Полный текст (271 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فقال: لا أبالي، أليس من ورائهم الفلق؟ ! قيل: وما الفلق؟ قال: بيت في جهنم، إذا فتح هوى أهل النار.
وفيه أيضاً، من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «الفلق جب في جهنم مغطى» .
وروي عن ابن عباس، أن الفلق سجن في جهنم.
وروى يحيى بن يمان، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد جبير، قال السعير: واد من قيح في جهنم: خرجه ابن أبي حاتم.
وقال خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه: إن جهنم لآباراً، من ألقي فيها، تردى سبعين عاماً، ثم ينزع بهذه الآية:
﴿اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا﴾ .
خرجه ابن أبي الدنيا.
فصل ـ في جهنم واد هو: جب الحزن
وروى عمار بن سيف، «عن أبي معان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: تعوذوا بالله من جب الحزن.
قالوا: وما جب الحزن؟ قال: واد في جهنم، تتعوذ منه جهنم كل يوم مائة مرة! قيل: يا رسول الله من يدخله؟ قال: القراء المراؤون بأعمالهم» .
خرجه الترمذي وقال: غريب.
وخرجه ابن ماجه بمعناه.
وفي رواية:
стр. 107
أربعمائة مرة، وزاد في آخره «وإن من أبغض القراء إلى الله ، الذين يزورون الأمراء الجورة» .
وفي هذا الإسناد ضعيف.
وخرج الطبراني نحوه، من حديث الحسن، عن ابن عباس، عن النبي ﵌.
وخرج العقيلي نحوه، من حديث علي، عن النبي ﵌، من طريق أبي بكر الداهري، وهو ضعيف جداً.
وروى الإمام أحمد في الزهد بإسناده، عن عمران القصير، قال: بلغني أن في جهنم وادياً، تستعيذ منه جهنم كل يوم أربعمائة مرة، مخافة أن يرسل عليها فيأكلها، أعد الله ذلك الوادي للمرائين من القراء.
وقال بكر بن محمد العابد، عن سفيان الثوري: إن في جهنم لوادياً، تتعوذ منه جهنم في كل يوم سبعين مرة، يسكنه القراء الزائرون للملوك.
وروينا من حديث معروف الكرخي، رحمه الله تعالى، قال بكر بن خنيس: إن في جهنم لوادياً تتعوذ جهنم من ذلك الوادي كل يوم سبع مرات، وإن في الوادي لجباً، يتعوذ الوادي وجهنم من ذلك الجب كل يوم سبع مرات، وإن في الجب لحية، يتعوذ الوادي والجب وجهنم من تلك الحية كل يوم سبع مرات، يبدأ بفسقة القراء فيقولون: أي ربنا بدئ بنا قبل عبدة الأوثان؟ ! قيل لهم: ليس من يعلم كمن لا يعلم.
وروى هناد بن السري، بإسناده عن حميد بن هلال، قال: نبئت أن كعباً
стр. 108
قال: إن في أسفل درك جهنم تنانير ضيقها كضيق زج أحدكم من الأرض، يقال له: جب الحزن، يدخلها قوم بأعمالهم، فيطبق عليهم.
وخرجه ابن أبي حاتم، إلا أن عنده، عن حميد بن هلال، قال: لا أعلمه إلا عن بشير بن كعب، قال: إن في النار لجباً يقال له: جب الحزن، لهو أضيق على من دخل فيه من زج أحدكم على رمحه، يطبقها الله على من يشاء من عباده، أو قال: يضيقها على من يشاء من عباده، سخطاً عليهم، ثم لا يخرجهم منها آخر الأبد.
وروى ابن المبارك، «عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌: إن في جهنم لوادياً يقال له: لملم، إن أودية جهنم تستعيذ بالله من حره» .
خرجه ابن أبي الدنيا وغيره، ويحيى ضعفوه.
وروى ابن أبي الدنيا وغيره، من رواية الأزهر بن سنان القرشي، «عن محمد ابن واسع، عن أبي بردة، عن النبي ﵌، قال: إن في جهنم وادياً، ولذلك الوادي بئر، يقال له: هبهب، حق على الله أن يسكنها كل جبار» .
أزهر بن سنان ضعفوه.
والصحيح ما خرجه الإمام أحمد وغيره، من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن واسع، قال: قلت لبلال بن أبي بردة، وأرسل إلي: إنه بلغني أن في النار بئراً يقال له: جب الحزن، يؤخذ المتكبرون فيجعلون في توابيت من حديد من نار، ثم يجعلون في تلك البئر، ثم تطبق عليهم جهنم من فوقهم، فبكى هلال.
стр. 109
وروى عمرو بن شعيب، «عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵌: يحشر المتكبرون يوم القيامة، أمثال الذر في صورة الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجناً في جهنم يقال له: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طين الخبال، عصارة أهل النار» .
خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي، وقال: حسن.
وروي موقوفاً على عبد الله بن عمرو.
وروي من وجه آخر، قال: «في النار قصر يقال له: بولس، فتعلوهم نار الأنيار، يسقون من طين الخبال، عصارة أهل النار» .
خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وقال: حسن.
وروي موقوفاً على عبد الله بن عمرو.
وروي من وجه آخر، قال: «في النار قصر يقال له: بولس، يدخله الجبارون والمتكبرون، فيه نار الأنيار، وشر الأشرار، وحزن الأحزان، وموت الأموات، والشر وأبيار الشر» .
وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو قبيل، قال: سمعت رجلاً يقول: سمعت عبد الله ابن عمرو يقول: إن في النار سجناً، لا يدخله إلا من كان من شر الأشرار، قراره نار وسقفه نار، وجدرانه نار، وتلفح منه نار.
خرجه عبد الله بن الإمام أحمد.
وخرجه ابن أبي الدنيا وعنده: فإذا دخلوا قيل بالنار على أفواههم.
وروى إبراهيم بن الفضل المدني، «عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن بشر بن عاصم الجشمي، حدثه عمر، أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: لا يلي أحد من أمر الناس شيئاً إلا أوفقه الله على جسر جهنم، فزلزل به الجسر زلزلة، فناج أو غير ناج لا يبقى منه عضو إلا فارق صاحبه، فإن هو لم ينج ذهب به في جب مظلم كالقبر في جهنم، لا يبلغ قعره سبعين خريفاً» .
وإن عمر سأل سلمان وأبا ذر: هل سمعتما ذلك من رسول الله ﵌؟ قالا: نعم.
خرجه ابن أبي الدنيا.
стр. 110
وإبراهيم بن الفضل ضعيف.
وروى إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام، عن الحجاج بن عبد الله الشمالي ـ وكان قد رأى النبي ﵌، وحج معه حجة الوداع ـ قال: إن سفيان بن مجيب حدثه ـ وكان من أصحاب رسول الله ﵌ وقدمائهم ـ قال: إن في جهنم سبعين ألف واد، في كل واد سبعون ألف شعب سبعون ألف ثعبان وسبعون ألف عقرب، لا ينتهي الكافر والمنافق حتى يواقع ذلك كله.
قال أبو عمر بن عبد البر: هذا منكر حديث لا يصح.
وخرج ابن أبي الدنيا، من طريق إسماعيل بن عياش، عن محمد بن عمرو ابن طلحة، عن عطاء بن يسار، قال: إن في النار سبعين ألف واد، في كل واد سبعون ألف شعب، في كل شعب سبعون ألف جحر، في كل جحر حية تأكل وجوه أهل النار.
وقال المبارك: أنبأنا عوف، عن أبي المنهال الرياحي، أنه بلغه أن في النار أودية في ضحضاح من النار، في تلك الأودية حيات أمثال أجواز الأبل، وعقارب كالبغال الحبش، فإذا سقط إليهن شيء من أهل النار، أنشأن فيه لسعاً ونشطاً، حتى يستغيثوا بالنار، فراراً منهن، وهرباً منهن.
خرجه ابن أبي الدنيا.
стр. 111
وخرج الجوزجاني، من رواية الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، قال: إن لجهنم جباً، فيه هوام، فيه حيات أمثال البخت، وعقارب أمثال البغال الدلم، يستغيث أهل النار إلى تلك الحيات أو الساحل، فتثب إليهم، فتأخذهم بأشعارهم وشفاههم، فتكشطهم حتى تبلغ أقدامهم، فيستغيثون بالرجوع إلى النار، فيقولون النار النار، وتتبعهم حتى تجد حرها، فترجع وهي في أسراب.
وقال مطهر بن الهيثم بن الحجاج، عن أبيه: إن طاووساً قال لسليمان بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين، إن صخرة كانت على شفير جب في جهنم، هوت فيها سبعين خريفاً حتى أستقرت قرارها، أتدري لمن أعدها الله؟ قال: لا قال: ويلك! لمن أعدها الله؟ قال: لمن أشركه الله في حكمه فجار.
قال: فبكى لها.
خرجه أبو نعيم في الحلية.
وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثني الطيب أبو الحسن علي، عن الحسن ابن اليحيى، في الحلية عن الحسن بن يحيى الخشني، قال: ما في جهنم دار، ولا مغار، ولا غل، ولا قيد، ولا سلسلة، إلا اسم صاحبها عليها مكتوب، قال أحمد: فحدثت به أبا سليمان، فبكى ثم قال: ويحك! فكيف به أن لو جميع هذا كله عليه، فجعل الغل في عنقه، والقيد في رجله، والسلسة في عنقه، ثم أدخل النار، وأدخل المغار؟ نعوذ بالله من ذلك.
стр. 112
الباب الخامس عشر ـ في ذكر سلاسلها واغلالها وأنكالها
قال الله تعالى: ﴿إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيراً﴾ .
قال الله تعالى: ﴿وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا﴾ .
وقال الله تعالى: ﴿إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون * في الحميم ثم في النار يسجرون﴾ .
وقال: ﴿خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه﴾ .
وقال تعالى: ﴿إن لدينا أنكالا وجحيما * وطعاما ذا غصة وعذابا أليما﴾ .
وقرأ ابن عباس
﴿والسلاسل يسحبون﴾ بنصب
стр. 113
السلاسل وفتح ياء يسحبون، قال: هو أشد عليهم، هم يسحبون السلاسل.
خرجه ابن أبي حاتم.
فهذه ثلاثة أنواع:
أحدها: الأغلال: وهي في الأعناق، كما ذكر سبحانه.
قال الحسن بن صالح: الغل: تغل اليد الواحدة إلى العنق، والصفد اليدان إلى العنق.
خرجه ابن أبي الدنيا.
وقال أسباط عن السدي، الأصفاد تجمع اليدين إلى العنق.
وقال معمر، عن قتادة في قوله: ﴿مقرنين في الأصفاد﴾ .
قال: مقرنين في القيود والأغلال.
قال عينة بن الغصن، عن الحسن: إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار لأنهم أعجزوا الرب ، ولكنها إذا طفا بهم اللهب أرستهم، قال: ثم خر الحسن مغشياً عليه ! ! .
وقال سيار بن حاتم: حدثنا مسكين، عن حوشب، عن الحسن، أنه ذكر النار فقال: لو أن غلاً منها، وضع على الجبال لقصمها إلى الماء الأسود، ولو أن ذراعاً من السلسلة، وضع على جبل لرضه.
وروى ابن أبي الحاتم، بإسناده عن موسى بن أبي عائشة، أنه قرأ قوله تعالى:
﴿أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة﴾ .
قال: تشد أيديهم بالأغلال في النار، فيستقبلون العذاب بوجوههم، قد شدت أيديهم، فلا يقدرون على أن يتقوا بها، كلما جاء نوع من العذاب يستقبلون بوجوههم.
وبإسناده عن فيض بن إسحاق، عن فضيل بن عياض: إذا قال الرب
стр. 114
تبارك وتعالى: ﴿خذوه فغلوه﴾ .
تبدره سبعون ألف ملك، كلهم يتبدر أيهم يجعل الغل في عنقه.
النوع الثاني: الأنكال: وهي القيود، قال مجاهد والحسن وعكرمة وغيرهم، قال الحسن: قيود من نار.
قال أبو عمران الجوني: قيود لا تحل والله أبداً، وو احد الأنكال: نكل، وسميت القيود أنكالاً لأنه ينكل بها، أي يمنع.
وروى أبو سنان، عن الحسن: أما وعزته، ما قيدهم مخافة أن يعجزوه، ولكن قيدهم لترسي في النار.
وقال الأعمش: الصفد: القيود: وقوله تعالى: ﴿مقرنين في الأصفاد﴾ القيود، وقد سبق عن أبي صالح في قوله: ﴿في عمد ممددة﴾ .
قال: القيود الطوال.
النوع الثالث: السلاسل: خرج الإمام أحمد وغيره، من طريق أبي السمح، «عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﵌: لو أن رصاصة مثل هذه ـ وأشار إلى مثل الجمجمة ـ أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة عام، لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة، لسارت أربعين خريفاً، الليل والنهار، قبل أن تبلغ أصولها» .
غريب، وفي رفعه نظر، والله أعلم.
стр. 115
وفي حديث عدي الكندي، «عن عمر، أن جبريل قال للنبي ﵌: لو أن حلقة من سلسلة أهل النار، التي نعت الله في كتابه، وضعت على جبال الدنيا، لانقضت ولم يردها شيء، حتى تنتهي إلى الأرض السابعة السفلى» خرجه الطبراني وسبق على إسناده.
وروى سفيان، عن بشير عن نوف الشامي، في قوله تعالى:
﴿ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه﴾ .
قال: إن الذراع سبعون باعاً، والباع من ههنا إلى مكة ـ وهو يومئذ بالكوفة.
وقال ابن المبارك: أنبأنا بكار، عن عبد الله، سمع ابن أبي مليكة يحدث، أن كعباً قال: إن حلقة من السلسلة التي قال الله: ﴿ذرعها سبعون ذراعاً﴾ إن حلقة منها أكثر من حديد الدنيا.
وقال ابن جريح في قوله: ﴿ذرعها سبعون ذراعاً﴾ قال: بذراع الملك.
وقال ابن المنكدر: لو جمع حديد الدنيا كله، ما خلا منها وما بقي، ما عدل حلقة من الحلق التي ذكر الله في كتابه تعالى فقال: ﴿في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً﴾ أخرجه أبو نعيم.
قال ابن المبارك، عن سفيان، في قوله: ﴿فاسلكوه﴾ قال: بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج منه.
وقال ابن جريح: قال ابن عباس: السلسلة تدخل في أسته، ثم تخرج من فيه، ثم ينظمون فيها، كما ينظم الجراد في العود حتى يشوي.
خرجه ابن أبي الحاتم.
وخرج أيضاً من رواية العوفي عن ابن عباس، قال: تسلك في دبره حتى تخرج من منخريه، حتى لا يقوم على رجليه.
стр. 116
وخرج ابن أبي الدنيا، من طريق خلف بن خليفة، عن أبي هاشم قال: يجعل لهم أوتاد في جهنم، فيها سلاسل، فتلقى في أعناقهم، فتزفر جهنم زفرة، فتذهب بهم مسيرة خمسمائة سنة، ثم تجيء بهم في يوم، فذلك قوله:
﴿وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ .
ومن طريق أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، قال: لو انفلت رجل من أهل النار بسلسلة لزالت الجبال.
وقال جويبر عن الضحاك، في قوله: ﴿فيؤخذ بالنواصي والأقدام﴾ .
يجمع بين ناصيته وقدميه، في سلسلة من وراء ظهره.
وقال السدي: في هذه الآية: يجمع بين ناصية الكافر وقدميه، فتربط ناصيته بقدمه وظهره، ويفتل.
وذكر الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: يؤخذ بناصيته وقدميه، ويكسر ظهره كما يكسر حطب في التنور.
وقال سيار بن حاتم: حدثنا مسكين، عن حوشب، عن الحسن، قال: إن جهنم ليغلى عليها من الدهر إلى يوم القيامة، يحمى طعامها وشرابها وأغلالها، ولو أن غلا منها وضع على الجبال لقمصها إلى الماء الأسود، ولو أن ذراعاً من السلسلة وضع على جبل لرضه، ولو أن جبلاً كان بينه وبين عذاب الله مسيرة خمسمائة عام لذاب ذلك الجبل، وإنهم ليجمعون في السلسلة من آخرهم فتأكلهم النار وتبقى الأرواح.
ورواه ابن أبي الدنيا، «عن عبد الله بن عمر الجشمي، عن المنهال بن عيسى العبدي، عن حوشب، عن الحسن، عن النبي ﵌، فذكره بمعناه، وزاد في آخره: تبقى الأرواح في الحناجر تصرخ» .
والموقوف أشبه.
стр. 117
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: أخبرت عن يسار، عن ابن المعزى ـ وكان من خيار الناس ـ قال: بلغني أن الأبدان تذهب وتبقى الأرواح في السلاسل.
وخرج الطبراني وابن أبي حاتم، «من طريق منصور بن عمار، حدثنا بشير بن طلحة، عن خالد بن الدريك، عن يعلى بن منية، رفع الحديث إلى النبي ﵌، قال: ينشئ الله سبحانه لأهل النار سحابة سوداء مظلمة، فيقال: يا أهل النار أي شيء تطلبون؟ فيذكرون بها سحابة الدنيا، فيقولون: يا ربنا الشراب، فتمطرهم أغلالاً تزيد في أغلالهم، وسلاسل تزيد في سلاسلهم، وجمراً يلتهب عليهم» .
وخرجه ابن أبي الدنيا موقوفاً لم يرفعه.
وروى أبو جعفر الرازي، «عن الربيع بن أنس عن أبي العالية وغيره، عن أبي هريرة، فذكر قصة الإسراء بطولها، وفيها قال: ثم أتى على واد ـ يعني النبي ﵌ فسمعه صوتاً منكراً، ووجد ريحاً منتنة، فقال: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا صوت جهنم تقولى: رب، آتني ما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري، واشتد حري، فآتني ما وعدتني.
قال: لك كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب» .
стр. 118
فصل ـ في تفسير قوله تعالى: " ولهم مقامع من حديد "
فصل ـ في تفسير قوله تعالى: ولهم مقامع من حديد
قال الله تعالى: ﴿ولهم مقامع من حديد * كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها﴾ .
قال جويبر عن الضحاك: ﴿مقامع من حديد﴾ أي مطارق.
وروى ابن لهيعة، «عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﵌، قال: لو أن مقمعاً من حديد، وضع في الأرض، فاجتمع له الثقلان، لما أقلوه من الأرض» ، خرجه الإمام أحمد.
وخرج أيضاً بهذا الإسناد، عن النبي ﵌: «لو ضرب الجبل بمقاطع من حديد لتفتت ثم عاد» .
قال الإمام أحمد في كتاب الزهد: حدثنا سيار، حدثنا جعفر، سمعت مالك بن دينار قال: إذا أحس أهل النار في النار بضرب المقامع، انغمسوا في حياض الحميم، فيذهبون سفالاً، كما يغرق الرجل في الماء في الدنيا، ويذهب سفالاً سفالاً.
قال سعيد، عن قتادة: قال عمر بن الخطاب: ذكروهم النار لعلهم يفرقون فإن حرها شديد، وقعرها بعيد، وشرابها الصديد، ومقامعها الحديد.
وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده، عن صالح المري، أنه قرأ على بعض العباد:
стр. 119
﴿إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون* في الحميم ثم في النار يسجرون﴾ .
قال: فشهق الرجل شهقة، فإذا هو قد يبس مغشياً، قال: فخرجنا من عنده وتركناه.
وقرأ رجل، على يزيد الضبي:
﴿وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد﴾ .
فجعل يزيد يبكي حتى غشي عليه.
خرجه عبد الله بن الإمام أحمد.
وقد سبق عن مالك بن دينار، أنه قام ليلة في وسط الدار إلى الصباح، فقال: ما زال أهل النار يعرضون علي في سلاسلهم وأغلالهم حتى الصباح.
стр. 120
الباب السادس عشر ـ في ذكر حجارتها
قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة﴾ .
وقال: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ .
واختلف المفسرون في هذه الحجارة، فقالت طائفة، منهم الربيع بن أنس: الحجارة هي الأصنام التي عبدت من دون الله، واستشهد بعضهم لهذا بقوله تعالى:
﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون * لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها﴾ .
قال ابن أبي الحاتم: «حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن أبي صالح، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن أبيه، أن رسول الله ﵌ قال في قوله: ﴿إذا الشمس كورت﴾ قال: كورت في جهنم ﴿وإذا النجوم انكدرت﴾ قال: انكدرت في جهنم، وكل من عبد من دون الله فهو في جهنم إلا ما كان من عيس وأمه، ولو رضيا لدخلاها» غريب جداً، وأبو بكر بن أبي مريم فيه ضعف.
стр. 121
وقد روي أن الشمس والقمر يكوران في النار.
ورواه عبد العزيز بن المختار، عن عبد الله ـ هو ابن فيروز الداناج ـ قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن، يحدث «عن أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: الشمس والقمر ثوران يكوران في النار يوم القيامة» .
خرجه البراز وغيره.
وخرجه البخاري مختصراً، «ولفظه الشمس والقمر يكوران يوم القيامة» .
وخرج أبو يعلى، من رواية درست بن زياد، «عن يزيد الرشاقي، عن أنس، عن النبي ﵌، قال: الشمس والقمر ثوران عقيران في النار» وهذا إسناد ضعيف جداً.
وقد قيل: إن المعنى في ذلك أن الكفار، لما عبدوا الآلهة من دون الله، واعتقدوا أنها تشفع لهم عند الله وتقربهم إليه، عوقبوا بأن جعلت معهم في النار إهانة لها وإذلالاً، ونكاية لهم، وإبلاغاً في حسرتهم وندامتهم، فإن الإنسان إذا قرن في العذاب بمن كان سبب عذابه كان أشد في ألمه وحسرته.
ولهذا المعنى يقرن الكفار بشياطينهم التي أضلتهم.
قال الله تعالى:
﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين * وإنهم
стр. 122
ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون * حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين * ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ .
قال معمر، عن سعيد الجريري فيلا هذه الآيات: بلغنا أن الكفار إذا بعث يوم القيامة من قبره، شفع بشيطانه، فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار، فذلك حين يقول:
﴿يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين﴾ .
وقال أبو الأشهب عن سعيد الجريري، عن عباس الجشمي: إن الكافر إذا خرج من قبره، وجد عند رأسه مثل السرحة المحترقة شيطانة فتأخذه بيده، فتقول: أنا قرينتك، أدخل أنا وأنت جهنم، فذلك قوله: ﴿يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين﴾ خرجها ابن أبي الحاتم وغيره، والسرحة: شجرة كبيرة.
وقد أخبر الله تعالى عن حنق الكفار على من أضلهم بقوله:
﴿وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين﴾ .
فإذا قرن أحدهم بمن أضله في العذاب، كان أشد لعذابه، فإن المكان المتسع، يضيق على المتباغضين، فكيف باقترانهما في المكان الضيق.
وأخبر الله تعالى عن اختصام الكفار مع من كان معهم من الشياطين، ومن عبدوه من دون الله تعالى.
قال الله تعالى:
﴿وبرزت الجحيم للغاوين * وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون * من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون * فكبكبوا فيها هم والغاوون * وجنود إبليس أجمعون * قالوا وهم فيها يختصمون * تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين * وما
стр. 123
أضلنا إلا المجرمون﴾ الآيات.
ومن جملة أنواع عذاب أهل النار فيها تلاعنهم وتباغضهم، وتبرؤ بعضهم من بعض، ودعاء بعضهم على بعض بمضاعفة العذاب، كما قال الله تعالى:
﴿كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفا من النار﴾
وقال الله تعالى: ﴿وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا﴾ .
وقال الله تعالى: ﴿هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم﴾ إلى قوله: ﴿إن ذلك لحق تخاصم أهل النار﴾ .
وحينئذ فلا يبعد أن يقرن كل كافر بشيطانه الذي أضله، وبصورة من عبده من دون الله من الحجارة.
وقال ابن أبي الدنيا: «حدثنا عبد الله بن وضاح، حدثنا عبادة بن كليب، عن محمد بن هاشم، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ناراً وقودها الناس والحجارة﴾ .
وقرأها النبي ﵌، فسمعها شاب إلى جنبه فصعق، فجعل رسول الله ﵌ رأسه في حجره رحمة له، فمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم فتح عينيه، فقال: بأبي أنت وأمي، مثل أي شيء الحجر؟ قال: أما يكفيك ما أصابك، على أن الحجر الواحد منها
لو وضع على جبال الدنيا كلها لذابت منه، وإن مع كل إنسان منها حجراً وشيطاناً» .
وقال الحسن في موعظته: أذكرك الله ما رحمت نفسك، فإنك قد حذرت ناراً لا تطفأ، يهوي فيها من صار إليها، ويتردد بين أطباقها قرين
стр. 124
شيطان، ولزيق حجر يتلهب في وجهه شعلها:
﴿لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها﴾
وأكثر المفسرين، على أن المراد بالحجارة، حجارة الكبريت توقد بها النار، ويقال: إن فيها خمسة أنواع من العذاب، ليس في غيرها من الحجارة: سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق بالأبدان، وقوة حرها إذا أحميت.
قال عبد الله بن عمير، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود في قوله تعالى:
﴿وقودها الناس والحجارة﴾
قال: هي حجارة من الكبريت، خلقها الله يوم خلق السموات والأرض في السماء الدنيا، يعدها للكافرين.
خرجه ابن أبي حاتم والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين.
وقال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة
﴿فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة﴾
أما الحجارة حجارة في النار من كبريت أسود، يعذبون به مع النار.
وقال مجاهد: حجارة من كبريت أنتن من الجيفة، وهكذا قال أبو جعفر وابن جريح وعمرو بن دينار وغيرهم.
وقال ابن وهب: «أخبرني عبد الله بن عياش، أخبرني عبد الله بن سليمان، عن دراج عن أبي الهيثم، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﵌: إن الأرضين بين كل أرض إلى التي تليها مسيرة خمسمائة سنة، فالعليا منها على
стр. 125
ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء والحوت على صخرة، والصخرة بيد ملك، والثانية سجن الريح، فلما أراد الله هلاك عاد أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحاً تهلك عاداً، قال: يا رب أرسل عليهم من الريح قدر منخر ثور، قال له الجبار ﵎: إذن يكفي الأرض ومن عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم فهي التي قال الله في كتابه:
﴿ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم﴾
والثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، قالوا: يا رسول الله أللنار كبريت؟ ! قال: نعم.
والذي نفسي بيده، إن فيها لأودية من كبريت لو أرسلت فيها الجبال الرواسي لماعت، والخامسة فيها حيات جهنم وإن أفواهها كالأودية تلسع الكافر اللسعة فلا يبقى منه لحم على وضم، والسادسة فيها عقارب جهنم، وإن أدنى عقربة منها كالبغال الموكفة تضرب الكافر ضربة تنسيه ضربتها حر جهنم، والسابعة سقر وفيها إبليس مصفد بالحديد أمامه ويده من خلفه، فإذا أراد الله أن يطلقه لما يشاء من عباده أطلقه» .
خرجه الحاكم في آخر المستدرك وقال: تفرد به أبو السمح، وقد ذكرت عدالته بنص الإمام يحيى بن معين، والحديث صحيح ولم يخرجاه، وقال بعض الحفاظ المتأخرين: وهو حديث منكر، وعبد الله بن عياش القتباني ضعفه أبو داود، وعند مسلم أنه ثقة، ودراج كثير المناكير، والله أعلم.
قلت: رفعه منكر جداً، ولعله موقوف، وغلط بعضهم فرفعه، وروى عطاء ابن
стр. 126
يسار عن كعب من قوله نحو هذا الكلام أيضاً.
«وعن عبد العزيز بن أبي رواد قال: بلغني أن رسول الله ﵌ تلا هذه الآية:
﴿قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة﴾
وعنده بعض أصحابه وفيهم شيخ، فقال الشيخ: يا رسول الله حجارة جهنم كحجارة الدنيا، فقال النبي ﵌: والذي نفسي بيده إن صخرة من صخر جهنم أعظم من جبال الدنيا كلها فوقع الشيخ مغشياً عليه، فوضع النبي ﵌ يده على فؤاده، فإذا هو حي، فناداه: قل: لا إله إلا الله فقالها، فبشره بالجنة، فقال أصحابه: يا رسول الله، أمن بيننا؟ قال: نعم، يقول الله ﵎:
﴿ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾ » .
خرجه ابن أبي الدنيا.
стр. 127
الباب السابع عشر ـ في ذكر حياتها وعقاربها
قد تقدم في الباب الثامن، والرابع عشر، والسادس عشر، بعض ذكر حيات جهنم وعقاربها.
وخرج الإمام أحمد، «من حديث ابن لهيعة، عن دراج، سمعت عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، قال: قال رسول الله ﵌: إن في النار حيات كأعناق البخاتي، تلسع إحداهن اللسعة، فيجد حموها إلى أربعين خريفاً، وإن في النار عقارب، كأمثال البغال الموكفة، تسلع إحداهن اللسعة، فيجد حموتها أربعين سنة» وخرجه الحاكم من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج به.
وروى الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود، في
стр. 128
قوله تعالى: ﴿زدناهم عذاباً فوق العذاب﴾ .
قال: عقارب لها أنياب كالنخل الطوال، وخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين.
وفي رواية عنه، قال: زيدوا عقارب من نار كالبغال الدهم، أنيابها كالنخل.
خرجه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن المسعودي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود.
وقول من قال: عن عبد الله بن مرة، عن مسرق أصح.
وخرج ابن أبي حاتم، من رواية سفيان، عن رجل، عن مرة عن عبد الله، في قوله:
﴿عذاباً ضعفاً من النار﴾ .
قال: حيات وأفاعي.
وروى السدي، عن مرة، عن عبد الله في هذه الآية، قال: أفاعي في النار.
وروى ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، قال: إن لجهنم لسواحل فيها حيات وعقارب، أعناقها كأعناق البخت.
وخرج ابن أبي الدنيا وغيره، من طريق مجاهد، عن يزيد بن شجرة، قال: إن لجهنم جباباً في سواحل كسواحل البحر، فيه هوام وحيات كالبخاتي وعقارب كالبغال الذل، فإذا سأل أهل النار التخفيف، قيل لهم: اخرجوا إلى السواحل، فتأخذهم تلك الهوام بشفاههم وجنوبهم وما شاء الله من ذلك فتكشطها، فيرجعون فيبادرون إلى معظم النيران، ويسلط عليهم الجرب، حتى إن أحدهم ليحك جلده حتى يبدو العظم، فيقال: يا فلان هل يؤذيك هذا، فيقول نعم، فيقال له: ذلك بما كنت تؤذي المؤمنين.
стр. 129
وروى عبيد الله بن موسى، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد، قال: في جهنم عقارب كأمثال الدلم لها أنياب كالرماح، إذا ضربت إحداهن الكافر على رأسه ضربة تساقط لحمه على قدميه.
وروى حماد بن سلمة، عن الجريري، عن أبي عثمان، قال: على الصراط حيات يلسعن أهل النار، فيقولون: حس حس، فذلك قوله:
﴿لا يسمعون حسيسها﴾ .
وكان إبراهيم العجلي، ﵀، يقع على كتفيه وظهره، فيتأذى به فيقول لنفسه:
وأنت تأذي من حسيس بعوضة فللنار أشقى ساكنين وأوجع.
стр. 130
الباب الثامن عشر ـ في ذكر طعام أهل النار وشرابهم فيها
قال الله تعالى: ﴿إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي في البطون * كغلي الحميم﴾ .
وقال: ﴿أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم * إنا جعلناها فتنة للظالمين * إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم * طلعها كأنه رؤوس الشياطين * فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون * ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم * ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم﴾ .
وقال: ﴿ثم إنكم أيها الضالون المكذبون * لآكلون من شجر من زقوم * فمالئون منها البطون * فشاربون عليه من الحميم * فشاربون شرب الهيم * هذا نزلهم يوم الدين * نحن خلقناكم فلولا تصدقون﴾ .
стр. 131
وقال ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً﴾ .
وخرج الترمذي وابن ماجه في صحيحه، «من حديث ابن عباس، أن النبي ﵌، قرأ هذه الآية:
﴿اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ .
فقال رسول الله ﵌: لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه؟» وقال الترمذي: صحيح، وروي موقوفاً على ابن عباس.
وقال ابن إسحاق: حدثني حكيم بن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال أبو جهل لما ذكر رسول الله ﵌ شجرة الزقوم: يخوفنا بها محمد؟ ! يا معشر قريش، أتدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد؟ قالوا: لا، قال: عجوة يثرب بالزبد، والله لئن استمكنا منها لنتزقمنها تزقماً، فأنزل الله فيه:
﴿إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم﴾ .
الآية، أي ليس كما تقول.
وأنزل الله: ﴿والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً﴾ .
стр. 132
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿فتنة للظالمين﴾ .
قال: زادتهم تكذيباً حين أخبرهم أن في النار شجرة، قال: يخبرهم أن في النار شجرة، والنار تحرق الشجر، فأخبرهم أن غذاءها من النار.
وقد تقدم عن ابن عباس، أن شجرة الزقوم نابتة في أصل سقر.
وروي عن الحسن، أن أصلها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.
وقال سلام بن مسكين: سمعت الحسن تلا هذه الآية ﴿إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي في البطون * كغلي الحميم﴾ قال: إنها هناك قد حميت عليها جهنم.
وقال مغيرة، عن إبراهيم، وأبي رزين: ﴿كالمهل يغلي في البطون﴾
قال: الشجر يغلي.
قال جعفر بن سليمان: سمعت أبا عمران الجوني يقول: بلغنا أنه لا ينهش منها نهشة إلا نهشت منه مثلها.
وقد دل القرآن، على أنهم يأكلون منها، حتى تمتلئ منها بطونهم، فتغلي في بطونهم كما يغلي الحميم، وهو الماء الذي انتهى حره، ثم بعد أكلهم منها يشربون عليه من الحميم شرب الهيم.
قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: الهيم: الإبل العطاش.
وقال السدي: هو داء يأخذون الإبل فلا تروى أبداً حتى تموت، فكذلك أهل جهنم لا يروون من الحميم أبداً.
وعن مجاهد نحوه.
وعن الضحاك في قوله: ﴿شرب الهيم﴾ قال: من العرب من يقول: هو الرمل، ومنهم من يقول: الإبل العطاش، وقد روي عن ابن عباس كلا القولين، ودل قوله سبحانه:
﴿ثم إن لهم
стр. 133
عليها لشوباً من حميم﴾ .
على أن الحميم يشاب به ما في بطونهم من الزقوم، فيصير شوباً له.
وقال عطاء الخراساني في هذه الآية: يقال: يخلط طعامهم ويشاب بالحميم.
وقال قتادة: ﴿لشوباً من حميم﴾ : مزاجاً من حميم.
وعن سعيد بن جبير قال: إذا جاع أهل النار، استغاثوا من الجوع، فأغيثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا منها، فانسلخت وجوههم، حتى لو أن ماراً مر عليهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم، فإذا أكلوا منها، ألقي عليهم العطش، فاستغاثوا من العطش، فأغيثوا بماء كالمهل، والمهل: الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم، أنضج حره الوجوه، فيصهر به ما في بطونهم، ويضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو على حياله، يدعون بالثبور.
وقولهت: ﴿ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم﴾ .
أي بعد أكل الزقوم وشرب الحميم عليه.
ويدل هذا على أن الحميم خارج من الجحيم، فهم يريدونه كما ترد الإبل الماء، ثم يردون إلى الجحيم.
ويدل على هذا أيضاً، قوله تعالى:
﴿هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون * يطوفون بينها وبين حميم آن﴾ .
والمعنى أنهم يترددون بين جهنم والحميم، فمرة إلى هذا، ومرة إلى هذا، قاله قتادة، وابن جريج، وغيرهما.
وقال القرظي في قوله: ﴿يطوفون بينها وبين حميم آن﴾ قال: إن الحميم دون النار، فيؤخذ العبد بناصيته، فيجر في ذلك الحميم، حتى يذوب اللحم، ويبقى العظم، والعينان في الرأس، وهذا الذي يقول الله :
стр. 134
﴿في الحميم ثم في النار يسجرون﴾ .
فصل ـ في تفسير قوله تعالى: " وطعاماً ذا غصة "
فصل ـ في تفسير قوله تعالى: وطعاماً ذا غصة
وقال الله : ﴿إن لدينا أنكالا وجحيما * وطعاما ذا غصة وعذابا أليما﴾ .
وقال: ﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع * لا يسمن ولا يغني من جوع﴾ .
روى الإمام أحمد بإسناده، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿طعاماً ذا غصة﴾ قال: شوك يأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج.
وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿من ضريع﴾ قال: شجر في جهنم.
وقال مجاهد: الضريع: الشبرق اليابس.
وروى أيضاً عن عكرمة وقتادة، ورواه العوفي عن ابن عباس: الشبرق: نبت ذو شوك، لاطئ بالأرض، فإذا هاج سمي ضريعاً.
وقال قتادة: من أضرع الطعام وأبشعه.
وعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿من ضريع﴾ قال: من حجارة، وعنه قال: الزقوم.
وعن أبي الحواري قال: الضريع: السلى شوك النخل، وكيف يسمن شوك النخل؟
وخرج الترمذي «من حديث أبي الدراء، عن النبي صلى الله عليه وآله
стр. 135
وسلم: يلقى على أهل النار الجوع فيعدل ما هم فيه من العذابى فيستغيثون، فيغاثون بطعام من ضريع، لا يسمن، ولا يغني من جوع، فيستغيثون بالطعام، فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب، فيدفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد، فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم، فإذا وصلت بطونهم قطعت ما في بطونهم» وذكر بقية الحديث.
وقد روي الحديث موقوفاً على أبي الدراء، وقيل: وقفة أشبه.
وقال : ﴿فليس له اليوم هاهنا حميم * ولا طعام إلا من غسلين * لا يأكله إلا الخاطئون﴾ .
روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: من غسلين، قال: هو صديد أهل النار.
وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: الغسلين: الدم والماء يسيل من لحومهم، وهو طعامهم.
وعن مقاتل، قال: إذا سال القيح والدم، بادروا إلى أكله، قبل أن تأكله النار.
وقال أبو جعفر، عن الربيع بن أنس: الغسلين: شجرة في جهنم.
وعن الضحاك مثله.
وروى خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: ما أدري ما الغسلين، ولكني أظنه الزقوم.
وقال أبو هلال، عن قتادة: هو طعام من طعام جهنم، من شر طعامهم.
стр. 136
وقال يحيى بن سلام: هو غسالة أجوافهم.
قال ابن قتيبة: هو فعلين من غسلت، كأنه الغسالة.
قال شريح بن عبيد: قال كعب: يقول: لو دلي من غسلين دلو واحد في مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم في مغربها.
خرجه أبو نعيم.
وقد روي أن بعض أهل النار يأكل لحمه، وسنذكر الحديث في ذلك، فيما بعد، إن شاء الله.
وقال الله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً﴾ .
وقد روي في حديث: «إن أكلة الربا يبعثون تتأجج أفواههم ناراً» ثم تلا هذه الآية.
خرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي برزة عن النبي ﵌.
فصل ـ في شراب أهل النار
وأما شرابهم فقال الله تعالى: ﴿فشاربون عليه من الحميم﴾ .
وقال تعالى: ﴿وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم﴾ .
وقال تعالى: ﴿لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا حميما وغساقا﴾ .
стр. 137
وقال تعالى: ﴿هذا فليذوقوه حميم وغساق * وآخر من شكله أزواج﴾ .
وقال تعالى: ﴿ويسقى من ماء صديد * يتجرعه ولا يكاد يسيغه﴾ .
وقال تعالى: ﴿وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً﴾ .
فهذه أربعة أنواع ذكرناها من شرابهم، وقد ذكرها الله في كتابه:
النوع الأول: الحميم ـ قال عبد الله بن عيسى الخراز، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس: الحميم: الحار الذي يحرق.
وقال الحسن والسدي: الحميم: الذي قد انتهى حره.
وقال جويبر عن الضحاك: يسقى من حميم يغلي من يوم خلق الله السموات والأرض، إلى يوم يسقونه، ويصب على رؤوسهم.
وقال ابن وهب، عن ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم في النار، يجتمع في حياض النار، فيسقونه، وقال تعالى:
﴿يطوفون بينها وبين حميم آن﴾ .
قال محمد بن كعب: حميم آن: حاضر، وخالفه الجمهور، فقالوا: بل المراد بالآن: ما انتهى حره.
стр. 138
وقال شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس: حميم آن: الذي قد انتهى غليه.
وقال سعيد بن بشير عن قتادة: قد آن طبخه، منذ خلق الله السموات والأرض.
وقال الله تعالى: ﴿تسقى من عين آنية﴾ قال مجاهد: قد بلغ حرها، وحان شربها.
وعن الحسن، قال: كانت العرب تقول للشيء، إذا انتهى حره، حتى لا يكون شيء أحر منه: قد آن حره، فقال الله : ﴿من عين آنية﴾ يقول قد أوقد الله عليها جهنم منذ خلقت، وآن حرها.
وعنه قال: آن طبخها منذ خلق الله السموات والأرض.
وقال السدي: انتهى حرها، فليس بعده حر.
وقد سبق حديث أبي الدرداء، في دفع الحميم إليهم بكلاليب الحديد.
النوع الثاني: الغساق ـ قال ابن عباس: الغساق: ما يسيل من بين جلد الكافر ولحمه.
وعنه قال: الغساق: الزمهرير البارد، الذي يحرق من برده.
وعن عبد الله بن عمرو قال: الغساق: القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهرق في المغرب، لأنتنت أهل المشرق، ولو أهرقت في المشرق، لأنتنت أهل المغرب.
وقال مجاهد: غساق: الذي لا يستطيعون أن يذقوه من برده.
وقال عطية: هو ما يغسق من جلودهم ـ يعني يسيل من جلودهم.
وقال كعب: غساق: عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات
стр. 139
حمة، من حية وعقرب وغير ذلك، فيستنقع، فيؤتى بالآدمي، فيغمس فيها غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام، ويتعلق جلده ولحمه في عقبية وكعبيه، ويجر لحمه، كما يجر الرجل ثوبه.
وقال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم من دموعهم، يسقونه مع الحميم.
وروى دراج، «عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﵌، قال: لو أن دلواً من غساق، يهرق في الدنيا، لأنتن أهل الدنيا» خرجه الإمام أحمد والترمذي والحاكم وصححه.
وقال بلال بن سعد: لو أن دلواً من الغساق، وضع على الأرض، لمات من عليها.
وعنه قال: لو أن قطرة منه، وقعت على الأرض، لأنتن من فيها.
خرجه أبو نعيم.
وقد صرح ابن عباس، في رواية عنه، ومجاهد، بأن الغساق ههنا هو البارد الشديد البرد.
ويدل عليه قوله تعالى:
﴿لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا حميما وغساقا﴾ .
فاستثنى من البرد الغساق ومن الشراب الحميم.
وقد قيل: إن الغساق هو البارد المنتن، وليس بعربي.
وقيل: إنه عربي، وإنه فعال من غسق، يغسق، والغاسق: الليل، وسمي غاسقاً لبرده.
النوع الثالث: الصديد: ـ قال مجاهد في قوله تعالى:
﴿ويسقى من ماء صديد﴾ .
قال: يعني القيح والدم، وقال قتادة: ﴿ويسقى من ماء صديد﴾
стр. 140
قال: ما يسيل من بين لحمه وجلده، قال: ﴿يتجرعه ولا يكاد يسيغه﴾ قال قتادة: هل لكم بهذا يدان، أم لكم على أن هذا صبر؟ طاعة الله أهون عليكم ـ يا قوم ـ فأطيعوا الله ورسوله.
وخرج الإمام أحمد والترمذي، «من حديث أبي أمامة، عن النبي ﵌، في قوله:
﴿ويسقى من ماء صديد * يتجرعه﴾ .
وقال: يقرب إلى فيه فيكرعه، فإذا أدني منه، شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه، حتى يخرج من دبره، يقول الله تعالى:
﴿وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم﴾ .
وقال: ﴿وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب﴾ » .
وروى أبو يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: في جهنم أودية من قيح تكتاز، ثم تصب في فيه.
وفي صحيح مسلم «عن جابر، عن النبي ﵌، قال: إن على الله عهداً، لمن شرب المسكرات ليسقيه من طينة الخبال، قالوا: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار» .
وخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﵌، نحوه، إلا أنه ذكر ذلك في المرة الرابعة.
وفي بعض الروايات من عين الخبال.
وخرج الترمذي، «من حديث عبد الله بن عمر، نحوه، عن النبي ﵌، أنه قال: من نهر الخبال» ، قيل: يا أبا عبد الرحمن ما نهر الخبال؟ قال: نهر من صديد أهل النار.
وقال: حديث حسن.
وخرج أبو داود، «من حديث ابن عباس، عن النبي ﵌، نحوه، وقال: من طينة الخبال، قيل: يا رسول الله، ما طينة الخبال؟ قال: صديد أهل النار» .
وفي رواية أخرى، «قال: ما يخرج من زهومة أهل النار وصديدهم» .
وخرج الإمام أحمد بمعناه أيضاً من حديث أبي ذر وأسماء بنت يزيد، عن النبي ﵌.
وخرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه، «من حديث أبي موسى عن النبي ﵌، قال: من مات وهو مدمن خمر، سقاه الله من نهر الغوطة، قيل وما نهر الغوطة؟ قال: نهر يخرج من
стр. 141
فروج المومسات، يؤذي أهل النار نتن فروجهم» .
وقد سبق حديث عمرو بن شعيب، «عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵌، في المتكبرين، وفيه: يسقون من عصارة أهل النار،
стр. 142
طينة الخبال» .
النوع الرابع: الماء الذي كالمهل: خرج الإمام أحمد والترمذي، «من حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﵌، في قوله: كالمهل قال: كعكر الزيت، فإذا قرب إلى وجهه، سقطت فروة وجهه فيه» .
قال عطية: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿كالمهل﴾ قال: غليظ كدردي الزيت.
قال علي بن أبي طالب، عن ابن عباس: أسود كمهل الزيت، وكذا قال سعيد بن جبير وغيره.
قال الضحاك: أذاب ابن مسعود من بيت المال، ثم أرسل إلى أهل المسجد، فقال: من أحب أن ينظر إلى المهل، فلينظر إلى هذا.
وقال مجاهد: بماء كالمهل: مثل القيح والدم، أسود كعكر الزيت.
وخرج الطبراني، «من طريق تمام بن نجيح، عن الحسن، عن أنس عن النبي ﵌: لو أن غرباً، جعل من حميم جهنم، وجعل وسط الأرض، لآذى نتن ريحه وشدة حره ما بين المشرق والمغرب» .
стр. 143
وفي موعظة الأوزاعي للمنصور «قال: بلغني أن جبريل، قال للنبي ﵌: لو أن ذنوباً من شراب جهنم، صب في ماء الأرض جميعاً، لقتل من ذاقه» .
خرج بعض المتقدمين، فمر بكروم بقرية، يقال لها: طيز ناباد، وكأنه كان يعصر فيها الخمر، فأنشد يقول:
بطيز ناباد كرم ما مررت به ... إلا تعجبت ممن يشرب الماء
فهتف به هاتف يقول:
وفي جهنم ماء ما تجرعه ... حلق فأبقى له في البطن أمعاء
فصل ـ في تنغص السلف على طعامهم عند ذكر طعام أهل النار
وكان كثير من الخائفين من السلف، ينغص عليهم ذكر طعام أهل النار وشرابهم، طعام الدنيا وشرابها، حتى يمتنعوا من تناوله أحياناً لذلك، فكان الإمام أحمد يقول: الخوف يمنعني من أكل الطعام والشراب فلا أشتهيه.
روى شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: أتي عبد الرحمن بن عوف بعشائه، وهو صائم، فقرأ:
﴿إن لدينا أنكالا وجحيما * وطعاما ذا غصة وعذابا أليما﴾ .
فلم يزل يبكي، حتى رفع طعامه، وما تعشى، وإنه لصائم.
خرجه الجوزجاني.
وروى ابن أبي الدنيا من طريق يونس، عن الحسن، قال: لقي رجل
стр. 144
رجلاً، فقال له: يا هذا أراك قد تغير لونك، ونحل جسمك، فمم هو؟ فقال آخر: وإني لأرى ذلك، فمم هو؟ قال: أصبحت منذ ثلاثة أيام صائماً، فلما أتيت بعشائي، عرضت لي هذه الآية:
﴿يسقى من ماء صديد * يتجرعه ولا يكاد يسيغه﴾ إلى قوله: ﴿عذاب غليظ﴾ .
فلم أستطع أن أتعشاه، فأصبحت صائماً، فلما أتيت بعشائي أيضاً، عرضت لي، فلم أستطع أن أتعشاه، فلي ثلاث منذ أنا صائم، قال: يقول الرجل الأخر: وهي التي عملت بي هذا العمل.
ومن طريق خليد بن حسان الهجري، قال: أمسى الحسن صائماً فأتي بعشائه، فعرضت له هذه الآية: ﴿إن لدينا أنكالا وجحيما * وطعاما ذا غصة وعذابا أليما﴾ فقلصت يده، وقال: ارفعوه، فأصبح صائماً، فلما أمسى، أتى بإفطاره، فعرضت له الآية، فقال: يا أبا سعيد، تهلك وتضعف! ! فأصبح اليوم الثالث صائماً، فذهب ابنه إلى يحيى البكاء وثابت البناني ويزيد الضبي، فقال: أدركوا أبي، فإنه هالك، فلم يزالوا به، حتى سقوه شربة ماء من سويق.
ومن طريق صالح المري قال: كان عطاء السلمي، قد أضر بنفسه حتى ضعف، فقلت له: إنك قد أضررت بنفسك، وأنا متكلف لك بشيء، فلا ترد كرامتي، قال: أفعل، قال: فاشتريت سويقاً، من أجود ما وجدت، وسمناً، قال: فجعلت له شريبة، فلتيتها وحليتها، وأرسلت بها مع ابني وكوزاً من ماء، فقلت له: لا تبرح حتى يشربها، فرجع، فقال: قد شربها، فلما كان من الغد، جعلت له نحوها، ثم سرحت بها مع ابني، فرجع بها لم يشربها، قال: فأتيته فلمته، وقلت: سبحان الله! أرددت علي كرامتي؟ ! إن هذا مما يعنيك ويقويك على الصلاة، وعلى ذكر الله تعالى، فلما رآني قد وجدت من
стр. 145
ذلك، قال: يا أبا بشر، لا يسؤك، والله لقد شربتها أول ما بعثت بها، فلما كان الغد راودت نفسي على أن أسيغها، فما قدرت على ذلك، إذا أردت شربه ذكرت هذه الآية:
﴿يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ﴾ .
فبكى صالح عند هذا، وقال قلت لنفسي: ألا أراني في واد وأنت في آخر.
وروى الإمام أحمد بإسناده، عن صالح المري، عن عطاء السلمي، قال: إنني إذا ذكرت جهنم، ما يسيغني طعام ولا شراب.
وروى عبد الله بن الإمام أحمد، من طريق مرجى بن وداع، قال: انطلقت مع صالح المري، فدخلنا على عطاء السلمي، فقلنا له: يا عطاء، تركت الطعام والشراب؟ ! قال: إني إذا ذكرت صديد أهل النار لم أسغه.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن عبد المؤمن الصايغ، قال: دعوت رباحاً القيسي ذات ليلة إلى منزلي، فجاءني في السحر، فقربت إليه طعاماً، فأصاب منه شيئاً، فقلت: ازدد فما أراك شبعت، قال: فصاح صيحة أفزعتني، فقال: كيف أشبع أيام الدنيا، وشجرة الزقوم بين يدي طعام الأثيم، قال: فرفعت الطعام من بين يديه، وقلت: أنت في شيء ونحن في شيء.
وبإسناده عن أبي سعيد، قال: دخل عبيد الله بن الوليد التيمي، على حبابة التميمية، فقدمت إليه سمناً وخبزاً وعسلاً، فقال: يا حبابة أما تخافين أن يكون بعد هذا الضريع، قال: فما زال يبكي وتبكي، حتى قام ولم يأكل شيئاً.
وبإسناده عن سوار بن عبد الله القريعي، قال: كنا مع عمر بن درهم في بعض السواحل، قال: وكان لا يأكل إلا من السحر إلى السحر، فجئنا بطعام، فلما رفع الطعام إلى فيه، سمع بعض المتجهدين يقرأ هذه الآية:
﴿إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي في البطون * كغلي الحميم﴾ .
следующие страницы →