Полный текст (555 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
فاعله تُجمع عَلَى فَوَاعِلٍ. والصَّحيح عنْ ابنِ كثيرٍ ما قرأتُ عَلَى ابنِ مُجاهدٍ عنْ قُنبل:
وتَعِيَها عَلَى وَزنِ تَلِيَها.
اعلم أن وَعى يَعى، ووَلى يَلِي، ووَني يَنِي، ووَشَى يشي، ووفى بالعهد يفي فعل معتل الطرفين فاؤه واوٌ، ولامه ياءٌ، سقطت الواوُ لوقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ، وسقطت الياءُ للأمرِ، فيتبقى الفعلُ عَلَى حرفٍ فوجب أن يقولَ: عِ كلامي، وشِ ثوبك، وفِ بالعَهد غير أنَّ الكُتَّاب أجَمعوا عَلَى أن كتُبُوا ذَلِكَ بالهاءِ عِهْ وشِهْ وفِهْ، لأنَّ الكتابة مَبناها عَلَى الوقف، ولا يجوزُ الوقف عَلَى حرفٍ واحدٍ.
стр. 457
ومن سورة المعارج
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: أول هَذِهِ السُّورة جواب لقولُه تَعَالى: - حكاية عنْ المُشركين -:
﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فإنزل اللَّه تَعَالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾.
فَقَالَ النَّحويُّون: الباء هاهنا بمعنى عن والتقدير: سَأَلَ سائل عنْ عذابٍ واقعٍ، قَالَ الشاعرِ:
دَعِ المُغَمَّرَ لا تَسْأَلْ بِمَصْرَعِهِ ... وَاسْأَلْ بِمَصْقَلَةُ البَكْرِيِّ مَا فَعَلَا
وقولُه: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ بغير همزٍ، فيجوز أن يكون أراد سأله بالهمز فترك الهمزَ تخفيفًا، ويجوز أن يكون جعله من السّيل سال يَسيل وسائل: وادٍ في جهنم، كما قَالَ تَعَالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ والغَيُّ: وادٍ فِي جهنم، وكما قَالَ: ﴿قُلْ أَعُوْذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾. والفَلَقُ: جبٌّ فِي جهنم.
وأجمع القُراء عَلَى همز «سائِلٌ» لأنَّه إن كَانَ من سَأَلَ فعين الفعل همزةٌ، وإن كَانَ من سال بغير همز فالهمزة بدل من الياءِ، كما يُقال: باع فهو بائعٌ وسار فهو سائرٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿نَزَّاعةً للشَّوَى﴾.
روا حفصٌ، عنْ عاصمٍ: «نَزَّاعةً للشّوى» لأنَّه جعلها حالًا «كلا إنها لَظى» و «لظى»: اسم لجهنم معرفة، ونزاعة نكرة فقطعتها منها. ومَن رفع جعلها بدلًا من «لَظًى» عَلَى تقدير كلا إنّها لظًى، وكلّا إنها نزاعةٌ للشوى. ويجوز: كلا إنها لظى هِيَ نزاعةٌ للشوى. والشَّوى: الأطرافُ، اليدان والرجلان وجلدة الرأس. قَالَ الشَّاعِر:
قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لُهُ ... قَدْ جَلَّلَتْ شَيْبًا شُواتُه
والتقى أَبُو عَمْرو بْن العَلاء وأبو الْخَطَّاب الأخفش فِي مجلسٍ فأنشد أَبُو الخطاب:
قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لُهُ ... قَدْ جَلَّلَتْ شَيْبًا شُوَاتُه
فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: صحَّفت، إنَّما هُوَ سراته فسكت أَبُو الخَّطبِ، ثُمَّ قَالَ: لنا بعدُ، بل صحَّفَ هُوَ، قَالَ: فسألنا بعدَ ذَلِكَ جماعةً من العَرب، فأنشد بعضهم كما قال أبو
стр. 458
عَمْرٍو، وأَنشد آخرون كما قَالَ أَبُو الخطَّاب، فعلمنا أنّهما أصابا وَصَدَقا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ روى ما سَمِعَ. والشّوى أيضًا: الخَسِيسُ من المالِ. وقولُه: «كَلَّا» فِي هَذِهِ السُّورة، حَدَّثَنِي أَبُو القاسم بْن المرزبان، عنْ أَبِي الزَّعراء، عنْ أَبِي عُمر الدُّوري أنَّ الكِسَائِيّ كَانَ لا يقف عَلَى «كلَّا» فِي شيءٍ من القرآن، إلا على هذين الحرفين اللذين فِي سورة ﴿سَأَلَ سائلٌ﴾.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: أعلم أنَّ فِي القُرآن ثلاثةً وثلاثين موضعًا «كلا»، وليس فِي النِّصف الأول مِنْهُ شيءٌ. وَقَدْ ذكرته بعلته فيما سلف.
وإن من وقف عَلَيْهِ جعله ردًّا، ومن لم يقف جعله بمعنى حقًّا قَالَ الشّاعر:
يَقُلْنَ لَقَدْ بَكَيْتَ فقلتُ كلَّا ... وَهَلْ يَبْكِي من الطَّرَبِ الجَلِيْدُ
الطّرب: خفةٌ تُصيب الرّجل لشدَّة الخَوف أَوْ الجَزع أَوْ الفرح قَالَ الشَّاعِر:
وأراني طَرِبًا فِي إِثْرِهِمْ ... طربَ الوَالِهُ أَوْ كالمُخْتَبِلْ
وقال فِي السُّرور:
أَطَرَبًا وأَنْتَ قِنَّسْرِيُّ ... والدَّهرُ بالِإنسان دَوَّارِيُّ
أي: أتطَربُ طربًا وأَنت شيخٌ، كما قَالَ جريرٌ:
ماذَا مزاحك بعدَ الشيب والدين ... وقد علاك مشيب حين لا حين
وقولُه تَعَالى: ﴿ولا يَسئَلُ حَمِيْمٌ حَمِيْمًا﴾.
روى نصر، عن البزي ابن كثير بالضم: «ولا يسأل».
وقرأ الباقون: «ولا يسأل» بالفتح؛ لأنهم فِي شغل من أنفسهم، عنْ أن يلقى قرين قرينه أو نسيب نسيبه، فكيف أن يسأله ألم تسمعه قولُه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وأبيه﴾.
ومن قرأ: «ولا يسأل» بالضمة فمعناه: لا يُطالب قرين بأن يحضر قرينه كما يفعل أهل الدُّنيا أن يؤخذ الجار بالجار والحميم بحميمه؛ لأنَّه لا جور هناك.
وقولُه تَعَالى: ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾.
قَرَأَ ابن كثير وحده: «لأمانتهم» واحدةٌ.
وقرأ الباقون بالجمعِ. وَقَدْ ذكرتُ علته في قَدْ أَفلح.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ هُم بشهاداتهم قائمون﴾.
стр. 459
وقرأ الباقون كلهم: «بشهادتهم» عَلَى التَّوحيد، وإنّما ذكرته؛ لأنَّ عَبَّاسًا وعبد الوارث رَويا عنْ أَبِي عَمْرو «بِشَهَادَاتهم» عَلَى الجَمع.
وحفصٌ عنْ عاصمٍ كذلك.
فأمّا قولُه: ﴿على صلاتهم يُحافِظُوْنَ﴾.
فلم يختلف القُرَّاء عَلَى توحيدها، لأنّها كتبت فِي المصحف بلام ألف.
والباقي كتب «صلاوة» بالواو أعني الثلاثة المواضع التي اختلفوا فيها، وَقَدْ بيَّنتُها.
وقال الفَرَّاء تكتب الصَّلاوة، والزَّكَاوة، والفَلاوة، ومَناوة، بالواوِ.
وقولُه تَعَالى: ﴿أنَّ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾.
روى المُفضل، عنْ عاصمٍ: «أنْ يَدْخُلَ» بفتح الياء، جعل الفعل لَهُ. وقرأ الباقون: «يُدْخَلَ» بالضَم عَلَى ما لم يسم فاعله والأمرُ بينهما قريبٌ؛ لأنَّ اللَّه تَعَالى إذا أدخل عبدًا الجنة فقد دخل هُوَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿إلى نُصُبٍ يُوْفِضُوْنَ﴾.
قَرَأَ حفص عن عاصم وابنُ عامرٍ: «نُصُبٍ» بضمتين جعلاه جمع نَصْبٍ كَرهِنٍ ورُهُنٍ، والنُّصُبُ: العلم يعني: الصَنَم الَّذِي نصبوه ليعبدوه من دونِ اللَّه. لا نَشرك بالله شيئًا.
وقرأ الباقون: «إلى نَصْبٍ» بفتح النون، وجزم الصاد، ومعنى يُوفضون:
يسرعون، قَالَ الشَّاعِر:
لَأَنْعَتَنْ نعامةً مِيفَاضَا ... خَرْجَاءَ ظَلَّت تَطْلُبُ الِإضاضا
الِإضاض بالكسرِ والفتح، ومعناه: الملجأ، والخرجاء: فِي لونها.
أخبرني ابنُ مُجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَرَّاء، قَالَ: إذا رَقَّعت قميصك برقعتين حَمراء، وبَيضاء، فهو قميصٌ أَخرجُ، وأنشد أَبُو عُبَيْدةَ لِرُؤبة:
كَفَى بِنَا الجِدُّ عَلَى أَوْفَاضِ
ولا يجُوز: هُمْ يُؤْفِضُون، لأنَّه من أَوفض يُوفض إيفاضًا فهو مُوفضٌ. ففاءُ الفعلِ واوٌ مثل أَوقد يُوقد، وإنما همزوا هَذَا القَبيل ما كَانَ أول الفعل مِنْهُ الهمزةِ كقولك:
يُؤمنون، لأنَّه من آمن، ويؤتون، لأنَّه من آتى، وَقَدْ بيَّنته فيما سلف.
стр. 460
ومن سورة نوح ﵇
قولُه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّه﴾.
قَرَأَ عاصمٌ وحمزُة وأبو عَمْرو: «أَنِ اعْبُدُوا اللَّه» بكسر النون.
وقرأ الباقون: «أَنُ اعْبُدُوا اللَّه» بالضَّمِّ، فمَن كَسَرَ فلالتقاء السَّاكنين، ومن ضمَّه اتبعَ الضمَّ، وَقَدْ ذكرتُ ذَلِكَ فيما سلف.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾.
قَرَأَ أهلُ الكوفةِ بالمَدِّ، وإسكان الياء.
وقرأ الباقون بالمَدِّ وفتحِ الياء، إلَّا ما حَدَّثَنِي ابنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَرَّاء، وخلف والهيثم، عنْ عُبَيْدٍ، عنْ شبل، عنْ ابْنُ كثير أَنَّهُ قَرَأَ: «فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَاءِ» بالقصر، وَقَدْ ذكرت علته فيما تقدم.
وقوله تعالى: ﴿ماله وَوَلَدُهُ﴾.
قَرَأَ عاصمٌ ونافعٌ وابنُ عامرٍ «وَوَلَدُهُ» بالفتح.
وقرأ الباقون: «وَوَلْدُهُ» وهما لغتان الوَلَدُ، والوَلْدُ مثل العَدَمْ، والعَدْمُ.
وقال آخرون الوَلْد جمع ولد، وأنشد:
وقال آخرون الولد كان في بطن أمه:
وليت فلانا كان وَلْدَ حِمَارِ
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾.
قَرَأَ نافعٌ وحده بالضَمَّةِ.
وقرأ الباقون: «وَدًّا» بالفتح، فَقَالَ أهل اللغة: الوَد والوُد: اسم الصَنَمِ.
وقال آخرون: الوُدّ - بالضّمة -: المَحَبَّة والوَدُّ: الصَّنَم، ومن ذَلِكَ قولهم:
عَمْرٍو بن عبد ود، والسواع: صنم هاهنا، والسُّواع فِي غيرِ هَذَا السَّاعة من اللَّيل، والسوعاء أيضًا، وصُرِفَتْ سواعًا؛ لأنَّه عربي عَلَى وزن فُعال مثل غُراب، ولم تُصرف يَغوث، ويَعوق للياء الزَّائدة فِي أولها، وفي حرفِ ابنِ مَسْعُود «ولا يغوثًا ولا
стр. 461
يعوقًا» بالتَّنوين والصرف. وكذلك قرأها الْأَعْمَش أَخْرَجَهُ مخرج النكرات وهي كلّها أصنامٌ، كانت العربُ في الجاهلية تعبدها من دون الله، نسرًا: صنمٌ أيضًا، قَالَ الْعَبَّاس بْن عَبْد المطلب يمدح النَّبيّ ﵇:
ثُمَّ هَبَطْتُ البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نَسْرًا وأَهْلَهُ الغَرَقُ
وقولُه تَعَالى: ﴿ممَّا خَطِيْئاتِهِمُ﴾.
وقرأ أَبُو عَمْرو وحده: «مِمَّا خَطَاياهُمُ».
وقرأ الباقون: «خطيئاتهم» فمن قَرَأَ بالتاء اتبع المصحف، وهو جمع قليلٌ بالألف والتاء.
فأمَّا قراءة أَبِي عَمْرٍو فإن ابن جاهد حَدَّثَنِي، عنْ ابْنُ عياش، عنْ ابْنُ أخي الأصمعي، عنْ عمّه، قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو: أن قومًا كفروا ألفَ سنةٍ كانت لهم خطيئات، لا بل خطايا، يذهب أبو عَمْرو إلى أن التاء والألف للجمع القليل، وهو جمعُ السَّلامة فِي المؤنَّث، وخطايا جمعُ التَّكسير، وهو الكثيرُ.
وقال أصحابُ القِراءة الأولى الألف والتاء تكون للقليل والكثير وإليه أذهب؛ لأن اللَّه تَعَالى قَالَ: ﴿ما نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله﴾. وليست كلمات اللَّه تَعَالى قليلةً، قَالَ الشَّاعِر:
إِذَا جَاْوَزْتُمَا سَعَفَات حَجْرٍ ... وأَوْدِيَةَ اليَمَامَةِ فَانْعِيَانِيْ
وليست سَعَفَاتُ حَجْرٍ قليلةً. فهذا واضحٌ بحمدِ اللَّه.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيِتَيِ مُؤْمِنًا﴾.
روى حَفْص، عنْ عاصم وهشام، عنْ ابْنُ عامر «بيتيَ مؤمنًا» بفتح الياء.
وأسكنها الباقون.
فأمَّا قولُه: ﴿رب اغفر لي ولوالدي﴾. فاتفق القُرَّاءُ السَّبعةُ عَلَى والديَّ عَلَى لفظ الاثنين، وإنّما ذكرته لأنَّ إِبْرَاهِيم النّخَعِيَّ رُوى عَنْهُ «وَلِوَلَدَيَّ ولِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ».
стр. 462
فإن قيل: لم دعا لوالده وهو كافرٌ؟ .
ففي ذَلِكَ جوابان:
أحدهما: اغفر لَهُ إن آمنَ، كما قَالَ ﷺ : «عَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّيْنِ.
تَرِبَتْ يَدَاكَ»، معناه: إن لم تفعل.
والجوابُ الثَّاني: أنَّ الوَلَدَ يعبر به عن الجماعة، فالتقدير لولد المؤمنين لا الكافرين، ومن ولده أنبياء، وروى عنْ الْحُسَيْن أَنَّهُ قَرَأَ «وَلِوَلَدَيَّ».
стр. 463
ومِنْ سُوْرَةِ الجِنّ
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: إنّما سُمِّيت سورة الجن؛ لأنَّ الشَّياطين لما رُجِمَتْ وحُرِست السَّماء منها بعد مولدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، قَالَ إبليس: هَذَا شيءٌ قَدْ حدث فبثَّ جنوده فِي الآفاق، وبعث تسعة منهم من اليَمن إلى مكة، فأتوا النَّبيّ ﷺ وهو ببطنِ نَخلة قائمًا يُصلي يتلو القُرآن فأعجبهم ما سَمِعُوا، ورَقُّوا لَهُ، وأسلموا فكان مِن قولهم ما قصَّ اللَّه تَعَالى فِي هَذِهِ السُّورة: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾.
فحدثني ابنُ مُجاهدٌ، عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَرَّاء، قَالَ: قَرَأَ جويَّةُ الَأسَدِيُّ «قل وُحِيَ» مثل وُعِدَ فاستثقل الضَمَّة عَلَى الواوِ فجعلها همزةً كما قيل: ﴿وإذَا الرُّسل أُقِّتَتْ﴾ و «وُقِّتَتْ» وذلك أن العَرَبَ تَقُولُ: وَحَيْتُ إِلَيْه، وأَوحيتُ إِلَيْه بمعنى، وومأت إِلَيْه، وأَومأت إِلَيْه. قَالَ الرَّاجِزُ:
وَحَي لَهَا القَرَار فاسْتَقَرَّتِ
وقولُه تَعَالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾.
قَرَأَ ابْنُ كثير وأبو عَمْرو «أنَّه» بالفتح: «وألَّو ﴿استقاموا» «وأن المساجد لله» و «أنه لَمَّا قَاْمَ عَبْدُ اللهِ» بالفَتح أَربعتهن.
وقرأ عاصمٌ ونافعٌ كذلك إلى قولُه: «وإنَّه لَمَّأ قَامَ عَبْدُ اللهِ» فإنَّهما كسراه، وأمَّا عاصِمٌ فكسره فِي رواية أَبِي بكرٍ.
وقرأ الباقون كلُّ ذَلِكَ بالفَتح إلا ما جاءَ بعدَ القَول فاختلف النّاس، فَقَالَ قومٌ: مَنْ فَتَحَ نسق على قوله: «قل أوحي إلي أنه﴾ ........ وأَنَّه» ومن كَسَرَ رده عَلَى قولُه: «قَالُوا ﴿إنَّا سَمِعْنَا﴾ ..... وإنَّا» فإذا جاءت بعد فاءِ الشَّرطِ، والجَزَاءِ فمكسورةٌ لا غيرُ؛ لأنَّها موضعُ ابتداءٍ، وهو قولُه: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ بالكَسْرِ.
وَقَدْ رُوِيَ عن طلحة بن مصرف «فأن له» بالفتح جعله ابتداءً والتقدير: ومن يعصِ
стр. 464
اللَّه ورسوله إن لَهُ نارَ جَهنَّم.
وسألتُ ابنَ مجاهدٍ، عنْ قراءة طلحة هَذَا، فَقَالَ: هُوَ لَحْنٌ.
وقال بعضُ أهل التَّفسير: زعم أَبُو عُبَيْدٍ أن ما كَانَ من قول الجِن فهو مكسورٌ بالنّسق عَلَى قولُه: «إنَّا سَمِعْنا». ومن فتح فعلى قولُه: «قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ».
قَالَ: وهو المذهب عندي.
وَقَدْ اختلف فِي هَذِهِ السُّورة اختلافًا شديدًا، وكان أَبُو عَمْرو أعلَمهم بتأويل القرآن فلذلك حسن اختياره، وسأبين مواضع الفتح والكَسرِ «قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ» بالفتح «قَالُوا إنا سَمِعْنَا» بالكسر، ثُمَّ تتابع كلام الجِنّ إلى قولُه: «وإنَّا ظَنَنَّا» ثُمَّ يَعترض كلامُ اللَّه وهو قوله: «وإنه كان رجال» هذا مكسورٌ عَلَى الِإبتداء، ويتلوه قولُه: «وإنَّهم ... » مكسور نَسَقٌ عَلَى قولُه: «وإنَّه كَانَ» ثُمَّ ينقطع قوله الله هاهنا فيقول الجن: «وإنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء» وهذا مكسورٌ منسوقٌ عَلَى ما تقدم من قول الجِنِّ، ثُمَّ يَقُولُ الجن: أيضًا «وإنَّا لا نَدْرِيْ» ثُمَّ يَقُولُ: «وإنّا مِنَّا الصَّالِحُوْنَ» ثُمَّ ينقطع قول الجن هاهنا. ثُمَّ يَقُولُ اللَّه: «وألَّوِ ﴿اسْتَقَامُواْ عَلَى الطَّريقة» نسق على قوله: «قل أوحي إلي أنه اسْتَمَعَ» وكذلك: «وأنَّ المساجِدَ لِلهِ»، «وإنَّه لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ»، والجِنُّ فِي اللغة: الجِنُّ، والجِنُّ: الِإنسُ، والجِنُّ: الملائكةُ، والجنَّةُ: الِإنسُ، والجَّنَّةُ: الملائكة، والجنة: الجن، والجنة: كلاب الجن، ويقال: الجن: سَفَلَةُ الجِنِّ، والجنُّ الجنون، والجنون: جُنُونُ الشَّبابِ، وجُنُونُ السّكرِ، وجُنُونُ الشَّيطان، وَيُقَال:
نبتٌ مجنونٌ، وشجرةٌ مجنونةٌ، إِذَا أَفرطت طُولًا وأَنشَدَ:
حتَّى إذَا ما أَخْصَبَتْ وتَرَبَّعَتْ ... بَقْلًا بِعَيْهَمِ والحِمَى مَجْنُوْنًَا
وقولُه تَعَالى: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾.
قَرَأَ أهلُ الكوفةِ بالياءِ إخبارًا عنْ اللَّه تَعَالى.
والباقون بالنون «نَسْْلُكْهُ» اللَّه يخبر عنْ نفسه.
ومن العربِ مَن تقولُ سَلَكَ زيدٌ الطَّريق، وسلَّكه غيره، ومن العَربِ من يقولُ:
стр. 465
أسلَكَهُ غيُرُه، ويُنشد:
حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوْهُمْ فِيْ قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا كَمَاْ تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّرْدَا
وقولُه تَعَالى: ﴿عَذَاْبًا صَعَدًا﴾ أي: أشدُّ العذابِ، من قولُه تَعَالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوْدًا﴾. فأمَّا قولُ العربِ: تَنَفَّسَ فلان الصُّعَدَاء عَلَى فُعَلَاءَ، الأكثرُ فِيْ كلامهم، وقال آخرون: تنفس صُعْدًا عَلَى وزن عُرْفٍ.
وقولُه تَعَالى: ﴿قُل إنّما أَدْعُوا رَبِّي﴾.
قَرَأَ عاصمٌ وحمزةُ: قُلْ عَلَى الأمرِ.
وقرأ الباقون: قَالَ عَلَى الخبَرِ، والأمرُ بينهما قريبٌ.
فحدَّثني ابنُ مُجاهدٍ عنْ سَلمان البَصريِّ، عنْ أَبِي حاتِمٍ، عنْ يعقوب قَالَ أَبُو عَمْرٍو: ما أُبالي كيف قرأت قلُ أَوْ قَال.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: لأنَّ اللَّه تَعَالى لَمَّا أمره فَقَالَ: قُل ثُمَّ فَعَلَ المأمور ما أمر بِهِ أَخبر عَنْهُ، فقيل: «قالَ إنما أدعو رَبِّي».
وقولُه تَعَالى: ﴿كَادُوا يَكُوْنُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾.
قَرَأَ ابنُ عامرٍ وحده برواية هشامِ «لُبَدًا» عَلَى وزن غُرَفٍ.
وقرأ الباقون: «لِبَدًا» مثل كسر.
وحدثني أحمد، عن علي، عن أبي عبيد أن أبا جَعْفَر قَرَأَ لُبَّدًا بالتَّشديد، قَالَ: هو جمع لا بد ولُبَّدٍ مثل راكعٍ ورُكَّع، ومعناهُ: أن الجن لشغفهم بقراءة رَسُول اللَّه ﷺ ولِإعجابهم أحسنَ ما سمعوا أرادوا أن يشتموا عَلَيْهِ ويجتمعوا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدةَ: كادُوا يكونون عَلَيْهِ لِبَدًا أي: جماعات واحدها: لِبْدَةٌ، وكذلك يقالُ للجَراد إِذَا كَثُرَ، قَالَ عبدُ مَنَاْفٍ:
صَابُواْ بِستَّةِ أَبْياتٍ وأَرْبَعَةٍ ... حَتَّى كَأَنَّ عَلَيهِمْ جَابِئًا لِبَدَا
وقال الفَرَّاءُ: أُراه «وأنَّه لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ» يريدُ: النَّبيّ ﷺ ليلةَ أتاهُ الجن ببطن نَخْلَةَ: «كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدَا» قَالَ: يَرْكَبُونَ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 466
وَسَلَّمَ رغبةً فِيْ القُرآن وشهرةً لَهُ.
وقرأ ابْنُ مُحيصن وعاصمٌ الجحدري: «لُبَدًا» بضم اللام وفتح الباء.
وروى عنْ الجَحْدَرِيِّ «لُبْدًا».
وروى عنْ هارون «لُبُدًا» بضمتين مثل ثُمُر. ففيه أربعُ قراءاتٍ عَلَى هَذَا، لِبَدًا، ولُبَدًا، ولُبُدًا، وقال بعضهم: لُبْدًا مثل أَسَدٍ، وأُسْدٍ، وَيُقَال: أسد ذو لبدة: إذا تلبد شهره بين كَتِفَيْهِ، ورَكَبَ بَعْضُهُ بَعْضًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿رَبِّي أَمَدًا﴾.
أسكنَ الياء الكوفيون وابنُ عامرٍ.
وفتحها الباقون.
والَأمَدُ: الغايةُ.
وقال الشَّاعِر:
سَبْقَ الجَوَادِ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الَأمَدِ
стр. 467
ومن سورة المزمل
قولُه تَعَالى: ﴿أشدُّ وَطْئًا﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وابنُ عامرٍ: «وِطَاءً» بكسرِ الواو على فعال جعلاه مصدرا لواطأ يواطئ مواطأة ووطاء، ومعناه: يواطئ السّمع والقَلب؛ لأنَّ الصلاة باللَّيل وإن كانت أشدُّ عَلَى المؤمن من صلاةِ النَّهار، وما يغشاه من النُّعاس فهو أقومُ قيلًا.
وقرأ الباقون: «وَطًا» عَلَى فعل بفتح الواو.
وروى الوَقَّاصِيّ، عنْ الزُّهْرِيّ: «أشدُّ وِطْأً» بكسر الواو وإسكان الطاء من غيرِ مدّ.
حَدَّثَنِي ابْنُ مجاهدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَصر، عنْ أَبِيهِ، عنْ هارون، قَالَ: حَدَّثَنَا يونس، عنْ ابْنُ مُليكة ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ قَالَ: بعد عشاءِ الآخرةِ وقيل: «ناشئةَ اللَّيل» من أولها إلى آخرها وقيل: من أول اللَّيل، وقيل: ساعةً من اللَّيل. والاختيار أن الناشئة: ما أحياه المُصَلِّى من بعد نومه ﴿إنَّ لَكَ فِيْ النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيْلًا﴾ أي: ما تَقضي حوائجك.
وقرأ يَحيى بْن يَعمر: «سَبْخًا» بالخاء، وكذلك الضَّحاك. ومعنى السَّبخ:
التَّوْسِعَةُ، يُقال: سَبَّخْتُ القُطْنَ: إِذَا وسَّعته للنَّدف. وَيُقَالُ لما يَتَطايرُ من القُطنِ عندَ الندف: سبائخ وأَنشدَ:
فَأَرْسَلُوْهُنَّ يَذْرَيْنَ التُّرابَ كَمَا ... يُذْرِيْ سَبَائِخَ قُطْنٍ نَدْفَ أَوْتَارِ
وقال اللَّحْيَانِيُّ فِيْ نَوَادِرِهِ «إنَّ لَكَ فِيْ النَّهَارِ سَبْخًا» أي: نومًا، وسَبْحًا بالحاء أي: راحةً.
وقال آخرون: هما بمعنًى. ومن قَرَأَ: «وطأ» فمعناه أشدُّ مكابرةً من ذَلِكَ قولُ رَسُولِ اللَّه ﷺ : «اللهم أُشدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَر».
فإن سَأَلَ سائلٌ فَقَالَ: ما معنى ﴿إنَّا سَنُلْقِيْ عَلَيْكَ قَولًا ثَقِيلًا﴾؟
فقلُ: معناه: ثقيلًا فِيْ الَأجر ليس بخفيفٍ، ولا سفساف.
وهذه السُّورة من أوائل ما نَزَل عَلَى النبي ﷺ . وكذلك أنَّ الناموس الَأكبر يعني جبريل ﵇ لما لقي رَسُولَ اللَّه ﷺ ، قَالَ: ﴿اقْرَأْ
стр. 468
باْسمِ رَبِّكَ﴾ ففزع لذلك فزعًا شديدًا. فصار إلى بيته، وَقَدْ اقشَعر وقال: زَمِّلُوني أي: دَثِّرُوني وغَطُّوني - يُقال: تَزَمَّلَ الرَّجُلُ فِيْ ثيابه، وتَزَمَّلَ للنَّوْمِ فِيْ لحافه - فجاءَه جبريل ﵇، وقال: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ بتشديد الزّاي والميم، لا يجوز لأحد أن يقرأ بغيره ومعناه: المتزمل فأدغمت التاء في الزاي. فالتشديد من أجل ذَلِكَ.
وكذلك هِيَ قراءةُ ابْنِ مَسْعُود: «يا أيُّها المُتزمل» ومثله ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ والأصل: المُتَدَثِّرُ. وإنّما شُدِّدت الميم والتَّاء لأنَّهما عينان من الفعل، ووزنه:
مُتَفَعِّلٌ، بتشديد العين مثل مُتَكِّلمٌ ومُتَكَبِّرٌ. والمصدر من المدغم: ازَّمل يزَّمل إزِّمالًا فهو مُزَّمِّلٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾.
قَرَأَ أهلُ الكوفةِ وابنُ عامرٍ غيرَ حَفْصٍ: «رَبِّ المَشْرِقِ» بالكسرِ بدلًا من قولُه: «واذْكُرِ اسمَ ربِّكَ».
وقرأ الباقون بالرّفع عَلَى الاستئناف.
وقوله تعالى: ﴿ونصفه وَثُلُثَهُ﴾.
قَرَأَ نافعٌ وأبو عَمْرٍو وابنُ عامرٍ بكسر الفاءِ، والثَّاءِ عَلَى معنى: «أَنَّك تَقُوْمُ أدنى من﴾ ﴿نصفه وثلثه».
وقرأ الباقون: «ونصفه وثلثَه» بالنَّصب عَلَى أنَّك تقوم نصفَه وثلثَه.
وحدَّثني ابنُ مُجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيّ، عنْ خلفٍ، عن عبيد، عن شبل، عن ابن كثير «وثُلْثَهُ» مخففًا وهما لغتان الرُّبْعُ والرُّبُعُ والعُشْرُ والعُشُرُ.
وروى الحُلْوَانِيُّ، عنْ هشامٍ، عنْ ابنِ عامر: «ثلثي الليل» بالتسكين أيضًا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الاختيارُ الخَفْضُ فِيْ «نصفِه وثلثِه»، لأنَّ اللَّه تَعَالى قَالَ: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوْهُ﴾. قَالَ فكيفَ يقدر عَلَى أَن يعرفوا ثُلُثَهُ ونِصْفَهُ وهم لا يحصونه.
وقال غيره: ليس معنى «لَنْ تَحْصُوْهُ» ما ذَهَبَ إِلَيْه أَبُو عُبَيْدٍ، ولكن معناه: لن تُطيقوه، يعني قيام اللَّيل، فخفف اللَّه تَعَالى ذَلِكَ عليهم، قَالَ: والاختيار النَّصبُ؛ لأنها أصحُّ فِيْ النَّظر. قَالَ الله تَعَالى لنَبِيّه ﵇: ﴿قم الليل إلّأ قَلِيْلًا﴾ أي: صلِّ الليلَ إلا شيئًا قليلًا مِنْهُ تَنام فِيهِ، وهو الثُّلثُّ والثُّلث يسيرٌ عند الثلثين، ثُمَّ قَالَ: نصفه، فاكتفى بالفعل الأول من الثَّاني، لأنَّه دليل عَلَيْهِ، وانقص من النُّصف قليلًا إلى الثُّلث، أَوْ
стр. 469
زد عَلَى النّصف إلى الثُّلثين، جعل اللَّه لَهُ سعةً فِيْ مدة قيامه فِيْ اللَّيل، فلما نزلت هذه الآية قامَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وطائفةٌ من المؤمنين مَعَهُ أدنى من ثلثي الليل شيئًا يسيرًا وقاموا نصفه، وثلثه، وأخذ المُسلمون أنفسهم بالقيام عَلَى المقادير حتَّى شقَّ ذَلِكَ عليهم. فأنزل اللَّه تَعَالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾. أي: تَقومُ نصفه وثلثه، ﴿وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾.
مقدار ثلثيه ونصفه، وثلثه، وسائر أجزائه، ويَعلم أنّكم لن تحصوه، أي: لن تُطيقوا القِيَامَ على هذه المقادير، ﴿فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن﴾. فذهب الشَّافعيّ ﵁ إلى أن ما تيسر من القُرآن هُوَ الحَمْد، وقيل: مائة آيةٍ، ورَخَّص لهم فِيْ أن يقوموا ما أَمكن، ثُمَّ نَسَخَ اللَّه ذَلِكَ بالصلوات الخَمس.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فأمَّا نِصْفَهُ فأجمع القراء عَلَى كسر النون وإسكان الصَّاد وللعرب فِيهِ أربعُ لغاتٍ: يُقال: نِصْفُ الشيءِ، ونَصفه ونُصفه، ونَصِيْفُه. ومن ذَلِكَ حديث رَسُول اللَّه ﷺ : «لا تَسُبُّواْ أصحابِي فإنَّ أحدكم لو أَنْفَقَ مثل أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيْفه» قَالَ الشَّاعِر:
لَمْ يَغْذُهَا مُدٌّ وَلَاْ نَصِيْفُ ... ولا تُمَيْرَاْتٌ ولا تَعْجِيْفُ
والنَّصِيْفُ فِيْ غيرِ هَذَا: الخِمَارُ.
حَدَّثَنِي أَحْمَد، عنْ عليّ، عنْ أَبِي عُبَيْدٍ أن زيدَ بْن ثابتٍ قَرَأَ: «فَلَهَاْ النُّصْفُ» بضمِّ النُّونِ.
стр. 470
ومن سورة المدثر
قولُه تَعَالى: ﴿والرَّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.
قَرَأَ عاصمٌ فِيْ رواية حفصٍ: «والرُّجْزَ» بضم الرَّاءِ.
وقرأ الباقون: ««والرِّجْزَ» بالكسرِ، فَقَالَ قومٌ: الرُّجز والرِّجز لُغتان، قَالُوا: والكَسرُ أفصحُ، لأنَّ الرِّجز والرِّجْس سيّان. العربُ تُبدل الرَّاءَ سِينًا، ومثله الَأزد والَأسد.
وقالَ آخرون: الرُّجز بالضَّمة: الصَنَمُ. وكان الرُّجُز صَنَمَيْن، إساف ونَائِلَة فزَجر اللَّه من كانَ يعظِّمهما.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَاللَّيْلِ إذ أدبر﴾.
وقرأ الباقون: «إِذَا دَبَرَ» فَقَالَ قومٌ: دَبَرَ وأدبر: لُغتان، وقبل أقبل: لُغتان، والاختيار عندهم دَبَرَ لعلتين:
إحْدَاهُما: أنَّ عَبَّاس قَالَ: يا عكرمة هَذَا حين دَبَرَ اللَّيل.
والعلةُ الثَّانيةُ: أنَّ العربَ تَقُولُ: دَبَرَ فهو دابِرٌ وأَنشد:
صَدَعَتْ غَزالَةُ قَلْبَهُ بِكَتِيْبَةٍ ... تَرَكَتْ مَسَامِعَهُ كَأَمْسِ الدَّابِرِ
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: قَرَأَ أُبيُّ بْن كَعْبٍ: «إِذَا أَدْبَرَ» بزيادة ألفٍ.
وحجَّةُ نافعٌ وحمزةُ قول رَسُولِ اللَّه ﷺ : «إِذَا أقبل اللَّيل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أَفطَرَ الصَّائِمُ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أدبر: ولي، ودَبَرَ: جاءَ خِلفي.
وقولُه تَعَالى: ﴿إنّها لإحدى﴾.
اتفق القُراء السَّبعة عَلَى قَطْعِ الألفِ من «إحدى» كما قَالَ تَعَالى ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ وإنما ذكرته لأنَّ ابنَ مجاهدٍ حَدَّثَنِي عنْ ابْنُ أَبِي خيثمة وإدريس، عنْ خلف، عنْ وهب، عنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ كثيرٍ يقرأ: «إنها لاحدى الكِبَر» لا يهمزُ ولا يكسر.
قَالَ أَبُو عبدِ اللَّه: أسقطت الهمزة تخفيفًا، كما تَقُولُ العرب: زيدُ الأحمر وزيد لَحمر ﴿وأَصْحَابُ الَأيْكَةِ﴾ «وَأَصْحَابُ لَيْكَةِ» والاختيارُ قطعُ الألفِ؛ لأنَّ العربَ إذا
стр. 471
حذفت مثل هَذَا نَقَلَتْ حركةُ الهَمزةِ إلى السَّاكن قبلَه واللَّامُ قبلَ هَذِهِ الهمزة مُتحركةٌ، واللَّامُ فِيْ الَأحمر لامُ التَّعريف ساكنةٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ﴾.
قَرَأَ نافعٌ، وابنُ عامرٍ بفتح الفاءِ جعلاها مفعولة.
وقرأ الباقون بكسر الفاءِ جعلوهن فاعلات من نفرت، وينشد:
اربط حِمَارَكَ إنه مُسْتَنْفِرٌ ... فِيْ إثرِ أَحْمِرَةٍ عَمَدْن لِغُرَّبِ
فلا يجوزُ فِيْ هَذَا فتح الفاءِ؛ لأنَّه لم يستنفرهُ أحدٌ. والعرب تَقُولُ: نَفَرَ واستُنْفَرَ بمعنى، وعلا قِرنه واستعلاهُ بمعنًى، وسمع أعرابي رجلًا يقرأ: «كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفَرَةٌ» فَقَالَ: طلبها قسورة، قيل لَهُ: وَيْحكَ إنّه فِيْ القرآن: ﴿فرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ فَقَالَ: فمُسْتَنْفِرَةٌ إذَا. والقَسورةُ: الرُّماة، والقَسورُ بغير هاءٍ: نبتٌُ، والقَسْوَرَةُ: الأَسَدُ. فأمَّا قولُ امرئ القَيْس:
... كَمِشْيَةِ قسورا
يصف الأسد، وأنه أراد: كمشية قسورة ثُمَّ رخَّم الهاء وأتى بالألف للقافية.
وقولُه تَعَالى: ﴿كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾.
قَرَأَ ابن عمر: «بَلْ لَاْ تَخَافُونَ الَأخِرَةَ» بالتَّاءِ عَلَى الخطاب.
وقرأ الباقون بالياءِ ردًّا عَلَى قولُه: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا منشرة﴾ ومنشرة الشِّين؛ لأن الصُحفَ كثيرةٌ. وهي قراءةُ النَّاس إلّا ما حَدَّثَنِي ابنُ مجاهدٍ، عنْ عُبيد اللَّه بْن نَصر، عنْ المُعتمر، عنْ مُحَمَّد بن الهيثم، عنْ ابْنُ سَعِيد بْن جُبَيْرٍ: «صُحُفًا مُنْشَرَةً» بتخفيف الشِّين ولم يذكر فِيْ الصُّحُف شَيئًا، قال: وحدثنا الجمال، عن المعتمر بإسناد مثله وقال «صُحْفًا مُنْشَرَةً» خفيفتين.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
قَرَأَ نافعٌ وحده: «وَمَا تَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ» بالتَّاءِ عَلَى الخطاب.
وقرأ الباقون بالياءِ ردًّا عَلَى ما قبله.
стр. 472
ومن سورة القيامة
قولُه تَعَالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ وحدَه فِيْ روايةِ قُنبل: «لُأقْسِمُ» بغير مدٍّ جعل اللَّامَ لامَ تأكيدٍ، كما تقولُ: أقوم ثُمَّ تدخل اللام فتقول: لأقُوم، والاختيار من قَصَد هَذَا لأقسمن ولأقومن، وَقَدْ روى ذَلِكَ عنْ الْحَسَن أيضًا. قَالَ: لأنَّ اللَّه تَعَالى أقسم بالنَّفس اللَّوَّامَة هِيَ التي تَلومُ نفسها يومَ القيامة إن فعلت شرًّا، وتلوم إن فعلت خيرًا لِمَ لم تَزْدَدْ، وإنما ذهبَ من قَرَأَ «لُأقسم» بغيرِ مدٍّ إلى أَنَّهُ فِيْ المُصحف بغيرِ ألفٍ. وقال مُقاتل: لم يُقسم اللَّه تَعَالى فِيْ القُرآن بالكافِر إلَّأ فِيْ هَذِهِ السُّورة فقط.
وقرأ الباقون: «لا أُقسم» بالمَدّ؛ لأنَّ بعد لا ألفًا فِيْ اللفظ.
واختلفَ النحويون في «لا» هاهنا، فَقَالَ الكِسَائِيّ وأبو عُبَيْدَةَ «لا» صلةٌ زائدٌ، والتقدير: أُقسم. وقال غيرهما: العربُ لا تزيد لا في أول الكلمة، ولكن هاهنا ردٌّ لقومٍ أنكروا البعثَ وكفروا بالتَّنزيل، فَقَالَ اللَّه تَعَالى لا، أي: ليس كما تقولون. ثُمَّ قَالَ: أُقسم بيومِ القيامة.
و«لا» تَنقسم أربعينَ قسمًا قَدْ أفردت لَهُ كتابا.
وقولُه تَعَالى: ﴿فإذَا بَرِقَ البَصَرُ﴾.
قَرَأَ نافعٌ وحده: «بَرَقَ» بفتح: الراء.
والباقون بالكسر. واحتجُّوا بأن «بَرَقَ» لا يكون إلَّا في الضَّوْءِ. يُقال بَرَقَ أي:
لَمَعَ، وَبَرقَ الحنظل وغيره. فأمَّا بَرِقَ فمعناه: تَحَيَّرَ، قَالَ الشَّاعِر:
لَمَّا أَتَانِي ابنُ صُبَيْحٍ راغبًا ... أعطَيْتُهُ عيساءُ منها فَبَرِقْ
أي: تَحَيَّر. ومثله بَعِلَ وذَهِبَ.
حَدَّثَنِي ابْنُ مجاهدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اسماعيل، عنْ مُحَمَّد بن إسحاق البَلخي، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَمْرو بْن مضارب، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَن يقرأ: «فإذَا بَرَقَ البَصَرُ» فقلت:
خالَفت عالمُ اللَّه فَقَالَ: أخطأ عالمُ اللَّه. قَالَ أهلُ اللُّغة: بَرَقَ وبَرِقَ لغتان، يُقال للمَيِّت إِذَا شَخَصَ: قَدْ بَرِقَ بَصَرُهُ. وخَسَفَ القَمَرُ يعني قمر العين، وهو ضوؤها.
стр. 473
وقولُه تَعَالى: ﴿يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾.
قَرَأَ القُرَّاءُ السَّبعةُ بفتحِ الفاءِ.
وقرأ ابنُ عَبَّاسٍ: «أينَ المِفرُّ» بالكسر. قَالَ الفَرَّاء: المَفَرُّ والمَفِرُّ والمَدَبُّ والمَدِبُّ بمعنًى واحدٍ، يُقال: المَفَرُّ بالفتح: المصدر، وهو الفرار، والمَفِرُّ الَّذِي يُفَرُّ إِلَيْه.
وحدَّثني ابْنُ مجاهد: قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْن هارون، عنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَمَّاد، عنْ يَحيى بْن سَلَمة بْن كُهَيْل، عنْ أَبيه، عنْ مجاهد، عنْ ابْنُ عَبَّاس: «أَيْنَ المفِرّ» بكسر الفاءِ. قَالَ ابنُ عَبَّاس: يعني الهَرَبَ ﴿كلَّا لَا وزر﴾ أي: لا ملجأ يلجئون إِلَيْه. وَيُقَال: الوَزَرُ: جَبَلٌ بمكَّة. وكانت العرب تَلْجَأُ إِلَيْه عند الشَّدائد فخبرهم اللَّه أن لا حصنَ لهم، ولا مفرَّ ولا مَلجأ من اللَّه إلا إِلَيْه.
وأخبرني أَبُو الْعَبَّاس بْن زُرَيْقٍ، عنْ عبدِ اللَّه بْن سُفْيَان، قَالَ: تقولُ العَرَبُ: «لكلِّ داخلٍ بَرقة»، أي: دَهْشَةٌ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: وهو من قول اللَّه تَعَالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ البَصَرُ﴾ أي: دَهَشَ وتَحَيَّرَ.
وقولُه تَعَالى: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: «بل يُحبُّون ..... ويَذرونَ» بالياء ردًّا عَلَى الِإنسان.
وقرأ الباقون بالتَّاء عَلَى الخطاب أي: قل لهم يا مُحَمَّد: «بل تُحبُّونَ» هَذِهِ العاجلةَ الفانيةَ «وتَذرون الآخرةَ» الباقية، ثُمَّ وصفَ تَعَالى المؤمن والكافر عَلَى أثرها، فَقَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ أي: مشرقة حسنة ﴿إلى رَبِّها نَاظِرَةٌ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ أي: كالِحةٌ من قولُه: ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾.
قَالَ أَبُو عبدِ اللَّه: ذكرَ الخليلُ فِيْ كتاب العين، قَالَ عَبَسَ الرَّجُلُ، فإن أبدى عنْ أسنانه قيل: كَلَحَ، فإن اهتمَّ لذلك قيل: بَسَرَ فإن غضب قيل: بسل، فإن زوى عن عينيه قيل: قاطب، يقال: قطب ما بين عينيه وقطب.
وقولُه تَعَالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾.
قَرَأَ عاصمٌ فِيْ روايةِ حَفْصٍ: «وَقِيْلَ مَنْ» يسكتُ سكتةً فيقطع ثُمَّ يَبتدئ «رَاقٍ» وهو يَصِلُ أعلامًا أنّ «مَنْ» منفصلةٌ من الرَّاق. ومعناه هَلْ من مداوٍ من الرقية.
стр. 474
وقال آخرون: هَلْ من راقٍ أي: من يَرقى، والمعنى واحدٌ.
وقال آخرون: «راقٍ» من الرُّقىِّ أي: من تَرقَى روحه إلى السماء.
وسمعتُ ابنُ مجاهدٍ غيرَ مرةٍ يقرأ فِيْ الصَّلاة هَذِهِ السُّورة فيَتَعَمَدُ الوقفَ عَلَى قولُه: «التراقيَ» بالياءِ ويثبتها.
﴿والتَفَّتِ السَّاقُ بالسَّاقِ﴾ أي: شدّة أمرِ الدُّنيا بشدُّةِ أمرِ الآخرةِ وقال آخرون:
التفاف ساقي المرء عندَ نَزع الرُّوحِ، ولقد كَانَ عليهما جوَّالًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾.
قَرَأَ ابنُ عامرٍ وحَفصٌ، عنْ عاصمٍ بالياء.
وقرأ الباقون بالتاء. والتاء للنُّطفة، والياء للمنىّ مثله «تَساقط» و «يُساقط» الياء للجذع والتاء للنَّخلة، ومثله «يَغْلى» و «تَغْلِى» الياء للمُهْلِ والتَّاءُ للشجرة، ومثله «ليُحصنكم» و «لِتُحْصِنَكُمْ» الياء للَّبوس، والتاء للصنَّعة. والمنىُّ مشدَّد الياءِ، وهو الماءُ الدَّافقُ الَّذِي يكون مِنْهُ الوَلَدُ، وَيُقَال: أَمنى الرَّجُلُ. فأمَّا المَذْيُ والوَدْيُ فبالتخفيف. فالمَذْىُ ما يكون عنْ القُبلة، وربما كَانَ بغير ذَلِكَ. تَقُولُ العربُ: كلُّ فَحْلٍ يمذي وكل أنثى تمذي والودي: ما يخرج بعدَ البولِ ويجبُ من هذين الوُضوء، ويجب من الأول الغُسل.
وقولُه تَعَالى: ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾.
بياءَين الأولى مكسورةً، فلذلك صعب اللَّفظ بها، والياء الثانيةُ مفتوحةٌ وهو اتفاق السَّبعة وغيرهم. وإنما ذكرتُهُ؛ لأن البصَريين زعموا أن إدغامه لحنٌ فِيْ العربية، وليس لحنًا عندى وَقَدْ حكاه الفَرَّاءُ «أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِي الْمَوْتَى» لأن كسرةَ الياءِ الُأولى تُنقل إلى الحاء وتُدغم الياء فِيْ الياء، وكان رسول الله ﷺ إذا قرأَ: «أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى» قَالَ: - سُبْحَانَك - فَبَلَى وكذلك ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأحْكَمِ الحَاكِمِين﴾ - سُبحانك - فَبَلَى. وإنما استُحب للقارئ أن يفعل ذَلِكَ فِيْ الصَّلاةِ وغيرها، وكذلك رأيتُ المَشْيَخَةَ مِمَّن أَثِقُ بهم يفعلون ذَلِكَ كذلك.
стр. 475
ومن سورة الْإِنْسَان
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: الإنسان - هاهنا - آدم ﵇: و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾ معنى قَدْ أَتى، والحِيْنُ أربعونَ سنةً ﴿لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ أي: كَانَ شيئًا ولم يكن مذكورًا، يعني: حيث صورّ قبل أن يُنفخ فِيهِ الرُّوح، فلما نفخ فِيهِ الروح وبلغ إلى ساقيه كاد ينهض للقِيام فكأن بلغَ عينيه ورأى ثمار الجَنَّة بادر إِلَيْه ليأخذها فذلك قولُه: «وَخلِقَ الْإِنْسَان عَجُوْلًا» و «خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ» فعجل آدم فعجلت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته.
وأمَّا مَن زَعَم أن عِصيان آدم كَانَ نسيانًا لا تعمُّدًا فقد غَلِطَ؛ لأنَّ اللَّه تَعَالى لا يُعاقب عَلَى النِّسيان. وأمَّا قولُه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ فإن معناه: تَرَكَ، لا من النِّسْيَانِ الَّذِي هُوَ ضدّ العَمِد، إنَّما هُوَ من قولِ اللَّه: ﴿نَسُوْا الله فنسيهم﴾.
- وقوله تعالى: ﴿سلاسل وأَغْلالًا وسَعِيْرًا﴾.
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ برواية: البَزيِّ وأبو عَمْرٍو وحمزةُ وابنُ عامرٍ بروايةٍ ابنِ ذكوان وأبو عَمْرٍو وعاصم بروايةِ حفصِ فِيْ الوَصل، وأمَّا فِيْ الوقفِ فوقفَ ابْنُ ذكوان وحفصٌ والبزيُّ بالألفِ، وروى عَنْهُمْ بغيرِ ألفٍ.
وأمَّا حمزةُ وقنبلُ فوقفا بغيرِ ألفٍ. والباقون بألف.
«سلاسل» بغيرِ تنوين فِيْ وصلٍ ولا وقف، لأن فعلل جمع بعد ألفه أكثرُ من حرفٍ فلا ينصرف فِيْ معرفةٍ ولا نكرةٍ.
وقرأ الباقون: «سلاسلًا» بالتَّنوين اتباعًا للمصحف؛ لأنَّها وإن لم تكن رأس آية تشاكل رءوس الآي بعدها «أغْلَالًا وسعيرًا» ولأنَّ من العربِ من يقف عَلَى ما لا يَنصرف بالألفِ نحو رَأَيْت عُمَرا، وإذا أدرجت أسقَطَتِ الألفَ، فكأنَّ من نوَّنَ وأثبت الألف بني الوصل عَلَى الوقف.
وحدَّثني ابنُ مجاهدٍ، عنْ ابْنُ الجَهْم، عنْ خلَف والهَيثم بْن عُبَيْدٍ، عنْ شِبل، عنْ ابْنُ كثيرٍ «سَلَاسِلًا» منونًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿قواريرا﴾.
стр. 476
قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر والكِسَائِيُّ: «قََوَارِيْرًا» منونًا بالألفِ اتباعًا للمُصحف؛ لأن الأولى رأس آيةٍ، وكرهوا أن يُخالفوا بين لَفظين معناهما سيّان، كما قَرَأَ الكِسَائِيّ: «أَلَا إنّ ثَمَوْدًا ......... ألا بُعدًا لِثَمُودٍ» فصرف الثَّاني لقربه من الأول، والأول صرف بألفٍ.
وفيه قراءةٌ ثانيةٌ: روى حَفصٌ، عنْ عاصمٍ: «قَوَارِيْرًا قواريرا» يثبت الألف فِيْ الوقف، ولا ينون، كأنه ذهب إلى ما أنبأتك فِيْ وقف بعض العرب عَلَى ما لا ينصرف بألفٍ. وإذا أدرج أسقط الَألف.
وأمَّا ابنُ عامرٍ فإنه يقف بروايةِ هشامٍ: «قَواريرًا» بالألف، وبرواية ابْنُ ذكوان بغيرِ ألفٍ.
وقراءة ثالثة: قَرَأَ حمزةُ وابنُ عامرٍ: «قواريرَ قواريرَ» بغيرِ ألفٍ، وهو محضُ العَرَبِيَّةِ، لأنَّ فواعيل لا ينصرف في معرفةٍ ولا نكرةٍ.
وكان حمزة يقف بغير ألف. ومعنى «قواريرا مِنْ فِضَّةٍ» أي: هِيَ فِيْ صفَاءِ الفِضَّةِ وجوهره ويؤدى ما وراءها كما تُؤدى قَوارير. ومثله «مِزَاجُهَا كَافُوْرًا» و ﴿زَنْجَبِيْلًا﴾ أي: هَذَا الشَّرابُ فِيْ بُرد الكافورِ وذكاءِ المِسْك ولذعِ الزَّنجبيلِ.
وفيه قراءةٌ رابعةٌ: قَرَأَ ابنُ كثيرٍ: «قَوَارِيرًا قَوَارِيرَ» ينون الأول والثّاني بغير ألفً، وهو الاختيار؛ لأنَّ الأولى رأس آيةٍ، وليست الثانية كذلك.
وفيهُ قراءةٌ خامسةٌ: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: «قَوَارِيرَا» بألف غيرَ منِّونٍ إِذَا وقفَ يقف وقفًا خفيفًا، إذْ كانَ رأسُ آيةٍ، والثاني: بغيرِ ألفٍ؛ لأنَّه لا ينَصرفُ، وليس رأسَ آيةٍ، فاللَّفظ على ما سَمِعْتُ ابْنُ مُجاهدٍ يقرأ: «قَوَارِيرَا قواريرَ مِن فِضَّةٍ قدَّرُوهَا تَقْدِيرا» ومعنى قدَّرُوها أي: قدروا شرابهم عَلَى مقادير ربهم لا يزيد ولا ينقص، وذلك أَلذَّ الشَّراب، قَالَ ابنُ جريِج ومجاهِدٌ: لا يترعُ فيهراق ولا ينقص فيغيض.
وقال قَتادة: قدّر عَلَى ريِّ القوم، فنسب الفعل إلى الخدام إِذَا كانت جاريًا عَلَى أيديهم. ومعنى يترع: يملأ، يُقال ملأت الِإناء فأرهقته، وأترعته، وأفعمته، وأتأقته، وزبرته، وكرثته، ورعبته، وزعبته: كل ذلك إذا ملأته إلى أصبَاره، الأصبارُ: واحدها صبر، وهو النَّواحي من أعلاه.
стр. 477
وقرأ ابنُ عَبَّاسٍ والشَّعبي وعبيد بْن عمير وعاصم الجحدري وقَتَادَة وأبو عَبْد الرَّحْمَن وابن أبي أبزي: «قدروها تَقْدِيرًا» بضمِّ القافَ، وقال المَازِنيُّ، عنْ الأصمعي، عنْ أَبِي عَمْرو: و «قَدَّرُوهَا» بالفتح، وقال: «قُدِّرُوْهَا» محدثةٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ﴾.
قَرَأَ نافعٌ وحمزةُ: «عَالِيْهِمْ» بإسكانِ الياءِ جعلاه اسمًا لا ظرفًا، كما تقولُ فوقَك واسعٌ، ومنزلك بابُ البَرَدَانِ تَجعل البابَ هُوَ المنزلَ، وكذلك تَجعل الثِّياب هِيَ العالي.
وقرأ الباقون: «عالِيَهُمْ» بالنَّصب عَلَى الظَّرف؛ لأنَّه ظرفُ مكانٍ، وهو الأحسنُ فِيْ العربيةَّ؛ لأنَّ الثَّاني غيرُ الأولِ، وإنما رفع من هَذَا القبيل إِذَا كَانَ آخر الكلام هُوَ الأول كقولك: فوقك رأسك وأمامك صدرك، فإن قلت: فوقك السَّقف، وأمامك الَأسد فالنَّصبُ لا غيرُ.
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: قَرَأَ ابنُ مجاهدٍ: «عَالِيَهِمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ».
وفيها قراءةٌ رابعةٌ: حَدَّثَنِي أَحْمَد، عنْ عليٍّ، عنْ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: قَالَ هارون:
فِيْ حرفِ ابْنِ مَسْعُود: «عَالِيَتُهُم» بالتاء قَالَ: فوافق قولَ ابنِ عبَّاس الَّذِي حَدَّثَنَا حجَّاج، عنْ هارون، عنْ عَمْرو بْن مالك، عنْ أَبِي الجوزاء، عنْ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ما رَأَيْت الرَّجُلَ يكون عَلَيْهِ الثِّياب يَعلوها أفضلَ منها.
وقولُه تَعَالى: ﴿خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾.
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ فِيْ روايةِ أَبِي بكرٍ: «خُضْرٍ» خفضٌ نعتٌ للسُّندس و «إستبرقٌ» نعتٌ للثياب.
وقرأ نافعٌ وحفصٌ عنْ عاصمٍ بالرَّفْعِ فيهما جميعًا «خضرٌ» نعتٌ للثياب، و «إستبرقٌ» نسقٌ، لأنَّ اللَّه قَالَ: ﴿وَيَلْبَسُوْنَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾ فجعل الخُضر نعتًا للثياب والِإستبرق: الدِّيباجُ الغَلِيْظ.
وقال بعضُهم: أصلُه فارِسيٌّ مُعَرَّبٌ استبره، كما أَنَّ قولُه: ﴿مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ واحدها إقليد، وهو بالفارسية إكليد، كما قَالَ ﴿من سِجِّيل﴾ أي:
صَكُّ. وكلها أَلفاظٌ وافقَتِ العَرَبيَّةُ الفارسيةُ.
وقال آخرون: هَذَا محالٌ، لا يكون فِيْ القرآن غيرُ العَربية، وقد فسرت الحجة للفريقين في كتاب الإيضاح في القرآن.
стр. 478
وقرأ أَبُو عَمْرٍو وابنُ عامرٍ: «خضرٌ» بالرفع» و «إستبرقٍ» بالخفض عَلَى تقديرِ: ثيابُ سُندسٍ وثيابُ استبرقٍ والحجَّة فِيْ ذَلِكَ: أن اللَّه قَالَ: ﴿ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ وكذلك هَذَا مثل ذَلِكَ.
وقرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ بالخَفْضِ كليهما.
وفي «إستبرق» قراءةٌ ثالثةٌ: قَرَأَ ابْنُ محيصن «خضر» و «إستبرق» بفتح القاف، ويصل بالَألف يجعله استفعل من البريق.
وقال آخرون: بل قَرَأَ «وإستبرقَ» بقطع الألف وفتح القاف جعله اسمًا أعجميًا لم يصرفه، والاختيار الصرف وإن كَانَ أعجميًا؛ لأنَّ الأعجمي إِذَا حسنت الألف واللام فِيهِ صُرف نحو: راقودٌ وجاموسٌ وآجرٌ، لأنَّه يصلح أن تَقُولُ: الرَّاقود والجاموس والإِستبراق.
قَالَ الفَرَّاءُ: وجمعُ إستبرق سَبَارق وعبارق وأبارق.
وقولُه تَعَالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله﴾.
اتَّفق القُراء عَلَى رفعه إنَّما ذكرتُه لأنَّ عباسًا روى عنْ أَبِي عَمْرو «إنَّما نطعمْكُم» بجزمِ الميمِ كأنَّه اختَلس الحركةَ تخفيفًا كما خبَّرتُكَ فِيْ «يَأْمُرْكُمْ» و «ينصركم» لئلا تتوالى الحركات. وهذه الآية نزلت فِيْ أهل بيتِ رَسُولِ اللَّه ﷺ . وكذلك أكثر هذه السورة.
وقوله تعالى: ﴿وما تشاؤن إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
قَرَأَ ابنُ عامرٍ وابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرٍو بالياء.
وقرأ الباقون بالتاء خطاب عنْ غيبٍ. وَقَدْ ذكرته فِيْ غير موضع.
﴿يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ﴾ فِيْ موضعِ نصبٍ بتقديرِ فعلٍ قبله، ومعناه وعذَّب الظالمين أعدّ لهم، ولو رفع الظالمين يجعله ابتداءً وخبرًا كَانَ صوابًا بإجماع النَّحويين، كما قَالَ تَعَالى: ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ وفي حرفِ ابْنُ مَسْعُود: «يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ في رحمته وللظالمين أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا» فكرَّر اللام فِيْ قولُه: «وللظَّالِمِيْنَ» كما قَالَ الشَّاعِر:
أقولُ لَها إِذَا سَأَلَتْ طَلَاقًا ... إِلَاْمَ تُسَاْرِعِيْنَ إلى طَلَاْقِ
فكرَّرَ الجر مرتين.
стр. 479
ومن سورة المرسلات
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: المُرسلات ملائكةٌ أقسمَ اللَّه تَعَالى بها كما أقسم ب «والصافات صَفًّا» وهم الملائكةُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿عُرْفًا﴾.
أجمعتِ القُراء عَلَى إسكان الرّاء إلا عِيسَى بْن عُمَر فإنه قَرَأَ: «والمُرْسَلَاتِ عُرُفًا» بضَمَّتَيْنِ، كما قرأ «أليس الصبح بقريب» ونظير لَهُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرو وحمزةُ والكِسَائِيُّ وحفصٌ، عنْ عاصم مخففتين جعلوه مصدرًا بمعنى الِإعذار والِإنذار.
وقرأ الباقون: «عُذْرًا» مثلهم «أَوْ نُذْرًا» مثقَّلًا عَلَى الجَمع، كأنه نَذيرٌ ونُذُرٌ، وجماعهم عَلَى تخفيف عُذر يوجب تخفيف نُذر والعُذرة والمَعذرة والعَذير بمعنى المصدر، قَالَ سيبويه - فِيْ قولِه -:
عَذِيْرُك مِنْ خَلِيْلِكَ
إنه مصدرٌ.
وحدَّثني أَبُو عَمْرو النَّيْسَابُوريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمة، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الرزاق، عنْ مَعمر، عنْ أيوب، عنْ ابْنُ سِيرِين، عنْ عُبَيْدَةَ، قَالَ كَانَ عليّ ﵁ إِذَا أعطى النَّاسَ فرأى ابنُ ملجم قال:
أريد حياءه ويُرِيْدُ قَتْلِي ... عَذِيْرُكُ مِنْ خَلِيْلِكَ مِنْ مُرَادِ
فنصب قولُه: «عُذرًا أَوْ نذرًا» عَلَى تقدير: أرسلت الملائكة إعذارًا أَوْ إنذارًا، وَيُقَال: عذَّر فلان أي: قصروا عذر أي: تعذر المُزين الغُلام: إِذَا خََتَنهُ. قَالَ الشَّاعِر:
تَلْوِيَةَ الخَاتِنِ زُبَّ المَعْذُوْر
وَيُقَال للرَّجُل إِذَا افتضَّ الجارية: «هُوَ أَبُو عُذرها وعُذرتها» والعُذرة: جمع يكون فِيْ حلق الصبي عند اللهوات. والِإعذار: طعامُ الخِتان كما أن الوَكيرة: طعامُ البِنَاء، والخُرس: طعامُ النُّفساء، والنَّقيعة: طعامُ القادِم من سفره، والشَّدِيْخَةُ: طعامُ الِإملاك، والوَضيمة: طعامُ المأتم، والوَليمة: طعامُ العُرس.
стр. 480
- وقولُه تَعَالى: ﴿وإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وحده: «وُقِّتَتْ» عَلَى الَأصِل، لأنَّها فُعَّلت من الوَقْتِ مثل قولُه: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ قَالَ يونس بْن حَبيب: كأنّما أسمع هَذَا الحرف من فيِّ سيدنا أَبِي عمرِو بْن العلاء: «وإذَا الرُّسُل وُقِّتَتْ» قَالَ أَبُو عَمْرو: إنَّما تَقُولُ: أقتت من يَقُول فِيْ وجوه أجوه.
وقرأ الباقون: «أُقتت» استثقلوا الضَمَّةَ عَلَى الواو فقلبوها همزة كما يستثقلون فِيْ المكسور نحو إشاح ووِشاح وأعا ووعا.
فيها قراءةٌ ثالثةٌ: قَرَأَ أَبُو جعفر المَدني والحسن: «وُقِتَتْ» بتخفيفِ القاف جعلاه فُعِلَتْ من الوقتِ مثل ضُرِبَ.
وقولُه تَعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾.
قَرَأَ نافعٌ والكِسَائِيُّ: «فقدَّرنا» مشددًا قيل للكسائي لم اخترت التشديد واسم الفاعل مبنيًا عَلَى هَذَا الفعل؟
فَقَالَ: بمنزلةِ: ﴿فَمَهِّلِ الكَافِرِيْنَ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿أَمْهِلْهُم﴾ ولم يَقُل: مَهِّلْهُم يعني: إنّه أتى باللُّغتين كلتيهما، ومثله: ﴿فَإنِّي أُعذّبُهُ عَذَابًا﴾ ولم يقل تَعْذِيْبًا.
وقرأ الباقون: «فَقَدَرْنَا» مخففًا، ولو كَانَ مشدَّدًا لكان فنعم المُقَدِّرُوْنَ، وكلتا القراءتين حسنةٌ.
قَالَ الفَرَّاء: تَقُولُ العربُ قَدَرْتُ الشيءَ بمعنى قدَّرتُ.
وقولُه تَعَالى: ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾.
قَرَأَ حمزةُ والكِسَائِيُّ وحفصٌ، عنْ عاصم: «جمالة» عَلَى لفظ الواحد فهذا وإن كَانَ واحدًا فإنه جمعٌ فِيْ المعنى، ولقوله: «صُفْرٌ».
وقرأ الباقون: «جمالات» بكسرِ الجِيم ورفعِ التَّاء وجمال وجمالات جميعًا جمعاه كأنَّه جمعُ الجَمعِ كما تَقُولُ: رجال ورجالات، وبيوت وبيوتات. فالهاءُ فِيْ قولُه: «كأنَّه» كناية عنْ الشَّرَرِ، لأنَّها «تَرْمِيْ بِشَرَرٍ كالقَصْرِ» فقيل: القصر المبني عظمًا وكبرًا.
وقال آخرون: يعني أصولُ الشَّجرِ الغِلاظ.
قَالَ ابنُ عَبَّاس: «كالقَصَر» بفتح الصَّاد والقاف جمع قصرة وهي أصول النخل.
стр. 481
وقرأ «كالقِصَر» بكسر القاف وفتح الصّاد سَعِيد بْن جُبَيْر.
وقولُه: «صُفْرٌ» أراد: سود. والعَربُ تُسمى أصفر، قَالَ:
تِلْكَ خَيْلى فيها وتِلَكَ رِكَابيٍ ... هنَّ صفرٌ أولادها كالزَّبيبِ
فأمَّا قولُه: ﴿صَفْرَاءُ فاقعٌ﴾ فقيل: سَوداء والاختيار: وأن تكون صفراء لقوله: ﴿فاقعٌ﴾. ولو كَانَ سوداءَ لقيل حالِكٌ. عَلَى أنَّ العربَ قَدْ جعلت الفاقع نعتًا لكل لونٍ.
стр. 482
ومن سورة «عم يتسآءلون»
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ أنَّ رَسُول اللَّه ﷺ كَانَ إِذَا حدّث قريشًا وعرَّفهم أخبارَ الُأمم السَّالفة ووعظهم فكانوا يهزءون بذلك فنهاه اللَّه أن يحدِّثَهم، فَقَالَ: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، ﴾ فكان رسول الله ﷺ يحدث أصحابه فإذا أقبل واحدٌ من المشركين أمسك فاجتمعوا عنْ بكرةٍ أَبيهم فقالُوا:
والله يا محمد إن حديثك لعجيب، وكنا نتمنى أن نَسْمَعَ حديثَك فَقَالَ: إنَّ ربي نهاني أن أُحدِّثكم فأنزل اللَّه تَعَالى: ﴿عمَّ يَتَسَآءَلُونَ﴾ لفظه لفظ الاستفهام ومعناه التَّوبيخ. ثُمَّ بيَّن اللهُ تَعَالى فَقَالَ: ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ أي: تَسألون عنْ النَّبأِ العَظيم والأصلُ فِيْ «عمَّ»: عمَّا، فحذفت الألف اختصارًا، ومثله: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ والأصل: فِيما، ومثله لِمَ، والأصل: لمَا، وكذلك العرب تحذف ألف عَلَامَ يَذْهَبُ، ولم يأت ذَلِكَ فِيْ القرآن.
حَدَّثَنِي أَبُو عُمر، عنْ ثعلب، عن سلمة، عن الفراء، عن الكسائي، قَالَ: تَقُولُ العرب: لِمَ فعلتَ، ولِمْ فعلتَ، ولَمْ فعلتَ، ولَمَا فَعلتَ أربعُ لُغاتٍ. وَقَدْ روى عنْ ابنِ كثيرٍ أَنَّهُ كَانَ يقف عمه، ولمه بالهاء.
- وقولُه تَعَالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُوْنَ﴾.
قَرَأَ ابنُ عامرٍ وحده: «كَلَّا سَتَعلمون» بالتَّاءِ جميعًا عَلَى الخطاب.
وقرأ الباقون بالياء، وهو الاختيار لقوله: «عَمَّ يَتَسَاءلُونَ ........... »
«الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ» ولم يَقُل: أنتم فِيهِ مختلفون. غير أنَّ التاء جائزةٌ إذْ كانت العربُ ترجع من الغَيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغَيبة، وهذا كلامُ وَعِيْدٍ وفيه رَدعٌ وزَجٌر أعني «كلَّا» وعند آخرين «كلا» هاهنا بمعنى حَقًّا سيعلمون.
وقولُه تَعَالى: ﴿وفُتِحَت السَّمَاءُ﴾.
قَرَأَ أهلُ الكوفةِ مخفَّفًا.
والباقون مشدَّدًا. وَقَدْ ذكرتُ علته فِيْ الزُّمر.
стр. 483
وقولُه تَعَالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَاْ﴾.
قَرَأَ حمزة وحده: «لَبِثِينَ» بغيرِ ألفٍ مثل فرحين وفرهين.
وقرأ الباقون: «لَابِثِينَ» بألفٍ، وهو الاختيارُ؛ لأنَّه اسمُ الفاعلِ من لَبِثَ يَلْبَثُ فهو لابثٌ. وحجَّةُ حمزة أن جعله كطَمع وطامع. واللّبثُ: البُطؤُ.
وقولُه: ﴿أحْقَاْبًا﴾ الأحقابُ: جمعُ حُقبٍ، والحُقب ثمانونُ سنةً، والسَّنةُ ثلاثمائة وستُّون يومًا واليوم ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ وهذا كنايةٌ عنْ الأبد كما تَقُولُ العَرَب لا أُكلّمه ما طارَ طائرٌ، وما أنَّ السَّماءَ سماءٌ، وما بلَّ بحرٌ صُوفة، وما قامَ الَأخشبان، كلُّ ذَلِكَ يريدون: ما أكلمه أبدًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَا يَذُوُقُونَ فِيْهَا بَرْدًا﴾.
البَرْدُ: النومُ، وأَنشد:
فإن شِئْتِ حرَّمتُ النِّساءَ سِوَاكُمُ ... وإِنْ شِئْتَ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاْخًا ولا بَرْدًا
النقاخ: العذب والمسوس، وهو أشد العُذوبة.
وقولُه تَعَالى: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾.
قَرَأَ حمزة والكِسَائِيّ وعاصم مشدَّدًا.
وقرأ الباقون مخففا، وهما لغتان.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الحميمُ: الماء الحار، والغَسَّاقُ: ما وهي من العين، أي: سال.
وقال آخرون: الغَسَّاقُ: البارد، وقيل: المنتن.
وقولُه تَعَالى: ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾.
قَرَأَ الكِسَائِيّ وحده: «كِذَابًا» مخففًا جعله مصدرًا لكذبت كذابًا مثل، قاتلت قتالًا: وليس مصدرًا لكذَّبْتُ بالتشديد لأنَّ المصدر من ذَلِكَ عَلَى ضربين كذبت تكذيبًا، وكَذَابًا، وكلمته تكليمًا وكلامًا.
وحدَّثني ابن مجاهد، عن السمري، عن الفراء، قال: قال لي أعرابي في طريقه مكَّة: يا زكريا القِصَّارُ أحبُّ إليك أم التَّحلاقُ يريد: أَقصر من شعري أم أَحلق.
وقولُه تَعَالى: ﴿رَبِّ السَّمَاواتِ والَأرْضِ﴾.
فيها ثلاث قراءات:
قَرَأَ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «ربِّ السِّمَاواتِ» بالكسر و «الرَّحْمَنُ» بالرَّفع.
стр. 484
وقرأ عاصمٌ وابن عامر كلُّ ذَلِكَ بالخفض.
وقرأ الباقون كليهما بالرَّفع.
فمن خفض أبدل من قوله: «جزاء من رَبِّكَ»، «ربِّ السَّماوَاتِ﴾
﴿الرَّحْمَنِ» ومَنْ رفع استأنف.
وأما حمزة وأصحابه فإنه أَبدل «ربِّ» من «ربّ» ورفع «الرَّحْمَنُ» بالابتداء، «وَمَا بَينَهُمَا» الخبرُ وكلُّ ذَلِكَ صوابٌ.
وقولُه تَعَالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾.
يُقال: إنّ الرُّوحَ مَلَكٌ من أَعظمِ خَلْقِ اللهِ، وهو أول ما خَلَقَ اللَّه. وهو الَّذِي قَالَ: ﴿ويسئلونك عَنِ الرُّوْحِ﴾ هَذَا قولُ مُقاتل. قَالَ: وجهه وجهُ آدمي ونِصفه من نارٍ ونصفه من ثلجٍ يسبح بحمد ربِّه، يَقُولُ: ربِّ كما أَلَّفتَ بين الثَّلج والنَّار فلا تذيب هَذِهِ هذا، ولا يطفئ هَذَا هَذِهِ، فألِّف بين عبادك المُؤمنين. وقولُه: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا﴾ يعني: المُناجاة إِذَا وقفوا للحساب.
стр. 485
ومن سورة النازعات
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: قال قوم: ﴿والنازعات﴾ الملائكةُ. وقال بعضُ النَّاسِ: «النَّازعاتِ» هاهنا: مَلَكُ المَوْتِ وحدَه ﵇ ينزع روحَ الكافرِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ ترقوته غَرَّقها فِيْ حلقه. ﴿والناشطات نشطا﴾: ملك الموت يَنْشِطُ روحه من حلقه فالسَّابِحَاتِ ﴿سَبْحًا﴾: ملك الموتِ وحدَه يقبضُ روح المُؤمن كالسَّابح فِيْ الماءِ سهلًا سَرْحًا فِيْ حريرة بيضاءَ من حرير الجَنَّةِ يسبق بِهِ ملائكة الرَّحمة.
قَالَ أَبُو عُبَيْدةَ: نَشَطَ يَنْشِطُ، وأنشد:
أَمْسَتْ هُمُومِيْ تَنْشِطُ المناشِطَا
وقال الفَرَّاءُ: تُقبَضُ نفسُ المُؤمنِ كما يُنشط العقال من يد البَعيرِ، وأكثر ما سمعتُ أنشطت بألفٍ، «وكأنَّما أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ» فإذا رَبَطت الحبل فِيْ يَدِ البعيرِ قلت:
نَشَطْتُهْ، وإذا حَلَلْتَه قلت أَنْشَطُتُه. وقال: فِيْ قولِهِ: ﴿فالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ يعني:
الملائكةَ تَسبق الشَّياطين بالوَحْي لئلَّا تَسترق السَّمع. ﴿فالمُدَبِّرات أَمْرًا﴾ يعني:
الملائكةَ تنزل بالحلالِ والحَرامِ فذلك تَدبيرها بعد أمرِ اللَّه وإرادته.
وقولُه تَعَالى: ﴿عِظَامًا نَخِرَةً﴾.
قَرَأَ عاصمٌ وحمزةُ فِيْ رواية أَبِي بكرٍ والكِسَائِيّ بألف إتباعا لرءوس الآي إذ كَانَ قبلها وبعدها «ساهرةً» و «فِيْ الحافِرَة» وقال الكِسَائِيّ: لا أُبالي كيفَ قرأت «نَخِرة»، أَوْ ناخِرة.
وقرأ الباقون: «نَخِرَةً» بغير ألفٍ، قالوا: لأنه الأكثر في كلام العرب، ولأنه قَدْ روى عنْ عليّ ﵁ «عِظَامًا نَخِرَةً» قَالَ النَّحويون: ناخِرة ونَخِرة لغتان مثل الباخل والبَخِلُ، والطامع والطَمِعُ.
وحدَّثني ابنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَرَّاء. قَالَ: النَّخِرَةُ البالية، والنَّاخرة العظم: المجوَّف الَّذِي يدخل فِيهِ الرّيح فينخر.
وقولُه تَعَالى: ﴿طُوًى اذْهَبْ﴾.
قَرَأَ أهل الكوفة منونًا مُجرى جعلوه اسمَ وادٍ.
وقرأ الباقون: «طُوى» غيرُ منوَّنٍ، جعلوه اسمَ أرضٍ فلم يُجروه.
стр. 486
وقال آخر: لم يُجرَ؛ لأنَّه مَعدول من طاوِى.
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ: «طِوًى» بكسر الطاء، قال: ثنَّى البركة فِيهِ مرتين وقدَّس مرتين. ولم يذكر فِيْ التَّنوين شيئًا وما أَبعد من قال: إنه معدول من طوي، لأنَّ عِيسَى بْن عُمَر قَرَأَ: «طَاوِى اذْهَبْ».
وسَمِعْتُ ابْنُ مجاهدٍ إِذَا قَرَأَ فِيْ الصَّلاة سكت عَلَى طُوى سكتةً خفيفةً ويقطع ألف الوصلِ، ليُعْلِمَ أن «طُوًى» رأس آيةٍ، فسألته عنْ ذَلِكَ وقلت: لِمَ تَقطع ألفَ الوصلِ وأنتَ تُصَلِّ، فَقَالَ: لأنَّه روى عنْ رَسُول اللَّه ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقرأ آيةً آيةً فأُحب أن أقف عند رءوس الآي عَلَى مذهبِ رَسُولِ اللَّه ﷺ : إِذَا كانت سكتةً خفيفةً.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تزكى﴾.
قرأ ابن كثير ونافع: «تزكى» أراد تَتَزَكَّى فأدغما.
وقرأ الباقون: «تَزَكَّى» خَفِيفًا لأنَّهم أٍسقطوا تاءً.
قَالَ أَبُو عَمْرو: إنَّما يُقال: تَزكى إِذَا أردت تتصدق. ولم يَدْعُ مُوسَى فرعون إلى أن يتصدق، وهو كافرٌ، وإنما قَالَ: هَلْ لَكَ أن تصير زاكيًا، فالتَّخفيف الاختيار.
وقوله تعالى: ﴿أإنا لمردودون في الحافرة﴾.
قرأ ابن عامر: «أإنا» بهمزتين مع الاستفهام.
وقرأ الكسائي ونافع: «أإنا لَمَرْدُودُونَ» غير أنّ نافعًا بين إحدى الهمزتين.
و«الحافرة» معناه: إنا لمردودون حيث كُنَّا، يُقال: رجع فلانٌ عَلَى حافرته أي: من حيثُ جاء.
وقال آخرون: «لَمَرْدُودُونَ فِيْ الحَافِرَةِ» أي: الحياة إلى أَمرنا الأول. وتَقُولُ العَرَبُ: النَقْدُ عِنْدَ الحَافِرَةِ عند أول كلمة.
وقال آخرون: النَّقد عند الحافرة معناه: إِذَا قَالَ قَدْ بِعتك رجعتَ عَلَيْهِ بالثَّمن وهما فِيْ المَعنى واحدٌ.
وقال آخرون: هَذَا مثلٌ جرى فِيْ الخَيل، ومعناه: النقد عند حافرةِ الدّابة، وكلُّ ذَلِكَ حسنٌ.
وقال آخرون: معناه: إنَّ الرجل كان إذ قيل لَهُ: احفر لنا بئرًا طالبَ بأجرتِه قبل
стр. 487
الحَفْرِ، فقيل: النَّقْدُ عِنْدَ الحَافِرَةِ ومعناه: عند المَحفورة.
وقولُه تَعَالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾.
اتَّفق القُراء السبعة عَلَى تركِ التَّنوين من «مُنْذِرُ»، لأنَّه مضاف. ومن فِيْ موضع جر، وإنما ذكرته لأنَّ عباسًا روى عنْ أبي عمرو «منذر» بالتنوين، فلا بد من تَشديد الميمِ، لِإدغام التَّنوين والغنة التي تَظهر هِيَ غُنَّة الميم. وفي القراءة الأولى الميمُ خفيفةٌ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: ومن لم يُنَوّن «مُنْذِرُ» ف «مَنْ» خفض فِيْ المعنى نصبٌ فِيْ الأصل.
وحدَّثني أَحْمَد، عنْ علي، عن أبي عبيد أن يزيد بن القَعقاع قَرَأَ «مُنْذِرٌ» منونًا.
وَقَدْ روى عنْ ابْنُ مُحَيْصِن مثل ذَلِكَ. فأمَّا قولُه: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ المُنذر: النَّبيّ ﵇، والهادي، عليٌّ ﵁، وقيلَ: لكلّ قوم هادٍ أي: داعٍ.
стр. 488
ومن سورة عبس
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: نزلت هَذِهِ السُّورة فِيْ عبدِ اللَّه بْن أَبِي السَّرح الَأعمى، وأمُّه أمُّ مَكْتُوْمٍ، وذلك أَنَّهُ كَانَ ذاتَ يومٍ جالسًا فِيْ المَسجد الحَرام وحده إذ نزل ملكان ليُصليا فِيْ بيتِ اللَّه، فقالا من هَذَا الَأعمى الَّذِي لا يُبصر فِيْ الدُّنيا، ولا فِيْ الآخرة، وذلك قبل أن يُسلم. فَقَالَ أحدهما: لا ولكن أعجب من أَبِي طالبٍ يدعو النَّاس إلى الْإِسْلَام وهو لا يَنصره فسمع ذَلِكَ ابْنُ أمِّ مكتومٍ، فخرج حَتَّى أتى رَسُول اللَّه ﷺ ، وإذا معه أُمية بْن خَلَفٍ والعبَّاس بْن عَبْد المطلب وهما قائِمان بين يديه. فَقَالَ ابْنُ أمِّ مَكْتُوْمٍ قَدْ جئْتُكَ يا مُحَمَّد تائبًا فهل من تَوْبَةٍ، فأعرض عَنْهُ النَّبيّ ﷺ بوجهه وعَبَسَ أي: كَلَحَ، فاستحيا الَأعمى فظنَّ أَنَّهُ لا توبة لَهُ ورجع إلى منزله، فأنْزَلَ اللَّه تَعَالى تَأْدِيْبًا لرسول اللَّه ﷺ ولأمَّته، وإنما كَانَ النَّبيّ ﷺ أعرض عَنْهُ لاشتغاله بأشراف قريش، وكره أن يقطع كلامه، ونزل قولُه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ أي: ما يُدريك بما أراد أن يتعلمه من علمك فعَطَفَ النَّبيّ ﷺ بعده عَلَيْهِ وأكرمه حَتَّى استَخلفه على الصَّلاة.
وقولُه تَعَالى: ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾.
قَرَأَ عاصمٌ وحده: «فَتَنْفَعَهُ» نصبًا جعله جوابَ «لعلَّ» لأنَّ من العربِ من يَنصب جوابها بالفاءِ كالأمرِ والنَّهي إِذَا كانت لعل غير واقعةٍ، ويُنشد:
علَّ صروفَ الدهر أو دولاتها ... يدللننا اللمة من لماتها
فَتَسْتَرِيْحَ النَّفسُ مِنْ زَفْرَاتِهَا ... وتَنْقعَ الغُلَّةَ مِنْ غُلَّاتِهَا
ومن العرب من يَكسر اللّامَ من «عَلِّ» و «لَعَلِّ»، ويخفض بها أنشدنا ابنُ دُرَيْدٍ:
فَقُلْت ادْعُ أُخرى وأرفع الصَّوت ثانيًا ... لعل أبا المِغْوَاْرِ مِنْكَ قَرِيْبُ
و«إِنْ جَاءَهُ الَأعْمَى» «إنْ» بمعنى «إذ»، وَقَدْ قُرَئَ «أنْ جَاءَهُ الَأعْمَى» مثل «أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ» وتقديره: أَنْ جاءَ الَأعمى عَبَسَ.
وقرأ الباقون: «فَتَنْفَعُهُ» رفعا بالنفي عَلَى «تَزَّكَّى» «أَوْ يَذَّكَّرُ».
وقولُه تَعَالى: ﴿فَأَنْتَ له تصدى﴾.
стр. 489
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ بتشديد الصَّادِ والدّالِ، أراد: تتصدى فأدغما.
وقرأ الباقون «تًصَدَّى» بتخفيِف الصَّادِ، لأنَّهم حَذَفُواْ تاءً مثل قَوله تذكرون، وتذكرون. ومعنى ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ أي: تعرض. ومعنى ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تغافل.
وقرأ ابنُ كثيرٍ بتشديد التاءِ، أراد: تَتَلَهَّى فأدغم.
وقولُه تَعَالى: ﴿أنَّا صَبَبْنَا المَاءَ صَبًّا﴾.
قَرَأَ أهل الكوفة: «أَنَّا» بفتح الهمزة، فيكون موضعه جرًّا، ﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه أنَّا صَبَبْنَا الماءَ صبًّا﴾.
وقال آخرون: موضعه نصبٌ، لأن الأصل: بأنا ولأنا، فلما سقط الخافض نصب بتلخيص: «فلينظر ... أَنَا صببنا».
وقرأ بعضهم: «أنَّى صَبَبْنَا» بمعنى كيف صببنا، كما قَالَ تَعَالى ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا، ﴾ ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ يعني البُرُّ، و ﴿قَضْبًا﴾ يعني القَتّ، و ﴿حَدَائِقَ غُلْبًا﴾ الحَدائِقُ: البَساتِين: غُلْبًا: جمعُ غَلباء، وهي ذاتُ الشَّجرِ المُلْتَفِّ، و ﴿فَاكِهَةً وأَبًّا﴾ سَمِعْتُ ابْنُ دُرَيْدٍ يَقُولُ الَأبُّ المَرْعَى، وأنشدَ:
جَدُّنا قَيْسٌ ونَجْدٌ دَارُنَا ... وَلَنَا الَأبُّ بِهِ والمَكْرَعُ
وأَنشدَ ابنُ عَرفة لشاعرٍ يمدحُ النَّبِيّ ﵇:
لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُوْنَةٌ رِيْحُهَاْ الصَّبَا ... بَهَا يُنْبِتُ اللهُ الحَصِيَدَةَ والَأبَّا
قَالَ ابنُ دُرَيْدٍ أَبَّ الرُّجُلُ: إِذَا نَزَعَ إلى وطنه. وأبَّ الرَّجُلُ: إذَا رد يده إلى سيفه ليسله.
стр. 490
ومن سورة «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرت»
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: هَذِهِ السُّورة التي كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَقُولُ: «شَيَّبَتْنِيْ هود وأخواتها»، فأخواتها الواقعة، ﴿إذا الشمس كورت﴾ وهو جميع ما وعظَ اللَّه فِيهِ عباده، وأَنذرهم يومَ الحَسْرةِ، والنَّدامة، وذلِكَ أَنَّهُ جاءَ فِيْ الخَبَرِ: «اِعْمَلُواْ لله فِيْ الَأيَّامِ التي هيَ خَالِصَةً ثلاثمائة وستُّون يومًا».
فذهبَ بعضُهم إلى أيَّامِ السّنةِ. وقال بعضُ العُلماء بالقَرآن: إنَّما عنى بذلك اعملوا ليوم القيامة الَّذِي هُوَ خالصٌ للهِ، كما قَالَ تَعَالى: ﴿والَأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلهِ﴾ لأنَّ الدُّنيا يُملِّكها قومٌ، وذلك اليومُ خالصٌ للهِ فقط، وأمَّا ما ذكرَ اللَّه من ذكر القِيامة نحو: الطَّاعة، والصَّاخة، ويومَ الحشر، فوُجِدَ ثلاثمائة وستِّين يومًا.
فإن قيلَ لَكَ: لِمَ ذكرتَ أَنَّهُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «شَيَّبَتْنِي هُوْدٌ وأَخَوَاْتُهَا» وَقَدْ حَدَّثَنَا ابنُ عرفة، عنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الملك، عنْ يَزيد بْن هارون، عنْ حُميد، عنْ أنس، أَنَّهُ سئل هَلْ اختضب النَّبِيُّ ﷺ فقال ما شانه الشيب، فقيل: أَوَ شَيْنٌ هُوَ يا أَبا حمزة؟ قَالَ: كلُّكم يكرهه؟
فَقُل: فِيْ ذلكَ جوابان:
أحدُهما: أنَّ عليًّا كرَّم اللَّه وَجَهَهُ لمَّا غَسله بعدَ وفاته قَالَ: فتَّشْتُ فَوَجَدْتُ شعراتٍ فِيْ لِحيته ﷺ كقُضبان الفِضَّة، فلمَّا كَانَ ذَلِكَ ولا يَظهرُ مِنْهُ إلا بعدَ التَّفتيش لم يَكُن شائِنًا.
والوجه الثَّاني: أَنَّهُ لم يَشِب البَتَّةَ، ومعنا شيبتني أي: لو كان شيء يُشَيِّبُ المَرْءُ لكانت هَذِهِ السُّورة. كما قَالَ: ﴿ولو أن قرآنا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ معناه: لمكانَ هذه القرآن. ومعنى: ﴿إذا الشمس كورت، ﴾ أو ﴿انْفَطَرَتْ﴾ و ﴿انْشَقَّتْ﴾ لفظه ماضٍ، ومعناه المُضارع، لأنَّ اللَّه تَعَالى إِذَا أخبر بشيءٍ كَانَ واقعًا لا محالةَ، لأنَّ الخُلفَ إنَّما يقعُ فِيْ أقوالِ المَخلوقين إذْ كانت نواصيهم بِيَدِ غيرهم. فالفعلُ يكونُ بمعنى المُستقبل فِيْ ثلاثةِ مواضع فِيْ الشَّرط والجزاء، وفي أَفعال اللَّه تَعَالى، وفي الدُّعاء إِذَا قُلت: رحمك اللَّه، وأطالَ اللَّه بقاءَك فلفظه ماضٍ وَمعناهُ الاستقبالُ؛ لأنَّه دُعاءٌ. ومعنى كُوِّرت: ذهب ضَوؤها ﴿وإذا النجوم﴾
стр. 491
﴿انْكَدَرَتْ﴾ أنهارت، وتَناثرت ﴿وإذا الجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ أي: سُيرت من أَماكنها، فاستوت بالأرض ﴿وإِذَا العِشَارُ عُطِلِّتْ﴾ أي: أهملت؛ وذلك أن العُشراء من النُّوق التي قد أَتى عليها من حملها عشرةَ أشهرٍ النَّاقة أحبُّ إلى أَحدكم من مفروح من الدُّنيا.
فلذلك قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿وَإِذَاْ العِشَارُ عُطِّلَتْ﴾.
وروى عنْ ابْنِ كَثِيْرٍ: «عُطِلَتْ» مخففًا.
قَالَ ابنُ مُجاهدٍ وهو خطٌأ.
فإن سأل سائل فقال: لم اتفق القراء عَلَى تَخفيف «حُشرت» واختلفوا فيما عدا ذَلِكَ فشدَّدُوا وخفَّفُوا نحو «نُشِرَتْ» و «نُشِّرَتْ» و «سُجِرَت» و «سُجِّرَتْ» و «سُعِرَتْ» و «سُعِّرَتْ»؟ .
فالجواب فِيْ ذَلِكَ: أن البحر يُسجَر مرةً بعد مرةٍ، والوحوش حشرها فَناؤها، ولا يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ.
حَدَّثَنِي ابنُ مجاهدٍ عنْ السِّمَّرِيِّ، عنْ الفَرَّاء، عنْ أَبِي الأخوص سلام بْن سليم، عنْ سَعِيد بْن مسروق، عنْ عكرمة ﴿وإِذَاْ الوُحُوْشُ حُشِرَتْ﴾ قَالَ: حشرُها: موتُها.
وقال آخرون: بل تُحشر كما يُحشر سائرُ الخَلائق فيقتص الجَمَّاء من القَرْناء ثُمَّ يُقال: كُوني ترابا فعند ذلك يتمنى الكافر فيقول: ﴿يا ليتني كُنْتُ تُرَابًا﴾.
وقولُه تَعَالى: ﴿وإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ﴾.
خفَّفها ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرو.
وشدَّدها الباقون. فشاهد من خفف «والبحر المَسْجُوْرِ» ولم يَقل المُسَجَّر، ومعنى المَسجور: المَمْلُوءُ، ويُنْشَدُ:
إِذَا شَاءَ طالَعَ مَسْجُوْرَةً ... يَرَى حَوْلَها النَّبْعُ والسَّأْسَمَا
يعني: شجر الآبنوس.
وقال الفَرَّاءُ: ﴿وإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ أَفضى بعضها إلى بعضِ فصارت بحرًا واحدًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿وإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾.
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرو وحمزة والكِسَائِيّ مشدَّدًا، لأنَّ الصُّحُفَ جماعةٌ وهي تنشر مرةً بعدَ أخرى، وشاهد التَّشديد قولُه تَعَالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرة﴾ ولم يقل منشورة.
стр. 492
وقرأ الباقون مخففًا؛ لأنَّ العرب تَقُولُ: مررت بكباش مَذبوحة ومذبَّحة، وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالى: ﴿فِيْ رِقٍّ مَنْشُوْرِ﴾.
خففها نافعٌ وحفصٌ وابنُ ذكوان.
وقولُه تَعَالى: ﴿سُعِّرَتْ﴾.
خففها أهلُ الكوفة وابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرو.
وشدّدها الباقون.
والتَّشديد والتخفيف عَلَى ما قَدْ بيَّنت لَكَ حجتهما فيما قبله، والسَّعيرُ: وقودُ النارِ، فأمَّا قولُه: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيْرًا﴾ فقيل: جُنُونًا، وقيل: وَقودًا، يُقال: ناقةٌ مسعورةٌ: إِذَا كَانَ بها كالجُنُونِ من النَّشاط.
وقولُه تَعَالى: ﴿وإذا النُّفوسُ زُوِّجَتْ﴾ أي: قرنت بنظيرها، وقيل: بشياطينها.
﴿وإذا الموؤدة سُئِلَتْ﴾: هِيَ البِنت التي كَانَ بعض العَربِ يَئِدُها أي: يَدْفِنُها وهي حيَّةٌ خشيةَ العار عَلَيْها.
﴿بأيّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ مُخفَّفًا جماعٌ إلا أبا جَعْفَر المَدَنِيّ فإنه ثَقَّله ومعنى سُئِلَتْ أي:
طُلب قتلها.
وقرأ عشرة من الصَّحابة والتابعين أحدهم ابن عباس: «وإذا الموؤودة سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ» وكان عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود إِذَا قَرأ هَذِهِ السُّورة فَبَلَغَ «عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ» قَالَ: وانْقِطَاعُ ظَهْرَاهُ، وكان ابنُ مجاهدٍ إِذَا قَرأها فِيْ الصَّلاةِ قرأها بَنَفَسٍ واحدٍ من أولها ووقف «عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ».
وقولُه تَعَالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾.
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرو والكِسَائِيُّ: «بَظَنِيْنٍ» بالظاء أي: بمتَّهمٍ يُقال: بئرٌ ظَنِيْنٌ:
إِذَا كَانَ لا يُوثَقُ بِهَا.
قَرَأَ الباقون: «بضَنِين» بالضَّاد أي: ببخيلٍ أي: ليس ببخيل بالوحي بما أنزل اللَّه من القرآن فلا يكتمه أحدًا، تَقُولُ العربُ: ضننت بالشَّيء أضنّ بِهِ: إِذَا بخلت بِهِ، ويُنشد:
مَهْلًا أَعَاْذِلُ قَدْ جَرَّبْتِ مِنْ خُلُقِيْ ... إِنّي أَجُوْدُ لَأَقْوَامٍ وإنْ ضَنَنُوا
والغَيْبُ فِيْ القرآن أشياءَ: فقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ بما غابَ عَنْهُمْ مما
стр. 493
أَنبأهم الرَّسول ﷺ من أمرِ الآخِرَةِ.
وقيلَ: «يُؤْمِنُوْنَ بِالْغَيْبِ» أي: بالله. وقيل: «الغَيْبُ»: القيامةُ. والعربُ تَسمّى الليلَ غيبًا لظُلمته وسَتْره، وأنشدَ يَصِفُ صائِدَ الضَبّ:
حَتَّى إِذَا الغَيْبُ وَارَاهُ وَقَدْ قَدَرَتْ ... كفٌّ عَلَيْهِ وَكَانَ اللَّيلُ قَدْ قَدَرَا
أي: كَانَ اللَّيْلُ مقدارًا لِنَجاته. والغيب: القلب، فقيل «يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» أي:
بقلوبهم لا بألسنتهم كالمُنَافقين وينشد:
وبِالغَيبِ آمَنَّا وَقَدْ كَانَ قَوْمُنَا ... يُصَلُّونَ للَأوثَانِ قَبْلُ محمدا
стр. 494
ومن سورة انفطرت
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرو ونافعٌ وابنُ عامرٍ: «فَعَدَلَّكَ» مشدّدًا، أي: قوَّمك، قَالَ: ابنُ الجَهم قَالَ أَبُو طَلحة الناقد للفراء، حَدَّثَنَا ..... ذكر سندًا أنَّ رَسُول اللَّه ﷺ كَانَ إِذَا رَأى الهلالَ قَالَ: «الحَمْدُ لِلهِ الَّذِيْ خَلَقَكَ فَسَوَّاْكَ فَعَدَّلكَ» فعرَّفه الفَرَّاء الحَدِيْثَ. وقال كنتُ أقرأ بالتَّخفيف إتّباعًا للأعمش ولا تَراني أقرؤها بعد يَومي هَذَا إلا بالتَّشديد إِذَا كانت قَدْ ذكرت عنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، قَالَ ابنُ الجَهْمِ: فسألتُ الفَرَّاء بعد ثلاثِ سنين فِيْ طريقِ مكَّة كيف يقرأ هَذَا الحرف «فَعَدَلَكَ» فَقَالَ: بالتَّشديد.
وقرأ الباقون: «فَعَدَلَكَ» مخففًا، ومعناه: فصرفك إلى أي صُوْرَةٍ شاءَ، إما حَسَنٌ وإما قَبِيْحٌ، وإما طويلٌ وإما قصيرٌ، ولك أن النُّطفة إِذَا وقعت فِيْ الرحم طابت فِيْ البدن أربعين صباحًا، ثُمَّ تَصير علقةً أربعين، ثُمَّ مضغة أربعين، ثُمَّ يَبعث اللهُ ملكًا ومعه تُراب هِيَ تُربة العَبْدِ، فيعجنه بتلك النُّطفة ويقول: يا رب أَطويلٌ أم قصيرٌ، أَغنيٌّ أم فَقيرٌ، أَشقيٌّ أم سَعيدٌ، فذلك قولُه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ وقال ابْنُ أَبِي نُجيح: ﴿فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ﴾ قَالَ: فِيْ صورةِ عَمٍّ، فِيْ صورة أَبٍ، فِيْ صورةِ بَعضِ القَرابات.
وقال بعضُ النحَّويين: الاختيارُ التَّشديدُ، والتَّقدير، فَعَدَّلَكَ، أي: جَعَلَكَ مُعَدَّلَ الخَلْقِ مُعْتَدِلًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾.
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ مفخَّمًا.
وقرأ نافعٌ بين بين.
وقرأ الباقون بالِإمالة.
وقولُه تَعَالى: ﴿يَومَ لَا تَمْلِكُ﴾.
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرٍو: «يَومُ لَا تَمْلِكُ» بالرَّفْعِ عَلَى الاستئِناف.
وقرأ الباقون: «يوم» جعلوه ظرفا، ويجوز لمن رَفَعَ أن يجعلَه بدلًا مما قَبله، ومَنْ نَصَبَهُ جازَ أن ينصبَه بإضمار فعل أي: يَقُولُ: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شيئا والأمر﴾
стр. 495
﴿يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وَقَدْ علمنا أنَّ الأمرَ فِيْ الدُّنيا والآخرة لله . غير أن الدُّنيا قَدْ ملَّكها اللَّه قومًا فصاروا مالكين لها، وذلك اليوم خالصٌ لله، كما قَالَ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَومَ﴾ قَالَ: ﴿لِلهِ الوَاحد القَهَّارِ﴾ وكما قَالَ ﴿مَالِكِ يَومِ الدِّين﴾ أي: يوم الحساب والجَزاء، وهو ملك يوم الدين، وغير يوم الدين ولكنه عَلَى ما أَنبأتك.
следующие страницы →