَمَنْ ضَمَّ فَهُوَ الْأَصْلُ، وَمَنْ كَسَرَ فَلِمُجَاوَرَةِ كَسْرَةٍ أَوْ يَاءٍ، وَفِي الْهَاءِ لُغَةٌ أُخْرَى، وَهُوَ حَذْفُ الْوَاوِ إِذَا انْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا، وَلَمْ يَقْرَأْ بِهِ أَحَدٌ، غَيْرَ أَنَّ الشَّاعِرَ قَالَ: لَهُ زَجَلٌ كَأَنَّهُ صَوْتُ حَادٍ ... إِذَا سَمِعَ الْوَسِيقَةَ أَوْ زَمِيرُ الْوَسِيقَةُ: الطَّرِيدَةُ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ بِإِشْبَاعِ الْفَتْحَةِ طَلَبًا لِلْأَلِفِ، لِأَنَّ حَمْزَةَ يَعْتَبِرُ قِرَاءَتَهُ بِحَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ، وَفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ «شَايٍ» وَيَسْكُتُ عَلَى الْيَاءِ، أَعْنِي حَمْزَةَ، سَكْتَةً خَفِيفَةً قَبْلَ الْهَمْزَةِ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِالْأَرْضِ وَالْأَسْمَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «شَيْءٍ» عَلَى وَزْنِ شَيْعٍ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ و ﴿بِنَاءً﴾ وَنَحْوَهُمَا كَانَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ يَقِفُ «بِنَا» «مَا» لِأَنَّهَا فِي الْمُصْحَفِ مَكْتُوبَةٌ بألف واحدة. والباقون يقفون «بناء» «من السماء ماء» «فلما تراءا»، «أنشأناهن إنشاء» قَالَ الشَّاعِرُ: لَا تُدْخِلَنْ حَلْقَكَ شَيْئًا تَرَى ... حتى تجيء خلفه الماء جِئْتَ مِنَ الْبَدْوِ أَبَا خَالِدٍ ... كَيْفَ تَرَكْتَ الْإِبِلَ وَالشَّاءَا قَالَ: وَأَنْشَدَنَا ابْنُ دُرَيْدٍ ﵀ لِنَفْسِهِ: أَبْقَيْتَ لِي سُقْمًا يُمَازِجُ مُهْجَتِي ... من ذا يلذ مع السقام بقاء فَأَمَّا الْكِسَائِيُّ فَإِنَّهُ كَانَ يَقِفُ عَلَى قَوْلِهِ: «فَلَمَّا تَرَاءَى» بِالْيَاءِ بَعْدَ الْهَمْزَةِ مِثْلَ: تَدَاعَى، وَتَقَاضَى، فَمَنْ وَقَفَ بِأَلِفَيْنِ أَعْنِي عَلَى قَوْلِهِ: «بناء» «وماء» فِلَأَنَّهُ ثَلَاثُ أَلِفَاتٍ، وَالْأَصْلُ فِي مَاءٍ: مَوَهَ فَقَلَبُوهُ مِنَ الْوَاوِ أَلِفًا وَمِنَ الْهَاءِ أَلِفًا أُخْرَى، وَالثَّالِثَةُ عِوَضٌ مِنَ التَّنْوِينِ فِي الْوَقْفِ، وَأَمَّا «بِنَاءً» فَأَلِفُهُ الْأُولَى مَجْهُولَةٌ، وَالثَّانِيَةُ: سَنَخِيَّةٌ، وَالثَّالِثَةُ: عِوَضٌ مِنَ التَّنْوِينِ، وَزْنُهُ فِعَالْ وَ «مَاءٌ» وَزْنُهُ فَعَلٌ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ «لَا يَسْتَحِي» بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ كَأَنَّهُ كَرِهَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا

стр. 48

فَأَلْقَى كَسْرَةَ الْأُولَى عَلَى الْحَاءِ وَحَذَفَ الْيَاءَ الْأُولَى لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: اسْتَحْيَيْتُ وَاسْتَحَيْتُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ وَابْنُ كَثِيرٍ مَعَهُمْ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ «يَسْتَحْيِي» بَيَاءَيْنِ، وَشَاهِدُهُ: ﴿يَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ وَإِنْ كَانَتِ الْأُولَى فِي الْحَيَاءِ، وَالثَّانِيَةُ فِي الْحَيَاةِ وَالِاسْتِبْقَاءِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَالْكِسَائِيُّ فِي رِوَايَةِ أَبِي عُمَرَ «الْكَافِرِينَ» بِالْإِمَالَةِ فِي مَوْضِعِ الْجَرِّ وَالنَّصْبِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّفْخِيمِ، فَمَنْ فَتَحَ فَعَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، وَمَنْ أَمَالَ قَالَ: إِنَّمَا أَمَلْتُ الْأَلِفَ لِاجْتِمَاعِ أَرْبَعِ كَسَرَاتٍ، كَسْرَةِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ، وَالْيَاءُ تَنُوبُ عَنْ كَسْرَتَيْنِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ فِي الْكَلِمَةِ أَرْبَعُ كَسَرَاتٍ جَذَبْنَ الْأَلِفَ إِلَيْهِنَّ بِقُوَّتِهِنَّ فَأَمَلْنَهَا. قال أبو عبد الله ﵁: فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: هَلَّا أَمَالَ ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ وَقَدِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ أَرْبَعُ كَسَرَاتٍ. فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُمْ تَرَكُوا إِمَالَةَ ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ لِثَلَاثِ عِلَلٍ: إِحْدَاهُنَّ: أَنَّ اللَّامَ مُدْغَمَةٌ فِي الشِّينِ، فَكَرِهُوُا الْإِمَالَةَ مَعَ التَّشْدِيدِ. وَالْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ قَلِيلُ الدَّوْرِ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يَكْثُرْ كَكَثْرَةِ الْكَافِرِينَ. فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ عَنِ الْكَافِرِينَ، فَقَالَ: الْإِمَالَةُ فِي الْأَلِفٍ أَوِ الْكَافِ؟ فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أن الإمالة لا تكون إلا في الألف، وَإِنَّمَا يُشِمُّ الْكَافَ الْكَسْرَ لِتَصِحَّ الْإِمَالَةُ، وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُمَا مُمَالَانِ وَذَلِكَ خَطَأٌ. وَالْعِلَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الشِّينَ وَالْجِيمَ وَالْيَاءَ يَخْرُجْنَ مِنْ وَسَطِ اللِّسَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَنَكِ، فَلَمَّا كَانَتْ مُجَاوِرَةَ الْيَاءِ كَرِهُوُا الْإِمَالَةَ فِي الشِّينِ كَمَا كَرِهُوا فِي الْيَاءِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾. قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ: «فَأَحْيَاكُمْ» بِالْإِمَالَةِ، وَ «لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى» وَ «أَمَاتَ وَأَحْيَا». وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، إِلَّا حَمْزَةَ فَإِنَّهُ كَانَ يُمِيلُ إِذَا تَقَدَّمَتْهَا وَاوٌ، وَلَا يُمِيلُ إِذَا تَقَدَّمَتْهَا فَاءٌ. فَمَنْ فَتَحَ فَعَلَى أَصْلِ الكلمة.

стр. 49

وَمَنْ أَمَالَ فَلِأَجْلِ الْيَاءِ. فَأَمَّا حَمْزَةُ فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْفَاءِ وَالْوَاوِ، لِأَنَّ الْفَاءَ مُتَّصِلَةٌ بِالْكَلِمَةِ خَطًّا، وَالْوَاوَ مُنْفَصِلَةٌ، وَكَرِهَ الْإِمَالَةَ مَعَ الْفَاءِ اسْتِثْقَالًا لِلزَّائِدِ، كَمَا قَرَأَ «شَا أَنْشَرَهُ» بِالْإِمَالَةِ، وَقَرَأَ «إِنْشَاءً» بِالتَّفْخِيمِ، وَلَمْ يَحْفِلْ بِالْوَاوِ إِذْ لَمْ تَكُنْ مُنْفَصِلَةً وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ بِالْمُرْضِيَةِ، لِأَنَّ الْإِمَالَةَ وَالتَّفْخِيمَ فِي اللَّفْظِ لَا فِي الْخَطِّ، وَالنُّطْقُ بِالْوَاوِ وَالْفَاءِ سِيَّانِ، فَمَنْ أَمَالَ مَعَ الْفَاءِ وَجَبَ أَنْ يُمِيلَ مَعَ الْوَاوِ، وَمَنْ فَخَّمَ مَعَ هَذِهِ وَجَبَ أَنْ يُفَخِّمَ مَعَ هَذِهِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِضَمِّ الْهَاءِ، وَكَذَلِكَ «فَهُوَّ»، «وَلَهُوَّ»، و «ثُمَّ هُوَّ»، وَكَذَلِكَ «فَهِيَّ كَالْحِجَارَةِ» «هِيَّ» «لَهِيَّ»، كُلَّ ذَلِكَ بِالتَّثْقِيلِ. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِتَخْفِيفِ ذَلِكِ كُلِّهِ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو كَذَلِكَ إِلَّا مَعَ ثُمَّ، وَكَذَلِكَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةِ قَالُونٍ، وَالْمُسَيَّبِيِّ مِثْلُ أَبِي عَمْرٍو، وَفِي رِوَايَةِ وَرْشٍ مِثْلُ ابْنِ كَثِيرٍ، فَمَنْ ضَمَّ الْهَاءَ وَثَقَّلَهَا فَعَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ قَبْلَ أَنْ يَتَّصِلَ بِهَا حَرْفٌ. وَمَنْ خَفَّفَهَا قَالَ: لَمَّا اتَّصَلَتِ الْحُرُوفُ بِالْهَاءِ أَسْكَنُوُا الْهَاءَ تَخْفِيفًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ بِكَسْرِ اللَّامِ عَلَى الْأَصْلِ وَ «ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ» بِإِسْكَانِ اللَّامِ تَخْفِيفًا «وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ». فَأَمَّا نَافِعٌ، وَأَبُو عَمْرٍو فَإِنَّهُمَا أَسْكَنَا مَعَ الْفَاءِ وَالْوَاوِ لِاتَّصَالِهِمَا بِالْهَاءِ، وَلَمْ يُسْكِنَا مَعَ «ثُمَّ» لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ مُنْفَصِلَةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ قِرَاءَةَ حَمْزَةَ، لِأَنَّ «ثُمَّ» هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ إِذَا كَانَا مُنْفَصِلَيْنِ مِنَ الْكَلِمَةِ خَطًّا لَا لَفْظًا، وَفِي «هُوَ» لُغَةٌ أُخْرَى، وَلَيْسَتْ تَدْخُلُ فِي الْقِرَاءَةِ، غَيْرَ أَنَّ الشَّاعِرَ قَالَ: وَإِنَّ لِسَانِي شُهْدَةٌ إِنْ حَبَسْتُهَا ... وَهُوَّ عَلَى مَنْ صَبَّهُ اللَّهُ عَلْقَمُ وَمِثْلُ هَذَا: «لَوٌّ» وَأَنْتَ تُرِيدُ «لَوْ» وَيُنْشِدُ: إِنَّ لَيْتًا وَإِنَّ لَوًّا عَنَاءُ وَقَالَ آخَرُ: فَهِيَّ أَحْوَى مِنَ الرِّبْعِيِّ حَاذِلَهْ ... وَالْعَيْنُ بِالْإِثْمِدِ الْحَارِيِّ مَكْحُولُ - وَقْوُلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.

стр. 50

قَرَأَ نَافِعٌ بِفَتْحِ يَاءِ الْإِضَافَةِ الْمَكْسُورَةِ مَا قَبْلَهَا كَقَوْلِهِ «إِنِّيَ أَعْلَمُ» وَ «إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا» وَ «إِنِّيَ أُرِيدُ». وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو كَذَلِكَ إِلَّا عِنْدَ الْأَلِفِ الْمَضْمُومَةِ. فَأَمَّا ابْنُ كَثِيرٍ، فَإِنَّهُ أَسْكَنَ الْيَاءَ مَعَ الْمَكْسُورِ وَالْمَضْمُومِ، وَفَتَحَهَا مَعَ الْمَفْتُوحِ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ «آبَائِيَ إِبْرَاهِيمَ» وَفِي نُوحٍ «دُعَائِيَ إِلَّا» فَإِنَّهُ فَتَحَهُمَا. وَأَسْكَنَ الْبَاقُونَ كُلَّ ذَلِكَ، أَعْنِي: عَاصِمًا، وَابْنَ عَامِرٍ، وَحَمْزَةَ، والْكِسَائِيَّ إِلَّا فِي أَحْرُفٍ سَتَمُرُّ بِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَمَنْ فَتَحَ الْيَاءَ فَعَلى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَاءَ اسْمُ الْمُتَكَلِّمِ، وَالِاسْمُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَكْنِيًّا أَوْ ظَاهِرًا، فَإِذَا كَانَ ظَاهِرًا أُعْرِبَ، وَإِذَا كَانَ مَكْنِيًّا بُنِيَ عَلَى حَرَكَةٍ، كَالْكَافِ فِي ضَرَبَكَ، وَالتَّاءِ فِي قُمْتُ، وَكَذَلِكَ الْيَاءُ وَجَبَ أَنْ تَكُونُ مَبْنِيَّةً عَلَى حَرَكَةٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ وَ ﴿حِسَابِيَهْ﴾ لِأَنَّ الْهَاءَ إِنَّمَا أُتِيَ بِهَا لِلسَّكْتِ لِيُتَبَيَّنَ بِهَا حَرَكَةُ مَا قَبْلَهَا. وَفِي يَاءِ الْإِضَافَةِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ، فَتْحُ الْيَاءِ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، وَإِسْكَانِهَا تَخْفِيفًا، وَإِثْبَاتُ الْهَاءِ بَعْدَ الْيَاءِ، وَالْحَذْفُ اخْتِصَارًا، تَقُولُ الْعَرَبُ: هَذَا غُلَامِيَ، وَغُلَامِي، وَغُلَامِيَهْ، وَغُلَامِ. قَالَ الشَّاعِرُ: فطرت بمنصلي في يعملات ... دوامى الأيد يخبطن السَّرِيحَا أَرَادَ: الْأَيْدِي فَحَذَفَ الْيَاءَ اخْتِصَارًا، وَلَيْسَتْ بِيَاءِ الْإِضَافَةِ، وَقَالَ الشَّاعِرُ فِي حَذْفِ يَاءِ الْإِضَافَةِ: وَمِنْ كَاشِحٍ ظَاهِرٍ غِمْزُهُ ... إِذَا مَا انْتَسَبْتُ لَهُ أَنْكَرَنْ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ وَ ﴿فَاتَّقُونِ﴾، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، ﴾ و ﴿يطعمني وَيَسْقِينِ﴾ بِحَذْفِ الْيَاءِ فِي ذَلِكِ كُلِّهِ. فَأَمَّا ابْنُ كَثِيرٍ، فَإِنَّهُ فَتَحَ الْيَاءَ إِذَا اسْتَقْبَلَهَا أَلِفٌ مَفْتُوحَةٌ، وَلَمْ يَفْتَحْهَا مَعَ الْمَضْمُومِ وَالْمَكْسُورِ اسْتِثْقَالَا لَهُمَا. وَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَفْتَحُ عِنْدَ الْمَكْسُورِ وَالْمَفْتُوحِ، وَيُسْكِنُ الْيَاءَ مَعَ الْمَضْمُومِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: «فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا» فَقَالَ بَعْضُ مَنِ احْتَجَّ لِأَبِي عَمْرٍو: إِنَّمَا

стр. 51

أَسْكَنَ، لِأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ كَسْرٍ إِلَى ضَمٍّ، وَذَلِكَ غَلَطٌ عِنْدَهُ، لِأَنَّ مَا قَبْلَ الْيَاءِ مَكْسُورٌ، وَلَيْسَتِ الْيَاءُ السَّاكِنَةُ بِحَاجِزٍ قَوِيٍّ، وَلَكِنَّهَا إِذَا تَحَرَّكَتْ قَوِيَتْ فَكَانَتْ حَاجِزًا، فَهُوَ إِذَا أَسْكَنَ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ كَسْرٍ إِلَى ضَمٍّ، وَإِذَا فَتَحَ لَمْ يَخْرُجْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ: أُدْخُلْ، وَالْأَصْلُ إِدْخُلْ بِكَسْرِ الْأَلِفِ، فَلَمَّا كَرِهُوُا الْخُرُوجَ مِنْ كَسْرٍ إِلَى ضَمٍّ، ضَمُّوُا الْأَلِفَ لِتَتْبَعَ الضَّمَّةَ إِذْ كَانَ السَّاكِنُ بَيْنَهُمَا لَيْسَ حَاجِزًا قَوِيًّا. وَالْحُجَّةُ لِأَبِي عَمْرٍو أَنَّهُ إِنَّمَا يُسْكِنُ مَعَ الْمَضْمُومِ، لِأَنَّ الْضَّمَّةَ أَثْقَلُ الْحَرَكَاتِ، وَالسُّكُونَ أَخَفُّ مِنَ الْحَرَكَةِ، فَأَسْكَنَ الْيَاءَ مَعَ الْمَضْمُومِ لِتَخِفَّ الْكَلِمَةُ، وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ. فَأَمَّا فَتْحُ الْيَاءِ فِي قِرَاءَةِ حَفْصٍ، فِي نَحْوِ «وَلِيَ نَعْجَةٌ» وَقِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ: «وَلِيَ دِينٌ» فَلِأَنَّ الِاسْمَ الْيَاءُ، وَاتَّصَلَتْ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ فَفُتِحَتْ تَكْثِيرًا لِلْكَلِمَةِ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي نَحْوِ وَلَّى، أَلْفَانِ، لِئَلَّا تَسْقُطَ الْيَاءُ لِالْتِقَاءَ السَّاكِنَيْنِ لِقِلَّةِ حُرُوفِ الْكَلِمَةِ، فَأَمَّا قِرَاءَةُ حَفْصٍ: «مَعِيَ عَدُوًّا» وَنَحْوَهُ، فَإِنَّ حروف الصفات ما كان حَرْفَيْنِ نَحْوَ: مِنْ، وَعَنْ، مَعَ، إِذَا أَضَفْتَهُنَّ إِلَى مَا بَعْدَهُنَّ أَسْكَنْتَ النُّونَ فِي نَحْوِ: «مِنْ»، «عَنْ» وَفَتَحْتَ الْعَيْنَ فِي «مَعَ» فَقُلْتَ: مِنْ زَيْدٍ، وَعَنْ زَيْدٍ، وَمَعَ زَيْدٍ، لِأَنَّ الْعَيْنَ مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ، وَحُرُوفُ الْحَلْقِ تُفْتَحُ المواضع الَّذِي يُسْكَنُ فِيهِ غَيْرُهَا، فَلَمَّا انْفَتَحَتِ الْعَيْنُ فَتَحُوُا الْيَاءَ لِمُجَاوَرَتِهَا الْعَيْنَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ: «فَأَزَالَهُمَا». وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «فَأَزَلَّهُمَا» فَحُجَّةُ مَنْ قَرَأَ «فَأَزَلَّهُمَا» أَنَّهُ جُعِلَ مِنَ الزَّلَلِ فِي الدِّينِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: «زَلَّةُ الْعَالِمِ»، وَمَنْ قَرَأَ «فَأَزَالَهُمَا» أَيْ: أَزَالَهُمَا عَنْ مَكَانِهِمَا مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ أَيْ: زَلَاهُمَا بِقَبُولِهِمَا مِنَ الشَّيْطَانِ، كَمَا تَقُولُ: تَعَلَّمَ زَيْدٌ مِنْ عَمْرٍو كَلِمَةً أَهْلَكَتْهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: هَلَكَ هُوَ بِقَبُولِهَا مِنْهُ. فَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ حَمْزَةَ «فَأَزَالَهُمَا» بِالْإِمَالَةِ فَإِنَّهُ غَلَطٌ عَلَى حَمْزَةَ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ حَمْزَةَ أَنْ يُمِيلَ مِنْ نَحْوِ هَذَا مَا كَانَتْ فَاءُ الْفِعْلِ مَكْسُورَةً إِذَا رَدَّهَا الْمُتَكَلِّمُ إِلَى نَفْسِهِ، نَحْوَ: خَافَ وَخِفْتُ، وَضَاقَ وَضِقْتُ، وَزَالَ وَزِلْتُ، «وَأَمَّا فَأَزَالَهُمَا» فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَزَلْتُ، فَالزَّايُ مَفْتُوحَةٌ كَمَا قَرَأَ: «فَلَمَّا زَاغُوا» بِالْإِمَالَةِ «أَزَاغَ اللَّهُ» بِالْفَتْحِ.

стр. 52

- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ﴾. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ «أَنْبِئْهِمْ» وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ الْهَاءَ إِنَّمَا تُكْسَرُ إِذَا تَقَدَّمَتْهَا كَسْرَةٌ أَوْ يَاءٌ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «أَنْبِئْهُمْ» وَهُوَ الصَّوَابُ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «فَتَلَقَّى آدَمَ» بِالنَّصْبِ «كلمات» بِالرَّفْعِ، جَعَلَ الْفِعْلَ لِلْكَلِمَاتِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ» بِالنَّصْبِ وَإِنَّمَا كُسِرَتِ التَّاءُ، لِأَنَّهَا غَيْرُ الْأَصْلِيَّةِ، فَمَنْ جَعَلَ الْفِعْلَ لِآدَمَ فَحُجَّتُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّمَ آدَمَ الْكَلِمَاتِ وَأَمَرَهُ بِهِنَّ، فَقَبِلَهَا آدَمُ وَتَلَقَّاهَا. وَأَخْبَرَنَا ابْنُ دُرَيْدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: تَلَا أَبُو مَهْدِيٍّ يَوْمًا آيَةً، فَقَالَ: تَلَقَّيْتُهَا عَنْ عَمْرٍو، تَلَقَّاهَا عَنْ أَبِيهِ، تَلَقَّاهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، تَلَقَّاهَا عَنِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: أَخَذَهَا وَقَبِلَهَا. فَأَمَّا ابْنُ كَثِيرٍ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْفِعْلَ لِلْكَلِمَاتِ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَقِيتَهُ فَقَدْ لَقِيَكَ، وَكُلَّ مَنِ اسْتَقْبَلْتَهُ فَقَدِ اسْتَقْبَلَكَ، وَفِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ: «لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمُونَ»، لِأَنَّ الْعَهْدَ لَمَّا نَالَ الظَّالِمِينَ، نَالَ الظَّالِمُونَ الْعَهْدَ، وَيُنْشِدُ: قَدْ سَالَمَ الْحَيَّاتُ مِنْهُ الْقَدَمَا ... الْأُفْعُوَانَ وَالشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا لِأَنَّ الْقَدَمَ لَمَّا سَالَمَتِ الْحَيَّاتُ، سَالَمَتِ الْحَيَّاتِ الْقَدَمُ. - وقوله تعالى: ﴿فمن تبع هُدَايَ﴾. اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ عَلَى فَتْحِ الْيَاءِ مِنْ «هُدَايَ» لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَهُمَا الْأَلِفُ وَالْيَاءُ، فَفُتِحَتِ الْيَاءُ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، وَمِثْلُهُ: «بُشْرَايَ»، «وَمَحْيَايَ» إِلَّا وَرْشًا فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ نَافِعٍ «هُدَايْ»، «وَبُشْرَايْ» بِإِسْكَانِ الْيَاءِ، وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَ الساكنين، لِأَنَّ الْأَلِفَ قَبْلَ الْيَاءِ حَرْفُ لِينٍ، كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو عَمْرٍو فِي قَوْلِهِ: «وَاللَّائِي يَئِسْنَ» بِإِسْكَانِ الْيَاءِ، وَالِاخْتِيَارُ فَتْحُ الْيَاءِ، وَمِمَّا لَا يَجُوزُ بِحَذْفِ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي الْأَعْرَافِ. - وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. بالتنوين فالألف في الوقف عوض عن التَّنْوِينِ وَلَا يَجُوزُ الْإِمَالَةُ فِيهَا، قَالَ الْأَخْفَشُ: وقرأ بعضهم «وقولوا للناس حسنى»، مثل: ﴿ولله الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. جَعَلَهَا أَلِفَ التَّأْنِيثِ، قَالَ الْبَصْرِيُّونُ: هَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ الِاسْمَ الَّذِي عَلَى «فُعْلَى» لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ مِثْلَ: الصُّغْرَى والكبرى.

стр. 53

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَدْ يَجُوزُ، لِأَنَّ الْخَلِيلَ وَسِيبَوَيْهِ ذَكَرَا أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. جَمْعُ أُخْرَى وَلَمْ يَصْرِفُ آخَرَ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ مِنَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُسْنَى مَعْدُولًا، وَقَوْلُهُ: ﴿قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، أَيْ: لَا تُجَادِلُوهُمْ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. وَقَالَ آخَرُونَ: يَعْنِي جَمِيعَ النَّاسِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَالِاخْتِيَارُ «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا» وَإِنْ كَانَ حَمْزَةُ قَدْ قَرَأَ «حُسْنَى» لِأَنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ ﵉، سَأَلَ رَجُلًا كَيْفَ تَقْرَأُ: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا» أَوْ «حُسْنَى» فَقَالَ: ابْنُ سِيرِينَ أَقْرَأَنِي «حُسْنًا» فَقَالَ: أَمَّا نَحْنُ مَعْشَرَ أَهْلِ الْبَيْتِ فَنَقْرَأُ «حُسْنَى». وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. فَالْيَاءُ الَّتِي قَبْلَ النُّونِ عَلَامَةُ الْجَمِيعِ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ «وَلَا آمِّي الْبَيْتِ الْحَرَامِ» مِثْلَ: «حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» فَأَسْقَطَ النون للإضافة، والياء سقطت لسكونها، وَلَوْلَا خِلَافُ الْمُصْحَفِ لَكَانَتْ قِرَاءَةً جَيِّدَةً. - وَأَمَّا قوله: ﴿من نبإ المرسلين﴾ و ﴿من تلقاء نفسي﴾. فكتبتا في المصحف من نباي وتلقاي بِالْيَاءِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ عِلَّتَهُ فِي الْأَعْرَافِ. - وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾. فَالْوَقْفُ عَلَيْهَا بِالْأَلِفِ، وَلَا تَكُونُ عِوَضًا فِي التَّنْوِينِ، وَهِيَ لَامُ الْفِعْلِ أَصْلِيَّةٌ، وَالْأَصْلُ: عَمَيٌّ، فَانْقَلَبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِتَحُرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمٍ» فَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ هِيَ بِالْأَلِفِ، وَأمَّا قَوْلُهُ: «يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ» هَذِهِ الْأَلِفُ مُبْدَلَةٌ مِنْ يَاءٍ، وَالْأَصْلُ يَا وَيْلَتِي، كَمَا قَالُوا: «يَا رَبِّي» وَ «يَا رَبَّا» وَ «يَا عَجَبِي» وَ «يَا عَجَبَا» وَ «يَا حَسْرَتِي» وَ «يَا حَسْرَتَا»، فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ﴾. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُ أَرَادَ: «يَا أَبتِي» ثُمَّ قَلَبَ فَقَالَ: «يَا أَبَتَا، ثُمَّ حَذَفَ الْأَلِفَ». وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ: «يَا أَبَتَاهُ». وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: قَالَ قُطْرُبٌ: أَرَادَ يَا أَبَتًا بِالتَّنْوِينِ فَحَذَفَ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: يَا دَارَ أَقْوَتْ بَعْدَ سَاكِنِيهَا أَرَادَ: دَارًا، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنَ الْبَصْريِّينَ: أَخْطَأَ قُطْرُبٌ: لِأَنَّ الْمُنَادَى الْمَذْكُورَ مَنْصُوبٌ مُعْرَبٌ مُنَوَّنٌ، وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ التَّنْوِينِ، فَالرِّوَايَةُ:

стр. 54

يَا دَارُ أَقْوَتْ. بِالرَّفْعِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾. الْيَاءُ الْأَخِيرَةُ يَاءُ الْإِضَافَةِ أُدْغِمَتْ فِيهَا الْيَاءُ الْأُولَى الَّتِي فِي «عَلَى» وَقَرَأَ ابْنُ سِيرِينَ: «صِرَاطٌ عَلِيٌّ مُسْتَقِيمٌ» أَيْ: رَفِيعٌ، فَالْيَاءُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ، وَالْأَصْلُ: عَلِيوٌ، لِأَنَّهُ مِنْ عَلَا يَعْلُو، فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً، لِسُكُونِ الْيَاءِ، وَأُدْغِمَتِ الْيَاءُ فِي الْيَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. فَإِحْدَى «مُؤَنْثَةُ أَحَدٍ، وَالْيَاءُ الَّتِي فِي آخِرِهَا أَلِفٌ مَقْصُورَةٌ، عَلَامَةُ التَّأْنِيثِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «احدى الْكُبَرِ» بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، حَدَّثَنَا بَذَلِكَ ابْنُ مُجَاهِدٍ، عن ابن أبي خيثمة، وإدريس، عن خلف، عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ، كَأَنَّهُ حَذَفَ الْهَمْزَةَ اخْتِصَارًا وَ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ: قُمْ يَا مُحَمَّدُ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ، وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ «نَذِيرٌ لِلْبَشَرِ» بِالرَّفْعِ. وَكُلُّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ نَحْوِ هَذَا فَيَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ عَلَى الْبَدَلِ، وَالنَّصْبُ عَلَى الْحَالِ، وَالْمَدْحِ وَالذَّمِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ وَ «نَزَّاعَةٌ» وَ ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قَرَأَ الْحَسَنُ: «أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ أَيْ: مُخْتَلِفَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ، فَالْيَاءُ فِي آخِرِ «شَتَّى» أَلِفٌ مَقْصُورَةٌ عَلَمُ التَّأْنِيثِ، وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: «وَقُلُوبُهُمْ أَشَتُّ» أَيْ: أَشَدُّ اخْتِلَافًا، وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ حَرْفَانِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، «خَالِدَانِ فِيهَا» وَفِي قِرَاءَتِنَا «خَالِدَيْنِ» لِأَنَّ الْخَبَرَ إِذَا وَقَعَ بَيْنَ صِفَتَيْنِ مُتَّفِقَتَيْنِ كَانَ الِاخْتِيَارُ فِيهِ النَّصْبَ، كَقَوْلِكَ: إِنَّ زَيْدًا فِي الدَّارِ قَائِمًا فِيهَا، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ الرَّفْعُ إِلَّا مَعَ الصِّفَةِ الْمُخْتَلِفَةِ، كَقَوْلِكَ: إِنَّ زَيْدًا فِي الدَّارِ رَاغِبٌ فِيكَ. وَالْحَرْفُ الثَّانِي: «وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غَمْرًا لِلَّذِينَ آمَنُوا» وَفِي قَرَاءَتِنَا: «غِلًّا»، وَحَرْفٌ ثَالِثٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قُوَّمًا». - وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يأتل أولوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾. يَفْتَعِلُ مِنَ الْأُلَيَّةِ وَهُوَ الْقَسَمُ، سَقَطَتِ الْيَاءُ لِلْجَزْمِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ، «وَلَا يَتَأَلَّ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ» بِفَتْحِ اللَّامِ، فَالْأَلِفُ سَاقِطَةٌ لِلْجَزْمِ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَالْأَصْلُ: يَتَأَلَّى يَتَفَعَّلُ مِنَ الْأَلِيَّةِ أَيْضًا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَتَأَلَّ عَلَى اللَّهِ يُكَذِّبْهُ»، وَتَقُولُ الْعَرَبُ فِي الْإِيلَاءِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. الْأُلُوَّةُ وَالْأَلُوَّةُ وَالْأُلَيَّةُ، وَفِي الْعُودِ يُقَالُ: مَجَامِرُهُمُ

стр. 55

الْأُلُوَّةُ، بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ. - حَدَّثَنِي ابْنُ عَرَفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، قَالَ: اطَّلَعَ أَعْرَابِيٌّ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَلَا دَفَنْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ فِي سُفُطٍ مِنَ الْأُلُوَّةِ أَحْوَى مُلْبَسًا ذَهَبًا». يُقَالُ لِلْعُودِ الَّذِي يُتَبَخَّرُ بِهِ: الْكِبَاءُ، وَالْمَنْدَلُ وَالْأُلُوَّةُ، وَالْمَجْمَرُ، وَالْقَطِرُ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: كَأَنَّ الْمُدَامَ وَصَوْبَ الْغَمَامِ ... وَرِيحَ الْخُزَامَى وَنَشْرَ الْقَطِرْ يَعُلُّ بِهِ بَرْدَ أَنْيَابِهَا ... إِذَا طَرِبَ الطَّائِرُ الْمُسْتَحِرْ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾. فَالْقَطِرَانُ اسْمٌ وَاحِدٌ آخِرُهُ نُونٌ مِثْلُ الظِّرْبَانِ، وَهِيَ: دُوَيْبَةٌ مُنْتِنَةُ الرِّيحِ، وَمَنْ قَرَأَ عَلَى قِرَاءَةِ عِكْرِمَةَ: «مِنْ قِطْرٍ آنٍ» فَالْقِطْرُ: النُّحَاسُ، وَالْآنِي: الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أَيْ حَارَّةٍ، فَفِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ آخِرُ الِاسْمِ يَاءٌ سَقَطَتْ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ التَّنْوِينِ، مِثْلَ: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾. - حدثني ابن مجاهد، عن السمري، عن الفراء، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أنه قَرَأَ: «قِطْرٍ آنٍ». - وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾. بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ فَهُوَ «فُعْلِيٌّ» مِثْلَ: بُخْتِيٌّ وَكُرْسِيٌّ وَهُوَ اسْمُ جَبَلٍ. ذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ بَعَضَهُمْ، قَرَأَ «عَلَى الْجُودِيِّ» بِإِرْسَالٍ. كَانَتْ عَامِلَةً، جَعَلْتَ «لَا» عَامِلَةً، وَلَمَّا كَانَتْ جَوَابًا لِ «هَلْ» وَلَمْ تُعْمِلْهَا إِذْ كَانَتْ «هَلْ» غَيْرَ عَامِلَةٍ، فَإِذَا رَفَعْتَ نَوَّنْتَ، وَإِذَا نَصَبْتَ لَمْ يَجُزِ التَّنْوِينُ، أَعْنِي فِيمَا وَلِيَ «لَا» وَقَدْ مَرَّتْ عِلَّةُ هَذَا فِي قَوْلِهِ: «فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ». فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَدْ زَعَمْتَ فَمَا وَجْهُ قَوْلِ جَرِيرٍ: أَلَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِي الْقَوَافِي ... فَلَا عِيًّا بِهِنَّ وَلَا اجْتِلَابَا فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: مَا قَالَ سِيبَوَيْهِ: إِنَّ عِيًّا، وَاجْتِلَابًا، هُمَا مَصْدَرَانِ، وَمَعْنَاهُ: فَلَا أَعْيَا عِيًّا وَلَا أَجْتَلِبُ اجْتِلَابًا. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ الناس﴾.

стр. 56

قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو «دَفْعُ اللَّهِ» بغير ألف، وكذلك ﴿إن الله يدافع عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وَقَرَأَ عَاصِمٌ فِي «الْحَجِّ» بِأَلِفٍ، وَفِي «الْبَقَرَةِ» بِغَيْرِ أَلِفٍ. وَكَذَلِكَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِأَلِفٍ فِي ذَلِكَ، وَهُمَا مَصْدَرَانِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ بِأَلِفٍ فِي السُّوَرَتْيِنِ، يُقَالُ: دَفَعَ يَدْفَعُ دَفْعًا وَدِفَاعًا، مِثْلَ: صَامَ يَصُومُ صَوْمًا وَصِيَامًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الدِّفَاعُ مَصْدَرًا لِدَافَعْتُ دِفَاعًا، وَالِاخْتِيَارُ ﴿دَفْعُ﴾ بِغَيْرِ الْأَلِفِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالدَّفْعِ، وَفَاعَلْتُ يَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ، وَمَعْنَى ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ أَيْ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ وَهَمُّ بَعْضِهِمْ بِالْجِهَادِ وَإِذْلَالِ الْكَافِرِينَ»، فَلَوْلَا ذَلِكَ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَمَنْ عَلَيْهَا. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنَا أُحْيِي﴾ وَ ﴿أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾. رَوَى قَالُونٌ، عَنْ نَافِعٍ: «أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ» بَإِثْبَاتِ الْأَلِفِ لَفْظًا وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ مَا اسْتَقْبَلَهُ أَلِفٌ شديدة. وقرأ الباقون «أن أحيي» بِحَذْفِ الْأَلِفِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ فِي الدَّرْجِ وَاتَّفَقُوا جَمِيعًا عَلَى إِثْبَاتِهَا فِي الْوَقْفِ، فَمَنْ أَثْبَتَهَا فِي الدَّرْجِ، أَتَى بِالْكَلِمَةِ عَلَى أَصْلِهَا، لِأَنَّ الْأَلِفَ فِي «أَنَا» بِإِزَاءِ التَّاءِ فِي أَنْتَ، وَقَالَ: أَنَا لَيْثَ الْعَشِيرَةِ فَاعْرِفُونِي ... حُمَيْدًا قَدْ تَسَنَّمْتُ السَّنَامَا فَنَصَبَ «لَيْثًا» وَ «حُمَيْدًا» عَلَى الْمَدْحِ، وَفِي «أَنَا» لُغَاتٌ أَرْبَعٌ، آنَا فعلت، وأنا فعلت، وأن فعلت، وَمِثْلُهُ «لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي» رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ، وَابْنِ عَامِرٍ «لَكِنَّا هُوَ» بِالْأَلِفِ فِي الدَّرْجِ. قَرَأَ الْبَاقُونَ «لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي» بِغَيْرِ أَلِفٍ، قَالَ: وَاتَّفَقُوا عَلَى إِثْبَاتِهَا فِي الْوَقْفِ، لِأَنَّهَا فِي الْمُصْحَفِ كُتِبَتْ كَذَلِكَ، إِلَّا مَا حَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ وُهَيْبٌ، وَابْنُ الرُّومِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَنَّهُ قَرَأَ: «لَكِنَّهْ هُوَ اللَّهُ رَبِّي» بِالْهَاءِ وَأَدْغَمَ الْهَاءَ فِي الْهَاءِ. - قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمَازِنِيُّ فِي قَوْلِهِ ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ قَالَ: الْأَصْلُ: لَكِنْ أَنَا هُوَ اللَّهُ رَبِّي، فَنَقَلُوا فَتْحَةَ الْهَمْزَةِ إِلَى النُّونِ وَأَسْقَطُوُا الْهَمْزَةَ، وَأَدْغَمُوُا النُّونَ فِي النُّونِ بَعْدَ أَنْ أَسْكَنُوهَا، فالتشديد من أجل ذَلِكَ، قَالَ الشَّاعِرُ: وَتَرْمِينَنِي بِالطَّرْفِ أَيْ أَنْتَ مُذْنِبٌ ... وَتقْلِينَنِي لَكِنَّ إِيَّاكِ لَا أَقْلِي

стр. 57

أَرَادَ: لَكِنْ أَنَا. - وَحَدَّثَنَا ابْنُ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ وُهَيْبٍ، قَالَ: فِي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «لَكِنْ أَنَا هُوَ اللَّهُ رَبِّي.» - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَنَافِعٌ، وَعَاصِمٌ بِإِظْهَارِ الثَّاءِ عِنْدَ التَّاءِ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، وَقَرَأَهَا الْبَاقُونَ بِالْإِدْغَامِ لِقُرْبِ الثَّاءِ مِنَ التَّاءِ، وَقَدْ مَرَّتْ عِلَلُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: «قَالَ أَعْلَمُ»، فَإِذَا وَقَفَا عَلَى «قَالَ» ابْتَدَأَ «اعْلَمْ» بِالْكَسْرِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «قَالَ أَعْلَمُ» بِقَطْعِ الْأَلِفِ، وَهُوَ أَلِفُ الْمُخْبِرِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، وَيَبْتَدِئُ كَمَا يَصِلُ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الرَّجُلِ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ: «لَمْ يَتَسَنَّ» بِغَيْرِ هَاءٍ، وَ «فبهداهم اقْتَدِ» «وَمَا أَغْنَى عَنِّي مَالِي»، «وَسُلْطَانِي»، «وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِي» كُلُّ ذَلِكَ بِغَيْرِ هَاءٍ فِي الْوَصْلِ، وَبِإِثْبَاتِهَا فِي الْوَقْفِ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْقُرَّاءُ فِي الْوَقْفِ أَنَّهَا بِالْهَاءِ. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِحَذْفِ هَاتَيْنِ مِنْهَا «يَتَسَنَّ» وَ «اقْتَدِ»». وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْهَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَيْهَا بِالْهَاءِ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، قَالَ: هَذِهِ هَاءُ السَّكْتِ، أُتِيَ بِهَا لُيِبَيَّنَ بِهَا حَرَكَةُ مَا قَبْلَهَا وَلَا يَجُوزُ حَرَكَتُهَا، فَأَمَّا مَنْ رَوَى عن ابن عامر «فبهداهم اقْتَدِهِي» فَقَدْ أَخْطَأَ، وَتُحْذَفُ فِي الْوَصْلِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي بَعْدَهُ صَارَ عِوَضًا مِنْهَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدِ. وَأَمَّا مَنْ أَثْبَتَ الْهَاءَ وَصَلَ أَوْ قَطَعَ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ الْمُصْحَفَ. - وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: الِاخْتِيَارُ أَنْ يَتَعَمَّدَ الرَّجُلُ لِلْوَقْفِ عَلَى الْهَاءِ، لِيَجْتَمِعَ لَهُ فِي ذَلِكَ مُوَافَقَةُ الْمُصْحَفِ وَاللُّغَةِ الْجَيِّدَةِ، فَأَمَّا الْكِسَائِيُّ، فَإِنَّهُ أَثْبَتَ مَوَاضِعَ، وَحَذَفَ هُنَالِكَ لِيُعْلِمَ أَنَّ اللُّغَتَيْنِ جَائِزَتَانِ، وَمَعْنَى «لَمْ يَتَسَنَّهْ» أَيْ: لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ السُّنُونَ وَلَوْ كَانَتْ مِنَ الْآسِنِ: وَهُوَ الْمُتَغَيِّرُ لَكَانَ لَمْ

стр. 58

يَتَأَسَّنْ، وَالسُّنُونَ يَجْتَذِبُهَا أَصْلَانِ الْوَاوُ وَالْهَاءُ، يُقَالُ: اكْتَرَيْتُ غُلَامِي مُسَانَاةً وَمُسَانَهَةً، قَالَ الشَّاعِرُ: لَيْسَتْ بِسَنَهَاءَ وَلَا رُجَّبِيَّةٍ ... وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينِ الْجَوَانِحِ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي «لَمْ يَتَسَنَّهْ» لَامَ الْفِعْلِ، وَسُكُونُهَا عَلَامَةَ الْجَزْمِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ لَمْ يَتَسَنَّنْ، فَتُبْدَلُ إِحْدَى النُّونَاتِ أَلِفًا فَيَصِيرُ يَتَسَنَّى، ثُمَّ يُسْقِطَ الْأَلِفَ لِلْجَزْمِ، فَهَذَا أَصْلٌ ثَالِثٌ، فَتَقُولُ عَلَى هَذَا: اكْتَرَيْتُ غُلَامِي مُسَانَةً، وَتَقُولُ عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، إِذَا صَغَّرْتَ السَّنَةَ: سُنَيَّةً وَسُنَيْهَةً وَسُنَيْنَةً، فَأَمَّا تَصْغِيرُ السِّنِّ فَسُنَيْنَةٌ لَا غَيْرُ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾. قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ: «عَسِيتُمْ» بِكَسْرِ السِّينِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِإجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ. وَلَمْ يَقُلْ: عَسِى. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: عَسَى زَيْدٌ أَنْ يَقُومَ، وَأَنْ مَعَ الْفِعْلِ مَصْدَرٌ، وَلَمْ يَقُلْ عَسَى الْقِيَامُ، لِأَنَّ الْمَصْدَرَ يَدُلُّ عَلَى الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ، فَيَقُولُ عَلَى لَفْظِ الِاسْتِقْبَالِ، لِأَنَّ التَّرَجِّي لَا يَكُونُ إِلَّا مُسْتَقْبَلًا، فَأَمَّا قَوْلُ الْعَرَبِ: «عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا» فَقَالَ سِيبَوَيْهِ: عَسَى هَاهُنَا بِمَعْنَى كَانَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْغُوَيْرُ تَصْغِيرُ غَارٍ، وَأَبْؤُسٌ جَمْعُ بَأْسٍ، وَكَانَ قَوْمٌ فِي غَارٍ فَتَهَدَّمَ عَلَيْهِمْ، فَضَرَبَتِ الْعَرَبُ بِذَلِكَ مَثَلًا، فَقَالَتْ: «عَسَى الْغُوَيْرُ» أَخْفَى لَنَا أَبْؤُسًا. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾. قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَابْنُ عَامِرٍ بِالزَّايِ وَضَمِّ النُّونِ. - حَدَّثَنَا ابْنُ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُبَابَةُ، قَالَ: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: «كَيْفَ نَنْشُزُهَا» بِفَتْحِ النُّونِ، نَنْشُزُ فِعْلٌ لَازِمٌ، وَالْمُتَعَدِّي مِنْهُ أَنْشَزَ، نَحْوَ: جَلَسَ زَيْدٌ وَأَجْلَسَهُ غَيْرُهُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «كَيْفَ نُنْشِرُهَا» بِالرَّاءِ وَضَمِّ النُّونِ، وَجَعَلَهُ أَبُو عَمْرٍو مِنْ قَوْلِهِمْ: نَزَحْتُ الْبِئْرَ، نَزَحَتِ الْبِئْرُ، نزحت البئر، وفغر فاه وفغر فوه، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: «كَيْفَ نُنْشِزُهَا» الِاخْتِيَارُ بِالزَّايِ، لِأَنَّ الْعِظَامَ مَا بُلِيَتْ، وَلَوْ كَانَتْ بَالِيَةً لَقَرَأْتُهَا بِالرَّاءِ «نُنْشِرُهَا». فَحُجَّةُ مَنْ قَرَأَ بِالرَّاءِ «ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ» «إِلَيْهِ النُّشُورُ» وَتَقُولُ الْعَرَبُ: نَشَرَ الْمَيِّتُ وَأَنْشَرَهُ اللَّهُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

стр. 59

يَا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ وَمَنْ قَرَأَ بِالزَّايِ، فَحُجَّتُهُ مَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَانَ، عَنْ علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَجَّابِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: «كَيْفَ نَنْشُرُهَا» قَالَ: إِنَّمَا هِيَ زاي فزرها قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ أَشْبِعْ إِعْجَامَهَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَيْ صَيِّرْهَا زَايًا لَا رَاءً، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: لَمَّا كَانَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ، صَوَّدْتَ صَادًا، وَكَوَّفْتَ كَافًا، وَزَوَّيْتَ زَايًا، وَلَوْ أَرَادُوا رَاءً، لَقَالُوا: رَيَّيَهَا بِالْيَاءِ، كَمَا قَالُوا: أَيَّيْتَهَا مِنَ الْيَاءِ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَطِيفٌ جِدًّا. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ «فَصِرْهُنَّ إِلَيْكَ» بِكَسْرِ الصَّادِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «فَصُرْهُنَّ» بِالضَّمِّ، وَهُو الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: صَارَ يَصُورُ: إِذَا مَالَ، قَالَ الشَّاعِرُ: يَصُورُ عَبُوقُهَا أَحْوَى زَنِيمٌ ... لَهُ ظَابُ كَمَا صَخِبَ الْغَرِيمُ الظَّابُ وَالظَّامُ: الصَّوْتُ جَمِيعًا، وَهُمَا السَّلَفُ أَيْضًا، وَيُقَالُ: الضَّيْرَنُ، الضَّيْزَنُ أَيْضًا: اسْمُ صَنَمٍ، وَالضَّيْزَنُ: الَّذِي يَتَزَوَّجُ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ذَوَاتِ الْوَاوِ، وَ «صِرْهُنَّ» مِنْ صَارَ يَصِيرُ، أَيْ: قَطِّعْهُنَّ إِلَيْكَ «صُرْهُنَّ» ضمهن وَأَمِلْهُنَّ إِلَيْكَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾. قَرَأَ عَاصِمٌ، وَابْنُ عَامِرٍ «بِرَبْوَةٍ» بِالْفَتْحِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ، وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ: أَنَّهَا دِمَشْقُ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «رِبْوَةٍ» بِالْكَسْرِ، وَفِيهَا سَبْعُ لُغَاتٍ، رِبْوَةٍ، وَرُبْوَةٍ، وَرَبْوَةٍ، وَرُبَاوَةٍ، وربَاوة، وَرِبًا، قَالَ الشَّاعِرُ: وَكُنَّا بِالرِّبَاوَةِ قَاطِنِينَا وَالرِّبْوَةُ: مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ، وَقَرَأَ الْأَشْعَثُ الْعُقَيْلِيُّ «كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبَوَةٍ» أَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ: وَيَبِيتُ مَنْزِلَ عَرْضَةٍ بِرَبَاوَةٍ ... بَيْنَ النَّخِيلِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ

стр. 60

فَأَمَّا الزُّبْيَةُ بِالزَّايِ وَالْبَاءِ: فَحُفْرَةٌ تُحْفَرُ لِلْأَسَدِ فِي الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ. - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَنَافِعٌ، وَأَبُو عَمْرٍو «أُكْلَهَا» بِالتَّّخْفِيفِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أُضِيفَ إِلَى مُكَنَّى، وَكَذَلِكَ إِذَا انْفَرَدَ، نَحْوَ «أُكْلٍ خَمْطٍ». وَفَارَقَهُمْ أَبُو عَمْرٍو فِي ذَلِكَ، فَمَنْ خَفَّفَ كَرِهَ تَوَالِي الضَّمَّتَيْنِ فَخَفَّفَ كَمَا يُقَالُ: السُّحْقُ وَالسُّحُقُ، وَالرُّعْبُ وَالرُّعُبُ. وَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو فَإِنَّهُ خَفَّفَ لَمَّا اتَّصَلَ بِالْمُكَنَّى وَصَارَ مَعَ الِاسْمِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَأَسْكَنَ، كَمَا قَالَ: «يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعْهُمْ» وَ «أَسْلِحَتْكُمْ وَأَمْتِعَتْكُمْ». وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّثْقِيلِ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوُا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَوَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ «فَنِعِمَّا هِيَ» بِكَسْرِ النُّونِ وَالْعَيْنِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «نَعِمَّا هِيَ» بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ النُّونِ. وَابْنُ عَامِرٍ كَمِثْلٍ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَنَافِعٌ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «نِعْمَّا هِيَ» بِكَسْرِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ. وَزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أَنَّهُ أَرْدَأُ الْقِرَاءَاتِ، لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا حَرْفَ لِينٍ، وَالِاخْتِيَارُ إِسْكَانُ الْعَيْنِ، لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةُ رُوِيَتْ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: «نِعْمَّا بِالْمَالِ الصَّالِحِ»، كَذَا تُحْفَظُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَتَى مَا صَحَّ الشَّيْءُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُحِلَّ لِلنَّحْوِيِّ وَلَا غَيْرِهِ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي نِعْمَ وَبِئْسَ: نَعِمَ وَبَئِسَ، فَلَمَّا كَانَا فِعْلَيْنِ غَيْرَ مُتَصَرِّفَيْنِ، وَعَيْنُ الْفِعْلِ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ، أَتْبَعُوا فَاءَ الْفِعْلِ عَيْنَهُ، فَقَالُوا: نِعِمَ وَبِئِسَ، ثُمَّ أَسْكَنُوهُ وَخَفَّفُوهُ، فَيَجُوزُ فِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ، نِعِمَ عَلَى الْأَصْلِ، وَنَعْمَ مِثْلُ فَخْذِ، وَنِعْمَ مِثْلُ فِخْذٍ، وَنِعِمَ مِثْلُ فِخِذٍ، وَذَكَرَ ذَلِكَ الْمُبَرِّدُ ﵀. وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ «نَعِمَ الْعَبْدُ» عَلَى الْأَصْلِ.

стр. 61

قَالَ الشَّاعِرُ: مَا اسْتَقَلَّتْ قَدَمٌ إِنَّهُمْ ... نَعِمَ السَّاعُونَ فِي الْأَمْرِ الْمُبَرْ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَوْلِهِ «فَنِعِمَّا هِيَ» فَقَالَ قَوْمٌ: «مَا» هِيَ صِلَةٌ كَقَوْلِهِ ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ أَيْ عَنْ قَلِيلٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: «مَا» اسْمٌ يَرْتَفِعُ بِنِعْمَ مِثْلَ «ذَا» بِ «حَبَّ» ثُمَّ جَعَلُوا حَبَّذَا وَنِعِمَّا اسْمًا وَاحِدًا، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: الْأَصْلُ: «فَنِعْمَ مَا هِيَ» فَحَذَفُوا «مَا» الْأَخِيرَةَ اخْتِصَارًا، وَفِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ «إِنْ تُبْدُوُا الصَّدَقَاتِ فِنِعْمَ مَا هِيَ» وَرَوَى الْحُلْوَانَيُّ، عَنْ عَاصِمٍ «فَنِعْمَا» مُخَفَّفًا، وَأَخْطَأَ. - وَقْوَلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالنُّونِ وَالْجَزْمِ، نَسَقًا عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي تَقَدَّمَ وَهُوَ قَوْلُهُ: «إِنْ تبدوا الصدقات» فيكون تكفيره السَّيِّئَاتِ مَعَ قَبُولِ الصَّدَقَاتِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ بِالرَّفْعِ وَالنُّونِ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرْطَ إِذَا وَقَعَ جَوَابًا بِالْفَاءِ كَانَ مَنْ بَعْدَ الْفَاءِ مَرْفُوعًا، وَكَذَلِكَ الْمَنْسُوقُ عَلَى مَا بَعْدَ الْفَاءِ، الرَّفْعُ الِاخْتِيَارُ فِيهِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، «وَيُكَفِّرُ» بِالْيَاءِ وَالرَّفْعِ، جَعَلَا الْفِعْلَ لِلَّهِ تَعَالَى. وَكَذَلِكَ مَنْ قَرَأَ بِالنُّونِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُخْبِرَ بِالنُّونِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ، وَوَجْهُ الْيَاءِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ يُكَفِّرُ اللَّهُ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ عَنْكُمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَعَنْ حُمَيْدٍ ««وَتُكَفِّرُ» بِالتَّاءِ كَأَنَّهُ رَدَّهُ إِلَى الصَّدَقَاتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ السَّيِّئَاتِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَا يُعْتَدَّ بِ «مِنْ». - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ﴾. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وحمزة بفتح السين، ذَهَبَ إِلَى مَحْضِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَا كَانَ مَاضِيهِ بِالْكَسْرِ كَانَ مُسْتَقْبَلُهُ بِالْفَتْحِ نَحْوَ: قَضِمَ يَقْضَمُ، وَعَلِمَ يَعْلَمُ. وَمَنْ كَسَرَ السِّينَ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْعَرَبَ تَفْتَحُ الْفِعْلَ الْمُسْتَقْبَلَ إِذَا كَانَ مَاضِيهِ مَكْسُورًا إِلَّا أَرْبَعَةَ أَحْرُفٍ، فَإِنَّهُ جَاءَ عَلَى فَعِلَ يَفْعِلُ نَحْوَ: حَسِبَ يَحْسِبُ، وَنَعِمَ يَنْعِمُ، وَيَبِسَ يَيْبِسُ، وَيَئِسَ يَيْئِسُ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ لُغَةُ رَسُولِ الله ﷺ . - وقوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾.

стр. 62

قرأ حمزة، وعاصم في رواية أبي بكر: «فَآذِنُوا» بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الذَّالِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْقَصْرِ أَرَادُوا «فَأْذَنُوا» أَنْتُمْ، أَيِ: اعْلَمُوا وَكُونُوا عَلَى عِلْمٍ، وَمَنْ مَدَّ أَرَادَ، فَآذِنُوا غَيْرَكُمْ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «مَيْسُرَةٍ» بِضَمِّ السِّينِ مِثْلَ مَشْرُقَةٍ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «مَيْسَرَةٍ» مِثْلَ مَشْرَقَةٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي (نَظِرَةٍ) وَلَا ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ فَإِنَّهُ قَرَأَ «فَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ» جَعَلَهُ خَبْرَ كَانَ، وَالِاسْمُ مُضْمَرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَإِنْ كَانَ الْمَدِينُ ذَا عُسْرَةٍ، وَمَنَ رَفَعَ جَعَلَ «كَانَ» بِمَعْنَى حَدَثَ وَوَقَعَ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى خَبَرٍ، تَقُولُ: قَدْ كَانَ الْأَمْرُ، أَيْ: قَدْ وَقَعَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ «تَصَدَّقُوا» خَفِيفَةً. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَالدَّالِ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ تَتَصَدَّقُوا فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الصَّادِ، وَمَنْ خَفَّفَ حَذَفَ تَاءَهُ. - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ﴾. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «يَوْمًا تَرْجِعُونَ فِيهِ» بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، وَالْبَاقُونَ بِضَمِّ التاء وفتح الجيم. - وقوله تَعَالَى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحَداهُمَا فَتُذَكِّرَ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ «إِنْ تَضِلَّ» بِالْكَسْرِ «فَتُذَكِّرُ» بِالرَّفْعِ وَالتَّشْدِيدِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «أَنْ تَضِلَّ» بِالْفَتْحِ «فَتُذَكِّرَ» بِالنَّصْبِ وَالتَّشْدِيدِ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ كَثِيرٍ وَأَبَا عَمْرٍو خَفَّفَاهُ، فَمَنْ فَتَحَ نَصَبَ «تَضِلَّ» بِ «أَنْ» وَنَسَقَ عَلَيْهِ «فَتُذَكِّرَ» وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّخْفِيفِ فَيَكُونُ: أَذْكَرْتُ وَذَكَّرْتُ بِمَعْنًى، مِثْلَ كَرَّمْتُ وَأَكْرَمْتُ. وَأَمَّا حَمْزَةُ فَإِنَّهُ جَعَلَ «إِنْ» حَرْفَ الشَّرْطِ «وَتَضِلَّ» جُزِمَ بِالشَّرْطِ وَتُذَكِّرُ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾. قَرَأَ عَاصِمٌ «تِجَارَةً حَاضِرَةً» بِالنَّصْبِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالرَّفْعِ فَفِيهِ جَوَابَانِ:

стр. 63

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجْعَلَ «التِّجَارَةَ» اسْمًا لِكَانَ، «تُدِيرُونَهَا» الْخَبَرُ وَتَلْخِيصُهُ، تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ مُدَارَةً بَيْنَكُمْ. وَالِاخْتِيَارُ أَنْ تُجْعَلَ «كَانَ» بِمَعْنَى حَدَثَ وَوَقَعَ، وَلَا خَبَرَ لَهُ، وَمَنْ قَرَأَ بِالنَّصْبِ، وَلَا وَجْهَ لَهُ، أَضْمَرَ اسْمَ «كَانَ» فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ فِي «النِّسَاءِ» فَالنَّصْبُ جَيِّدٌ، قَدْ قَرَأَ بِهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ، لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَالِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَمْوَالُ تِجَارَةً. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو «فَرُهُنٌ». وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «فَرِهَانٌ»» وَهُمَا جَمْعَانِ فِ «رَهْنٍ» وَ «رِهَانٍ» كَبَحْرِ وَبِحَارٍ، وَأَمَّا «رَهْنٌ» فَقَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: أَنَّ رِهَانًا جَمْعُ رَهْنٍ، ثُمَّ جُمِعَ الرِّهَانُ رَهْنًا، فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَهُوَ خَطَأٌ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِإِسْكَانِ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، لِأَنَّ وَزْنَهُ افْتَعَلَ فَالْهَمْزَةُ فَاءُ الْفِعْلِ، وَهِيَ سَاكِنَةٌ، فَإِذَا ابْتَدَأْتَ عَلَى هَمْزَةٍ، قُلْتَ: أَأَتُمِنَ بِهَمْزَتَيْنِ. وَالْبَاقُونَ يَكْرَهُونَ اجْتِمَاعَ هَمْزَتَيْنِ فَيَقْلِبُونَ الثَّانِيَةَ وَاوًا فَيُبْدِلُونَ أُوتُمِنَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قَرَأَ عَاصِمٌ، وَابْنُ عَامِرٍ «فَيَغْفِرُ» بِالرَّفْعِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْجَزْمِ نَسَقًا عَلَى يُحَاسِبْكُمْ، وَمَنْ رَفَعَهُ جَعَلَهُ مُسْتَأْنَفًا. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: ««وَكِتَابِهِ» عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «وَكُتُبِهِ» بِالْجَمْعِ، مِثْلَ: ثِمَارٍ، وَثُمُرٍ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ مَا أُضِيفَ إِلَى حَرْفَيْنِ مُخَفَّفًا نَحْوَ: «رُسْلِكُمْ» «وَرُسْلِنَا» وَكَذَلِكَ «سُبْلَنَا». وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالثَّقِيلِ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، لِأَنَّهُ جَمْعُ رَسُولٍ نَحْوَ عمود وعمد،

стр. 64

وَالْخَفِيفُ فَرْعٌ عَلَى الثَّقِيلِ، وَإِنَّمَا خَفَّفَ أَبُو عَمْرٍو فِي الْجَمْعِ وَلَمْ يُخَفِّفْ فِي الْوَاحِدِ، لِأَنَّ الْجَمْعَ أَثْقَلُ مِنَ الْوَاحِدِ، مِثْلَ إِدَغَامِهِ «خَلَقْكُّمْ ثُمَّ رَزَقْكُّمْ». وَلَا يُدْغِمُ خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ. وحذف من هذه السورة ست ياءات اخْتَلَفُوا فِي ثَلَاثٍ: - ﴿دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (١). فَأَثْبَتَ أَبُو عَمْرٍو الْيَاءَ فِيهِمَا فِي الْوَصْلِ، وَحَذَفَهُمَا فِي الْوَقْفِ، وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَوَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ مِثْلَ أَبِي عَمْرٍو، وَرَوَى الْمُسَيَّبِيُّ، عَنْهُ بِغَيْرِ يَاءٍ فِيهِمَا، وَرَوَى قَالُونٌ عَنْهُ أَنَّهُ وَصَلَ «الدَّاعِي» بِيَاءٍ وَوَقَفَ بِغَيْرِ يَاءٍ وَلَمْ يَذْكُرْ «إِذَا دَعَانِي». وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ يَاءٍ فِي وَصْلٍ وَوَقْفٍ. - ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾. أَثْبَتَهَا أَبُو عَمْرٍو فِي الْوَصْلِ، وَحَذَفَهَا فِي الْوَقْفِ، رَدَّهُ فِي الْوَصْلِ إِلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، وَفِي الْوَقْفِ إِلَى الْمُصْحَفِ، وَحَذَفَهَا الباقون وصلا ووقفا.

стр. 65

وَمِنَ السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾. قَرَأَ نَافِعٌ «التَّوْرَاةَ» بَيْنَ الْإِمَالَةِ وَالتَّفْخِيمِ، غَيْرَ أَنَّ حَمْزَةَ يَقِفُ بِالتَّاءِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَالْكِسَائِيُّ، وَوَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ «التَّوْرِيةَ» بِالْكَسْرِ لِاجْتِمَاعِ الرَّاءِ مَعَ الْيَاءِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّفْخِيمِ عَلَى لَفْظِ الْكَلِمَةِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾. وَ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ ثَلَاثَهُنَّ بِالْيَاءِ. وَقَرَأَهُنَّ نَافِعٌ بِالتَّاءِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ» بِالتَّاءِ «يَرَوْنَهُمْ» بِالْيَاءِ، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ قَرِيبٌ. فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ تَقْدِيرُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ، سَتُغْلَبُونَ، وَتُحْشَرُونَ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ أَخْبَرَ عَنْ غَيْبٍ، وَمَثَلُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ أَنْ تَقُولَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ أَنْ سَيَرْكَبَ وَسَتَرْكَبَ كُلُّ ذَلِكَ صَوَابٌ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾. قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: «وَرُضْوَانٌ» بِضَمِّ الرَّاءِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ إِلَّا حَرْفًا وَاحِدًا فِي سُورَةِ «الْمَائِدَةِ»، «مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ» فَإِنَّهُ يَكْسِرُ الرَّاءَ فِيهَا. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ كُلَّ ذَلِكَ بِالْكَسْرِ، وَهِيَ اللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَمَنْ ضَمَّ الرَّاءَ فَلَهُ حُجَّتَانِ. إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْمَصْدَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ اسْمَ خَازِنِ الْجَنَّةِ رِضْوَانٌ، وَرُضْوَانٌ مَصْدَرٌ، رَضِيَ يَرْضَى رِضًى وَرُضْوَانًا، وَغَفَرَ غُفْرَانًا. وَالْحُجَّةُ الْأُخْرَى: أَنَّ «فُعْلَانًا» فِي الْمَصَادِرِ يَأْتِي مِنْهُ كَسْرٌ لِلضَّمِّ، كَقَوْلِكَ: رَجُلٌ قُنْعَانُ إِذَا رَضِيَ الْخَصْمَانِ بِهِ وَبِحُكْمِهِ، وَالْفُرْقَانُ لِكُلِّ مَا فَرَّقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ «أَنَّ الدِّينَ» بِفَتْحِ الْأَلِفِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «إِنَّ الدِّينَ» بِكَسْرِ الْأَلِفِ، فَمَنْ كَسَرَ أَوْقَعَ الشَّهَادَةَ عَلَى الأولى، وابتدأ

стр. 66

«إِنَّ الدِّينَ» وَمَنْ فَتَحَهَا جَعَلَ الثَّانِيَةَ بَدَلًا مِنَ الْأُولَى، وَالتَّقْدِيرُ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ: «وَيُقَاتِلُونَ» بِأَلِفٍ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «وَيَقْتُلُونَ» بِغَيْرِ أَلِفٍ. فَيَقْتُلُونَ إِخْبَارٌ عَنْ وَاحِدٍ «وَيُقَاتِلُونَ» بِأَلِفٍ إِخْبَارٌ عَنِ اثْنَيْنِ، فِعْلٌ وَفَاعِلٌ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تخرج الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾. قَرَأَ نَافِعٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ. وَكَذَلِكَ قَرَأَ حفص عن عاصم. وزاد نافع عليهم «أومن كَانَ مَيِّتًا» وَ «لَحْمَ أَخِيهِ مَيِّتًا». وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَخْفِيفِ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَمَنْ شَدَّدَ فَهُوَ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، لِأَنَّهُ لَمَّا اجْتَمَعَ وَاوٌ وَيَاءٌ وَالسَّابِقُ سَاكِنٌ قَلَبُوا مِنَ الْوَاوِ يَاءً وَأَدْغَمُوُا الْيَاءَ فِي الْيَاءِ، وَمَنْ خَفَّفَ قَالَ: كَرِهْتُ أَنْ أَجْمَعَ بَيْنَ يَاءَيْنِ، إِذْ كَانَ التَّشْدِيدُ مُسْتَثْقَلًا فَخَزَلْتُ يَاءً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ﴾ طَيْفٌ. وَالْأَصْلُ طَيِّفٌ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ وَ ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. فَقَرَأَهُمَا نَافِعٌ بَيْنَ الْإِمَالَةِ وَالتَّفْخِيمِ. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِالْإِمَالَةِ جَمِيعًا. وَقَرَأَ حَمْزَةُ: الْأَوَّلَ بِالْإِمَالَةِ، وَالثَّانِيَ بِالتَّفْخِيمِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا. فَحُجَّةُ مَنْ فَتَحَ أَنَّهُ أَتَى بِالْكَلِمَةِ عَلَى أَصْلِهَا، وَالْأَصْلُ فِي تُقَاةٍ: تُقَيَةٌ، فَقَلَبُوا فِي الْيَاءِ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، كَمَا قَالُوا: قُضَاةٌ وَالْأَصْلُ قُضَيَةٌ. وَمَنْ أَمَالَ فَلِأَنَّ الْيَاءَ وَإِنْ كَانَتْ قُلِبَتْ أَلِفًا فَإِنَّهُ دَلَّ بِالْإِمَالَةِ عَلَى الْيَاءِ وَهِيَ أَصْلُ الْكَلِمَةِ، كَمَا قَرَأَ «قَضَى» وَ «رَمَى». وَأَمَالَ حَمْزَةُ الْأُولَى تَبَعًا لِلْمُصْحَفِ، لِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِالْيَاءِ. «تُقَيَةً». وَحُجَّةٌ ثَانِيَةٌ: أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وضعت﴾.

стр. 67

قرأ عاصم في رواية أبي بكر، وابن عَامِرٍ «بِمَا وَضَعْتُ». وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «وَضَعَتْ» بِإِسْكَانِ التَّاءِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللَّهَ خَبَّرَ بِمَا وَضَعَتْ هِيَ، وَمَنْ ضَمَّ التَّاءَ أَرَادَ: مَرْيَمُ خَبَّرَتْ عَنْ نَفْسِهَا. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: «وَكَفَّلَهَا» مُشَدَّدَةً. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُخَفَّفَةً. وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ: «زَكَرِيَّا» مَقْصُورًا. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مَمْدُودًا، غَيْرَ أَنَّ مَنْ شَدَّدَ «كَفَّلَهَا» نَصَبَ زَكَرِيَّا، وَمَنْ خَفَّفَهَا رَفَعَ، قَالَ أَبُو عَمْرٍو: الِاخْتِيَارُ التَّخْفِيفُ لِقَوْلِهِ: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾. وَلَمْ يَقُلْ «يُكَفِّلُ»، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ، يُقَالُ: كَفَّلَ يُكَفِّلُ، وَكَفَلَ يَكْفُلُ، وَكَفِلَ يَكْفَلُ. فَأَمَّا «زَكَرِيَّا» فَالْقَصْرُ وَالْمَدُّ فِيهِ لُغَتَانِ، وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ «زُكْرِيٌّ» عَلَى وَزْنِ بُخْتِىَّ، فَمَنْ مد زكرياء ثناه: زكريان، وَمَنْ قَصَرَ قَالَ: زَكَرِيَّيَانِ، وَإِنْ شِئْتَ حَذَفْتَ يَاءً، فَقُلْتَ: زَكَرِيَّانِ. - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ» وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ» بِالتَّاءِ. فَحُجَّةُ مَنْ ذَكَّرَ، قَالَ: الْفِعْلُ مُقَدَّمٌ كَقَوْلِكَ: قَامَ الرِّجَالُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ هَاهُنَا جِبْرِيلُ، وَالتَّقْدِيرُ: فَنَادَاهُ الْمَلَكُ، فَنَادَاهُ جِبْرِيلُ. وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ جَمَاعَةٌ وَأَنَّثَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ وَ ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾. وَقَامَتِ الرِّجَالُ، وَشَاهِدُهُ ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: «وَإِذْ قَالَ». - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وابن عامر «إن الله» بالكسر. وقرأ الباقون بِالْفَتْحِ. فَمَنْ نَصَبَ أَعْمَلَ الْفِعْلَ وَهُوَ «فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ» أَنَّ اللَّهَ وَبِأَنَّ اللَّهَ، وَمَنْ كَسَرَ جَعَلَ النِّدَاءَ بِمَعْنَى الْقَوْلِ، فَكَأَنَّهُ فِي التَّقْدِيرِ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ.

стр. 68

- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ يَبْشُرُ بِالتَّخْفِيفِ إِلَّا قَوْلَهُ «فَبِمَ تُبَشِّرُونَ». وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ كَثِيرٍ كُلَّ ذَلِكَ بِالتَّشْدِيدِ إِلَّا وَاحِدًا فِي «عسق»، «ذَلِكَ الَّذِي يُبْشِرُ اللَّهُ»، وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ بِالتَّخْفِيفِ. مَوْضِعَيْنِ فِي «آلِ عِمْرَانَ» وَفِي «بَنِي إِسْرَائِيلَ» وَ «الْكَهْفِ» وَ «عسق». وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وَهُمَا لُغَتَانِ: بَشَرْتُ، وَبَشَّرْتُ، غَيْرَ أَنَّ «بَشَّرْتُ» أَبْلَغُ وَأَكْثَرُ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: مِنَ ﴿الْمِحْرَابِ﴾. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «مِنَ الْمِحْرَابِ: » بِالْإِمَالَةِ مِنْ أَجْلِ الرَّاءِ وَالْكَسْرِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّفْخِيمِ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾. قَرَأَ نَافِعٌ، وَعَاصِمٌ بِالْيَاءِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالنُّونِ فَاللَّهُ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَشَاهِدُهُ ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾. وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَحُجَّتُهُ ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ﴾. قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ: «إِنِّي» بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ». وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا. وَفَتَحَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَنَافِعٌ الْيَاءَ. وَأَسْكَنَهَا الْبَاقُونَ. فَمَنْ فَتَحَ الْهَمْزَةَ جَعَلَهَا بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ، ﴾ ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ﴾. فَيَكُونُ مَوْضِعُهَا جَرًّا وَرَفْعًا، وَمَنْ كَسَرَ أَضْمَرَ الْقَوْلَ، قُلْ إِنِّي أَخْلُقُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾. قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «طَائِرًا» بِأَلِفٍ.

стр. 69

وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «طَيْرًا» بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَالطَّائِرُ مُذَكَّرٌ لَا غَيْرَ، وَطَيْرٌ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾. قَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالْيَاءِ، أَيِ: اللَّهُ يُوَفِّيهِمْ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ. وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِيَتَّصِلَ إِخْبَارُ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةِ قُنْبُلٍ «هَأَنْتُمْ» عَلَى وَزْنِ هَعَنْتُمْ، وَالْأَصْلُ: أَأَنْتُمْ، فَقَلَبَ مِنَ الْهَمْزَةِ هَاءً، كَرَاهَةَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا. وَقَرَأَ نَافِعٌ بِرِوَايَةِ وَرْشٍ مِثْلَ قُنْبُلٍ. وَقَرَأَ قَالُونٌ، وَأَبُو عمرو «ها آنتم» يُمِدَّانِ وَلَا يَهْمِزَانِ، وَإِنَّمَا مَدَّا، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ بَيْنَ بَيْنَ فَمَدَّا تَمْكِينًا لَهَا، وَالْهَاءُ مُبْدَلَةٌ أَيْضًا مِنْ هَمْزَةٍ فِي قِرَاءَتِهِمَا. وَقَرَأَ الباقون: «ها أنتم» كَأَنَّهُمْ جَعَلُوا «هَا» تَنْبِيهًا، «وَأَنْتُمْ» إِخْبَارٌ غَيْرُ اسْتِفْهَامٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِفْهَامًا، وَالْأَصْلُ: آأَنْتُمْ كَمَا قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «آأَنْذَرْتَهُمْ» بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ، ثُمَّ قَلَبَ مِنَ الْهَمْزَةِ الْأُولَى هَاءً، وَذَلِكَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَدْخُلُ الْأَلِفُ حَاجِزًا بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ كَرَاهِيَةً لِاجْتِمَاعِهِمَا، فَإِذَا قُلِبَتِ الْأُولَى هَاءً فَلَيْسَ هُنَاكَ مَا يُسْتَثْقَلُ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحْدَهُ «آنْ يُؤْتَى» عَلَى الِاسْتِفْهَامِ فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ تَقْرِيرٌ وَتَوْبِيخٌ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «أَنْ يُؤْتَى» بِالْقَصْرِ عَلَى تَقْدِيرٍ: قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ، لَأَنْ يُؤْتَى وَبِأَنْ يُؤْتَى، فَاعْرَفْ ذَلِكَ. - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾. اخْتُلِفَ عَنْ جَمِيعِ الْقُرَّاءِ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ وَ ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾. وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ. فَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، وَنَافِعٌ بِاخْتِلَاسِ الْحَرَكَةِ «نُوَلِهِ» وَ «يُؤَدِهِ» وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ «يُؤَدِّيهِ» مِثْلَ «فِيهِ هُدًى» فَسَقَطَتِ الْيَاءُ لِلْجَزْمِ وَبَقِيَتِ الْحَرَكَةُ مُخْتَلَسَةً عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَالْكِسَائِيُّ بِإِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ، وَلَفْظُهُ كَالْيَاءِ بَعْدَ الْهَاءِ. وَأَمَّا ابْنُ كَثِيرٍ فَإِنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يُشْبِعَ حَرَكَتَهُ فِي كُلِّ حَالٍ، كَقَوْلِهِ: «مِنْهُو آيَاتٌ» وَ «فِيهِي هُدًى.» فَرَدَّهُنَّ إِلَى أَصْلِهِ.

стр. 70

وَأَمَّا الْكِسَائِيُّ فَقَالَ: إِنَّ الْيَاءَ لَمَّا سَقَطَتْ لِلْجَزْمِ أَفْضَى الْكَلَامُ إِلَى هَاءٍ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ فَأَشْبَعَهَا، كَمَا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِهِي، وَكَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأُمِّهِي وَصَاحِبَتِهِي. وَقَرَأَ عَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ: «نُوَلِّهْ» «وَنُصْلِهْ» بِالْإِسْكَانِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَنْ أَسْكَنَ الْهَاءَ فَقَدْ أَخْطَأَ، لِأَنَّ الْهَاءَ اسْمٌ وَالْأَسْمَاءُ لَا تُجْزَمُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ خَالَوَيْهِ ﵁: لَيْسَ ذَلِكَ غَلَطًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْهَاءَ لَمَّا اتَّصَلَتْ بِالْفِعْلِ فَصَارَتْ مَعَهُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ خَفَّفُوهَا بِالْإِسْكَانِ، وَلَيْسَ كُلُّ سُكُونٍ جَزْمًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو قَرَأَ: «وَهُوَ خَادِعْهُمْ» فَأَسْكَنَ تَخْفِيفًا. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾. - قَرَأَ عَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَابْنُ عَامِرٍ: «يَأْمُرَكُمْ» بِالنَّصْبِ نَسَقًا عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ﴾. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ جَعَلُوهُ استئنافا. وحجتهم قراءة ابن مسعود: «لن يَأْمُرَكُمْ» فَلَمَّا سَقَطَ «لَنْ» ارْتَفَعَ مَا بَعْدَهَا، غَيْرَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْتَلِسَ الْحَرَكَةَ، وَقَدْ بَيَّنَّا عِلَّةَ ذَلِكَ فِي مَا سَلَفَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ «لِمَا» بِكَسْرِ اللَّامِ وَجَعَلَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْمَعْنَى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لِهَذَا. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «لَمَا» بِفَتْحِ اللَّامِ، فَاللَّامُ لَامُ التَّأْكِيدِ، وَ «مَا» صِلَةٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. أَيْ: لَعَلَيْهَا حَافِظٌ. وَاتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى «آتَيْتُكُمْ» بِالتَّاءِ، اللَّهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ إِلَّا نَافِعًا فَإِنَّهُ قَرَأَ «آتَيْنَاكُمْ» بِلَفْظِ الْجَمَاعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلِكَ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِلَفْظِ الْجَمَاعَةِ فَعَلْنَا، وَصَنَعْنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾. وَاللَّهُ تعالى وحده لا شريك له. - وقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ مُشَدَّدًا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُخَفَّفًا، وَحُجَّتُهُمْ ﴿تَدْرُسُونَ﴾ وَلَمْ يَقُلْ تُدَرِّسُونَ، وَمَنْ شَدَّدَ قَالَ: هَذَا أَبْلَغُ فِي الْمَدْحِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ إِلَّا وَقَدْ عَلِمُوا هُمْ، وَلَا يَكُونُ الْعَالِمُ عَالِمًا حَتَّى يَعْمَلَ بِعِلْمِهِ، فَأَحَدُ عَمَلِهِ تَعْلِيمُهُ غَيْرَهُ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ، ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يرجعون﴾.

стр. 71

قَرَأَهُمَا حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالْيَاءِ جَمِيعًا. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، غَيْرَ أَبِي عَمْرٍو فَإِنَّهُ قَرَأَ «يَبْغُونَ» بِالْيَاءِ «تُرْجَعُونَ» بِالتَّاءِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَمَعْنَاهُ: يَا مُحَمَّدُ، أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ . وَمَنْ قَرَأَهُمَا بِالْيَاءِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الِإِخْبَارُ عَنِ الْكُفَّارِ، وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو أَحْذَقَ الْقُرَّاءِ، فَفَرَّقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ، فَقَرَأَ: «أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ» يَعْنِي الْكُفَّارَ، «وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» أَنْتُمْ وَالْكُفَّارُ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، «حِجُّ الْبَيْتِ» بِالْكَسْرِ، وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، فَمَنْ فَتَحَ جَعَلَهُ مَصْدَرًا لِحَجَجْتُ، أَحُجُّ حَجًّا، وَالْحَجُّ: الْقَصْدُ، وَالْحِجُّ بِالْكَسْرِ الِاسْمُ، وَالِاخْتِيَارُ الْفَتْحُ، لِاجْتِمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى الَّذِي فِي «الْبَقَرَةِ» أَنَّهَا مَفْتُوحَةٌ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالْيَاءِ جَمِيعًا. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ يُخَيِّرُ فِي ذَلِكَ، وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ، فَمَنْ وَجَّهَ الْخِطَابَ إِلَى مَنْ بِالْحَضْرَةِ دَخَلَ مَعَهُمْ بِالْغَيْبِ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ دَخَلَ الْمُخَاطَبُونَ مَعَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ خَيَّرَ أَبُو عَمْرٍو بَيْنَ الْيَاءِ وَالتَّاءِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَنَافِعٌ، وَأَبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ وَكَسْرِ الضَّادِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ وَضَمِّ الضَّادِ وَالرَّاءِ، فَيَكُونُ مَوْضِعُهُ رَفْعًا وَجَزْمًا عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِ مُدَّ يَا هَذَا، وَمُدِّ يَا هَذَا، وَمُدُّ يَا هَذَا، وَالْأَصْلُ: يَضْرُرْكُمْ، فَنُقِلَتِ الضَّمَّةُ مِنَ الرَّاءِ الْأُولَى إِلَى الضَّادِ، وَأُدْغِمَتِ الرَّاءُ فِي الرَّاءِ، وَالتَّشْدِيدُ من أجل ذَلِكَ. وَمَنْ قَرَأَ «لَا يَضِرْكُمْ» فَخَفَّفَ، أَخَذَهُ مِنَ الضَّيْرِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ «مُنَزَّلِينَ». وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ جَعَلُوهُ اسْمَ الْمَفْعُولَيْنِ مِنْ أَنْزَلَهُمُ اللَّهُ فَهُمْ مُنْزَلُونَ.

стр. 72

وَمَنْ شَدَّدَ جَعَلَهُ اسْمَ الْمَفْعُولَيْنِ مِنْ نَزَّلَ، وَقَالَ قَوْمٌ: أَنْزَلَ وَنَزَّلَ بِمَعْنًى، مِثْلَ كَرَّمَ وَأَكْرَمَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ بِكَسْرِ الْوَاوِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، جَعَلُوُا التَّسْوِيمَ وَهُوَ الْعَلَامَةُ لِلْخَيْلِ، أَيْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ سَوَّمَتِ الْخَيْلَ، أَوْ إِذَا جَعَلْتَ الْفِعْلَ لِلَّهِ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ اللَّهُ سومها، قال الحسن: مسومين مجزرة النَّوَاصِي، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: جَعَلَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي آذَانِ الْخَيْلِ وَأَذْنَابِهَا الصُّوفَ الْأَبَيْضَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إلى مغفرة﴾. قرأ نافع، وابن عامر: «وسارعوا» بِغَيْرِ وَاوٍ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِوَاوٍ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾. قَرَأَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ غَيْرَ حَفْصٍ «قُرْحٌ» بِضَمِّ الْقَافِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالْفَتْحِ. فَقَالَ أَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ: هُمَا لُغَتَانِ: الْقَرْحُ وَالْقُرْحُ مِثْلَ: الْجَهْدُ وَالْجُهْدُ. وَفَرَّقَ الْكِسَائِيُّ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: الْقَرْحُ: الْجِرَاحَةُ، وَالْقُرْحُ: أَلَمُ الْجِرَاحَةِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحْدَهُ «كَائِنْ» عَلَى وَزْنِ كَاعِنْ. قَرَأَ الْبَاقُونَ: «وَكَأَيّ» عَلَى وَزْنِ كَحَيّ. فَمَنْ قَرَأَ كَذَلِكَ وَقَفَ بِالْيَاءِ مُشَدَّدًا، وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنَى «كَمْ»، تَقُولُ الْعَرَبُ: كَمْ مَالُكَ؟ وَكَائِنْ مَالُكَ؟ وَكَأَيِّنْ مَالُكَ؟ . - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَنَافِعٌ، وَأَبُو عَمْرٍو «قُتِلَ مَعَهُ». وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «قَاتَلَ» بِأَلِفٍ، فَمَنْ قَرَأَ «قُتِلَ» وَقَفَ عَلَيْهِ وَابْتَدَأَ بِمَا بَعْدَهَ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ أُمَمًا قُتِلَ عَنْهُمْ نَبِيُّهُمْ فَمَا ضَعُفُوا لِمَا أَصَابَهُمْ مِنْ قَتْلِ نَبِيِّهِمْ، وَمَا اسْتَكَانُوا.

стр. 73

وَحُجَّةُ مَنْ قَرَأَ «قَاتَلَ» قَالَ: إِذَا مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مَعَ نَبِيِّهِ، كَانَ مَنْ قَاتَلَ مَعَ نَبِيِّهِ أَمْدَحَ وَأَمْدَحَ. - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوُا الرُّعْبَ﴾. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ، «الرُّعُبَ» بِضَمَّتَيْنِ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْإِسْكَانُ الْأَصْلُ عَلَى قِرَاءَةِ الْبَاقِينَ، وَهُوَ أَخَفُّ، إِذْ كَانَتِ الْعَرَبُ قَدْ تُخَفِّفُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمَنْ ثَقَّلَ أَتْبَعَ الضَّمَّ الضَّمَّ، لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الْفَخَامَةِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالتَّاءِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، فَمَنْ ذَكَّرَهُ رَدَّهُ عَلَى النُّعَاسِ، وَمَنْ أَنَّثَهُ رَدَّهُ عَلَى الْأَمَنَةِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «كُلُّهُ لِلَّهِ» بِالرَّفْعِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِنَصْبِ اللَّامِ فَمَنْ نَصَبَ اللَّامَ جَعَلَهُ تَأْكِيدًا لِلْأَمْرِ، وَ «لِلَّهِ» خَبَرُ «إِنَّ». وَمَنْ ضَمَّ اللَّامَ رَفَعَهُ بِالِابْتِدَاءِ، وَ «لِلَّهِ» الْخَبَرُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ «إِنَّ». - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾. قَرَأَ نَافِعٌ، وحمزة «مِتُّمْ» بِكَسْرِ الْمِيمِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ، فَمَنْ ضَمَّ فَحُجَّتُهُ «يَمُوتُ» وَذَلِكَ أَنَّ «يَفْعُلُ» مِثْلَ قَالَ يَقُولُ، فَتَقُولُ: مُتُّ كَمَا تَقُولُ: قُلْتُ. وَمَنْ كَسَرَ فَحُجَّتُهُ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ تَقُولُ فِي مُضَارِعِهِ: مَاتَ يَمَاتُ، وَحَكَى ذَلِكَ الْفَرَّاءُ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَغَيْرُهُ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا وَزْنُهُ، فَعَلَ يَفْعَلُ مِثْلَ خَافَ يَخَافُ، وَنَامَ يَنَامُ، وَالْأَصْلُ خَوِفَ وَنَوِمَ، فَقَلَبُوُا الْوَاوَ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، وَكَذَلِكَ الْأَصْلُ: مَوِتَ، فَاعْلَمْ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. قَرَأَ حَفْصٌ بِالْيَاءِ. وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، وَقَدْ مَرَّتِ الْحُجَّةُ لِلْيَاءِ وَالتَّاءِ فِي نَظِيرِهَا. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِّيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ «أَنْ يَغُلَّ» بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْغَيْنِ.

стр. 74

وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «يُغَلَّ» بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ، فَمَنْ ضَمَّ الْيَاءَ فَمَعْنَاهُ: أَنْ يُخَانَ، وَالْأَصْلُ يُخْوَنَ، وَمَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الْيَاءِ «يَغُلَّ» أَيْ: يَخُونَ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى التَّاءِ إِلَّا هِشَامًا، فَإِنَّهُ قَرَأَ «يَحْسَبَنَّ» بِالْيَاءِ فِي هَذَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَعْدَهُ، وَشَدَّدَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ التَّاءَ فِي «قُتِّلُوا». وَخَفَّفَهَا الْبَاقُونَ، فَمَنْ خَفَّفَ بِرِوَايَةِ هِشَامٍ يَكُونُ مَرَّةً وَمِرَارًا، وَمَنْ شَدَّدَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِرَارًا، كَأَنَّهُمْ قَتَلُوهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ «إِنَّ اللَّهَ» بِالْكَسْرِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، فَمَنْ فَتَحَ فَمَوْضِعُ «أَنَّ» خَفْضٌ بِالنَّسَقِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم﴾ ... ﴿و. أن اللَّهَ لَا يُضِيعُ﴾، وَلِأَنَّ اللَّهَ. وَمَنْ كَسَرَ جَعَلَهَا مُبْتَدَأَةً، وَاعْتَبَرَ قِرَاءَتَهُ بِحَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ «وَاللَّهُ لَا يُضِيعُ». بِغَيْرِ «إِنَّ». - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ﴾. قَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ «يُحْزِنْكَ» بِضَمِّ الْيَاءِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُمَا لُغَتَانِ: حَزَنَ وَأَحْزَنَ، وَالِاخْتِيَارُ حَزَنَ، لِقَوْلِهِمْ: مَحْزُونٌ، وَلَا يُقَالُ: مُحْزَنٌ، تَقُولُ: حَزِنَ يَحْزَنُ حُزْنًا وَحَزَنًا. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ بِالتَّاءِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَإِخْبَارٌ عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَمَوْضِعُ «الَّذِينَ» نَصْبٌ وَ «كَفَرُوا» صِلَتُهُ، «وَأَنَّ» مَعَ مَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي، وَإِنَّمَا فُتِحَتْ «أَنَّ» لِأَنَّ الْفِعْلَ وَاقِعٌ عَلَيْهَا «وَمَا» اسْمُ «أَنَّ» وَ «نُمْلِي» صِلَتُهُ «وَخَيْرٌ» خَبَرُ «أَنَّ»، تَمَّ الْكَلَامُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ «إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ» بِكَسْرِ الْأَلِفِ «لِيَزْدَادُوا إثْمًا». وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ جَعَلَ الْفِعْلَ لمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَمَوْضِعُ «الذين» نصب

стр. 75

أَيْضًا، وَمَنْ جَعَلَ الْفِعْلَ لِلْكُفَّارِ فَمَوْضِعُ «الَّذِينَ» رَفْعٌ بِفِعْلِهِمْ وَ «كَفَرُوا» صِلَتُهُمْ «وَأَنَّ» مَعَ مَا بَعْدَهُ نَائِبٌ عَنْ مَفْعُولَيْ «يَحْسَبُ» وَذَلِكَ أَنَّ الْحُسْبَانَ يَحْتَاجُ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، «وَأَنَّ» يَحْتَاجُ إِلَى اسْمَيْنِ، فَنَابَ شَيْئَانِ عَنْ شَيْئَيْنِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ بِالتَّاءِ. وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَمَوْضِعُ «الَّذِينَ» رَفْعٌ، وَ «يَبْخَلُونَ» صِلَةُ «الَّذِينَ» وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ مَصْدَرٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بُخْلَهُمْ خَيْرا لَهْمُ. وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَ «الَّذِينَ» فِي مَوْضِعِ نصب، وهو المفعول الأول، «خيرا» الْمَفْعُولُ الثَّانِي. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو بِالْيَاءِ، إِخْبَارًا عَنِ الْكَفَرَةِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، أَيْ: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ خَبِيرٌ. - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ «سَيُكْتَبُ مَا قَالُوا وَقَتْلُهُمُ الْأَنْبِيَاءَ» عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ عَلى مَا سُمِّيَ فَاعِلُهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾. وَنَكْتُبُ قَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ، فَ «مَا» مَوْضِعُهَا نَصْبٌ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، وَعَلَى قِرَاءَةِ حَمْزَةَ مَوْضِعُهَا رَفْعٌ، لِأَنَّهُ اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «حَتَّى يُمَيِّزَ» مُشَدَّدَةً. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُخَفَّفَةً، وَهُمَا لُغَتَانِ، مَازَ يَمِيزُ وَمَيَّزَ يُمَيِّزُ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «وَبِالزُّبُرِ» بِالْبَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الشَّامِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ بَاءٍ، فَقَالَ قَوْمٌ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَمَرَرْتُ بِزَيْدٍ وَبِعَمْرٍو سَوَاءٌ، وَأَمَّا هِشَامٌ فَإِنَّهُ قَرَأَ «بِالْكِتَابِ» بِزِيَادَةِ الْبَاءِ، وَالْبَاقُونَ بِغَيْرِ زِيَادَةِ الْبَاءِ.
следующие страницы →