← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 4033

التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (271 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقال ثابت أبو زيد القيسي، عن عاصم الأحول، عن أبي منصور مولى سليم: إن ابن عباس قال: ﴿يسحبون * في الحميم﴾ قال أبو زيد: أراه قال: ينسلخ كل شيء عليه، من جلد ولحم وعروق وأعصاب، حتى يصير في عقبيه جسد من لحمه مثل طوله، وطوله ستون ذراعاً، ثم يكسى جلداً آخر، ثم يسجر في الحميم. خرجه كله ابن أبي حاتم. فصل ـ ومن أهل النار من يعذب بالصعود إلى أعلى النار، ثم يهوي فيها ومنهم من يعذب بالصعود إلى أعلى النار، ثم يهوي فيها كذلك أبداً، ومنهم من يكلف صعود جبل في النار والتردي منه، وقد سبق في الباب الرابع عشر، ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿سأرهقه صعوداً﴾ . وفي الصحيحين: «عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌، قال: من قتل نفسه بحديد، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسم، فسمه في يده، يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل، فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم مخلداً فيها أبداً» . وروى شريك، «عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن ابن

стр. 177

مسعود، عن النبي ﵌ قال: القتل في سبيل الله مكفر كل شيء ـ أو قال يكفر الذنوب ـ إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة، فيقال له: أد أمانتك، فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية، فيهوي فيها، حتى ينتهي إلى قعرها، فيجد الأمانة هناك كهيئتها، فيحملها ويضعها على عنقه، فيصعد بها في نار جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج منها، زلت عن منكبيه فهوت، فهوى في أثرها أبد الآبدين» . قال: «والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث ـ قال: ـ وأشد ذلك الودائع» . قال: فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد الله؟ قال: صدق. قال شريك: وحدثنا عياش العامري، عن زاذان، عن عبد الله، عن النبي ﵌ بنحو منه، ولم يذكر الأمانة في الصوم والأمانة في كل شيء، كذا رواه إسحاق الأزرق، عن شريك مرفوعاً، ورواه منحاب بن الحارث، عن شريك موقوفاً، وكذا رواه أبو الأحوص عن الأعمش، فوقفه على ابن مسعود، وزاد فيه في خصال الأمانة: الكيل والميزان والغسل من الجنابة. وروى عاصم، عن أبي صالح، قال: إذا ألقي الرجل في النار، لم يكن لمنتهى حتى يبلغ قعرها، ثم تجيش به جهنم، فترفعه إلى أعلى جهنم، وما على عظامه مزعة لحم، فتضربه الملائكة بالمقامع، فيهوي بها إلى قعرها، فلا يزال كذلك. أو كما قال. خرجه البيهقي. وفي هذا المعنى يقول ابن المبارك ﵀ في صفة النار: تهوي بسكانها طوراً وترفعهم ... إذا رجوا مخرجاً من غمها قمعوا

стр. 178

فصل ـ ومن أهل النار من يدور في النار ويجر أمعاءه معه ومنهم من يدور في النار ويجر أمعاءه معه، وقد رأى النبي ﵌ عمرو بن لحي، يجر قصبه في النار. وفي الصحيح «عن أسامة بن زيد، عن النبي ﵌، قال: يؤتى بالرجل، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: أي فلان، ما شأنك؟ ألست كنت تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟ ! قال: بلى، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» . وقال أبو المثنى الأملوكي: إن في النار أقواماً، يربطون بنواعير من نار، تدور بهم النواعير، ومالهم فيها راحة ولا فترة. فصل ـ ومن أهل النار من يلقى في مكان ضيق لا يتمكن فيه من الحركة ومنهم من يلقى في مكان ضيق، لا يتمكن فيه من الحركة الضيقة، قال الله : ﴿وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً﴾ .

стр. 179

قال كعب: إن في جهنم تنانير، ضيقها كضيق زج رمح أحدكم، ثم يطبق على أناس بأعمالهم، وقد سبق ذكره. قال آدم بن أبي إياس: أنبأنا المسعودي، عن يونس بن خباب، عن ابن مسعود، قال: إذا بقي في النار من يخلد فيها، جعلوا في توابيت من نار، فيها مسامير من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت من نار، ثم قذفوا في نار الجحيم، فيرون أنه لا يعذب في النار غيرهم، ثم تلا ابن مسعود ﴿لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون﴾ . وخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن ابن مسعود، وعنده: فلا يرى أن أحداً يعذب في النار غيره. وروى المنهال بن عمرو، عن نعيم ـ وقيل: إنه بن الدجاجة ـ عن سويد بن عفلة، قال: إذا أراد الله أن ينسى أهل النار، جعل للرجل صندوقاً على قدره من النار، ولا ينبض عرق إلا فيه مسمار من نار، ثم تضرم فيه النار، ثم يقفل بقفل من نار، ثم يجعل ذلك الصندوق في صندوق من نار، ثم تضرم بينهما نار ثم يقفل ثم يطرح ـ أو يلقى ـ في النار، فذلك قوله تعالى: ﴿لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل﴾ . وقوله تعالى: ﴿لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون﴾ . قال: فما يرى أن في النار أحداً غيره، خرجه البيهقي، وخرجه أبو نعيم، إلا أن عنده عن المنهال عن خيثمة عن سويد فذكره. فصل ـ في جهنم سبعون داء وربما يبتلى أهل النار بأنواع من الأمراض الحادثة عليهم، وقد سبق عن شفي بن ماتع، أن في جهنم لسبعين داء، كل داء مثل جزء من أجزاء جهنم.

стр. 180

وقال الأعمش عن مجاهد: يلقى الجرب على أهل النار، فيحتكون حتى تبدو العظام، فيقولون: بما أصابنا هذا؟ فيقال: بأذاكم المؤمنين. ورواه شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن يزيد بن شجرة، فذكره بمعناه. فصل ـ ومن أهل النار من يتأذى أهل النار بعذابه من نتن ريحه فصل ـ ومن أهل النار من يتأذى أهل النار بعذابه من نتن ريحه ومن أهل النار من يتأذى أهل النار بعذابه، إما من نتن ريحه، أو غيره، قال صالح بن حيان، «عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﵌: إن ريح فروج أهل الزنا ليؤذي أهل النار» . وقال أبو بكر بن عياش: حدثنا رجل عن مكحول رفعه، قال: تروح أهل النار برائحة، فيقولون: ربنا ما وجدنا ريحاً، منذ دخلنا النار، أنتن من هذه الرائحة، فيقول: هذه رائحة فروج الزناة. وروى إسماعيل بن عياش، «عن ثعلبة بن مسلم الخثعمي، عن أيوب بن بشير العجلي، عن شفي بن ماتع، عن النبي ﵌، قال: أربعة يؤذون أهل النار، على ما بهم من الأذى، يسعون ما بين الجحيم والحميم، يدعون بالويل والثبور، فيقول أهل النار بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء قد آذونا على ما بنا من الآذى؟ ! قال: فرجل مغلق عليه تابوت من جمر، ورجل يجر أمعاءه، ورجل يسيل فوه قيحاً ودماً، ورجل يأكل لحمه، فيقال لصاحب التابوت: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد قد مات وفي عنقه أموال الناس، ثم يقال للذي يجر أمعاءه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد كان لا يبالي أين أصاب البول منه لا يغسله، ثم يقال للذي يسيل فوه

стр. 181

قيحاً ودماً: ما بال قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد كان ينظر إلى كلمة خبيثة فيستلذها كما يستلذ الرفث، ثم يقال للذي يأكل لحمه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ قال: إن الأبعد كان يأكل لحوم الناس» . خرجه الحافظ أبو نعيم، وقال: شفي بن ماتع مختلف فيها. وقيل: إن له صحبة. وخرجه أيضاً بإسناد آخر إلى إسماعيل بن عياش، وفي لفظه قال: «في عنقه أموال الناس، مات ولم يدع لها وفاء ولا قضاء! وقال ـ: يعمد إلى كل كلمة خبيثة فيستلذها ـ وقال: ـ كان يأكل لحوم الناس ويمشي بالنميمة» . وروى الإمام أحمد بإسناده إلى منصور بن زاذان، قال: نبئت أن بعض من يلقى في النار يتأذى أهل النار بريحه، فيقال له: ويلك! ما كنت تعمل؟ أما يكفينا ما نحن فيه من الشر حتى ابتلينا بك ونتن رائحتك؟ فيقول: كنت عالماً فلم أنتفع بعلمي. فصل ـ في تفسير قوله تعالى: " ويأتيه الموت من كل مكان " فصل ـ في تفسير قوله تعالى: ويأتيه الموت من كل مكان قال الله تعالى: ﴿ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ﴾ وقال إبراهيم في قوله: ﴿ويأتيه الموت من كل مكان﴾ . حتى من تحت كل شعرة في جسده. وقال الضحاك: حتى من إبهام رجليه،

стр. 182

والمعنى: أنه يأتيه مثل شدة الموت وألمه من كل جزء من أجزاء بدنه، حتى شعره وظفره، وهو مع هذا لا تخرج نفسه فيستريح. قال ابن جريح: تعلق نفسه عند حنجرته، فلا تخرج من فيه فيستريح، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه. وتأول جماعة من المفسرين على ذلك قوله تعالى: ﴿ثم لا يموت فيها ولا يحيا﴾ قال الأوزاعي، عن بلال بن سعد: تنادي النار يوم القيامة: يا نار أحرقي، يا نار استفي، يا نار انضجي، كلي ولا تقتلي! ! . فصل ـ[وعذاب الكفار في النار متواصل أبداً] وعذاب الكفار في النار، لا يفتر عنهم، ولا ينقطع، ولا يخفف، بل هو متواصل أبداً، قال الله : ﴿إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون * لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون﴾ وقال تعالى: ﴿والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها﴾ وقال تعالى: ﴿فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون﴾ وقال تعالى: ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب * قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ . وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول ـ على

стр. 183

منبر دمشق ـ: لا يأتي على صاحب الجنة ساعة إلا وهو يزداد ضعفاً من النعيم لم يكن يعرفه، ولا يأتي على صاحب النار ساعة إلا وهو مستنكر لنوع من العذاب لم يكن يعرفه، قال الله : ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً﴾ . قال جسر بن فرقد «عن الحسن: سألت أبا برزة، عن أشد آية في كتاب الله على أهل النار، قال: سمعت رسول الله ﵌ قرأ: ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً﴾ فقال: أهلك القوم بمعاصيهم لله تعالى» . خرجه ابن أبي حاتم، وجسر ضعيف، وخرجه البيهقي، ولم يرفعه، ولفظه: سألت أبا برزة عن أشد آية على أهل النار، قال: قوله : ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً﴾ . وقال مجاهد: بلغني أن استراحة أهل النار أن يضع أحدهم يده على خاصرته، ولأهل النار أنواع من العذاب لم يطلع الله عليها خلقه في الدنيا. قال مبارك عن الحسن: ذكر الله السلاسل والأغلال والنار، وما يكون في الدنيا، ثم قرأ: ﴿وآخر من شكله أزواج﴾ قال آخر: لا ترى في الدنيا. خرجه ابن أبي حاتم. وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا شريح، حدثنا إبراهيم بن سليمان، عن الأعمش، عن الحسن، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿زدناهم عذاباً فوق العذاب﴾ قال: هي خمسة أنهار تحت العرش، يعذبون ببعضها في الليل، وبعضها في النار. فصل ـ أعظم عذاب أهل النار حجابهم عن الله وأعظم عذاب أهل النار حجابهم عن الله ، إبعادهم عنه،

стр. 184

وإعراضه عنهم، وسخطه عليهم، كما أن رضوان الله على أهل الجنة أفضل من كل نعيم الجنة، وتجليه لهم ورؤيتهم إياه أعظم من جميع أنواع نعيم الجنة، قال الله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون * كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون * ثم إنهم لصالوا الجحيم * ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون﴾ فذكر الله تعالى ثلاثة أنواع من العذاب: حجابهم عنه، ثم صليهم الجحيم، ثم توبيخهم بتكذيبهم به في الدنيا، ووصفهم بالران على قلوبهم، وهو صدأ الذنوب الذي سود قلوبهم، فلم يصل إليها بعد ذلك في الدنيا شيء من معرفة الله ولا من إجلاله ومهابته وخشيته ومحبته، فكما حجبت قلوبهم في الدنيا عن الله حجبوا في الآخرة عن رؤيته، وهذا بخلاف حال أهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة﴾ والذين أحسنوا هم أهل الإحسان، والإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه، كما فسره النبي ﵌، لما سأله عنه جبريل ﵇، فجعل جزاء الإحسان الحسنى، وهم الجنة، والزيادة، وهي النظر إلى وجه الله ، كما فسره بذلك رسول الله ﵌، في حديث صهيب وغيره.

стр. 185

قال جعفر بن سليمان: سمعت أبا عمران الجوني قال: إن الله لم ينظر إلى إنسان قط إلا رحمه، ولو نظر إلى أهل النار لرحمهم، ولكن قضى أن لا ينظر إليهم. وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا أحمد بن موسى، عن أبي مريم، قال: يقول أهل النار: إلهنا، ارض عنا وعذبنا بأي نوع شئت من عذابك، فإن غضبك أشد علينا من العذاب الذي نحن فيه! ! قال أحمد: فحدثت سليمان ابن أبي سليمان، فقال: ليس هذا كلام أهل النار، هذا كلام المطيعين لله، قال: فحدثت به أبا سليمان، فقال: صدق سليمان بن أبي سليمان ـ وسليمان وهو ولد أبي سليمان الداراني وكان عارفاً كبير القدر ﵀ وما قاله حق، فإن أهل النار جهال لا يتفطنون لهذا، وإن كان في نفسه حقاً، وإنما يعرف هذا من عرف الله وأطاعه، ولعل هذا يصدر من بعض من يدخل النار من عصاة الموحدين، كما أن بعضهم يستغيث بالله لا يستغيث بغيره فيخرج منها، وبعضهم يخرج منها برجائه لله وحده، وبعض من يؤمر به إلى النار يتشفع إلى الله بمعرفته فينجيه منها. قال أبو العباس بن مسروق: سمعت سويد بن سعيد، يقول: سمعت الفضيل ابن عياض، يقول: يوقف رجل بين يدي الله ، لا يكون معه حسنة، فيقول الله : اذهب، هل تعرف أحداً من الصالحين أغفر لك بمعرفته؟ فيذهب، فيدور مقدار ثلاثين سنة، فلا يرى أحداً يعرفه، فيرجع إلى الله ، فيقول: يا رب، لا أرى أحداً! ! فيقول الله اذهبوا به إلى النار، فتتعلق به الزيانية يجرونه، فيقول: يا رب، إن كنت تغفر لي بمعرفة المخلوقين فإني بوحدانيتك أنت أحق أن تغفر لي، فيقول الله للزبانية: ردوا عارفي، لأنه كان يعرفني، واخلعوا عليه خلع كرامتي، ودعوه يتبحبح في رياض الجنة، فإنه عارف بي، وأنا له معروف.

стр. 186

فصل ـ فيما يتحف به أهل النار عند دخولهم إليها ـ أجارنا الله منها قال الله : ﴿ثم إنكم أيها الضالون المكذبون * لآكلون من شجر من زقوم * فمالئون منها البطون * فشاربون عليه من الحميم * فشاربون شرب الهيم * هذا نزلهم يوم الدين﴾ والنزل: هو ما يعد للضيف عند قدومه، فدلت هذه الآيات، على أن أهل النار، يتحفون عند دخولها، بالأكل من شجرة الزقوم، والشرب من الحميم، وهم إنما يساقون إلى جهنم عطاشاً، كما قال تعالى: ﴿ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً﴾ قال أبو عمران الجوني: بلغنا أن أهل النار، يبعثون عطاشاً، ثم يقفون مشاهد القيامة عطاشاً، ثم قرأ: ﴿ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً﴾ قال مجاهد في تفسير هذه الآية: متقطعة أعناقهم عطشاً، وقال مطر الوراق: عطاشاً ظماء. وفي الصحيحين، «عن النبي ﵌، في حديث الشفاعة الطويل، إنه يقال لليهود والنصارى: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب، يحطم بعضها بعضاً، يتساقطون في النار» . وقال أيوب عن الحسن: ما ظنك بقوم قاموا على أقدامهم، خمسين ألف سنة، لم يأكلوا فيها أكلة، ولم يشربوا فيها شربة، حتى انقطعت أعناقهم عطشاً،

стр. 187

واحترقت أجوافهم جوعاً، ثم انصرف بهم إلى النار، فيسقون من عين آنية، قد آن حرها، واشتد نضجها. وروى ابن المبارك، بإسناده عن كعب، قال: إن الله ينظر إلى عبده، يوم القيامة، وهو غضبان فيقول: خذوه، فيأخذه مائة ألف ملك أو يزيدون، فيجمعون بين ناصيته وقدميه غضباً لغضب الله، فيسحبونه على وجهه إلى النار، قال: فالنار أشد عليه غضباً من غضبهم سبعين ضعفاً، قال: فيستغيث بشربة، فيسقى شربة يسقط منها لحمه وعصبه، ثم يركس في النار أو يدكس في النار، فويل له من النار! ! . قال ابن المبارك: حدثت، عن بعض أهل المدينة، أنه يتفتت في أيديهم إذا أخذوه، فيقول: ألا ترحموني فيقولون: كيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟ ! . وروى الأعمش عن مالك بن الحارث، قال: إذا طرح الرجل في النار، هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعض أبوابها، قيل: مكانك حتى تتحف، قال: فيسقى كأساً من سم الأساود والعقارب، فيتميز الجلد على حدة، والشعر على حدة، والعصب على حدة، والعروق على حدة، خرجه ابن أبي حاتم. وروى محمد بن سليمان بن الأصبهاني، «عن أبي سنان ضرار بن مرة، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌، قال: إن جهنم لما سيق إليها أهلها، تلقتهم فلفحتهم لفحة، فلم تدع لحماً على عظم إلا ألقته على العرقوب» . خرجه

стр. 188

الطبراني ورفعه منكر، فقد رواه ابن عيينة، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل أو غيره، من قوله، لم يرفعه، ورواه محمد بن فضيل، عن أبي سنان، عن عبد الله أبي الهذيل، عن أبي هريرة، من قوله، في قوله تعالى: ﴿لواحة للبشر﴾ قال: تلقاهم جهنم يوم القيامة فتلفحهم لفحة، فلا تترك لحماً على عظم إلا وضعته على العراقيب.

стр. 189

الباب الثاني والعشرون ـ في ذكر بكاء أهل النار وزفيرهم وشهيقهم وصراخهم ودعائهم الذي لا يستجاب بهم قال الله تعالى: ﴿لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون﴾ قال تعالى: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق﴾ قال الربيع بن أنس: الزفير مثل صوت الحمار، أوله زفير، وآخره شهيق، وقال تعالى: ﴿وهم يصطرخون فيها﴾ . وفي حديث حارثة: وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها، وقد سبق. وروى معاوية بن صالح، «عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، عن النبي ﵌، قال: رأيت رؤيا فذكر حديثاً طويلاً، وفيه قال: ثم انطلقنا، فإذا نحن نرى دخاناً، ونسمع عواء، قلت: ما هذا؟ قال: هذه

стр. 190

جهنم» . خرجه الطبراني وغيره. وروى الأعمش، «عن يزيد الرقاشي، عن أنس، عن النبي ﵌، قال: يلقى البكاء على أهل النار، فيبكون، حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم، حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، ولو أرسلت فيه السفن لجرت» . خرجه ابن ماجه وروي عن الأعمش، عن عمر بن مرة ويزيد الرقاشي، عن أنس، موقوفاً، من قوله. ورواه سعيد بن سلمة، عن يزيد الرقاشي، قال: بلغنا هذا الكلام، ولم يسنده، ولم يرفعه. وروى سلام بن مسكين، عن قتادة، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، قال: إن أهل النار ليبكون الدموع في النار، حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت، ثم إنهم ليبكون بالدم بعد الدموع، ولمثل ما هم فيه فليبك. وقال صالح المري: بلغني أنهم يصرخون في النار، حتى تنقطع أصواتهم، فلا يبقى منهم إلا كهيئة الأنين من المدنف. وقال ابن إسحاق، عن محمد بن كعب: زفروا في جهنم فزفرت النار، وشهقوا، فشهقت النار بما استحلوا من محارم الله، قال: والزفير من النفس، والشهيق من البكاء. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿لهم فيها

стр. 191

زفير وشهيق﴾ . قال: صوت شديد، وصوت ضعيف. وروى مالك، عن زيد بن أسلم، في قوله : ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾ . قال زيد: صبروا مائة عام، ثم بكوا مائة عام، ثم قالوا: ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾ . وروى الوليد بن مسلم، «عن أبي سلمة الدوسي ـ واسمه ثابت بن شريح ـ عن سالم بن عبد الله، عن النبي ﵌، أنه كان يدعو: اللهم ارزقني عينين هطالتين، تشفيان القلب بذروف الدموع من خشيتك، قبل أن يكون الدمع دماً، والأضراس جمراً» . سالم بن عبد الله، وهو المحاربي، وحديثه مرسل، وظن بعضهم، أنه سالم بن عبد الله بن عمر، وزاد بعضهم في الإسناد: عن أبيه، ولا يصح ذلك كله. وروى الوليد بن مسلم أيضاً، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن إسماعيل بن عبيد الله، قال: إن داود ﵇، قال: ربي ارزقني عينين هطالتين يبكيان بذروف الدموع، ويشفياني من خشيتك، قبل أن يعود الدمع دماً، والأضراس جمراً، قال: وكان داود ﵇، يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: دعوني أبكي، قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام واشتعال اللحي، وقبل أن يأمر بي، ملائكة غلاط شداد، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون! ! . وروى يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، قال: إن داود ﵇، قال: أبكي نفسي قبل يوم البكاء، أبكي نفسي قبل أن لا ينفع البكاء، ثم دعا بجمر، فوضع يده عليه، حتى إذا حره رفعها، وقال: أوه العذاب الله، أوه، أوه قبل أن لا ينفع أوه. وروى ثابت البناني، عن صفوان بن محرز، قال: لداود ﵇،

стр. 192

يوم يتأوه فيه يقول: أوه أوه من عذاب الله ، قبل أن لا ينفع أوه، قال: فذكرها صفوان ذات يوم في مجلس، فبكى حتى غلبه البكاء، فقام. وقال عبد الله بن رياح الأنصاري سمعت كعباً يقول: إن إبراهيم لحليم أواه منيب، قال: كان إذا ذكر النار قال: أوه من النار أوه من النار. وعن أبي الجوزاء وعبيد بن عمير نحو ذلك. وروى ابن أبي الدنيا، بإسناد له، عن رياح القيسي، أنه مر بصبي يبكي، فوقف عليه يسأله: ما يبكيك يا بني؟ ! وجعل الصبي لا يحسن يجيبه، ولا يرد عليه شيئاً، فبكى رياح، ثم قال: ليس لأهل النار راحة ولا معول إلا البكاء، وجعل يبكي. وبإسناد له آخر، أن رياح القيسي، زار قوماً، فبكى صبي لهم من الليل، فبكى رياح لبكائه حتى أصبح، فسئل بعد ذلك عن بكائه، فقال: ذكرت ببكاء الصبي بكاء أهل النار في النار ليس لهم نصير، ثم بكى. فصل ـ في طلب أهل النار الخروج منها قال الله : ﴿قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون * قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ . وقال تعالى: ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون﴾ .

стр. 193

وقال تعالى: ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب * قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ . وقال تعالى: ﴿وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير﴾ . وفي حديث الأعمش، «عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﵌، في ذكر أهل النار، قال: فيقولون: ادعوا خزنة جهنم، فيقولون: ﴿أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ . قال: فيقولون: ادعوا مالكاً، فيقولون: ﴿يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون﴾ . قال الأعمش، نبئت أن بين دعائهم وبين إجابة مالك لهم ألف عام، قال: فيقولون: ادعوا ربكم، فإنه ليس أحد خيراً من ربكم، فيقولون: ﴿ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ . قال فيجيبهم: ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ . قال: فعند ذلك، يئسوا من كل خير، وعند ذلك، يأخذون في الحسرة والزفير والويل» . خرجه الترمذي مرقوفاً على أبي الدرداء.

стр. 194

وروى أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: لأهل النار خمس دعوات، يكلمون في أربع منها، ويسكت عنهم في الخامسة، فلا يكلمون، يقولون: ﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل﴾ . فيرد عليهم: ﴿ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا﴾ . ثم يقولون: ﴿ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون﴾ . فيرد عليهم: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾ . إلى آخر الآيتين، ثم يقولون: ﴿ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل﴾ . فيرد عليهم ﴿أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال﴾ . ثم يقولون: ﴿ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل﴾ . فيرد عليهم: ﴿أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير﴾ . ثم يقولون: ﴿ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ . فيرد عليهم: ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ إلى قوله: ﴿وكنتم منهم تضحكون﴾ . قال: فلا يتكلمون بعد ذلك، خرجه آدم بن أبي إياس وابن أبي حاتم. وخرج ابن أبي حاتم، من رواية قتادة، عن أبي أيوب العتكي، عن عبد الله ابن عمرو، وقال: نادى أهل النار ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ قال: فخلى عنهم أربعين عاماً، ثم أجابهم: ﴿إنكم ماكثون﴾ ، فقالوا: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ قال: فخلى عنهم مثل الدنيا، ثم

стр. 195

أجابهم: ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ قال: فأطبقت عليهم، فيئس القوم بعد تلك الكلمة، وإن كان إلا الزفير والشهيق. وعن عطاء بن السائب، عن أبي الحسن، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾ قال: فيتركهم ألف سنة، ثم يقول: ﴿إنكم ماكثون﴾ . وخرجه البيهقي، وعنده عن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس. وقال سنيد في تفسيره: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: نادى أهل النار خزنة جهنم أن ﴿ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب﴾ فلم يجيبوهم ما شاء الله، ثم أجابوهم بعد حين وقالوا لهم: ﴿ادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ ثم نادوا: ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ فيسكت عنهم مالك، خازن جهنم، أربعين سنة، ثم أجابهم: ﴿إنكم ماكثون﴾ ثم نادى الأشقياء ربهم: ﴿قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا﴾ الآيتين، فسكت عنهم مثل مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد: ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ . وروى صفوان بن عمرو، قال: «سمعت أيفع بن عبد الكلاعي، يقول: قال رسول الله ﵌: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قال الله: يا أهل الجنة، ﴿كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم﴾ . قال: نعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم رحمتي ورضواني وجنتي، امكثوا فيها خالدين مخلدين، ثم يقول لأهل النار: ﴿كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم﴾ فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، سخطي، ومعصيتي، وناري، امكثوا فيها خالدين مخلدين، فيقولون: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ فيقول: ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ فيكون ذلك آخر عهدهم

стр. 196

بكلام ربهم » . خرجه أبو نعيم، وقال: كذا رواه أيفع مرسلاً. وقال أبو الزعراء، عن ابن مسعود: إذا أراد الله أن لا يخرج منها أحداً، غير وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل من المؤمنين، فيشفع، فيقول: يا رب، فيقال: من عرف أحداً فليخرجه، قال: فيجيء الرجل من المؤمنين، فينظر فلا يعرف أحداً، فيناديه الرجل فيقول: يا فلان أنا فلان، فيقول: ما أعرفك! قال: فعند ذلك يقولون في النار: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ فيقول عند ذلك: ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ ، فإذا قال ذلك أطبقت عليهم، فلم يخرج منها أحد. وفي رواية، قال ابن مسعود، ليس بعد هذه الآية خروج ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ . وذكر عبد الرزاق في تفسيره، عن عبد الله بن عيسى، عن زياد الخراساني، أسنده إلى بعض أهل العلم، قال: إذا قيل لهم: ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ سكتوا، فلا يسمع لهم فيها حس إلا كطنين الطست. فصل ـ[أهل النار لا يزالون في رجاء حتى يذبح الموت] ولا يزال أهل جهنم في رجاء الفرج إلى أن يذبح الموت، فحينئذ يقع منهم الإياس، وتعظم عليهم الحسرة والحزن. وفي الصحيحين، «عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وآله

стр. 197

وسلم، قال: يجاء بالموت يوم القيامة، كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت، ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ رسول الله ﵌: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون﴾ » . وخرجه الترمذي بمعناه وزاد «فلولا أن الله قضى لأهل الجنة بالحياة والبقاء، لماتوا فرحاً، ولولا أن الله قضى لأهل النار بالحياة والبقاء، لماتوا ترحاً» . وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه معناه، «من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال فيه: إن أهل الجنة يطلعون، خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، وإن أهل النار يطلعون، مستبشرين فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه» . وفي رواية الترمذي: «مستبشرين يرجون الشفاعة» . وخرجاه في الصحيحين «من حديث ابن عمر، عن النبي صلى الله

стр. 198

عليه وآله وسلم بمعناه، وفي حديثه فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم» . وخرجه الترمذي، من حديث أبي سعيد، عن النبي ﵌ مختصراً، وفيه: «فلو أن أحداً مات فرحاً لمات أهل الجنة، ولو أن أحداً مات حزناً لمات أهل النار» . وخرجه ابن أبي حاتم، بإسناده، عن ابن مسعود، من قوله نحو هذا المعنى غير مرفوع، وزاد: «أنه ينادى أهل الجنة وأهل النار: هو الخلود أبداً الآبدين» . قال: فيفرح أهل الجنة فرحة، لو كان أحد ميتاً من فرحه لماتوا، ويشهق أهل النار شهقة، لو كان أحد ميتاً من شهقه لماتوا، فذلك قوله: ﴿وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين﴾ وقوله تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر﴾ . وروى ابن أبي الدنيا، بإسناده، عن هشام بن حسان، قال: مر عمر بن الخطاب بكثيب من رمل فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذكرت أهل النار، فلو كانوا مخلدين في النار بعدد هذا الرمل، كان لهم أمد يمدون إليه أعناقهم، ولكنه الخلود أبداً. وقد روي عن ابن مسعود هذا المعنى أيضاً مرفوعاً وموقوفاً، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. فصل ـ عصاة الموحدين ينفعهم الدعاء في النار وأما عصاة الموحدين، فإنه ربما ينفعهم الدعاء في النار. خرج الإمام أحمد، «

стр. 199

من حديث أبي ظلال، عن أنس بن مالك، عن النبي ﵌، قال: إن عبداً في جهنم، لينادي ألف سنة: يا حنان يا منان، فيقول الله لجبريل ﵇: اذهب فأتني بعبدي هذا، فيذهب جبريل، فيجد أهل النار منكبين يبكون، فيرجع إلى الله فيخبره، فيقول ائتني به، فإنه في مكان كذا وكذا، فيجيء به، ويوقفه على ربه، فيقول له: يا عبدي، كيف وجدت مكانك؟ فيقول يا رب، شر مكان، وشر مقيل، فيقول: ردوا عبدي، فيقول: يا رب، ما كنت أرجو إذ أخرجتني منها أن تردني، فيقول: دعوا عبدي» . أبو ظلال اسمه هلال، ضعفوه. خرج الترمذي، «من طريق رشيدين بن سعد، حدثني ابن أنعم ـ هو الإفريقي، عن أبي عثمان، أنه حدثه عن أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: إن رجلين من دخل النار، اشتد صياحهما، فقال الرب أخرجوهما، فلما خرجا، قال لهما لأي شيء اشتد صياحكما، قالا: فعلنا ذلك لترحمنا، قال: رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار، قال: فينطلقان، فيلقي أحدهما نفسه، فيجعلها عليه برداً وسلاماً، ويقوم الآخر، فلا يلقي نفسه، فيقول له الرب : ما منعك أن تلقي نفسك كما ألقى صاحبك؟ قال: إني لأرجو أن لا تعيدني فيها بعد ما أخرجتني، فيقول له الرب : لك رجاؤك، فيدخلا جميعاً الجنة، برحمة الله » . قال الترمذي: إسناد هذا الحديث ضعيف. وفي صحيح مسلم، «عن أنس، عن النبي ﵌،

стр. 200

قال: يخرج من النار أربعة، فيعرضون على الله ، فيلتف أحدهم، فيقول أي رب، إذا أخرجتني منها فلا تعدني فيها، قال: فينجه الله منها» . وخرجه ابن حبان في صحيحه، وعنده: فليلتفت فيقول: يا رب، ما كان هذا رجائي فيك فيقول: ما كان رجاؤك؟ ! قال: كان رجائي إذا أخرجتني منها أن لا تعيدني فيها، فيرحمه الله فيدخله الجنة. وخرج الإمام أحمد، «من رواية علي بن زيدان بن جدعان، عن ابن المسيب، عن أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: إن آخر رجلين يخرجان من النار، فيقول الله لأحدهما: يا ابن آدم، ما أعددت لهذا اليوم؟ هل عملت خيراً قط؟ هل رجوتني؟ فيقول: لا أي رب، فيؤمر به إلى النار، فهو أشد أهل النار حسرة، ويقول للآخر: ما أعدت لهذا اليوم؟ هل عملت خيراً قط أو رجوتني؟ لا أي رب، إلا أني كنت أرجوك، قال: فيرفع له شجرة» وذكر الحديث، في دخوله الجنة وما يعطى فيها. وخرج هناد بن السري، «من طريق أبي هارون العبدي، وفيه ضعف شديد، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵌: أن رجالاً يدخلهم الله النار، فيحرقهم بها، حتى يكونوا فحماً أسود، وهم أعلى أهل النار، فيجأرون إلى الله يدعونه، فيقولون: ربنا أخرجنا منها، فاجعلنا في أصل هذا الجدار فإذا جعلهم في أصل الجدار رأوا أنه لا يغني عنهم شيئاً، قالوا: ربنا اجعلنا من وراء هذا السور لا نسألك شيئاً بعده، فيرفع لهم شجرة حتى تذهب عنهم سخنة النار أو شحنة النار» . وذكر الحديث.

стр. 201

الباب الثالث والعشرون ـ في ذكر نداء أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار وتكليم بعضهم بعضاً قال الله تعالى: ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم﴾ إلى قوله: ﴿ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين﴾ . قال سفيان بن عينة، عن عثمان الثقفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في هذه الآية قال: ينادي الرجل أخاه: إني قد احترقت، فأفض علي من الماء، فيقال: أجبه، فيقول ذكر إن الله حرمها على الكافرين. وقال سنيد، في تفسيره: حدثنا حجاج عن أبي بكر بن عبد الله، قال: ينادون أهل النار: يا أهل الجنة، فلا يجيبونهم ما شاء الله، ثم يقال: أجيبوهم، وقد قطع الرحم والرحمة، فيقول أهل الجنة: يا أهل النار، عليكم لعنة الله، يا أهل النار، عليكم غضب الله، يا أهل النار، لا لبيكم ولا سعديكم، ماذا تقولون؟ فيقولون: ألم نكن في الدنيا آباءكم وأبناءكم وإخوانكم وعشيرتكم؟ فيقولون بلى، فيقولون: ﴿أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين﴾ .

стр. 202

قال الله : ﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قال قائل منهم إني كان لي قرين * يقول أإنك لمن المصدقين﴾ . قال خليد العصري في قوله تعالى: ﴿فاطلع فرآه في سواء الجحيم﴾ . قال: في وسطها، ورأى جماجم تغلي، فقال فلان: والله، لولا أن الله عرفه إياه لما عرفه، كقد تغير حبره وسبره، فعند ذلك يقول: ﴿إن كدت لتردين﴾ . وقال تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين * في جنات يتساءلون * عن المجرمين * ما سلككم في سقر﴾ . روى أبو الزعراء، عن ابن مسعود، أنه لا يترك في النار غير هؤلاء الأربعة، قال: وليس فيهم من خير. وفي حديث مسكين أبي فاطمة، «عن اليمان بن يزيد، عن محمد بن حمير، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵌، في خروج أهل التوحيد من النار، قال: ثم يقول الله لأهل الجنة: اطلعوا لمن بقي في النار، فيطلعون إليهم فيقولون: ﴿ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين﴾ . أي إن لم نكن، منهم، لو كنا لخرجنا معهم» . خرجه الإسماعيلي وغيره، وهو منكر كما سبق ذكره. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن حفص، حدثنا الثوري، عن أبي خالد، عن الشعبي، قال: يشرف قوم في الجنة على قوم في النار، فيقولون ما لكم في النار، وإنما كنا نعمل بما كنتم تعلمون؟ فيقولون: إنا كنا نعلمكم ولا نعمل به.

стр. 203

وقال سعيد بن بشير: عن قتادة: إن في الجنة كوى إلى النار، فيطلع أهل الجنة من تلك الكوى إلى النار، فيقولون: ما بال الأشقياء، وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم؟ فقالوا: إنا كنا نأمركم ولا نأتمر، وننهاكم ولا ننتهي. وقال معمر، عن قتادة، قال كعب: إن بين أهل النار وأهل الجنة كوى، لا يشاء رجل من أهل الجنة أن ينظر إلى عدوه من أهل النار إلا فعل. وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا عبد الله بن غياث، عن الفزاري، قال: لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب، باب يدخل عليه زواره من الملائكة، وباب يدخل عليه أزواجه من الحور والعين، وباب مقفل في ما بينه وبين أهل النار، يفتحه إذا شاء أن ينظر إليهم لتعظم النعمة عليه، وباب فيما بينه وبين دار السلام، يدخل فيه على ربه إذا شاء. وخرج ابن أبي حاتم بإسناده، عن الضحاك، في قوله تعالى: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك﴾ . من الدر والياقوت ﴿ينظرون﴾ . يعني على السرر ينظرون، كان ابن عباس يقول: السرر بين الجنة والنار، فيفتح أهل الجنة الأبواب، فينظرون على السرر إلى أهل النار كيف يعذبون، ويضحكون منهم، ويكون ذلك مما يقر الله به أعينهم، أن ينظروا إلى عدوهم كيف ينتقم الله منه. وخرج البيهقي وغيره «من حديث علي بن أبي سارة، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﵌: إن رجلاً من أهل الجنة يشرف يوم القيامة على أهل النار، فيناديه رجل من أهل النار: يا فلان هل تعرفني؟

стр. 204

فيقول: لا والله، لا أعرفك من أنت، فيقول أن الذي مررت بي في دار الدنيا، فاستسقيتني شربة ماء فأسقيتك، قال: قد عرفت،، قال: فاشفع لي بها عند ربك، قال: فيسأل الله فيقول: يا رب، شفعني فيه. فيؤمر به فليخرج من النار» .

стр. 205

الباب الرابع والعشرون ـ في ذكر خزنة جهنم وزبانيتها قال الله تعالى: ﴿عليها تسعة عشر * وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا﴾ . قال آدم بن أبي إياس: حدثنا حمادة بن سلمة، حدثنا الأزرق بن قيس، عن رجل من بني تيم، قال: كنا عند أبي العوام، فقرأ هذه الآية ﴿عليها تسعة عشر﴾ فقال: ما تقولون؟ تسعة عشر ملكاً؟ قلنا: بل تسعة عشر ألفاً، فقال: ومن أين علمت ذلك، قال: قلت: لأن الله تعالى يقول: ﴿وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا﴾ قال أبو العوام، صدقت، وبيد كل واحد منهم مرزبة من حديد لها شعبتان، فيضرب بها الضرب يهو بها سبعين ألفاً، بين منكبي كل ملك منهم مسيرة كذا وكذا. فعلى قول أبي العوام ومن وافقه، الفتنة للكفار، إنما جاءت من ذكر العدد الموهم للقلة حيث لم يذكر المميز له. ويشبه هذا ما روى سعيد بن بشير، عن قتادة، في قوله: ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾ . أي من كثرتهم.

стр. 206

وكذلك روى إبراهيم بن الحكم بن أبان، وفيه ضعف، عن أبيه، عن عكرمة قال: إن أول من وصل من أهل النار إلى النار، وجدوا على الباب أربعمائة ألف من خزنة جهنم مسودة وجوههم كالحة أنيابهم، قد نزع الله الرحمة من قلوبهم، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو طار الطائر من منكب أحدهم ليطير شهرين قبل أن يبلغ المنكب الآخر، ثم يجدون على الباب التسعة عشر، عرض صدر أحدهم سبعون خريفاً، ثم يهوون من باب إلى باب خمسمائة سنة حتى يأتون الباب، ثم يجدون على كل باب منها من الخزنة مثل ما وجدوا على الباب الأول، حتى ينتهوا إلى آخرها. خرجه ابن أبي الحاتم. وهذا يدل على أن كل باب من أبواب جهنم تسعة عشر خزاناً هم رؤساء الخزنة، تحت يد كل واحد منهم أربعمائة ألف. والمشهور بين السلف والخلف، أن الفتنة إنما جاءت من حيث ذكر عدد الملائكة الذين اغتر الكفار بقتلهم، وظنوا أنهم يمكنهم مدافعتهم وممانعتهم، ولم يعلموا أن كل واحد من الملائكة لا يمكن البشر كلهم مقاومته، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا﴾ إلى قوله ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾ . قال السدي: إن رجلاً من قريش، يقال له أبو الأشدين، قال: يا معشر قريش، لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع عنكم بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة وبمنكبي الأيسر التسعة الباقية، ثم تمرون إلى الجنة ـ يقوله مستهزئاً ـ فقال الله عز

стр. 207

وجل: ﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا﴾ وقال قتادة: ذكر لنا أبا جهل، حين نزلت هذه الآية، قال: يا معشر قريش، أما يستطع كل عشرة منكم أن يأخذوا واحداً من خزنة النار وأنتم الدهم، وصاحبكم هذا يزعم أنهم تسعة عشر؟ ! . وقال قتادة: في التوراة والإنجيل أن خزنة النار تسعة عشر. وروي حديث «عن الشعبي، عن البراء، في قوله الله : ﴿عليها تسعة عشر﴾ قال: إن رهطاً من يهود، سألوا رجلاً من أصحاب النبي ﵌، عن خزنة جهنم، فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء رجل، فأخبر النبي ﵌، فأنزل الله عليه ساعتئذ ﴿عليها تسعة عشر﴾ فأخبر أصحابه، وقال: ادعهم، فجاؤوا فسألوه عن خزنة جهنم، فأهوى بأصابع كفيه مرتين، وأمسك الإبهام في الثانية» . خرجه ابن أبي حاتم. خرجه، وحريث هو ابن أبي مطر، ضعيف. وخرجه الترمذي، من طريق مجالد، «عن الشعبي، عن جابر، قال: ناس من اليهود لناس من أصحاب ﵌: هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قالوا: لا ندري حتى نسأله، فجاء رجل إلى النبي ﵌، فقال: يا محمد، غلب أصحابك اليوم، قال:

стр. 208

وما غلبوا؟ قال: سألتهم يهود، هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قال: فما قالوا؟ قالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا ﵌، فقال: يغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون، فقالوا لا نعلم حتى نسأل نبينا؟ لكنهم قد سألوا نبيهم، فقالوا: أرنا الله جهرة، علي بأعداء الله فلما جاؤوا قالوا: يا أبا القاسم، كم عدد خزنة جهنم؟ قال: هكذا وهكذا في مرة عشرة وفي مرة تسعة، قالوا: نعم» ، وهذا أصح من حديث حريث المتقدم، قاله البيهقي وغيره. وخرج الإمام أحمد، «من حديث عبد الله بن العاص، قال: خرج علينا رسول الله ﵌ يوماً كالمودع، فقال: أنا محمد النبي الأمي ثلاثاً ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش» وذكر بقية الحديث. فصل ـ في تفسير قوله تعالى: " عليها ملائكة غلاظ شداد " فصل ـ في تفسير قوله تعالى: عليها ملائكة غلاظ شداد وقد وصف الله الملائكة الذين على النار، بالغلظ والشدة، قال الله تعالى: ﴿عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ . وروى أبو نعيم بإسناده، عن كعب، قال: إن الخازن من خزان جهنم، مسيرة ما بين منكبيه سنة، وإن مع كل واحد منهم لعمود، له شعبتان من حديد، يدفع به الدفعة فيكب به في النار سبعمائة ألف.

стр. 209

وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده، عن أبي عمران الجوني، قال: بلغنا أن الملك من خزنة جهنم، ما بين منكبيه مسيرة خريف، فيضرب الرجل من أهل النار الضربة فيتركه طحيناً من لدن قرنه إلى قدمه. وفي رواية أخرى له، قال: بلغنا أن خزنة النار تسعة عشر، ما بين منكبي أحدهم مسيرة خريف، وليس في قلوبهم رحمة، إنما خلقوا للعذاب. وروى الجوزجاني بإسناده، «عن صالح أبي الخليل، قال: ليلة أسري بالنبي ﵌، بعث الله إليه نفراً رمن الرسل، فتلقوه بالفرح والبشر، وفي ناحية المسجد مصلى يصلي لا يلتفت إليه، فقام إليه، فقال النبي ﵌: ما منكم من أحد إلا قد رأيت منه البشر والفرح، غير صاحب هذه الزاوية، فقالوا: أما إنه قد فرح بك كما فرحنا، ولكنه خازن من خزان جهنم» . وروى بكر بن خميس، «عن عبد الله الجسري عن الحسين، أن جبريل قال للنبي ﵌: لو أنا خازناً من خزان جهنم، أشرف على أهل الأرض، لمات أهل الأرض، مما يرون من تشويه خلقه» مرسل ضعيف. فصل ـ في تفسير قوله تعالى: " ونادوا يا مالك " فصل ـ في تفسير قوله تعالى: ونادوا يا مالك قال الله تعالى: ﴿ونادوا يا مالك﴾ . ومالك هو خازن جهنم، وهو كبير الخزنة ورئيسهم، وقد رآه النبي ﵌ ليلة الإسراء، وبدأه مالك بالسلام. خرجه مسلم من حديث أنس. رآه النبي ﵌ في منامه، وهو كريه المرآة ـ أي كرية المنظر ـ

стр. 210

كأكره ما أنت راء من الرجال. وقد سبق هذا من حديث سمرة بن جندب. فصل ـ تفسير قوله تعالى " فليدع ناديه. سندع الزبانية " فصل ـ تفسير قوله تعالى فليدع ناديه. سندع الزبانية قال الله تعالى: ﴿فليدع ناديه * سندع الزبانية﴾ . قال أبو هريرة: الزبانية: الملائكة. وقال عطاء: هم الملائكة الغلاظ الشداد. وقال مقاتل: هم خزنة جهنم. وقال قتادة: الزبانية في كلام العرب: الشرط. وقال عبد الله بن الحارث: الزبانية رؤوسهم في الأرض وأرجلهم في السماء، خرجه ابن أبي حاتم. وخرج أيضاً بإسناده عن المنهال بن عمرو قال: إذا قال الله تعالى: ﴿خذوه فغلوه﴾ . ابتدره سبعون ألف ملك، وإن الملك منهم ليقول هكذا ـ يعني يفتح يديه ـ فيلقى سبعين ألفاً في النار.

стр. 211

الباب الخامس والعشرون ـ في ذكر مجيء النار يوم القيامة وخروج عنق منها يتكلم قال الله : ﴿كلا إذا دكت الأرض دكا دكا * وجاء ربك والملك صفا صفا * وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى * يقول يا ليتني قدمت لحياتي﴾ . وقال الله تعالى: ﴿فإذا جاءت الطامة الكبرى * يوم يتذكر الإنسان ما سعى * وبرزت الجحيم لمن يرى﴾ . وقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿وبرزت الجحيم لمن يرى﴾ قال: كشف عنها غطاؤها. وقال تعالى: ﴿كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين﴾ . وروى العلاء بن خالد الكاهلي، «عن أبي وائل، عن ابن مسعود، عن النبي ﵌، قال: يؤتى يومئذ بجهنم، لها سبعون ألف زمام، مع

стр. 212

كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» . خرجه مسلم، من طريق حفص بن غياث، عن العلاء به، وخرجه الترمذي من طريق سفيان، عن العلاء، موقوفاً على ابن مسعود، ورجح العقيلي والدارقطني. وخرج ابن أبي حاتم، من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وجيء يومئذ بجهنم﴾ . تغير لون النبي ﵌، وعرف ذلك في وجهه، حتى اشتد ذلك على أصحابه، فسألوه فقال: «إنه جاءني جبريل فأقرأني هذه الآية، قال: كيف يجاء بها؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ملك، يقودونها بسبعين ألف زمام تشرد مرة، لو تركت لأحرقت أهل الجمع ومن عليه، ثم تعرض جهنم فتقول: مالي ومالك يا محمد لقد حرم الله لحمك علي، فلا يبقى أحد إلا قال: نفسي نفسي، ومحمد ﵌، يقول: أمتي أمتي» . الوصافي شيخ صالح لا يحفظ، فكثرت المناكير في حديثه. وخرج أبو يعلى الموصلي، «من حديث أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵌، قال: إذا جمع الله الناس في صعيد واحد يوم القيامة، أقبلت النار يركب بعضها بعضاً، وخزنتها يكفونها، وهي تقول: وعزة ربي لتخلن بيني وبين أزواجي، أو لأغشين الناس عنقاً واحداً، فيقولون: من أزواجك؟ فيقول: كل متكبر جبار» . وخرج الإمام أحمد والترمذي، «من حديث الأعمش، عن أبي صالح،

стр. 213

عن أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال: يخرج يوم القيامة عنق من النار، لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، تقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين» ، وصحيحه الترمذي. وقد قيل: إنه ليس بمحفوظ بهذا الإسناد، وإنما يرويه الأعمش، «عن عطية، عن أبي سعيد وغير واحد عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي ﵌، قال: يخرج عنق من النار يتكلم، يقول: وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلهاً آخر، ومن قتل نفساً بغير نفس، فتنطوي عليهم، فتقذفهم في غمرات جهنم» . خرجه الإمام أحمد، وخرجه البزار، ولفظه: «يخرج عنق من النار، يتكلم بلسان طلق ذلق، لها عينان تبصر بهما، ولها لسان تتكلم به، فتقول: إني أمرت بمن جعل مع الله إلهاً آخر، وبكل جبار عنيد، وبكل من قتل نفساً، فتنطلق بهم قبل سائر الناس بخمسمائة عام» . وقد روي عن عطية، عن أبي سعيد موقوفاً. وروى ابن لهيعة، «عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم، عن عائشة، عن النبي ﵌، قال: يخرج عنق من النار، فتنطوي عليهم وتتغيظ، ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة،

стр. 214

وكلت بثلاثة، وكلت بمن دعا مع الله إلهاً آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد، فتنطوي عليهم، فتطرحهم في غمرات جهنم» . خرجه الإمام أحمد. وروي «عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد، عن النبي ﵌، قال: يخرج عنق من النار، فيظل الخلائق كلهم، فيقول: أمرت بكل جبار عنيد، ومن زعم أنه عزيز كريم، ومن دعا مع الله إلهاً آخر» . ورواه أبو المنهال، سيار بن سلامة، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس موقوفاً، قال: إذا كان يوم القيامة، خرج عنق من النار، فأشرفت على الخلائق، لها عينان تبصران ولسان فصيح، تقول: إني وكلت بكل جبار عنيد، فتلقطهم من الصفوف، فتحسبهم في نار جهنم، ثم تخرج ثانياً فتقول: إني وكلت بمن آذى الله ورسوله، فتلقطهم من الصفوف، فتحبسهم في نار جهنم، ثم تخرج ثالثة، قال أبو المنهال: أحسب أنها قالت: إني وكلت اليوم بأصحاب التصاوير، فتلقطهم من الصفوف، فتحسبهم في نار جهنم. وفي حديث الصور الطويل، الذي خرجه إسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي وغيرهما، بإسناده فيه ضعيف، «عن أبي هريرة، عن النبي ﵌: ثم يأمر الله تعالى جهنم، فيخرج منها عنق ساطعة مظلمة، فيقول: ﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾ إلى قوله ﴿أفلم تكونوا تعقلون﴾ » .

стр. 215

وخرج ابن أبي الدنيا، من طريق الشعبي، عن أبي هريرة قال: يؤتى بجهنم، تقاد بسبعين ألف زمام، آخذ بكل زمام سبعون ألف ملك، وهي تمايل عليهم، حتى توقف عن يمين العرش، ويلقي الله عليها الذل يومئذ، فيوحي الله إليها: ما هذا الذل؟ فيقول: يا رب، أخاف أن يكون لك في نقمة، فيوحي الله إليها: إنما خلقتك نقمة، وليس لي فيك نقمة، ويوحي الله إليها، فتزفر زفرة، لا تبقى دمعة في عين إلا جرت، ثم تزفر أخرى فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل، إلا صعق، إلا نبيكم نبي الرحمة ﵌، يقول: يا رب أمتي أمتي. وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده، عن أبي عبد الله الجدلي، عن عبادة بن الصامت وكعب، قالا: يخرج عنق من النار: أمرت بثلاثة: بمن جعل مع الله إلهاً آخر، وبكل جبار عنيد، وبكل معتد، ألا إني أعرف بالرجل من الوالد بولده، والمولود بوالده.
следующие страницы →