Полный текст (376 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وَهَذَا المثالان اللَّذَان ذكرناهما يسْتَمر الْقيَاس عَلَيْهِمَا على مزاج خَاص بحيوان أَعنِي أَنه يتبع كل مزاج خلق كالروغان للثعلب وَالْخداع والجبن للأرنب والختل وكالملق للسنور والأنس وكالسرق للعقعق والدفن. وَإِنَّمَا صَار الْإِنْسَان وَحده لَا يظْهر مِنْهُ الْخلق الطبيعي ظهوراً تَاما كظهوره من هَذِه الْحَيَوَانَات لِأَنَّهُ مُمَيّز ذُو روية فَهُوَ يستر على نَفسه مَذْمُوم الْأَخْلَاق بتعاطي ضِدّه وتكلف فعل الْمَحْمُود وَإِظْهَار مَا لَيْسَ فِي طبعه وَلَا فِي جبلته فَيحْتَاج حِينَئِذٍ إِلَى أَن يسْتَدلّ على خلقه الطبيعي بِأحد شَيْئَيْنِ: إِمَّا بطول الصُّحْبَة وتفقد الْأَحْوَال وَإِمَّا بالاستدلال الَّذِي نَحن فِي ذكره والاستعانة بصناعة الفراسة على مَا يسيره من أخلاقه الطبيعية. فَإِن كَانَ مزاجه وخلقه مناسباً لخلق الأرنب حكم بخلقه وَإِن كَانَ مناسباً للأسد حكم عَلَيْهِ بخلقه مَعَ سَائِر دلائله الْأُخَر. فَأَما الِاسْتِدْلَال بِالْأَصْلِ الْأُخَر وَهُوَ الهيئات والأشكال والحركات فَهُوَ أَن كل حَال من حالات النَّفس من غضب ورضا وسرور وحزن وَغير ذَلِك هيئات وحركات وأشكالاً تتبع تِلْكَ الْحَال أبدا وظهورها يكون فِي
стр. 177
الْعين وَالْوَجْه أَكثر وَأَصْحَاب الفراسة يعتمدون الْعين خَاصَّة ويزعمون أَنَّهَا بَاب الْقلب فيتصيدون من شكلها ولونها وأحوال أخر لَهَا كَثِيرَة يضيق موضعنا عَن ذكرهَا - أَكثر الْأَخْلَاق والشيم وتحسن إصابتهم وَيصدق حكمهم لَا سِيمَا إِن أضافوا إِلَيْهِ الْأَصْلَيْنِ الباقيين وَذَلِكَ أَن عين المسرور مثلاص وَعين الحزين ظاهرتا الْهَيْئَة وَالْحَرَكَة فَإِذا وجد الْإِنْسَان وَهُوَ بالخلقة والطبيعة على أحد هَاتين الْحَالَتَيْنِ من هَيْئَة عينه وحركتها حكم عَلَيْهِ بذلك الطَّبْع وَكَذَلِكَ من ظهر فِي وَجهه فِي حَال سُكُوته قطوب وغضون فِي الْجَبْهَة وعبوس - حكم عَلَيْهِ بِهَذَا الطَّبْع وَأَنه سيىء الْخلق. فَهَذِهِ هِيَ الْأُصُول الثَّلَاثَة الَّتِي اعتمدها أَصْحَاب الفراسة وَهِي قَوِيَّة طبيعية كَمَا ترَاهَا. وَقد عمل فِيهَا أفليمون كتابا. وَيُقَال إِنَّه أول من سبق إِلَى هَذَا الْعلم مِمَّن انْتهى إِلَيْنَا أَثَره وعرفنا خَبره ثمَّ تبعه جمَاعَة صنفوا فِيهِ كتبا وَهِي مَشْهُورَة فَمن أحب الاتساع فِي هَذَا الْعلم فليأخذه من مظانه. وَهَهُنَا نوع آخر من الِاسْتِدْلَال - وَإِن لم يكن طبيعياً فَهُوَ قريب مِنْهُ - وَهُوَ الْعَادَات فَإِن الْمثل قد سبق بِأَن الْعَادة طبيعة ثَانِيَة وَقد علمنَا أَن من نَشأ بِمَدِينَة وَفِي أمة وطالت صحبته لطائفه - تشبهبهم وَأخذ طريقتهم كمن يصحب الْجند وَأَصْحَاب الملاهي أَو سَائِر طَبَقَات النَّاس حَتَّى يظنّ بِمن صحب الْبَهَائِم طَويلا أَنه يحدث فِيهِ شَيْء من أخلاقها. وَأَنت تبين ذَلِك فِي الجمالين والرعاة الَّذين يسكنون الْبر وتقل مخالطتهم للنَّاس وَفِي الْقَوْم الَّذين فَهَذِهِ جملَة من القَوْل فِي الفراسة. وَيَنْبَغِي أَن تحذر الحكم بِدَلِيل وَاحِد وتتوخى جَمِيع الدَّلَائِل من الْأُصُول الثَّلَاثَة لتَكون
стр. 178
بِمَنْزِلَة شُهُود عدُول لَا يتداخلك الشَّك فِي صدقهم فَيكون حكمك صَادِقا وفراستك صَحِيحَة وَذَلِكَ بِحَسب دربتك بالصناعة بعد معرفتك بالأصول. وَمَا أَكثر الِانْتِفَاع بِهَذَا الْعلم وأحضره فَإِنِّي أرى فِي الجولان الَّذِي يتَّفق لي فِي الأَرْض وَكَثْرَة الْأَسْفَار أَن أرى ضروباً من النَّاس وأخالط أخياف الْأُمَم وأشاهد عجائب الْأَخْلَاق فأستعمل الفراسة فيعظم نَفعهَا وتتعجل فائدتها. والفراسة رُبمَا تخطىء فِي الفيلسوف التَّام الْحِكْمَة وَوجه ذَلِك أَنه رُبمَا كَانَ ذَا مزاج فَاسد وَخلق - بالطبع - مشاكل لَهُ فَيُصْلِحهُ ويهذبه بطول المعاناة وتعاهد نَفسه بدوام السِّيرَة الحميدة وَلُزُوم السجايا الرضية كَمَا يَحْكِي عَن أفليمون وَهُوَ أول من سبق إِلَى هَذَا الْعلم فَإِنَّهُ حمل إِلَى أبقراطيس وَهُوَ متنكر فَدخل إِلَيْهِ وَهُوَ لَا يعرفهُ فَلَمَّا تَأمله حكم عَلَيْهِ: زَان فهم أَصْحَابه بالوثوب عَلَيْهِ فنهاهم أبقراطيس وَقَالَ: قد صدق الرجل بِحَسب صناعته وَلَكِنِّي بالقهر أمنع نَفسِي من إِظْهَار سجيتها.
مَسْأَلَة مَا سر قَوْلهم: الْإِنْسَان حَرِيص على مَا منع ؟
وَلم صَار هَذَا هَكَذَا وَكَيف يسْرع الْملَل مِمَّا بذل ويضاعف الولوع بِطَلَب مَا بخل بِهِ هَل
стр. 179
كَانَ الْحِرْص فِي مُقَابلَة مَا وجد والزهد فِي مُقَابلَة مَا منع وَلِهَذَا مَا صَار الرخيص مرغوبا عَنهُ والغالي مرغوباً فِيهِ وَلِهَذَا إِذا ركب الْأَمِير لَا يحرص على رُؤْيَته كَمَا يحرص على رُؤْيَة الْخَلِيفَة إِذا برز. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن النَّفس غنية بذاتها مكتفية بِنَفسِهَا غير محتاجة إِلَى شَيْء خَارج عَنْهَا. وَإِنَّمَا عرض لَهَا الْحَاجة والفقر إِلَى مَا هُوَ خَارج مِنْهَا لمقارنتها الهيولى وَذَلِكَ أَن أَمر الهيولى بالضد من أَمر النَّفس فِي الْفقر وَالْحَاجة وَالْإِنْسَان لما كَانَ مركبا مِنْهَا عرض لَهُ التشوف إِلَى تَحْصِيل المعارف والقنيات. أما الْعَارِف والعلوم فَهُوَ يحصلها فِي شَبيه بالخزانة لَهُ يرجع إِلَيْهِ مَتى شَاءَ ويستخرج مِنْهُ مَا أَرَادَ أَعنِي الْقُوَّة الذاكرة الَّتِي تستودع الْأُمُور الَّتِي تستفاد من خَارج أَعنِي من الْعلمَاء والكتب أَو الَّتِي تستثار بالفكر والروية من دَاخل. وَأما القنيات والمحسوسات فَإِنَّهُ مِنْهَا مَا يروم من تِلْكَ الَّتِي تقدم ذكرهَا فَلذَلِك يغلط فِيهَا ويخطىء فِي الاستكثار مِنْهَا إِلَى أَن يتَنَبَّه بالحكمة على مَا يَنْبَغِي أَن يقتني من الْعُلُوم والمحسوسات وَإِنَّمَا حرص على مَا منع لِأَنَّهُ إِنَّمَا يطْلب مَا لَيْسَ عِنْده وَلَا هُوَ مَوْجُود لَهُ فِي خزانته فيتحرك لاقتنائه وتحصيله بِحَسب ميله إِلَى أحد الْأَمريْنِ أَعنِي الْمَعْقُول أَو المحسوس فَإِذا حصله سكن من هَذِه الْجِهَة وَعلم أَنه قد ادخره وَمَتى رَجَعَ إِلَيْهِ وجده إِن كَانَ مِمَّا يبْقى بِالذَّاتِ وتشوف إِلَى جِهَة أُخْرَى
стр. 180
وَلَا يزَال كَذَلِك إِلَى أَن يعلم أَن الجزئيات لَا نِهَايَة لَهَا وَمَا مَا لَا نِهَايَة لَهُ فَلَا طمع فِي تَحْصِيله وَلَا فَائِدَة فِي النزاع إِلَيْهِ وَلَا وَجه لطلبه سَوَاء كَانَ فِي الْمَعْلُوم أَو فِي المحسوس. وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يقْصد من المعلومات إِلَى الْأَنْوَاع والذوات الدائمة السرمدية الْمَوْجُودَة أبدا بِحَالَة وَاحِدَة وَيكون ذَلِك برد الْأَشْخَاص الَّتِي بِلَا نِهَايَة إِلَى الْوحدَة الَّتِي يُمكن أَن تتأحد بهَا النَّفس وَمن المحسوسات المقتناة إِلَى ضرورات الْبدن ومقيماته دون الاستكثار مِنْهَا فَإِن اسْتِيعَاب جَمِيعهَا غير مُمكن لِأَنَّهَا أُمُور لَا نِهَايَة لَهَا. فَإِذن كل مَا فضل عَن الْحَاجة وَقدر الْكِفَايَة فَهُوَ مَادَّة الأحزان والهموم والأمراض وضروب المكاره. والغلط فِي هَذَا الْبَاب كثير وَسبب ذَلِك طمع الْإِنْسَان فِي الْغنى من مَعْدن الْفقر لِأَن الْفقر هُوَ الْحَاجة والغنى هُوَ الِاسْتِقْلَال اعني أَلا يحْتَاج بتة وَلذَلِك قيل أَنه الله - تَعَالَى - غَنِي لِأَنَّهُ غير مُحْتَاج بتة. فَأَما من كثرت قنياته فَإِنَّهُ ستكثر حاجاته بِحَسب كَثْرَة قنياته وعَلى قدر منازعته إِلَى الاستكثار تكْثر وُجُوه فقره وَقد تبين ذَلِك فِي شرائع الْأَنْبِيَاء وأخلاق الْحُكَمَاء. فَأَما الشَّيْء الرخيص الْمَوْجُود كثيرا فَإِنَّمَا رغب عَنهُ لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَنه إِذْ التمس وجد وَأما الغالي فَإِنَّمَا يقدر عَلَيْهِ فِي الأحيان ويصيبه الْوَاحِد بعد الْوَاحِد فَكل إِنْسَان يتَمَنَّى أَن يكون ذَلِك الْوَاحِد ليحصل لَهُ مَا لم يحصل لغيره وَذَلِكَ من الْإِنْسَان على السَّبِيل الَّذِي شرحناه من أمره.
(مَسْأَلَة مَا سَبَب نظر الْإِنْسَان فِي العواقب وَمَا مثاره مِنْهَا وَمَا آثاره فِيهَا ؟)
стр. 181
وَمَا الَّذِي يحلى بِهِ إِذا استقصى وَمَا الَّذِي يتخوفه إِذا جنح إِلَى الهويني أَو مَا مُرَاد الْأَوَّلين فِي قَوْلهم: المحتفل ملقي والمسترسل موقى. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أما نظر الْإِنْسَان فِي العواقب فَيكون لأمرين. أَحدهمَا لتطلعه إِلَى الْأُمُور الكائنة وشوقه إِلَى الْوُقُوف على الْأَمر الْكَائِن قبل حُدُوثه لما تقدم فِيهِ من الْكَلَام فِي الْمَسْأَلَة الأولى. وَالْآخر لأخذ الأهبة لَهُ إِن كَانَ مِمَّا ينفع فِيهِ ذَلِك وَلِهَذَا الْمَعْنى اشتاق الْإِنْسَان إِلَى الفأل والزجر إِذا عدم جَمِيع وُجُوه الِاسْتِدْلَال من أشكال الْفلك إِلَى الفأل والزجر إِذا عدم جَمِيع وُجُوه الِاسْتِدْلَال من أشكال الْفلك وحركات النُّجُوم وَرُبمَا عدل إِلَى المتكهن وَصدق بِكَثِير من الظنون الْبَاطِلَة. وَأما قَول الْمُتَقَدِّمين: المحتفل ملقي والمسترسل موقي فَهُوَ على ظَاهره كالمناقض للْحكم الأول وَلذَلِك أَن الْإِشَارَة فِي هَذَا الْمثل هُوَ إِلَى أَن المحتفل إِنَّمَا يتوقى مَا لَا بُد أَن يُصِيبهُ فَهُوَ يجْتَهد أَن يخرج من حكم الْقَضَاء أَعنِي مُوجبَات الأقدار بتوسط حركات الْفلك فَيصير اجْتِهَاده فِي الْخُرُوج مِنْهُ سَببا لحصوله فِيهِ ووقوعه عَلَيْهِ.
стр. 182
وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أَشَارَ الشَّاعِر بقوله: وَإِذا حذرت من الْأُمُور مُقَدرا وهربت مِنْهُ فنحوه تتَوَجَّه فَأَما المسترسل إِلَى ذَلِك الراضي بِهِ فَإِنَّهُ موقى مِمَّا هُوَ غير مقضي وَلَا هُوَ بمصيب لَهُ وَإِن لم يتوقه كَمَا قَالَ الشَّاعِر فِيمَن كَانَ بِغَيْر هَذِه الصّفة: حذرا أموراً لَا تكون وخائف مَا لَيْسَ منجيه من الأقدار. ويتصل بِهَذَا الْبَاب شرح مَا يجب أَن يتوقى وَمَا يجب أَلا يتوقي أَعنِي بذلك مَا يُغني فِيهِ الْفِكر والروية وَمَا لَا يُغني فِيهِ. وَإِذا مر مَا يَقْتَضِيهِ من الْكَلَام استقصيته إِن شَاءَ الله.
مَسْأَلَة مَا يُصِيب الْإِنْسَان من قرينه فِي خَيره وشره ؟
وَكَيف صَار يُؤثر الشرير فِي الْخَيْر أسْرع مِمَّا يُؤثر الْخَيْر فِي الشرير وَمَا فَائِدَة النَّفس فِي الْمُقَارنَة. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: ينَال القرين من قرينه الِاقْتِدَاء والتشبه وكما أَن كل متجاورين من الْأَشْيَاء الطبيعية لَا بُد أَن يُؤثر أَحدهمَا فِي الآخر فَكَذَلِك حَال النَّفس وَذَاكَ أَن الطبيعة متشبهة بِالنَّفسِ لِأَنَّهَا شَبيهَة بِظِل النَّفس وَمن شَأْن الشَّيْء الْأَقْوَى فِي الطبيعة أَن يحِيل الأضعف إِلَى نَفسه ويشبهه بِذَاتِهِ كَمَا تَجِد ذَلِك فِي الْحَار والبارد وَالرّطب واليابس وَلأَجل تَأْثِير المجاور فِي مجاوره حدثت الْأَمْرَاض فِي الْبدن وبسببه عولج بالأدوية. وَلما كَانَت النَّفس الَّتِي فِينَا هيولانية صَار الشَّرّ لَهَا طباعاً وَالْخَيْر تكلفاً وتعلما فاحتجنا - معاشر الْبشر - أَن نتعب بِالْخَيرِ حَتَّى تستفيده ونقتنيه ثمَّ لَيْسَ يكفينا تَحْصِيل صورته حَتَّى نألفه ونتعوده ونكرر زَمَانا طَويلا
стр. 183
الْحَالة الَّتِي حصلت لنا مِنْهُ على أَنْفُسنَا لتصير ملكة وسحية بعد أَن كَانَت حَالا. فَأَما الشَّرّ فلسنا نحتاج إِلَى تَعب بِهِ وتحصيله بل يَكْفِي فِيهِ أَن نخلى النَّفس وسومها ونتركها على طبيعتها فَإِنَّهَا تَخْلُو من الْخَيْر والخلو من الْخَيْر هُوَ الشَّرّ لِأَنَّهُ قد تبين فِي المباحث الفلسفية أَنه لَيْسَ الشَّرّ بِشَيْء لَهُ عين قَائِمَة بل هُوَ عدم الْخَيْر وَلذَلِك قيل: الهيولى مَعْدن الشَّرّ وينبوعه لأجل خلوها من جَمِيع الصُّور فالشر الأول الْبَسِيط هُوَ عدم ثمَّ يتركب وَسبب تركبه الأعدام الَّتِي هِيَ مقترنة بالهيولى. وَشرح هَذَا الْكَلَام طَوِيل إِلَّا أَن الَّذِي يحصل لَك من جَوَاب الْمَسْأَلَة فِيهِ أَن النَّفس تتشبه بِالنَّفسِ الْمُقَارنَة لَهَا وتقتدي بهَا وَالشَّر أسْرع إِلَيْهَا من الْخَيْر وَهُوَ أَن النَّفس الَّتِي فِينَا هِيَ هيولانية وأعني بِهَذَا القَوْل أَنَّهَا قَابِلَة للصور من الْعقل فالمعقولات إِنَّمَا تصير معقولات لنا إِذا ثبتَتْ صورها فِي النَّفس وَلذَلِك قَالَ أفلاطون: إِن النَّفس مَكَان للصور. وَاسْتحْسن ارسططاليس هَذَا التَّشْبِيه من أفلاطون لِأَن اسْتِعَارَة حَسَنَة وإيماء فصيح إِلَى الْمَعْنى الَّذِي أَرَادَهُ. فَيجب - على هَذَا الأَصْل - أَن نتوقى مجالسه الأشرار ومخالطتهم ومقارنتهم ونقبل قَول الشَّاعِر: عَن الْمَرْء لَا تسْأَل وَأبْصر قرينَة فَإِن القرين بالمقارن مقتد وَيَنْبَغِي أَن نَأْخُذ الْأَحْدَاث وَالصبيان بِهِ أَشد الْأَخْذ فقد مر فِي مَسْأَلَة
стр. 184
مَا يُحَقّق هَذَا الْمَعْنى ويؤكده وينبه عَلَيْهِ.
مَسْأَلَة مَا وَجه تسخيف من أَطَالَ ذيله وسحبه وَكبر عمَامَته
وحشا زيقه قطناً وَعرض جيبه تعريضاً وَمَشى متبهسناً وَتكلم متشادقاً وَلم شنع هَذَا وَنَظِيره وَمَا الَّذِي سمج هَذَا وَأَمْثَاله وَلم لم يتْرك كل إِنْسَان على رَأْيه واختياره وشهوته وإيثاره وَهل أطبق الْعُقَلَاء المميزون والفضلاء المبرزون على كَرَاهَة هَذِه الْأُمُور إِلَّا لسر خَافَ وخبيئة مَوْجُودَة فَمَا ذَلِك السِّرّ وَمَا تِلْكَ الخبيئة. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: يُنكر مِمَّا ذكرته كُله التَّكَلُّف وَذَاكَ أَن من خَالف عادات النَّاس فِي زيهم ومذاهبهم وَتفرد من بَينهم بِمَا يباينهم ثمَّ احْتمل مؤونة مَا يتجشمه فَلَيْسَ ذَلِك مِنْهُ إِلَّا لغَرَض مُخَالف لأغراضهم وَقصد لغير مَا يقصدونه: فَإِن كَانَ غَايَته من هَذِه الْأَشْيَاء أَن يشهر نَفسه وينبه على مَوْضِعه فَلَيْسَ يعدو أَن يُوهم بهَا أمرا لَا حَقِيقَة لَهُ وَيطْلب حَالا لَا يَسْتَحِقهَا لِأَنَّهُ لَو كَانَ يَسْتَحِقهَا لظهرت مِنْهُ وَعرفت لَهُ من غير تكلّف وَلَا تجشم لهَذِهِ الْمُؤَن الغليظة فَإِذن هُوَ كَاذِب فعلا ومزور بَاطِلا وَمَا تعَاطِي ذَلِك إِلَّا ليغر سليما ويخدع مسترسلاً. وَهَذَا مَذْهَب الْمُحْتَال الَّذِي يتحرز مِنْهُ ويتباعد عَنهُ. هَذَا إِلَى مَا يجمعه من بديهة الْمُخَالفَة والمخالفة سَبَب الاستيحاش وَعلة النفور وأصل المعاداة.
стр. 185
وَإِنَّمَا حرص النَّاس وَأهل الْفضل وحرص لَهُم الْأَنْبِيَاء ﵈ بِمَا وضعوه لَهُم من السّنَن والشرائع لتحدث بَينهم الْمُوَافقَة والمناسبة الَّتِي هِيَ سَبَب المحبات وأصل المودات ليتشاركوا فِي الْخيرَات ولتحصل لَهُم صُورَة التأحد الَّذِي هُوَ سَبَب كل فَضِيلَة ولأجله تمّ الِاجْتِمَاع فِي المدنية الَّذِي هُوَ سَبَب حسن الْحَال فِي الْعَيْش والاستمتاع بِالْحَيَاةِ والخيرات الْمَطْلُوبَة فِي الدُّنْيَا.
(مَسْأَلَة مَا ملتمس النَّفس فِي هَذَا الْعَالم)
وَهل لَهَا ملتمس وبغية وَإِن وسمت بِهَذِهِ الْمعَانِي خرجت من أَن تكون علية الدرجَة خطيرة الْقدر لِأَن هَذَا عنوان الْحَاجة وبدء الْعَجز. وَلَوْلَا أَن يَتَّسِع النطاق لسألت: مَا نسبتها إِلَى الْإِنْسَان وَهل لَهَا بِهِ قوام أَو لَهُ بهَا قوام وَإِن كَانَ هَذَا فعلى أَي وَجه هُوَ وأوسع من هَذَا الفضاء حَدِيث الْإِنْسَان فَإِن الْإِنْسَان قد أشكل عَلَيْهِ الْإِنْسَان. ثمَّ حكيت حكايات لَيْسَ لَهَا غناء فِي الْمَسْأَلَة فلنشتغل بِالْجَوَابِ. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: لَوْلَا لَفْظَة الالتماس توهم غير الْمَعْنى الصَّحِيح فِي حَال النَّفس وَظُهُور آثارها فِي هَذَا الْعَالم لأطلقتها ورخصت فِيهَا لَك كَمَا أطلقها قوم وَلَكِنِّي رَأَيْت أَبَا بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الطَّبِيب وَغَيره مِمَّن كَانَ فِي
стр. 186
طبقته قد تورطوا فِي مَذْهَب بعيد من الْحق سَببه هَذِه اللَّفْظَة وَمَا أشبههَا مِمَّا أطلقته الْحُكَمَاء على سَبِيل الاتساع فِي الْكَلَام بل لأجل الضَّرُورَة الْعَارِضَة للألفاظ عِنْد ضيقها عَن الْمعَانِي الغامضة الَّتِي أطْلقُوا عَلَيْهَا. وَلَكِنِّي سأشير لَك إِلَى مَا يَنْبَغِي أَن تعتقده فِي هَذَا الْبَاب وَهُوَ أَن الطبائع إِذا امتزجت ضروب الامتزاجات بضروب حركات الْفلك حدثت مِنْهَا ضروب الصُّور والأشكال الَّتِي تعملها الطبيعة وَتقبل من آثَار النَّفس بوساطة الطبيعة ضروب الْآثَار لِأَن النَّفس تظهر آثارهما فِي كل مزاج بِحَسب قبُوله وتستعمل كل آلَة طبيعية بِحَسب ملاءمتها فِي كل مَا يُمكن أَن تسْتَعْمل فِيهِ وتنهيه إِلَى أقْصَى مَا يُمكن أَن يَنْتَهِي إِلَيْهِ من الْفَضِيلَة. وَهَذَا الْفِعْل من النَّفس لَا لغَرَض أَكثر من ظُهُور الْحِكْمَة وَذَاكَ أَن ظُهُور الْحِكْمَة من الْحَكِيم لَا يكون لغَرَض آخر فَوق الْحِكْمَة لِأَن أجل الْأَفْعَال مَا لم يرد الشَّيْء آخر بل ذَاته وكل فعل أُرِيد لغاية أُخْرَى
стр. 187
ولشيء آخر فَذَلِك الشَّيْء أجل من ذَلِك الْفِعْل. وَلَا يُمكن أَن يكون ذَلِك ماراً بِلَا نِهَايَة فالغاية الْأَخِيرَة وَالْفِعْل الْأَفْضَل مَا لم يفعل لشَيْء آخر بل هُوَ بِعَيْنِه الْغَايَة وَالْغَرَض الْأَقْصَى وَلذَلِك يَنْبَغِي أَلا يكون قصد المتفلسف بفلسفته شَيْئا آخر غير الفلسفة وَلَا يجب أَن يكون قصد فَاعل الْجَمِيل شَيْئا آخر غير الْجَمِيل أَعنِي أَنه لَا يجب أَن يقْصد بِهِ نيل مَنْفَعَة وَلَا طلب ذكر وَلَا بُلُوغ رئاسة وَلَا شَيْئا من الْأَشْيَاء غير ذَات الْجَمِيل لِأَنَّهُ جميل. وَقد أَشَارَ الْحَكِيم إِلَى أَن النَّفس تكمل فِي هَذَا الْعَالم بقبولها صور المعقولات لتصير عقلا بِالْفِعْلِ بعد أَن كَانَت بِالْقُوَّةِ فَإِذا عقلت الْعقل صَارَت هِيَ هُوَ إِذْ من شَأْن الْمَعْقُول والعاقل أَن يَكُونَا شَيْئا وَاحِدًا لَا فرق بَينهمَا. فَأَما حَدِيث الْإِنْسَان الَّذِي شَكَوْت طوله وحكيت من الْكَلَام المتردد الَّذِي لم يفدك طائلاً فَالَّذِي يَنْبَغِي أَن تعتمد عَلَيْهِ هُوَ أَن هَذِه اللَّفْظَة مَوْضُوعَة على الشَّيْء الْمركب من نفس ناطقة وجسم طبيعي لِأَن كل مركب من بسيطين أَو أَكثر يحْتَاج إِلَى اسْم مُفْرد يعبر عَن معنى التَّرْكِيب وَيدل عَلَيْهِ كَمَا فعل ذَلِك بالصورة الَّتِي تَجْتَمِع مَعَ مَادَّة الْفضة فَسمى خَاتمًا وكما تَجْتَمِع صُورَة السرير مَعَ مَادَّة الْخشب فَيصير اسْمه سريراً وعَلى هَذَا أَيْضا يفعل إِذا اجْتمع جسمان طبيعيان أَو أجسام طبيعية فتركب مِنْهَا شَيْء آخر فَإِنَّهُ يُسمى باسم مُفْرد كَمَا يفعل بالخل إِذا تركب مَعَ الْعَسَل أَو السكر فيسمى سكنجبناً
стр. 188
وكما تسمى أَنْوَاع الْأَدْوِيَة والمعجونات من الأخلاط الْكَثِيرَة وأنواع الأغذية والأشربة المركبة ينْفَرد كل وَاحِد مِنْهَا باسم خَاص وَكَذَلِكَ يفعل بالمادة الَّتِي تستحيل من صُورَة إِلَى صُورَة كعصير الْعِنَب الَّذِي يُسمى عصيراً مرّة وخمراً مرّة وخلا مرّة فالإنسان هُوَ النَّفس الناطقة إِذا اسْتعْملت الْآلَات الجسمية الَّتِي تسمى بدناً لتصدر عَنْهَا الْأَفْعَال بِحَسب التَّمْيِيز.
مَسْأَلَة
حكيت - أيدك الله - حكايات بَين سَائل ومتكلم وَلم تتَوَجَّه إِلَى مَطْلُوب يَنْبَغِي أَن نبحث عَنهُ لِأَن الْمَسْأَلَة من بَاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وَقد تكلمنا عَلَيْهِ فِيمَا مضى كلَاما مستقصى لَا وَجه لإعادته فَيَنْبَغِي أَن تعود إِلَى مَا مضى وتطلبه لتجده كَافِيا بمعونة الله.
(مَسْأَلَة مَا سَبَب استشعار الْخَوْف بِلَا مخيف وَمَا وَجه تجلد الْخَائِف)
والمصاب كَرَاهَة أَن يُوقف مِنْهُ على فسولة طبعه أَو قلَّة مكانته أَو سوء جزعه هَذَا مَعَ تخاذل أَعْضَائِهِ وندائه على مَا بِهِ واستحالة أعراضه ووجيب قلبه وَظُهُور عَلَامَات مَا إِذا أَرَادَ طيه ظهر على أسرة وَجهه وألحاظ عَيْنَيْهِ وألفاظ لِسَانه واضطراب شمائله؟
стр. 189
الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: سَبَب ذَلِك توقع مَكْرُوه حَادث فَإِن كَانَ السَّبَب صَحِيحا قَوِيا وَالدَّلِيل وَاضحا جلياً كَانَ الْخَوْف فِي مَوْضِعه. ثمَّ بِحَسب ذَلِك الْمَكْرُوه يحسن الصَّبْر ويحمد احْتِمَال الْأَذَى الْعَارِض مِنْهُ وَتظهر من الْإِنْسَان أَمَارَات الشجَاعَة أَو الْجُبْن. وَأثبت النَّاس جنَانًا وجأشاً وَأَحْسَنهمْ بَصِيرَة وروية لَا بُد أَن يضطرب عِنْد نزُول الْمَكْرُوه الْحَادِث بِهِ الطارىء عَلَيْهِ لَا سِيمَا إِن كَانَ هائلاً فَإِن أرسططاليس يَقُول: من لم يجزع من هيج الْبَحْر وَهُوَ رَاكِبه وَمن الْأَشْيَاء الهائلة الَّتِي فَوق طَاقَة الْإِنْسَان فَهُوَ مَجْنُون. وَكثير من المكاره يجْرِي هَذَا المجرى ويقاربه والجزع لَا حق بِالْمَرْءِ على حَسبه ومقداره: فَإِن كَانَ الْمَكْرُوه والمتوقع مِمَّا يُطيق الْإِنْسَان دَفعه أَو تخفيفه فَذهب عَلَيْهِ أمره وَاسْتولى عَلَيْهِ الْجزع وَلم يتماسك لَهُ - فَهُوَ جبان جزوع مَذْمُوم من هَذِه الْجِهَة. ودواؤه التدرب بِاحْتِمَال الشدائد وملاقاتها والتصبر عَلَيْهَا وتوطين النَّفس لَهَا قبل حدوثها لِئَلَّا ترد عَلَيْهِ وَهُوَ غافل عَنْهَا غير مستعد لَهَا. وَإِذا كَانَت الشجَاعَة فَضِيلَة وَكَانَت ضدها نقيصة ورذيلة فَمن لَا يحب أَن يستر نقيصته وَيظْهر فضيلته مَعَ مَا تقدم من قَوْلنَا فِيمَا سبق. إِن كل إِنْسَان يعشق ذَاته وَيُحب نَفسه.
مَسْأَلَة مَا سَبَب غضب الْإِنْسَان وضجره
إِذا كَانَ مثلا يفتح قفلاً فيتعسر عَلَيْهِ حَتَّى يجن ويعض على القفل وَيكفر وَهَذَا عَارض فَاش فِي النَّاس.
стр. 190
الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: هَذَا الْعَارِض وَشبهه من أقبح مَا يرض للْإنْسَان وَهُوَ غير مَعْذُور إِن لم يصلحه بالخلق الْحسن الْمَحْمُود وَذَلِكَ أَن الْغَضَب إِنَّمَا يثور بِهِ دم الْقلب لمحبة الانتقام وَهَذَا الانتقام إِذا لم يكن كَمَا يَنْبَغِي وعَلى من يَنْبَغِي وعَلى مِقْدَار مَا يَنْبَغِي فَهُوَ مَذْمُوم فَكيف بِهِ إِذا كَانَ على الصُّورَة الَّتِي حكيتها. فَأَما سؤالك عَن سَبَب الْغَضَب فقد ذكرته وأجبت عَنهُ وَإِذا أثار فِي غير وَضعه فَوَاجِب على الْإِنْسَان النَّاطِق الْمُمَيز أَن يسكنهُ وَلَا يستعجله وَلَا يجْرِي فِيهِ على منهاج الْبَهِيمَة وَسنة السَّبع فَإِن من أعانة بالفكرة وألهبه بسُلْطَان الروية حَتَّى يحتدم ويتوقد فَإِنَّهُ سيعسر بعد ذَلِك تلافيه وتسكينه وَالْإِنْسَان مَذْمُوم بِهِ إِذا وسوم الطبيعة وَلم يظْهر فِيهِ أثر التَّمْيِيز وَمَكَان الْعقل. وجالينوس قد ذكر فِي كتاب الْأَخْلَاق حَدِيث القفل بِعَيْنِه وتعجب من جهل من يفعل ذَلِك أَو يرفس الْحمار وَيْلكُمْ الْبَغْل فَإِن هَذَا الْفِعْل يدل على أَن الإنسانية يسيره فِي صَاحبه جدا والبهيمية غالبة عَلَيْهِ أَعنِي سوء التَّمْيِيز وَقلة اسْتِعْمَال الْفِكر. وَلَيْسَ هَذَا وَحده يعرض لحشو النَّاس وعامتهم بل الشَّهْوَة والشبق وَسَائِر عوارض النَّفس البهيمية والغضبية إِذا هاج بهم وابتدأ فِي حركته الطبيعية لم يستعملوا فِيهِ مَا وهبه الله - تَعَالَى - لَهُم وفضلهم بِهِ وجعلهم لَهُ أناسي اعني أثر الْعقل بِحسن الروية وَصِحَّة التَّمْيِيز وَالله الْمُسْتَعَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِهِ.
(مَسْأَلَة لم صَار من كَانَ صَغِير الرَّأْس خَفِيف الدِّمَاغ ؟)
وَلم يكن كل من كَانَ عَظِيم الرَّأْس رزين الدِّمَاغ؟
стр. 191
الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: يحْتَاج الدِّمَاغ إِلَى اعْتِدَال فِي الْكَيْفِيَّة والكمية فَإِن حصل لَهُ احدهما لم يغن عَن الآخر فَإِن كَانَ جوهره جيدا فِي الْكَيْفِيَّة وَكَانَت كميته نَاقِصَة فَهُوَ - لَا محَالة - ردىء وَإِن كَانَت كميته كَثِيرَة فَلَيْسَ هُوَ - لَا محَالة - رديئاً فقد يكون كثيرا وجيد الْجَوْهَر إِلَّا أَنه يجب أَن يكون مناسباً لحرارة الْقلب ليحصل بَين برد هَذَا ورطوبته وحرارة ذَلِك ويبوسته - الِاعْتِدَال المحبوب الْمَحْمُود. وَمَتى حصل على الْخُرُوج من هَذَا الِاعْتِدَال تبعه من الرداءة قسطه ونصيبه إِلَّا أَن التَّفَاضُل بَين أَنْوَاع الْخُرُوج من الِاعْتِدَال كثير وَلِأَن يكون جيدا وَكَثِيرًا زَائِدا على قدر الْحَاجة خير من ان يكون جيدا وناقصاً عَن قدر الْحَاجة فَإِن جمع رداءة الْكَيْفِيَّة والكمية كَانَ صَاحبه معتوهاً
(مَسْأَلَة لم اعْتقد النَّاس فِي الكوسج أَنه خَبِيث وداهية)
وَكَذَلِكَ فِي الْقصير وَلم يعتقدوا الْعقل والحصافة فِيمَن كَانَ طَوِيل اللِّحْيَة كثيف الشّعْر مديد الْقَامَة جميل الإمة وَلم رَأَوْا خفَّة العارضين من السَّعَادَة؟
стр. 192
الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: هَذِه الْمَسْأَلَة من بَاب الفراسة. والممدوح الْمَحْمُود من كل أَمر يتبع مزاجاً مَا هُوَ الِاعْتِدَال. فَأَما الطرفان اللَّذَان يكتنفان الِاعْتِدَال - أَعنِي الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان - فهما مذمومان مكروهان. فَإِن كَانَ وفور اللِّحْيَة وطولها وعظمها وذهابها فِي جَمِيع جِهَات الْوَجْه دَلِيل السَّلامَة والغفلة فبالواجب صَار الطّرف الَّذِي يُقَابله من الخفة والنزرة والقلة دَلِيل الْخبث والدهاء. وهما جَمِيعًا طرفان خارجان عَن الِاعْتِدَال الْمَحْمُود. وأحسب أَن للاختيار السيء مدخلًا: وَذَلِكَ أَن الرجل إِذا كَانَ وافر إِضَاعَة اللِّحْيَة فَهُوَ قَادر على أَن يُخَفف مِنْهَا بأيسر مئونة حَتَّى يحصل على الْقدر المعتدل والهيئة المحمودة فَتَركه إِيَّاهَا على الْحَال المذمومة مَعَ تَعبه بهَا وإصلاحها دَائِما أَو تَركه إِيَّاهَا حَتَّى تسمج وتضطرب دَلِيل فَأَما عدم اللِّحْيَة فَلَيْسَ يقدر صَاحبه على حِيلَة فِيهَا فَهُوَ مَعْذُور.
(مَسْأَلَة لم سهل الْمَوْت على المعذب مَعَ علمه)
أَن الْعَدَم لَا حَيَاة مَعَه وَلَيْسَ بموجود فِيهِ وَأَن الْأَذَى - وَإِن اشْتَدَّ - فَإِنَّهُ مقرون بِالْحَيَاةِ العزيزة هَذَا وَقد علم أَيْضا أَن الْمَوْجُود أشرف من الْمَعْدُوم وانه لَا شرف للمعدوم فَمَا الَّذِي يسهل عَلَيْهِ الْعَدَم وَمَا الشَّيْء المنتصب لِقَلْبِهِ وَهل هَذَا الِاخْتِيَار مِنْهُ بعقل أَو فَسَاد مزاج. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: هَذِه الْمَسْأَلَة - وَإِن كَانَ الْغَرَض فِيهَا صَحِيحا فَالْكَلَام فِيهَا مُضْطَرب
стр. 193
غير مُسلم الْمُقدمَات وَذَلِكَ أَن الْإِنْسَان إِذا مَاتَ فَلَيْسَ يعْدم رَأْسا بل إِنَّمَا تبطل عَنهُ أَعْرَاض وتعدم عَنهُ كيفيات فَأَما جواهره فَإِنَّهَا غير مَعْدُومَة وَلَا يجوز على الْجَوْهَر الْعَدَم بتة لما تبين فِي أصُول الفلسفة من أَن الْجَوْهَر لَا ضد لَهُ وَمن أَشْيَاء أخر لَيْسَ هَذَا موضعهَا. فالجوهر لَا يقبل الْعَدَم من حَيْثُ جَوْهَر وأجزاء الْإِنْسَان إِذا مَاتَ تنْحَل إِلَى أُصُولهَا - أَعنِي العناصر الْأَرْبَعَة وَذَلِكَ بِأَن يَسْتَحِيل إِلَيْهَا. وَأما جوهره الَّذِي هُوَ النَّفس الناطقة فقد تبين أَنه أَحَق بالجوهرية من عناصره الْأَرْبَعَة فَهُوَ إِذن دَائِم الْبَقَاء أَيْضا. وَلما لم تكن مسألتك متوجهة إِلَى هَذَا الْمَعْنى وَإِنَّمَا وَقع الْغَلَط فِي أَخذ مُقَدمَات غير صَحِيحَة وإرسال الْكَلَام فِيهَا على غير تحرز - وَجب أَن ننبه على مَوضِع الْغَلَط ثمَّ نعدل إِلَى جَوَاب الْغَرَض من الْمَسْأَلَة فَنَقُول: إِن الْحَيَاة لَيست بعزيزة إِلَّا إِذا كَانَت جَيِّدَة وأعني بِالْحَيَاةِ الجيدة مَا سلمت من الْآفَات والمكاره وصدرت بهَا الْأَفْعَال تَامَّة جَيِّدَة وَلم يلْحق الْإِنْسَان فِيهَا مَا يكرههُ من الذل السديد والضيم الْعَظِيم والمصائب فِي الْأَهْل وَالْولد. وَذَلِكَ أَن الْإِنْسَان لَو خير بَين هَذِه الْحَيَاة الرَّديئَة وَبَين الْمَوْت الْجيد أَعنِي أَن يقتل فِي الْجِهَاد الَّذِي يذب بِهِ عَن حريمه وَيمْتَنع بِهِ عَن المذلة والمكاره الَّتِي وصفناها لوَجَبَ بِحكم الْعقل والشريعة أَن يخْتَار الْمَوْت وَالْقَتْل فِي مجاهدة من يسومه ذَلِك. وَهَذِه مَسْأَلَة قد سبقت لَهَا نظيرة وتكلمنا عَلَيْهَا بِجَوَاب مقنع وَهُوَ قَوْلك: مَا سَبَب الْجزع من الْمَوْت وَمَا سَبَب الاسترسال إِلَى الْمَوْت فَليرْجع إِلَيْهِ فَإِنَّهُ كَاف.
стр. 194
(مَسْأَلَة لم ذمّ الْإِنْسَان مَا لم ينله وهجن مَا لم يحزه)
وعَلى ذَلِك عادى النَّاس مَا جهلوا حَتَّى صَار هَذَا من الحكم الْيَتِيمَة: وَقد عادى النَّاس مَا جهلوا كَمَا قيل فَلم عادوه وَلم لم يحبوه ويطلبوه ويفقهوه حَتَّى تَزُول الْعَدَاوَة وَيحصل الشّرف ويكمل الْجمال ويحق القَوْل بالثناء وَيصدق الْخَبَر عَن الْحق. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: هَذَا من قَبِيح مَا يعترى النَّاس من الْأَخْلَاق وَهُوَ جَار مجْرى الْحَسَد وذاهب فِي طَرِيقه. وَصَاحب الْمثل الَّذِي يَقُول: الْمَرْء عَدو مَا جهل إِنَّمَا أخرجه مخرج الذَّم وَالْعَيْب كَمَا قيل: النَّاس شَجَرَة بغي وحسد. وَالسَّبَب فِي محبَّة النَّفس أَولا ثمَّ الْغَلَط فِي تَحْصِيل مَا يزينها. وَذَلِكَ أَنه إِذا أحب الْإِنْسَان نَفسه أحب صورتهَا وَالْعلم صُورَة النَّفس ويعرض من محبَّة صُورَة نَفسه أَن يبغض مَا لَيْسَ لَهُ بِصُورَة فَمَتَى حصل لَهُ علم أحبه وَإِذا لم يحصل لَهُ أبغضه. وَيذْهب عَلَيْهِ التمَاس مَا جَهله بالمطلب - وَإِن كَانَ فِيهِ مشقة - أولى بِهِ ليصير - أَيْضا - صُورَة أُخْرَى لَهُ جميلَة. وَلَعَلَّ الْمَانِع لَهُ من ذَلِك كَرَاهَة التذلل لمن يتَعَلَّم مِنْهُ بعد حُصُول الْعِزّ لَهُ فِي نوع آخر وَبَين طَائِفَة أُخْرَى. فَأَما قَوْلك فَلم لم يحبوه حَتَّى يطلبوه ويفقهوه فَهُوَ الْوَاجِب الَّذِي يَنْبَغِي أَن يفعل وَعَلِيهِ حض صَاحب الْمثل بالتنبيه على الْعَيْب ليتجنب بإتيان الْفَضِيلَة. وَسمعت بعض أهل الْعلم يَحْكِي عَن قَاض جليل الْمحل عالى الْمرتبَة أَنه هم بتَعَلُّم الهندسة على كبر السن. قَالَ: فَقلت لَهُ: مَا الَّذِي يحملك على ذَلِك وَهُوَ يقْدَح فِي مرتبتك وَيُطلق ألسن السُّفَهَاء عَلَيْك وَأَنت لَا تصل إِلَى كَبِير حَظّ مِنْهُ مَعَ علو السن،
стр. 195
وحاجة هَذَا الْعلم إِلَى زمَان طَوِيل وذكاء لَا يُوجد إِلَّا مَعَ الحداثة واستقبال الْعُمر فَقَالَ: وَيحك! أحسست من نَفسِي بغضاً لهَذَا الْعلم وعداوة لأَهله فَأَحْبَبْت أَن أتعاطاه لَأحبهُ وَلِئَلَّا أبْغض علما فأعادي اهله. وَهَذَا هُوَ الانقياد للحق وتجرع مرارته حرصاً على حلاوة ثَمَرَته ورياضة للنَّفس على مَا تكرههُ فِيمَا هُوَ أزين لَهَا وأعود عَلَيْهَا وَحملهَا على مَا يصلحها ويهذبها.
(مَسْأَلَة لم كَانَ الْإِنْسَان إِذا أَرَادَ أَن يتَّخذ عدَّة أَعدَاء فِي سَاعَة وَاحِدَة)
قدر على ذَلِك وَإِذا قصد اتِّخَاذ صديق ومصافاة خذن وَاحِد لم يسْتَطع إِلَّا بِزَمَان واجتهاد وَطَاعَة وَغرم وَكَذَلِكَ كل صَلَاح مأمول ونظام مَطْلُوب فِي جَمِيع الْأُمُور أَلا الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: جَوَاب مسألتك هَذِه مِنْهَا. وَمَا أشبههَا بحكاية سَمعتهَا عَن الْأَصْمَعِي وَذَاكَ أَنه بَلغنِي أَن قَارِئًا قَرَأَ عَلَيْهِ:
стр. 196
الألمعي الَّذِي يظنّ بك الظَّن كَأَن قد رأى وَقد سمعا فَقَالَ: يَا أَبَا سعيد: مَا الألمعى فَقَالَ: الَّذِي يظنّ بك الظَّن كَأَن قد رأى وَقد سمعا. فَأَنا قَائِل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَيْضا: إِنَّمَا صَار الْإِنْسَان قَادِرًا على اتِّخَاذ الْأَعْدَاء بِسُرْعَة وَغير قَادر على اتِّخَاذ الأصدقاء إِلَّا فِي زمَان طَوِيل وبغرامة كَثِيرَة - لِأَن هَذَا فتق وَذَاكَ رتق وَهَذَا هدم وَذَاكَ بِنَاء. وسق بَاقِي كلامك فَإِنَّهُ جوابك.
(مَسْأَلَة مَا الَّذِي حرك الزديق والدهري على الْخَيْر وإيثار الْجَمِيل)
وَأَدَاء الْأَمَانَة ومواصلة الْبر وَرَحْمَة المبتلي ومعونة الصَّرِيخ ومغثة الملتجئ
стр. 197
إِلَيْهِ والشاكي بَين يَدَيْهِ هَذَا وَهُوَ لَا يَرْجُو ثَوابًا وَلَا ينْتَظر مآباً وَلَا يخَاف حسابا. أَتَرَى الْبَاعِث على هَذِه الْأَخْلَاق الشَّرِيفَة والخصال المحمودة رغبته فِي الشُّكْر وتبرؤه من القرف وخوفه من السَّيْف قد يفعل هَذِه فِي الْأَوْقَات لَا يظنّ بِهِ التوقى وَلَا اجتلاب الشُّكْر وَهل فِي هَذِه الْأُمُور مَا يُشِير إِلَى تَوْحِيد الله ﵎. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: للْإنْسَان - بِمَا هُوَ إِنْسَان - أَفعَال وهمم وسجايا وشيم قبل وُرُود الشَّرْع وَله بداية فِي رَأْيه وأوائل فِي عقله لَا يحْتَاج فِيهَا إِلَى الشَّرْع بل إِنَّمَا تَأتيه الشَّرِيعَة بتأكيد مَا عِنْده والتنبيه عَلَيْهِ فتثير مَا هُوَ كامن فِيهِ وموجود فِي فطرته قد أَخذه الله - تَعَالَى - وسطره فِيهِ من مبدأ الْخلق فَكل من لَهُ غريزة من الْعقل وَنصِيب من الإنسانية فَفِيهِ حَرَكَة إِلَى الْفَضَائِل وشوق إِلَى المحاسن لَا لشَيْء آخر أَكثر من الْفَضَائِل والمحاسن الَّتِي يقتضيها الْعقل وتوجبها الإنسانية وَإِن اقْترن بذلك فِي بعض الْأَوْقَات محبَّة الشُّكْر وَطلب السمعة والتماس أُمُور أخر. وَلَوْلَا أَن محبَّة الشُّكْر وَمَا يتبعهُ - أَيْضا - جميل وفضيلة لما رغب فِيهِ وَلَوْلَا أَن الْخَالِق - تَعَالَى - وَاحِد لما تَسَاوَت هَذِه الْحَال بِالنَّاسِ وَلَا اسْتَجَابَ أحد لمن دَعَا إِلَيْهَا وحض عَلَيْهَا إِذا لم يجد فِي نَفسه شَاهدا لَهَا ومصدقاً بهَا. ولعمري إِذا هَذَا أوضح دَلِيل على تَوْحِيد الله تَعَالَى ذكره وتقدس اسْمه.
(مَسْأَلَة مَا الَّذِي قَامَ فِي نفس بعض النَّاس حَتَّى صَار ضحكة)
أَعنِي يضْحك
стр. 198
ويسخر مِنْهُ ويعبث بقفاه وَهُوَ فِي ذَاك صابر محتسب وَرُبمَا خلا من النائل وَرُبمَا نزر النائل. فَكيف هون عَلَيْهِ الْأَمر الْقَبِيح وَلَعَلَّه من بَيت ظَاهر الشّرف منيف الْمحل. وبمثل هَذَا الْمَعْنى يصير آخر مخنثاً مغنياً لعاباً إِلَى آخر مَا اقتصه من حَدِيث الرجل الَّذِي نَشأ على طَرِيق مذمومة وَهُوَ من بَيت كَبِير. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: مر لنا فِي مَسْأَلَة الفراسة أَن لكل مزاج خلقا يتبعهُ وَالنَّفس تصدر أفعالها بِحَسب تِلْكَ الطبيعة والمزاج وَأَن الْإِنْسَان مَتى استرسل للطبيعة وانقاد لهواه وَلم يسْتَعْمل الْقُوَّة الْمَوْهُوبَة لَهُ فِي رفع ذَلِك وتأديبه نَفسه بهَا - كَانَ فِي مسلاخ بَهِيمَة ﴿﴾ ! . وَهَذَا الْخلق الَّذِي ذكرته فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أحد الْأَخْلَاق التابعة لمزاج خَارج عَن الِاعْتِدَال الَّتِي من ترك الْإِنْسَان وسوم الطبيعة فِيهَا جمحت فِيهِ إِلَى أقبح مَذْهَب وأسوأ طَريقَة. وَحقّ على من بلَى بهَا أَن يجْتَهد فِي مداواتها ويجتهد لَهُ فِيهَا. فقد تقدم قَوْلنَا فِي هَذَا الْبَاب إِنَّه مُمكن وَلَوْلَا إِمْكَانه لما حسن التَّقْوِيم والتأديب عَلَيْهِ وَلَا الْحَمد والذم فِيهِ وَلَا الزّجر وَالدُّعَاء إِلَيْهِ وَلَا السياسة من الْآبَاء والملوك وقوام المدن بِهِ. وَمَتى لم يستجب إِنْسَان لمعالجة هَذِه الأدواء كَانَت معالجته بالعقوبات الْمَفْرُوضَة وَاجِبَة فِيهِ. وَمَا أشبه الْأَمْرَاض النفسانية بالأمراض الجسمانية فَكَمَا أَن مرض الْجِسْم مَتى لم يعالجه صَاحبه بِالِاخْتِيَارِ والإيثار وَجب أَن يعالج بالقهر والقسر.
стр. 199
فَكَذَلِك مرض النَّفس إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى حَال يَقع مَعهَا الْيَأْس من الصّلاح فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَن يراح من نَفسه ويستراح مِنْهُ وتطهر الأَرْض مِنْهُ على حسب مَا تحكم فِيهِ الشَّرِيعَة أَو السياسة الفاضلة.
(مَسْأَلَة مَا السَّبَب فِي محبَّة الْإِنْسَان الرِّئَاسَة)
وَمن أَيْن ورث هَذَا الْخلق وَأي شَيْء رمزت الطبيعة بِهِ وَلم أفرط بَعضهم فِي طلبَهَا حَتَّى تلقى الأسنة بنحره وواجه المرهفات بصدره وَحَتَّى هجر من أجلهَا الوساد وودع بِسَبَبِهَا الرقاد وطوى المهامه والبلاد وَهل هَذَا الْجِنْس من جنس من امتعض فِي تَرْتِيب العنوان إِذا كُوتِبَ أوكاتب وَمَا ذَاك من جَمِيع مَا تقدم فقد تشاح النَّاس فِي هَذِه الْمَوَاضِع وتباينوا وبلغوا المبالغ. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: قد تبين أَن فِي النَّاس ثَلَاث قوى وَهِي: الناطقة والبهيمية والغضبية.
стр. 200
فَهُوَ بالناطقة مِنْهَا يَتَحَرَّك نَحْو الشَّهَوَات الَّتِي يتَنَاوَل بهَا اللَّذَّات الْبَدَنِيَّة كلهَا. وبالغضبية مِنْهَا يَتَحَرَّك إِلَى طلب الرئاسات ويشتاق إِلَى أَنْوَاع الكرامات وَتعرض لَهُ الحمية والأنفة ويلتمس الْعِزّ والمراتب الجليلة الْعَالِيَة وَيظْهر أَثَرهَا من الْقلب. وَإِنَّمَا تقوى فِيهِ وَاحِدَة من هَذِه القوى بِحَسب مزاج قُوَّة هَذِه الْأَعْضَاء الَّتِي تسمى الرئيسية فِي الْبدن. فَرُبمَا خرج عَن الِاعْتِدَال فِيهَا إِلَى جَانب الزِّيَادَة والإفراط أَو إِلَى نَاحيَة النُّقْصَان والتفريط فَيجب عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَن يعد لَهَا ويردها إِلَى الْوسط - أَعنِي الِاعْتِدَال الْمَوْضُوع لَهُ - وَلَا يسترسل لَهَا بترك التَّقْوِيم والتأديب فَإِن هَذِه القوى تهيج لما ذَكرْنَاهُ. فَإِن تركت وسومها وَترك صَاحبهَا إصلاحها وعلاجها بالأعقال وَاتِّبَاع الطبيعة - تفاقم أمرهَا وغلبت حَتَّى تجمح إِلَى حَيْثُ لَا يطْمع فِي علاجها ويؤيس من برئها. وَإِنَّمَا يملك أمرهَا وتأديبها فِي مبدأ الْأَمر بِالنَّفسِ الَّتِي هِيَ رئيسة عَلَيْهَا كلهَا - أَعنِي المميزة الْعَاقِلَة الَّتِي تسمى الْقُوَّة الإلهية - فَإِن هَذِه الْقُوَّة يَنْبَغِي أَن تستولي وَتَكون لَهَا الرِّئَاسَة على الْبَاقِيَة. فمحبة الْإِنْسَان للرئاسة أَمر طبيعي لَهُ وَلَكِن يجب أَن تكون مقومة لتَكون فِي موضعهَا وكما يَنْبَغِي. فَإِن زَادَت أَو نقصت فِي إِنْسَان لأجل مزاج أَو عَادَة سَيِّئَة وَجب عَلَيْهِ أَن يعد لَهَا بالتأديب ليتحرك كَمَا يَنْبَغِي وعَلى مَا يَنْبَغِي وَفِي الْوَقْت الَّذِي يَنْبَغِي. وَقد مضى من ذكر هَذِه القوى وآثارها فِي مَوْضِعه مَا يجب أَن يقْتَصر بهَا هُنَا على هَذَا الْمِقْدَار. ونقول: إِنَّه كَمَا يعرض لبَعض النَّاس ان يلقى الأسنة بنحره ويركب أهوال الْبر وَالْبَحْر لنيل الشَّهَوَات بِحَسب حَرَكَة قُوَّة النَّفس البهيمية فِيهِ وَتَركه قمعها.
стр. 201
فَكَذَلِك يعرض لبَعْضهِم فِي نهوض قُوَّة النَّفس الغضبية فيهم إِلَى نيل الرئاسات والكرامات - أَن يركب هَذِه الْأَهْوَال فِيهَا. ومدار الْأَمر على الْعقل الَّذِي هُوَ الرئيس عَلَيْهَا وَأَن يجْتَهد الْإِنْسَان فِي تَقْوِيَة هَذِه النَّفس لتَكون هِيَ الْغَالِبَة وتتعبد القواتان الباقيتان لَهَا حَتَّى تصدر عَن أمره وتتحرك لما ترسمه وتقف عِنْدَمَا يحده فَإِن هَذِه الْقُوَّة هِيَ الَّتِي تسمى الإلهية وَلها قُوَّة على رئاسة تِلْكَ الْأُخَر وهداية إِلَى علاجها وإصلاحها واستقلال بالرئاسة التَّامَّة عَلَيْهَا وَلكنهَا - كَمَا قَالَ أفلاطون - فِي لين الذَّهَب وَتلك فِي قُوَّة الْحَدِيد وللإنسان الِاجْتِهَاد والميل إِلَى تذليل هَذِه لتِلْك فَإِنَّهَا ستذل وتنقاد. وَالله الْمعِين وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل.
مَسْأَلَة مَا السَّبَب فِي تشريف فِي سلف لَهُ أَب أَو جد مَنْظُور إِلَيْهِ
مكثور عَلَيْهِ فِي فعال ممجد وشجاعة وسياسة دون تشريف من كَانَ لَهُ ابْن كَذَلِك أَعنِي كَيفَ يسري الشّرف من الْمُتَقَدّم فِي الْمُتَأَخر وَلَا يسري من الْمُتَأَخر فِي الْمُتَقَدّم. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن الْأَب عِلّة الْوَلَد وعرفه يسري فِيهِ لِأَنَّهُ معلوله وَلِأَنَّهُ مكون من مزاجه وبزره فَهُوَ من أجل ذَلِك كجزء مِنْهُ أَو كنسخة لَهُ فَغير مستنكر أَن يظْهر أثر الْعلَّة فِيهِ أَو ينْتَظر مِنْهُ نزوع الْعرق إِلَيْهِ. فَأَما عكس هَذِه الْقَضِيَّة وَهُوَ أَن يصير الْمَعْلُول سَببا لِلْعِلَّةِ حَتَّى يرجع
стр. 202
مقلوباً فشيء يأباه الْعقل وترده البديهة ويسير التَّأَمُّل يَكْفِي فِي جَوَاب هَذِه الْمَسْأَلَة.
(مَسْأَلَة وَلم إِذا كَانَ أَبُو الْإِنْسَان مَذْكُورا بِمَا أسلفنا نَعته وَبِغَيْرِهِ من الدّين والورع)
- وَجب أَن يكون وَلَده وَولد وَلَده يسْحَبُونَ الذيل ويختالون فِي العطاف ويزدرون النَّاس ويرون من أنفسهم أَنهم قد خولوا الْملك ويعتقدون أَن خدمتك لَهُم فَرِيضَة ونجاتك بهم مُتَعَلقَة مَا هَذِه الْفِتْنَة والآفة وَمَا أَصْلهَا وَهل كَانَ فِي سالف الدَّهْر وَفِيمَا مضى من الزَّمَان من الْأُمَم الْمَعْرُوفَة هَذَا الْفَنّ. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: قد ذكرنَا فِي جَوَاب الْمَسْأَلَة الأولى مَا يُنَبه على جَوَاب هَذِه التالية فَإِن الْمَعْلُول إِنَّمَا يشرف بشرف علته فَإِن كَانَ ذَلِك الشّرف دينا وعلته الْهَيْئَة حصل للعرق الساري من الافتخار بِهِ مَا لَا يحصل لغيره وَلَكِن إِلَى حد مَفْرُوض وَمِقْدَار مَعْلُوم فَأَما الغلو فِيهِ إِلَى أَن يعْتَقد أَنهم كَمَا حكيت عَنْهُم فَهُوَ كَسَائِر الإفراطات الَّتِي عددناها فِيمَا تقدم. وَأما قَوْلك: هَل كَانَ فِي سالف الدَّهْر شَيْء من هَذَا الْفَنّ فلعمري لقد كَانَ ذَلِك فِي كل أمة وكل زمَان. وَلم تزل النجابة على الْأَكْثَر سَارِيَة فِي الْأَوْلَاد ومتوقعة فِي الْعُرُوق حَتَّى إِن الْملك يبْقى فِي الْبَيْت الْوَاحِد زَمَانا طَويلا لَا يرتضى النَّاس إِلَّا بهم وَلَا ينقادون إِلَّا لَهُم. وَذَلِكَ فِي جَمِيع الْأُمَم من الْفرس وَالروم والهند وَسَائِر أَجنَاس النَّاس. وَكَذَلِكَ الْعرق اللَّئِيم وَالْأَصْل الْفَاسِد يهجي بِهِ الْأَوْلَاد وينتظر مِنْهُم
стр. 203
النُّزُوع إِلَيْهِ فيذمون بِهِ وتتجنب ناحيتهم لَهُ. وَلَكِن مسألتك مضمنة ذكر الدّين وَله حكم آخر كَمَا قد علمت من علو الرُّتْبَة وَشرف الْمنزلَة وَإِن لم تكن النُّبُوَّة نَفسهَا سَارِيَة فِي الْعرق وَلَا هِيَ متوقعة فِيمَا يتبع النُّبُوَّة من التَّعْظِيم والتشريف ونجوع النَّاس لَهَا بالطبع والتماس أهل بَيتهَا مرتبَة الْإِمَامَة وَالتَّمْلِيك - أَمر خَارج عَن حكم الْعَادة وَلَا سِيمَا إِن كَانَ هُنَاكَ شريطة الْفَضِيلَة مَوْجُودَة والاستقلال حَاضرا فَإِن الْعُدُول حِينَئِذٍ عَمَّن كَانَ بِهَذِهِ الصّفة ظلم وتعد. وَالسَّلَام.
(مَسْأَلَة هَل يجوز أَن تكون الْحِكْمَة فِي تَسَاوِي النَّاس من جِهَة ارْتِفَاع الشّرف دون تباينهم)
فَإِنَّهُ إِن كَانَت الْحِكْمَة فِي ذَلِك لزم أَن يكون مَا عَلَيْهِ النَّاس إِمَّا عَن قهر لَا فكاك لَهُم مِنْهُ أَو جهل لَا حجَّة عَلَيْهِم بِهِ. وَلست اعني التَّسَاوِي فِي الْحَال وَفِي الْكِفَايَة وَفِي الْفقر وَالْحَاجة لِأَن ذَاك قد شهِدت لَهُ الْحِكْمَة بِالصَّوَابِ لِأَنَّهُ تَابع لسوس الْعَالم وجار مَعَ الْعقل. وَإِنَّمَا عنيت تَسَاوِي النَّاس من جِهَة السَّبَب فَإِن التطاول والتسلط والازدراء قد فَشَا بِهَذَا النّسَب. وَالْحكمَة تأبى وضع مَا يكون فَسَادًا أَو ذَرِيعَة إِلَى فَسَاد وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ : (الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ وَيسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم وهم يَد على من سواهُم) .
стр. 204
الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِنَّمَا يشرف الْإِنْسَان نَفسه وَبِمَا يظْهر فِيهِ من آثَار وَمَا أحسن قَول الإِمَام على ﵇: قيمَة كل امرىء مَا يحسن. وَإِنَّمَا حكينا مَا تقدم من شريان النجابة فِي الْعرق لأجل أَن الطمع يقوى فِيمَن كَانَت لَهُ سَابِقَة فِي فَضِيلَة ان تظهر فِيهِ ايضاً وَلَا سِيمَا إِن كَانَت علته قريبَة مِنْهُ. وَكَيف يتساوى النَّاس فِي ارْتِفَاع الشّرف وَلَو تساووا فِيهِ لما كَانَ شرف وَلَا ارْتِفَاع وَإِلَّا فعلى مَاذَا يرْتَفع ويشرف والمنازل مُتَسَاوِيَة وَلَكِن النَّاس يتساوون فِي الإنسانية الَّتِي تعمهم وَفِي أَشْيَاء تتبع الإنسانية من الْأَحْكَام والأوضاع ويتفاوتون فِي أُمُور أخر يزِيد بهَا بَعضهم على بعض.
(مَسْأَلَة مَا التطير والفأل وَلم أولع كثير من النَّاس بهما)
وَكَيف نفى عَن
стр. 205
الشَّرِيعَة أَحدهمَا وَرخّص الآخر؟ وَهل لَهما أصل يرجع إِلَيْهِ وَيُوقف لَدَيْهِ؟ أَو هما جاريان مرّة بالهاجس والاستشعار وَمرَّة بالِاتِّفَاقِ والاضطرار وَالْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ فَاش فِي هَذَا الْمَعْنى وَلَيْسَ طَرِيقه مُحدثا للْعلم وَلَا منته مجيلاً للرأى إِذْ يَقُول: لَا عدوى وَلَا طيرة. وَقد قيل فِي مَكَان آخر: كَانَ يحب الفأل الْحسن. وَزعم الروَاة أَنه حِين نزل الْمَدِينَة عِنْد أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ سَمعه يَقُول لغلامين لَهُ: يَا سَالم يَا يسَار. فَقَالَ لأبي بكر: سلمت لنا الدَّار فِي يسر. فَكيف هَذَا وَمَا طَرِيقه وَهل يطرد ذَلِك فِي تطايره أم يقف؟ ثمَّ
стр. 206
حكيت الْحِكَايَة عَن ابْن اسماعيل فِي قصَّة الزَّعْفَرَانِي. وحكيت أَيْضا عَن ابْن الرُّومِي قَوْله: الفأل لِسَان الزَّمَان وعنوان الْحدثَان. وَقلت: مَا أَكثر مَا يَقع مَا لَا يتَوَقَّع مِمَّا لم يتَقَدَّم فِيهِ قَول وَلَا إرجاف حَتَّى إِذا قَارن ذَلِك شَيْء صَار الْعجب العجاب وَالشَّيْء المستطرف. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: الْإِنْسَان متطلع إِلَى الْوُقُوف على كائنات الْأُمُور ومستقبلاتها ومغيباتها كَمَا وَصفنَا من حَاله فِيمَا تقدم فَهُوَ بالطبع يتشوفها ويروم مَعْرفَتهَا على قدر استطاعته وبحسب طاقته فَرُبمَا أمكنه التَّوَصُّل إِلَى بَعْضهَا بطبيعة مُوَافقَة فِي رأى صائب وحدس صَادِق وتكهن فِي الْأُمُور لَا يكَاد يخطىء فِيهَا فَهُوَ من أَعلَى دَرَجَة فِي هَذَا الْبَاب وأوثق سَبَب فِيهِ فَرُبمَا تعدد فِي بَعْضهَا ذَلِك فيروم التَّوَصُّل إِلَيْهِ بدلائل النُّجُوم وحركات الْأَشْخَاص العلوية وتأثيرها فِي الْعَالم السفلي وَيصدق حكمه أَو يكذب بِحَسب قوته فِي أَخذ ولهذه الصِّنَاعَة أصُول كَثِيرَة جدا وفروع بِحَسب الْأُصُول.
стр. 207
وَخطأ المخطىء لَيْسَ من ضعف أصُول الصِّنَاعَة وَلَكِن من ضعف النَّاظر فِيهَا أَو لِأَنَّهُ يروم من الصِّنَاعَة أَكثر مِمَّا فِيهَا فَيحمل عَلَيْهَا زِيَادَة على الْمَوْضُوع مِنْهَا وَرُبمَا فَاتَتْهُ هَذِه الْأَسْبَاب ونظائرها من الدَّلَائِل الطبيعية. وَلَيْسَ من شَأْن النَّفس أَن تعْمل عملا بِغَيْر دَاع إِلَيْهِ وَلَا سَبَب لَهُ فَيصير كالعبث فَإِذا سنح لَهُ أَمْرَانِ وَلم يرجح أَحدهمَا على الآخر طلب لنَفسِهِ حجَّة فِي ركُوب أَحدهمَا دون الآخر فيستريح حِينَئِذٍ إِلَى الْأَسْبَاب الضعيفة ويتمحل الْعِلَل الْبَعِيدَة بِقدر مَا يتَرَجَّح أحد الرأيين المتكافئين فِي نَفسه على الآخر حَتَّى يصل إِلَيْهِ وَيَأْخُذ بِهِ. وسبيل الرجل الْفَاضِل أَن يكون حسن الظَّن قويم الرَّجَاء جميل النِّيَّة فيتفاءل حِينَئِذٍ. والفأل قد يكون بِأَصْوَات بسيطة لَيْسَ فِيهَا أثر النُّطْق وَلَكِن أَكْثَره بالْكلَام الْمَفْهُوم. وَقد يكون بِصُورَة مَقْبُولَة وأشكال مستحسنة وَلَكِن معظمه فِي خلق الْإِنْسَان. وَقَالَ النَّبِي ﷺ : (إِذا أبردتم إِلَى بريداً فَاجْعَلُوهُ حسن الإسم حسن الْوَجْه) . فَأَما أَصْحَاب الطيره فلأنهم أضداد لأَصْحَاب البيات الجميلة والرجاء الْحسن فطريقهم مَكْرُوهَة وتطيرهم من الْأُمُور أَكثر وأنواع دلائلهم أغزر وأبسط وَذَلِكَ أَنهم يَأْخُذُونَ بَعْضهَا من الخيلان فِي النَّاس
стр. 208
والدوائر فِي الْخَيل وأصناف الْخلق الطبيعية وَبَعضهَا من الأمزجة المتنافرة والخلق الْمَكْرُوهَة كالبوم والهامة وَالْعَقْرَب الفأر وَمَا أشبههَا. وَبَعض من الْأَصْوَات الْمُنكرَة كنهيق الْحمير وأصوات الْحَدِيد وَمَا أشبههَا. وَبَعضهَا من الْأَسْمَاء والألقاب إِذا اشتقوا لَهَا مَا يُوَافِقهَا فِي بعض الْحُرُوف أَو فِي كلهَا كاسم الْغُرَاب من الغربة والبان من الْبَين والنوى - نوى التَّمْر - من الْبعد. وَبَعضهَا من العاهات كالأعور من الْيَمين والمقعد من الرجل. وَبَعضهَا من الحركات والجهات كالسانج والبارح والمعوج والمائل.
стр. 209
وَجَمِيع ذَلِك لضعف النَّفس والنحيزة واستيلاء الْيَأْس والقنوط عَلَيْهَا. وَهَذِه الاستشعارات تزيدها سوء الْحَال فَلذَلِك نهى عَنْهَا. وَكَانَت الْعَرَب خَاصَّة من بَين الْأُمَم أحرص على هَذِه الطَّرِيقَة وألزم لَهَا على أَن شَاعِرهمْ يَقُول وَقد أحسن: تخبر طيره فِيهَا زِيَاد لتخبره وَمَا فِيهَا خَبِير أَقَامَ كَأَن لُقْمَان بن عَاد أَشَارَ لَهُ بِحِكْمَتِهِ مشير تعلم أَنه لَا طير إِلَّا على متطير وَهُوَ الثبور بلَى شَيْء يُوَافق بعض شَيْء أحايينا وباطله كثير.
مَسْأَلَة مَا السَّبَب فِي كَرَاهَة بَعضهم إِذا قيل لَهُ: يَا شيخ على التوقير والإحلال وَهُوَ لَا يكون شَيخا
وَآخر يتَمَنَّى أَن يُقَال لَهُ ذَلِك وَهُوَ شَاب طرير بل أَنْت تَجِد ذَلِك فِي شيخ على الْحَقِيقَة يكره ذَلِك إِلَّا أَن هَذَا علته ظَاهِرَة وَلَكِن الشَّأْن فِي شَاب يشيخ تَعْظِيمًا فَيكْرَه وشاب لَا يشيخ فيتكلف. وفقد الشَّبَاب موجع وَوجه الشيب مفظع. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِنَّمَا يخْتَلف النَّاس فِي ذَلِك باخْتلَاف نظرهم لأَنْفُسِهِمْ وبحسب ملاحظتهم أغراض مخاطبيهم.
стр. 210
وَذَلِكَ انه رُبمَا أحب الْإِنْسَان ان تظهر فضيلته فِي ابْتِدَاء زَمَانه واستقبال عمره فَإِذا قيل لَهُ: يَا شيخ ظن أَنه قد سلب تِلْكَ الْفَضِيلَة وَألْحق بِمن حصل تِلْكَ الْفَضِيلَة فِي الزَّمَان الطَّوِيل والتجربة الْكَثِيرَة. وَرُبمَا كره ذَلِك أَيْضا لأرب لَهُ فِي الشَّبَاب وميل إِلَى اللّعب والهوى اللَّذين يستقبحان من الشَّيْخ فَإِذا قيل لَهُ: يَا شيخ رأى هَذَا اللقب كالمانع لَهُ والزاجر وَأَن مُخَاطبَة ينْتَظر مِنْهُ مَا ينْتَظر من الْمَشَايِخ وَلَا يعذرهُ على ركُوب مَا يهم بِهِ ويعزم عَلَيْهِ. وَرُبمَا نظر الْإِنْسَان إِلَى مرتبَة حصلت لَهُ من الْوَقار الَّذِي لَا يحصل إِلَّا من الْمَشَايِخ وَهُوَ فِي سنّ الشَّبَاب فيسر بالإكرام وَسُرْعَة بُلُوغه مبلغ المحنكين وَأهل الدربة.
(مَسْأَلَة مَا عِلّة الْإِنْسَان فِي سلوته إِذا كَانَت محنته عَامَّة لَهُ وَلغيره)
وَمَا عِلّة جزعه واستكثاره وتحسره إِذا خصته المساءة وَلم تعده الْمُصِيبَة. وَمَا سر النَّفس فِي ذَلِك وَهل هُوَ مَحْمُود من الْإِنْسَان أَن مَكْرُوه وَإِذا نزا بِهِ هَذَا الخاطر فَبِمَ يعالجه وَإِلَى أَي شَيْء يردهُ وَلم يتَمَنَّى بِسَبَب محنته أَن يشركهُ النَّاس وَلم يستريح إِلَى ذَلِك وأصحابنا يروون مثلا بِالْفَارِسِيَّةِ تَرْجَمته: من احْتَرَقَ بيدره أَرَادَ ان يَحْتَرِق بيدر غَيره.
стр. 211
الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: الْجزع والأسف من عوارض النَّفس وَهِي تجْرِي مجْرى سَائِر الْعَوَارِض الْأُخَر كالغضب والشهوة والغيرة وَالرَّحْمَة وَالْقَسْوَة وَسَائِر الْأَخْلَاق الَّتِي يحمد الْإِنْسَان فِيهَا إِذا عرضت لَهُ كَمَا يَنْبَغِي وبسائر الشُّرُوط الَّتِي أحصيناها مرَارًا كَثِيرَة ويذم بهَا إِذا عرضت بِخِلَاف تِلْكَ الشَّرَائِط. وَإِنَّمَا تهذب النَّفس بالأخلاق لتَكون هَذِه الْعَوَارِض الَّتِي تعرض لَهُ فِي موَاضعهَا على مَا يَنْبَغِي فِي الْوَقْت الَّذِي يَنْبَغِي فالحزن الَّذِي يعرض كَمَا يَنْبَغِي هُوَ مَا كَانَ فِي مُصِيبَة لحقت الْإِنْسَان لذنب اجترحه أَو لعمل فرط فِيهِ أَو كَانَ لَهُ فِيهِ سَبَب اخْتِيَاري أَو لسوء اتِّفَاق خصّه دون غَيره وَهُوَ يجهل سَببه فَإِن هَذَا الْحزن وَإِن كَانَ دون الأول فالإنسان مَعْذُور بِهِ. فَأَما مَا كَانَ ضَرُورِيًّا أَو وَاجِبا فَلَيْسَ يحزن لَهُ عَاقل لِأَن غرُوب الشَّمْس مثلا لما كَانَ ضَرُورِيًّا لم يحزن لَهُ أحد وَإِن كَانَ عائقاً عَن مَنَافِع كَثِيرَة وضارا بِكُل أحد وَمنع النّظر وَالتَّصَرُّف فِي مَنَافِع الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ هجوم الشتَاء وَالْبرد وورود الصَّيف بِالْحرِّ لَا يحزن لَهُ عَاقل بل يستعد لَهُ وَيَأْخُذ أهبته. وَأما الْمَوْت الطبيعي فَلَيْسَ يحزن لَهُ أحد لِأَنَّهُ ضَرُورِيّ وَإِنَّمَا يجزع الْإِنْسَان مِنْهُ إِذا ورد فِي غير الْوَقْت الَّذِي كَانَ ينتظره أَو بِغَيْر الْحَالة المحتسبة وَلذَلِك يجزع الْوَالِد على موت وَلَده لِأَن الَّذِي احتسبه أَن يَمُوت هُوَ قبله. فَأَما الْوَلَد فيقل جزعه على وَالِده لِأَن الْأَمر كَمَا كَانَ فِي حسابه إِلَّا أَنه تقدم مثلا بِزَمَان يسير أَو كَمَا يَنْبَغِي. فَأَما مَا يعرض للْمُسَافِر ولراكب
стр. 212
الْبَحْر أَن يخص دون من يَصْحَبهُ بمحنة فِي مَاله أَو جِسْمه فَإِنَّمَا حزنه لسوء الِاتِّفَاق ورداءة البخت فَإِن هَذَا النَّوْع مَجْهُول السَّبَب وَلذَلِك يعْذر فِيهِ أدنى عذر. وَأما من يتَمَنَّى لغيره من السوء مثل مَا يحصل لَهُ فَهُوَ شَرّ فِي طبعه لَا سِيمَا إِذا لم يجد عَلَيْهِ شَيْئا وَلم يعد لَهُ بطائل وَحِينَئِذٍ يحسن توبيخه وتأديبه. وَقد أحسن الشَّاعِر فِي قَوْله:
(مَسْأَلَة مَا الْفَضِيلَة السارية فِي الْأَجْنَاس الْمُخْتَلفَة كالعرب وَالروم وَالْفرس والهند)
وَزَعَمت أَنَّك حذقت التّرْك لِأَن أَبَا عُثْمَان لَا يعْتد بهم إِلَى مَا يتَّصل بِهِ من كلامك مِمَّا لم أحكه إِذْ كَانَت الْمَسْأَلَة هِيَ فِي قدر مَا خرج من حكايتي. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: لما كَانَت هَذِه الْمَسْأَلَة متوجهة إِلَى خَصَائِص الْأُمَم والتعجب وَاقعا مِمَّا تفرد بِهِ قوم دون قوم - أَقبلت على الْبَحْث عَن ذَلِك وَتركت تَهْذِيب أَلْفَاظ الْمَسْأَلَة. وَهَذِه سبيلي فِي سَائِر الْمسَائِل لِأَن صَاحبهَا يسْلك مَسْلَك الخطابة وَلَا يذهب مَذْهَب أهل الْمنطق فِي تَحْقِيق الْمَسْأَلَة وتوفيتها حظها على طرقهم فَأَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق: قد تقدم فِيمَا مضى من كلامنا أَن النَّفس تسْتَعْمل الْآلَات الْبَدَنِيَّة فتصدر أفعالها بِحَسب أمزجتها وحكينا عَن جالينوس مذْهبه ودللنا على الْموضع الَّذِي يسْتَخْرج مِنْهُ ذَلِك وضربنا لَهُ مثلا من الْحَرَارَة الغريزية وَغَيرهَا إِذا كَانَت حَاضِرَة كَيفَ تستعملها النَّفس
стр. 213
الناطقة حَتَّى تكون كَمَا يَنْبَغِي وعَلى من يَنْبَغِي وَفِي الْوَقْت الَّذِي يَنْبَغِي وَأَن الرياضة وَحسن التَّقْدِير وَالتَّرْتِيب وَلُزُوم ذَلِك حَتَّى يصير سجية وملكة - هِيَ الْفَضِيلَة والخلق الْمَحْمُود. فَإِذا كَانَ هَذَا الأَصْل مَحْفُوظًا فَمَا أيسر الْجَواب عَن مسألتك هَذِه! وَذَاكَ أَن لكل أمة مزاجاً هُوَ الْغَالِب عَلَيْهِم وَإِن كَانَ يُوجد فِي النَّادِر وَفِي الفرط مَا هُوَ مُخَالف لذَلِك المزاج وَذَلِكَ لأجل التربة والهواء والأغذية والمزاج التَّابِع لذَلِك وَلما كرهته أَنْت أَيْضا من آثَار الْفلك وَالْكَوَاكِب فَإِن ذَلِك الْعَالم هُوَ الْمُؤثر فِي هَذَا الْعَالم بِالْجُمْلَةِ. أما أَولا فبتمييز العناصر بَعْضهَا بعض ثمَّ بمزجها على الْأَقَل وَالْأَكْثَر ثمَّ بإعطائها الصُّور والأشكال. وَلَيْسَ لاستعفائك من الْحق وَجه وَلَا لإعفائك إياك مِنْهُ طَرِيق فَالْتَزمهُ فَإِن وَاجِب. وَلَوْلَا أَن مسألتك وَقعت عَن غير هَذَا الْمَعْنى لاشتغلت بِهِ وَلَكِن هَذَا أصل لَهُ فَلَا بُد فِي ذكر الْفَرْع من ذكر الأَصْل. وَإِذا كَانَ هَذَا على هَذَا فَحَيْثُ يعتدل مزاج مَا من الأمزجة الشَّرِيفَة أَعنِي فِي الْأَعْضَاء الشَّرِيفَة وَهِي: الْقلب والكبد والدماغ - وأضيف إِلَى ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ من أَخْلَاق فاضلة - أَعنِي تَرْتِيب الْأَفْعَال الغامرة وبحسب المزاج وتهذيبها ولزومها يتَكَرَّر الْفِعْل وإدمان الْعَادة - فهناك تَحْصِيل الْفَضِيلَة الصادرة عَنْهَا. وَسَوَاء أَكَانَ ذَلِك فِي أمة أَو شخص أَو كَانَ ذَلِك عَن ابْتِدَاء أَخْلَاق شريفة أَو تَأْدِيب شَيْئا فَشَيْئًا بعد أَن يكون المزاج مسعداً والبغية قَابِلَة وَالْعَادَة مستمرة فَإِن الْفَضِيلَة حَاصِلَة غير زائلة.
стр. 214
(مَسْأَلَة مَا عِلّة كَثْرَة غم من كَانَ أَعقل وَقلة غم من كل أَجْهَل)
وَهَذَا بَاب مَوْجُود فِي وَاحِد وَاحِد ثمَّ تَجدهُ فِي الْجِنْس وَالْجِنْس كالسودان والحمران فَإنَّك تَجِد السودَان أطرب وأجهل والحمران أَعقل وَأكْثر فكراً وَأَشد اهتماماً. هَذَا وَيُقَال إِن الْفَرح من الدَّم. والحمران أَكثر دَمًا وَأَعْدل مزاجاً وأوجد لأسباب الْفَرح وآلات الطَّرب وأقدر على الدُّنْيَا بِكُل وَجه. وَأَنت ترى - أَيْضا - هَذَا الْعَارِض فِي رَفِيقَيْنِ خليطين: أَحدهمَا مهموم بالطبع وَآخر متفكه بالطبع. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: الْغم يعرض من جِهَتَيْنِ مختلفتين: إِحْدَاهمَا جِهَة الْفِكر وَالْأُخْرَى جِهَة المزاج. فَأَما الْفِكر فَإِنَّهُ يعرض مِنْهُ الْغم إِذا كَانَ الْمَرْء ينْتَظر بِهِ مَكْرُوها. وَأما المزاج فَهُوَ أَن ينحرف مزاج الدَّم إِلَى السوَاد أَو الاحتراق فيتكدر بِهِ الرّوح الَّذِي سَببه بخارالدم فِي مجاري الشرايين. وبحسب صفاء ذَلِك الدَّم يكون صفاء بخاره وانبساطه وَسُرْعَة حركته وجريانه فِي ذَلِك التجويف. وَإِذا كَانَ سَبَب الْغم مَعْلُوما فمقابله الَّذِي هُوَ سَبَب الْفَرح وَالسُّرُور مَعْلُوم أَيْضا.
стр. 215
فالعاقل لأجل جولان فكره يكثر انْتِظَاره مكاره الدُّنْيَا وَمن لَا يكثر فكره وَلَا ينْتَظر مَكْرُوها فَلَا سَبَب لَهُ يغمه. وَأما المزاج الَّذِي ذَكرْنَاهُ فقد أحكمه جالينوس وَأَصْحَابه وَسَائِر الْأَطِبَّاء مِمَّن تقدمه أَو تَأَخّر عَنهُ. وَهَذَا المزاج لَيْسَ يخلوا أَن يكون طارئاً أَو حَادِثا أَو طبيعياً فِي أصل الْخلقَة فَإِن كَانَ حَادِثا فَهُوَ مرض وَيَنْبَغِي أَن يعالج بِمَا تعالج بِهِ أَصْنَاف المالخوليا وأنواع الْأَمْرَاض السوداوية الَّتِي سَببهَا فَسَاد الدَّم بالاحتراق وانحرافه إِلَى السَّوْدَاء. وَإِن كَانَ أَصْلِيًّا وخلقة فَلَا علاج لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرَض كأجيال من النَّاس وأمم أمزجتهم كَذَلِك. فَأَما مَا حكيته عَن السودَان فَإِن الزنوج خَاصَّة لَهُم الْفَرح والنشاط وَسَببه أعتدال دم الْقلب فيهم وَلَيْسَ ظَنَنْت أَن أمزجتهم تَابِعَة لسواد ألوانهم وَذَلِكَ أَن سَبَب سَواد ألوانهم هُوَ قرب الشَّمْس مِنْهُم وممرها فِي حضيض فلكها على سمت رُءُوسهم فَهِيَ تحرق جُلُودهمْ وشعورهم فَيعرض فِيهَا - أَعنِي فِي شُعُورهمْ - التفلفل الَّذِي هُوَ بِالْحَقِيقَةِ تشيط الشّعْر وَلأَجل أَن الْحَرَارَة تستولي على ظَاهِرهمْ فَهِيَ تجذب الْحَرَارَة الغريزية من باطنهم إِلَيْهَا لِأَن الْحَرَارَة تميل إِلَى جِهَة الْحَرَارَة فَلَا تكْثر الْحَرَارَة الغريزية فِي قُلُوبهم لأجل ذَلِك. وَإِذا لَك تكن الْحَرَارَة الغريزية فِي الْقلب قَوِيَّة لم يعرض للدم الَّذِي هُنَاكَ احتراق بل هُوَ إِلَى الصفاء والرقة أقرب. وَدِمَاء الزنوج رقيقَة أبدا صَافِيَة وَلذَلِك تقل الشجَاعَة أَيْضا فيهم. فَأَما الحمران فأكثرهم فِي نَاحيَة الشمَال والبلدان الْبَارِدَة الَّتِي تبعد
следующие страницы →