Полный текст (376 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: الْجزع والأسف من عوارض النَّفس وَهِي تجْرِي مجْرى سَائِر الْعَوَارِض الْأُخَر كالغضب والشهوة والغيرة وَالرَّحْمَة وَالْقَسْوَة وَسَائِر الْأَخْلَاق الَّتِي يحمد الْإِنْسَان فِيهَا إِذا عرضت لَهُ كَمَا يَنْبَغِي وبسائر الشُّرُوط الَّتِي أحصيناها مرَارًا كَثِيرَة ويذم بهَا إِذا عرضت بِخِلَاف تِلْكَ الشَّرَائِط. وَإِنَّمَا تهذب النَّفس بالأخلاق لتَكون هَذِه الْعَوَارِض الَّتِي تعرض لَهُ فِي موَاضعهَا على مَا يَنْبَغِي فِي الْوَقْت الَّذِي يَنْبَغِي فالحزن الَّذِي يعرض كَمَا يَنْبَغِي هُوَ مَا كَانَ فِي مُصِيبَة لحقت الْإِنْسَان لذنب اجترحه أَو لعمل فرط فِيهِ أَو كَانَ لَهُ فِيهِ سَبَب اخْتِيَاري أَو لسوء اتِّفَاق خصّه دون غَيره وَهُوَ يجهل سَببه فَإِن هَذَا الْحزن وَإِن كَانَ دون الأول فالإنسان مَعْذُور بِهِ. فَأَما مَا كَانَ ضَرُورِيًّا أَو وَاجِبا فَلَيْسَ يحزن لَهُ عَاقل لِأَن غرُوب الشَّمْس مثلا لما كَانَ ضَرُورِيًّا لم يحزن لَهُ أحد وَإِن كَانَ عائقاً عَن مَنَافِع كَثِيرَة وضارا بِكُل أحد وَمنع النّظر وَالتَّصَرُّف فِي مَنَافِع الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ هجوم الشتَاء وَالْبرد وورود الصَّيف بِالْحرِّ لَا يحزن لَهُ عَاقل بل يستعد لَهُ وَيَأْخُذ أهبته. وَأما الْمَوْت الطبيعي فَلَيْسَ يحزن لَهُ أحد لِأَنَّهُ ضَرُورِيّ وَإِنَّمَا يجزع الْإِنْسَان مِنْهُ إِذا ورد فِي غير الْوَقْت الَّذِي كَانَ ينتظره أَو بِغَيْر الْحَالة المحتسبة وَلذَلِك يجزع الْوَالِد على موت وَلَده لِأَن الَّذِي احتسبه أَن يَمُوت هُوَ قبله. فَأَما الْوَلَد فيقل جزعه على وَالِده لِأَن الْأَمر كَمَا كَانَ فِي حسابه إِلَّا أَنه تقدم مثلا بِزَمَان يسير أَو كَمَا يَنْبَغِي. فَأَما مَا يعرض للْمُسَافِر ولراكب
стр. 212
الْبَحْر أَن يخص دون من يَصْحَبهُ بمحنة فِي مَاله أَو جِسْمه فَإِنَّمَا حزنه لسوء الِاتِّفَاق ورداءة البخت فَإِن هَذَا النَّوْع مَجْهُول السَّبَب وَلذَلِك يعْذر فِيهِ أدنى عذر. وَأما من يتَمَنَّى لغيره من السوء مثل مَا يحصل لَهُ فَهُوَ شَرّ فِي طبعه لَا سِيمَا إِذا لم يجد عَلَيْهِ شَيْئا وَلم يعد لَهُ بطائل وَحِينَئِذٍ يحسن توبيخه وتأديبه. وَقد أحسن الشَّاعِر فِي قَوْله:
(مَسْأَلَة مَا الْفَضِيلَة السارية فِي الْأَجْنَاس الْمُخْتَلفَة كالعرب وَالروم وَالْفرس والهند)
وَزَعَمت أَنَّك حذقت التّرْك لِأَن أَبَا عُثْمَان لَا يعْتد بهم إِلَى مَا يتَّصل بِهِ من كلامك مِمَّا لم أحكه إِذْ كَانَت الْمَسْأَلَة هِيَ فِي قدر مَا خرج من حكايتي. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: لما كَانَت هَذِه الْمَسْأَلَة متوجهة إِلَى خَصَائِص الْأُمَم والتعجب وَاقعا مِمَّا تفرد بِهِ قوم دون قوم - أَقبلت على الْبَحْث عَن ذَلِك وَتركت تَهْذِيب أَلْفَاظ الْمَسْأَلَة. وَهَذِه سبيلي فِي سَائِر الْمسَائِل لِأَن صَاحبهَا يسْلك مَسْلَك الخطابة وَلَا يذهب مَذْهَب أهل الْمنطق فِي تَحْقِيق الْمَسْأَلَة وتوفيتها حظها على طرقهم فَأَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق: قد تقدم فِيمَا مضى من كلامنا أَن النَّفس تسْتَعْمل الْآلَات الْبَدَنِيَّة فتصدر أفعالها بِحَسب أمزجتها وحكينا عَن جالينوس مذْهبه ودللنا على الْموضع الَّذِي يسْتَخْرج مِنْهُ ذَلِك وضربنا لَهُ مثلا من الْحَرَارَة الغريزية وَغَيرهَا إِذا كَانَت حَاضِرَة كَيفَ تستعملها النَّفس
стр. 213
الناطقة حَتَّى تكون كَمَا يَنْبَغِي وعَلى من يَنْبَغِي وَفِي الْوَقْت الَّذِي يَنْبَغِي وَأَن الرياضة وَحسن التَّقْدِير وَالتَّرْتِيب وَلُزُوم ذَلِك حَتَّى يصير سجية وملكة - هِيَ الْفَضِيلَة والخلق الْمَحْمُود. فَإِذا كَانَ هَذَا الأَصْل مَحْفُوظًا فَمَا أيسر الْجَواب عَن مسألتك هَذِه! وَذَاكَ أَن لكل أمة مزاجاً هُوَ الْغَالِب عَلَيْهِم وَإِن كَانَ يُوجد فِي النَّادِر وَفِي الفرط مَا هُوَ مُخَالف لذَلِك المزاج وَذَلِكَ لأجل التربة والهواء والأغذية والمزاج التَّابِع لذَلِك وَلما كرهته أَنْت أَيْضا من آثَار الْفلك وَالْكَوَاكِب فَإِن ذَلِك الْعَالم هُوَ الْمُؤثر فِي هَذَا الْعَالم بِالْجُمْلَةِ. أما أَولا فبتمييز العناصر بَعْضهَا بعض ثمَّ بمزجها على الْأَقَل وَالْأَكْثَر ثمَّ بإعطائها الصُّور والأشكال. وَلَيْسَ لاستعفائك من الْحق وَجه وَلَا لإعفائك إياك مِنْهُ طَرِيق فَالْتَزمهُ فَإِن وَاجِب. وَلَوْلَا أَن مسألتك وَقعت عَن غير هَذَا الْمَعْنى لاشتغلت بِهِ وَلَكِن هَذَا أصل لَهُ فَلَا بُد فِي ذكر الْفَرْع من ذكر الأَصْل. وَإِذا كَانَ هَذَا على هَذَا فَحَيْثُ يعتدل مزاج مَا من الأمزجة الشَّرِيفَة أَعنِي فِي الْأَعْضَاء الشَّرِيفَة وَهِي: الْقلب والكبد والدماغ - وأضيف إِلَى ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ من أَخْلَاق فاضلة - أَعنِي تَرْتِيب الْأَفْعَال الغامرة وبحسب المزاج وتهذيبها ولزومها يتَكَرَّر الْفِعْل وإدمان الْعَادة - فهناك تَحْصِيل الْفَضِيلَة الصادرة عَنْهَا. وَسَوَاء أَكَانَ ذَلِك فِي أمة أَو شخص أَو كَانَ ذَلِك عَن ابْتِدَاء أَخْلَاق شريفة أَو تَأْدِيب شَيْئا فَشَيْئًا بعد أَن يكون المزاج مسعداً والبغية قَابِلَة وَالْعَادَة مستمرة فَإِن الْفَضِيلَة حَاصِلَة غير زائلة.
стр. 214
(مَسْأَلَة مَا عِلّة كَثْرَة غم من كَانَ أَعقل وَقلة غم من كل أَجْهَل)
وَهَذَا بَاب مَوْجُود فِي وَاحِد وَاحِد ثمَّ تَجدهُ فِي الْجِنْس وَالْجِنْس كالسودان والحمران فَإنَّك تَجِد السودَان أطرب وأجهل والحمران أَعقل وَأكْثر فكراً وَأَشد اهتماماً. هَذَا وَيُقَال إِن الْفَرح من الدَّم. والحمران أَكثر دَمًا وَأَعْدل مزاجاً وأوجد لأسباب الْفَرح وآلات الطَّرب وأقدر على الدُّنْيَا بِكُل وَجه. وَأَنت ترى - أَيْضا - هَذَا الْعَارِض فِي رَفِيقَيْنِ خليطين: أَحدهمَا مهموم بالطبع وَآخر متفكه بالطبع. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: الْغم يعرض من جِهَتَيْنِ مختلفتين: إِحْدَاهمَا جِهَة الْفِكر وَالْأُخْرَى جِهَة المزاج. فَأَما الْفِكر فَإِنَّهُ يعرض مِنْهُ الْغم إِذا كَانَ الْمَرْء ينْتَظر بِهِ مَكْرُوها. وَأما المزاج فَهُوَ أَن ينحرف مزاج الدَّم إِلَى السوَاد أَو الاحتراق فيتكدر بِهِ الرّوح الَّذِي سَببه بخارالدم فِي مجاري الشرايين. وبحسب صفاء ذَلِك الدَّم يكون صفاء بخاره وانبساطه وَسُرْعَة حركته وجريانه فِي ذَلِك التجويف. وَإِذا كَانَ سَبَب الْغم مَعْلُوما فمقابله الَّذِي هُوَ سَبَب الْفَرح وَالسُّرُور مَعْلُوم أَيْضا.
стр. 215
فالعاقل لأجل جولان فكره يكثر انْتِظَاره مكاره الدُّنْيَا وَمن لَا يكثر فكره وَلَا ينْتَظر مَكْرُوها فَلَا سَبَب لَهُ يغمه. وَأما المزاج الَّذِي ذَكرْنَاهُ فقد أحكمه جالينوس وَأَصْحَابه وَسَائِر الْأَطِبَّاء مِمَّن تقدمه أَو تَأَخّر عَنهُ. وَهَذَا المزاج لَيْسَ يخلوا أَن يكون طارئاً أَو حَادِثا أَو طبيعياً فِي أصل الْخلقَة فَإِن كَانَ حَادِثا فَهُوَ مرض وَيَنْبَغِي أَن يعالج بِمَا تعالج بِهِ أَصْنَاف المالخوليا وأنواع الْأَمْرَاض السوداوية الَّتِي سَببهَا فَسَاد الدَّم بالاحتراق وانحرافه إِلَى السَّوْدَاء. وَإِن كَانَ أَصْلِيًّا وخلقة فَلَا علاج لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرَض كأجيال من النَّاس وأمم أمزجتهم كَذَلِك. فَأَما مَا حكيته عَن السودَان فَإِن الزنوج خَاصَّة لَهُم الْفَرح والنشاط وَسَببه أعتدال دم الْقلب فيهم وَلَيْسَ ظَنَنْت أَن أمزجتهم تَابِعَة لسواد ألوانهم وَذَلِكَ أَن سَبَب سَواد ألوانهم هُوَ قرب الشَّمْس مِنْهُم وممرها فِي حضيض فلكها على سمت رُءُوسهم فَهِيَ تحرق جُلُودهمْ وشعورهم فَيعرض فِيهَا - أَعنِي فِي شُعُورهمْ - التفلفل الَّذِي هُوَ بِالْحَقِيقَةِ تشيط الشّعْر وَلأَجل أَن الْحَرَارَة تستولي على ظَاهِرهمْ فَهِيَ تجذب الْحَرَارَة الغريزية من باطنهم إِلَيْهَا لِأَن الْحَرَارَة تميل إِلَى جِهَة الْحَرَارَة فَلَا تكْثر الْحَرَارَة الغريزية فِي قُلُوبهم لأجل ذَلِك. وَإِذا لَك تكن الْحَرَارَة الغريزية فِي الْقلب قَوِيَّة لم يعرض للدم الَّذِي هُنَاكَ احتراق بل هُوَ إِلَى الصفاء والرقة أقرب. وَدِمَاء الزنوج رقيقَة أبدا صَافِيَة وَلذَلِك تقل الشجَاعَة أَيْضا فيهم. فَأَما الحمران فأكثرهم فِي نَاحيَة الشمَال والبلدان الْبَارِدَة الَّتِي تبعد
стр. 216
الشَّمْس عَنْهُم وتقوى الْحَرَارَة الغريزية فِي قُلُوبهم ولاشتمال الْبرد على ظَاهِرهمْ تبقى جُلُودهمْ بَيْضَاء وشعورهم سباطاً وتعود حرارتهم إِلَى دَاخل أبدانهم هرباً من الْبرد الَّذِي فِي هوائهم لبعد الشَّمْس عَنْهُم فهم لذَلِك أَشْجَع وَأقوى حرارة قُلُوب. ودماؤهم لأجل ذَلِك إِلَى الكدورة والسواد وَالْخُرُوج عَن الِاعْتِدَال. وَأهل الِاعْتِدَال الَّذِي يبعدون عَن الشمَال وَعَن الْجنُوب ويسكنون الإقليم الْأَوْسَط هم أسلم من
مَسْأَلَة
حَدثنِي عَن مَسْأَلَة هِيَ ملكة الْمسَائِل وَالْجَوَاب عَنْهَا أَمِير الْأَجْوِبَة وَهِي الشجا فِي الْحلق والقذى فِي الْعين والغصة فِي الصَّدْر والوقر على الظّهْر والسل فِي الْجِسْم وَالْحَسْرَة فِي النَّفس وَهَذَا كُله لعظم مادهم مِنْهَا وابتلى النَّاس بِهِ فِيهَا وَهِي حرمَان الْفَاضِل وَإِدْرَاك النَّاقِص وَلِهَذَا الْمَعْنى خلع ابْن الراوندي ربقة الدّين وَقَالَ أَبُو سعيد الحصيري بِالشَّكِّ وألحد فلَان
стр. 217
فِي الْإِسْلَام وارتاب فلَان فِي الْحِكْمَة. وَحين نظر أَبُو عِيسَى الْوراق إِلَى خَادِم قد خرج من دَار الْخَلِيفَة
стр. 218
بجنائب تقاد بَين يَدَيْهِ وبجماعة تركض حواليه فَرفع رَأسه إِلَى السَّمَاء وَقَالَ: أوحدك بلغات وألسنة وأدعو إِلَيْك بحجج وأدلة وأنصر دينك بِكُل شَاهد وَبَينه ثمَّ أَمْشِي هَكَذَا عَارِيا جائعاً نائعاً وَمثل هَذَا الْأسود يتقلب فِي الْخَزّ والوشي والخدم والحشم والحاشية والغاشية. وَيُقَال هَذَا الْإِنْسَان هُوَ ابْن الراوندي وَمن كَانَ فَإِن الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب والإسناد فِيهِ عَال والبحث عَن هَذَا السِّرّ وَاجِب فَإِنَّهُ بَاب إِلَى روح الْقلب وسلامة الصَّدْر وَصِحَّة الْعقل ورضا الرب وَلَو لم يكن فِيهِ إِلَّا التَّفْوِيض وَالصَّبْر حَسْبَمَا يُوجِبهُ الدَّلِيل لَكَانَ كَافِيا. والمنجمون يَقُولُونَ: إِن الثَّامِن من مُقَابلَة الثَّانِي. وَحدثنَا شيخ عَن ابْن مُجَاهِد أَنه قَالَ: الْفضل مَعْدُود من الرزق كَمَا أَن الْخَفْض مَعْدُود فِي جملَة الحرمان.
стр. 219
وَقَالَ شيخ لي مرّة: اعْلَم أَن الْقِسْمَة عدل وَالقَاسِم منصف لِأَنَّهُ بِإِزَاءِ مَا أَعْطَاك من الْأَدَب وَالْفضل وَاللِّسَان وَالْعقل أعْطى صَاحبك المَال والجاه والكفاية واليسار فَانْظُر إِلَى النِّعْمَة كَيفَ انقسمت بَيْنكُمَا ثمَّ انْظُر إِلَى الْبلَاء كَيفَ انقسم عَلَيْكُمَا أَيْضا: أبلاك مَعَ الْفضل بِالْحَاجةِ وأبلاه مَعَ الْغنى بالجهالة. فَهَل الْعدْل إِلَّا فِي هَذِه الْعبْرَة وَالْحق إِلَّا بِهَذِهِ الفكرة. ولعمري إِن هَذَا الْمِقْدَار لَا يصير عَلَيْهِ الدهري وَلَا التناسخي وَلَا الثنوي وَلَكِن على كل حَال فِيهِ تبصرة من الْعَمى. وَلَو قد أفردنا الْجَواب عَن مسَائِل هَذِه الرسَالَة للمعترض والمتشكك فِي ذَلِك مشبع ومروى. وَالله الْمعِين على مَا قد اشْتَمَل الضَّمِير عَلَيْهِ وانعقدت النِّيَّة بِهِ. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: هَذِه الْمَسْأَلَة كَمَا حكيت ووصفت من صعوبتها على أَكثر النَّاس وَالْتِبَاس وَجه الْحِكْمَة فِيهَا على أَصْنَاف أهل النّظر حَتَّى صَار الْكَلَام فِيهَا مشبهاً بقائم الشطرنج الَّذِي يتنازعه الخصمان إِلَى أَن يقطعهما الكلال والسآمة فيطرحونها قَائِمَة وَكنت أحب أَن أفرد فِيهَا مقَالَة تشْتَمل على جملَة مستقصاة تشفي وتكفي عِنْد مَا سَأَلَني بعض الإخوان ذَلِك فَإِن أَمْثَال هَذِه الْمسَائِل المتداولة بَين النَّاس الْمَشْهُورَة بِالشَّكِّ والحيرة - لَيْسَ يَنْبَغِي أَن يقنع فِيهَا بأمثال هَذِه الْأَجْوِبَة الَّتِي سَأَلت أَنْت فِيهَا الإيجاز الشَّديد وضمنت أَنا فِيهَا الْإِيمَاء إِلَى النكت لَا سِيمَا وَأَنا لَا أعرف
стр. 220
فِي مَعْنَاهَا كلَاما مَبْسُوطا لأحد مِمَّن تقدمني حَتَّى إِذا أَوْمَأت بِالْمَعْنَى إِلَيْهِ أحلّت بالشرح عَلَيْهِ ولكنني لما انْتَهَيْت إِلَيْهَا بِالنّظرِ لم يجز أَن أخليها من جَوَاب متوسط بَين الإسهاب والإيجاز. وَأَنا مُجْتَهد فِي بَيَانهَا وَإِزَالَة مَا لحق النَّاس من الْحيرَة فِيهَا. وَمن عِنْد الله استمد التَّوْفِيق وَهُوَ حسبي فَأَقُول: إِن من الْأُصُول الَّتِي لَا مُنَازعَة فِيهَا وَهِي مسلمة من ذَوي الْعُقُول السليمة أَن لكل مَوْجُود فِي الْعَالم - طبيعي كَانَ أَو صناعي - غَايَة وكمالاً وغرضاً خَاصّا وجد من أَجله وبسببه اعني أَنه إِنَّمَا أوجد ليتم بِهِ ذَلِك الْغَرَض وَإِن كَانَ قد يتم بِهِ أَشْيَاء أخر دون ذَلِك الْغَرَض الْأَخير والكمال الْأَخير وَقد يصلح لأمور لَيست من الْغَرَض الَّذِي قصد بِهِ وَأُرِيد لَهُ فِي شَيْء. وَمِثَال ذَلِك المطرقة فَإِنَّهَا إِنَّمَا أعدت للصانع ليتم لَهُ بهَا مد الْأَجْسَام إِلَى أقطارها وبسطها إِلَى نَوَاحِيهَا وَهِي - مَعَ ذَلِك - تصلح لِأَن يشق بهَا وتستعمل فِي بعض مَا تسْتَعْمل فِيهِ الفأس وَكَذَلِكَ أَيْضا المقراض إِنَّمَا أعد للخياط ليقطع بِهِ الثَّوْب وَهُوَ مَعَ ذَلِك - يصلح لِأَن يبري بِهِ الْقَلَم وَيسْتَعْمل مَكَان السكين وَكَذَلِكَ الْحَال فِي سَائِر الْآلَات الصناعية. وَهَكَذَا صور الْأُمُور الطبيعية فَإِن الْأَسْنَان إِنَّمَا أعدت مختلفات الأوضاع والأشكال لاخْتِلَاف كمالاتها - أَعنِي الْأَغْرَاض الَّتِي تتمّ بهَا وَالْأَفْعَال الَّتِي وجدت من أجلهَا فَإِن مقاديمها حادة بالهيئة الَّتِي تصلح للْقطع كالحال فِي السكين ومآخيرها عريضة بالهيئة الَّتِي تصلح للرض والطحن كالحال فِي الرحا. وَقد تتمّ بهَا أَفعَال أخر.
стр. 221
وَكَذَلِكَ الْحَال فِي الْيَد وَالرجل فقد يتعاطى النَّاس أَن يعملوا بِكُل وَاحِدَة مِنْهُمَا غير مَا خلقت لَهُ وعملت من أَجله على سَبِيل الْحَاجة إِلَى ذَلِك أَو على طَرِيق التَّغْرِيب بِهِ كمن يمشي على يَده ويبطش وَيكْتب بِرجلِهِ. وَلَكِن هَذِه الْأَفْعَال - وَإِن سَاغَ صدروها عَن هَذِه الْآلَات وتتم بهَا غير مَا هُوَ كمالها وَخص بهَا - فَإِن ذَلِك مِنْهَا يكون على اضْطِرَاب ونقصان عَن الْآلَات الَّتِي تتمّ بهَا أَعمالهَا الْخَاصَّة بهَا الْمَطْلُوبَة مِنْهَا الْمَوْجُودَة من أجلهَا. وَإِذا كَانَ ذَلِك مستمراً فِي جَمِيع الألات الصناعية والأشخاص الطبيعية فَكَذَلِك الْحَال فِي النواع وَهَكَذَا يجْرِي الْأَمر فِي أَجنَاس هَذِه الْأَنْوَاع فَإِن النَّاطِق وَغير النَّاطِق من الْحَيَوَان لَيْسَ يجوز أَن يكون غرضهما وكمالهما وَاحِد - أَعنِي لَا يجوز بِوَجْه وَلَا سَبَب أَلا يكون للْإنْسَان الَّذِي ميز بِهَذِهِ الصُّورَة وَأعْطِي التَّمْيِيز والروية وَفضل بِالْعقلِ الَّذِي هُوَ أجل موهوب لَهُ وَأفضل مَخْصُوص بِهِ - غَرَض خَاص وَكَمَال خلق لأَجله وَوجد بِسَبَبِهِ. وَإِذا كَانَ هَذَا الأَصْل موطأ ومقراً بِهِ وَكَانَ على غَايَة الصِّحَّة وَفِي نِهَايَة الْقُوَّة كَمَا ترَاهُ فَهَلُمَّ بِنَا نبحث بحثا آخر عَن هَذِه الْآلَات الصناعية والأشخاص الطبيعية فَإنَّا نجدها قد تشترك فِي أَشْيَاء وتتباين فِي أَشْيَاء. أَعنِي أَن المطرقة تشارك السكين والإبرة والمنشار وَغَيرهَا فِي الصُّورَة الَّتِي هِيَ الحديدة ثمَّ تنفرد بخاص صُورَة لَهَا تميزها من غَيرهَا وَالْإِنْسَان يُشَارك النَّبَات والبهائم فِي النمو والاعتلال وَفِي الإلتذاذ بالمأكل وَالْمشْرَب وَسَائِر راحات الْجَسَد ونفض الفضول عَنهُ.
стр. 222
ونريد أَن نعلم هَل هَذَا الِاخْتِصَاص الَّذِي لكل وَاحِد مِنْهَا بغرضه الْخَاص بِهِ وكماله الْمَفْرُوض لَهُ هُوَ بِمَا شَارك بِهِ غَيره آو بِمَا باينه بِهِ فتجده الصُّورَة الْخَاصَّة بِهِ الَّتِي ميزته عَن غَيره وَصَارَ بهَا هُوَ مَا هُوَ. أَعنِي صُورَة الفأس الَّتِي بهَا هُوَ فأس هِيَ الَّتِي جعلت لَهُ خاصته وكماله وغرضه وَكَذَلِكَ الْحَال فِي الْبَاقِيَات. ثمَّ نصير إِلَى الْإِنْسَان الَّذِي شَارك النَّبَات وَالْحَيَوَان فِي موضوعاتها فَنَقُول: إِن الْإِنْسَان من حَيْثُ هُوَ حَيَوَان قد شَارك الْبَهَائِم فِي غَرَض الحيوانية وكمالها أَعنِي فِي نيل اللَّذَّات والشهوات والتماس الراحات وَطلب الْعِوَض مِمَّا يتَحَلَّل من بدنه إِلَّا أَن الحيوانية لما مَا تكن صورته الْخَاصَّة بِهِ المميزة لَهُ عَن غَيره لم تصدر هَذِه الْأَشْيَاء مِنْهُ على أتم أحوالها وَذَاكَ أَنا نجد أَكثر الْحَيَوَانَات تزيد على الْإِنْسَان فِي جَمِيع مَا عددناه وتفضله فِيهَا بالاقتدار على التزيد وبالمداومة وبالاهتداء. وَلما كَانَت صورته الْخَاصَّة بِهِ الَّتِي ميزته عَن غَيره هُوَ الْعقل وخصائصه من التَّمْيِيز والروية - وَجب ان تكون إنسانيته فِي هَذِه الْأَشْيَاء فَكل من كَانَ حَظه من هَذِه الخصائص أَكثر كَانَ اكثر إنسانية كَمَا أَن الْأَشْيَاء الَّتِي عددناها كلما كَانَ مِنْهَا حَظه من صورته الْخَاصَّة بِهِ أَكثر كَانَ فَضله فِي أشكاله أظهر. ثمَّ نعود إِلَى شرح مسألتك ونبينها بِحَسب هَذِه الْأُصُول الَّتِي قدمتها فَأَقُول: لعمري إِنَّه لَو كَانَ غَايَة الْإِنْسَان وغرضه الَّذِي وجد بِسَبَبِهِ وكماله الَّذِي أعد لَهُ هُوَ الاستكثار من الْقنية والتمتع بالمآكل والمشارب وَسَائِر اللَّذَّات والراحات - لوَجَبَ أَن يستوفيها بصورته الْخَاصَّة بِهِ ولوجب أَن تكْثر عِنْده وَيكون نصيب كل إِنْسَان مِنْهَا على قدر قسطه من الإنسانية حَتَّى يكون الْأَفْضَل من النَّاس هُوَ الْأَفْضَل فِي هَذِه الْأَحْوَال من الْقنية والاستمتاع بهَا وَلَكِن لما كَانَت صورته الْخَاصَّة بِهِ هِيَ ذكرنَا علمنَا
стр. 223
أَن الْقَصْد بِهِ وَالْغَرَض فِيهِ هُوَ مَا صدر عَنهُ وَتمّ بِهِ كحقائق الْعُلُوم والمعارف وإجالة الروية وإعمال الفكرة فِيهَا ليصل بذلك إِلَى مرتبَة هِيَ أجل من مرتبَة الْبَهَائِم وَسَائِر الموجودات فِي عَالم الْكَوْن وَالْفساد كَمَا أَنه فِي نَفسه وبحسب صورته أفضل مِنْهَا كلهَا. وَهَذِه الْمرتبَة لَا يصل إِلَيْهَا بِغَيْر الروبة وَبِغير الإختيار الخاصيين بِالْعقلِ. وَلَا يجوز أَن يُقَال فِي مُعَارضَة مَا قُلْنَاهُ: إِن هَذِه الروية وَهَذَا الِاخْتِيَار إِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يَكُونَا فِي اللَّذَّات لأَنا قد بَينا فِي هَذَا الْموضع وَفِي مَوَاضِع أخر كَثِيرَة أَن تِلْكَ الْمَوْجُودَة للحيوانات الخسيسة أَو فر وَأكْثر بِغَيْر روية وَلَا عقل وَإِنَّمَا تشرف الروية وتتبين ثَمَرَة الْعقل إِذا اسْتعْمل فِي أفضل الموجودات. وَأفضل الموجودات مَا كَانَ دَائِم الْبَقَاء داثر وَلَا متبدل وَغير مُحْتَاج وَلَا فَقير إِلَى شَيْء خَارج عَنهُ بل هُوَ الْغَنِيّ بِذَاتِهِ الَّذِي بجوده على جَمِيع الموجودات ونزلها منازلها بِقدر مراتبها وعَلى قدر قبُولهَا وبحسب استحقاقاتها. فالروية والفكرة وَالِاخْتِيَار إِنَّمَا تكمل بهَا صور الإنسانية إِذا اسْتعْملت فِي الْأُمُور الإلهية ليرتقي بهَا إِلَى منَازِل شريفة لَا يُمكن النُّطْق بهَا وَلَا إِشَارَة إِلَيْهَا إِلَّا لمن وصل إِلَيْهَا وَعرف إِلَى مَا يشار وَعلم لأي شَيْء عرض الْإِنْسَان من الْخيرَات ثمَّ هُوَ يطْلب الإنتكاس فِي الْخلق وَالرُّجُوع إِلَى مرتبَة الْبَهَائِم وَمن هُوَ فِي عدادها مِمَّن خسر نَفسه كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: [اي] ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [\ اي] فَهَذَا - لعمري - هُوَ الخسران الْمُبين الَّذِي يتَعَوَّذ بِاللَّه مِنْهُ دَائِما. وَلَقَد أعجبني قَول امرىء الْقَيْس مَعَ لوثة أعرابيته وعجمية ملكه وشبابه وذهابه فِي طرق الشّعْر الَّتِي كَانَ متصنعاً بِهِ وهائماً فِي واديه منغمساً فِي مَعَانِيه:
стр. 224
أرانا موضِعين لحتم غيب ونسحر بِالطَّعَامِ وبالشراب فَمَا هَذَا الإيضاع منا وَمَا هَذَا الحتم من الْغَيْب لقد أَشَارَ إِلَى معنى الطيف وَدلّ من نَفسه على ذكاء تَامّ وقريحة عَجِيبَة أَلا ترَاهُ يَقُول: ونسحر بِالطَّعَامِ وبالشراب أَي المُرَاد منا وَالْمَقْصُود بِنَا غَيرهمَا وَإِنَّمَا نسحر بِهَذَيْنِ. فقد تبين أَن الْإِنْسَان - إِذا لم تكن غَايَته هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي تسميها الْعَامَّة أرزاقاً وَلم يخلق لَهَا وَلَا هِيَ مَقْصُود بِالذَّاتِ - فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يلتمسها وَأَن يتعجب مِمَّن اتّفقت لَهُ وَإِن كَانَ يتشوقها ويحبها فَلَيْسَ ذَلِك من حَيْثُ هُوَ إِنْسَان عَاقل بل هُوَ من حَيْثُ هُوَ حَيَوَان بهيمي. وَقد أزيحت علته فِي الْأُمُور الضرورية الَّتِي يتم بهَا عيشة وَيصِح مِنْهَا سلوكه إِلَى غَايَته. وَلم يظلم أحد فِي هَذَا فَتَأَمّله تَجدهُ بَينا إِن شَاءَ الله.
مَسْأَلَة مَا الِاتِّفَاق؟ وَمَا يتلوه من الْكَلَام ؟
هَذِه الْمَسْأَلَة مكررة وَقد مضى الْجَواب عَنْهَا مستقصى على شريطة الإيجاز. وَبعدهَا مَسْأَلَة التَّوْفِيق وَقد مرت أَيْضا فَليرْجع إِلَى الْأَجْوِبَة الْمُتَقَدّمَة عَنْهُمَا.
стр. 225
(مَسْأَلَة لجواب أَن تفرد مَسْأَلَة الْجَبْر وَالِاخْتِيَار)
فَيُقَال: مَا الْجَبْر وَمَا الِاخْتِيَار وَمَا نسبتهما إِلَى الْعَالم وَكَيف انتسابهما وانتمائهما. اعني كَيفَ اخْتِلَافهمَا فِي ائتلاقهما وَذَلِكَ أَنَّك تجدهما فِي الْعَالم مضافين إِلَى اللَّذين يجمعُونَ بَين الْعقل والحس كَمَا تجدهما مضافين إِلَى اللَّذين ينفردون بالحس دون الْعقل. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن الْإِنْسَان تصدر عَنهُ حركات وأفعال كَثِيرَة لَا يشبه بَعْضهَا بَعْضًا. وَذَلِكَ أَنه يظْهر مِنْهُ فعل من حَيْثُ هُوَ جسم طبيعي فيناسب فِيهِ الجماد. وَيظْهر مِنْهُ فعل آخر من حَيْثُ هُوَ نَام - مَعَ أَنه جسم طبيعي - فيناسب بذلك الْفِعْل النَّبَات. وَيظْهر مِنْهُ فعل آخر من حَيْثُ هُوَ ذُو نفس حساس فيناسب بذلك الْفِعْل الْبَهَائِم. وَيظْهر مِنْهُ فعل آخر من حَيْثُ هُوَ نَاطِق مُمَيّز فيناسب بذلك الْفِعْل الْمَلَائِكَة وَلكُل وَاحِد من هَذِه الْأَفْعَال والحركات الصادرة عَن الْإِنْسَان أَنْوَاع كَثِيرَة وإليها دواع وَلها أَسبَاب وَينظر أَيْضا فِيهَا من جِهَات مُخْتَلفَة وَتعرض لَهَا عوائق كَثِيرَة وموانع مُخْتَلفَة بَعْضهَا طبيعية وَبَعضهَا اتفاقية،
стр. 226
وَبَعضهَا قهرية. وَمَتى لم يفصل النَّاظر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة هَذِه الْأَفْعَال بَعْضهَا من بعض وَلم ينظر فِي جهاتها كلهَا - اخْتلطت عَلَيْهِ هَذِه الْوُجُوه والتبس عَلَيْهِ وَجه النّظر فِيهَا فعرضت لَهُ الْحيرَة وَكَثُرت عَلَيْهِ الشّبَه والشكوك. وَنحن نبين هَذِه الحركات ونميزها ثمَّ نتكلم على حَقِيقَة الْجَبْر وَالِاخْتِيَار فَإِن الْأَمر حِينَئِذٍ يسهل جدا وَيقرب فهمه وَلَا يعتاص - بِمَشِيئَة الله تَعَالَى - فَأَقُول: إِن الْفِعْل - مَعَ اخْتِلَاف أَنْوَاعه وتباين جهاته - يحْتَاج فِي ظهروه إِلَى أَرْبَعَة أَشْيَاء: أَحدهمَا الْفَاعِل الَّذِي يظْهر مِنْهُ. وَالثَّانِي الْمَادَّة الَّتِي تحصل فِيهَا. وَالثَّالِث الْغَرَض الَّذِي ينساق إِلَيْهِ. وَالرَّابِع الصُّورَة الَّتِي تقدم عِنْد الْفَاعِل ويروم بِالْفِعْلِ اتخاذها فِي الْمَادَّة وَرُبمَا كَانَت الصُّورَة هِيَ الْفِعْل بِعَيْنِه. فَهَذِهِ الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة هِيَ ضَرُورِيَّة فِي وجود الْفِعْل وظهوره وَقد يحْتَاج إِلَى الْآلَة وَالزَّمَان وَالْبَيِّنَة الصَّحِيحَة وَلَكِن لَيست بضرورية فِي كل فعل. ثمَّ إِن كل وَاحِد من الْأَشْيَاء الَّتِي هِيَ ضَرُورِيَّة فِي وجود الْفِعْل يَنْقَسِم قسمَيْنِ: فَمِنْهُ قريب وَمِنْه بعيد: أما الْفَاعِل الْقَرِيب فبمنزلة الْأَجِير الَّذِي ينْقل آلَات الْبناء فِي اتِّخَاذ الدَّار. وَالْفَاعِل الْبعيد بِمَنْزِلَة الَّذِي يهندس الدَّار وَيَأْمُر بهَا ويتقدم بِجَمِيعِ آلاتها. وَأما الهيولى الْقَرِيبَة فبمنزلة اللَّبن للحائط والخشب للباب. والهيولى الْبَعِيدَة بِمَنْزِلَة العناصر الأولى.
стр. 227
وَأما الْكَمَال الْقَرِيب فبمنزلة السُّكْنَى فِي الدَّار. والكمال الْبعيد بِمَنْزِلَة حفظ الْمَتَاع وَدفع أَذَى الْحر وَالْبرد وَمَا أشبه ذَلِك. وَأما أَنْوَاع الْأَفْعَال الَّتِي ذَكرنَاهَا فَإِنَّمَا اخْتلفت بِحَسب أَنْوَاع القوى الفاعلة الَّتِي فِي الْإِنْسَان وَذَلِكَ أَن لكل وَاحِدَة من القوى الشهوية والقوى الغضبية والقوى الناطقة - خَاص فعل لَا يصدر إِلَّا عَنْهَا. وَأما الْأَسْبَاب الدَّوَاعِي فبعضها الشوق والنزوع وَبَعضهَا الْفِكر والروية وَقد تتركب هَذِه. وَأما الْعَوَائِق الَّتِي ذَكرنَاهَا فبعضها اتفاقية وَبَعضهَا قهرية وَبَعضهَا طبيعية. فالاتفاقية بِمَنْزِلَة من يخرج لزيارة صديقه فيلقاه عَدو لم يَقْصِدهُ فيعوقه عَن إتْمَام فعله وَكَمن ينْهض لحَاجَة فيعثر أَو يَقع فِي بِئْر. والقهرية بِمَنْزِلَة من يشد يَدَيْهِ اللُّصُوص ليعوقوه عَن الْبَطْش بهما أَو كمن يُقَيِّدهُ السُّلْطَان ليمنعه من السَّعْي والهرب مِنْهُ. والطبيعية بِمَنْزِلَة الفالج والسكتة وَأما أشبههما. وَهَهُنَا نظر آخر فِي الْفِعْل يَنْبَغِي أَن نتذكره وَهُوَ أَنا رُبمَا نَظرنَا فِي الْفِعْل لَا من حَيْثُ ذَاته وَلَكِن من حَيْثُ إِضَافَته إِلَى غَيره مِثَال ذَلِك أَنا قد نَنْظُر فِي فعل زيد من حَيْثُ هُوَ طَاعَة لغيره أَو مَعْصِيّة وَمن حَيْثُ يُحِبهُ عَمْرو ويكرهه خَالِد وَمن جِهَة مَا هُوَ ضار لبكر وَنَافِع لعبد الله. وَهَذَا النّظر لَيْسَ يكون فِي ذَات الْفِعْل بل فِي إِضَافَته إِلَى غَيره. وَإِذ قد نَظرنَا فِي الْفِعْل وأنواعه وجهاته وَحَاجته فِي ظُهُوره ووجوده إِلَى الشَّرَائِط الَّتِي عددناها - فَإنَّا ناظرون فِي الِاخْتِيَار مَا هُوَ فَنَقُول: إِن الِاخْتِيَار اشتقاقه بِحَسب اللُّغَة من الْخَيْر وَهُوَ افتعال مِنْهُ وَإِذا قيل: اخْتِيَار
стр. 228
الْإِنْسَان شَيْئا فَكَأَنَّهُ افتعل من الْخَيْر أَي فعل مَا هُوَ خير لَهُ: إِمَّا على الْحَقِيقَة وَإِمَّا بِحَسب ظَنّه. وَإِن لم يكن خيرا لَهُ بِالْحَقِيقَةِ فالفعل الإنساني يتَعَلَّق بِهِ من هَذَا الْوَجْه وَهُوَ مَا صدر عَن فكر مِنْهُ وإجالة رأى فِيهِ ليَقَع مِنْهُ مَا هُوَ خير لَهُ. وَمَعْلُوم أَن الْإِنْسَان لَا يفكر وَلَا يجيل رَأْيه فِي الشَّيْء الْوَاجِب وَلَا فِي الشَّيْء الْمُمْتَنع وَإِنَّمَا يفكر ويجيل رَأْيه فِي الشَّيْء الْمُمكن وَمعنى قَوْلنَا الْمُمكن هُوَ الشَّيْء الَّذِي لَيْسَ بمتنع وَإِذا فرض وجوده لم يعرض عَنهُ محَال. وَلما كَانَت هَذِه الْجِهَة من الْفِعْل هِيَ الْمُتَعَلّقَة بِالِاخْتِيَارِ وَهِي الَّتِي تخص بِالْفِعْلِ الإنساني وَكَانَت محتاجة فِي تَمام وجود الْفِعْل إِلَى تِلْكَ الشَّرَائِط الَّتِي قدمناها كَانَ النّظر فِيهَا - أَعنِي فِي هَذِه الْجِهَة - يعرض للغلط والوقوع فِي تِلْكَ الْجِهَات الَّتِي لَيست مُتَعَلقَة بالإنسان وَلَا مبدؤها إِلَيْهِ. وَرُبمَا نظر بِحَسب جِهَة من جِهَات الْفِعْل وخلى النّظر فِي الْجِهَات الْأُخَر فَيكون حكمه على الْفِعْل الإنساني بِحَسب تِلْكَ الْجِهَة وَذَلِكَ بِمَنْزِلَة من ينظر فِي الْفِعْل من جِهَة الهيولى المختصة بِهِ الَّتِي لَا بُد لَهُ فِي وجوده مِنْهَا ويتخلى عَن الْجِهَات الْأُخَر الَّتِي هِيَ أَيْضا ضَرُورِيَّة فِي وجوده كالكاغد لِلْكَاتِبِ فَإِنَّهُ إِذا نظر فِي فعل الْكَاتِب من هَذِه الْجِهَة. أَعنِي تعذر الكاغد عَلَيْهِ ظن أَنه عَاجز عَن الْكِتَابَة من هَذِه الْجِهَة مَمْنُوع عَن الْفِعْل لأَجلهَا وَهَذِه جِهَة لم تتَعَلَّق بِهِ من حَيْثُ هُوَ كَاتب ومختار للكتابة وَكَذَلِكَ إِن عدم الْقَلَم والجارحة الصَّحِيحَة أَو وَاحِدًا من تِلْكَ
стр. 229
الْأَشْيَاء الْمَشْرُوط فِي وجود كل فعل إنساني فَحِينَئِذٍ يُبَادر هَذَا النَّاظر بالحكم على الْإِنْسَان بالجبر وَيمْنَع من الِاخْتِيَار. وَكَذَلِكَ تكون حَال من ينظر فِي فعله من حَيْثُ هُوَ مُخْتَار فَإِنَّهُ إِذا نظر فِي هَذِه الْجِهَة وتخلى عَن الْجِهَات الْأُخَر الَّتِي هِيَ أَيْضا ضَرُورِيَّة فِي وجوده فَإِنَّهُ أَيْضا سيبادر إِلَى الحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ فَاعل مُتَمَكن وَيمْنَع من الْجَبْر. وَهَكَذَا حَال كل شَيْء مركب عَن بسيط فَإِن النَّاظر فِي ذَلِك الْمركب إِذا نظر فِيهِ بِحَسب جُزْء من أَجْزَائِهِ الَّذِي تركب مِنْهُ وَترك أجزاؤه الْبَاقِيَة - تعرض لَهُ الشكوك الْكَثِيرَة من أَجْزَائِهِ الْبَاقِيَة الَّتِي ترك النّظر فِيهَا. وَالْفِعْل الإنساني وَإِن كَانَ اسْمه وَاحِدًا فوجوده مُعَلّق بأَشْيَاء كَثِيرَة لَا يتم إِلَّا بهَا فَمَتَى لحظ النَّاظر فِيهِ شَيْئا وَاحِدًا مِنْهَا وَترك مُلَاحظَة الْبَاقِيَات عرضت لَهُ الشكوك من تِلْكَ الْأَشْيَاء الَّتِي أغفلها. وَالْمذهب الصَّحِيح هُوَ مَذْهَب من نظر فِي وَاحِد وَاحِد مِنْهَا فنسب الْفِعْل إِلَى الْجَمِيع وَخص كل جِهَة بقسط من الْفِعْل وَلم يَجْعَل الْفِعْل الإنساني اخْتِيَارا كُله وَلَا تفويضاً كُله وَلِهَذَا قيل: دين الله بَين الغلو وَالتَّقْصِير. فَإِن من زعم أَن الْفِعْل الإنساني يَكْفِي فِي وجوده أَن يكون صَاحبه مُتَمَكنًا من الْقُوَّة الفاعلة بِالِاخْتِيَارِ فَهُوَ غال من حَيْثُ أهمل الْأَشْيَاء الهيولانية والأسباب القهرية والعوائق الَّتِي عددتها وَهَذَا يُؤَدِّيه إِلَى التَّفْوِيض. وَكَذَلِكَ حَال من زعم أَن فعله يَكْفِي فِي وجوده أَن ترْتَفع هَذِه الْعَوَائِق عَنهُ وَتحصل لَهُ الْأَشْيَاء الهيولاينة فَهُوَ مقصر من حَيْثُ أهمل الْقُوَّة الفاعلة بِالِاخْتِيَارِ وَهَذَا يُؤَدِّيه إِلَى الْجَبْر. وَإِذا كَانَ هَذَا على مَا بَيناهُ ولخصناه فقد ظهر الْمَذْهَب الْحق وَفِيه جَوَاب مسألتك عَن الْجَبْر وَالِاخْتِيَار. وَيعلم علما وَاضحا أَن الْإِنْسَان إِذا
стр. 230
امْتنع عَلَيْهِ فعله لنُقْصَان بعض هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي هِيَ ضَرُورِيَّة فِي ظُهُور فعله أَو عرضية فِيهِ أَو قهرية أَو اتفاقية فَهُوَ مَنْسُوب إِلَى تِلْكَ الْجِهَة. مِثَال ذَلِك أَنه إِن كَانَ امْتنع من الْفِعْل لنُقْصَان الهيولى أَو أحد الْأَرْبَعَة الْأَشْيَاء الضرورية فَهُوَ عَاجز وَإِن امْتنع لعائق قهري أَو اتفاقي فَهُوَ مَعْذُور من تِلْكَ الْجِهَة وبحسبها وعَلى مقدارها. فَأَما من حَضرته الْقُوَّة الفاعلة بِالِاخْتِيَارِ وَارْتَفَعت تِلْكَ الْمَوَانِع عَنهُ وأزيحت علله فِيهَا كلهَا ثمَّ كَانَ ذَلِك لفعل مِمَّا ينظر فِيهِ على طَرِيق الْإِضَافَة أَن يكون طَاعَة لمن تجب طَاعَته آو مَعُونَة لمن تجب معونته أَو غير ذَلِك من وُجُوه الإضافات الْوَاجِبَة ثمَّ امْتنع من الْفِعْل فَهُوَ ملوم غير مَعْذُور لِأَنَّهُ قَادر مُتَمَكن وَلأَجل ذَلِك تلْحقهُ الندامة من نَفسه والعقوبة من غَيره أَو الْعَيْب والذم. وَهَذِه الْجِهَة الَّتِي تخْتَص الْإِنْسَان من جِهَات الْفِعْل الْمُتَعَلّقَة بالفكر وإجالة الرأى الْمُسَمّى بِالِاخْتِيَارِ - هِيَ ثَمَرَة الْعقل ونتيجته. وَلَوْلَا هَذِه الْجِهَة لما كَانَ لوُجُود الْعقل فَائِدَة بل يصير وجوده عَبَثا ولغواً وَنحن نتيقن أَن الْعقل أجل الموجودات وأشرف مَا من الله تَعَالَى بِهِ
стр. 231
ووهبه للْإنْسَان ونتيقن أَيْضا أَن أخس الموجودات مَا لَا ثَمَرَة لَهُ وَلَا فَائِدَة فِي وجوده بِمَنْزِلَة اللَّغْو والعبث فَإِذن أجل الموجودات على هَذَا الحكم هُوَ أخس الموجودات. هَذَا خلف لَا يُمكن أَن يكون. فَلَيْسَ هَذَا الحكم بصادق فنقيضه هُوَ الصَّادِق.
(مَسْأَلَة لم حن بعض النَّاس إِلَى السّفر من لدن طفوليته إِلَى كهولته)
ومنذ صغره إِلَى كبره حَتَّى إِنَّه يعق الْوَالِدين ويشق الْخَافِقين صَابِرًا على وعثاء السّفر وذل الغربة ومهانة الخمول وَهُوَ يسمع قَول الشَّاعِر: إِن الْغَرِيب بِحَيْثُ مَا حطت ركائبه ذليل وَيَد الْغَرِيب قَصِيرَة وَلسَانه أبدا كليل وَآخر ينشأ فِي حضن أمه وعَلى عانق ظئره وَلَا ينْزع بِهِ حنين إِلَى بلد وَلَا يغلبه شوق إِلَى أحد كَأَنَّهُ حجر جبله أَو حَصَاة جدوله لَعَلَّك تَقول: مَوَاضِع الْكَوَاكِب ودرجة الطالع وشكل الْفلك اقْتَضَت لَهُ هَذِه الْأَحْوَال وقصرته على هَذِه الْأُمُور فَحِينَئِذٍ تكون الْمَسْأَلَة عَلَيْك فِي آثَار هَذِه النُّجُوم وتوزيعها هَذِه الْأَسْبَاب على مَا هِيَ عَلَيْهِ من ظَاهر التسخير - أَشد وتكلف الْجَواب عَنْهَا آكِد وأنكد. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن قُوَّة النزاع إِلَى المحسوسات تَنْقَسِم بانقسام الْحَواس. وكما ان بعض المزاج تقوى فِيهِ حاسة الْبَصَر وَبَعضه تقوى فِيهِ حاسة السّمع فَكَذَلِك
стр. 232
الْحَال فِي الْقُوَّة النزاعية الَّتِي فِي تِلْكَ الحاسة لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تشتاق إِلَى تكمل الحاسة وتصييرها بِالْفِعْلِ بعد أَن كَانَت بِالْقُوَّةِ. وَمعنى هَذَا الْكَلَام أَن الْحَواس كلهَا هِيَ حواس بِالْقُوَّةِ إِلَى أَن تدْرك محسوساتها فَإِذا أدركتها صَارَت حواس بِالْفِعْلِ. وَإِذا كَانَ الْأَمر على مَا وَصفنَا فَلَيْسَ بعجب أَن يكون هَذَا الْمَعْنى فِي بعض الْحَواس قَوِيا ويضعف فِي بعض فَيكون بعض النَّاس يشتاق إِلَى السماع وَبَعْضهمْ إِلَى النّظر وَبَعْضهمْ إِلَى المذوقات من الْمَأْكُول والمشروب وَبَعْضهمْ إِلَى المشمومات وألوان الروائح بَعضهم إِلَى الملبوسات من الثِّيَاب وَغَيرهَا. وَرُبمَا اجْتمع لوَاحِد أَن يشتاق إِلَى اثْنَيْنِ مِنْهَا أَو ثَلَاثَة أَو إِلَيْهَا كلهَا. وَلكُل وَاحِد من هَذِه المحسوسات أَنْوَاع كَثِيرَة لَا تحصى ولأنواعها أشخاص بِلَا نِهَايَة. وَهِي على كثرتها وعددها الجم وخروجها إِلَى حد مَا لَا نِهَايَة لَهُ - لَيست كمالات للْإنْسَان من حَيْثُ هُوَ إِنْسَان وَإِنَّمَا كَمَاله الَّذِي يتمم إنسانيته هُوَ فِيمَا يُدْرِكهُ بعقله. أَعنِي الْعُلُوم. وَأَشْرَفهَا مَا أدّى إِلَى أشرف المعلومات. وَإِنَّمَا صَار الْبَصَر والسمع أشرف الْحَواس لِأَنَّهُمَا أخص بالمعارف وَأقرب إِلَى الْفَهم والتمييز وَبِهِمَا تدْرك أَوَائِل المعارف وَمِنْهَا يرتقي إِلَى الْعُلُوم الْخَاصَّة بالنطق. وَإِذا كَانَت الْحَالة على هَذِه الصُّورَة فِي الشوق إِلَى مَا يتمم وجود الْحَواس ويخرجها إِلَى الْفِعْل وَكَانَ من الظَّاهِر الْمُتَعَارف أَن بعض النَّاس يشتاق إِلَى نوع مِنْهَا فَيحْتَمل فِيهِ كل مشقة وأذى حَتَّى يبلغ أربه فِيهِ - لم يكن بديعاً وَلَا عجبا أَن يشتاق آخر إِلَى نوع آخر فَيحْتَمل مثل ذَلِك فِيهِ. إِلَّا أَنا وجدنَا اللُّغَة فِي بعض هَذِه عنيت فَوضعت لَهُ اسْما وَفِي بَعْضهَا لم تغن فأهملته وَذَلِكَ أَنا قد وجدنَا لمن يشتاق إِلَى الْمَأْكُول والمشروب إِذا أفرطت قوته النزاعية إِلَيْهِمَا حَتَّى يعرض لَهُ مَا ذكرته من
стр. 233
الْحِرْص عَلَيْهِمَا والتوصل إِلَيْهِمَا مَا يحْتَمل مَعَه ضروب الكلف والمشاق - اسْما وَهُوَ الشره والنهم. وَلم نجد لمن يعرض لَهُ ذَلِك فِي المشموع اسْما. وأظن ذَلِك لأجل كَثْرَة مَا يُوجد من ذَلِك الضَّرْب وَلِأَن عَيبه أفحش وَمَا يجلبه من الآثام والقبائح أَكثر. فقد ظهر السَّبَب فِي تشوق بعض النَّاس إِلَى الغربة وجولان الأَرْض. وَهُوَ أَن قوته النزاهية الَّتِي تخْتَص بالبصر تحب الاستكثار من المبصرات وتحديدها ويظن أَن أشخاص المبصرات تستغرق فَهُوَ يحْتَمل كثيرا من المشاق فِي الْوُصُول إِلَى أربه من إِدْرَاك هَذَا النَّوْع. وَقد نجد من يحْتَمل أَكثر من ذَلِك إِذا تحرّك بقوته النزاعية إِلَى سَائِر المحسوسات الْأُخَر والاستكثار مِنْهَا. فَتَأمل الْجَمِيع وَأعد نظرك وتصفح جزئياتها تَجِد الْأَمر فِيهَا وَاحِدًا.
مَسْأَلَة مَا سَبَب رَغْبَة الْإِنْسَان فِي الْعلم ؟
ثمَّ مَا فَائِدَة الْعلم؟ ثمَّ مَا غائلة الْجَهْل ثمَّ مَا عَائِدَة الْجَهْل الَّذِي قد وَمَا سر الْعلم الَّذِي قد طبع عَلَيْهِ الْخلق فَإِن استشفاف هَذِه الْفُصُول واستكشاف هَذِه الْأُصُول يثيران علما وَحكما جماً وَإِن كَانَ فِيهَا - فِي الْبَحْث عَنْهَا وَبَعض أوائلها وأواخرها - مشقة على النَّفس وَثقل على الْكَاهِل. وَلَوْلَا مَعُونَة الْخَالِق من كَانَ يقطع هَذِه التنائف الملس وَمن كَانَ يسْلك هَذِه المهامه الخرس وَلَكِن الله تَعَالَى ولىُّ
стр. 234
المخلصين وناصر المطيعين ومغيث المستصرخين. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: مر لنا فِي عرض كلامنا على هَذِه الْمسَائِل مَا يُنَبه على جَوَاب هَذِه الْمَسْأَلَة. وَلكنه لَا بُد من إِعَادَته شَيْء مِنْهُ يزِيد فِي كشف الشُّبْهَة وَإِزَالَة الشَّك. وَهُوَ أَن الْعلم كَمَال الْإِنْسَان من حَيْثُ هُوَ إِنْسَان لِأَنَّهُ إِنَّمَا صَار إنْسَانا بصورته الَّتِي ميزته عَن غَيره. أَعنِي النَّبَات والجماد والبهائم. وَهَذِه الصُّورَة الَّتِي ميزته لَيست فِي تخاطيطه وشكله ولونه. وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنَّك تَقول: فلَان أَكثر إنسانية من فلَان فَلَا تَعْنِي بِهِ أَنه أتم صُورَة بدن لَا أكمل يَفِ الْخلق التخطيطي وَلَا فِي اللَّوْن وَلَا فِي شَيْء آخر غير قوته الناطقة الَّتِي يُمَيّز بهَا بَين الْخَيْر وَالشَّر فِي الْأُمُور وَبَين الْحسن والقبيح فِي الْأَفْعَال وَبَين الْحق وَالْبَاطِل فِي الاعتقادات وَلذَلِك قيل فِي حد الْإِنْسَان: إِنَّه حَيّ نَاطِق مائت. فميز بالنطق أَعنِي بالتمييز وَبَينه وَبَين غَيره دون تخطيطه وشكله وَسَائِر أغراضه ولواحقه. وَإِذا كَانَ هَذَا الْمَعْنى من الْإِنْسَان هُوَ مَا صَار بِهِ إنْسَانا فَكلما كثرت إنسانيته كَانَ أفضل فِي نَوعه. كَمَا أَن كل مَوْجُود فِي الْعَالم إِذا كَأَن فعله الصَّادِر عَنهُ بِحَسب صورته الَّتِي تخصه فَإِنَّهُ إِذا كَانَ فعله أَجود كَانَ أفضل وأشرف. مثل ذَلِك الْفرس والبازي من الْحَيَوَان والقلم والفأس من الْآلَات فَإِن كل وَاحِد من هَذِه إِذا صدر عَنهُ فعله الْخَاص بصورته كَامِلا
стр. 235
كَانَ أشرف فِي نَوعه مِمَّن قصر عَنهُ وَكَذَلِكَ الْحَال فِي النَّبَات والجماد فَإِن لكل وَاحِد من أشخاص الموجودات خَاص صُورَة يصدر عَنهُ فعله وبحسب يشرف أَو يخس إِذا كَانَ تَاما أَو نَاقِصا. فَأَي فَائِدَة أعظم مِمَّا يكمل وجودك ويتمم نوعك ويعطيك ذاتك حَتَّى يميزك عَن الجماد والنبات والحيوانات الَّتِي لَيست بناطقة ويقربك من الْمَلَائِكَة والإله وتقدس وَتَعَالَى - وَأي غائلة أدهى وَأمر وأكلم وأطم مِمَّا ينكسك فِي الْخلق ويردك إِلَى أرذل وجودك ويحطك عَن شرف مقامك إِلَى خساسة مقامات مَا هُوَ دُونك أَظُنك تذْهب إِلَى أَن الْعلم يجب ان يفيدك - لَا محَالة - جاهاً أَو سُلْطَانا أَو مَالا تتمكن بِهِ من شهوات ولذات. فلعمري إِن الْعلم قد يفعل ذَلِك وَلَكِن بِالْعرضِ لَا بِالذَّاتِ لِأَن غَايَة الْعلم وَالَّذِي يَسُوق إِلَيْهِ ويكمل بِهِ الإنسانليس هُوَ غايات الْحَواس وَلَا كَمَال الْبدن. وَإِن كَانَ قد يتم بِهِ ذَلِك فِي كثير من الْأَحْوَال. وَمَتى استعملته فِي هَذَا النَّوْع فَإِنَّهُ يكمل صُورَتك البهيمية والنباتية وَكَأَنَّهُ اسْتعْمل فِي أرذل الْأَشْيَاء وَهُوَ معد لِأَن يسْتَعْمل فِي أشرفها.
(مَسْأَلَة مَا سَبَب تصاغي الْبَهَائِم وَالطير إِلَى اللّحن الشجي والجزم النَّديّ)
стр. 236
وَمَا الْوَاصِل مِنْهُ إِلَى الْإِنْسَان الْعَاقِل المحصل حَتَّى يَأْتِي على نَفسه وَهَذَا جَار فِي الْعَادة ومعروف عِنْد المتعرفين للأمور. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: قد مر لنا فِي الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة من هَذِه الْمسَائِل كَلَام كثير فِي سَبَب قبُول الْإِنْسَان بعض الْأَسْمَاء وكراهية بَعْضهَا وَثقل بعض الْحُرُوف وخفة بَعْضهَا وَمَا يلْحق النَّفس من الْأَصْوَات الْمُخْتَلفَة بالحدة والجهارة وَغير ذَلِك وَنحن نزيد فِي هَذَا الْموضع مَا يَلِيق بزيادتك فِي الْمَسْأَلَة فَنَقُول: إِن النَّفس وَإِن كَانَت صُورَة فاعلة من حَيْثُ هِيَ كَمَال لجسم طبيعي إِلَى ذِي حَيَاة بِالْقُوَّةِ فَإِنَّهَا هيولانية منفعلة من حَيْثُ هِيَ قَابِلَة رسوم الْأَشْيَاء وصورها. وَلذَلِك صَار لَهَا سببان: أَحدهمَا إِلَى مَا تفعل بِهِ وَالْآخر إِلَى مَا كَانَ ينفعل بِهِ. فَالنَّفْس تقبل نسب الاقتراعات بَعْضهَا إِلَى بعض كَمَا تقبل نفس الاقتراعات مُفْرد مركبة. وَذَاكَ أَن أَفْرَاد الْأَصْوَات ومجموعها غير نسب بَعْضهَا إِلَى بعض لِأَن النِّسْبَة هِيَ إِضَافَة مَا وَالنَّظَر الإضافي غير النّظر فِي ذَوَات الأدوات وَكَذَلِكَ تَأْثِير هَذَا غير تَأْثِير ذَاك. وَلما كَانَت هَذِه النّسَب كَثِيرَة مُخْتَلفَة وَجب فِيهَا - ضَرُورَة - مَا يجب فِي الْأَشْيَاء المتكثرة. أَعنِي أَن لَهَا طرفين: أَحدهمَا الزِّيَادَة وَالْآخر النُّقْصَان. وَلها من
стр. 237
هذَيْن الطَّرفَيْنِ اعْتِدَال. فَإِن كَانَت الْأَطْرَاف كَثِيرَة فالاعتدالات أَيْضا كَثِيرَة. وَالنَّفس تأبى الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وتميل إِلَى الِاعْتِدَال وَلِأَن لَهَا قوى تظهر بِحَسب الأمزجة فلتلك القوى الْمُخْتَلفَة إضافات مُخْتَلفَة إِلَى نسب مُخْتَلفَة واعتدالات مُخْتَلفَة. وَقد اجْتهد أَصْحَاب الموسيقا فِي تَمْثِيل هَذِه النّسَب وَتَحْصِيل هَذِه الاعتدالات بِأَن جعلُوا لَهَا أَمْثِلَة فِي مقولة الْكمّ من الْعدَد وَإِن كَانَ بَعْضهَا بمقولة الكيف أَحَق لِأَن الصِّنَاعَة مؤلفة من هَاتين أَعنِي الْكمّ والكيف وَلَكِن الْكمّ الَّذِي هُوَ الْعدَد أقرب إِلَى الأفهام ومثلوا مَا كَانَ من الْكَيْفِيَّة بالكمية ثمَّ لخصوا كل وَاحِدَة مِنْهُمَا تلخيصاً تَجدهُ مُبينًا فِي كتبهمْ. وَإِذا قد قُلْنَا مَا الَّذِي يصل إِلَى النَّفس من آثَار الْأَصْوَات وَمَا المحبوب مِنْهُ وَمَا الْمَكْرُوه على طَرِيق الْإِجْمَال من القَوْل فقد تبين أَن الإفراط مِنْهُ وَالْخُرُوج إِلَى إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ يُؤثر بِحَسب ذَلِك. وَقد كَانَ تبين فِي مَوَاضِع كَثِيرَة أَن النَّفس وَالْبدن كل وَاحِد مِنْهُمَا مشتبك مَا يظْهر أثر أَحدهمَا فِي الآخر فَإِن الْأَحْوَال النفسية تغير مزاج الْبدن ومزاج الْبدن أَيْضا يُغير أَحْوَال النَّفس فَإِذا قوى أثر مَا فِي النَّفس حَتَّى يتَفَاوَت بِهِ المزاج وَيخرج عَن اعتداله لم يقبل أثر النَّفس وَعرض مِنْهُ الْمَوْت لِأَن الْمَوْت لَيْسَ بِأَكْثَرَ من ترك النَّفس اسْتِعْمَال الْآلَات الْبَدَنِيَّة. وَقد علمنَا أَن دم الْقلب الَّذِي لَهُ اعْتِدَال مَا إِذا انْتَشَر فِي الْبدن ورق بالسرور أَكثر مِمَّا يَنْبَغِي أَو عَاد وَاجْتمعَ إِلَى الْقلب بالغم أَكثر مِمَّا يَنْبَغِي - عرض من كل وَاحِدَة من الْحَالَتَيْنِ الْمَوْت أَو مَا يُقَارب الْمَوْت بِحَسب قُوَّة الْأَثر. وَمَا أَكثر مَا تُؤثر الْأَجْسَام تَأْثِيرا طبيعياً فيتأدى ذَلِك الْأَثر إِلَى النَّفس فتعرض لَهَا حَرَكَة مَا وَتصير تِلْكَ سَببا لتأثير آخر فِي الْجِسْم يكون بِهِ انتفاضه وَخُرُوجه عَن الِاعْتِدَال. وَإِذا تَأَمَّلت ذَلِك فِي الْأَشْيَاء المغضبة والمحزنة إِذا كَانَت قَوِيَّة تبين لَك ذَلِك. فَهَذَا كَاف فِي هَذَا الْموضع وَإِن أَحْبَبْت الإتساع فِيهِ فَعَلَيْك بكتب
стр. 238
الموسيقى فَإِنَّهَا تشفيك إِن شَاءَ الله.
(مَسْأَلَة لم كلما شَاب الْبدن شب الأمل)
قَالَ أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ: قد أَتَت
стр. 239
عَلَيَّ مائَة وَثَمَانُونَ سنة وَأنْكرت كل شَيْء إِلَّا الأمل فَإِنَّهُ أحد مَا كَانَ. مَا سَبَب هَذِه الْحَال وعَلى مَاذَا يدل الرَّمْز فِيهَا وَمَا الأمل أَولا وَمَا الأمنية ثَانِيًا وَمَا الرَّجَاء ثَالِثا وَهل تشْتَمل هَذِه على مصَالح الْعَالم فَإِن كَانَت مُشْتَمِلَة فَلم توَاصى النَّاس بقصر الأمل وَقطع الْأَمَانِي وبصرف الرَّجَاء إِلَّا فِي الله ﵎ وَإِلَى الله فَإِنَّهُ سَاتِر الْعَوْرَة وراحم الْعبْرَة وقابل التَّوْبَة وغافر الْخَطِيئَة وكل أمل فِي غَيره بَاطِل وكل رَجَاء فِي سواهُ زائل. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: هَذِه الْمَسْأَلَة قد أَخذ فِيهَا فعل من أَفعَال النَّفس فقرن بِفعل من أَفعَال الطبيعة الَّتِي بِحَسب الْبدن إِلَى الطبيعة والمزاج البدني ثمَّ وَقعت المقايسة بَينهمَا وهما يتباينان لَا يتشابهان فَلذَلِك عرض التَّعَجُّب مِنْهَا. فَأَما الشيب والنقصانات الَّتِي تعرض للبدن وَعجز القوى التابعة للمزاج فَهِيَ أُمُور طبيعية فِي آلَات تكل بِالِاسْتِعْمَالِ وتضعف على مر الزَّمَان. وَأما أَفعَال النَّفس فَإِنَّهَا كلما تَكَرَّرت وأديمت فَإِنَّهَا تقوى ويشتد أَثَرهَا فَهِيَ بالضد من حَال الْبدن. مِثَال ذَلِك ان النّظر الْعقلِيّ كلما اسْتعْمل قوى واحتد وَأدْركَ فِي الزَّمَان الْقصير مَا يُدْرِكهُ فِي الزَّمَان الطَّوِيل وَلحق الْأَمر الَّذِي كَانَ خفِيا عَنهُ بِسُرْعَة.
стр. 240
وَالنَّظَر الْحسي كلما اسْتعْمل كل وَضعف وَنقص أَثَره إِلَى أَن يضمحل. فَأَما الْفرق بَين الأمل والرجاء وَبَين الأمنية فَظَاهر وَذَاكَ أَن الأمل والرجاء يعلقان بالأمور الاختيارية وبالأشياء الَّتِي لَهَا هَذَا الْمَعْنى. فَأَما الأمنية فقد تتَعَلَّق بِمَا لَا اخْتِيَار لَهُ وَلَا روية فَإِنَّهُ لَيْسَ يمْنَع مَانع من تمنى الْمحَال والأشياء الَّتِي لَا تَمْيِيز فِيهَا وَلَا لَهَا. والأمل أخص بالمختار. والرجاء كَأَنَّهُ مُشْتَرك وَقد يَرْجُو الْإِنْسَان الْمَطَر وَالْخصب وَلَيْسَ يأمل إِلَّا من لَهُ قدرَة وروية. وَأما المنى فَهُوَ - كَمَا علمت - شَائِع فِي الْكل ذَاهِب كل مَذْهَب فقد يتَمَنَّى الْإِنْسَان أَن وَلَيْسَ يَرْجُو هَذَا وَلَا يأمله. ثمَّ قد يَرْجُو الْمَطَر وَلَيْسَ يأمل إِلَّا منزل الْقطر ومنشىء الْغَيْث. فَهَذِهِ فروق وَاضِحَة. فَأَما قَوْلك لم توَاصى النَّاس بقصر الأمل وَقطع الْأَمَانِي وَصرف الرَّجَاء إِلَّا فِي الله تَعَالَى فَأَقُول: لِأَن سَائِر الْأَشْيَاء المأمولة والمرجوة والمتمناة مُنْقَطِعَة المدد متناهية الْعدَد ثمَّ هِيَ متلاشية فِي أَنْفسهَا مضمحلة بائدة فَاسِدَة لَا يثبت شَيْء مِنْهَا على حَال لَحْظَة وَاحِدَة فَلَو وصل الْوَاصِل إِلَيْهَا وَبلغ نهمته مِنْهَا لَأَوْشَكَ ان يتلاشى ويضمحل ذَلِك الشَّيْء فِي نَفسه أَو يتلاشى ويضمحل الأمل فِيهِ أَو رجاؤه وتمنيه.
стр. 241
فَأَما مَا اتَّصل من هَذِه بِاللَّه - تَعَالَى ذكره - فَهُوَ أبدى غير مُنْقَطع وَلَا مضمحل بل الله - تَعَالَى - دَائِم الْفَيْض بِهِ أبدى الْجُود مِنْهُ. تَعَالَى اسْمه وتقدس وَلَا قُوَّة إِلَّا بِهِ وَهُوَ حَسبنَا ومعيننا وناصرنا وهادينا إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم.
(مَسْأَلَة لم صَارَت غيرَة الْمَرْأَة على الرجل أَشد من غيرَة الرجل على الْمَرْأَة)
هَذَا فِي الْأَكْثَر والأقل وكيفما كَانَ فَفِيهِ خبىء وَهُوَ المشدد على وَقد أدَّت الْغيرَة جمَاعَة إِلَى تلف النُّفُوس وَإِلَى زَوَال النعم وَإِلَى الْجلاء عَن الأوطان. ثمَّ فَلت فِي الْمَسْأَلَة التالية لهَذِهِ: مَا الْغيرَة أَولا وَمَا حَقِيقَتهَا وَكَيف أَصْلهَا وفصلها وعَلى مَاذَا يدل اشتقاقها وَهل هِيَ محمودة أَو مذمومة وَهل صَاحبهَا ممدوح أم ملوم فَإِن إثارة هَذَا أبلغ بك إِلَى الْفَوَائِد وأجرى مَعَك إِلَى الأمد وبوقوفك عَلَيْهَا تعرف غَيرهَا وتتخطى إِلَى مَا عَداهَا. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: أما الْغيرَة فَهِيَ خلق طبيعي عَام للْإنْسَان والبهائم. وَهُوَ ممدوح إِذا
стр. 242
كَانَ على شَرَائِط الْأَخْلَاق. أَعنِي إِذا وضع فِي خَاص مَوْضِعه وَلم يتَجَاوَز بِهِ الْمِقْدَار الَّذِي يجب وَلم ينقص عَنهُ على مِثَال مَا ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى من سَائِر الْأَخْلَاق كالغضب والشهوة. فَإِن هَذِه أَخْلَاق طبيعية وَإِنَّمَا يحمد مِنْهَا مَا لم يخرج عَن الِاعْتِدَال أَو أُصِيب بِهِ مَوْضِعه الْخَاص بِهِ. وَحَقِيقَة الْغيرَة هِيَ منع الْحَرِيم وحماية الْحَوْزَة لأجل حفظ النَّسْل وَالنّسب فَكل من كَانَت غيرته لأجل ذَلِك ثمَّ لم يتَجَاوَز مَا يَنْبَغِي حَتَّى يحكم بالتهمة الْبَاطِلَة فَيصدق بالظنون الكاذبة ويبادر إِلَى الْعقُوبَة على ذَلِك وَلم ينقص عَمَّا يَنْبَغِي حَتَّى يتغافل عَن الدَّلَائِل الْوَاضِحَة وَيتْرك الامتعاض من الرُّؤْيَة وَالسَّمَاع إِذا كَانَ حَقًا وَكَانَ معتدل الْخلق بَين هذَيْن الطَّرفَيْنِ يغْضب كَمَا يَنْبَغِي وعَلى مَا يَنْبَغِي - فَهُوَ مَحْمُود غير ملوم. فَأَما من فرط أَو أفرط فِي الْغيرَة فسبيله سَبِيل من تجَاوز الِاعْتِدَال فِي سَائِر الْأَخْلَاق إِلَى الزِّيَادَة أَو النُّقْصَان. فقد بَينا إِن الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي كل خلق يهجم بِصَاحِبِهِ على ضروب من الشَّرّ وأنواع من البلايا والمكاره وَيكون هَلَاكه على مِقْدَار زِيَادَته أَو نقصانه مِنْهَا وَمن شرائطها الْمَذْكُورَة فِي الْأَخْلَاق. فَأَما زِيَادَة حَظّ الْأُنْثَى على الذّكر من الْغيرَة أَو الذّكر على الْأُنْثَى فَلَيْسَ بِلَازِم طَريقَة وَاحِدَة وَلَا جَار على وتيرة وَاحِدَة. بل رُبمَا زَاد ذكر على أنثاه فِي هَذَا الْمَعْنى وَرُبمَا زَادَت أُنْثَى على ذكرهَا فِيهِ كَمَا يعرض لَهما ذَلِك فِي قُوَّة الْغَضَب وَغَيره من الْأَخْلَاق. على أَن الذّكر أولى بالمحاماة وأخص بِهَذَا الْخلق لِأَنَّهُ تسْتَعْمل فِيهِ قُوَّة الْغَضَب والشجاعة وَهَذَا أولى بِالذكر مِنْهُ بِالْأُنْثَى وَإِن كَانَت الْأُنْثَى تشارك فِيهِ الذّكر.
стр. 243
وَهنا خلة لَا بَأْس بذكرها والتنبيه عَلَيْهَا فَإِن كثيرا من النَّاس يضل عَن وَجه الصَّوَاب فِيهَا وَهِي أَن الْغيرَة إِذا هَاجَتْ قوتها وَكَانَ سَببهَا الشَّهْوَة وَجب الاستئثار وَأَن يخْتَص الْإِنْسَان بِحَال لَا يُشَارِكهُ فِيهَا غَيره وَكَانَ هَذَا الْعَارِض لَهُ فِي غير حرمته وَلَا من أجل حفظ نسبه وزرعه - فَهُوَ أَمر قَبِيح. وَإِن كَانَت على شرائطها الَّتِي ذكرت فَهُوَ أَمر حسن جميل. وَأما سُقُوط هَذِه الْقُوَّة دفْعَة فهجنة قبيحة فقد نجد فِي بعض الْحَيَوَان من لَا تعرض لَهُ الْغيرَة كَالْكَلْبِ والتيس ويسب بِهِ الْإِنْسَان إِذا ذكر بِهِ وَسمي باسمه. ونجد أَيْضا بَعْضهَا غيوراً محامياً كالكبش وَغَيره من فحول الْحَيَوَان فيمدح بِذكرِهِ الْإِنْسَان إِذا شبه بِهِ وَسمي باسمه. فلست اعرف وَجه السب بالتيس والمدح بالكبش إِلَّا لما يظْهر من هَذَا الْخلق فِي أَحدهمَا دون الآخر. فَهَذِهِ حَال الْغيرَة وحقيقتها وَمَا يجب أَن يمدح مِنْهَا أَو يذم.
(مَسْأَلَة مَا السَّبَب فِي أَن الَّذين يموتون وهم شُبَّان أَكثر من الَّذين يموتون وهم شُيُوخ)
الشَّاهِد على ذَلِك أَنَّك تَجِد الشُّيُوخ أقل وَلَوْلَا ذَلِك لكانوا يكثرون لأَنهم كَانُوا يتجاوزون الشبيبة إِلَى الكهولة والكهولة إِلَى الشيخوخة فَلَمَّا دب الْحمام فِي ذَوي الشَّبَاب أفناهم وتخطى الْقَلِيل مِنْهُم فبلغوا التشيخ وَهُوَ قَلِيل.
стр. 244
الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: الْحَيَاة تَابِعَة لمزاج مَا خَاص بِإِنْسَان إِنْسَان. وَذَلِكَ المزاج لَهُ بِمَنْزِلَة النقطة من الدائرة. أَعنِي أَنه شَيْء وَاحِد وَالْخُرُوج عَنهُ إِلَى النقط الَّتِي حواليه مِمَّا يقرب مِنْهُ أَو يبعد عَنهُ بِلَا نِهَايَة. وَذَلِكَ أَن لكل إِنْسَان وَبِالْجُمْلَةِ لكل حَيَوَان - اعتدالاً خَاصّا بِهِ بَين الْحَرَارَة والرطوبة والبرودة واليبوسة فَإِذا انحرف عَن ذَلِك الِاعْتِدَال إِلَى أحد الْأَطْرَاف كَانَ مَرضه أَو هَلَاكه. ثمَّ إِن الْأُمُور الَّتِي تخرجه إِلَى الْأَطْرَاف كَثِيرَة من الأغذية والأشربة والهواء الْوَاصِل إِلَيْهِ بالاشتتشاق وَغَيره وحركاته الطبيعية وَغير الطبيعية مِمَّا يُخرجهُ عَن هَذَا الِاعْتِدَال - كَثِيرَة. والآفات الْأُخْرَى الَّتِي تطرأ من خَارج مِمَّا لَا تحتسب كَثِيرَة. وَإِذا كَانَت الْأَسْبَاب الَّتِي يخرج الْإِنْسَان بهَا عَن الِاعْتِدَال كَثِيرَة بِلَا نِهَايَة والأسباب الَّتِي يثبت بهَا على الِاعْتِدَال الْخَاص بِهِ قَليلَة ويسيرة - لم يكن مَا ذكرته عجبا بل الْعجب لَو اتّفق ضِدّه. وَلَوْلَا أَن الْعِنَايَة الموكلة بِحِفْظ الْحَيَوَان كُله - وَالْإِنْسَان من بَينه - شَدِيدَة والوقاية لَهُ تَامَّة بَالِغَة فَتَأمل جَمِيع مَا ذكرته من الْآفَات الدَّاخِلَة والخارجة عَن بدن الْإِنْسَان وحركاتها الْمُخْتَلفَة أَعنِي مُنَازعَة النارية فِيهِ إِلَى حَرَكَة الْعُلُوّ ومنازعة المائية مِنْهُ إِلَى حَرَكَة السّفل ثمَّ حرص كل وَاحِد مِنْهُمَا بطبيعته على إفناء الآخر وإحالته ثمَّ المجاهدة الْوَاقِعَة فِي حفظ الِاعْتِدَال بَينهمَا حَتَّى لَا تزيد قُوَّة أَحدهمَا على الآخر مَعَ كَثْرَة الشَّهَوَات والمنازعات إِلَى مَا هُوَ لَا محَالة زَائِد فِي أَحدهمَا
стр. 245
نَاقص من الآخر - تَجِد الْأَمر مَحْفُوظًا بعناية شَدِيدَة إِلَى أَكثر مِمَّا يُمكن فِي مثله من الْحِفْظ حَتَّى يَأْتِي شَيْء طبيعي لَا سَبِيل إِلَى مقاومته. وَمثل ذَلِك سراج يحفظ بالفتيلة والدهن والمواد تجيئه من خَارج أَعنِي الدّهن الْكثير الَّذِي هُوَ سَبَب إطفائه وَالنَّار الْعَظِيمَة الَّتِي هِيَ كَذَلِك والرياح الْعَاصِفَة الَّتِي لَا طَاقَة لَهُ بهَا وَلَا سَبِيل إِلَى حفظه مَعهَا فَإِذا سلم من جَمِيع ذَلِك مُدَّة طَوِيلَة فَلَا بُد من الفناء الطبيعي. أَعنِي أَن الْحَرَارَة تستغرق - لَا محَالة - مَا يغتذى بِهِ على طول الزَّمَان فَيكون الفناء بِهِ وَمن أَجله. فَإِن هَذَا مثل صَحِيح مُطَابق للممثل بِهِ. وَإِذا تفقدت الْحَرَارَة الغريزية وحاجتها إِلَى مَا تحفظ قواها بِلَا زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وإفنائها الرُّطُوبَة الْأَصْلِيَّة مَعَ الْموَاد الَّتِي تأتيها من خَارج وقوتها على الإحالة وضعفها - طلعت على مَا سَأَلت عَنهُ وَتبين لَك مَا ضربت بِهِ الْمثل
مَسْأَلَة مَا السَّبَب فِي طلب الْإِنْسَان فِيمَا يسمعهُ ويقوله ويفعله ويرتئيه ويروى فِيهِ الْأَمْثَال
وَمَا فَائِدَة الْمثل وَمَا غناؤه من مأتاه، وعَلى مَاذَا
стр. 246
قراره فَإِن الْمثل والمثل والمماثلة والتمثيل كلَاما رائقاً وَغَايَة شريفة. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: إِن الْأَمْثَال إِنَّمَا تضرب فِيمَا لَا تُدْرِكهُ الْحَواس مِمَّا تُدْرِكهُ. وَالسَّبَب فِي ذَلِك أنسنا بالحواس وإلفنا لَهَا مُنْذُ أول كَونهَا وَلِأَنَّهَا مبادىء علومنا وَمِنْهَا نرتقي إِلَى غَيرهَا. فَإِذا أخبر الْإِنْسَان بِمَا لم يُدْرِكهُ أَو حدث بِمَا لم يُشَاهِدهُ وَكَانَ غَرِيبا عِنْده - طلب لَهُ مِثَالا من الْحس فَإِذا أعطي ذَلِك أنس بِهِ وَسكن إِلَيْهِ لإلفه لَهُ. وَقد يعرض فِي المحسوسات أَيْضا هَذَا الْعَارِض. أَعنِي أَن إنْسَانا لَو حدث عَن النعامة أَو الزرافة والفيل والتمساح لطلب أَن يصور لَهُ ليَقَع عَلَيْهِ وَيحصل تَحت حسه الْبَصْرِيّ وَلَا يقنع فِيمَا طَرِيقه حس الْبَصَر بحس السّمع حَتَّى يردهُ إِلَيْهِ فَهَذَا الْأَمر فِي الموهوبات فَإِن إنْسَانا لَو كلف أَن يتَوَهَّم حَيَوَانا لم يُشَاهد مثله لسأل عَن مثله وكلف مخبره أَن يصور لَهُ مثل عنقاء مغرب فَإِن هَذَا الْحَيَوَان وَإِن لم يكن لَهُ وجود فَلَا بُد لمتوهمه أَن يتوهمه بِصُورَة مركبة من حيوانات قد شَاهدهَا. فَأَما المعقولات فَلَمَّا كَانَت صورها ألطف من أَن تقع تَحت الْحس وَأبْعد من أَن تمثل بمثال الْحس إِلَّا على جِهَة التَّقْرِيب - صَارَت أُخْرَى أَن تكون غَرِيبَة غير مألوفة. وَالنَّفس تسكن إِلَى مثل وَإِن لم يكن مثلا لتأنس بِهِ من وَحْشَة الغربة. فَإِذا ألفتها وقويت على تأملها بِعَين عقلهَا من غير مِثَال سهل حِينَئِذٍ عَلَيْهَا تَأمل أَمْثَالهَا. وَالله الْمُوفق لجَمِيع الْخيرَات.
стр. 247
(مَسْأَلَة كَيفَ قوى الْوَهم على أَن ينقش فِي نفس الْإِنْسَان أوحش صُورَة وأمقت شكل)
وأقبح تخطيط وَلم يقو على أَن يصور أحسن صُورَة وألطف شكل وأملح تخطيط أَلا ترى أَن الْإِنْسَان كلما اعْترض فِي وهمه أوحش شَيْء عرته شمأزيزة وعلته قشعريرة ولحقه صدوف ورهقه نفور فَلَو قوى الْوَهم على تَصْوِير أحسن الْحسن تعلل بِهِ الْإِنْسَان عِنْد فرَاغ فَمَا هَذَا وَكَيف هَذَا وَلَا عجب فَلهَذَا الْإِنْسَان من هَذِه النَّفس وَالْعقل والطبيعة أُمُور تستنفد الْعجب وتحير الْقلب. جلّ من أودع هَذَا الْوِعَاء هَذِه الطرائف وَعرضه لهَذِهِ الغايات وزين ظَاهره وَحسن بَاطِنه وَصَرفه بَين امن وَخَوف وَعدل وحيف وحجبه فِي أَكثر ذَلِك عَن لم وَكَيف. الْجَواب: قَالَ أبوعلي مسكويه ﵀: إِن الْحسن هُوَ صُورَة تَابِعَة لاعتدال المزاج وَصِحَّة مناسبات من الْأَعْضَاء بَعْضهَا إِلَى بعض فِي الشكل واللون وَسَائِر الهيئات. وَهَذِه حَال لَا يتَّفق اجْتِمَاع جَمِيع أَجْزَائِهَا على الصِّحَّة وَلذَلِك لَا تقوى الطبيعة نَفسهَا على اتخاذها فِي الهيولى على الْكَمَال لِأَن الْأَسْبَاب لَا تساعد عَلَيْهَا أَعنِي أَنه لَا يتَّفق فِي الهيولى والأشكال وَالصُّورَة والمزاج أَن تقبل الصُّورَة الْأَخِيرَة على غَايَة الصِّحَّة. فَإِذا كَانَت الطبيعة تعجز عَن إِيجَاد هَذَا الِاعْتِدَال وَهَذِه الْمُنَاسبَة الصَّحِيحَة الَّتِي يتبعهَا الْحسن التَّام فكم بالحرى
стр. 248
يكون الْوَهم أعجز عَنهُ وَإِنَّمَا الْوَهم تَابع للحس والحس تَابع للمزاج والمزاج تَابع أثر من آثَار الطبيعة. وَمِثَال ذَلِك أَن الأوتار الْكَثِيرَة إِنَّمَا يطْلب بهَا وبكثرة الدساتين عَلَيْهَا أَن تخرج من بَينهمَا نَغمَة مَقْبُولَة وَتلك النغمة إِنَّمَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا بِجَمِيعِ الْآلَة وأجزائها من الأوتار والدساتين بالقرعات فالنغمة وَإِن كَانَت وَاحِدَة فَإِنَّهَا تتمّ بمساعدة جَمِيع تِلْكَ الْإِجْزَاء. فَإِن خَان وَاحِد مِنْهَا خرجت النغمة كريهة: إِمَّا بعيدَة من الْقبُول وَإِمَّا قريبَة على قدر عجز الْأَسْبَاب وقصور بَعْضهَا. فَكَذَلِك الهيولى فِي حَاجَتهَا إِلَى مزاج مَا بَين اسطقصات وصور أُخْرَى كَثِيرَة تصير بجميعها مستعدة لقبُول صور الْحسن الَّذِي هُوَ اعْتِدَال مَا ومناسبة مَا صَحِيحَة بَين أمزجة وأعضاء فِي الْهَيْئَة الشكل واللون وَغَيرهَا من الْأَحْوَال الَّتِي مجموعها كلهَا هُوَ الْحسن. وَالْحسن وَإِن كَانَ أمرا وَاحِدًا وَصُورَة وَاحِد فَهُوَ مثل النغمة الْوَاحِدَة المقبولة الَّتِي تحْتَاج إِلَى هيئات كَثِيرَة وصور مُخْتَلفَة جمة ليحصل من بَينهَا هَذَا الِاعْتِدَال المقبول. وَالوهم فِي خُرُوجه عَن الِاعْتِدَال سهل الْحَرَكَة. فَأَما فِي حفظه إِيَّاه وتوصله إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى تَعب شَدِيد وَأخذ مقامات كَثِيرَة واستخراج اعْتِدَال بَينهَا. وَهَكَذَا الْحَال فِي كل اعْتِدَال فَإِن حفظه والثبات عَلَيْهِ صَعب. فَأَما
стр. 249
الْخُرُوج عَنهُ فَهُوَ بِأَدْنَى حَرَكَة. فَإِن اتّفق أَن يكون لذَلِك الِاعْتِدَال تمامات من خَارج ومعاونات من أُمُور مُخْتَلفَة كَانَت الصعوبة
(مَسْأَلَة لم صَار السرُور إِذا هجم تَأْثِيره أَشد وَرُبمَا قتل)
وَقد حُكيَ الثِّقَة من تَأْثِيره أموراً. وَلَقَد خبرت وَالِدَة بعض النَّاس أَن ابْنهَا ولى إمرة فبرقت وانحرفت وَمَا زَالَت تنْتَقض حَتَّى مَاتَت. وَقَالَ لي ابْن الْخَلِيل: الْحيرَة الَّتِي تلْحق وَاجِد الْكَنْز هِيَ من إفراط فرحه وَغَلَبَة سروره وَلذَلِك مَا يبين على شمائله وينم بحركاته ويضيق عطنه عَن كِتْمَانه مابه وسياسته. وَلَا تكَاد تَجِد هَذَا الْعَارِض فِي الْغم والهم النَّازِل الملم وَقل مَا وجد من انشقت مرارته وانتقضت بنيته وانحلت معاقدة ومآسره بِخَبَر سَاءَهُ وناءه ومكروه غشيه وناله. فَإِن كَانَ فَهُوَ أَيْضا قَلِيل وَإِن سَاوَى عَارض السرُور فَذَاك أعجب والسر فِيهِ أغرب. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: قد مر جَوَاب هَذِه الْمَسْأَلَة فِي عرض مَا تكلمنا عَلَيْهِ فِي الْمسَائِل الْمُتَقَدّمَة. وَقُلْنَا: إِن النَّفس تُؤثر فِي المزاج المعتدل عَن الْبدن وكما أَن المزاج يُؤثر فِي النَّفس وَبينا جَمِيع ذَلِك وضربنا لَهُ الْأَمْثَال. ولسنا نشك أَن السرُور يحمر مِنْهُ الْوَجْه. وَأَن الْخَوْف
стр. 250
يصفر مِنْهُ. وَمَا ذَاك إِلَّا لانبساط الدَّم من ذَاك فِي ظَاهر الْبدن وغوره من الآخر إِلَى قَعْر الْبدن. والحرارة الَّتِي فِي الْقلب هِيَ الَّتِي تفعل هَذَا أَعنِي أَنَّهَا تنبسط فترق الدَّم تَارَة وتنقبض فتغلظة أُخْرَى. وَيتبع ذَلِك الْحَال السرُور وَيتبع هَذِه الْغم. فَإِذا كَانَ زَائِد الْمِقْدَار فِي أَي الطَّرفَيْنِ كَانَ - تبعه الْخُرُوج عَن الِاعْتِدَال. وبحسب الْخُرُوج عَن الِاعْتِدَال يكون الْمَوْت الْوَحْي أَو الْمَرَض الشَّديد.
(مَسْأَلَة مَا السَّبَب فِي أَن إحساس الْإِنْسَان بألم يَعْتَرِيه أَشد من إحساسه بعافية تكون فِيهِ)
حَتَّى لَو شكا يَوْمًا لِأَن أَيَّامًا وَهُوَ يمر فِي لِبَاس الْعَافِيَة فَلَا يجد لَهَا وَقعا وَإِنَّمَا يتبينه إِذا مَسّه وجع أَو دهمه فزع وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِر: والحادثات وَإِن أَصَابَك بؤسها فَهُوَ الَّذِي انباك كَيفَ نعيمها وَمِمَّا يُحَقّق هَذَا أَنَّك تَجِد شكوى الْمُبْتَلى أَكثر من شكر الْمعَافي وَإِنَّمَا لوجدان أَحدهمَا مَالا يجده الآخر. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: السَّبَب فِي ذَلِك أَن الْعَافِيَة إِنَّمَا هِيَ حَال ملائمة مُوَافقَة للْحَال الطبيعي من المزاج المعتدل الْمَوْضُوع لذَلِك الْبدن. والملائمة والموافقة لَا يحس بهما وَإِنَّمَا الْحس يكون للشَّيْء الَّذِي لَا مُوَافقَة فِيهِ. وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن الْحس إِنَّمَا أعطي الْحَيَوَان ليتحرز بِهِ من الْآفَات الطارئة عَلَيْهِ وليكون ألمه بِمَا يُرِيد عَلَيْهِ مِمَّا لَا يُوَافقهُ سَببا لتلافيه وتداركه قبل أَن
следующие страницы →